المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

محمود محمد علي: محمد حسين هيكل.. سادن الاستنارة في الفكر المصري المعاصر (2)

محمود محمد عليبدأ هيكل كتابة قصة "زينب" 1910م ونشرها كفصول في عام 1914م تحت اسم "فلاح مصرى" وحُولت في 1930 إلى فيلم، وهو أول فيلم مصري خالص ويحتل المركز الـ 85 في قائمة أفضل 100 فيلم مصري، وتم إعادة إنتاجه عام 1952 وكمسلسل في عام 1985م،  وكان هيكل قد سبق هذه الرواية بكتابة قصة بعنوان "هكذا خلقت"، وعدد من القصص القصيرة، وألّف عدة كتب مهمة كان لها أثر كبير في الساحة الثقافية العربية، ومنها "حياة محمد" و"سير حياة شخصيات مصرية وغربية"، و"في منزل الوحي"، و"الفاروق عمر"، و"مذكرات في السياسة المصرية"، و«الصديق أبو بكر»، و«ولدي»، و"عشرة أيام في السودان"، و«يوميات باريس»، و«الإمبراطورية الإسلامية والأماكن المقدسة»، و«قصص مصرية قصيرة»، و«عثمان بن عفان»، وكان هيكل يواظب على كتابة المقالات في الصحف المصرية، وخاصة في جريدة السياسة الأسبوعية التي كان يرأس تحريرها، وبعض تلك الكتب هو في الأصل مقالات ظهرت في الصحف ثم جمعها في كتاب.

ولهيكل الذي كتب في السياسة والحياة الاجتماعية كتب أخرى منها (عشرة أيام في السودان) و(السياسة المصرية والانقلاب الدستوري) بالاشتراك مع إبراهيم عبد القادر المازني ومحمد عبد الله عنان ونشر هذا الكتاب بعد أن صادر رئيس الوزراء إسماعيل صدقي صحيفة (السياسة) عام 1930 وله أيضا كتاب عنوانه (ثورة الأدب) وبه فصل عنوانه (الطغاة وحرية القلم) والذي “كأنه يرد على الحرب العلنية التي شنها صدقي على كتاب الصحف” كما قال أبو بكر في المقدمة.

ولهذا فقد تنوعت أعمال هيكل بين السياسة والدين والقصص وأدب الرحلات فمنها  "حياة محمد، وأبو بكر الصديق، عثمان بن عفان،  قصص مصرية قصيرة، مذكرات في السياسة المصرية، سير حياة شخصيات مصرية وغربية، وغيرها"، كما ترجم كتب عن بيتهوفن، شكسبير، شيلي، وله سبعة أبناء عطية ، تحية، حسين، هدية، بهيجة، فايزة، وأحمد، وتوفي في 8 ديسمبر 1956م.

وقد شهدت الحياة الفكرية لهيكل العديد من التغيرات، ولكن الانقلاب الكبير من العقلية التغريبية إلى معاداة الغرب هو أكبر معالم التغيرات في حياة محمد حسين هيكل الفكرية، ففي القسم الأول من حياته كان مؤمناً بالقيم الغربية والنزعة الفرعونية/المصرية التي كانت تنميها الثقافة الفرنسية والإنكليزية في حياة المصريين. ولذلك وقف كل المواقف المؤدية إلى تعزيز الهوية المصرية وقطع صلتها مع العروبة والإسلام، فآزر في هذا الاتجاه علي عبد الرازق وطه حسين وأحمد لطفي السيد في دعوتهم إلى النزعة المصرية وتمثل قيم الحضارة الغربية بعُجَرِها وبُجَرِها من دون أن يرى فيها أي خلل أَو نقص أَو خطأ.

ولكن هذه القناعة سرعان ما تزلزلت عندما نظر محمد حسين هيكل إلى الغرب بعين فاحصة لسلوكه وقيمه وأخلاقه؛ لقد كانت الحرب العالمية الأولى هي التي أثارت هيكل فرأى الوحشية الغربية، ورأى ازدواجيتها في قيمها وأخلاقها وعاداتها، ورأى أن الحرية التي تدعو إليها باطلة لا أساس لها من الصحة لأن الغرب لا يرعى حرمة أحد ولا قيمه، يطالب الجميع باحترام قيمه.

وكتابه "ثورة الأدب" كان أكثر كتبه تعبيراً عن هذه المرحلة وطبيعتها، ففيه يبدو واضحاً التأصيل للهوية المصرية المستقلة عن العرب، ولم ينقصه في هذا المجال التركيز على الحرية والإيمان بها والدعوة إليها بمختلف صورها وأشكالها وخاصة منها حرية العقل والتفكر والبحث العلمي ولكنه سرعان ما استنكر النزعة الفرعونية عندما أدرك أن أصحابها ينفخون في هذه النزعة التعظيمية للفرعونية ليس لما للفراعنة من قيمة وإنَّمَا لقطع الصلة مع العرب والإسلام فقط فانقلب على هذه النزعة أيضاً.

وفي عام 1933م اجتاحت مصر حملة التنصير المسيحي، واستقبلتها أقلام كثيرٍ من المثقفين إما بالترحيب المضمر وإما بالتقليل من شأنها بدعوى الحرية والعصرية، فأحس هيكل بالغبن ولم يجد بدًّا من الانخراط في معركة كشف الحقائق وتوضيحها وتوجيه النقد للحكومة على صمتها وتقصيرها. ولكن استجابة الحكومة كانت عكسية، وبدل أن تنهض للتعامل مع هذه الحملة نهضت للتحقيق مع محمد حسين هيكل ومحاكمته بتهمة إثارة الفتنة والوقيعة بَيْنَ الأديان، خاصَّة أَنَّهُ اتَّهم إدارة الأمن الإنكليزي في وزارة الداخلية المصرية بالضلوع بهذه الحملات وتيسير الطَّريق أمامها.

هذا الرد من الحكومة دعا هيكل إلى التفكير بطريقة أخرى فرأى في العودة إلى التراث العربي والإسلامي وتقديمه الدفاع المناسب عن الهوية والتراث، فكانت كتبه الكثيرة التي مثلت المرحلة الثالثة من مراحل فكره، وفي هذا يقول: "وكان من أثر هذه الحركة التنصيرية وموقفي منها أن دفعني للتفكير في مقاومتها بالطريقة المثلى التي يجب أن تقاوم بها، ورأيت أن هذه الطريقة المثلى توجب عليَّ أن أبحث حياة صاحب الرسالة الإسلامية ومبادئه بحثاً علميًّا، وأن أعرضه على الناس عرضاً يشترك في تقديره المسلم وغير المسلم".

كما ناقش الدكتور محمد حسين هيكل، قضية "الإسراء والمعراج" خلال كتابه الذي حمل عنوان "حياة محمد"، حيث استعرض فيه السيرة النبوية بأسلوب راق وحديث، يخاطب القراء المعاصرين والمتلقى غير العربى وغير المسلم أيضا، وخلاله يحاول تفسير ظواهر مثل الوحى والنبوة وجبريل والملائكة، ويقف طويلا عند بعض القصص الشائكة.

وجاء في الكتاب: في الإسراء والمعراج في حياة محمد الروحية معنى سامٍ غاية السموِّ، معنى أكبر من هذا الذي يصوِّرون، والذي قد يشوب بعضه من خيال المتكلمة الخصب حظٌّ غير قليل. فهذا الروح القويُّ قد اجتمعت فيه في ساعة الإسراء والمعراج وحدة هذا الوجود بالغة غاية كمالها لم يقف أمام ذهن محمد صلي الله عليه وسلم وروحه في تلك الساعة حجاب من الزمان أو المكان أو غيرهما من الحجب التي تجعل حكمنا نحن في الحياة نسبيٍّا محدودًا بحدود قوانا المحسَّة والمدبِّرة، والعاقلة. تداعت في هذه الساعة كل الحدود أمام بصيرة محمد صلي الله عليه وسلم ، واجتمع الكون كله في روحه، فوعاه منذ أزله إلى أبده، وصوره في تطور وحدته إلى الكمال عن طريق الخير والفضل والجمال والحق في مغالبتها وتغلبها على الشر والنقص والقبح والباطل بفضل من الله ومغفرة.

وقد اتخذت مزاولة النقد عنده مسلكين : مسلك يتجه نحو الإطار النظري، وآخر يتجه نحو التطبيق ، وبينهما وشائج قائمة .

وكان من الإطار النظري عنده أن الأدب تعبير عن صور الحياة ، وأنه مرآة العصر، وينبغي أن يجد فيه القراء أصداء أنفسهم وما يضطرب في مجتمعهم من مشكلات ، ولا ريب في أن فكرة كهذه جديدة يومئذ . فلقد كانت أعين الشعراء تنظر في الشعر العربي القديم وتستقي منه مادة شعرها . ولا ترى في وقائع الحياة شيئا صالحا أن يكون مدار أدب في الشعر أو النثر ، فلما دعا هيكل إلى أن يكون الأدب موصولا بالحياة ، وعزز دعوته بان كتب رواية (زينب) ذات الصلة الوثيقة بالمجتمع المصري ، وضع قدميه على سلم الريادة في النقد الأدبي الحديث.

وقد اقتضت هذه الفكرة (الأدب تعبير عن الحياة) حتى تشيع وتكون لها مكانة في الثقافة العربية الحديثة ، تآزر جيل من الأدباء النقاد في طليعتهم طه حسين ، وجماعة الديوان (شكري والعقاد والمازني)، إذ التقت جهودهم جميعا على جعل الأدب شعرا ونثرا تعبيرا عن الحياة القائمة ، وليس استعادة لما قاله الأقدمون .

اتخذ هيكل هذا المبدأ النقدي وشرع ينظر بة إلى الآثار الأدبية ليقول أين تتصل بالحياة وتعبر عنها ، وأين تبتعد . وترجع إلى عصور سلفت، وقد وضح ذلك من خلال كتابه الشهير " حياة محمد" ، وهذا الكتاب قد قاده إلى وضع عدة أمور عدة لخصها هيكل بقوله: " بدأت أراجع تاريخ محمد وأعيد النظر في سيرة بن هشام وطبقات بن سعد ومغازي الواقدي وعدت إلى كتاب سيد أمير علي (روح الاسلام) ثم حرصت على أن اقرأ ماكتب بعض المستشرقين لكن مالقيت من إقبال وتشجيع من طائفة شيوخ المعاهد جعلني أفكر تفكيرا جديا في تنفيذ مااعتزمت عليه من كتابة حياة محمد هي الطريقة العلمية الحديثة.

وفي تقديم الكتاب يقول هيكل وفي الأسطر الأولى مانصه (بهذا الاسم الكريم تنطق ملايين الشفاة وله تهتز ملايين القلوب كل يوم مرات وهذه الشفاة والقلوب به تنطق وله تهتز منذ اربعمائة والف سنة الا خمسين وبهذا الاسم الكريم ستنطق ملايين الشفاة وتهتز ملايين القلوب الى يوم الدين ) هذه هي بداية العلمية التي يقررها وينتهجها هيكل.

ثم أتبع هيكل كتابه “حياة محمد” بكتاب بديع عن رحلته في أرض الحجاز بعنوان “في منزل الوحي”، كتبه بأسلوب رفيع، ووقف على الأماكن التي وقف فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- يتلمس سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويستخلص العبرة والمثل، والكتاب يجمع بين المشاهدة العيانية، والبحث التاريخي، والرؤية العاطفية في بيان خلاب، وعناية بأدق التفاصيل.

وفي نهاية حديثنا عن للأديب المبدع " محمد حسين هيكل "  لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة للعالم الكبير الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لهيكل الذي لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

...........................

هوامش المقال

1- محمد سيد محمد، هيكل والسياسة الأسبوعية ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1966م.

2- محمد لطفي السيد ومحمد لبيب شقير، الدكتور محمد حسين هيكل ، مطبعة مصر، القاهرة 1958م.

3- عزة عبد الحميد: محمد حسين هيكل رائد السرد و ;أبو الرواية المصرية.. مقال منشور بتاريخ 20-8-2021 | 12:53

4- محسن المالكي: مع محمد حسين هيكل في (حياة محمد)، مقال منشور بالحوار المتمدن-العدد: 4714 - 2015 / 2 / 8 - 22:11.

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5562 المصادف: 2021-11-27 02:01:10


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5827 المصادف: الجمعة 19 - 08 - 2022م