حوار مفتوح

majed al gharbawiصادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والتسعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

مستويات الفعل الأخلاقي

ماجد الغرباوي: نعود لمستويات الفعل الأخلاقي: (الفعل بذاته، الفعل كممارسة سلوكية، الفعل عندما تتعلق به إرادة خارجية: دينية أو عرفية أو قانونية). لتحديد حكم العقل إزاء كل واحد منها:

أولاً: الفعل بذاته

عندما نتحدث عن الفعل الأخلاقي نقصد الفعل بذاته، قبل ارتهانه لأية إرادة خارجية. الفعل بما هو، قد يتصف بالحُسن أو القُبح. ويكون حكم العقل ناظرا للمفهوم بما هو مفهوم، وينصب على الصورة الذهنية أو مفهوم العدل والظلم بغض النظر عن مصاديقهما الخارجية. سواء كان المفهوم منتزعا من الواقع الخارجي أو ليس له مصداق خارجي، فيتكفل الذهن برسم صورته. أي الفعل قبل أن تشوبه شوائب الواقع. العقل العملي يحكم بحُسن الصدق ووجوب الإتيان به، بما هو مفهوم، بينما يختلف الأمر حينما يتأثر ذات المفهوم بفعل آخر. لذا فأحكام العقل الأولية أحكام مطلقة لا تخصص، بينما تخضع لمؤثرات الواقع وقد تخصص أو تقيد. العقل ينظر للصدق بما هو صدق بذاته، ثم يحكم بحُسنه، ويكون حكمه مطلقا. وهكذا باقي المفاهيم الأخلاقية. فالحكم الأولي للعقل العملي ناظر لمفهوم الفعل الأخلاقي. وسيتغير حكمه إذا تأثر بالواقع، كما لو أدى الصدق إلى مقتل إنسان، فإنه عنوان جديد ينظر له العقل.

والعقل هنا معيار، يرتكز في تحديد الموقف العملي لذات الفطرة أو الطبيعة الإنسانية. فعندما يحكم العقل العملي بحُسن الصدق وقُبح الكذب، ينظر لمفهوم الصدق بذاته، وكيفية انعكاسه على الفطرة السليمة. كما يرصد ردة فعل الطبيعة الإنسانية من الكذب مثلا. فهو يستأنس بالفطرة في أحكامه، ويقرر ماذا يجب أن أفعل. وهذا الشعور يمثل قانونا أخلاقيا يحكم الجميع عند كانط، يجب احترامه، لضمان العيش المشترك مع الآخرين بوئام وسلام تحت مظلة المساواة والقانون. والمسألة واضحة، الفطرة البشرية واحدة، والاستعداد الكامن فيها واحد، وقد أشارت آيتان لهذا المعنى. فالخطاب القرآني يؤكد قانونية الفطرة البشرية: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)، (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا). فالعقل بتجرده، وهو العقل العملي المحض، يمكنه إدراك الموقف العملي أو السلوكي، والإجابة على سؤال: ماذا يجب أن أفعل؟. كما لو توقف على الكذب إنقاذ نفس محترمة، فهل يتجاوز حكم العقل العملي ويكذب؟ أم يتوقف عن الكذب إخلاصا للموقف الأخلاقي؟. وسبق التأكيد أن الضرورات لا تغير من الحقائق شيئا، فالكذب مهما كانت ضروراته يبقى كذبا، يحكم العقل بقبحه، ويوبخ الضمير مقترفه.

ثانيا: الفعل كممارسة سلوكية

إن المقصود بالعقل في المرحلة السابقة عقل مجرد، خالص، حيادي، لا تتنازعه رغبات الأنا العميقه ولا مؤثرات الواقع، فيمكنه إدراك الموقف الأخلاقي، العملي في سؤال: ماذا يجب أن أفعل؟. غير أن الأمر يختلف في مرحلة الممارسة والسلوك العملي، مرحلة الواقع، وهو يكابد الحياة، يتأثر بمصالحه الشخصية وضروراته الاجتماعية، ويقع أسيرا لرغباته، وما يحقق طموحاته التي قد تتطلب التضحية بالموقف الأخلاقي. أو يقع تحت ضغط العادات والتقاليد، فيلتف على ضميره بالتبرير، حفاظا على حيثيته ومكانته، وقد يسحقه ليؤكد ذاته وانتماءه الاجتماعي، الذي هو انتماء وجودي بمعنى التحقق الخارجي. فالمرحلة السلوكية مرحلة تمحيص للإرادة الخيرة، ومدى وفائها لقضايا الإنسانية. الواقع مختبر الأخلاق. غير أن الواقع لا يغير من حقيقة الفعل الأخلاقي وشروطه. وما لم يصدر الفعل عن إرادة خيرة ودوافع إنسانية خالصة لا يصدق أنه فعل أخلاقي بالمعنى الحرفي للمصطلح، حتى مع شموله بعناوين أوسع كعنوان الخير بمفهومه الأعم من الفعل الأخلاقي، لأن الثاني من مدركات العقل العملي، أما عنوان الخير بمفهومه المطلق، فلا يشترط صدوره عن إرادة خيرة ومشاعر إنسانية، فقد يصدر الخير من المرائي والكاذب والسارق، وكل من ارتبطت مصالحه بفعل الخير لوجاهة دينية أو اجتماعية أو سياسية. فمن يتصدق على الفقير بأية نية يحقق فعل الخير وهو مساعدة الفقير، لكن لا يصدق على الفعل مفهوم الفعل الأخلاقي ما لم يستوف شروطه. وأجد في آية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ)، إشارة لما بينته، فما لم يتصدق بدافع إنساني، أخلاقي، يمكن أن يمنّ على الفقير ويجرح مشاعره، فتنقلب صدقته لعنة ووبالا على الفقير. فالآية تؤكد بشكل غير مباشر على الفعل الأخلاقي النابع عن مشاعر إنسانية، وضمير حي يتعاطف مع أخيه الإنسان: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا). ووجه الله تعبير آخر عن المشاعر الإنسانية، والفطرة السليمة.

الضمير الأخلاقي

بهذا نفهم، لا يمكن ارتهان مستقبل مجتمع الفضيلة، الذي نسعى له،  لعنوان الخير بمفهومه العام، ولا بد من سلوكيات أخلاقية، تحفظ للمجتمع توازنه، وتحقق مصداق الفضيلة التي تفضي للسعادة. غير أن المشكلة التي تواجه الفعل الأخلاقي، أن العقل يهدر حياديته وتجرده، مع تقاطع المصالح، وانجذابه لرغباته الشخصية والاجتماعية، بعد معاناة نفسية، تضعه بين خيارين، قد ترهن سلوكه ومشاعره، إذا ما تخلى عن قيمه الأخلاقية، وفشل الضمير في أداء وظيفته.  لذا نتطلع، ونحن نتحدث عن الأخلاق، لقوة تحول دون تخلي الإنسان عن قيمه ومبادئه الإنسانية والأخلاقية عند مواجهة التحديات. قوة تعيد للضمير قوته وصموده. ليس لدى الإنسان نوازع خير وشر، بل لديه مكامن للخير والشر. ولديه استعداد لكليهما، وما لم تتغلب الطبيعة الخيرة عليه، يسود الشر، ليملأ الفراغ السلوكي. لذا تمام الرهان على ضمير الإنسان، عندما يكون رقيبا صارما، يحول دون الظلم والعدوان واستغلال الإنسان، تحت أية ذريعة. وهذا ما يدعونا للبحث عن قوة مؤثرة تضمن لنا ديمومة رقابة الضمير، وقوة العزم والإرادة، فتارة يعاني الفرد بسبب ضعف إرادته، لا بسبب موت ضميره، فينعكس على سلوكه، حينما يتخلى عن وظيفته الأخلاقية.

والضمير الحي هو رهان الأخلاق في قدرتها على أداء وظيفتها الإنسانية، ومع أخفاقه تتلاشى قيم الفضيلة، ويحل الشر محل الخير، وتسود الرذيلة بدلا من الفضيلة، ويحل الظلم والجور بدلا من العدل والإحسان. فيصح أن فعلية الأخلاق مرتهنة لقوة إرادة الإنسان وضميره الحي، القادر على كبح رغباته والحد من نزواته. فالضمير هو نقطة قوة الإنسان، وقد ينهار رغم قوته ومتانته. أو يصمد بوجه العواصف النفسية والمؤثرات الخارجية. وبالتالي لا تكفي التوعية الاخلاقية والثقافة الإنسانية لضمان مجتمع فاضل، ما لم نضمن يقظة الضمير، وضمان عدم فشله في المواقف الخطيرة، وهنا لا تكفي الفطرة ولا يسعفك العقل حينما يطغى الإنسان، وينسى قيمه ومبادئه، وينساق مع رغباته وطموحاته. فالفطرة مهما كانت سليمة تتلوث بارتكاب الرذيلة وإدمان الموبقات. وأما العقل فينساق لا إراديا ويتحول من عقل معياري إلى عقل أداتي، يجعل من المنفعة مقياسا للفضيلة، بدلا من المبادئ الإنسانية، فلا يبالي حينئذٍ بسحق أخيه الإنسان من أجل تحقيق مصالحه وغاياته. فالضمير هو القلاع الأخيرة التي إذا انهارت تنهار جميع القيم الإنسانية، ومع موت الضمير، ينأى المجتمع عن الفضيلة والقيم الإنسانية، وتتحكم به المنفعة واللذة والمصالح الشخصية والأيديولوجيات السياسية والدينية. ويسود العنف والظلم والجور، فنخسر الإنسان، ومن ثم نغامر بمستقبل المجتمع. وبالتالي كيف نحمي الضمير كإجراء احترازي لضمان فاعليته ورقابته وعدم انهياره في المواقف الصعبة؟. وكيف نشحذ عزيمة الإنسان، ونرفع من همته وإرادته؟

وأقصد بالضمير كما مرّ تعريفه في بحث سابق، استدعيه لارتباطه الوثيق بهذا الموضوع. الضمير: وازع نفسي، ورقيب ذاتي، يضبط الأداء السلوكي للفرد. وهو وازع أخلاقي، يعبّر عن الفطرة السليمة، يبعث في النفس مشاعر السعادة والارتياح بعد كل عمل سوي، ويشعر بالتأنيب حينما يقترف قبيحا. وهو رقيب فطري عبّرت الآية عن أحد وجهيه: (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ). والنفس اللوامة ضمير حي، يؤنّب صاحبه، عندما يؤوب لرشده ويندم على فعله. واللوم صفة إنسانية حميدة، يصدر عن وجدان نظيف وقلب نقي. وأيضا هو مشترك أخلاقي، ترتهن له العلاقات الاجتماعية ورعاية حقوق الآخرين. والضمير الحي رهان ناجح لحفظ توازن المجتمع، وتقويم سلوكه أخلاقيا، لضمان ديمومة قيم الفضيلة، التي تخشى طغيان النفس، فيكون الضمير رقيبا مؤثرا، بفعل مرجعياته وميله الفطري للخير. عليه يُعتمد في تطبيق الأنظمة والقوانين عند غياب السلطة والرقابة الاجتماعية. وبما أن فاعليته ترتهن لنقاء النفس، أكدت الكتب السماوية على تزكيتها. وحثت القيم الاجتماعية على حياته، فهو قاسم بشري مشترك. سلطته أقوى من العنف والمغريات. وعندما يكون الضمير حيا يأمن الناس بعضهم الآخر، وتسود الثقة والاطمئنان. وعندما تكون الإرادة قوية لا ينكص الإنسان أمام الباطل والرذيلة والظلم والعدوان. والعكس صحيح عند انعدام الضمير.

ومعنى حيوية الضمير، تمثّل الآخر ومشاعره عبر الذات، وقياس ردود فعله عليها، فيتعامل مع الإنسان بما هو إنسان، كتعامله مع نفسه، بعيدا عن لونه وأصله ودينه وطائفته. يحترم حقوقه وحيثيته. يرفض هدر كرامته مهما كان منبوذا أو فقيرا أو منقطعا، ليبقى إنسانا بمشاعره وأحساسيه. يمتنع عن تأنيبه بكلام جارح، ويعتذر حينما يُخطئ بعيدا عن خصوصيته ومكانته الاجتماعية، فالضمير الحي يوازن العلاقات الاجتماعية على أسس إنسانية. ومقوّم أساس لمجتمع الفضيلة، والأقدر على اسقاط جيمع الاعتبارات المزيفة، والبقاء على إنسانية الإنسان عند تعامله مع الآخر، مهما بلغ حجم الفوارق. وفي المأثور: "حب لأخيك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها". وعن الرسول: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ". كلها تريد بقاء الضمير الإنساني حيا، يقظا، يراقب ويقوًم. فكيف السبيل؟.

الضمير والدين

لقد ذهبنا إلى استقلال الأخلاق عن الدين بمعنى التشريع، وأن الحُسن والقُبح ليس ما حكم الشرع بهما، بل ما حكم العقل به. وهذا لا يمنع أن يكون للدين بمعنى الإيمان دور في الأخلاق دون المساس بشرط الفعل الأخلاقي، فتبقى الاستجابة له منبثقة من أعماقه الإنسانية واستجابة للواجب الأخلاقي. الفعل الأخلاقي فعل سلوكي، يواجه باستمرار تحديات تختبر صموده، وقد يخفق الضمير اتجاهها، فيأتي دور الإيمان ليعزز دوره الرقابي، ويحول دون تراخيه أو نكوصه، فدائرة اشتغال الدين هي ديمومة يقظة الضمير الذي يرتهن له الفعل الأخلاقي في تحفيزه ورقابته. والضمير مشترك إنساني، يرتهن له الفعل الأخلاقي في إخلاصه ونقائه الإنساني. كما للدين دور كبير شد عزيمة الإنسان وصموده أما النفس ومغرياته، وأمام الواقع وتحدياته، مهما كانت قاهرة.

ويقصد بالإيمان الإيمان بكائن أعلى يتصف بالقداسة والكمال والسمو، سواء كان الخالق الحقيقي أو أي كائن أسمى أو أعلى، رغم التفاوت في رمزية كل واحد منهما، فمن يؤمن بالخالق الحقيقي، يؤمن لا بمطلق كماله وسموه فقط، بل يشعر وهو بين يديه بالرهبة والخوف الحقيقيين. ويؤمن ثمة لقاء بعد الموت يحاسب فيه الإنسان على سلوكه وتصرفاته، فهومسؤول لا محال، وعلى هذا الأساس يخشاه، ويسعى لرضاه، ورضاه يتجلى بتمثل الخُلق الإنسانية. ومن شأن هذا الشعور يقظة الضمير الديني، وقوة العزيمة، ومن ثم ديمومة القيم الإنسانية. فالمؤمن هنا لا يرتهن فعله الأخلاقي لأمر تشريعي، ولا خوفا من عقاب أو رغبة في ثواب، بل يخشى انهيار ضميره الديني وتقواه، فتراه رقيبا عليها، يحرض باستمرار ضميره ليتمتع بسلطة أقوى لمحسابة النفس من خلال رقابته. ونحن هنا بصدد حماية الضمير الإنساني من الانهيار، والإيمان يحقق هذا الهدف دون المساس بشروط الفعل الأخلاقي. وهذه نقطة مهمة لتفادي الالتباس. لا نريد ارتهان الفعل الأخلاقي لغير الواجب الأخلاقي، وإنما نسعى لحصانة الضمير، وتحصينه ضد الانهيار والنكوص. وتحصين الضمير يختلف عن ارتهان الفعل لغير اخلاق الواجب العقلي.

وإنما أوكد على هذا الجانب لأني أتطلع لفعل أخلاقي يؤثر في الواقع، ولا يبقى مجرد مفاهيم تجريدية، تنهار في أول تجربة عملية، فالحديث عن الإرادة الخيرة أو الفعل الأخلاقي الإنساني، أقصد ذلك الفعل الذي يترك أثرا في الواقع، ويحقق تراكما أخلاقيا يسود المجتمع، وتظهر أثاره جلية عندما تلعب الفضيلة دورا حقيقيا في حياة الفرد والمجتمع. من هذا المنطلق أعوّل على الدين بمعنى الإيمان لحماية الضمير الإنساني من الانهيار، إذ مع انهياره تنهار منظومة القيم الأخلاقية، وتسود الفوضى. وهنا لا أتحدث عن الأوامر الإلهية أو الأحكام الشرعية، وأقصد تقاطع الإرادتين الديني والأخلاقية، ولست بصدد بيان مدى صدقية مفهوم الفعل الأخلاقي إذا جاء بدافع الترغيب والترهيب أو الخوف من القانون والعقاب، فكل هذا مؤجل للمرحلة الثالثة، عندما تتعلق بالفعل الأخلاقي إرادة خارجية. والكلام هنا عن الإيمان تلك الحالة الروحية التي ترتهن حياة الإنسان ويشعر معها بالطمئنينة والسلام. ويتأتى الإيمان عبر تراكمات لا شعورية، نفسية – ثقافية، هي سر تفاوته من شخص إلى آخر. فتؤثر في تكوينه جميع المؤثرات السلوكية والاجتماعية والسياسية والعلمية والثقافية والتربوية، لذا لا تلازم بين الإيمان وصحة العقيدة فقد يؤمن الفرد بشيء ليس له واقع، وقد يؤمن بخرافة تستنكرها يقظة العقل، لكن إيمانه يبقى مؤثرا جدا في سلوكه. وهذه ليست دعوة لتبني الإيمان الخرافي إطلاقا، وأنما الكلام عن الإيمان كحالة نفسية وشعورية تساعد على يقظة الضمير الإنساني. وقد سبق أن ذكرت: لا يكفي مجرد اليقين دليلا على صدقية الإيمان، بل يجب أن يكون منشأه برهانياً، ليكتسب حجية ذاتية. وأما المناشئ النفسية لليقين والإيمان فلا تكون معذّرة ومنجّز، وهو حال الأغلبية المطلقة للناس. فالمنهج العقلي لا يكتفي بحسن نية وطوية الفرد، بل يطالب بأدلة يمكن الاستدلال عليها، لخطورة الإيمان، وما يترتب عليه من تداعيات خطيرة. (أنظر كتاب: النص وسؤال الحقيقة).

وللإيمان بوجود كأئن أسمى أو بوجود خالق حقيقي للكون والإنسان، آلياته في ترسيخ القيم الأخلاقية، وتحصين الضمير ضد الفشل والانهيار، وبعث العزيمة وقوة الإرادة لدى الفرد الأخلاقي، تجعل منه كائنا إنسانيا يساهم في دفع عجلة الحضارة.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi14صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة السابعة والتسعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

الوعي الأخلاقي

ماجد الغرباوي: تقدم، إذا كان هدف إدراك العقل هو معرفة الشيء دون العمل به، من قبيل إدراك حقائق الوجود، فإن مبدأ الإدراك يسمى عقلا نظريا. ويسمى عقلا عمليا إذا كان هدفه تحديد الموقف العملي، باعتباره معيارا للتميز بين الخير والشر والحُسن والقُبح. فيصدق أنه: مبدأ إدراك "ماذا يجب أن أفعل؟"، بإزاء الواقع. لا بمعنى توقف الفعل الأخلاقي على نتائجة، بل يبقى إرادة خيرة بدواقع إنسانية، لتجسيد إنسانية الإنسان. يمتثل له المكلف كواجب أخلاقي ملزم بحكم العقل العملي، تحققت أو لم تتحقق مقاصده. وهذا شرط الفعل الأخلاقي، ولا خلاف في ذلك. إنما أعني، أن الفعل الأخلاقي يضفي معنى أخلاقيا على الواقع، ويطبعه بطابعه الإنساني، قصده أو لم يقصده... معنى يساهم في ترسيخ قيم الفضيلة والخير والعقلانية وسمو النوايا البشرية، خاصة العلاقات الاجتماعية وعلاقة الـ"أنا" بالآخر. ويحول دون اتخاذ الإنسان وسيلة لتحقيق أهدافه، بغض النظر عن خصوصيتها، فإن الإنسان يبقى إنسانا تحت أي ظرف كان.  وبشكل أدق أن الاستجابة للفعل الأخلاقي كواجب إنساني، يترك أثرا ينعكس على الواقع وروابطه الاجتماعية، وبذلك يكتسب المجتمع طبيعة أخلاقية، تسودها العدالة، ويعم الخير، لأن الأخلاق ممارسة سلوكية، وكل ممارسة تترك أثرا، إيجابيا أو سلبيا. ويغدو تربة صالحة لنمو قيم الفضيلة. فهناك إذاً أثران للفعل الأخلاقي، الأول انعكاسه على النفس البشرية، حينما تنشرح لفعل الخير، وتشعر بسعادة كبيرة، وراحة ضمير، تتلاشى معها أنانية الفرد، وضيق أفقه الأخلاقي، ويغدو مهيأ لتحمل تبعات فعله، مادام منطقه إنسانيا يرى فيه صورته. بينما يحدث العكس مع اقتراف الشر، أو مع عدم الاستجابة لنداء الضمير، فيشعر بتأنيبه، وهو شعور نفسي ضاغط، لمن كان ضميره حيا، وهو ما تصوره آية: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ). ومع كل فعل أخلاقي تسمو الروح وتسمو الأخلاق ويعيش الفرد مشاعر روحانية، تتطلع للكمال.

وأما الانعكاس الثاني فما يتركه الفعل الأخلاقي على العلاقات الاجتماعية، وروح الجماعة والشعور بالمسؤولية تجاه الآخر الذي هو رهان مجتمع الفضيلة. وهذه نتيجة مهمة ربما لم يُكشف عنها سابقا. بمعنى آخر، أن الواقع ماثل أمام العقل العملي حينما يصدر أوامره. ومثوله هو رؤية الأنا ضمن محيطها الاجتماعي، بجميع خصوصياته وتناقضاته وملابساته، فهو فرد له استقلاليته، وبنفس الوقت جزء لا يتجزأ من مجتمعه، حتى قيل قديما: الإنسان اجتماعي بطبعه. وعليه يمكن تصور وعي الفرد لذاته ولغيره على ثلاثة أنحاء:

1- تارة يعي الشخص ذاته بما هي ذات إنسانية مستقلة، ذات مشاعر تشارك بها الآخر الإنسان، وتميّزها عن غيرها من الكائنات، وهي الوسط  الذي يتجلى فيه معنى "حب لأخيك كما تحب لنفسك"، تجليا مرآتياً، يرى فيه الآخر نفسه، فقط يقيسه على نفسه بل يراه نفسه، عندما يقرر ماذا يجب أن يفعل. فوعي الآخر في امتداده الإنساني، هو رهان العقل العملي. وهو القانون الكوني الذي يرتهن له الفعل الأخلاقي. فحينما تقدم على فعل تستحضر الآخر في ذاتك، وتضعه في موضعك وأنت تريد وعي الحالة أو الظرف الذي يمر به، فتبادله ذات المشاعر الإنسانية، وأنت تقرر ماذا يجب أن تفعل. لذا يجب أن تتمنى له ما توده لنفسك من الخير، وتبادر له كواجب إنساني. ويلزمك الفعل الأخلاقي دفع الأذى عنه كما تحب ذلك لنفسك. فتكون نفسك الحرة مقياسك لفرز العمل الأخلاقي عن غيره. ومن شأن هذا إشاعة قيم أخلاقية سامية. وهو ما نتوخاه لتفادي انهيار القيم والمبادئ الأخلاقية. ولازم كون الاستجابه للفعل الأخلاقي، استجابة للواجب، عدم ارتهانه لمقاصده، كالثواب والعقاب. والخوف والرجاء، كي يفقد الفعل قيمته الأخلاقية، ويغدو مقايضة، لا يبادر له ما لم يضمن جزاءه. لذا أكدت أن الأحكام الأخلاقية في القرآن، إرشاد لأحكام العقل العملي. وأما تعلق الآوامر الإلهية بالفعل الأخلاقي، وهو أهم المباحث الأخلاقية، فسيأتي.

2- وتارة ينظر الإنسان للذات بما هي جزء من المجتمع وثقافاته وعاداته وتقاليده ورؤيته الدينية. فالذات هنا تختزن الكل الثقافي، دون الخضوع لسلطته ما لم يضمن الفعل الأخلاقي شروطه في وحدة الموضوع والحكم. غير أن تلك الخلفية تكشف له عن الواقع حينما يريد الاستجابة لنداء الضمير، بدوافع إنسانية خيرة فقط وفقط. فهو كما يعي ذاته مستقلة عن محيطها الاجتماعي، يعي تحيزها الاجتماعي ومختلف انحيازاتها. فقد يتعارض الفعل الأخلاقي مع أعراف وتقاليد المجتمع، وحينئذٍ، ينبغي له التحقق من نواياه ودوافعه.

3- وثالثة يعي الفرد ذاته ضمن حركة الوجود، باعتباره مركز الخلق، فكيف يكون فعله الأخلاقي؟. لا فرق بين من يؤمن أو لا يؤمن بوجود الخالق أو الكائن الأسمى، إذ ليس للإنسان وجود مستقل عن الوجود. هو جزء منه يتأثر به ويؤثر فيه، خاصة في ظل الفتوحات المعرفية المذهلة، التي لا يمكن السيطرة عليها إلا بتمثل القيم الأخلاقية، حيث بات من السهل فناء مجتمعات كاملة خلال دقائق، باستخدام أسلحة محرمة. أو التلاعب بالجينات الوراثية، مما يؤثر سلبا على الطبيعة البشرية للإنسان، أو استباحة القيم الإنسانية بعنوان حقوق الإنسان. لا شك بشرعية حقوق الإنسان لكن ينبغي أن لا تهدر قيمته ومكانته الوجودية، كما تدعو له النظرية النسوية الرادكالية المتطرفة، حيث التمركز حول الأنثى، وإرساء ثنائية صلبة تفصل بين الذكر والأنثى، فتنعدم فرص التكامل البيولوجي والإنساني، الذي يحكم العلاقة بين الرجل والمرأة منذ وطأت أقدامهما الأرض. ويدعو هذا الاتجاه للاستغناء عن الرجل، باللجوء لأساليب جنسية، تستغني بها المرأة عن الرجل. ولا ريب أن دعاة هذه النظرية يستبعدون الأخلاق الإنسانية بالأخلاق الطبيعية بدعوى أنها تبيح للإنسان ما كان يتمتع به في بداية حياته الاجتماعية. لكن من قال أن هدر القيم الإنسانية كانت جزءا من أخلاقياته؟ كيف تكاثرت البشرية، وكيف تطورت وأنشأت علاقات اجتماعية.

 وبالتالي، الفعل الأخلاقي يشتمل على رؤية كونية للكون والوجود والإنسان والحياة وما بعد الموت لمن كان مؤمنا بوجود عالم ما ورائي، ووجود يوم للحق والعدل، هو يوم المعاد، كما تؤكد عليه الأديان. إذاً، ليس الفعل الأخلاقي مجرد إرادة خيرة بل إرادة تنبثق عن إنسانية الإنسان، بعيدا عن أية خصوصية تباعد بينه وبين إنسانيته التي هي إنسانيتك. فيكون فعلا أخلاقيا محضا، مجردا، يحقق معنى الإنسانية التي نفتقدها اليوم في ظل عالم تحكمه القوة وشريعة الغاب والأنانيات البشعة، حتى أبادوا الملايين من السكان الأصليين في أمريكا واستراليا وغيرهما من الدول، بوصفهم شعوبا متوحشة أو غير متحضرة. فهل تعتبر إبادتهم عملا أخلاقيا يراد به حماية المجتمع البشري؟.

إن هذا التصور للفعل الأخلاقي ضمن أبعاده الثلاثة يضفي معنى على سلوك المجتمع، يساهم في تكريس القيم الإنسانية وقيم الفضيلة. فينبغي عدم التعامل مع الأخلاق بنظرة تجريدية بعيدا عن الواقع، كي نحقق نحن / المجتمع ما نصبو له من الفعل الأخلاقي. بمعنى آخر لا تكفي الإرادة الخيرة بمفردها شرطا للفعل الأخلاقي ما لم ينبثق الفعل بدافع إنساني، يعمل على تطوير الواقع البشري، فمع كل فعل أخلاقي نكرس إنسانية الإنسان في تعامله مع الذات والآخر والمجتمع والوجود. إضافة لذلك، إن وعي الفعل الأخلاقي في بعده الإنساني، كشرط أساس لصدقيته، يحول دون تزييفه تحت أية ذريعة، دينية أو عرفية. وهو ما تعانيه المجتمعات فعلا، حيث تمارس الرذيلة والعنف والقتل، بل والإبادات الجماعية واستغلال الإنسان، دون رادع أخلاقي، بذريعة تارة تكون دينية وأخرى عرفية وثالثة المصلحة العامة، التي في أغلب الأحيان مصلحة الأنظمة الشمولية والاستبدادية، التي تستبيح كرامة الإنسان وحيثيته وثرواته. والقضية نسبية، فما تفعله الدول بدافع المصلحة يفعله الأفراد والجماعات بدافع الحفاظ على الهوية أو تأكيد الذات من خلال نفي الآخر، وإقصائه أو قتله. تجده في أكثر الدول تطورا حضاريا، عندما تهدر مركزية الغرب أو مركزية أمريكا كرامة الآخر، باعتباره هامشا يدور حول مركزه، وليست دول الشرق أقل إجراما كروسيا والصين وغيرهما. وعلى هذا الأساس اقترفت الحروب جرائم بشعة، سحقت الإنسان الذي هو هدف الخلق وهدف الأخلاق ورهان الله مع ملائكته. واستباحت جميع القيم، حتى انقلبت موازين الخير والشر، وراح تسويف الأخلاق يطال كل القيم الروحية والدينية.

بهذا يتضح الفارق بين العقلين النظري والعملي. الأول يقصد معرفة الشيء، والثاني يحدد موقفا عمليا من الواقع. وهي وظيفة العقل العملي، باعتباره معيارا للتمييز بين الخير والشر والحُسن والقُبح؟ وهذا يضعنا أمام مسوؤلية كبيرة، مسؤولية حماية الوعي من التزييف كي يأخذ العقل دوره في حماية الإنسان، عندما يكون حرا، قادرا على اتخاذ قراراته بذاته، وهي عملية شاقة في ظل تآمر مستمر لترويضه ومن ثم اغتياله، وذلك عندما تنقلب مهمته من معيار للتمييز بين الخطأ والصواب منطقا، وتمييز الخير من الشر أخلاقيا، وتمييز الحُسن من القُبح جماليا، إلى أداة تربط الحق والخير بالمنفعة دون اعتبار لأية قيم إنسانية. يقول محمد عابد الجابري: (أما اليوم فنحن نشاهد العقل يتحول من معيار منطقي وأخلاقي إلى مجرد أداة حتى أصبح يوصف بالعقل الأداتي: مهمته تحقيق النجاح بدون اعتبار لأي شيء آخر، فأصبح النافع هو الحق وليس العكس. وبعبارة أخرى تعرفون مرجعيتها الفلسفية: العقل الأداتي هو العقل الذي يربط الحق والخير والحسن بالمنفعة والنجاح، شعاره كل ما يحقق النجاح فهو حق وصواب وجميل. ومن الطبيعي أن ينساق هذا العقل الأداتي مع شعار: الغاية تبرر الوسيلة). وعندما يتحول العقل إلى أداة لتزوير الوعي، تنقلب القيم من قيم إنسانية تعلو على الأنانية والمادية والنفعية إلى قيم مادية، شريرة، تجعل من المنفعة مقياسا للفعل الأخلاقي، ولو على حساب إنسانية الإنسان فضلا عن استغلاله واتخاذه وسيلة لتحقيق مآربه. ليست هناك جريمة أكبر من هدر كرامة الإنسان، وقد كرمته السماء قبل الأرض: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً). وهذا يكفي سببا لتأكيد شرط الإنسانية في الفعل الأخلاقي، من أجل خلق واقع عملي، يجد فيه الإنسان إنسانيته، وأجواء آمنة تضمن كرامته وحريته. الإنسان محور الوجود، كما ذهبت لذلك في نظرية الخلافة أو نظرية الإنسان في مقابل نظرية العبودية، التي تضحّي بالفرد لصالح التشريع، وتنسى أن الأحكام الشرعية قائمة بملاكاتها ومصالحها التي هي مصالح الإنسان، وليس الله بحاجه لأحد. وأن هدف حركة التاريخ قرآنيا تحرير الإنسان، واستعادة إنسانيته: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)، بعيدا عن أية ولاية، وهذا معنى تحريره، أن يتولى شؤونه بنفسه، بما أودع الله فيه من قدرات عقلية، وضمير حي يراقب سلوكه وتصرفاته، ليضعه دائما على الطريق الصحيح. فالغاية النهائية للأديان عودة الإنسان لمركزيته، غير أن الخطاب الديني السائد وفي جميع الأديان، سلب الإنسان حريته، وارتهانها إما لنصوص فرضوا ولايتهم على فهمها، أو لفتاوى تسلب الفرد حريته، بدافع القداسة والخوف من اليوم الآخر. وهذا مكمن الخطر، الذي يستدعي وعيا قادرا على تشخيص الحقيقة، بعيدا عن أية سلطة فوقية، مقدسة أو غير مقدسة. سواء عدالة الصحابة أو عصمة الأئمة أو قداسة الفقيه أو رجل الدين بشكل عام أو أي عنوان يسلب الفرد حريته.

إن تحرير العقل غاية سامية نسعى لتأصيلها، من خلال فهم جديد للدين يأخذ بنظر الاعتبار مركزية الإنسان، ويراعي مصالحه، ولا يفرط بحريته وإنسانيته وعقلانيته. إذ نفهم من الآية المتقدمة ومن مقاصد الرسالات السماوية، تحرير الإنسان من عبودياته، الدينية وغير الدينية، واستعادة مركزه، ليتحقق هدف الخلق من وجوده وجعله خليفة في الأرض. وهذا يتوقف على وعي الإنسان لحريته، وعدم ارتهانها لأية جهة سوى عقله المعياري القادر على التمييز والتشخيص. الحرية لازم وجودي للإنسان، لا يمكن لأحد سلبها إياه. وعندما تسعى الأديان لتحريره فهي بالحقيقة تستعيد حريته من قبل النظام العبودي ومن ثم القبلي فالأبوي. بينما راح الفقهاء يكرسون العبودية تحت عناوين شرعية، حتى بات الفرد يفتخر بعبوديته للسلطان مهما كان ظالما جبار متكبرا. لذا لا يتحقق الفعل الأخلاقي ما لم يعِ الإنسان كينونته وحريته. بل لا يصدق الفعل الأخلاقي بدونها. الحرية هنا تعني التحرر المطلق إلا من وعي الذات وإنسانيته. فصدقية الفعل الأخلاقي مرتهن لحرية الفرد، وهذه نقطة مهمة، تقمع منطق التبرير والاعتذار، وتبقي الفعل الأخلاقي فعلا إنسانيا، ينطلق من مشاعر عميقة، غير مرتهنة لأية جهة خارجية. وهذا ما أكده محمد باقر الصدر في تعريفه للعقل العملي: (العقل العملي هو ما يكون لمُدركه تأثير عملي مباشر دون الحاجة لتوسّط مقدّمة خارجيّة)، والأخلاق من مدركات العقل العملي. وعدم الحاجة للمقدمات تعني تحرر الفرد، وعدم خضوعه لأية سلطة وهو يتخذ موقفه من الواقع سوى مدركات العقل العملي.

إن خسارة الإنسان لحريته يؤثر سلبا على قراراته، حداً قد لا يجد بأسا باضطهاد الآخر وربما تصفيته اجتماعيا أو جسديا. وقد يضفي على سلوكه صفة أخلاقية، تقمع ضميره وشعوره الإنساني. مهما كانت الجهة التي ترتهن حريته، دينية أو أيديولوجية. فالحرية شرط أساس في صدقية الفعل الأخلاقي، أو ستنقلب الموازين وتفقد الأخلاق أصالتها، وتستبدل بأخلاق مكتسبة، نسبية، تزرع في الإنسان روح العبودية والطاعة والانقياد. فلا أمل في وجود مجتمع فاضل أو مجتمع إنساني، تسوده القيم الأخلاقية الأصيلة، مع استلاب الحرية وارتهانها لأيديولوجيات متقاطعة في أهدافها ورؤيتها الكونية. فمثلا يغدو التسامح الحقيقي الذي أعنه به كما جاء في كتاب التسامح ومنابع اللاتسامح: (الاعتراف بالاخر وبحقوقه المشروعة حقيقة، لامنّة ولا تكرما، باعتبار تعدد الطرق الى الحقيقة). أو (التسامح يعني: الاعتراف بالآخر، والتعايش معه على أساس حرية العقيدة وحرية التعبير، لا تكرما ولا منّة، وإنما حق، باعتبار تعدد الطرق إلى الحقيقة، لا نسبيتها). (أنظر: ص23). وهذا كفيل أن يجعل التسامح فعلا أخلاقيا، يتقوم بالروح الإنسانية المشتركة، بينما يفقد التسامح الشكلي صفته الأخلاقية، عندما يلغي المشاعر المشتركة التي هي رهان الفعل الأخلاقي. وتبقى خطوط التماس بين الثقافات والأديان والقوميات هشة، تنهار عند أول اختلاف يضر بمصالح أحدهما. لذا لست مع التعريف الاصطلاحي المشهور للتسامح الذي يراد به: (موقفا إيجابيا متفهما من العقائد والأفكار، يسمح بتعايش الرؤى والاتجاهات المختلفة، بعيدا عن الاحتراب والإقصاء، على أساس شرعية الآخر المختلف دينيا وسياسيا وحرية التعبير عن آرائه وعقيدته). (ص21). إذ لا يكفي الموقف المتفهم في صدقية التسامح الحقيقي، وفقا لشروط الفعل الأخلاقي، ما لم يتضمن اعترافا حقيقيا بالآخر. ولا ريب أن هذا الفهم للتسامح ضروري في ظل أجواء التناحر والاقتتال حول احتكار الحقيقة، واحتكار طرق الوصول إليها، لكنه لا يفي بالشرط الأخلاقي. وحينئذ كيف يمكن تكييف هذا التعريف أخلاقيا مع ارتهان الوضع الأمني له؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 


 

majed algharbawi13صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة السادسة والتسعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

الإلزام والأخلاق

ماجد الغرباوي: كانت العلاقة بين الدين والأخلاق أحد مشاغل علم الكلام قديما، ومازال الباحثون يقاربونها من زوايا مختلفة، دينية أو عقلية، باعتبارها إحدى مدركات العقل العملي. وخلاصة المسألة كما تقدم: قال المعتزلة وتبعهم الشيعة بالحُسن والقُبح العقليين. ولازمه اتصاف الفعل بالحُسن والقُبح بذاته، بغض النظر عن الأوامر والنواهي الإلهية. وأيضا سيكون ملزما للفرد إما عقلا أو شرعا، حيث يكون حكم الشرع مرشدا لحكم العقل، أو كلاهما. بينما نفى الأشاعرة قدرة العقل على تشخيص الحُسن والقُبح بعيدا عن الأوامر والنواهي الإلهية. وأن الحسن ما حكم الشرع بحُسنه، والقبيح ما حكم الشرع بقُبحه، ولازمه عدم اتصاف الفعل بالحُسن والقُبح بذاته. وهذا القدر من البحث في مجال الأخلاق ما عاد يكفي في ظل تطور العلوم الإنسانية وتعدد الاتجاهات الفلسفية. وثمة قضايا مهمة لم يتطرق لها علم الكلام القديم، أهما تحديد مصدر الإلزام في الفعل الأخلاقي الذي نحن بصدده؟ وما هو مفهوم الفعل الأخلاقي وما هي شروطه. وإذا كانت الشريعة مصدر الإلزام بالنسبة للاتجاه الثاني، فإن الاتجاه الأول مطالب بتحديد مصدر الإلزام. إذ لا يكفي اتصاف الفعل بالحُسن والقُبح الذاتيين وجوب الإتيان به كفعل أخلاقي. فيجب تحديد مصدر الإلزام، هل هو العقل أو الفطرة أو كلاهما؟ وكيف؟ وما هي آلية العقل في ذلك؟. لذا فإن العقل العملي عند كانط مسؤول عن تحديد الموقف العملي في سؤال: "ماذا يجب أن أفعل". كما لو توقف نجاة شخص على الكذب وعدم بيان الحقيقة، ففي هذه الحالة يطرح على نفسه: ماذا يجب أن أفعل؟. وهل سيخرج الكذب عن كونه قبيحا في حالات الضرورة أم لا؟. فالعقل هو مصدر الإلزام عنده. وأن نفس الإدراك العقلي موجب للإلزام. ويعتقد كانط أن (شعورنا الأصلي بالإلزام الأخلاقي هو جزء من طبيعتنا التي خلقها الله). ولدى محمد باقر الصدر كما تقدم: أن (العقل العملي هو ما يكون لمُدركه تأثير عملي مباشر دون الحاجة لتوسّط مقدّمة خارجيّة). فيكون نفس الإدراك موجبا للتكليف. ورغم أهمية هذا التعريف لكنه لا يفسر كيفة إدراك العقل للفعل الأخلاقي. لذا اقترحت تعريف العقل العملي: "مبدأ إدراك "ماذا يجب أن أفعل؟" أو تحديد الموقف العملي. فيؤخذ العقل كمعيار لتمييز الصواب عن الخطأ، وتمييز الخير عن الشر، وتمييز الحُسن عن القُبح. غير أن عملية إدراكه تتوقف على استلهام ما تستشعره النفس البشرية في التمييز بين الخير والشر، كما تقدم بيانه. لأن مدركات العقل العملي ليست مدركات تجريدية محضة، بل لها علاقة بالواقع وانعكاساته، لذا هو عقل عملي وليس عقلا نظريا تجريديا، وعندما يكون عمليا يأخذ بنظر الاعتبار الجانب الموضوعي، ليأتي الفعل متوازنا، منسجما مع الفطرة الإنسانية. أو ما يحقق شمول العقل العملي وكونيته. لذا فإضافة للفطرة والعقل كمبدأ للإدراك هناك وعي الذات، التي تمثل فضاء لإدراك العقل من خلال ما تمده الفطرة بمشاعر. فهي من الناحية النظرية تبدو عملية مركبة، وأما عملا فهما شيء واحد، يقتصر فيه دور الفطرة على استشعار انعكاسات الفعل الأخلاقي، مثلها مثل الخلايا الكهربائية التي تتحسس الضوء، كما تقدم بيانه، فهي ليست مرجعية مستقلة، ولا توجد اثنينية، بل عملية واحدة. وهذا يختلف ما إذا كان حكم العقل العملي مرتهنا لجهة خارجية، تملي عليه إرادتها. الفطرة هنا لا تملي شيئا، سوى استشعار انفعالات النفس البشرية من خلال مجسات مجهزة بها فطريا. لذا يشترط أن يكون الإنسان حرا، قادرا على تحديد الموقف الأخلاقي، في جواب سؤال: "ماذا يجب أن أفعل"، دون الحاجة إلى مقدمات وإملاءات خارجية. فالكلام إذاً عن آلية عمل العقل العملي، وما هي مرتكزاته. فيأتي استشعار الفطرة ضمن آلية عمله، وليست مرجعية مستقلة، فيصدق أن العقل العملي يقع في امتداد الفطرة أو الجانب الشعوري لدى الإنسان. ونحن بالوجدان نستشعر طبيعة الفعل، ما إذا كان خيرا أو شرا. عدلا أو ظلما من خلال انفعالات النفس قبل تقرير العقل العملي، ماذا يجب أن أفعل، بغض النظر عن الدين أو أية جهة خارجية، ونشعر بتأنيب الضمير، وشعور عميق في نفوسنا يعكس مدى تأثرها بالفعل الخارجي. فالعقل يلحظ ما تشعر به النفس، ويحكم وفقا لمبادئه. فقد تتعاطف مشاعر الإنسان مع الكاذب عندما تتوقف حياته على الكذب، غير أن للعقل منطقه الخاص، في ضوئه يصدر أحكامه، دون تجاهل ما تشعر به النفس تجاه الفعل، فهي تبتهج للخير والجمال، وتبتئس من الشر والقبح، ومزودة بمجسات، تميّز بها الخير عن الشر، والحُسن والقُبح، فيكشف شعورها النابع من طبيعتها واستعدادها الفطري للخير والشر عن خصائص الفعل. والتمييز الذي يمهد لكليهما، هو لازم استعدادها الفطري، فتسمو النفس بالعمل الأخلاقي، وتتلوث الفطرة بإدمان العمل الطالح.

خلاصة ما تقدم أن مصدر إلزام الفعل الأخلاقي هو العقل العملي ارتكازا على مشاعره الفطرية. بمعنى أدق أن آلية العقل العملي في تحديد الموقف العملي في سؤال ماذا يجب أن أفعل؟ ترتكز على المشاعر الفطرية، التي هي مشاعر أصيلة، وكونية، وشاملة. فالعقل يكون معيارا، يستمد معياريته من المشاعر الإنسانية الأصيلة، التي هي مشاعر فطرية وقانون أخلاقي كوني. وشرط الأصالة شرط احترازي لاستبعاد ما يطرأ فيما بعد على فطرة الإنسان، من خلال بيئته الثقافية. فيكون الفعل الأخلاقي مشروط بالحرية، بمعنى التحرر من جميع القيود، وانعتاقه من أي حكم مسبق.

بهذا نفهم أن الأخلاق سابقة على العقيدة، كامنة في الطبيعة البشرية للإنسان، وهي مشاعر كونية مشتركة. وبالتالي فالمفاهيم الأخلاقية ومدركات العقل العملي، نابعة من الطبيعة البشرية، وليست قضايا متفق عليها بين أبناء الجنس البشري تبعا لمصالحهم العامة، كما يذهب لذلك بعض الباحثين. فهي مفاهيم متعالية، بينما المصالح البشرية نسبية، تختلف من فئة إلى أخرى، ومن مجتمع لغيره، تبعا لمختلف الظروف الاقتصادية والثقافية والاستراتيجية. فتنعدم المشتركات الكونية، بينما المفاهيم الأخلاقية الأصيلة هي مفاهيم مشتركة، وأحكام شاملة تصدر عن العقل العملي، الذي يرتكز في أحكامه على الطبيعة البشرية. فينبغي دراسة مدركات العقل العملي كأحكام مستقلة عن العرف والعادة، لأننا بصد قانون عام، وهذا لا يتحقق في ظل تباين المصالح العامة للفئات والمجتمعات.

الفعل الأخلاقي

يرى كانط أن الفعل الأخلاقي هو "الفعل النابع من الشعور بالواجب"، فيستثنى الفعل الصادر عن رغبة أو ميل أو عاطفة أو منفعة. ويعرف مذهبه الأخلاقي بمذهب الواجب في مقابل مذهب اللذة والمنفعة. ويقصد بالواجب "ضرورة أداء الفعل احتراما للقانون العقلي في ذاته"، بغض النظر عن نتائجه، تحققت أم لا؟ المهم أنك أتيت بالواجب احتراما للقانون العقلي. وعنده أن المبدأ الأخلاقي الوحيد الذي لا تشوبه شائبة هو "الإرادة الخيرة" (كتابه: أسس ميتافيزيقا الأخلاق). فهي الخير الوحيد لذاته، والمطلوبة لذاتها دون قيد أو شرط. بخلاف غيرها من الأمور التي يمكن أن تستخدم للخير أو الشر. وهي الخير الوحيد الذي يستمد خيره من ذاته لا من المقاصد التي تحققها. فالارادة الخيرة غاية في حد ذاتها وليست وسيلة. وهذا أشبه بالقول المأثور: "نية المرء خير من عمله".

لا شك في أهمية النية بالنسبة للعمل، ولا شك أنها خير بذاتها، غير أن الفعل الأخلاقي كما أعتقد هو الفعل الذي يحقق إنسانية الإنسان، ولا يكفي التوقف عند الإرادة الخيرة، لأننا نتطلع لموقف عملي. وما لم يحقق إنسانية الإنسان يُستبعد الفعل، مهما كان ظاهره الخير، كالرياء الذي يصعب رصده بسهولة، فإنه يخرج عن كونه فعلا أخلاقيا. الفعل الأخلاقي يترك أثرا تكونينا حينما يزكي النفس ويجردها من أنانيتها وطموحاتها المخلة بالأخلاق، ويغدو الآخر نفسه عندما يتعامل معه على أساس إنساني. وهذا الفهم ينسجم مع رؤيتي للمشروع السماوي الهادف لإقامة مجتمع الفضيلة، بل ينسجم مع كل مشروع مثالي، يسعى لتحقيق السعادة. وبالتالي فالإرادة الخيرة تتحقق بالفعل الإنساني، الذي لا يقصد منه سوى تحقيق إنسانية الإنسان. فمن يمد المساعدة للآخرين رغم ما فيها من تبعات أحيانا، فإنه يفعل ذلك بدافع أخلاقي، نابع من إنسانيته. أي بما أنه إنسان أولاً وقبل كل شيء، فإن إنسانيته تفرض عليه الإلتزام بالفعل الإخلاقي لتأكيد صدقية إنسانيته. فإن مجرد إرادة الخير التي يعتبرها كانط الفعل الأخلاقي الوحيد المطلوب لذاته، يواجه مشكلة نسبية مفهوم الخير بلحاظ مصاديقه. بينما الفعل الأخلاقي بدافع إنساني يختزل الخير بما يحقق تراكم الخير الإنساني. الخير العصي على التوظيف لمقاصد شريرة. فيكفي نسبية الخير بلحاظ مصاديقه ولو تصورا، في العدول عن مفهوم الفعل الأخلاقي عند كانط إلى ما هو أكثر تمحضا للخير. فالعمل الأخلاقي "ما يحقق إنسانية الإنسان". وعندما تتحقق إنسانية الإنسان بالفعل الأخلاقي يساهم في تعزيز الأمن والاستقرار والسعادة، وهي أهداف سامية، يطمح لها الإنسان السوي. لا خلاف حولها بين السماوي والأرضي، فتكون قانونا عاما، ومشتركا إنسانيا، ينبثق عن إنسانية الإنسان، ويكون الإلزام فيه إلزاما إنسانيا، يحقق به الإنسان إنسانية دون قصد منه. بمعنى أدق أن شأن الفعل الأخلاقي تحقيق إنسانية الإنسان، وحينما لا يحققها لا يعد فعلا أخلاقيا. فيبقى الفعل الأخلاقي مطلوبا لذاته، لا يستمد خيره من مقاصد. وتحقيق إنسانية الإنسان هي الخير الأسمى، ذلك الجوهر الذي ترتهن له صدقية الإنسان. وبهذا التعريف للفعل الأخلاقي نخلق روح المبادرة والاندفاع الذاتي لعمل الخير. وقد أكدت التعاليم الدينية على إنسانية الإنسان، بعيدا عن أية خصوصية دينية أو إيمانية، ليأتي الفعل بدوافع إنسانية خالصة، كما في قوله تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) لا تمييز على أساس ديني. (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ)، فأيضا مطلقة، دون لحاظ أية خصوصية سوى إنسانية اليتيم والسائل. غير أن فتاوى الفقهاء ارتهنت الفعل الأخلاقي لدوافع طائفية وسياسية، فقالوا مثلا بعدم جواز إعطاء الزكاة للمخالف، ويقصدون به من خالف مذهبهم. وأجازوا استباحة المحرمات الإنسانية بذات الدوافع، حتى فقد الدين تأثيره، وصار متهما، تنسب له كل مآسي الخطابات الدينية خاصة الفقيهة منها.

فنخلص أن الدافع الإنساني، وليست الإرادة الخيرة فقط، هو شرط صدقية الفعل الأخلاقي. وبالتالي: "الفعل الأخلاقي ما يحقق إنسانية الإنسان". وبهذا تنفتح الأخلاق على مساحات واسعة في الحياة، ويمكنها أن تكون رهانا ناجحا لتحقيق الخير الأسمى، حيث تختفي الرذائل، ويتحقق السلام والوئام الإنساني، وتترسخ استراتيجية الأمن الإنساني على أساس أخلاقي، إذ لا مبرر لاقصاء الفعل الأخلاقي مادام يحقق إنسانية الإنسان. خاصة التعريف المنطقي للإنسانية الجامع لكل فعل يجسد إنسانية الإنسان، ويمنع دخول الأغيار، وهو كل فعل لا يجسد إنسانية الإنسان، فيقتصر ما هو حسن بذاته، وهي مجموعة قيم إنسانية متعالية وليست مكتسبة. بل أن الأخلاق المكتسبة لا يصدق عليها تعريف الفعل الأخلاقي. وبهذا نفهم خطأ التعميم في النظرة الوضعية التي ترى الأخلاق ظاهرة اجتماعية، وإن القيم الأخلاقية مكتسبة. والصحيح ثمة قيم أصيلة تجسد معالم إنسانية الإنسان، بها يصدق على الإنسان إنسانا، وبها يختلف عن غيره من الكائنات، وإلا لا معنى آخر لمفهوم الإنسانية سوى تجلياتها الاجتماعية وعلاقة الإنسان بذاته وبالآخر. فالقول المأثور: (حب لأخيك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لنفسك)، وأيضا في وصية الإمام علي لولده الحسن، نهج البلاغة: 31: (يَا بُنَيَّ، اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيَما بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ، فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَاكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا، وَلاَ تَظْلِمْ كَمَا لاَ تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ، وَأَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ، وَاسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُ مِنْ غَيْرِكَ، وَارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِكَ، وَلاَ تَقُلْ مَا لاَ تَعْلَمُ وَإِنْ قَلَّ مَا تعْلَمُ، وَلاَ تَقُلْ مَا لاَ تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ). كل هذا يؤكد أن هدف الإنسان وخيره الأسمى تحقيق إنسانية الإنسان، فتراه يبادر لعمل الخير، بدافع إنساني ذاتي، مجرد، محض، سواء تحققت أهدافه أم لا؟ فيأتي بالفعل لذاته لا لغيره، لا خوفا ولا طمعا. لذا يبادر لمساعدة الآخرين بعيدا عن أية خصوصية، ويعتبر مساعدتهم واجبا أخلاقيا محضا، ويمد يد المساعدة لكل محتاج. فهو لا يسأله عن دينه وخصوصيته حينما يهمُ بمساعدته، بل يبادر فورا لمساعدته، وهذا هو الاندفاع الذاتي الذي يصدق مفهوم الفعل الأخلاقي عليه. وهذا ما ذهب له كانط في تحديد القانون الأخلاقي: "افعل الفعل بحيث تعامل الإنسانيّة في شخصك وفي شخص كلّ إنسان سواك بوصفها دائما وفي نفس الوقت غاية في ذاتها، ولا تعاملها أبدا كما لو كانت مجرّد وسيلة". (ينظر المصدر السابق). ولا يتحقق هذا ما لم يتمتع الفرد برؤية إنسانية تدفعه لعمل الخير. فعندما تساعد فقيرا، تارة تنظر للمساعدة بما هي مساعدة، قد تبادر أو لا تبادر لها، وأخرى تنظر للفقير بمنظار إنساني تتحسس معاناته من الفقر والحاجة والخصاصة، وتبادر لاسعافة بدافع إنساني محض، تنسى معها كل خصوصية، فلا تسأل عن دينه وإيمانه وانتمائه، وتنظر له إنسانا مثلك، يعاني قساوة الحياة. فالعمل الأخلاقي يزكي النفس، ويفتح لها آفاق السمو والرفعة الإنسانية، وبهذا، تتحقق السعادة، من خلاق تحقق إنسانية الناس جميعا. فينبغي لحاظ ما بإزاء الإرادة الخيرة، وهو تحقق إنسانية الإنسان.

وينبغي التأكيد أن الدوافع الإنسانية للفعل الأخلاقي، لا تُخصص، ولا يمكن توظيفها أو تزيورها، فالكذب مثلا يبقى كذبا، مهما كانت ضرورته، ومهما كان تعاطفنا مع المضطر، فهو يبقى كذبا وقبيحا لا يتصف بأية صفة أخلاقية. ومهما كان مبررات الكذب لا تحقق إنسانية الإنسان، فيصنف ضمن أفعال الاضطرار من باب تقديم الأهم على المهم. وتقديم الأهم على المهم استثناء، فلا يشمله مفهوم الفعل الأخلاقي. بمعنى آخر لا يوجد في قاموس الأفعال الأخلاقية انقلاب القبيح إلى حسن بفعل الاضطرار. ويبقى فعل المضطر مجرد استثناء تتوقفت عليه مصالح كبرى. ويبقى استثناء اقتضته الضرورة، لتوقف مصلحة أهم، كإنقاذ نفس محترمة من الموت أو الهلاك. لذا لا يتلاشى تأنيب الضمير، ويكفي بتأنيب الضمير مؤشرا على الفعل الأخلاقي.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi12 (1)صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والتسعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

العقل والأخلاق

ماجد الغرباوي: اتضح هناك ثلاثة مستويات للفعل، يتعلق بكل واحد منها حكم، قد يكون أخلاقيا أو يرتهن لنوايا ودواعي فاعِلهِ: (الفعل بذاته، الفعل كممارسة سلوكية، الفعل عندما تتعلق به إرادة خارجية: دينية أو عرفية أو قانونية). وقبل بيان ما بإزائها من حكم نوضح ما هو المقصود من العقل العملي، وما هي مرجعياته؟.

العقل العملي:

هناك أكثر من تعريف للعقل العملي. ثمة من لا يفرّق بين العقل النظري والعقل العملي. وعنده أن العقل واحد، هو مبدأ الإدراك، يسمى بالعقل النظري إذا كان الغاية من إدراك الشيء معرفته، كإدراك حقائق الوجود. وإذا كان هدف الإدراك العمل، فيسمى بالعقل العملي. في مقابل من يعتقد أن التفاوت بين العقل النظري والعقل العملي تفاوت جوهري، وفي طبيعة الأداء الوظيفي لكلّ منهما. فيبقى العقل النظري مبدأ للإدراك والعقل العملي مبدأ للدوافع والمحفزات. وقد نُسب هذا القول لابن سينا. (أنظر موسوعة العقائد الإسلامية،ج1). وأما المتداول في تعريفه: (العقل العملي باصطلاح المناطقة هو ما يعبر عنه بالحسن والقبح عند المتكلّمين، والمعبَّر عنه بالخير والشرّ عند الفلاسفة، والمعبَّر عنه بالفضيلة والرذيلة في اصطلاح علماء الأخلاق). وهذه التعاريف غير تامة، لأن الحسن والقبح والخير والشر والفضيلة والرذيلة أحكام صادرة عن العقل العملي، وليست هي العقل العملي، لذا عرّفه محمد باقر الصدر في كتابه دروس في علم الأصول: (العقل العملي هو ما يكون لمُدركه تأثير عملي مباشر دون الحاجة لتوسّط مقدّمة خارجيّة).

ويمكن تعريفه باعتباره معيارا: (العقل العملي: مبدأ إدراك "ماذا يجب أن أفعل؟"). وذلك عندما تواجه موقفا عمليا، كالكذب في حالات الخوف والضرورة. هل يجب أن أكذب أم لا يجب؟. بهذا لا يقتصر العقل العملي على إدراك الحُسن والقُبح، بل إدراك ماذا يجب أن أفعله. في الحالة الأولى يقتصر دوره على التشخيص، بينما الحالة الثانية يكون العقل ينشء حكم الوجوب أو النهي، ودافعا للإتيان به أو الامتناع عنه. فالتحفيز على الفعل أو الترك لازم لإدراك العقل العملي. ويكون نفس إدراكه محفّزا ومحركا نحو الفعل أو الترك بذاته، دون توسيط مقدمة خارجية. وبالتالي، فإن المراد بالعقل الأخلاقي: عقل حيادي، مستقل، غير مرتهن لأي حكم مسبق. أحكامه عامة، مطلقة، لا تخصص. وهو عقل كوني (بوصف كانط)، ومشترك إنساني، يمكن الاحتكام له لمعرفة حقيقة الفعل الأخلاقي. وهو معيار لتسوية الآراء المختلفة، يمييز بين الخطأ والصواب، والخير والشر، والقًبح والحُسن. وبهذا سيكون العقل العملي معيارا وفقا لمحمد عابد الجابري: (العقل معيار يمكّن الإنسان من التمييز بين الصواب والخطأ على صعيد المعرفة، وبين الخير والشر على صعيد الأخلاق، وبين الحسن والقبح على صعيد الفن والجمال). وعليه فالعقل العملي، مبدأ للإدراك والتمييز والإلزام. وهو مؤهل ذاتا للحكم، وأحكامه ملزمة، دون الحاجة لتوسط مقدمات خارجية، عكسا للعقل النظري الذي لا يستوجب من إدراكه للواقع التحرك العملي، كإدراك العقل لوجود الله لا يستلزم أثراً عملياً دون توسّط مقدّمة، كإدراك حقّ المولويّة وأنه الجدير بالطاعة. فيمكنك الاكتفاء بإدراك العقل لوجود الخالق، لكنه إدراك نظري لا يستتبع عملا. بينما تستلزم مدركات العقل العملي التحرك للإتيان أو عدم الإتيان بالفعل. لذا فإن "ما حكم به العقل حكم به الشرع"، وفقا للقاعدة المعروفة لديهم في أصول الفقه. فالعقل العملي يستتبع العمل.

وبهذا يكون المرء أمام أحكام العقل العملي مباشرة. ويكون مسؤولا عن سلوكه وتصرفاته أمام ضميره الإنساني. بمعنى أدق سوف لن يكون الدين وتشريعاته مبررا لسلوكه المخالف لأحكام العقل العملي، كالظلم والعدوان. وكان موقف موسى النبي مِن قتل الغلام على يد العبد الصالح تعبيرا واضحا عن أحكام العقل العملي القاضية بقُبح الظلم. فأعلنها بوجهه: (قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا). فكانت إدانة موسى من وحي قيمه وأخلاقه ومشاعره الإنسانية. هذا هو الأصل في أحكام العقل العملي، وهذا هو الأصل في موقف الإنسان من العدل والظلم. لا يمكنه تبرير سلوكه تحت أية ذريعة. بهذا نفهم أن السلوكيات المنحرفة محكومة بالظلم والعدوان، لا يمكن لأحد تبريرها، مهما رفعت من شعارات دينية وطائفية، خاصة القتل تحت شعارات دينية وطائفية. ومن أي شخص أو جهة صدرت. بهذ انتهينا إلى نتيجة مهمة: (بموجب مدركات العقل العملي القادر على تمييز الخير من الشر. والحسن من القبيح. والعدل من الظلم، يكون الفرد مسؤولا عن سلوكه مباشرة، وهو لازم استقلالية الأخلاق عن الشريعة).

 بينما من السهل على من يرى تبعية الأخلاق للشريعة تبرير سلوكياته مهما كانت مجافية للعدل والإحسان، وقد ينقلب الفعل اللا أخلاقي إلى فعل أخلاقي، وتختل الموازين الإنسانية، وتضيع الحقوق، وتهدر حيثيات الناس. لذا فالأحكام الأخلاقية في القرآن إرشادية لأحكام العقل العملي كما أكدت مراراً. وما حكم به العقل حكم به الشرع، فتكون الأولوية للعقل والأخلاق في حالات التعارض بين العقل والشرع. إن أحكام العقل ثابتة، مطلقة، لا تقبل التخصيص، ولا يمكن التشبث بالشريعة لتبرير أي عمل لا أخلاقي، للأسباب التي تقدم ذكرها. خاصة مع تعدد فتاوى الفقهاء حول القضية الواحدة، واختلاف مرتكزاتهم العقائدية، ومبانيهم الفقهية والأصولية والرؤية الكونية. بل حتى النصوص الصريحة لا يمكن الاستدلال بها، كقتل المعارض، مادامت خاضعة لشروطها التاريخية، وعدم ضمان فعلية موضوعات أحكامها. فأغلب أحكام القتال كانت ناظرة لواقع محدد، وقضايا خارجية، فتنتفي فعلية الأحكام بانتفاء موضوعاتها. ومر الحديث عن آيات الجهاد والقتال، ومدى فعليتها. وعليه لا يحق لأي شخص اقتراف جريمة قتل تحت أية ذريعة أو حكم شرعي. ما لم يكن بالحق كالقصاص وعلى يد سلطة قضائية مشروعة، وعدم تنازل أولياء الدم عن حقوقهم. بينما غدا القتل ممارسة يومية لدى الحركات الدينية المتطرفة، وجميعها يرفع شعارات دينية وقرآنية!!!.

مرجعيات الحكم

لا ريب أن كل حكم ينحاز لمرجعياته فما هي مرجعيات العقل في أحكامه؟. أما بالنسبة للعقل النظري فثمة مبادئ فطرية وبديهيات يرتكز لها في أحكامه كقانون العلية، إضافة لقدراته الذاتية في التحليل والتركيب والقياس. وأما مرجعيات العقل العملي، فقالوا: أن الحسن والقبح أمران واقعيان، يدركهما العقل العملي، كما يدرك العقل النظري الواقع. أي أن الحسن حسنٌ بذاته فيدركه العقل العملي باعتباره واقعا. والقبيح قبيح بذاته فيدركه العقل العملي باعتباره واقعا. وهذا قد ينسجم مع تعريفهم لمعنى العقل العملي. وأما وفقا لتعريفنا فإن حكم العقل العملي يرتهن لفطرة الإنسان. الفطرة بما هي مشاعر إنسانية تتفاعل مع المحيط الخارجي والواقع الاجتماعي وتتأثر بما يدور فيه. وبشكل أدق، الفطرة بما هي إحساس أخلاقي، وهو شعور إنساني مشترك، ترتهن له القيم والأخلاق الكونية. غير أن احتكام العقل للفطرة ليس كاحتكام الحاكم للقوانين واللوائح القضائية أو الشرعية. وإنما يستشعر ما ينعكس عليها. وذلك أن مدركات العقل العملي ليست قضايا خارجية مجردة، وإنما مزيج من المشاعر والأحساسيس التي تتجلى من خلالها الصفة الإنسانية للإنسان. فالعقل يستشعر انفعالاتها وتأثرها، سلبا أو إيجابا، ليتمكن من إدراك "ماذا يجب أن أفعل؟". النفس البشري مجهزة بمشاعر تعتبر شرطا لصدقية إنسانية الإنسان. إضافة لعقله وحريته وإرداته. ولا أقصد بالمشاعر مطلق المشاعر، بل خصوص المشاعر الإنسانية الأصيلة التي لا يمكن تزويرها أو توظيفها. كما في مثال قتل الغلام، فإن قتل النفس المحرّمة من غير ذنب ظلم، تستنكره النفس البشرية بمشاريعها الإنسانية، والعقل يستشعر تلك المشاعر. فليست هناك مرجعيات مستقلة كما هو الحال بالنسبة للمحاكم القضائية. وليست هناك إملاءات خارجية، وإنما مشاعر راسخة، أصيلة، تستشعرها النفس بفطرتها: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ)، (صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ). وهذه الفطرة لها استعداد للخير والشر معا. كالخلايا الضوئية التي تتحسس الضوء. كذلك هي تتحسس الخير والشر من وحي كوامنها. وهو ما تلمح له آية: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا). فالاستعداد للفجور / الشر .. التقوى / الخير، إلهام فطري، ليس طارئا أو مكتسبا، ومن ضرورات الفطرة البشرية. غير أن استعدادها للخير والشر، لا يسلب حياديتها، ولا يعني نزوعها لأي واحد منهما، ليبقى الإنسان وما كسب. بمعنى أوضح ليس للإنسان مناعة ذاتية سوى إرادته وقدرته وضميره على التحكم بسلوكه، لذا يكون مسؤولا عن تصرفاته ومواقفه، وهي مشتركات بشرية لا تختص بقوم دون غيرهم، ولا بفرد دون آخر.

لكن ثمة حقيقة استشفها من وحي إنسانية الإنسان تستدعي قدرا من التأمل. وهي: رغم حيادية الفطرة البشرية، وعدم نزوعها من حيث فطرتها للخير أو الشر، لكن لديها ميل للخير كما بينت سابقا: "لا ريب أن للنفس البشرية استعدادا بالقوة لا بالفعل للخير والشر معا، لكن ثمة ميل للخير ينسجم مع الطبيعة البشرية. "ميل" بمعنى ترجيح عمل الخير على عمل الشر، عندما يكون الفرد حرا، تعبيرا عن سلامة الفطرة ورغبة الإنسان بالعيش المشترك، التي هي طبيعة إنسانية، بها يمتاز عن الحيوان. وهذا الميل لا يوجب فعل الخير، ويبقى الإنسان مرتهنا لقيمه ومدى التزامه ومستوى وعيه ونقاء سريرته. ولا أتفق مع من يؤكد النزوع الفطري للشر لدى الإنسان، لأن الشر لا يعبر عن إنسانيته، مهما ارتكب من عنف. وتبقى النفس قابلية مطلقة، واستعدادا بالقوة لا بالفعل، تؤثر بها العوامل الذاتية والموضوعية، كالبيئة والثقافة، والسلطة، والأعراف والعادات والتقاليد. وأجد في ميل الفرد للخير تعبيرا عن إنسانيته وصفاء سريرته. وهذا سبب تأكيد الخطابات الدينية على تزكية النفس، والتوبة من الذنوب، كي يستعيد الضمير فاعليته، قبل ضموره. كما أن روح الإنتماء، ذلك الهاجس النابع من عمق المشاعر الاجتماعية لدى الفرد، يؤكد ميله للخير لضمان وشائج اجتماعية يحقق من خلالها ذاته، وحاجته الفكرية للاجتماع البشري. فقديما اعتبروا الإنسان اجتماعيا بطبعه. يبحث عن كل ما يعمق روح الإنتماء ويعطي معنى لوجوده يقاوم به قلقله المصيري، الذي هو قلق وجودي. ويلوذ بكل ما يساعده على وعي العلاقة اجتماعيا، كي يألف حضوره، ويؤكد ذاته، ويكف عن عزلته، التي تعني موته اجتماعيا. لأن تأكيد الذات لا يتحقق إلا من خلال وعي الآخر، وهذا سبب اهتمام الإنسان بالعلاقات الاجتماعية، حيث يجد فيها ذاته. وميله للخير هو الذي  مهّد لقيام مجتمعات بشرية. لا أنفي الدوافع الأخرى، لكن ارتهن ميله للخير بها. فهو موجود حتى مع انتفائها، كما هو حال المجتمعات البشرية اليوم.

وبالتالي، فأحكام العقل العملي أحكام موضوعية. وقضاياه صادقة، تشكل كبرى القياس المنطقي. كقولنا: "العدل حسن".لا يختلف حولها إثنان. قد يبرر الفرد أفعاله، وقد يوهم نفسه بأن سلوكه المنحرف حسن، غير أنه لا ينكر في أعماقه قُبح الظلم، وحُسن العدل مثلا، ويميّز بين الخير والشر. والكلام عن أحكام العقل الأخلاقي الأولية خاصة، وما دونها أخلاق مكتسبة، منحازة لمرجعياتها بما فيها الأخلاق الدينية. فالحسن ما حكم العقل الفطري بُحسنه، كالعدل، والإخلاص، والصدق، إلى غير ذلك. والقبيح ما حكم العقل بقُبحه، كالظلم والخيانة والكذب وعدم الأمانة. شريطة أن يكون العقل حرا وقادرا على الاختيار. فيصدر حكمه بمحض إرادته، وبرقابة صارمة من ضميرة الذي يمثل رقابة ذاتية صارمة، مرَّ الحديث عنه مفصلا. وبشكل أدق، إن أحكام العقل العملي حينما تصدر، تصدر بمحض إرادته وحريته، بعيدا عن أي تأثير، بما فيه الانحياز للذات، حتى وإن خالف قيمه الأخلاقية في سلوكه وتصرفاته. حكم العقل شيء، وسلوك الفرد شيء آخر. وهذا يعني أن أدنى انحياز للعقل لأي سبب كان، سينتقل الحكم من كونه حكما أخلاقيا محضا إلى حكم أخلاقي مكتسب.

نخلص، أن الفعلَ يتصف بالحُسن والقُبح في ذاته، بغضّ النظر عن الأمر والنهي الإلهي. وبما أن الأخلاق تصدر عن حكم عقلي كوني، فهي أخلاق كونية، ومشترك إنساني، فتكون حيادية، صادقة. يصعب استغلالها أو توظيفها إلا بتزوير الوعي والالتفاف على قيم الفضيلة، عندما يختلط الحق بالباطل. فالعقل مرجعية نهائية للحكم الأخلاقي. وهذا العقل يلغي الفواصل والامتيازات بين بني الإنسان، ويكون حكمه عاما، شاملا، بغض النظر عن إي انحياز عنصري أو ديني أو طائفي. كما يرتهن في موضوعيته وصدقيته لرقابة ضمير بشري صارم، يتمتع بسلطة أخلاقية عالية، وقدرته على سلب استقرار الفرد، حينما يضعه تحت مطرقة التأنيب، فتنقلب سعادته شقاء. وهذا عامل أساس وراء صدقية أحكام العقل الأخلاقي.

شروط الفعل الأخلاقي

يعتقد كانط أن القانون الأخلاقي موجود في نفس كل إنسان. وقد صاغه كالتالي "افعل بحيث يمكن لقاعدة فعلك أن تكون قانونا عاما". فيكفي أن تسأل نفسك هل يصح ما أفعله قاعدة عامة لجميع الناس؟. وهو بهذا يرتهن حكم العقل لمشاعر قبلية، كما بينتها، لا بمعنى الأحكام المسبقة التي تسلب العقل حيرته واستقلاليته، بل مشاعر أنسانية يستشعرها العقل وهو يدرك حقيقة الفعل، ليميز الفعل الأخلاقي عن غيره. والدليل ارتهانه الفعل الأخلاقي إلى مشترك إنساني، وهي الفطرة السليمة، حينما يستشعر العقل العملي إنعكاسات الفعل عليها. وعليه يصدق أن نقول، كما أكدت ذلك من قبل: "إن الفعل الأخلاقي هو الفعل الذي يشتمل على مبررات ذاتية، نابعة من طبيعته الإنسانية، تفرض المبادرة له". فيخرج كل فعل لا يتوفر على شرط الفعل الأخلاقي، بما في ذلك تأكيد الذات. فقد يقوم الفرد بعمل أخلاقي ظاهرا، ويخفي في أعماقه تأكيد الذات. بمعنى الاتيان بالفعل لتأكيد حضور صاحبه. وهذا القدر هو الأكثر حساسية في الفعل الأخلاقي، لخفائه، وتواريه، حتى يصعب تمييزه. وأيضا ستخرج الأفعال التي يأتي بها الفرد طمعا أو خوفا من القانون. أو رجاء بالثواب والخلاص من العقاب التي تعد به الأديان، والنقطة الأخيرة تواجه إشكالية، سنتناولها بشكل مستقل، بعد بيان المستويات الثلاثة للفعل وما بإزائها من أحكام.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi11صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والتسعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

الأخلاق والاقتداء

ماجد الغرباوي: نخلص، أن الأحكام الأخلاقية في القرآن، أحكام إرشادية لحكم العقل، لنسبية المعرفة الدينية، ووجود حقائق قرآنية ذات ملاكات خارج إدراكات العقل العملي، وذات مصالح يتعذر إدراكها وفقا لمعطيات الطبيعة البشرية والفطرة السليمة. وارتهان  فهم النص وتحري مضمراته ودلالاته للتأويل، فتتعدد القراءات، ومن ثم تتجرد من كونيتها وشمولها وإطلاقها التي هي أساس صدقية حكم العقل العملي، وسبب ترجيحها على الحكم الشرعي عند التعارض والالتباس. مما يؤكد استقلال الأخلاق عن الدين. وهنا يأتي السؤال: كيف يقدم العقل على الشرع في حالات التعارض والآية تصف الرسول: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)؟. وقبل ذلك تقول الآية: (وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ)؟.

مرًّ الكلام حول الآية الثانية، وقلت إن مقتضى كمال الخالق أن يكون له المثل الأعلى. وأما الأخلاق فهي تجل للفطرة السليمة: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ). كما أن العقل البشري هو تجل للعقل المطلق. والاحتكام للعقل احتكام لقانون الفطرة البشرية، وهي ثابتة وشاملة. فالآية تؤكد أن جميع صفات الثبوت ثابتة لله بالضرورة. فالآية  ليست بصدد بيان تحديد التكليف بالنسبة للأحكام الأخلاقية، وليست بصدد نفي الحُسن والقُبح العقليين. أو نفي قدرة العقل على التمييز بين الخير والشر. وبهذا نفهم أنها لا تقصد المفاضلة، بل تؤكد ثبوت الصفات الأخلاقية لله، وهو أمر مفروغ عنه، فيكون قدوة ومثلا مطلقا، ومرجعية نهائية لها، وهذا منفصل عن التشريعات وضرورات الواقع، التي قد تقتضي تشريعات لا ندرك ملاكاتها، لوقوعها خارج إدراكات العقل العملي، كلقتل الغلام في قصة العبد الصالح، واستجابة نبي الله إبراهيم لذبح ولده. كلا الفعلين ترفضه القيم الأخلاقية والدينية، وقد نهت الوصايا العشر في جميع الأديان عن قتل النفس المحرمة. لذا لا يمكن أن تكون الشريعة مصدرا للأحكام، مادامت تختلف من ملة إلى ملة ومن شعب إلى غيره، وهذا سبب إضافي: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا).

وذات الأمر بالنسبة لآية: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، فقد جاءت لوصف أخلاق النبي والثناء على تصرفاته وسلوكه. وتذكّره وهو في مقام الداعية لله، ليكون أكثر صبرا ورباطة جأش، لا تستفزه مواقفهم وكلماتهم، كما جاء في سياق آيات سورة القلم. وهنا ملاحظات:

الأمر الأول: لا يفهم من الآية أن الأخلاق قائمة على الشرع وليس على العقل، وكل ما في الأمر يكون النبي مرجعية أخلاقية، وهو بهذا المستوى من الخُلق الرفيع، شريطة أن تكون القيم الأخلاقية هي الأصل في حالات التعارض أو الإلتباس للأسباب التي تقدم بيانها، فقد تقتضي الرسالات مواقف لا نستوعب ملاكاتها، ونجد فيها تعارضا مع القيم الأخلاقية، وفي هذه الحالة نفهم أنها استثناء، جاءت أحكامها على نحو القضية الخارجية كما يعبر المناطقة والأصوليون، فأحكامها تقتصر على موردها، وليست شاملة، عكسا لموضوعات الأحكام المأخوذة على نحو القضية الحقيقية. شريطة أن يستوفي الحكم شروط فعليته، وقبل ذلك فعلية موضوعه.

الأمر الثاني: لا يلزم من الآيات الآمرة بطاعة النبي تبعية الأخلاق للشريعة، بل ينبغي الاقتداء بأخلاق النبي مهما كان مصدرها عقليا أم شرعيا. والنبي هنا ليس مشرعا للأحكام الأخلاقية بل متمسكا بها على خير مثال، فيكون قدوة في أدائه الأخلاقي. كما في آية: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا). رغم أنها جاءت في سياق حض المؤمنين على الثبات والصبر ولا علاقة لها بالموضوع، لكن بعضهم ذهب إلى إطلاقها. ومهما كان، النبي رمز الأخلاق الفاضلة، قبل وبعد البعث. فقد كان ممدوحا في سيرته وأخلاقه، وهو سرّ مكانته الاجتماعية لدى قريش، ومشاركته في دار الندوة، واستشارته في أمر رفع الحجر المكي، وكان يلقب بالصادق الأمين، وكل ذلك من وحي فطرته الإنسانية. وحتى لو قيبل بأن النبي كان مسددا من قبل الله تعالى منذ نعومة أضفاره، فأيضا لا يخرج الأمر عن قوانين النفس البشرية وأحكام الفطرة السليمة. وكانت أحكام العقل العملي هي التي تقرر: ماذا يجب أن يفعل؟. رغم تداعياته على المستوى الاجتماعي حينما تتقاطع القيم الأصيلة مع القيم المكتسبة، وقد يغدو الحق باطلا، والباطل حقا.

الأمر الثالث: أن قول النبي: "إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَکَارِمَ الْأَخْلَاقِ"، يؤكد أسبقية الأخلاق، باعتبارها قيما إنسانية نابعة من الفطرة السليمة التي هي فطرة بشرية كونية. وبالفعل عاشت البشرية ردحا طويلا من الزمان علاقات اجتماعية قائمة على قيم ومبادئ أخلاقية قبل بعثة الأنبياء: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ). ثم جاءت رسالات السماء وبُعث الأنبياء لترشيد وعي الناس، والتأكيد على قيم الأخلاق، عبر منظومة قيم أخلاقية، لضبط الأداء السلوكي للمجتمع: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). وبهذا الصدد يقول الرسول: "إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَکَارِمَ الْأَخْلَاقِ". فالأخلاق قائمة مادام هناك اجتماع بشري، ومادامت هناك حاجة لها. وكلامنا عن الأخلاق الأصيلة التي يحكم بها العقل بعيدا عن أية تأثيرات خارجية، وهي قيم تتصف بالحُسن أو القُبح بذاتها، بغض النظر على الآوامر والنواهي الإلهية. كحكم العقل بحُسن العدل وقُبح الظلم، حَكَمَ أو لم يَحكم بها الشرع. فالكلام ليس عن الأخلاق المكتسبة التي تفرضها ضرورات اجتماعية وسياسية واقتصادية ونفسية أو يتعلق بها خطاب شرعي بعدي. بعضها أخلاق فاضلة بطبيعتها توظف لغرض ما. وهناك مصفوفة أخلاق تبدو ظاهرا حميدة لكنها تنطوي على ضعف واستغلال.

استقلالية العقل

وبالتالي نخلص إلى قضية مهمة بل وخطيرة، وفقا لسؤال الأخلاق. إن لازم قولنا بالحُسن والقُبح الشرعيان و(قيام الأخلاق على الشريعة)، أن يفقد الفعل صفته الأخلاقية، ويكون مرتهنا لحكم الشريعة، التي لم تقف عند حدود تشريعات القرآن، بل امتدت لمطلق سُنة النبي، وشملت سنُة الصحابة والأئمة الإثني عشر، ومن ثم أحكام وفتاوى الفقهاء، فتغدو كل سلوكياتهم المرتهنة لقبلياتهم العقدية والسياسية والأديولوجية حجة علينا. وقد استدلت المنظمات الإرهابية على صحة ما ارتكبته من مجازر بسيرة الصحابة، دون دراسة للأسباب الموجبة لذلك، وما هوالظرف الذي اقتضى سكوت النبي لو كان الأمر بمرآى ومسمع منه، رغم عدم شرعية ما فعلوه. وبأي دليل غدت سنة الصحابة حجة، وعلى أي قاعدة علمية غدت مطلقة. بل حتى سكوت النبي، الذي يمضي الفعل، لا ينفع هنا مادام استثناء لقيم الدين والإنسانية، فيكون حكما ولائيا مختص به، تنتفي فعليته بعد وفاته مباشرة. وهذا شامل لكل ما يبدو تجاوزا لقيم الدين في المعارك والحروب التي دارت بينه وبين خصومه.

بهذا الشكل تعطلت فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عندما انبرى فقهاء السلطان فيما بعد لتبرير سلوكياته وظلمه وعدوانه، بمختلف الأدلة والقواعد الأصولية. إذ لا معنى لمحاسبته وفقا لأي مبدأ أخلاقي، بعد أن فقد الفعل الأخلاقي استقلاليته وصار يستمد وجوده من الشريعة بل ولفتاوى الفقهاء واجتهاداتهم الشخصية. بهذا نفهم سبب تبجيل عدوانية المنظمات الإرهابية من قبل بعض الفقهاء، السلفية خاصة، ودعوة كثير من رجال الدين لنصرتهم بالمال والأنفس والسلاح، مادام سلوكهم مرتكزا لكتاب الله، رغم حجم الدماء التي سفكت على أيديهم، ورغم حجم الخراب، وسمعة الدين والإسلام التي شوههها الإرهاب الديني. ولا يختلف باقي الفقهاء عنهم سوى في شرط فعلية الجهاد هل هو الحرابة أم مطلق الكافر والمشرك. والنتيجة واحدة: ما نهى عنه الشرع فهو قبيح، وما أمر به فهو حسن، ولا استقلالية للعقل في ذلك. وقس على هذا كثير من السلوكيات التي هي تمظهرات لفتاوى وأحكام، بدأت بعد وفاة النبي ومازالت تتدفق استجابة لعقل تراثي أو حافز أيديولوجي أو هدف سياسي يحمل بصمات طائفية. وكلها أحكام شرعية، محاطة بأسيجة قدسية، تتلقاها روح العبودية بعيدا عن الأخلاق وأسئلتها. بينما يمكن مساءلة كل فعل يتعارض مع الأخلاق إذا قلنا باستقلاليتها. والفعل إما أن يكون حَسنا أو قبيحا بذاته. يمكن للعقل إدراكه، كما هو حقيقته. فالعقل الذي يستبعده الخطاب الديني، وينصب له العداوة والبغضاء، هذا العقل هو عقل معياري، يميّز الصح من الخطأ، والخير  من الشر، والحسن  من القبيح. كما لو ارتُكبت جريمة قتل استجابة لفتوى دينية، فإنه يحكم بقبحها، حكمت الشريعة بقبحها أم لا. ارتكازا لبداهاته المنبثقة عن فطرته الإنسانية. فاستقلالية العقل في أحكامه، هي جوهر حقيقيته. وهذا ما قرأناه سابقا عن قصة موسى النبي الكريم مع العبد الصالح حينما قتل الغلام، فاستفز فعله موسى وقد استنكره صراحة: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا). لم يتأن النبي الكريم في فهم ملابسات فعل الرجل الصالح، ولم يطرح أسئلة واستفسارات، وحكم تلقائيا، لا شعوريا، على الفعل من وحي بداهات فطرته الإنسانية، فأعلن فورا: (لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا). فالفعل وفقا لعقل موسى فعل قبيح، لا أخلاقي، بغض النظر عن مببرات العبد الصالح. كل ما في الأمر أنه اكتشف ثمة ملاكات مجهولة بالنسبة له اقتضت هذا الاجراء، دون أن تؤثر على حكم العقل، مما يؤكد استقلاليته في أحكامه، وإن الفعل بذاته إما أن يكون حسنا أو قبيحا.

استقلالية الأحكام

ولو لم يكن العقل مستقلا وقادرا على التمييز فلماذا يُحيل القرآن عليه لمعرفة حقائق الأمور؟: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ). كيف ارتهن فهم وإدراك الآيات للعقل إذا لم يكن مستقلا في أحكامه؟. بمعنى الاستقلال بمعايره، التي بها يميز بين الصح والخطأ والخير والشر والحسن والقبيح؟. هناك (22) آية تحتج بالعقل، بصيغة (لقوم يعقلون) أو (قوم لا يعقلون) وهذا دليل آخر على مرجعيته لمعرفة الحقيقة. أو الاحتجاج بمشتقاته مثل: يتفكرون التي جاءت (11) مرة بصيغة (لعلهم يتفكرون). فأحكام العقل العملي ثابتة لا يمكن لأحد سلبها إياه. ولم يقتصر الاهتمام بالعقل على القرآن، بل أكد عليه الأنبياء والمرسلون والحكماء، والأحاديث كثيرة جدا، وكشاهد في المقام، نذكر بعضها:

- الرسول الكريم: (ما اكتسب المرءُ مثل عقلٍ يَهدي صاحبهُ إلى هُدى، أَو يردّهُ عَن ردى). مما يؤكد استقلالية العقل في أحكامه الخاصة. فالنبي هنا يؤكد قدرة العقل على الهداية وردع صاحبه على الغي والقبيح. فلماذا يتعمد العقل التراثي إقصاء العقل؟. إنه يفعل ذلك ليتفرد بوعي الفرد والمجتمع من خلال روايات إما موضوعة أو تتحدث عن طرف مختلف زمانا ومكانا يريد لها أن تكون مطلقة مهما كانت تداعياتها على مسقبل الأمة المسلمة. فيكون قراره أنانيا، نابعا عن ضيق أفق، ووعي متخلف، لا يدرك ما وراء الكلام، فيتعطل عنده الفهم، يقتصر على اجترار التفسير الذي يخدم أهدافه أو يحقق صدقية وعيه.

- الإمام علي: (كفاك من عقلك ما أوضح لك سبل غيك من رشدك). وقوله: (العقل مرآة صافية). وهذا الحديث هو الآخر يؤكد قدرة العقل على التمييز بين الصح والخطأ والخير والشر والحسن والقبيح. فيشمل أحكام العقل النظري أو المحض وأحكام العقل العملي.

- بل يرهن الإمام علي فهم القرآن للعقل حينما يقول: (هَذَا اَلْقُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ خَطٌّ مَسْطُورٌ بَيْنَ اَلدَّفَّتَيْنِ، لاَ يَنْطِقُ بِلِسَانٍ وَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَانٍ، وَإِنَّمَا يَنْطِقُ عَنْهُ اَلرِّجَالُ). كل هذا وغيره يؤكد معيارية العقل وقدرته على التشخيص والحكم، خاصة بديهيات العقل النظري، وبديهيات العقل العملي، الأحكام الأخلاقية: (الشيء الذي ينبغي فعله).

الأخلاق والجزاء

وهنا يبرز سؤال: إن شرط الفعل الأخلاقي أن تأتي به لذاته، ويكون هو المحرك له إيجابا وسلبا. فهل يفقد صفته الأخلاقية حينما يؤتى به بداعي القربى وطمعا بالثواب، أو الخوف ودفعا للعقاب؟.

لا ريب، إن لازم القول بالحُسن والقُبح العقليين أن تكون الأخلاق مطلوبة بذاتها باعتبارها أحد تجليات إنسانية الإنسان التي يفترق بها عن غيره من الكائنات. فيأتي بالفعل الأخلاقي بدافع ذاتي، نابع من إنسانيته وطبيعته البشرية، بغض النظر عما يترتب على الفعل الأخلاقي من نتائج كالثواب أو العقاب. وبشكل أدق، إن إنسانية الإنسان تدفع باتجاه الفعل الأخلاقي، بمعزل عن أية إرادة خارجية، فتكون مبادرة تلقائية عفيفة دافعها الأخلاق فقط. فيبادر الإنسان لاستغاثة أخيه الإنسان مبادرة محررة من كل قيد وشرط. ولا يتأثر بقبلياته الدينية والطائفية، ولا تحد من مبادرته الأخلاقية أية أيديولوجيا بما فيها الأوامر الدينية، وما تفرضه العادات والتقاليد من أحكام تارة تكون جائرة ضد الآخر المختلف. فمصدر الإلزام سيكون ذاتيا. بل يصدق أن نقول: "إن الفعل الأخلاقي هو الفعل الذي يشتمل على مبررات ذاتية، نابعة من طبيعته الإنسانية، تفرض المبادرة له".

والجواب: هناك ثلاثة مستويات للفعل ، يمكن من خلالها تسوية هذا الإشكال، كي لا يفقد الفعل صفته الأخلاقية، ويكون للدين دور يعزز القيم الإنسانية.

- الفعل بذاته، قد يتصف بالحُسن أو القُبح، بموجب أحكام العقل العملي الذي يهتدي لها ببداهاته وفطرته الإنسانية السليمة. فيكون حكمه حكما أخلاقيا على ذات الفعل، دون ارتهانه لأي جهة خارجية، دينية أو عرفية أو قانونية. ويأتي به الفرد، أو ينهى عنه، بدافع أخلاقي، ذاتي.  

- الفعل كممارسة سلوكية. حيث يتجلى الفعل الأخلاقي. وهنا يتوقف الوصف على نوايا الفرد، وسبب اندفاعه. فإن كان الدافع ذاتيا فيصدق أنه فعل أخلاقي، أو تنتفي عنه صفة الأخلاق. في الحالة الأولى يتسجيب لضميره الشخصي، وينتهى عن الفعل القبيح خوفا من توبيخه. بينما الحالة الثانية مرتهنة لجهة خارجية فتخسر صفتها الأخلاقية.

- الفعل عندما تتعلق به إرادة خارجية: دينية أو عرفية أو خارجية. فهل يفقد صفته الأخلاقية؟. وكيف نوفق بينه وبين الأوامر الإلهية؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbaw10صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والتسعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

الدين والأخلاق

ماجد الغرباوي: هل الأخلاق مستقلة عن الدين أم الدين مصدر الأخلاق؟  سؤال قديم كان ومايزال موضوع اهتمام الفلاسفة والمفكرين لخطورة دور الأخلاق في حياة الفرد والمجتمع، ومازالت تتسم براهنيتها. فثمة اختلاف حول مصدرها باعتبارها سلطة تتحكم بالضمير الأخلاقي والديني. حيث اعتبر سقراط الإيمان مكمّلا للأخلاق دون أن تقوم عليه. وقد حصر مصدرها بالحكمة التي تفضي للفضيلة طريق السعادة، وهي غاية الإنسان القصوى. وكان هدفها عند أفلاطون تحقيق السعادة لا إرضاء الآلهة. بينما أصّل أرسطو لها عقليا. وأعادها كانظ إلى العقل العملي، رغم أهمية الدين. ولا تخفى الآثار المترتبة على القولين حينما يلقي الشك بظلاله على بعض السلوكيات المجافية للقيم الأخلاقية. فمن يعتقد بالحُسن والقُبح العقليين، لا يمكنه تسويغ سلوكياته الخاطئة، بينما التبرير ممكن لمن يعتقد بالحُسن والقًبح الشرعيين، لإمكانية التأويل وارتهان فهم النص لقبليات وثقافة المتلقي / المجتهد. وهذا أحد أسباب مظاهر الفساد في صفوف المسلمين، حينما تبرر فتوى الفقيه استباحة المال العام، أو تبيح له الجنس بشروط شكلية مجردة عن أي التزام أخلاقي. أو تسمح له باستباحة أموال ودماء الآخر المختلف دينيا أو طائفيا. الأول سيعاني تداعيات تأنيب الضمير. بينما لا يشعر الثاني بوخز الضمير، ولا يهمُّ بتقويم سلوكه. بل وتغمره سعادة كبيرة عندما يجد في النص الديني أو الفتوى ما يبرر انحرافه السلوكي. وهذا ما يدعو للمراجعة والنقد لمعرفة حقائق الأمور، ومدى صدقية أن الدين مصدر الأخلاق. وعندما أشير لخصوص الفقيه لا أغفل أدلته الروائية، بل وحتى مصادرها، فهي أساس صدور فتاواه، لكن ارتهن في وعي مضمرات المفهوم لوعي المتلقي وخلفيته الثقافية.

ويراد بالدين الذي هو مصدر الأخلاق إما خصوص الخالق / الله / الكائن الأسمى، عن طريق الوحي أو الإلهام. أو يراد به الرؤية الدينية الشاملة. حيث تقدم الأديان رؤية كونية، للإجابة على الأسئلة المصيرية. وتقدم  منظومة عقائدية وتشريعية وأخلاقية لتحقيق سعادة الإنسان. وتلك التعاليم إما أن يتلقاها الفرد مباشرة من خلال النصوص المقدسة أو عبر الوسط الديني والديني – الثقافي، المتداخل مع العادات والتقاليد، باعتباره الوسط الذي تتجلى فيها الأخلاق. أو انها تتجلى ضمن السياقات الاجتماعية والعلاقات العامة. فالفعل محايد بذاته، يرتهن وصفه بالحُسن والقُبح، للدين بمعنى الوحي أو الثقافة. وهذا يدعونا لتحري حقيقة الدين ومدى علاقته بالأخلاق، حيث تترتب على كلا القولين نتائج مهمة. ونحن نهدف إلى تحرير الوعي الديني من خلال نقد الأنساق الثقافية الدينية، المحركة للفعل الأخلاقي.

تعدد القراءات

تقدم أن اللغة الدينية تختلف عن اللغة العرفية في دلالاتها ورمزيتها، سيما مفهوم المقدس، والمفاهيم المجرّدة، كالقضايا الغيبية. إذ المجاز والتشبيه والاستعارة والترميز يتصف بقوة حضوره للتعبير عن مضمرات النص العصية على الإدراك بعيدا عن التأويل. فهي لغة ثرية، مرنة تستدعي فهما للنص. لازمها نسبية المعرفة الدينية، التي هي معرفة بشرية،  تستمد وجودها من النص ومن قبليات الفرد ومستوى وعيه وإيمانه وثقافته التي تختلف باختلاف مناشئها، فهي نسبية دائما. وحينما تكون نسبية ترتهن لزاوية نظر المتلقي وقبلياته، فلا تكون قاسما مشتركا بين الناس جميعا، وهو ما نحتاجه في الحكم الأخلاقي. وهكذا بالنسبة لسيرة الأنبياء والصالحين، فهي تارة تقررها زواية نظره ضمن معطيات ظرفه الزمكاني، فتكون نسبية، لا يمكن اعتمادها مرجعية مشتركة. الفعل الأخلاقي فعل معياري، يستمد صدقيته من طبيعته الأخلاقية ومن مصدره، العقل العملي، الذي يرتكز في أحكامه لمبادئ إنسانية كونية، يُحتكم لها عند الاختلاف. فالعقل يحكم بحُسن العدل وقُبح الظلم مثلا، لا فرق بين شخص وغيره. غير أن المشكلة بالاتجاه الأشعري الذي يعتقد بعجز العقل عن إدراك الحُسن والقُبح، ويؤكد أن الحسن ما حكم الشرع بحسنه، والقبيح ما حكم الشرع بقبحه، فالأفعال بذاتها محايدة، ليست حسنة ولا قبيحة. والقتل الذي هو عمل قبيح قد يكون حسنا إذا أمر به الشرع. وهكذا بقية الأفعال والسلوكيات، كالخيانة الوطنية وسرقة المال العام، ونصرة الظلمة. وهؤلاء يخلطون بين حكم العقل العملي والتسليم للدين. الثاني لا يغير من حقيقة الفعل الأخلاقي بذاته. فالظلم قبيح وإن مهما كان مصدره. ويبقى قبيحا وإن سلّمت له من منطلق إيماني، أو بحكم سلطة التقاليد أو الخوف. أو خوفا من الإقصاء. وكلامنا عن الفعل الأخلاقي الأصيل. الفعل بذاته بما هو فعل، بمعزل عن أي مؤثر ذاتي أو خارجي. هل للعقل رأي فيه أم لا؟.

يتضح الجواب من خلال سلوكيات المجتمعات اللادينية. أو التي لم تتعرف على الدين إطلاقا. كيف تميّز بين الخير والشر؟ وما هي مرجعيتها في الأحكام الأخلاقية؟ هل العادات والتقاليد التي هي نسبية دائما تختلف من مجتمع إلى آخر،  تضفي على الفعل قيمته الأخلاقية، أم أن دلالته ذاتية، وأن العقل هو الذي يحكم بحُسن أو قُبح الفعل الأخلاقي؟ بلا شك أن العقل يحكم بمعزل عن المجتمع وعادته وتقاليده بحُسن العدل، وقُبح الظلم، صرّح أو لم يصرح. قد يمنعه الخوف عن التصريح به وهو يشاهد ظلم السيد أو شيخ القبيلة عندما يعاقب فردا ظلما، فيؤيده خوفا منه، لكنه يدين الظلم في داخله أو يشخصه كحد أدنى، وهو قدر متيقن حتى بالنسبة للفرد المؤمن، فإنه يميز بعقله بينهما لكنه يسلم للإرداة الدينية. وأدل دليل، أن الشعوب التي تدمن الاستبداد تصفق للدكتاتور في استبداده وظلمه، رغم إدانته سرا وهمسا. وعندما يعود لرشده يعترف بظلمه وجوره وهو ما يؤكد استقلالية العقل العملي في أحكامه الأخلاقية. قد يكون الفرد محقا في موقفه الممالئ لتفادي جور السلاطين، لكن خوفه لا يغير شيئا من الحقيقة. الظلم عمل قبيح مستهجن بذاته، تنفر منه النفس الإنسانية بفطرتها التي هي القاعدة الأساس لبرمجة العقل العملي.

إذاً، الأسئلة المتقدمة تفرضها نسبية المعرفة الدينية التي تستمد صدقيتها من النص وقبليات وثقافة المتلقي. النص الديني يتصف بقوة مرونته وثرائه، مما يجعله حقلا للتأويل يعمق إشكالية اللغة الدينية وعلاقتها بالأخلاق، وقد تحدثت عن النص مفصلا في كتاب: النص وسؤال الحقيقة، وقلت هناك: إن قوة النص تقاس بقدرته على حجب دوره في تكوين حقيقته، ودوره في تشكيل حقائق أخرى. وتقاس قوة الخطاب ببراعته وقدرته على حجب آليته في التأثير والإقناع. فحينما تستولي قدسية الخطاب على مشاعر المتلقي، يتستر على براعته في استخدام أدواته وتقنياته اللغوية. وهذه خصوصية جميع الخطابات الأيديولوجية والتعبوية. فرهان الخطاب الأكبر على قبليات المتلقي وثقافته، ومساحة اللامعقول الديني في ذهنه، وكيفية تفاعله مع مضامين النصوص وغرائبيتها. فالبنية الأسطورية تفتح آفاق اللامعقول. وتُقصي العقل والمنطق الاستدلالي.

وهذا يؤكد نسبية المعرفة الدينية، ومن باب أولى نسبية تمثّل مفهوم المطلق والقضايا التجريدية والغيبية. ولا يختلف الأمر بالنسبة للرسل والأنبياء. وهذا لا يعني التشكيك في مصداقيتهم الأخلاقية معاذ الله، غير أن  جملة من مواقفهم ذات ملاكات ومصالح تصطدم مع مبادئ وقيم العقل الأخلاقي. لا يمكن لنا إدراكها وفقا لمعطيات الطبيعة الإنسانية أي الفطرة السليمة والعقل العملي، لكنها تجد مبرراتها خارج العقل الأخلاقي، الوحي أو ما يقرره وفقا لرؤية غائبة عنا، كما في قصة قتل الغلام من قبل العبد الصالح الذي رافق موسى، فكيف يمكن تبرير فعله أخلاقيا؟ وهل يمكن أن يكون النص هنا مصدرا للأخلاق، ويكون مبررا لقتل غلام آخر، بما في ذلك الأنبياء؟. وسبق أن أجبت، لو استبعدنا البعد الرمزي في القصة، فثمة أفعال تتوقف فعليتها على وجود كشف تام لموضوعها، وهذا منحصر بالله، باعتباره محيطا بكل شيء، ويتوقف على وجود الوحي، وقد انتفى بوفاة الرسول الكريم محمد بن عبد الله. ولا يمكن لأي شخص مهما بلغ إيمانه وتقواه ارتكاب عمل من هذا القبيل مادام يتنافى مع القيم الأخلاقية الإنسانية والدينية. فهنا العقل يحكم بظلم قتل الغلام من وحي فطرته. بما في ذلك الإنسان المؤمن، فإنه يستغرب، ويسكت على مضض كيف يصدر هذا الفعل وبأمر من الله كما جاء في النص القرآني؟. ثم يواصل اسئلته واستفهامته رغم إيمانه ولو همسا. أما غير المؤمن فيرفض الفعل جملة وتفضيلا، ويعتبره ظلما وجورا. وبالتالي فهو فعل مرفوض وفقا للعقل العملي للإنسان. ما ذنب الغلام يتحمل وزر والديه، كما ذكرت الآية هذا مبررا لقتله؟: (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا، فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا). وغيرها من الأسئلة التي استفزت موسى رغم نبوته وقدسيته. لكن الطبيعة الإنسانية الرافضة للظلم رسمت فوق محياه علامات استفهام غاضبة: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا).

وأيضا في قصة إبراهيم وإقدامه على ذبح ولده، بناء على رؤية في منامه: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ، فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ). فالآية تتحدث عن تجربة قاسية مرّ بها النبي إبراهيم لامتحان مستوى تقواه وتسليمه للوحي. والرؤية كما فهما إبراهيم أنها وحي من الله لفتنته واختباره فبادر بكل ثقة وإيمان وتسليم مع أنه إبنه ويريد ذبحه استجابة لتلك الرؤية!!!. حقا أن العقل البشري لا يستوعبها بل ويستفزه الفعل أن يصدر من نبي كريم. نعم يسلم للإرادة الدينية، لكن التسليم لا يقمع الأسئلة ولا يغير من الحقائق شيئا، ويبقى القتل بلا مبرر عملا قبيحا وفق معطيات العقل العملي: (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ). ومفهوم الحق وفقا للمنطق البشري له مبرراته، ليس منها جواز القتل بناء على رؤية منامية. ويمكنهم الاحتجاج بهذه الآية ذاتها. فهي مطلقة، وحرمة القتل شاملة لكل نفس، لا فرق بين واحدة وغيرها. إن الأمثلة القرآنية المتقدمة تدعو للمراجعة والتأمل الجاد بمقولات الأشعري والاتجاه الذي يرى تعبقية الأخلاق للدين. فثمة تداعيات لا يمكن تداركها عندما يكون الدين مرجعية مستقلة للأخلاق.

مصداقية السيرة

والأمر لا يختلف بالنسبة للسيرة، فقد وفرت مراجعة بعض نماذجها فهم سياقاتها التاريخية في إطار الحديث عن علاقة الدين بالأخلاق، لتفادي الآثار اللاشعورية المترتبة على تكريس قدسيتها، والأخذ بكل ما ينسب للأنبياء دون تمحيص ودراية، بناء على عصمتهم مطلقا لا في تبليغ الوحي فقط. فثمة من يرى عصمة وحجية مطلق السُنة النبوية ومطلق سيرته قولا وفعلا وتقريرا، لذا يرون وجوب تقصير اللباس مثلا، رغم أن الخطاب في الآية موجه للنبي: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ، وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ، وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ). في مقابل من يرى عصمتهم في تبليغ الوحي خاصة. والحقيقة لا عصمة تحول دون الخطأ والاشتباه بناء على فهم خاص للوحي. أو اقتصارها على الوحي: (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ). فالقيم الأخلاقية العقلية والإنسانية هي الأصل في حالات التعارض، مادام صدور الخطأ محتملا منهم. لا شك أن لازم العصمة بلوغ الأخلاق حدا يغدو المعصوم نموذجا ومرجعية للسلوك الأخلاقي المثالي، وهذا منحصر بالله تعالى: (لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فله مطلق الكمال وجميع الصفات الإيجابية وصفات الكمال، وهو كلي القدرة، لا يضطر لتسويف الأخلاق واقتراف الظلم والعدوان: (وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ)، (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ)، و(إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ). هذا وفقا للمنطق القرآني، كمرجعية لفهم المثل الأعلى ولوزامه. بينما الأخلاق لا تستلزم عصمة الإنسان الخلوق المتمسك بالقيم الأخلاقية. مهما كانت مثالية سلوكه. لأن العصمة السلوكية عصمة ظاهرية، وأما حقيقة الفرد فلا يعلمها سوى الله: (اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء). هو الذي (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ). وهي آيات حاكمة على أدلة العصمة باستثناء العصمة السلوكية الظاهرية التي هي متاحة لكل فرد، لكنها لا تستلزم العصمة. بشكل أدق لا يمكن الجزم بالعصمة مهما كان الأداء السلوكي للشخص مادام صدور الخطأ محتملا منه. وهذا يؤكد تقديم القيم الأخلاقية على النص في حالات التعارض كما تقدم، لأنها قيم ثابتة نابعة من صميم الطبيعة الإنسانية المشتركة، وأحكام العقل هنا أحكام كونية، شاملة. ومبادئ الحكم مشتركات بشرية لا ريب فيها. وهذا لا ينفي تأثر الأخلاق بالدين والعادات والتقاليد، ولا ينفي إمكانية فرض نمط من الأخلاق لتكريس قيم العبودية والطاعة والتلقي، فتغدو بسبب إدام العبودية أخلاقا حميدا، كما هي أخلاق العبيد، خاصة من يدافع منهم عن قيم العبودية، وبل ويستميت من أجلها، ويجد ذاته فيها، بل وأساس وجوده بمعنى التحقق، وقد مرّ الكلام مفصلا عنها، في كتاب النص وسؤال الحقيقة.

ويمكن تعضيد احتمال وقوع الخطأ على مستوى السلوك الأخلاقي بجملة آيات، منها:

(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ). فالآية تجعل من الفظاظة أمرا ممكنا، غير ان تدخل الإرادة الإلهيه جعلت منه رحيما معهم. فالوقوع في الخطأ السلوكي بموجب هذه الآية ممكن بحد ذاته. لكن أليس تدخل رحمة الله هو العصمة بعينها، فيكون الرسول معصوما بهذا المعنى، بمعنى التسديد والهداية الإلهية؟.

والجواب: لقد مرَّ بنا موضوع العصمة مفصلا، وبينت مفهومها ودلالاتها، وقد ثبت بالدليل عدم إمكانيتها بذاتها. وأما التسديد والهداية فهي متاحه لكل إنسان، أو ما يعرف بالعصمة السلوكية، لكنها عصمة مشروطة بإرادة الفرد وقدرته على مراقبة سلوكه: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا). ولا شك أن الأنبياء أولى من غيرهم، وهم بحاجة مستمرة للدعم والتسديد. وبالتالي فالخطأ السلوكي ممكن بذاته: (عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ). ومثلها: (وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً، إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا). وكذا يمكن الاستفادة من الآية التالية احتمال وقوع الخطأ، فلا يمكن أن يكون مصدرا لأخلاق كونية بمفرده، إلا بتسديد من الله، ولازمه وجود إمضاء لكل فعل فعل من سلوكه، وهذا متعذر وشل لوجوده الإنساني: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ، وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ)

كما يمكن الاستشهاد بالسيرة لتأكد إمكانية صدور الخطأ من الأنبياء:

1- نهي النبي عن تأبير النخيل، وما ترتب عليه من أضرار: جاء في صحيح مسلم: (رقم/2361): (عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْمٍ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ ، فَقَالَ: (مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟) فَقَالُوا: يُلَقِّحُونَهُ، يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى فَيَلْقَحُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا). قَالَ فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَقَالَ: (إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا، فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ، فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَ). وهذا إن صحت الرواية دليل على أحتمال صدور الخطأ منه.

2- غضب النبي بعد مقتل عمه حمزه في معركة أحد، وتوعدهم بالانتقام والمُثلة بقتلاهم، رغم أن التمادي في الانتقام والمُثلة عمل ترفضه الأخلاق، فنزل قوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ، وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ، إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ). فقد جاء في تفسير الطبري: (وقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نـزلت هذه الآية. وقيل: هي منسوخة أو محكمة، فقال بعضهم: نـزلت من أجل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أقسموا حين فعل المُشركون يوم أُحد ما فعلوا بقتلى المسلمين من التمثيل بهم أن يجاوزوا فعلهم في المُثْلة بهم إن رزقوا الظفر عليهم يومًا، فنهاهم الله عن ذلك بهذه الآية وأمرهم أن يقتصروا في التمثيل بهم إن هم ظفروا على مثل الذي كان منهم، ثم أمرهم بعد ذلك بترك التمثيل، وإيثار الصبر عنه بقوله وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ فنسخ بذلك عندهم ما كان أذن لهم فيه من المُثلة). ونقل جملة أحاديث في أسباب نزول هذه الآيات، منها: (حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال: نـزلت سورة النحل كلها بمكة، وهي مكية، إلا ثلاث آيات في آخرها نـزلت في المدينة بعد أُحد، حيث قُتِل حمزة ومُثِّل بِه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَئِنْ ظَهَرْنا عَلَيْهمْ لَنُمَثِّلَنَّ بِثَلاثِينَ رَجُلا مِنْهُمْ" فلما سمع المسلمون بذلك، قالوا: والله لئن ظهرنا عليهم لنمثلنّ بهم مُثْلة لم يمثِّلْها أحد من العرب بأحد قطُّ فأنـزل الله (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) ... إلى آخر السورة.)

3- موقف الإمام علي بن أبي طالب من المرأة، وهو موقف سلبي، إن صحت الروايات التي نقلت أقواله. وإنما استشهد به بالخصوص لمقامه الكبير عند المسلمين، وقدسيته عند الشيعة ومثل أعلى للأخلاق عندهم. وهذا يعني أن الاقتداء بموقفه والاستشهاد بأقواله دليل على صحة موقفه السلبي من المرأة، التي طالما ظلمتها الأعراف والتقاليد والثقافة المتخلفة، وطالما ساهمت خطب الوعظ والإرشاد في دونيتها ونبذها: قال الإمام علي: (معاشر الناس، إن النساء نواقص الإيمان، نواقص الحظوظ، نواقص العقول. فأما نقصان إيمانهن فقعودهن عن الصلاة والصيام في أيام حيضهن، وأما نقصان عقولهن فشهادة امرأتين كشهادة الرجل الواحد، وأما نقصان حظوظهن فمواريثُهن على الأنصاف من مواريث الرجال. فاتقوا شرار النساء وكونوا من خيارهن على حذر، ولا تطيعوهن في المعروف حتى لا يطمعن في المنكر). نهج البلاغة: 79. وما ينسب له في ذم النساء ليس قليلا. وهذا يؤسس لثقافة إزدراء المرأة، ونبذها وإقصائها، ولا يخفى حجم الظلم في هذا. فهل يصح هذا السلوك أن يكون مصدرا للأخلاق، أم أنها مستقلة عن الدين وسيرة المسلمين. هذه الأمثلة وغيرها تجعلنا نعيد النظر دائما بمقولة قيام الأخلاق على الدين. وهذا لا يعني تجرد الدين من الأخلاق، بل أن جوهر الدين جوهر أخلاقي، وجميع الأديان أكدت على القيم الأخلاقية، بل وحتى الأحكام الشرعية كما تقدم تقوم على قيم أخلاقية. ويكفي أن يجعل الرسول الأخلاق هدفا أساسا لبعثته: "إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَکَارِمَ الْأَخْلَاقِ"

وهنا يبرز سؤال إشكالي:

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi10صادق السامرائي

خاص بالمثقف: الحلقة الثانية والتسعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

العبادات والأخلاق

ماجد الغرباوي: لا ريب أن السؤال المتقدم: (هل أفلح القرآن في تهذيب وضبط سلوك المسلمين، ولماذا؟!!)، يضمر تشكيكا بصدقية مرجعية الأخلاق الدينية، سواء مفاهيمها المعيارية. أو الممارسة السلوكية كمرجعية أساسية. وكان منشأ شكوكه الانحراف الأخلاقي لدى طيف واسع من المسلمين، خاصة سلوك الإسلاميين داخل السلطة وخارجها. وبالتالي فالسؤال يحمّل الكتاب مسؤولية عدم التزام المسلمين، إما لوجود خلل في منظومته الأخلاقية أو في تربيته، وقد مر بيان شروط الفعل الأخلاقي، وقلت إن إرادة الفرد هي التي تخرج الفعل من القوة إلى الفعل، وبدونها لا توجد قوى سحريه تجعل من سلوكه أخلاقيا ما لم يلتزم بها، بما في ذلك القيم الدينية الرفيعة التي هي قيم إنسانية أساسا، كما وضحت مسبقا. فالأخلاق تتحول إلى واقع عملي متى  ما التزم بها المجتمع، وغدا سلوكا أخلاقيا في الفضاء العام.

وبشكل أوضح: القرآن كتاب ديني يشتمل على منظومة قيم أخلاقية تساهم في تشييد مجتمع الفضيلة الذي هو غاية المشروع السماوي. ترقى بالفرد إنسانيا وإيمانيا وروحيا. وتسلك به طريق النجاة في الحياة الدنيا،. تستمد شرعيتها من العقل أو من الشرع، كما يأتي تفصيل ذلك. وطالما أكد القرآن أنه كتاب هداية، يهدي للتي هي أقوم: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ). مهمته بيان حقائق الأشياء من خلال ما يطرحه من مفاهيم. والمفهوم كما جاء في تعريفه: "فكرة مجردة تمثل الخصائص الأساسية للشيء الذي تمثله". أو ما ينتزعه الذهن من خصائص الشيء سواء كان له وجود خارجي أم لا. لكن المهم من أين يستمد المفهوم سلطته؟. يستمد المفهوم سلطته ضمن سلطة النص، ومن أين يستمد النص سلطته؟ "يستمد النص سلطته من مصدره، إضافة إلى طريقة بنائه وتركيبه وأدائه ودلالاته اللغوية، وما يشتمل على أوامر ونواهٍ. أي أنه يستمد سلطته ومركزيته وتأثيره من مؤلف النص، وأسلوب الخطاب في التعبير عن مضامينه". وبالتالي لا يمكن تجاهل مصدر النص، حينما تترتب عليه حقوق وواجبات. (أنظر كتاب: النص وسؤال الحقيقة). فالقرآن استعرض منظومته الأخلاقية، وبيّن بوضوح ما يترتب على الالتزام وعدم الالزام بها أخرويا، فكانت تكملة الآية المتقدمة: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا، وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا). ليؤكد حرصه على الالتزام الأخلاقي في سياق مشروعه السماوي. بل أن الدين لا يتجلى في الفضاء العام إلا من خلال الأخلاق، أو يبقى مجرد مفاهيم مثالية لا تلامس الواقع. وبالتالي فالقرآن قدم منظومة أخلاقية وبإزائها خطاب تحذيري يأتي في سياق الهدف الديني، الذي هو "تنمية الوازع الذاتي وروح التقوى عند الإنسان المؤمن، من خلال الترغيب والترهيب، من أجل مجتمع عادل فاضل. فالخطابات القرآنية تستهدف عقل الإنسان ووعيه، فتحتاج الى زخم من النصوص لمكافحة النزعة المادية الشرهة عند الإنسان، واستنبات قيم الفضيلة والقيم الأخلاقية مكانها. المشروع الديني بحاجة الى وازع داخلي يردع الإنسان عن اقتراف المعاصي، ويدفعه باتجاه عمل الخير والمعروف، خاصة وأن مشاريع الإسلام قائمة على التعاون والبر والمساعدة والعمل التطوعي، وهذا بحاجة الى قوة دافعة بالاتجاهين، من هنا كان عدد آيات الترهيب والترغيب هي الأكثر في القرآن من أجل خلق شعور حقيقي لدى المؤمن، وإلا يتعذر على الإسلام مواصلة مشاريعه وتنفيذ استراتيجيته على جميع الأصعدة. وقد جاءت مشاهد يوم القيامة قرآنيا مترعة بأحاسيسها المادية، لتحقق هدفها. أي خلق وازع ذاتي رادع وفاعل باتجاه الخير والصلاح. لذا استغرقت الآيات في بعض التفصيلات لتقريب الفكرة للمتلقي. فالمشاهد الوصفية للجنة والنار جاءت لتعبر عن حجم العذاب والنعيم، فراحت ترسم صورا من زوايا مختلفة تشد الناس لها بشكل مذهل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر". (أنظر كتاب: الهوية والفعل الحضاري). هذا كل ما قدمه القرآن ولا يخفى ارتهان مشروعه الديني والأخلاقي على إيمان الفرد، ومناشئ ذلك الإيمان، التي منها قدرة الخيال على تجسيد الحقائق النسبية من خلال قبلياته وثقافته، وإلا لا مصدر أخر لردع الفرد دينيا، سوى النصوص وإيمان الفرد. فالسلوك الأخلاقي المنضبط يتوقف على وجود وازع ذاتي. أو رادع خارجي، (اجتماعي، قانوني). وأما الرداع الديني فتارة تفرضه قيم المجتمع، فيكون سلطة ضمن سلطة العادات والتقاليد، وهذا مألوف لدى جميع المجتمعات على اختلاف التزامها الديني. أو يكون رادعا نفسيا تتوقف صدقيته على صدقية إيمان الفرد، التي تتجلى من خلال سلوكه. فيأبى سلوكه الرذيله ولو على حساب مصالحه. ويلتزم الفعل الأخلاقي على كل حال.

 لذا كان من جملة مبررات تشريع العبادات خلق الوازع الذاتي أو الضمير الدين الذي يستعين به الفرد على مقاومة الرذيلة. فمثلا:  ربط القرآن بين الصلاة والنهي عن الفشحاء والمنكر (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى) حيث أعطى للصلاة مفهوما مغايرا أخرجها من كونها مجرد طقوس وحركات جسدية وإيماءات وهمهمات، واعتبرها ممارسة عبادية واعية ترقى لمستوى السلطة الموجهة لسلوك المصلي خارجا، فهي طقس روحي يرقى بقلب المؤمن فوق حطام الدنيا، فيصدق أن هذه الصلاة مصداق للحديث المعروف: "الصلاة معراج المؤمن"، حينما تسمو بأخلاقه وممارساته وتفتح أفاقا للوعي والمعرفة تعرج به في عوالم أرحب، يتخلى معها عن أية فحشاء ومنكر، فيأتي الفعل الأخلاقي مطابقا لقيم القرآن، ويأتي النهي عن الفحشاء والمنكر دالا على المفهوم الجديد للصلاة. وهذا اللون من الفهم العرفاني لطقوس العبادة وفلسفتها من شأنه ترسيخ التقوى، التي تتجلى كما هو المفترض في أدائه السلوكي اليومي، حينما يترفع عن الرذائل ويحرص على عمل الخير والإحسان. بهذا الشكل تكون الصلاة، التي هي أبرز علامات الإيمان، دالة على إيمان الفرد. فالصلاة ليست علامة على إيمان الفرد والتزامه الديني، بل سلوكه الخارجي مؤشر على فضيلته، سيما أن هدف الدين تأسيس مجتمع الفضيلة، يسمو فيه الفرد ليكون مصداقا لقوله: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). وبهذا الشكل نقلب المعادلة المتداولة، ليكون سلوك الإنسان دالا على إيمانه ونقائه وطيب سريرته، فهو مقيم للصلاة بهذا المعنى، وحينئذٍ من حقنا محاسبته على سلوكه ومساءلة تصرفاته. أما الصلاة فلا تدل بمفردها على الإيمان، بل الصلاة بالنسبة للغالبية العظمى من المصلين ومن جميع الأديان عادة يعتادها المصلي بحكم التربية والبيئة. لذا تجد القرآن يربط الإيمان بالعمل الصالح في أكثر من خمسين آية. لكن للأسف أطاح الفقهاء بهذا المفهوم وفاء لسلطة قوانين استنباط الأحكام الشرعية، فغدت الصلاة مجرد حركات، يحكم بصحتها وعدمها وفق مسطرته الفقهية التي لا تعي شيئا من روحانيات الصلاة. فهي صحيحة إذا جاءت طبقا لآرائه الفقهية، سواء كان المصلي ساهيا أو واعيا لفعل الصلاة. الفقيه لا يرهن صحة الصلاة لقوله: (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) التي تعد بالويل والثبور لمن كان ساهيا في صلاته. بل أن الصلاة الكسولة التي لا تترك أثرا على سلوك المصلي هي صلاة منافقة، لا قيمة لها بنظر الكتاب: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً). ومعنى السهو، تمرّد النفس فتفقد الصلاة قيمتها المعنوية وتغدو حركات جسدية لا تضفي معنى لقيامها. بينما يختلف المعنى فقهيا، فالصلاة تكون باطلة إذا أخلَّ المصلي بجزء ولو يسير من حركاتها وسكناتها، بغض النظر عن الطقس الروحي الذي  ينبغي للمصلي أن يعيشه خلال الصلاة، لكن الحمد لله: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ). وهذا سبب رئيس وراء تسويف الأخلاق، إضافة لما تقدم من أسباب. فالحث على العبادات حث على فعل يغذي روح التقوى، ولازمه وعي العبادات بشكل يخرجها من طقوسيتها لتكون مَعلَماً أخلاقيا، يمكننا رصد آثارها الاجتماعية بسهولة، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر أو تبقى مجرد حركات جسدية جرداء، وحينئذِ كل طقس روحي يدفع باتجاه التقوى والعمل الصالح فهو صلاة وطاعة وعبادة، تعكس الجانب المشرق من الدين. هذا الفهم للعبادات يسمح بتحري حقيقة ما يثار حول سلوك المسلمين، فهو مطالب أولا باثبات صدقية إيمانه من خلال سلوكه، لا من خلال طقوسه، التي هي غالبا ما تكون موروثة، يعتاد عليها الفرد استجابة لعوامل نفسية وثقافية.

يمكننا من خلال فهم مغاير للقرآن وآياته توظيف الدين لترسيخ قيم الفضيلة، وتعزيز قيم المحبة والسلام، وحماية حقوق الفرد والمجتمع، وعلى العكس حينما نفهم الدين وفقا لفتاوى الفقهاء التي دأبت على هدر القيم الروحية والاهتمام بمظاهر وشكليات العبادات، والانحياز الطائفي في مواقفهم وفتاواهم. وامتدادهم الحركات الإسلامية التي زجت الدين في السياسة لخدمة مصالحهم وأيديولوجياتهم. للدين وظيفية سامية حينما يفهم وفقا لغاياته ومقاصده الكبرى، والتسلح بمنهج يلتزم بالمنطق الداخلي للقرآن في فهم آياته. قادر على فهم فلسفة الحكم ومقاصد التشريع. لا يفرض قبلياته على فهم النص ويجعل منه مرجعية لفهم معالم الدين، ويصغي له، يتدبره، يؤوله، يسعى لتحري غاياته. فثمة آيات محكمات تكون حاكمة على الآيات المتشابهة. وهناك أهداف ومقاصد عليا للدين ينبغي أن تؤخذ بنظر الاعتبار. وهذا الكلام لا يلغي ما سجلناه سابقا على النص الديني، بل هو تأكيد على شرط القراءة المنتجة، أو يغدو القرآن مصدرا للعنف والكراهية والتنابذ فنخسر القيمة الأخلاقية والروحية التي نحتاجها في سياق بناء مجتمع الفضيلة، سيما شعوبنا المسكونة بالمقدس والغيب والماورائيات والسحر. وليس فيما تقدم أي تبرير سوى فهم النص في إطاره الصحيح. فعندما أقول بعدم فعلية الجهاد بعد عصر الرسالة فهذا ينسجم مع منهجي في فهم آيات الكتاب، وقد بينت أدلتي، ولم أعمد للتبرير التعسفي المجرد من الأدلة والبراهين. إن فهم الدين أفضل من نبذه بناء على قراءات مبتسرة، فيخسر المجتمع مصدرا مهما من مصادر الأخلاق، فليس كالعقيدة الدينية عقيدة قادرة على رابط الإنسان بالمطلق، وعندما تدان العقيدة بسبب سلوك معتنقيها يغدو تحري الحقيقة ضرورة ملحة لفهم أين الخلل. فليس كالأديان أيديولوجية تتمتع بزخم روحي وإيماني. الدين قادر على تعبئة الفرد والمجتمع بسهولة ويسر من خلال ربطه بالغيب والمطلق، ويمكن أن يساهم في بناء مجتمع الفضيلة، بعيدا عن التوظيف السياسية والتفسيرات الباطنية والخرافية، بل يمكن الاستفادة منه لتنمية التجارب الروحية وتعميق وازع التقوى، فيكون لدينا ضمير ديني بجانب الضمير الإنساني، يقوم أحدهما الآخر، ويتعاضد معه لدعم مسيرة الخير، بعيدا عن الظلم والجور. يجب التأني في إدانة الأديان بسبب سلوكيات معتنقيها، فما تقرأه عنها، هي قراءت واجتهادات تخضع لقبليات المتلقي، والفرد العادي لا يميز بينها وبين الدين، ويحسب الجميع عليه، وهذا خطأ. لذا ينبغي تحري الأساس الأخلاقي للقيم الدينية، وما هو مصدرها؟ وهل هي أحكام دينية أم أحكام عقلية، فتكون الأحكام الدينية إرشادا لها؟

وهنا نؤكد أن جميع الأديان تهتم بالبعد الأخلاقي للفرد والمجتمع، وجميعها يتوفر على منظومة قيمية وأخلاقية. وقد تقدم: أن الوصايا العشرة التي تعهدتها الرسالات، هي وصايا إنسانية – أخلاقية، وقد نسبها القرآن إلى الحكمة حيث ختمها: (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ). والحكمة مشترك إنساني: (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ). (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ)، ولم يكن نبيا. لذا يؤمن بها ويتمثّلها المؤمن وغيره باعتبارها قيما أخلاقية إنسانية سامية. وهذا القدر من الاستدلال غير كاف رغم أهميته، فينبغي أولا تعريف الأخلاق وتحديد دلالاتها، لنعرف جذرها التاريخية، وهل هي أصيلة أم مكتسبة. دينية أم تفرضها الأعراف والتقاليد أو انعكاسا للتفاوت الطبقي؟. وبهذا الاتجاه سأتطرق لمسألة ربط الأخلاق بالدين وبالمقدس. وكلامنا دائما عن القرآن انسجاما مع مضمون السؤال، وفي هذا السياق ينبغي لنا فهم العلاقة بينه وبين الأخلاق بشكل أكثر تفصيلا، أو بين الأخلاق والدين بشكل عام.

إن أشد ما يؤرق الوعي الديني أن تتحول الأخلاق الدينية أو الأخلاق باسم الدين، خاصة وفقا للعقل الفقهي مبررا للفساد والظلم والجور والضعف والخنوع فيصدق أن الدين أفيون الشعوب. وأداة لشرعنة العنف والتطرف والقمع، فينقلب الدين إلى جحيم، على خلاف قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ). وفق منطق تكملة الآية: (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ)، في خطوة لسلب القداسة عن أية ممارسة، على أن تكون مفاهيم الكتاب ومنظومة القيم الأخلاقية هي المرجعية النهائية، فثمة ما يقوم سلوك الفرد والمجتمع شريطة الوعي (لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ). والالتزام: الذين آمنوا وعملوا الصالحات. كما ينبغي العودة إلى الكتاب مباشرة، فكل قراءة تحجب ما قبلها، وتملي قبلياتها وقناعاتها علىى النص. فمثلا تجد خطاب الضعف والاستكانة والرضوخ للحاكم مليئة في تراث المسلمين، بفعل ما نظر له الفقهاء لشرعنة سلوك الخلفاء الطغاة وتبرئتهم من أفعالهم وسلوكهم المشين، وكذا الفقه السلطاني الذي راعى مصالح السلطة، وعكس نظرة سلبية عن الدين عندما قسم الأرض إلى أرض إسلام وأرض كفر. مسلمون وأهل ذمة، تلك الثنائيات التي باتت قرآنا، كانت أحد مصادر شرعنة العنف على يد الحركات الدينية المتطرفة، وقد فعلت فعلها مع الأقليات غير المسلمة. ساقت نساءهم جوار إلى سوق النخاسة. وباعوهن بثمن بخس.

عندما تعود للقرآن تجد عكس نصوص الفقه السلطاني، فالله يحب المؤمن القوي كما في الحديث المشهور: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله". والقوة ليست حكرا على القوة المادية بل القوة المعنوية والأخلاقية والسلوكية أهم بالنسبة للدين وأهدافه السامية. وفي هذا السياق نقرأ: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا). فالقرآن يرفض أخلاق الضعف والهوان، ووصف الضعف بالظلم. ظلم النفس الذي هو أشد ظلما على الفرد. فكان سؤاله عن الهجرة باعتبارها وسيلة للتحرر من أخلاق الضعف والخنوع التي تفضي للانهيار. بينما تتحايل فتاوى الفقهاء على الحق بالتقية التي هي مفهوم استثنائي، والتي غدت تعني النفاق الاجتماعي والأخلاقي. أو بما يعرف بالحيل الشرعية، التي هي أداة للتزوير وكسب المال الحرام. أو وجوب طاعة الخلافاء ولو كانوا ظالمين، وعدم الخروج على أولي الأمر وإن كانوا سفاحين وغير ذلك.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 


 

majed algharbawi8صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والتسعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

الاجتهاد والأخلاق

ماجد الغرباوي: إن مرجعية السيرة النبوية كانت وراء مقاربة عينتين منها، لتحري شرطها الأخلاقي، وبيان ما هو الأصل عند التعارض بين فعل الرسول، والمبادئ الأخلاقية. السُنة كما هو معلوم امتداد للقرآن في البيان والتفصيل، ومرجعية أخلاقية في السلوك والمواقف، وهذه إحدى معاني قدسيتها، أي حجيتها مطلقا والارتفاع بها فوق النقد والمراجعة، حتى لدى من يقتصر الحجية على خصوص ما له جذر قرآني، فثمة تزكية مطلقة في ظاهر قوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) تفرض حجيتها بعد أن جعلت الآية من الرسول نموذجا أخلاقيا أسمى، فيكون معيارا لسلوك المؤمنين. ومرجعية لتبرير سلوكهم وشرعنة تصرفاتهم أخلاقيا. وتكون حجة في حالات التعارض مع القيم الأخلاقية. فالسُنة دليل أخلاقي وشرعي، يستدل به المجتهد على صحة الفعل وأدائه السلوكي، سواء طابق أو لم يطابق القيم الأخلاقية المتعارفة. فالسُنة هي مصدر الأخلاق، يُحتكم لها في حالات التعارض وليس العكس. وهو اتجاه عريض يرى تبعية الأخلاق للدين. يؤكده الاتجاه الأشعري الذي يعتقد بشرعية الحُسن والقُبح، وما حكم به الشرع فهو حسن، وما نهى عنه فهو قبيح. فالأمثلة المتقدمة تعتبر فعلا أخلاقيا متعاليا يستمد شرعيته من آية: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ). فأخلاق النبي أخلاق نموذجية نهائية، تقصر دور المؤمن بالامتثال والاقتداء بعيدا عن النقد والمساءلة. هذه هي الرؤية الدينية السائدة معززة بقوله: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسُنة). وهي رؤية اجتهادية قابلة للمراجعة والنقد وفق زاوية نظر أخرى.

إن وعي السُنة يعتبر أحد الفوارق الأساس بين من يرى حجية مطلق السُنة ومن يقصتر حجيتها على ما له جذر قرآني، حيث يكون الواقع شرطا في فعليتها عند الاتجاه الثاني، ولا فعلية لها ما لم يكن الموضوع فعليا من جمع الاتجاهات، فتُستثنى جميع القضايا الخارجية المأخوذة موضوعا للحكم الشرعي وأيضا ما اقتضاه الموقف العسكري من تكتيك سلوكي يلغي الشرط الأخلاقي لضرورات أمنية أو أستراتيجية، كإباحة الكذب في المعركة بناء على مقولة الحرب خدعة. والكذب قبيح وعمل لا أخلاقي، وقد أفتى الفقهاء بجوازه إذا توقف عليه أمر مهم، كإنقاذ النفس المحترمة. بينما يؤكد الاتجاه الأول فعلية السيرة وإطلاقها في جميع الأحوال والأوقات، خوفا من مخالفتها ولو احتمالا. أو كما يعبر المجتهد: لبراءة الذمة من خلال الإتيان بالفعل المشكوك ولو احتياطا، وهو موقف احترازي على حساب رحمة الدين وسعته، سببه مفهوم القداسة، التي تعني عندهم منجزيّة الحكم مادام محتملا. وأن الوارد لا يخصص المورد. والعبرة بعموم اللفظ لا خصوص السبب. فيهدرون القيمة المعرفية المترتبة على أسباب صدور الحكم وفلسفته وغاياته ومقاصده إلا قليلا. إن التباس مفهوم القداسة كرّس الجمود على حرفية النصوص، والتمسك بالتراث، والاحتياط المبالغ فيه بالأحكام. وحماية النص من النقد بمعنى التعرف على فعلية موضوعه وأسباب نزوله وما هي غايته ومقاصده. إن ما لا يدركه هؤلاء، أو لايريدون إدراكه أن عدم  فعلية بعض السيرة لاحقا لا يسلبها قدسيتها ومرجعيتها بل يكشف عن شرط فعليتها المرتهن لفعلية موضوعها. فهو وعي للواقع وضروراته التي تملي الموقف الأخلاقي. فكان الهدف من مقاربة الأمثلة السابقة الكشف عن تاريخية السيرة بهذا المعنى. وهذا يستدعي إحاطة الفقيه بالظرف التاريخي للحكم الشرعي والسيرة العملية للرسول، ومعرفة فلسفتها، ودواعي تشريعهما أو صدورهما لتفادي أية تداعيات أخلاقية. هكذا يجب تدارك إشكاليات التشريع، بعيدا عن التكفير ومنطق الاقصاء لكل من يروم التجديد في الفقه الإسلامي. إن التمسك بمطلق السيرة النبوية، وسلبها تاريخيتها أحد أسباب العنف الديني، فثمة مواقف وتشريعات فرضها واقع لم يعد فعليا لتكون أحكامه فعلية أيضا. لكن جمود الفقيه يرفض وعي الدين وعيا مرناً، ويتمسك بالسيرة كحقائق دينية مطلقة دون مراعاة الواقع وشرطه التاريخي. ففي المثالين المتقدمين يبقى الأصل للقيم والمبادئ الأخلاقية، ويكون الموقف استثناء في إطاره التاريخي، فلا يكون مطلقا ودليلا يستدل به الفقيه على الحكم الشرعي. وهذا يشمل جميع السيرة النبوية، لا خصوص المثالين المتقدمين، لتدارك تبعية التمسك بمطلق السيرة، كما فعلت الحركات الإسلامية المتطرفة، ومن قبلها فتوحات المسلمين، التي وظفت السيرة لتبرير العنف وهتك القيم الأخلاقية، وكان أحد سلبياته تربية جيل يأنس العنف، ويلهو بالحرب. يهجو الحياة ويمجد الموت تمثلا لمواقف تاريخية فرضها واقع مختلف، وتشبها بجيل الصحابة ممن خاضوا حروبا لحماية الرسالة في أول ظهورها، وليس دفاعا عن مشروع سياسي أو دولة دينية. وهنا ينبغي التنبيه لمخاطر التقديس خاصة الخطاب الحركي وهو يصف سلوك الصحابة وشوقهم للشهادة ولقاء الحور العين، فيسافر المؤمن عبر خياله مع النبي وأصحابه، يتقمص شخصياتهم واحدا تلو الآخر، ويتمنى لو كان معهم، يُقتل شهيدا بين يدي رسول الله، ثم يتحين الفرص ليمثل دورهم، وبهذا الاتجاه يجافي الحقيقة حينما يحكم على واقع المسلمين بالكفر والجاهلية، التي تقتضي تطهير المجتمع منها، فيمارس العنف بشراسة وكأنه في إحدى معارك النبي، رغم اختلاف الواقع على فرض فعلية الجهاد والقتال. حيث عاش الصحابة واقعا مختلفا لا يمكن استعادته. كانت هناك رسالة سماوية مهددة بالفناء من قبل خصومها، ونبي مهدد بالاغتيال والقتل. بينما يعيش الإسلامي المتطرف اليوم في إطار مجتمع مسلم ولو ظاهرا، يرفع شعار لا إله إلا الله محمد رسول الله. ومن قالها كما هو متفق عندهم أحصن دمه وماله وعرضه. فكيف تستبيح الحركات الدينية المتطرفة دماء بريئة لا ذنب لها سوى اتهامها بالكفر والجاهلية؟. توجد قاعدة أصولية تقول: الحكم لا يستدعي موضوعه. فأنت لست مكلفا بتحصيل الموضوع، لكن متى ما كان الموضوع فعليا صار الحكم فعليا، يجب عليك الاتيان بمتعلقه. فقوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلً)، لا تفرض عليك أن تكون مستطيعا أبدا، لكن متى ما استطعت، استطاعة شرعية غدا الحج عليك واجبا. التكفيريون يريدون خلق واقع يبرر العنف، فيفترضون كفر السلطة بل والمجتمع وجاهليتهما. أنظر كيف يركز سيد قطب في أدبياته على مفهوم الجاهلية. إنها ذريعية لتبرير العنف من أجل السلطة. وهذا النوع من التفكير يخلق أجيالا تدمن العنف باعتباره فضيلة رغم عدم فعليته، بل ويصدق أنه عدوان سافر عندما يكون ظلما وجورا. فهناك آيات محكمة وقيم أخلاقية لا يمكن تجاوزها. فإضافة للنهي عن قتل النفس المحرمة، وحرمة قتل من تشهد الشهادتين كما في روايات عدة عن الرسول، فإن القيم الأخلاقية حاكمة، مهما كانت مبررات العنف الديني. فهي أي المبررات، من أي جهة صدرت، لا تعدو كونها وجهات نظر اجتهادية، لا يمكن تعميمها أو اعتبارها أحكاما شرعية ملزمة. ينبغي التمييز بين النص وفقه النص، الثاني فهم بشري للنص وفقا لقبليات المتلقي وأيديولوجيته. لا يمكنه تعميمها، بل ويكون مسؤولا عن تبعاتها، وحينئذٍ  لاينفعه التمسك بخبر "للمجتهد إن أصاب حسنتان وإن أخطأ فحسنة". الذي جاء في سياق الفقه السلطاني، لتبرئة الفقيه. وقد أشرت إلى نقاط ضعفه في مناسبة سابقة. المجتهد مسؤول عن أحكامه وفتاواه ومواقفه: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ). خاصة وأن آيات النهي عن سفك الدماء البريئة ماثلة في الكتاب الكريم، وما دعوى النسخ سوى التفاف عليها. فمن يقل بالنسخ لا ينفي حاكمية الآيات المحكمة لكنه يدعي نسخها دون دليل قرآني صريح بخصوصها، فكيف لا يكون مسؤولا عن أقواله ومواقفه؟

ثمة حقيقة لا يوجد اجتهاد بالمعنى الاصطلاحي للمفهوم، ومازال الفقهاء يقلدون السلف الصالح، ولا يخرجون على الشافعي وابن حزم في موقفهم من السيرة، ولا يتجاوزن المنطق السلفي في تعاملهم مع القرآن. والجمود على حرفية النصوص ظاهرة مشتركة بينهم. والجميع يمارس اجتهاده على هامش من سبقه، لذا لا يخالف الاجماع ويعتبره حجة ودليلا على الحكم. بل ولا يُفتون خلافا للمشهور، ومازالت حملات التشهير قائمة ضد كل من يختلف معهم فيما يعتقدون أنها جزميات نهائية. حتى ولو كان الاختلاف بين التقييد والسعة، التي تنسجم مع المنطق القرآني القائم على السعة والرحمة: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ). (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، وهذه الآية نزلت في سياق أحكام الحج، فهي ناظرة للحكم الشرعي. بينما تجد فتاوى الفقهاء حقل من احتياطات لا موجب لها، سوى وساوسه، وضمان براءة ذمته على حساب رحمة الدين وراحة مقلديه. إنها أنانية بعنوان ديني براق اسمه الاحتياط في دين الله. غير أنه احتياط يستبطن استخفافا واضحا بعقل وكرامة الإنسان.

إن تداعيات القول بمطلق حجية السُنة ليست قليلا، وكان من السهل الاستدلال قرآنيا على عدم حجيتها مطلقا غير أن أصول الفقه ولد من رحم علم الكلام القديم في منهجيته القائمة على الدفاع دون النقد والمراجعة. فتجد الأصولي يحشد مؤيدات للاستدلال على ما يريده. ولو أنه ارتكز للنقد والتأمل الفلسفي، كان سينتهي إلى نتائج مغايرة، تحمي الدين من اختراقات هوات العنف والاقصاء.

اتضح بهذا كيف وظفت السُنة غطاء لسلوكيات تجافي قيم الدين والأخلاق، وأداة بيد السلطة لتبرير حروبها وقمع المعارضة والتفرد بالحكم. وكيف استغلت وجوب طاعة الرسول، من خلال تكريس حجية مطلق السُنة، بما في ذلك الروايات الموضوعية والمكذوبة، وهو أمر لا يخفى على أهل الخبرة، وهناك كتب خصصت لمعرفة هذا اللون من الأحاديث. السبب إذاً سلب السيرة تاريخيتها وتكريس مطلق حجيتها، فكان نتاج التنظير الأصولي "ظهور جيل متطرف". والرد العلمي على هذا النمط من التفكير هو تفكيك مرجعيات التفكير الديني، ورد الاعتبار للقيم الأخلاقية بشكل تكون الأصل في حالات التعارض بينها وبين السيرة حينما يراد لها أن تكون مطلقا خرجا ظرفها الزمكاني. وبالتالي لا مبرر ديني للأخلاق السلبية حينما ترتكز للكتاب والسُنة، ما لم يكن التعامل معهما وفق منهج استدلالي نقدي يستعين بمعطيات العلوم الإنسانية الحديثة، ودراسة تاريخ الحكم وفلسفته. والسبب أن منهج القرآن قائم وفقا لمنطقه الداخلي على رد المتشابه للمحكم من الآيات، والاحتكام لإطار كلي يأخذ بنظر الاعتبار دور الإنسان في الحياة، ومحوريته في التشريع.

إن الفصل بين الكتاب والسُنة، لا يعنى القطيعة التامة، بل الاقتصار على الوظيفة القرآنية للسُنة، وأخذ الواقع وضروراته في سلوك النبي ومواقفه، وهذا أحد أسباب عدم إدراج السُنة ضمن الكتاب، باعتبارها رؤية اجتهادية محكومة للواقع وضروراته وشروطها، فما كان فعليا في عصر النص لا يكون كذلك دائما خارجه. وعليه لا شرعية لمن يحتج بمفردات قرآنية ونبوية لتبرير سلوكه المجافي للقيم الأخلاقية. فثمة واقع فرض صدور بعض الأحكام والمواقف التاريخية، وثمة شروط تتحكم بفعلية الأحكام الشرعية. ولا يمكن لغير الخبير الاحتجاج بظاهر الكتاب والسُنة.

نخلص أن العقل الأخلاقي حاكم على العقل الفقهي في إطار الرؤية الكلية للدين وغاياته ومقاصده، وهذا يقتضي التأني في استنباط الأحكام وفق النظرة التجزيئية التي تفصل بين الأحكام دون مراعاة الهدف الكلي للدين، ومقاصد الكتاب الكريم. وهذا يستدعي فهما حقيقيا لمفهوم القداسة، بعيدا عن أوهام الحقيقة وهواجس روح العبودية. القداسة، كما مرَّ بنا، لا تعني قمع المتلقي، كما يفهم المنطق التراثي ذلك، بل تعني أفقا رحبا للتأمل في مضمرات النص، واكتشاف رمزيته، وما توارى من دلالاته. كما أن قداسة النص لا تستدعي الانغلاق، والجمود على حرفيته، وعدم تأويله وفهمه وفق سياقاته. ولا تجرد النص من تاريخيته، ويبقى النص موضوعا للفهم والتفسير وحتى التأويل. القداسة تعني صدور النص عن مصدر متعالٍ محيط بكل شيء، فيشرّع ويهدي وفقا لملاكات ومصالح، يمكن للإنسان إدراكها لتحديد مدى فعلية النص المقدس. وهذا الفهم يحرر الفقيه من هاجس براءة الذمة على حساب السعة والرحمة التي تشكل إطارا عاما لفهم النص. وتسمح بدراسة النص، للتعرف على أسباب نزوله وفلسفته، ليبقى إمكانية متاحة للمراجعة والاجتهاد، في ضوء مستجدات الواقع، ومتطلبات الحياة. وقد تقدم أيضا: أن القداسة سلطة معرفية موجّهة، تحد من حرية الباحث الديني، تسلبه خيار القراءة المفتوحة للنص، ويخضع لا شعوريا لسلطته وقدسيته، باعتباره مطلقا. بل تارة رهاب القداسة يحول دون التعرف على تاريخ النص وفلسفته وشروط فعليته، مخافة المساس بقدسيته، فتغدو القداسة حجابا يحول دون رؤية المتواري والمضمر في متاهات النص، حينما ينحاز للتبرير دون النقد والتفكيك. ويعود ثراء النص إلى ثراء دلالته، وإمكانيات تأويله، فيما يضمره ويستبعده، من خلال تقنيات اللغة وقدرتها على توظيف المجاز والتورية. كما تلعب قداسته دورا كبيرا في توجيه فهم النص، بحكم سلطتها وهيمنتها، حداّ يستبعد المتلقي كل ما يتقاطع معها، ويغفل عن كثير من الدلالات التي يمكن استدعاؤها لولا قداسة النص. ولعل في النصوص الغرائبية مثالا واضحا للفرق بين القراءتين، حيث يبالغ الباحث الديني في قداسة النص ومصدره، هروبا من جحيم أسئلة العقل واستفهاماته.

تجدر الإشارة إضافة لما تقدم: إن صدقية الاجتهاد تتوقف على كفاءة المجتهد علميا واستقلاليته في آرائه الاجتهادية، سواء وافق أم اختلف مع آراء المجتهدين. وما لم يستقل برأيه أو يخضع لا شعوريا لسلطة غيره من الفقهاء، لا يصدق عليه مفهوم الاجتهاد، ويبقى يكرر ذاته ويستنسخ آراء غيره. لا فرق بين الأصول والفروع. يجب على كل مجتهد أن يستدل على نسقه العقدي قبل ممارسته لعملية استنباط الأحكام الشرعية. على أن يُعلن آراءه صراحة أمام طلابه ومقلديه. إذ ستتغير فتوى المجتهد وفقا لبعض مفردات العقيدة، كما لو اختلفوا حول عدالة الصحابة أو عصمة الأئمة. فمن يقل بعصمة الأئمة يعتبر رواياتهم دليلا على الحكم الشرعي، بينما يقف من لا يقول بها عند حدود الاستئناس بآرائهم. وبشكل أوضح من يعتقد بحجة مطلق السيرة النبوية وبين من يقتصر الحجة على ما له جذر قرآني. فالحكم سيدور مدار ما يؤمن به المجتهد. بينما يحول الخوف دون التصريح بها، وقد يفتى خلافا لقناعاته إرضاء للجمهور ولو على حساب الحقيقة. ومثاله حينما يحجم المجتهد عن المساس بعقائد وطقوس، لا أصلا دينيا لها، وربما تتعارض مع قيم الدين، لكنه يسكت أو يمالئ الناس خوفا من خسارتهم. فينبغي استقلال المجتهد وهو يمارس عملية استنباط الحكم الشرعي. ومعنى استقلاليته، تحرره من سطوة التراث وقداسة النص بالمعنى السلبي للمفهوم. وتجرده عن قبلياته الأيديولوجية وتحيزاته الطائفية، وإبعاد فهم النص عن كل مؤثر يحول دون استقلالية المجتهد. كما تتطلب عملية استنباط الأحكام الشرعية خبرة في آيات الأحكام.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi7صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة التسعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

نساء النبي والأخلاق

ماجد الغرباوي: نخلص أن العقل الأخلاقي يجب أن يكون حاكما على السُنة في حالات التعارض بينهما. ونقصد بالسُنة خصوص السيرة العملية / فعل النبي، ومثاله زواجه من عائشة الذي اختلفوا حول تفاصيله، وصدّقوا رواية تقول أنه تزوجها بعمر السادسة وأجّل الدخول فيها إلى عمر التاسعة. الزواج من الأطفال يخالف قيم الكتاب والأخلاق كما تقدم، ويؤيده: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، لذا استبعدنا صحة الرواية بعيدا عن القداسة وتأثيراتها اللاشعورية، لعدم وجود دليل قطعي على صحتها وفقا لمنهجنا في تصحيح الروايات، كما أن النبي أولى بالتزام قيم الدين ومبادئه وأخلاقه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ). فسيرة النبي سيرة تطبيقية لأخلاق القرآن وقيم الدين، فكيف يقول شيئا ويخالفه علنا، مع وجود خصم عنيد يترصد سلوكه ليل نهار للتشهير به؟. لكن ثمة ملاحظة جانبية يحصل لدى العوائل وإلى يومنا هذا أن تُسمى طفلة باسم شخص، فيقال هذه لفلان. أي ستكون زوجته مستقبلا، ولا يحق لغيره خطبتها، وربما حصل مع عائشة الأمر ذاته. وهي قضية مألوفة، تنسجم مع قيم المجتمع الأبوي، التي ترتهن الأنثى ومستقبلها لأب الأسرة. وهي قيم استبدادية، دأبت على سلب المرأة حريتها وإرادتها. وهذا أمر ممكن ومتوقع. فأبو بكر أقرب الناس لرسول الله، وأكيد كان يتمنى زواجها منه، وربما قبل النبي على هذا الأساس، وإلا كيف نتصور رجلا خمسينيا يقترن شرعا بطفلة صغيرة؟. وهناك قضية شرعية تحول دون صحة العقد على فرض وقوعه، وهي: أن الزواج عقد بين طرفين. إيجاب وقبول. يشترط في المتعاقدين شروط، منها: البلوغ والعقل والرضا والرشد، وغيرها. فكيف يصح العقد من طفلة في سن السادسة، وهي ليست بالغة وليست راشدة من باب أولى؟ لكنهم التفوا على الأمر حينما منحوا الأب ولاية تمكنه من إجراء العقد، وهو ذات المنطق الذكوري السائد، حتى وإن منح الفقهاء الزوجة حق فسخ العقد عند بلوغها إذا لم تكن راضية، فإن نفس التصرف بمستقبله أمر مستهج، وفعل لا أخلاقي.

القرآن لم يشرّع سوى عدد محدود من الأحكام وترك الحياة لتجربة الإنسان والعقل والأخلاق. فثمة عقل أخلاقي يجب أن يكون حاضرا في تشريع الأحكام والقوانين. فمثلا عدم وجود نهي صريح في القرآن عن زواج الصغيرة لا يبرر جوازه، فثمة إطار كلي للدين والكتاب، ونهي أخلاقي يستمد شرعيته من إنسانية الإنسان وروح الأديان، لتفادي الظلم والعدوان والجور، إضافة لما سقناه من أدلة قرآنية. وزواج الأطفال ظلم ومصادرة لحقوقهم: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، فما ذنب المرأة عندما تفيق وتجد نفسها مع زوج يكبرها بعشرات السنين، تختلف معه مزاجا وأخلاقا؟. إذا ينبغي تفكيك شرعية الفتاوى الفقهية من خلال نقد مرجعيتها والتأكد من سياقاتها التاريخية. كما يجب نقد مناهج استنباط الحكم الشرعي التي لا تراعي العقل الأخلاقي، والمنطق الداخلي للكتاب، والهدف العام للدين، ومحورية الإنسان في الحياة. المجتهد لا يأبه بالآثار الأخلاقية المترتبة على نتائج استنباطه، ولا يهمه سوى التشريع ضمن سياقات التقنين، وتطبيق كبرى الأحكام على صغرياتها. ومادامت الأدلة دلت على صحة العقد من الصغيرة، يفتي طبقها، انسجمت أو لم تنسجم مع قيم الأخلاق. فهناك تعسف ترفضه الأخلاق الإنسانية الكريمة يجب مراعاته في عملية استنباط الأحكام الشرعية. ولا أقل ينبغي للفقيه التأني أو الاحتياط في الفتوى، لذا بعض الفقهاء يشترط نضوج المرأة، وهذا حق وصواب. وينبغي تفهمها لمعنى الحياة الزوجية وشروطها وضروراتها، ويترك لها الخيار في دراسة الموضوع، وتكوين قناعة كافية تتحمل معها مسؤولية الزواج. بل بات التعارف بين الرجل والمرأة قبل الزواج ضرورة، لتفادي عدم الانسجام وضعف القناعة والانفصال النفسي المبكر، وربما الطلاق. وهذا يستدعي ثقافة منفتحة يتفهم معها الفقيه ضرورات الحياة، وما حفلت به معطيات العلوم الحديثة، لصالح حياة زوجية زاخرة بالسعادة والوئام. فليس المهم تشريع الحكم بل تشريع الحكم الذي يحقق سعادة الإنسان ومصالحه العامة.

المشكلة عندما يوضع الفقيه بين خياري الإنسان والتشريع يقدم الثاني على الأول، متناسيا محورية الإنسان في الحياة. فثمة إشكالية معروفة: هل الأولوية للإنسان أم للتشريع؟. ومثاله عندما يرفض الفقيه الهدنة مع العدو، ويفتي بوجوب مواصلة الحرب تحاشيا لمخالفة الحكم الشرعي رغم فداحة الخسائر بالأرواح والممتلكات. بمعنى أخر عندما تشكل الحرب خطرا على جماعة المسلمين، فهل يفتي الفقيه بحرمة الهدنة ووجود مواصلة الحرب؟ وهل يقدم الحكم الشرعي على مصلحة الإنسان أم العكس؟  وهي إشكالية مردها لإشكالية أعمق ترتبط بفهم الدين، ودور الإنسان في الحياة. فثمة اتجاهان مرَّ الحديث عنهما تفصيلا. اتجاه العبودية الذي يعطي الأولوية للتشريع انسجاما مع قيم العبودية، فالإنسان مجرد عبد، يدمن الطاعة، مهما كانت تبعاتها. بينما الأولوية للإنسان وفقا لاتجاه الخلافة الذي تم التأسيس لجملة من مبادئه، كما تقدم. الدين وفقا للرأي الثاني جاء لترشيد وعي الإنسان، فيراعي مصالحه، وليست ثمة قدسية للتشريع عندما يكون على حساب الإنسان. والحقيقة أن الثاني لا يفرط بالحكم الشرعي لكنه لا يرى فعليته، حينما يتعارض مع مصالح الفرد والمجتمع، فتكون مصالح الإنسان شرطا في فعلية موضوعه. إن هذا النمط من التفكير كان وراء وجود نسق أخلاقي يجافي القيم الإنسانية، فيحسب على الدين، والحقيقة أن رأي الفقيه رأي اجتهادي غير ملزم لأحد سوى مقلديه ومن يتبع فتاواه. ويبقى العقل الأخلاقي حاكما في المقام. فنرنو للتعرف على نماذج تنتسب ظاهرا للدين لمعرفة حقيقتها، عبر منهج تاريخي، ثم دراستها أنثربولوجيا، قبل أدلجتها واستغلالها تحت تأثير العقل التراثي وروح العبودية الذكورية. هذه هي مهمة البحث في هذه الأمثلة التاريخية. أي تفكيك قدسيتها ومعرفة مدى انسجامها مع العقل الأخلاقي وقيم الإنسان والأديان، فربما هناك التباس في فهم الحدث التاريخي فيبدو واقعا بفعل التراكم بعيدا عن النقد. وليس القصد من استدعاء بعض النماذج التاريخية خاصة من السيرة النبوية لتوهين الدين أو الاستخفاف بالقيمة الأخلاقية للتشريعات الاجتماعية الدينية. السيرة أحد مصادر التشريع، والنبي قدوة المسلمين، وهذا يكفي مبررا لدراسات بعض النماذج التي يبدو منها التعارض مع القيم الأخلاقية، لسلبها شرعيتها بعد اكتشاف تاريخيتها. منها:

ثانيا: حرمة زواج نساء النبي بعد وفاته

إذا كان زواج الرسول من عائشة بسن السادس كان مجرد رواية ضعيفة، تم استبعادها لأسباب موضوعية مرَّ ذكرها، فإن حرمة زواج نساء النبي بعد وفاته منصوص عليها قرآنيا: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا). فكيف نفسر أخلاقيا حرمة زواج عائشة وهي مازالت امرأة ثلاثينية أو أربعينية في أحسن الأحوال، وربما تتوق لزوج يعوضها ما فاتها بسبب فارق العمر أو بسبب كثرة نسائه وانشغالاته؟. وأما باقي زوجاته فربما بلغن سن اليأس، وقد تشملهن عن قريب آية: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا). والسؤال: ما مبرر حرمان نساء النبي متعة الحياة الزوجية بعد وفاته التي ربما لم تكن مثالية في زواجها منه؟.

لا ريب في سلبية القرار عندما تؤخذ حرمة اقتران زوجات النبي بشخص آخر بعد وفاته. ولا شك في تعسفه لغير اليائس ومن عانت الحرمان أو عدم الإشباع بسبب فارق العمر وكثرة نسائه وانشغالاته وهمومه. هذا إذا كان طرف القضية محمد بن عبد الله الشخص. لكن الأمر سيختلف حينما يكون طرف القضية محمد بن عبد الله الرسول. النظرة الأولى: نظرة تجزيئية لا تخلو من ظلم وتعسف، ما لم يدرس الموضوع ضمن إطار كلي، فتكون حرمة زواجهن بعد وفاته جزءا في سياق رؤية رسالية. فتأتي منسجمة مع غايات ومقاصد الرسالة، فإذا خسرت زوجة النبي شيئا من حريتها تعوّض رمزيا ما يحفظ لها كرامتها وحيثيتها ومقامها. فهناك إطار عام عنوانه: "الرسالة السماوية"، يؤطر جميع تصرفات الرسول، فقرار حرمة زواج نسائه بعد وفاته ضمن سياقات المهمة الرسالية. وهنا عندما نتناول الموضوع باعتباره جزءا من كل، ستختلف نظرتنا إليه، وسوف يخرج عن كونه مرجعية لفعل أخلاقي سلبي. وهو ما نريد فهمه ودراسته، حيث قوة حضور الديني، وقدسية السيرة النبوية. كي لا تبقى حجة لأي سلوك سلبي يقحم السنة النبوية لشرعنته، واتخاذها ذريعة لسلوكه أو لتشويه سمعته. وبشكل أدق، لا نتحدث عن محمد بن عبد الله الشخص، بل نتحدث عن محمد بن عبد الله النبي الرسول. والكلام عن رمز قدسي، ينهل المسلمون من سيرته مكارم الأخلاق. تقول الآية: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا)، فالصفة الرسالية متخذة بنظر الاعتبار، وهو ما أكدته الآية حينما نسبت الزواج لرسول الله: "لا تؤذوا رسول الله". "لا أن تنكحوا أزواجه" (أزواج رسول الله). فهن أزواج محمد الرسول، الرمز المقدس لدى صحابته وجميع المسلمين. الرسول الذي ترصده عيون الخصوم، وتتابع عثراته علها تحظى بذريعة للتشهير به: (فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ). ولبيان حقيقة النهي، والآثار المترتبة عليه، وهل يصدق معه مفهوم الظلم أم لا؟، نقول ضمن نقاط:

-  ثمة خصوصية لنساء النبي ذكرتها مصفوفة آيات بعنوان: (يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء)، قد أخذت بنظر الاعتبار خصوصيته الرسالية، وموقف الأعداء منه. كما نظرت للجانب العرفي، وحساسية مقام الرسالة في مجتمع مازالت تسوده قيم القبيلة.

- إن قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا، وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآَخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمً). قد خيّرت نساء النبي بين أمرين، فمن قبلت البقاء معه، قد وافقت على شروط العقد وشروط الآية أعلاه. وتنازلت طوعا عن بعض حقوقها، فانتفى الظلم والعدوان، مادام الأمر باختيارها.

- مقتضى أمومة نساء النبي، عندما اعتبرهن أمهات المؤمنين، (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) فتكون الحرمة تحصيل حاصل، لحرمة الأم على ولدها (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ)، سواء كانت أماً حقيقية بالنسب. أو أماً بالسبب كالأم بالرضاعة أو بجعل شرعي من قبل الله، في مثال نساء النبي اللاتي جعلهن الله أمهات المؤمنين.

الحرمة والظلم

- لا يصدق الظلم مع عدم صدق الحرمان. ومع عدم تعويض الحقوق المهضومة. ولا يصدق على المرأة التي ترفض الزواج. أو حالت ظروف قاهرة دون ذلك. وأيضا لا يصدق مفهوم الظلم إذا كان لديها ما يبرر عدم زواجها، كما بالنسبة لزوجات النبي.

- عندما رفع الله تعالى نساء النبي إلى منزلة "أم" لجميع المؤمنين، فقد وهبها قيمة رمزية، لم تعد بعدها مجرد زوجة للنبي بل أماً بما يوحي مفهوم الأمومة من قدسية ووقار وحب واحترام، وما لها من حقوق وواجبات دون الإرث. وهذا تعويض رمزي يتلاشى معه مفهوم الظلم. بل ما قيمة الزواج بالنسبة إلى نساء قد تجاوزهن العمر (ما عدا عائشة). فهل يصدق الظلم وهي تتمتع بهذه الحيثية الرفيعة؟

- مهما كانت حاجة زوجة النبي للزواج بعد وفاته فإنها لا تغامر بخلع لقب ديني واجتماعي كبير. أي زوجة أقدس إنسان في نظر أصحابه والمجتمع، ويكفي أن يشار لها لتوحي بدلالات قدسية كبيرة. فكيف تتنازل من أجل متعة جسدية، يمكنها الصبر عليها خاصة مع تقدم العمر؟. فنساء النبي قد غمرهن الفرح بهذه المنزلة ولم يراودهن شعور بالظلم والحيف.

- الظلم قضية نسبية. فالحرمان الجنسي في رأي امرأة ظلم عظيم. وفي رأي أخرى مسألة عادية، قياسا على المرأة وشدة شبقها وموقعها الاجتماعي، فهناك نساء يرفضن الاقتران ثانية مهما كن شابات من أجل قضية رمزية وقيمة أخلاقية ومبدأ إنساني تؤمن به. نساء النبي أغلبهن يائسات، فلا ظلم في عدم زواجهن بعده، بل يجدن فيه راحة نفسية، وهذا ما نشاهده بالنسبة لكبيرات السن. ماعدا عائشة أو بعضهن. ولا شك أنها لا تشعر بأي ظلم وهي في مقام الأم، بل ستشعر أنها كُرمت من قبل الله تعالى، فتغض الطرف عن الزواج، احتراما لمقامها. لقد وضعتهن بين خيارين، وكان بامكانهن التنازل عن اللقب الاجتماعي الكبير وفراق النبي: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا، وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآَخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمً). لكن لم يحصل شيء من هذا.

- قد يصدق الظلم كما بالنسبة للسيدة عائشة، لكن كم نسبته، مع بديل قدسي هو الأمومة والاحتفاظ بلقب زوجة النبي، أقدس إنسان بنظر قومها ومجتمعها؟. إن كثيرا من النساء يرفضن الزواج بعد وفاة أزواجهن، حفاظا على ألقابهن ومكانتهن الاجتماعية. تريد البقاء زوجة فلان الشخصية الكبيرة، حتى لو تطلب الأمر التنازل عن رغباتها الجسدية. وبالفعل قد وظفت عائشة لقب "زوجة رسول الله" في صراعها السياسي على السلطة حربها ضد الإمام علي الخليفة الشرعي. فالتعفف الجنسي حالة مألوفة وليست غريبة على المجتمعات كافية.

- حتى لو صدق مفهوم الظلم بسبب حرمة الزواج من بعده، فهناك تعويضات كبيرة، منها أنها تحتفظ بلقب زوجة الرسول، وتبقى أماً للمؤمنين، تحظى باحترامهم وتقديرهم في ظل مجتمع ذكوري لا يحترم المرأة. كما من الناحية الرمزية لها ثواب مضاعف في الآخرة: (وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا).

- إن رمزية النبي ومقامه الروحي انعكست على زوجاته بشكل اختلف بسببها أفق تفكيرهن، خاصة أن الاقتران به كان شرفا عظيما وميزة اجتماعية تتصاغر معها كثير من الأمنيات والحاجات المادية والجسدية. فالتعويض ينفي صفة الظلم عن حرمة زواجهن.

- إن غلبة الجانب الروحي والروحاني على نساء النبي، استحوذ على الجوانب الأخرى، بعد اختلاف أفق تفكيرهن. وهذه نقطة مهمة. ومن يعش اجواء روحية خاصة يفهم هذا الكلام. فلم يكن هناك ظلم بل سمو روحي ونفسي.

- نحن لا نتكلم عن رجل اعتيادي وعن نساء اعتياديات لا شاغل لهن سوى التفكير بالليل والجسد بالعلاقة الجنسية. نحن أمام رجل غيَّر مجرى الحياة من حولهن، وفتح أذهانهن وقلوبهن وقلوب الناس جميعا لرؤى وآفاق جديدة من الروحانيات والعبادات والجهاد وهموم توسيع أفق الدعوة بالفتوحات الإسلامية، فكان يدخل على كل واحدة منهن وهي تصلي أو ترتل القرآن أو تعظ النساء أو تقري الضيوف، فكان يحترمهن ويبثهن همومه ويستشيرهن في بعض القضايا.

- لا أنكر الصفة البشرية لنساء النبي، لكن المرأة توازن، تتنازل عن بعض حقوقها لتكسب امتيازات وحقوقا دنيوية وأخروية. فكانت نساؤه يتباهين ويتفاخرن به، وقد اكتسبن منزلة رفيعة، فلا مبرر للحديث عن الظلم هنا.

- يأتي الحكم بحرمة اقترانهن برجل غيره بعد وفاته تكريما اجتماعيا استجابة لقوله: (لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ)، فمن باب التوقير أن لا يشاركه في فراشه أحد من بعده، خاصة في المجتمع الذكوري، الذي ينسب المرأة في زواجها الثاني إلى زوجها الأول، فلانة زوجة فلان قد تزوجت ثانية. فالحرمة جاءت لتوقيره وتوقير نسائه. فهو قرار احترازي جاء بصيغة النهي الذي لا رجعة فيه، لإبعاد أية شبهة محتملة: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا)

- ولعله أيضا من باب التكريم للنبي الأمين، بأن يحتفظ ببعض الخصوصيات لمنزلته ومكانته، وما تفرضه بعض الضرورات، فلا يشاركه أحد في زوجاته ولو بعد وفاته. مثله مثل بعض الواجبات المختصة به دون غيره كوجوب صلاة الليل عليه.

- ثمة مسألة مرتبطه بالعرف. المجتمع العربي مجتمع ذكوري بامتياز، يفسر كل شيء على أساس الذكورة والأنوثة. يمنح الرجل جميع صفات العلو والرفعة، ويصفها بكل صفات الانحطاط والدونية. فالرجل لا يفهم معنى الشراكة في الحياة، ولا يتعامل مع زوجته على أنها مكمّل بايولوجي للعملية الجنسية، ويفكر بطريقة ذكورية حيوانية لا تنتمي للحس الإنساني، فهو واطئ وهي موطوءة، وما دامت موطوءة فهي في درجة أدنى، وهي مهانة، ومحتقرة، وما زالت مجتمعات القرى والأرياف في العراق مثالا لا حصرا، يتعففون عن ذكر المرأة. ويرددون عبارة: (تجل أو تكرم عن طاريها) اي تجل وتكرم عن ذكرها أمامك باعتبارها حيواناً لا يصح اقترانها بالإنسان، هي موطوءة ومركوبة. وبالتالي لو أن نساء النبي تزوجن بعد وفاته، سيهان الرسول في نظر العرف العربي آنذاك، بسبب نظرة الرجل للزوجة.

مما تقدم يتضح أن الظلم هنا نسبي، وقد لا يصدق المفهوم مع حجم التعويضات النفسية والرمزية. فالحكم لا يتناقض مع الشرط الأخلاقي، ولا يعكس صورة سلبية إذا ما نظرنا للقضية من زاوية رسالية.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi6صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والثمانون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

الأنبياء والأخلاق

ماجد الغرباوي: إن معرفة أسباب تشريع الحكم الشرعي، والإحاطة بظروفه التاريخية، شرط أساس لتحديد فعلية موضوعه التي تتوقف عليها فعلية الحكم، ومدى إطلاقه، لتدارك تبعات تطبيق الأحكام خارج شروطها، كما هو الحال بالنسبة لجملة من آيات التشريع التي جرّدت من تاريخيتها وغدت فعلية رغم عدم فعلية موضوعاتها تبعا لاختلاف الظروف. لا فرق بين أحكام القرآن وأحكام السُنة النبوية، الأعم من قول النبي وفعله وتقريره. فكما أن قوله حجة، كذلك يعتبر فعله حجة ودليلا شرعيا في استنباط الأحكام الشرعية. وهنا أتحدث بناء على مطلق حجية السُنة، كما يذهب لذلك عموم المسلمين. وأما على الرأي المختار فدائرة الحجية تقتصر على ما له جذر قرآني. وحتى هذا القدر يمثّل رأيا اجتهاديا للنص ضمن شروط مرّ تفصيلها (أنظركتاب: الفقيه والعقل التراثي). فكما يستدل المجتهد على الحكم بدليل لفظي، آية أو رواية، كذلك يستدل بفعل النبي باعتباره دليلا شرعيا. كاستدلاله بزواجه من عائشة، على جواز زواج المرأة في السادسة من عمرها. ويفتي بعدم جواز الدخول بالزوجة قبل سنة التاسعة، لأنه لم يدخل بها قبلها. بناء على الشائع من الروايات والأخبار، كحديث البخاري. وثالثة يجيز المجتهد زواج الرجل الكبير من طفلة بعمر السادسة، بناء امتثالا لسُنة النبي!، متجاهلا بذلك الشرط الأخلاقي لصالح النص / الدليل الشرعي. مهما كانت تبعاته الأخلاقية خاصة وفقا لشرعَة حقوق الإنسان وما عليه الوعي الأسري حاليا. والسبب تجاهل تاريخ النص وفلسفة التشريع. ولا يمكن تجاهل سنته فهي مرجعية أخلاقية، أسوة بكتاب الله الذي يُعد مرجعية أخلاقية مطلقة لدى المسلمين جميعا، منه يستمدون شرعية سلوكهم، وإليه يحتكمون في مواقفهم. وهذا مبرر سؤال السائل الكريم: (هل أفلح القرآن في تهذيب وضبط سلوك المسلمين، ولماذا؟!!). الذي يبدو منه لا فقط الشك في قدرته على ضبط الأداء السلوكي لهم بل وشرعنة بعض السلوكيات اللاأخلاقية وفقا للمعايير الأخلاقية القائمة على حقوق الإنسان اليوم، كشرعنة العنف ضد الآخر المختلف دينيا، والأمر بملاحقته وقتله أين ما كان، وكان هذا دليل الحركات الدينية المتطرفة في صراعها الديني - السياسي. فالسؤال يدعو للمراجعة والنقد لمعرفة حقائق الأمور، وعدم الاكتفاء بالتسليم تحت ذريعة المقدس. فثمة فارق يثير علامات استفهام بين الصورة المثالية التي يصف بها المؤمنين، والصورة الواقعية لسلوكهم. فعلامات الاستفهام مشروعة، قياسا على قدسية الأديان، وقدرتها بالقوة أو بالفعل على إنجاب سلوك مهذب، غير أن المشهد  يثير علامة استفهام، حول قدرة الأديان والكتب المقدسة على تهذيب سلوك معتنقيها. فهل الخلل في ذات المفاهيم الدينية أم في الجانب السلوكي؟. وقد مرت الإجابة.

وهنا يبرز السؤال الأخلاقي: كيف يمكن لشخص مقدس كالنبي أن يتزوج وهو بعمر الخمسين بطفلة عمرها ستة سنوات، لا تعي من الحياة شيئا، حتى وإن تأخر الدخول بها إلى التاسعة، بناء على صحة الروايات؟. ماذا عن مشاعرهما المشتركة كما هو المفترض وفقا لآيات الكتاب؟ كيف ستكون سَكًنا له بفارق العمر الكبير، وكيف ستكون بينهما مودة ورحمة: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً)؟. وكيف ستكون لباسا له وهو لباس لها، مع فارق المشاعر تبعا لفارق العمر: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن)؟. وإذا كان القرآن قد اشترط الرُشد في القضايا المالية، أليس من الأولى شرط النضوج والرُشد في الحياة الزوجية، التي يتوقف عليها بناء جيل من الأبناء: (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا). هذه الإشكالات القرآنية وغيرها دفعت بعضهم للتشكيك برواية البخاري، وقالوا بأن النبي تزوج عائشة وعمرها 18 سنة، وهناك رأي ذهب الى عمر الخامسة والعشرين. لكن كل هذا لا يغير من الحقيقة القائمة أن أغلب الفقهاء في جميع المذاهب الإسلامية يجيزون زواج المرأة في السادسة من عمرها، وعدم جواز الدخول فيها قبل التاسعة. بل ذهب بعض إلى جواز تفخيذ الرضيعة، ليرسموا صورة ذكورية شاذة عن علاقة الرجل بالمرأة وفقا للفقه الإسلامي، وأن المرأة مخلوقة للاستمتاع، ووعاء لشهواته. يقول روح الله الخميني في كتاب تحرير الوسيلة، ج2، ص241: (مسألة 12 - لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين، دواما كان النكاح أو منقطعا، وأما سائر الاستمتاعات كاللمس بشهوة والضم والتفخيذ فلا بأس بها حتى في الرضيعة).

إن ما تقدم لا ينفي الأخلاق القرآنية، فثمة منظومة أخلاقية في كتاب الله، وامتدادها في سنة النبي قولا وفعلا وإمضاء، وقد شهد القرآن لسمو أخلاقه: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ)، وقوله عن بعثته: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". والآيات الأخلاقية كثيرة، بل ويمكن إرجاع أحكام الشريعة لجذرها الأخلاقي، كالتقوى التي هي من أبرز الفضائل التي يسعى لها الدين، لتقويم سلوك الفرد والمجتمع. غير أن بعض الأحكام الشرعية، وبعضا من سيرة النبي تحتاج إلى تفسير لفهم ملابساتها، وكيفية فهمها على أساس قيم الفضيلة. وقد تقدم بيان بعض الملابسات من خلال فهم المنهج القرآني في تشريع الأحكام الشرعية، والفصل بين القضايا الحقيقة التي يكون فيها الحكم مطلقا،  والقضايا الخارجية التي لا تكون مطلقة خارج موضوعها المحدد. غير أن مناهج استنباط الأحكام الشرعية تختلف من فقيه إلى آخر، حول جملة مبادئ رجالية وحديثية وأصولية. فهناك فرق بين من يجرد الحكم الشرعي من تاريخيته، ويجعله مطلقا في جميع الأزمان والأحوال، وبين من يأخذ بنظر الاعتبار اختلاف الظروف الزمكانية، ومستوى وعي الناس، وثقافتهم ورؤيتهم. فالأول مثلا يرى فعلية أحكام الجهاد والقتال، بينما يشترط الثاني شروطا في فعليتها كالحرابة، بينما يرى ثالث وهو من نختاره، لا فعلية لأحكام الجهاد خارج عصر النص. إن فهم النص يتطلب عدة معرفية وكفاءة علمية وورعا، لا تأخذه في الله لومة لائم عن قول الحقيقة. بينما يخشى المجتهد مخالفة المشهور، وما تبانى عليه الفقهاء، في وفائهم للسلف وسيرتهم، رغم اختلاف الظروف، ورغم ما يترتب على بعض الأحكام من مشاق. كذلك يتطلب فهم النص القرآني منهجا يراعي منطقه الداخلي، وتحديد شروط فعلية الأحكام من خلال فهم يتسع لقضايا لها علاقة بالنص، كمعرفة الآيات المحكمات وتمييزها عن الآيات المتشابهة، وكيفية رد الثانية إلى الأولى. وكذا معرفة المطلق والمقيد، والعام والخاص. وهناك قضايا دقيقة جدا ينبغي للمجتهد إدراكها بحسه الفقهي، لكن للأسف التقليد هو الصفة الغالبة للمجتهدين، حتى وهم يمارسون الحكم الشرعي. هنا أضرب مثلا لخصوصية النص القرآني وأحكامه، ربما لم يلتفت لها أحد، وقد فصّلتها في كتاب تحديات العنف، استعيد ما يسلط الضوء على هذه المسألة التي هي مجرد نموذج:

يختص النبي، أي نبي، بصلاحيات لا تنتقل لغيره بأية ذريعة كانت. لتعارضها مع قيم الدين: (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ). والقيم الأخلاقية: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا). ولا يصدق أنها أدلة شرعية يمكن الاستدلال بها على جواز  قتل الطفل مثلا، مادامت محكومة بقيم أخلاقية وآيات محكمات ومبادئ إلهية كبرى تكون حاكمة على غيرها من الآيات. فيصدق ثمة صلاحيات فوق العادة. محدودة جدا، وضمن شروط مشددة، تقتضيها مصالح أكبر، لا يمكننا إدراكها. كما بالنسبة إلى موسى الذي كان يحتج على تصرفات العبد الصالح، عندما ثقب السفينة وقوّم الجدار بلا مقابل وقتل غلاما بريئا (سورة الكهف، الآيات: 65 - 82)، وما يهمنا "قتل الغلام" بما هو نفس محترمة، بعيدا عن المعنى اللغوي لكلمة غلام. وبناء على واقعية القصص لا رمزيتها، وحدوثها واقعا وبالفعل، فتعتبر جريمة كبرى وفقا للمنطق القرآني قبل غيره. فكان استنكار موسى مبررا، حينما استفزته الحادثة، وهزت أعماقه، وهو نبي كريم: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا). لكن العبد الصالح بين في نهاية المطاف لموسى: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا)، وراح يُنبئه بدواعي تصرفاته الواحدة تلو الأخرى. ورغم هذا التفسير، فإن قتل النفس بغير ذنب جريمة لا يستوعبها المنطق الإنساني، وقد يقبلها المؤمن تسليما لله وإيمانا بما نزل من عنده. وأما التعامل معها وفقا للمنطق الأخلاقي، فنصيبها الرفض والاستنكار. بل ويمكن توظيفها سلبا ضد الكتاب، وهو يحمل الغلام مسؤولية فعل لم يرتكبه. فنستفيد من هذه الآيات بناء على واقعيتها، ثمة صلاحيات تستدعي تخويلا إلهيا خاصا. لذا لم يقدم أحد، بما في ذلك الأنبياء، على قتل طفل بعد قصة العبد الصالح، بل ولم يسمح به أحد قط، فهي صلاحيات خاصة أشبه بالأحكام العرفية التي تتخذها الحكومات وقت الأزمات. كما حدث مع بني قريظة ممن نزلوا على حكم سعد بن معاذ، لو صحت الروايات، فإنها أحكام استثنائية اقتضتها الضرورة، رغم أنها ظلم وعدوان في ظاهرها، فهي صلاحية محدودة ترعاه السماء بواسطة الوحي. ولا يمكن تقنينها في قانون أو قاعدة شرعية، لأنها تتطلب تشخيصا حقيقيا وعلما واقعيا، وهو من خصوصيات الله تعالى. وعندما يفوض الأنبياء بها، فهم تحت إرادته، يسددهم ويهديهم. فلا تكون تلك الممارسات حجة شرعية. ولا يجوز للفقيه الاحتجاج بها. بل تبقى سيرة النبي محكومة بالقرآن الكريم، و(ما خالف كتاب الله فهو زخرف) و(ما خالف كتاب الله فاضربوا به عرض الجدار). فاذا نقلت لنا السيرة حادثة عن إحراق بيت قام به الرسول. أو قتل شخصا لا نعرف سببه، لا تكون تلك الروايات حجة نحرق بسببها بيوت الآخرين أو نقتل أشخاصا آخرين. لأنها أحكام خاصة مرتبطة بمسؤوليات الرسالة، وهنا نعود الى آيات الأحكام الشرعية لنرى حكم الإسلام في إحراق البيوت أو هدمها على أهلها، فتكون الآية حاكمة على الرواية. فالنبي كما في القرآن مبلّغ وشارح ومبين للكتاب، وما يقوم به خلاف قيم القرآن نعتبره من مختصاته باعتباره نبيا ووليا وصاحب رسالة وله صلاحيات خاصة، لا يتجاوزها أو تشمله آية: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ، وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ). وأما نحن فنعود للقيم الدينية والأخلاقية فهي حجة علينا (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). وأما قصة العبد الصالح مع موسى، فتقع ضمن المتشابها من الآيات محكومة بالآيات المحكمات، كقتل الغلام وثقب السفينة وإقامة الجدار، التي تعذر فهم مراميها على نبي بمستوى موسى كليم الله). فهذه الحادثة لا تكون ذريعة أخلاقية تدان بها المنظومة الأخلاقية الدينية كافة. وكل آية تفسر ضمن سياقها.

وبشكل أدق ثمة أحكام تتوقف فعليتها على فعلية موضوعاتها التي لا تكون فعلية إطلاقا إلا بتشخيص واقعي، يستدعي كشفا تاما. أي تتوقف فعليتها على الوحي فتختص بوجود النبي، المسدد من قبل الله، وفقا للنظرية الإيمانية. وبالتالي لا يمكن للفقيه تطبيقها على مصاديقها، لأن صدقية المصداق تتوقف على وجود كشف تام، لا يتحقق إلا بالوحي، ومع وفاة الرسول، تنتفي فعليتها إلى الأبد. ومن يفعل ذلك تدينه الآيات المحكمات والمبادئ القرآنية. والمشكلة هنا مع من يعتقد أن المبادئ الأخلاقية مستقلة عن الدين، وأما من يعتقد أنها قائمة على الدين، فهذا التصرف بالنسبة له حسن على كل حال مادام قد صدر عن الله: (رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي).

والسؤال: القداسة تدفع لا شعوريا باتجاه التبرير دون النقد. فهل تأثر الباحث بقدسية النص لا شعوريا، وسعى لتبرير جريمة القتل التي صرّحت بها الآيات؟. والالتفاف على النص بالتأويل أوالاستعانة بالروايات والتاريخ؟. وهذا سؤال مشروع، فحتى موسى النبي هزه مقتل النفس الزكية / الغلام. الحقيقة لم أنكر شيئا من وقائع القصص ولا أسعى لتبريرها، غير أن منهجي يدعوني للتأمل طويلا في النص. وثمة مبادئ قرآنية واضحة، فعندما ينهي الله تعالى عن قتل النفس المحرمة، ويعتبره جريمة تعادل قتل الناس جميعا، إذاً هناك تأويل وفقا لذات المبادئ القرآنية. ثم طبقت المبدأ الأصولي لمعرفة فعلية الأحكام من خلال فعلية موضوعاتها، وقلت: إن فعل القتل محرّم، وعندما يقع بأمر إلهي كما أخبر العبد الصالح، إذاً ثمة موضوع تتطلب معرفة حيثياته إحاطة وكشفا تاما، لا تتحققان إلا لله تعالى. فلا يمكن للفقيه تطبيق الحكم على مفردة مماثلة إطلاقا.

()وأما بناء على رمزية القصص، واستراتيجية الكتاب بتصديق ما بين يديه من التوراة والأنجيل، كما تحدثت عنهما مفصلا في فلسفة الخلق، فالأمر يختلف، إذ معنى رمزية القصص عدم واقعيتها، فيوظف السرد القصصي رمزية للتعبير عن معاني تضيق بها اللغة العادية. أو لحماية تلك المعاني من ابتذال التصريح فتبقى رمزا يثري التأمل الفلسفي والفكري لفهم تلك الأهداف النبيلة. وحينئذٍ تكون مهمتنا البحث عن الدلالات الرمزية لهذه القصة، والأخذ بنظر الاعتبار أن القرآن كتاب ديني، له أهدافه وغاياته، وأن لغة الدين لغة رمزية مكثفة. هدفها هداية الناس وحملهم على الإيمان بالغيب والمطلق وكل هذا يستوجب خطابا يتصف بقوة إيقاعه، لتلين النفس بالإيمان من خلال ضبط إيقاع سلوك الفرد المؤمن.

إن ما تقدم يعد مبررا لإعادة النظر بالسيرة العملية للرسول / فعله وتقريره. فثمة اختلاف دلالي بينهما وبين أقواله / أحاديثه وروايته. إذ يمكن من خلال الدليل اللفظي، تحديد الأمر والنهي. لكن لا يتحقق هذا دائما من السيرة، فربما فعله يقع ضمن خصوصيتها الشخصية، فلا تشمل غيره. ثم ليس من المعقول أن يترك النبي الأحكام بلا تقنين اعتمادا على سيرته. وعندما لا نجد سيرته ضمن الأحكام الشرعية المدونة فهذا يعني: إما أنه أهمل الأحكام الشرعية وهذا خلاف كونه مبلغا ومسؤولا أمام الله تعالى، وخلاف سيرته في بيان وشرحها وتفصيلها. أو أن السيرة / فعله، حجة في عصر النزول، فلا تشمل غير الصحابة وربما التابعين. وهذا أيضا خلاف إطلاقات الأحكام. أو أنها من صلاحياته كنبي وقائد في حينه، وهي صلاحيات لا تنتقل الى غيره، فلا تدرج ضمن الأحكام الشرعية المدونة في القرآن الكريم، وهذا هو الراجح بعد انتفاء الاحتمالين المتقدمين. وعليه فسنته (قوله وفعله وتقريره):

- تارة تكون ناظرة الى تفصيل وبيان الأحكام الشرعية الموجودة في القرآن الكريم، وهذه حجة وضمن مسؤولياته في بيان الأحكام.

- وأخرى تعبر سيرته عن أمر شخصي، فهي ليست بحجة.

- وايضا تارة تعكس صفة أخلاقية باعتباره قدوة في الأخلاق، فتبقى قيمة أخلاقية كحد أعلى.

- وأخيرا قد تنقل لنا السيرة حكما ولائيا باعتباره وليا وحاكما ومسؤولا. وهذه الطائفة من السيرة تكون من مختصاته وصلاحياته كمسؤول وحاكم، أو كنبي ورسول، والثانية لا تنتقل الى غيره.

ونعود للإشكالات المتقدمة:

أولأ: زواج النبي من عائشة خلافا للمنطق الأخلاقي.

كيف نفسّر زواج النبي من ناحية أخلاقية؟.

هنا سنتخذ من القرآن مرجعية لحسم النزاع، فعندما تقول الآية: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، فتعني أن الرسول هو النموذج الأخلاقي لجماعة المسلمين. لكن من أين يستمد شرعية أخلاقه؟:

- إما أن تكون أخلاقا إنسانية، تتقوم بذاتها كالحُسن والقُبح العقليين. فهل يقدم الرسول على زيجة قبيحة عقلا وهو قدوة المجتمع ونبي، وضعه الاجتماعي يختلف عن الآخرين، ويضطره للتمسك بقضايا أخلاقية، حرصا على سمعته وسمعة عياله؟.

- أو تكون أخلاقا دينيا. وقد تقدم أن منطق الشرع هو الزواج من المرأة الناضجة التي يصلح أن تكون شريكة لزوجها في حياتها.

وبالتالي فالكلام افتراضي، بناء على صحة الأخبار. وأما على المنهج المختار فلا يمكن ثبوت صحة هذه الرواية وغيرها، وتقدم الحديث عن منهجي في تصحيح الروايات. فتبقى الرواية وفقا لهذا المنهج مجرد احتمال لا غير. (راجع كتاب: النص وسؤال الحقيقة). وبالتالي لو صحت الرواية، وهذا مستبعد، كما بيّنت، فلا تشفع له سوى التقاليد والأعراف الاجتماعية آنذاك، وهي أخلاق نسبية، تختلف من زمان لآخر. لكن للإنصاف يجب التأكد من صحة الخبر، قبل أن نضع النبي في قفص الاتهام ثم ندافع عنه. فربما كانت عائشة بسن أكبر، أو هناك حلقات مفقودة في الخبر، لم تصل لنا، وهذا ليس تبريرا بل الكلام وفقا لمنطق الكتاب، حيث اعتبر النبي "النموذج الأسمى أخلاقيا"، فكيف يرتكب هذا الزواج؟. وإذا كانت الأعراف تبيح الزواج من الصغيرة وفق المنطق الذكوري، فهذا لا يعني أن الجميع يتزوج من الصغيرات. وهدف الدين تقويم أخلاق المجتمع فكيف يتزوج النبي من طفلة بست سنوات؟. وعليه فالدين مكون أساس للأخلاق، ومرجعية نهائيا للمسلمين، شريطة أن يبقى الكتاب هو المرجعية النهائية، وما عداه لا يمكن أن يكون حجة نعارض بها قيم الدين والأخلاق.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi5صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والثمانون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

النسخ والأخلاق

ماجد الغرباوي: أصبح واضحا إن عدم قدرتنا على إدراك الملاكات البعيدة للأحكام الشرعية في القرآن، وراء شبهة التعارض بين العقل والنقل. وأما حقيقتها فهي قائمة على العدل ونفي الظلم، فينتفي الحرج الأخلاقي. خاصة على الاتجاه الإنساني / الإنسان الخليفة، الذي يرى أن التشريع يدور مدار الإنسان ومصالحه أو مركزية الإنسان: (فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ). وقد بينت جملة من الآيات غاية التشريع، وغاية الخلق، وجميعها يصب في صالح الفرد. وفي هذا السياق ينبغي فهم الآيات التي شرعت لاستخدام القوة، كآية السيف، فثمة ما يدعو لاستخدام القوة لتطبيق القانون وحماية المجتمع من الظلم والجور والعدوان، وتأمين السلم الأهلي وهامش الحرية لتأكيد الذات من خلال المساواة والقدرة على الاختيار بعيدا عن أية سلطة مادية أو رمزية تقمع الرأي الآخر. وكل هذا عدل، يستوجب القوة القانونية، وتكون عنفا مشروعا، لحماية العدالة وحقوق الناس. وعندما حرّض الكتاب على ملاحقة وقتل مجموعة من المشركين في آية السيف، بيّن  مبررات الحكم في سياق الآيات أنهم لا يراعون عهدا ولا ذمة، ويتربصون بالمؤمنين ليقتلوهم، فحياتهم باتت تهدد حياة جميع المسلمين. لا شك أن القوة المفرطة تستفز المشاعر الأخلاقية، خاصة عندما تُحمل الآية على إطلاقها، كما يفعل جملة من الفقهاء، ولازمه أن يكون العمل اللاأخلاقي (استباحة الدماء) مشروعا وحسنا. وهو اتجاه فقهي رادكالي، يأخذ بظاهر الآيات، دون مراعاة أسباب نزولها، ودواعي تشريع الأحكام، إما جهلا أو لغايات سياسية، كما عليه الحركات الدينية المتطرفة. وليست آية السيف أو آية الجزية الوحيدة في الكتاب، فهناك آية أخرى، كقوله: (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). وهي أخطر حينما توظف قضائيا لقمع المعارضة واستغلال الناس. وبالفعل تجد المحاكم السعودية والإيرانية، وكل نظام حكم يرتكز لأحكام الشريعة الإسلامية، يعتمد على هذه الآية في إقصاء المعارضة، وتأديب كل من تسول له نفسه المساس بثوابت وحدود النسخة الرسمية للدين، القائمة على أساس ولاية الفقيه كما في إيران مثلا. من خلال تطويع الآية، فمعارضة الولي الفقيه أو نظام حكمه تصبح محاربة لله ورسوله، وذات المعارضة حينما تهدد نظام الولاية تغدو فسادا في الأرض، مادام معنى الفساد ملتبسا غير واضح، ويمكن تكييفه وفقا لرغبة القاضي، وبهذا الطريق يحكم على معارضي النظام بأحكام قاسية، قد شرعت في ظرف زمني اقتضته ضرورات آمنية آنذاك، فهي خاصة بزمن النزول. وبهذه الطريقة يتم تزوير الوعي والحقيقة وتوظيف الدين لغايات سياسية، بينما شروط الآية صارمة جدا، إذ كانت ناظرة لمن يحارب الله حربا فعلية. ويحارب الرسول حربة واقعة. وثالثا، يعبث بالأمن والنظام والإطاحة بقيم المجتمع، والتجاوز على السلم الأهلي، بحيث يصدق مفهوم الفساد في الأرض عليه حقا. وهذه هي شروط فعلية الحكم، وهي واضحة صريحة. فعندما تعارض رجل دين لا يعني أنك حاربت الله ورسوله، وإذا كان لك موقف من الدين لا تشمله أحكام الآية، فالموقف لا يعني إعلان الحرب والفساد في الأرض. لكن عندما تُحرر الآية من شروطها تعكس صورة قاسية عن الشريعة. فالتوظيف السياسي هو الأخطر على الدين. والأخطر المنهج الانتقائي في التعامل مع آيات الكتاب، وعدم الأخذ بقرائن النص القرآني. تلك القرائن سواء كانت لفظية أو سياقية، تضيء فضاء الآية وتحدد فعلية أحكامها، ومدى إطلاقاتها. والغريب أن المنهج الانتقائي يستعين بالروايات والأخبار لتحديد دلالات الآيات، ومدى فعليتها، وهي روايات تتحدث عن وضع خاص بعصر النص. وأما ما يروى عن الصحابة والتابعين فهي روايات مؤدلجة، لتكريس شرعية غزوات المسلمين، التي لا شرعية لها سوى توسيع دائرة نفوذ الخلافة. فتجد الاتجاهين الفقهي والكلامي يسعى لشرعنة الغزوات، وتقديس الخلفاء حتى ارتفعوا بهم فوق النقد والمحاسبة. فينبغي لنا فضح هذه الاتجاهات من خلال التعرف على شروط فعلية الأحكام، ومن خلال السياقات القرآنية ومعرفة أسباب النزول، والتمعن في تاريخ النص وفلسفة الحكم. حينئذٍ فقط يمكن الكلام عن ثقافة التسامح والاعتراف بالآخر، والتفكير بوجود مجتمع مدني حقيقي. 

سبقت الإشارة  مفصّلا أن فعلية الأحكام تدور مدار فعلية موضوعاتها. وعندهم: أن (الحكم يدور مدار علته). وعندما يتعذر معرفة علل الأحكام وملاكاتها، فقد اقترحت ما أسميته بـ"مقاصد الجعل الشرعي": العدالة الاجتماعية، والتوازن الروحي والسلوكي. يكون لدينا من خلالها مؤشر، يمكن الاستعانة به لتحديد درجة فعلية الحكم. فعندما تختل العدالة الاجتماعية نفهم أن عمل مرتكزات تلك المبادئ باتت معادلة غير صالحة للواقع الجديد، فنتحرى الحكم الملائم. وأعني بمقاصد مرحلة الجعل الشرعي: تلك المقاصد التي تقتضيها حكمة وفلسفة التشريع، في ضوء مجموعة من آيات الكتاب المجيد، كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)، والاستجابة التي يترتب عليها الإحياء أو الحياة الفاضلة، هي استجابة فعلية من خلال الالتزام بالأحكام الشرعية والأخلاقية. وليست الحياة الفاضلة سوى استتباب العدالة الاجتماعية، وتحقق التوازان الروحي والسلوكي. وهما مقاصد مرحلة الجعل الشرعي. وهي تختلف عن مقاصد الشريعة التي يلتزم بها الفقيه في فتواه: (حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل وحفظ المال). (أنظر مفصلا كتاب: الفقيه والعقل التراثي).

انهيار القيم الأخلاقية

إن فوضى الإفتاء كانت وما تزال إحدى أسباب انهيار منظومة القيم الأخلاقية. فعندما ينظّر الفقيه لشرعية المستبد والطاغية، يبيح السلوك الاستبدادي التعسفي. ويساهم في نشر ثقافة الكراهية والتنابذ والاحتراب وربما سفك الدماء عندما يكفّر الآخر. وعندما يشرّع جواز تفخيذ الرضيعة يبيح عملا لا أخلاقيا. وعندما يأمر بالتقية مطلقا، حتى وإن لم يكن هناك خطر محدق بصاحبه، يثقف الفرد على النفاق الاجتماعي والسياسي والديني. وعندما يفتي بعدم شرعية السلطة بدوافع طائفية، يقضي على مقومات الدولة، ويشجع على هدر قوانينها، وسرقة ثرواتها التي هي ثروات الشعب. وعندما يحرّم الزنا ويبيح المتعة بلا حدود، فهي إباحية جنسية بغطاء ديني. وعندما يجيز سبي النساء يتجرد من إنسانيته وأخلاقه، ويساهم في انهيار قيم الدين والإنسانية. فينقلب الدين إلى معول هدم، بلا مروءة، ولا رادع أخلاقي. (قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ). يجب على الفقيه أن يجعل من الوازع الأخلاقي منبها فطريا لفهم الفتوى وعدم الانصياع للدليل مطلقا، دون معرفة محكمات الكتاب، وما يشكل الإطار العام للقرآن، والدين الذي يعتبر الإنسان محور الكون. خاصة عندما يتجاهل تاريخ الحكم وفلسفته. وما لم ينتهج المجتهد منهجا جديدا في استنباط الأحكام الشرعية، يبقى الفقه مصدرا لشرعنة السلوك غير السوي. والمشكلة حينئذٍ يتعذر عليك ردعه وهو يعتمد على رأي الفقيه في سلوكه العدواني، كتكفير المخالف، الذي يعني الكراهية والنبذ وعدم الاحترام، وقد يصل الأمر إلى استباحة الدماء، بلا أي دليل من كتاب الله.

لكن لماذا يقع اللوم على الفقيه دون مصادر التشريع التي ارتكز لها في فتاواه؟ وهو اعتراض مشروع. فالفقيه، تارة يجد دليلا شرعيا لفظيا، آية أو رواية، فيستدل به على الحكم الشرعي، كآية: (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ)، أو حديثا نبويا، كقوله: (لا يقبلُ الله صلاةً بغير طُهور)، فيستدل به الفقيه على شرطية الوضوء في الصلاة. وحينئذ لو أفتى بقتل المشركين فقد جعل من آية السيف دليلا على فتواه، ولا يلام. لكن هنا مغالطة، فالمجتهد ليس فردا عاديا كي يأخذ بظواهر النصوص، دون الرجوع لمحكمات الآيات وقرائنها وسياقاتها، ومعرفة كافية بفلسفة الحكم وتاريخه وأسباب نزوله، وهل كان حكما مطلقا مأخوذا على نحو القضية الحقيقية كما يصطلحون؟ أم كان حكم الآية ناظرا لقضية خارجية محدودة؟. لكن الفقيه يقفز من القرآن إلى السنة وأحاديث الصحابة لمعرفة دلالات الآية، رغم أن آراءهم اجتهادات شخصية وفقا لقبلياتهم وظروفهم الاجتماعية والسياسية. وبهذا الطريق غيبت النصوص الثانوية مدونات التشريع / آيات الأحكام، وصار الفقيه يفتي وفقا لآراء الصحابة وليس وفقا لكتاب الله. نعم صحيح يستدل بالآية على فتواه، لكنه يفهمها وفقا لفهم الصحابة ممن فعل آيات القتال لأغراض سياسية، تبرير غزوات المسلمين بحجة نشر الرسالة الإسلامية. أي يفهمها ضمن ظرف مختلف أو يسقط عليها قبلياته ويقينياتها. فينبغي الانتباه جيدا لهذه المغالطة. فالفقيه ليس معذورا كي يقال: "المجتهد إن أصاب فله حسنتان وإن أخطأ فله حسنة". بل يحاسب وبعسر على آرائه واجتهاداته وفتاوه، ويكون مسؤولا عنها أمام الله تعالى: (وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ). الفقيه لا يفتي لنفسه فقط وهناك من يتبعه ويلتزم بفتاواه، فيتحمل مسؤوليات تبعاتها.

وتارة لا يجد الفقيه دليلا من الكتاب والسنة، فيرتكز إلى ما يسمى بأصول العملية. وهي مجموعة قواعد تم التنظير لها، لتحديد الوظيفة العملية من الحكم المشكوك، هل هي البراءة أم الاحتياط أو الاستصحاب. وهي أصول اجتهادية، ووجهات نظر أصولية، لا تصمد أمام النقد العلمي، غير أن اتفاقهم عليها جعل منها مرجعية أصولية. كما قالوا بحجية خبر الواحد، لتدارك تداعيات انسداد العلم والعلمي. وغير ذلك. فالفقيه هو الذي وضع قواعد أصولا ثم ألزم نفسه بها. ويبقى السؤال عن صدقية الاجتهاد، وحدود التشريع، وكل هذا مرّ مفصلا. وبالتالي وهذا ما يهمنا أن اللوم يقع على مصادر التشريع عندما تبيح شرعنة السلطان الظالم، وتبرير سلوكه وعدوانيته ولو باسم الدين وتطبيق شريعة سيد المرسلين. وعندما نعود للمحكمات من آيات الكتاب، والتي يعود لها في فهم وتفسير الآيات المتشابة، نجد العكس، كقوله: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). وممالأة السلطان الظالم عدوان صارخ على قيم الدين ومبادئه. بل الموقف القرآني من الظالمين: (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ). فيكف يرفع الفقيه الخليفة فوق النقد والمراجعة، وقد يصل به لمرتبة العصمة، ويشرعن سلوكه وتصرفاته، مهما تمادى في القتل والاسراف وسرقة ثروات المسلمين تحت حجج واهية؟. بل والتف على آيات الكتاب، لتبرير القتل، فكيف لا يفرز هذا الفقه ثقافة العنف، ويسمح بنبذ الآخر، وهي من مساوئ الأخلاق. فإذا كان وراء انحراف المسلمين أسباب، فإن أحدها وأهمها الفقه السلطاني، الذي هدر حدود المقدس الديني لصالح السلطة ومصالح السلطان. ولعل في نسخ الآيات مثالا واضحا، حيث ذهب جملة من الفقهاء إلى أن آية السيف التي أباحت سفك دماء المشركين، قد نسخت جميع آيات الرحمة والود والتسامح والعفو،  جاء في كتاب: الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، لابن حزم الاندلسي (إن آية السيف أو قوله تعالى: (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، أو آية: (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)  قد نسخت (47) موردا من آيات الكتاب في أكثرها إشارة إلى الرحمة والمودة والعفو والتسامح وعدم الإكراه . وراح يعدد موارد النسخ الأخرى في كل سورة من السور، فيعتقد أن (40) سورة دخلها النسخ، و(25) دخلها الناسخ والمنسوخ، و(43) فقط لم يدخلها النسخ، كما مرت الإشارة لذلك في القسم الأول. فهناك أكثر من ستين آية شلت حركتها القراءات المتطرفة، وجمد فاعليتها الفهم المبتسر، واختزلت تأثيرها التفسيرات المتطرفة، فينبغي نقد النسخ وتفكيك الأسس التي ارتكز لها، كي يصار الى تشكيل منظومة قيم تستند إلى القرآن الكريم وتهدي بهديه الإنساني، لتساهم في خلق مناخات تساعد على سيادة قيم التسامح والاخاء والمحبة والوئام والعفو والرحمة والمغفرة، أي عملية إحياء لنصوص بات من الضروري وعيها وإدراك معانيها من إجل مستقبل زاهر)، (ينظر كتاب التسامح ومنابع اللاتسامح، ص141)

فالنسخ هو المسؤول عن تكثيف خطاب العنف واللاتسامح في القرآن، من خلال تأسيس فهم للآيات الكريمة على أساس نزع فاعلية بعض الآيات وتفعيل غيرها، فنتج عن ذلك خطاب لا يتسامح ولا يرحم ولا يتفاهم ويرفض التعايش مع الآخر، أيا كان نوعه. وهذا أحد أسباب العنف الديني، والسبب الرئيس وراء السلوك الإرهابي القمعي السمج. فالسؤال كان مشروعا عندما قال: (هل أفلح القرآن في تهذيب وضبط سلوك المسلمين، ولماذا؟!!). فالسائل الكريم قد وضع أمامه نماذج الانحراف السلوكي الديني للراديكالية الإسلامية، وما تسببته من نفور وكراهية للدين، رغم قدسية الأديان. فالنسخ تسبب بتفعيل كل آيات الموت  والشطب على جميع آيات الرحمة، وكل هذا لا ينسجم مع الأخلاق الحميدة والقيم الإنسانية.

لا نعمم الأحكام وهناك من الفقهاء من يرفض اختزال القرآن الكريم في بضع آيات من آيات القتال التي كان لها ظرف خاص، ولها قيودها وشروطها التي تتوقف عليها فعلية أحكام الجهاد. غير أن الاتجاه المتطرف في الإسلام بات شديد الحضور من خلال تبنيه أعمال إرهابية تستند بلا شك إلى هذا اللون من الفهم والتفسير. للأسف لم تميز العقليات المتطرفة بين مبادئ الإسلام الثابتة، والأوامر الصادرة في ظروف المعركة، التي تنتهي بنهايتها، ليعود الإسلام حيا من خلال مبادئه الإنسانية وقيمه العقلية الرائعة. وإنما عولوا على فهم متقدم يلغي جميع الآيات الآمرة بالرأفة والرحمة والتسامح وعدم الإكراه، باعتبارها نسخت بآية السيف. فتحول الدين، بموجب هذا الفهم، إلى صارم ما زال مشهورا ليقطع وتين كل من سولت له نفسه مخالفة المتطرفين الدينيين بالرأي، أو الاعتراض على سلوكهم وتصرفاتهم. بينما مقتضى الفهم المتزن أن يصار الى التمييز بين الثابت والمتغير من أحكام الدين.

تعتبر فتاوى التكفير وخطب التحريض وليدة فكر ظلامي متطرف، وقراءات أحادية للنصوص الدينية (القرآن والسنة). وقد لعبت الفتاوى التكفيرية والخطب التحريضية دورا خطيرا في تأجيج مشاعر الكراهية والحقد بين الناس، ولم تتورع في إباحة قتل الأطفال والأبرياء والمدنيين وغير المحاربين، باعتبارهم كفارا مباح قتلهم والتمثيل بهم ومصادرة أموالهم. ولا شك أن الإسلام الذي يحرم اقتلاع الأشجار والاجهاز على المريض ويحرم قتل الشيخ الكبير (كل ذلك في ظروف الحرب) لا شك أنه لا يجيز قتل العزل والأبرياء والأطفال. لكن المشكلة في فهم النص وتحديد الثابت والمتغير من الدين، ومعرفة الناسخ والمنسوخ بشكل دقيق يستوفي شروطه العلمية التي منها الوثوق بأخبار النسخ إلى درجة الاطمئنان بل اليقين والجزم، لخطورة الأحكام المترتبة عليه، إذ ليس من السهل تعطيل الأحكام القرآنية المنصوصة بحجة النسخ إلا إذا ثبت ذلك بدليل قطعي صريح لا لبس فيه. فالمناهج اللاعلمية عمدت الى تعميم النسخ لكثير من الآيات القرآنية، ولم تبق من آيات المودة والرحمة والتعامل مع الآخر بالحسنى، سوى الآيات الآمرة بقتال الكفار والمشركين. فلا غرابة حينئذ أن ترتكز فتاوى التكفير وخطب التحريض على هذا القسم من الآيات بينما تتجاهل الآيات الأخرى، حداً تستثنيها من أدلة استنباط الأحكام الشرعية. بينما تقتضي مهمة الفقيه النظر في جميع النصوص وإجراء المقارنة بينها ودراستها دراسة تفصيلية قبل أن يصار الى فتوى يعمل بها من يقلده من المسلمين.

تأسيسا على ما تقدم يحق لنا إثارة علامات استفهام واسعة وأسئلة كثيرة عن حقيقة النسخ الذي أحدث كارثة على مستوى فهم القرآن وتعطيل الأحكام، وأطاح بمنظومة الأخلاق. هل النسخ صدر فعلا بهذه الكثافة التي تتحدث عنها الكتب التراثية وما زال بعض يتشبث بها، أم أنها اسقاطات تمثل فهم الرواة والمحدثين والفقهاء والمفكرين المسلمين، أو مشروع سلطاني لتكريس الحروب والقتال؟. أليس أغلب الآيات المنسوخه تمثل جوهر الدين وحقيقته وخطابه الإنساني المفعم بالحب والرحمة والمودة والمغفرة، فلماذا يصار الى نسخها والابقاء على آيات العنف واللاتسامح واجتثاث المخالف والمعارض؟ أليس منهج القرآن الكريم هو: (قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين)، (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)، (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)، (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا)، (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)، فلماذا تلغى جميع هذه الآيات لتبقى آيات السيف والقتال ومطاردة الآخر المختلف دينيا مطلقة وفعلية على مر السنين والأيام؟ أليس النسخ بهذه الكثافة كان أسلوبا استبداديا أريد به تبرير حروب الخلفاء والملوك والسلاطين؟ أو شرعنة قتال الشعوب غير المسلمة وإن كانت مسالمة؟ أو كمبرر لحث المسلمين على القتال وتوسيع رقعة الحرب من أجل ملء الفراغ، واشغال الجند، وتحصيل الثروات، وتكريس المكاسب والفتوحات لمصالح شخصية، ثم تحول الى حقيقة معرفية أحكام شرعية يتناقلها الرواة والفقهاء؟

لا نريد نفي النسخ مطلقا فربما هناك بعض الاحكام نسخت فعلا كما في آية النجوى، لكن ليس لدينا أدلة قطعية تثبت هذه الكثافة من النسخ التي ما زال بعض الفقهاء يصير عليها ويعتبرها ركيزة اساسية في فهم القرآن الكريم وآياته البينات، وعلى اساسها يفتى بقتال كل المخالفين عقيدة ودينا، ويحرض ضد الآخر وحقه في اعتناق عقيدته وممارسة شعائره.

نخلص كما أن القرآن كان مصدرا للأخلاق الحميدة، كذلك صار بسبب القراءات الأحادية مصدرا لأخلاق التطرف، وثقافة العنف وازدراء الحياة، ونفي الآخر، واستبعاده. وبهذا يجد السؤال مشروعيته. وتبقى المناهج السلفية اتجاها داخل الثقافة الإسلامية، ما لم يرقَ المسلمون إلى مستوى النقد والمراجعة والتخلص من قبلياتهم الموروثة، ووضع العقل فوق النص، لمعرفة منطق النص، وما هو ثابت ومتحرك فيه، وتحديد ما هو فعلي، وما هو غير فعلي من الأحكام الشرعية. فالتعرف على منطق العلاقة بين القرآن والأخلاق سيمهد لفهم صحيح للأخلاق.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com


 

 

majed algharbawi4صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة السابعة والثمانون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

الفقه والأخلاق

ماجد الغرباوي: لا تخفى جرائم العنف التي ارتكبتها الحركات المتطرفة باسم الدين. وسبقتها تداعيات ما يسمى بالفتوحات الإسلامية، التي شوّهت معالمه (انظر: تحديات العنف). وليس في هذا تزكية لجرائم الحروب والغزوات والاستعمار وممارسات الحكومات الاستبدادية في العالم أجمع. لكن الحديث هنا عن الجهاد بمعنى القتال حينما يكون مطلقا خارج ظرفه الزماني والمكاني. حيث تعتبر آياته أدلة شرعية صريحة، يمكن الاستدلال بها، بعد تجريدها من تاريخيتها، كما يفعل فقهاء الحركات المتطرفة. وكان لهذا المنهج تداعياته، إذ أطاح العنف الديني بكرامة الناس: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ). ونسف جسور التواصل الإنساني، وأعاد تشكيل العقل المسلم على أساس كراهية الآخر ونبذه وإقصائه، فسادت أخلاق تجافي قيم الدين والمبادئ الإنسانية. وبات حديث الفرقة الناجية يبيح اضطهاد الآخر، وتكفيره، بل وحتى استباحة دمه، كما فعلت الحركات المتطرفة. وهنا  يأتي السؤال عن شرعية العنف باسم الدين، هل يستمد شرعيته من القرآن وآياته؟ أو من فقه النص وفتاوى الفقهاء؟. على الأول يتحمل القرآن مسؤولية العنف والأخلاق التنابذية، باعتباره مصدرا لشرعيتهما. ويصدق حينئذٍ أنه أخفق في ضبط أداء معتنقيه، بل وشرعن ممارسات تتجافى مع قيمه وأخلاقه الإنسانية. وإذا أرجعنا السبب لقصور المنهج الفقهي، فلا يتحمل مسؤولية ذلك إلا بحدود إطلاقاته التي قد تلتبس على غير الخبير. وهنا مكمن الخطر الذي سقطت فيه داعش، وغيرها من الحركات التكفيرية، التي تمسكت بظواهر الكتاب، لتحقيق أهدافها السياسية، دون الأخذ بنظر الاعتبار أسباب صدور الحكم والظروف المحيطة به. فأفرز منهجها أخلاقا تنابذية تنظر بريبة وكراهية للآخر. تبيح دمه وماله وكرامته، وتتعامل معه بفظاظة وعنف. وبالتالي فالإنسان هو المسؤول عن سلوكه وتصرفاته. وإذا كان متدينا تكون مسؤولياته أكبر، حينما يعكس نظرة سلبية عن الدين، ويُسقط قيمته الاعتبارية بسبب فهم مبتسر لغاياته ومقاصده.

ليس من العدل الاعتداء على الآخرين باسم الدين، وليس من حق الفقيه تبرير هذا السلوك، لأسبقية حكم العقل القائم على حُسن العدل وقُبح الظلم. وهذا لا يتنافى مع ضرورات التشريع، و"ما حكم به العقل حكم به الشرع". وقد نسج الكتاب على منوال العقل في تأسيس قيمه الأخلاقية، تشهد لذلك الوصاصا العشرة القائمة على حُسن العدل وقُبح الظلم، وهو مبدأ عقلي. فيبقى الأصل إنسانية القيم الدينية والقرآنية، وفي ضوئها يمكن فهم أحكام القرآن الاستثنائية.

تجدر الإشارة أن صيغة السؤال لا تنكر قدرة المفاهيم القرآنية على ضبط سلوك الفرد والمجتمع، وإنما شككت بنجاحها: (هل أفلح القرآن في تهذيب وضبط سلوك المسلمين). لذا أردف السائل الكريم يسأل عن الأسباب: (ولماذا؟!!). فالمفاهيم القرآنية قادرة بالقوة لا بالفعل على ضبط سلوك الفرد، كالنار والإحراق، فإن قرب الورقة من النار شرط لفعلية احتراقها. وهكذا فالامتثال الواعي الملازم للتقوى شرط لفعلية التهذيب. وأقصد بالامتثال الواعي الأخذ بنظر الاعتبار مناسبة الحكم الموضوع، واعتبار القيم العقلية والإنسانية مقياسا لفعلية ما ارتبط بظروف المعركة من القيم الأخلاقية، كالتنابذ، ورفض مودة الآخر. وبالتالي ما نشاهده من سلوك فردي أو جماعي ليس بالضرورة ينتمي لخُلق القرآن، وليست كل قراءة لنص المدونة القرآنية موضوعيا، أو لم يتأثر بقبليات القارئ وأيديولوجيته. فالقرآن أفلح في تهذيب وضبط سلوك طيف واسع من المسلمين، وهم الطيبون والأبرياء والمخلصون. ولم يفلح مع من اتخذ إله هواه: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ). فهو بدلا من التمسك بأخلاق القرآن اتخذ من هواه إلها يستوحي منه فعل المنكر. وبهذا نفهم أن إرادة الإنسان شرط في تمثل القيم والأخلاق القرآنية

التحريض على القتال

لا ريب أن دوامة الحروب والمعارك  تورث الكراهية والأحقاد والثأر، والتنابذ والإقصاء وهجاء الدنيا، وتمجيد الموت. ويغدو الإرهاب في ظلها شجاعة، والعنف الأعم من القتل والاضطهاد وسلب الحريات، قيمة أخلاقية سامية، تنقلب معها مفاهيم الخير والشر. وقد دارت حروب طاحنة بين المسلمين ومناوئيهم، على مدى عشر سنوات، كانت فيها الآيات تترى، تحرّض على القتال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ). وتدعو للقطيعة والتنابذ: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). وتغذي روح الثأر (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ، وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). والآيات تلغي البعد الإنساني لصالح البعد الإيماني، وتؤسس لأيديولوجية صارمة، تلغي إمكانية التواصل والانفتاح والتفاهم: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ). وهذه الآيات وغيرها كثيرة تضفي على العنف قدسية دينية، خاصة حينما تُقرأ بمعزل عن سياقاتها التاريخية والقرآنية. وأقصد بالأولى أسباب نزول الآيات، والظروف المحيطة. وأما السياقات القرآنية، فثمة آيات تحدد مصير الحرب، وتحول دون تماديها، فمثلا الآيات التي تحرض على العنف والقتال، تضع حدا لها: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ). فلا قتال ابتدائي، بل هو ردع للعدوان، حداً لا ينقلب إلى عدوان. وأيضا: (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ)، ولا تخفى الدلالة البلاغية في الآية، وهي تحث على السلم حتى وأن كان مجرد خدعة. أو (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ). وبالنسبة للتنابذ كما في الآية المتقدمة، هناك آية تضع ضوابط للقطيعة، كما في آية: (عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، هذه هي حدود القطيعة مع الآخر. وهذا ليس تبريرا، بل مقتضى الموضوعية الاحاطة بجميع الآيات، من أجل رؤية شاملة. لكن رغم المحددات والضوابط، فإن آيات القتال والجهاد، أضفت قدسية على العنف المتجذر أساسا في الشخصية القبلية، التي تعتبر الشجاعة والفروسية أعلى وسام شرف، تجد صدقية هذا الكلام في فتوحات الخلفاء التي استمرت بدافع ممارسة العنف، تحت ذريعة دينية. فهي ترفع شعارات دينية، غير أن وقود المعركة روح العنف المقدس القابع في أعماقهم. وما لم يتم تفكيك مشروعية العنف، ومن ثم تفكيك منظومة القيم الأخلاقية القائمة على شرعية العنف، فإن النصوص المقدسة صريحة في موقفها من الآخر، وهي مطلقة وفقا لقواعدهم الأصولية، وبالتالي سيتوالد العنف، ويبقى ثاويا بانتظار لحظة انطلاقه تقربا لله تعالى، وهذا ما حصل للحركات التكفيرية التي استدلت بالنص دون الرجوع لخلفياته وأسباب نزوله ومبررات فعليته، وكأنها تبحث عن ذريعة لاستباحة دماء مناوئيهم، ولا تخفى الدوافع السياسية وحب السلطة وراء توظيف النصوص القرآنية.

وبالتالي لا يمكننا غض الطرف عن آيات الكتاب ودورها في ترسيخ ثقافة العنف، خاصة هي تعد القتلى والشهداء على هذا الطريق أرفع الدرجات في الآخرة التي هي طموح كل مؤمن: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ، الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ). ولا علاقة للقضية هنا بقدسية الآيات وعدم قدسيتها، وليس الكلام حول مشروعية القتال، فالدفاع عن النفس والمبادئ عمل مشروع يتفق عليه الجميع. كلامنا هو حول تأثير دوامة المعارك والحروب في رفد ثقافة العنف، وما يترتب عليه من تداعيات. خاصة على السلم الأهلي، وفرص التعايش بين الأديان والثقافات. نحن نطمح لتأسيس رؤية تقوم على مبادئ الدين والقيم الإنسانية، تتفهم لظروف المعارك والحروب التي خاضها الرعيل الأول مع النبي الكريم، فلا يلتبس عليها الأمر، فالأصل للمبادئ والقيم دائما:

أولاً: عدم فعلية الجهاد بمعنى القتال، لعدم فعلية موضوعه. بعد انتفاء مبرراته، حيث شُرع للحفاظ على كينونة الدين، وقد أعلن القرآن انتصار الرسالة، ولم يعد هناك مبرر لاعلان حالة الجهاد، وباتت الوسائل الحديثة أمضى في نشر الرسالة والتعريف بها. بل أن سلوك المسلمين وأخلاقهم كفيلة بنشر قيم الدين، بينما باتت تبعات سلوك أتباعه ومعتنقيه عبئا عليه. وقد بينت هذا وغيره سابقا، ومفصلا في كتاب تحديات العنف (400 حجم كبير).

ثانيا: الفصل بين التجارب التاريخية للمسلمين والقيم الأساسية للدين، فلكل تجربة ظروفها التي يتعذر علينا الإحاطة بها، وثمة أحكام تتوقف فعليتها على فعلية موضوعها، وحين الشك بسبب جهلنا بظروفها فالأصل الآيات المحكمة ومبادئ الدين. وبالتالي لا يمكن للفقيه أن يجعل من المعركة، ذات المعركة مصدرا لتشريع الأحكام، فيفتي وفقها. أو يقول مثلا، بما أن الرسول في المعركة المحددة اتخذ هذا الاجراء ففعله حجة، ثم يفتي وفقه. بإمكانه يفعل هذا حينما يحيط بظرفه الزماني والمكان، ومبررات موقفه، فيقيس عليه. أو يعتبره سنة، وهي حجة فيستمسك بها دليلا على المطلوب. أما وظروفها ملتبسة، أو مجهولة، فنشك في فعلية موضوعاتها، والأصل عدمها.

ثالثا: الإنسان محور الأديان، وهو خليفة الله في أرضه، وجاءت الأديان لترشيد وعيه، ووضعه على الطريق المستقيم، وعليه ينبغي تقديم مصلحته، التي هي ملاكات الأحكام، ولا نؤمن بأن المصلحة في نفس الجعل، كما يذهب لذلك بعض الفقهاء، بل أن الأحكام تراعي مصلحة الإنسان، لذا لا تحل الأديان محل العقل، ولا تسلب الفرد حريته وإرادته، ويبقي كل إنسان مسؤولا عن سلوكه وتصرفاته.

رابعا: الحُسن والقُبح عقليان. الحسن ما حكم العقل بحُسنه، والقُبيح ما حكم العقل بقُبحه. فتكون أحكام الشريعة إرشاد لأحكام العقل: (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ)، (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). فهي تؤكد ما حكم به العقل، سابقا على الشرع. فسواء كان الإنسان مؤمنا أم جاحدا بوجود الله وأنبيائه ورسله. وسواء كان عادلا أو ظالما، فهو يحكم بحُسن العدل، وقُبح الظلم ما لم يكابر.

والسؤال ما هو حكم العقل بالآيات التالية التي ظاهرها القسوة وربما الظلم بنظر بعض الناس؟: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ).

لا إشكال فيها، وجميعها حسن، وفقا للاتجاه الأشعري: "الحسن ما حكم الشارع بحسنه، والقبيح ما حكم الشارع بقبحه". لكن الإشكال يأتي وفقا للاتجاه العدلي / المعتزلي / الإمامي. إذ يقع التعارض بين حكم العقل وحكم الشرع. بين القصاص العادل، النفس بالنفس، وبين الإفراط بالقوة والعنف. وهنا لا تختلف القاعدة "الحُسن ما حكم العقل بحُسنه والقبيح ما حكم العقل بقُبحه". لكن ثمة فارق بين العقل البشري والعقل المطلق. الله تعالى محيط بكل شيء: (إِنَّهُ بِكُلِّ مُّحِيطٌ شَيْءٍ). وعدل الله مضمون حسب الفرض، لغناه، وعدم افتقاره: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ). فالسؤال إذا هل يصدق مفهوم العدل على جملة الأحكام القاسية أو الظالمة كما في الآيات المتقدمة وغيرها؟. نعم يصدق مفهوم العدل حينما نضع أيدينا على خلفيات الحكم، وأسباب صدوره، وما هي مبرراته. كل أحكام الجهاد بمعنى القتل، نزلت في ظروف المعركة، فكان دورها التوجيه والحض والتعئبة. وجميعنا يعلم أن قرارات المعاركة استثنائية، تفرضها ظروف الحرب. فقد يتخذ قائد الجيش قرارا لكسب المعركة مهما كانت تجاوزاته. وفعندما يحاصرك العدو لا تتردد في الدفاع عن نفسك بجميع الأسلحة المتاحة، ولا تتردد باستخدام الأسلحة المحرمة لانقاذ حياتك وحياة جنودك. وعندما نعود لآية السيف التي خلقت جدلا واسعا ومايزال، فإن أحكامها استثنائية وغير مطلقة، لكن الفقيه يصر على إطلاقها، وعلى هذا الأساس ارتكزت لها الحركات المتطرفة في استباحة دماء الآخر، بما فيهم الآخر الداخلي. لكن عندما تقرأ الآية ضمن سياقها القرآني، تجد مبررا لقساوة الأحكام، وهي أحكام خاصة بمجموعة من المشركين، يكيدون للنبي بلا هوادة، كما تصفهم الآيات التالية. فهم لا يجنحون للسلم، وإذا عهدوا لا يفون بعهدهم، وإذا ضفروا بالنبي وأصحابه يقتلونهم: (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ).. (كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ)... (لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ). ورغم ذلك تقول الآية: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ). وهنا لا توجد  مقايضة، بل أن من يتصف بهذه الصفة يؤتمن جانبه. وبالتالي فوفقا لملاكات بعيدة لا يحيط بها الفرد العادي قد شرّع الله هذا الحكم، فهو عدل وفقا لملاكاته. لا أقصد التبرير، لكن هذا ما أفهمه من سياق الآيات، وفقا لمبادئي في فهم القرآن. فثمة آيات محكمات وأخر متشابهات، وثمة ثابت ومتحرك. ويبقى الأصل للمبادئ والقيم، ولا إطلاق للأحكام الاستنثائية ولا قدسية للتجارب التاريخية، إلا بحدود ظرفها الزمكاني.

الحُسن والقُبح

تقدم الخلاف التاريخي حول الحسن والقبح، هل هما عقليان، ومن أحكام العقل، أم شرعيان، ومن أحكام الشرع؟ فهل ثمة تسوية بين النظريتين، أم أن التعارض بينهما مستقر؟.

والجواب: ما لم يكن هناك موقف سلبي من العقل، كما عليه السلفي الذي يَحرُم العقل حقه في التفكير والابداع والحكم إلا على مثال كما يذهب لذلك الشافعي أو كما هي عليه النظرية الأشعرية، فإن التسوية بينهما ممكنة. فمن يقل بحكم العقل في المسألة، يقصد العقل المحض، المتحرر، قبل أن تفرض القيم والأحكام محدداتها وسلطتها عليها. فثمة قيم فطرية صادقة، تخضع لرقابة الضمير، فيشعر بسعادة الفعل الحسن، وبراءة ذمته، حينما يتطلب الأمر نوعا من التضحية، والعكس عندما يرتكب القبيح، يشعر بتأنيب الضمير، وعدم الرضا. أما من يقول: الحسن والقبح شرعيان، فهو ناظر إلى العقل بعد تلبسه بالأحكام الدينية. فالعقل لا يتخلى عن أحكامه، ويحكم بقبح القتل والظلم بعيدا عن الشرع، لكنه يخضع لأحكام الشرع، لوجود ملاكات، مصالح أو مفاسد غائبة عنه كل الحكم بإزهاق النفس (النفس بالنفس). الشارع لا يصادر حكم العقل، وليس له سلطة عليه، غير أن موضوع الحكم قد تغير. فالشارع عندما يحكم بالقصاص، لأن الجاني قد قتل نفسا محترمة، فيجب القصاص من باب العدل. فاختلف الموضوع، من قتل محض، إلى قتل القاتل / قصاص. فإذا كانت هذه التسوية صحيحة يرتفع التعارض على أن ينظر للخلاف من زاوية ملاكات الأحكام ومدى توافقها مع العدل والظلم.

لكن السؤال الأهم والأخطر، ماذا لو وقع التعارض بين حكم الشرع وحكم العقل؟. فما هو الأصل في المسألة؟

لا شك أن الأصل ما يحكم به العقل، لثباته وشموله: حُسن العدل وقُبح. ويقصد بالعقل هنا العقل المحض، المجرد عن أية أحكام مسبقة. وحينئذٍ لا تؤسس الآيات لحكم جديد، بل تكون كاشفة عن حكم العقل. فينتفي التعارض، حتى وإن لم ندرك ملاكاتها البعيدة: و"ما حكم به العقل حكم به الشرع".

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi3صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة السادسة والثمانون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

س147: د. صادق السامرائي، طبيب وكاتب وشاعر / أمريكا: هل أفلح القرآن في تهذيب وضبط سلوك المسلمين، ولماذا؟!!

ج147: ماجد الغرباوي: مرحبا بالأخ الأستاذ الدكتور صادق السامرائي شكرا لمشاركته في الحوار من خلال أسئلته القيمة.

لا شك أن السؤال، في ظل انهيار القيم الأخلاقية والدينية، يجد مشروعيته في قوله تعالى: (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)، فأين مصداقية الآية، في ظل سلوك غير سوٍي. لا ينتمي لقيم الدين، حيث القمع والعنف والإرهاب، وسفك الدماء وهدر الثروات، ومصادرة الحريات، ونبذ الآخر، خلافا لما هو متوقع من الآية؟. فمن حق السائل - إذاً - الشك بقدرة القرآن على تهذيب سلوك المسلمين. بل وحتى تحميله مسؤولية ذلك، باعتباره مرجعية فكرية وثقافية وأخلاقية لأتباعه. كما الدين مقوم أساس للهوية، منه تستمد صدقيتها في بعدها الثقافي والسلوكي. وهذا يتطلب تفسيرا موضوعيا لهذه الظاهرة، لا يجافي الواقع وتحدياته، ولا يطمح لصورة مثالية، بل كحدٍ أدنى اختفاء السلوك الخطأ كظاهرة. فالجواب يتوقف على أمرين:

الأول: مدى صدقية المفاهيم الأخلاقية القرآنية، ومدى التزام المسلمين بها؟.

الثاني: مدى تأثّر الأخلاق بالأحكام الشرعية؟ ومدى انعكاسها على سلوك المسلمين؟.

المفاهيم القرآنية

قدّم الكتاب الكريم منظومة تصورات عن الكون والحياة ومصير الإنسان. وشرّع مجموعة أحكام لضبط الجانب السلوكي (العبادات والمعاملات). وإلى جانب هذين الأمرين، اعتنت الأديان والكتب السماوية جميعا، والقرآن خاصة بالأخلاق، باعتبارها مقوّما أساسا لسلوك الفرد والمجتمع. لكن السؤال الأهم عن ماهية الأخلاق التي أكد عليها الكتاب؟ فهل هي مثالية غير قابلة للامتثال والتطبيق، أم أخلاق واقعية، ممكنة؟

بغض النظر عن موضوع الحُسن والقُبح، وهل هما عقليان كما ذهب إلى ذلك المعتزلة وتبعهم الشيعة الإمامية، أم شرعيان، كما ذهب إلى ذلك الأشاعرة ومن تبعهم. نجد المفاهم القرآنية، بمعزل عن الأحكام الشرعية، مفاهيم إنسانية، تنسجم مع الفطرة البشرية ومع العقل، وتتفق مع مبدأ العدل، حيث اعتبرت الإنسان بما هو إنسان قيمة عليا (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)، وكثير من الآيات خاطبت الإنسان بما هو إنسان بصيغ مختلفة: يا أيها الإنسان، يا أيها الناس، يا بني آدم. وكذا آيات الاحسان والحث على إطعام الفقير والمسكين، لم تشترط الإيمان ولا الإسلام. وكذلك الوصايا العشرة التي تعهدتها الرسالات، فهي وصايا إنسانية – أخلاقية. أنظر: (سورة الإسراء، الآيات: 23 - 38)، التي ختمها في الآية: 39: (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا)، وهذا شاهد يؤكد أنها أخلاق دينية – إنسانية، مادامت الحكمة مشترك إنساني بين الأنبياء وغيرهم: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ)، ولم يكن نبيا. (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ). بل هي أخلاق إنسانية أقرتها الرسالات، فيكون أصلها إنسانيا، لذا يؤمن بها ويتمثّلها المؤمن وغيره باعتبارها قيم أخلاقية إنسانية سامية.

فالكتاب الكريم طرح عبر آياته منظومة أخلاقية قادرة على تهذيب سلوك الفرد والمجتمع شريطة الامتثال والإلتزام، وعدم تسويف الأخلاق من خلال تبريرات فقهية، بمختلف الدواعي. وأقصد بالعقل خصوص العقل المحض.. العقل الحر، المتحرر من أية قيود تفرضها التشريعات والتقاليد والعادات.. فالعقل بطبيعته يقول بحُسن العدل، وقُبح الظلم. وحُسن الصدق وقُبح الكذب. وبالفعل جسّد الرعيل الأول، بما فيهم النبي الكريم أخلاق الدين، قياسا بالأخلاق القبلية التي كانت سائدة قبل نزول الوحي. أو أغلبها، إذ لا يمكنني إدعاء مثالية سلوك المسلمين، وأنا أقرأ عن الثقافة القبلية التي طفت فوق الإيمان بعد وفاة الرسول، وهذه حقيقة تاريخية عندهم، لكن بشكل عام كان سلوكا أخلاقيا. الدين لا يعني سلب القيم القبلية إيجابياتها والتنكّر للفضائل الحميدة، غير أن الرعيل الأول إتسم بحسن السلوك والخُلق، وقد شهد الكتاب لخُلق الرسول، عندما قال: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ). كذلك يصف صفاته في تعامله مع الناس: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ). (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ). بل ويسدد القرآن سلوك النبي، كي يبقى مثالا للأخلاق الحميدة، كما في قوله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ).  (.. وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). وهذا ينعكس تلقائيا على سلوك المسلمين. وعندما تخذلهم إرادة التقوى أو يجتاحهم اليأس يذكرهم بالنبي وأخلاقه، ويدعوهم للتأسي به: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا). كما يعلمه القرآن السلوك الأمثل شرطا لنجاح رسالته: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ). والحكم ليس عاما، ولا يعني حدوث انقلاب جوهري بدون استعداد نفسي، ولا شك بوقوع مخالفات، وثمة من كان ينافق في دينه وسلوكه وأخلاقه ومشاعره. تجد مؤشرا لكلامي في الآيات التي نهت عن شرب الخمر والميسر، حيث المقاومة والمراوغة والرفض كانت واضحة. وأيضا آيات  غض البصر للمؤمنين والمؤمنات. وآيات المنافقين. وكل هذا أمر طبيعي. التربية والأخلاق تحتاج لوقت وثقافة وتمرين، وتستدعي استئصال تراكمات الماضي ومشاعره وقيمه. لكن بشكل عام مثل الصحابة مستوى من الأخلاق استدعت ثناء القرآن، كمصفوفة آيات بدأت بقوله: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) الى آخر سورة الفرقان. وغيرها آيات كثيرة. وكقول الرسول الكريم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا استكى منه عضوا تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمى".

ينبغي التمييز بين الأخلاق كملكة نفسية، تطبع مشاعر الإنسان وسلوكه. والأخلاق التي يتكلفها الإنسان تحت ضغط القيم والأعراف والخوف. فالأخلاق الاجتماعية تارة سجية بشرية وتارة خوف وتربص. الأولى يكتب لها الاستمرار، لكن قد تنزلق أو تندثر تحت وطأة أخلاق الخوف والرعب. وكلا النوعين كان موجودا في سلوك الصحابة، إذ لا شك بحدوث تحوّل أخلاقي لدى شريحة واسعة منهم، وأيضا فيهم من كان يتكلف الأخلاق، ويتظاهر بها، وقلبه أشد نفاقا: (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ). يتربص بالدين الجديد وقيمه وأخلاقه. وبشكل عام كان أكثر من سبب وراء مصداقية الخُلق القرآني المتجسّد في سلوك المسلمين. أهمها نزول الوحي، وصرامة رقابته على سلوكهم وتصرفاتهم. وثانيا وجود القدوة الأخلاقية، وشدة تعلق أصحابه به، والتأسي به، وتعهد سيرته. فكانت التضحية والإيثار والصدق والإخلاص، وهي قيم أخلاقية كبيرة، صفة ملازمة لسلوكهم. وكان للعوامل الخارجية أثر واضح إضافة للتقوى والورع، خاصة الحضور القوي للنبي القدوة. لذا بعد غيابه اتخذت أخلاق المسلمين مسارا طابعه التأويل، للالتفاف على خُلق القرآن، وكان التوظيف السياسي للدين بعد وفاة الرسول، وما رافقته من أحداث وتراشق بالألفاظ داخل سقيفة بني ساعدة من قبل كبار الصحابة، مؤشرا واضحا على المسار الجديد. فالتأويل يشط ما لم تضبط الأخلاق أداءه، وحينما تتقاطع المصالح، يتخلى عن أخلاقه بتأويلات جديدة، كأن يفترض وجود مصلحة أعلى تبرر سلوكه، والمصلحة ليس سوى مصلحة الشخصية أو مصلحة حزبه وطائفته. ومع الدولتين الأموية والعباسية وما صدر عن الخلفاء من تصرفات، واستبداد وظلم وعدوان ومجون واستباحة ثروات المسلمين، فقد المسلمون صدقية المجتمع الأخلاقي، واقتصر الأمر على الأفراد دون الجماعات.

قد يقال أن الأخلاق نسبية، تتأثر بظرفها الزماني والمكاني، وبمصحلة الأفراد والمجتمع، وهذا لا يخلو من صحة، شريطة أن لا يخرج عن قيم العدل والانصاف والقيم الإنسانية وأن لا يصل حد القتل وإزهاق النفس المحترمة، تحت ذرائع واهية، وتلفيقات تفرضها المصالح الشخصية والسياسية، توظف النص الديني، والمفاهيم الفضفاضة للانتقام من المعارضة والخصم السياسي، كما بالنسبة لمفهوم الفساد في الأرض، فهو لم يحدد قرآنيا، اعتمادا على دلالته آنذاك، غير أن بعض الجهات القضائية، استغلت المفهوم، فكان سلاحا رادعا للمعارضة بغطاء ديني شرعي، تقول الآية: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ). فيبقى مصداق الفساد في الارض مرتهنا لفهم القاضي، حينما يكون موضوعيا، وبامكانه تقديم تأويلات تخدم مصالحه الشخصية والحزبية، فيضطهد المعارضة السياسية، باسم المصلحة العليا، فتكون المعارضة فسادا في الأرض تستحق العقوبة. والله أعلم كم زهقت أنفس بفعل هذه الآية، ذنبهم الوحيد معارضة الأنظمة القمعية، فيصدق عليهم عنوان: مفسد في الأرض، وتشمله الآية بعقوبتها الصارمة.

وبالتالي فإن تقويم السلوك أخلاقيا يتقوم بالامتثال، عندما تكون القيم الأخلاقية قيما إنسانية عقلانية قائمة على العدل وعدم الظلم. والامتثال تجلٍ لوازع نفسي ترعاه التقوى والتربية الحسنة.

الفقه والأخلاق

الأخلاق سجية نفسية، يشعر معها الفرد بالبراءة والارتياح عندما يتماهي مع قيمه الإنسانية في سلوكه الأخلاقي، وعلى العكس يغمره الندم، وتأنيب الضمير واللوم عندما يقترف فعلا لا أخلاقيا (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ). هذا هو سلوك الفرد السوي، وفقا لفطرته وطبيعته البشرية: أنه يشعر بالبراءة والارتياح لعمله السوى، ويشعر بالندم جراء سلوكه القبيح. خاصة مع الظلم والعدوان وخداع الآخرين. هذا عندما يكون حرا، قادرا على الاختيار بعيدا عن إملاءات مختلف الأحكام والأعراف والتقاليد، حيث تفرض مفاهيم تستمد شرعيتها من انتمائها الديني أو الأخلاقي أو القَبلي. فيحدث انقلاب مفاهيمي، يبرر الظلم والعدوان. فمثلا القتل قبيح بحكم العقل، لكنه يغدو حسناً، مبررا بفعل القيم الجديدة. من هنا لعب الفقه دورا سلبيا عندما تواطأ مع السلطان الحاكم، وراح يبرر ظلمه وتعسفه تحت شتى الذرائع، التي تفوح منها المصالح الشخصية والطائفية. ويمكن هنا الإشارة إلى الفقه السلطاني، وما صدر من فتاوى تمنح الخليفة والسلطان حصانة ارتفعت بهما فوق النقد والمحاسبة. ومنحتهما حقوقا مطلقة على حساب القيم الدينية والإنسانية، فأصبح سفك الدماء مباحا بل واجبا، وظلم الناس والمعارضة من مقتضيات المصلحة العامة، وهدر الثروات والإسراف كرم. ولا فرق بين مذهب وآخر، فجميعها أصدر فتاوى سلطانية، قلب فيها موازين القسط والعدل، مراعاة لمصالحه السياسية والمذهبية.

وبهذا الشكل ساهم الفقه بتزوير الحقيقة، وشرعنة العمل اللأخلاقي، وغدا سلوك الخلفاء والسلاطين مرجعية ومقياسا وقدوة للمسلمين في سلوكهم العام. لأن الفقيه في وعي الناس مصدر الشرعية بعد الكتاب والسنة، وأقواله أقوال الشريعة الإسلامية. فبعض فتاوى الفقهاء، خاصة الفقه السلطاني فرضت نفسها مرجعا لاستعادت تشكيل القيم الإنسانية، حتى تشكّل نسق مفهوم مواز، وهذه المرة مصدره التشريع، الذي يعني الله لدى العامة من الناس. والله يتقدم على الإنسان على كل حال. وهذا الاتجاه تم تأصيله على يد الأشعري تحت عنوان: الحُسن والقُبح الشرعيان، في مقابل الحُسن والقُبح العقليان: (فالحسن ما حسّنه الشرع وإن حكم العقل بقبّحه. والقبيح ما قبّحه الشرع وإن حكم العقل بحسنه). وهنا المشكلة عندما يلتبس البشري بالإلهي، والمدنس بالمقدس، ويرقى الفقيه وفتاواه لمصاف الكتاب والصحيح من السيرة، فيغدو مصدرا للتشريع، يحل محل المصادر الأساسية.

- ومثال آخر، القول بالتقية، خاصة لدى الطائفة الشيعية، التي تسببت في تسويف الأخلاق عندما تتجاوز الضرورة القصوى. لأنها تعني إظهار عكس ما تستبطن وتؤمن به. فتبيح الكذب عند خطر الموت مثلا. لكنه يغدو محرّما حينما يتجاوز ضروراته، وهو ما نشاهده لدى بعض الناس.

- وأيضا ما يعرف بالحيل الشرعية للالتفاف على الحرام، فالفقيه بدلا من التأكد من حرمة الشيء يلجأ لحيلة شرعية لتحليله. فيقوم بتسويف الأخلاق عندما يفتح الباب أمام الحيل الشرعية لاستباحة المحرمات. ومثاله، كان الفقهاء يحرّمون بيع وشراء الكحول المعدوم لأغراض التداوي أو خلطه مع بعض الأصباغ وغيرها من الصناعات، فيضطر البائع للتخلص من حرمة بيعه بحيلة شرعية بإذن الفقيه، فيبيع للمشتري القنينة دون الكحول!!!، وبهذه البساطة يصبح المحرم مباحا. وهذا ضحك على الذقون، واستغلال للناس الطيبين ممن يثق بالفقيه وفتاواه. وبهذه الطريقة بدأ تسويف الأخلاق. وتصور حجم المخاطر في القضايا الكبرى حينما تلتف الفتوى على الحرمة وتبيح سرقة الأموال وحلية سفك الدماء. أو ما تأخذه البنوك الإسلامية من أرباح مضاعفة تحت ذرائع فقهية في حين تحرّم أرباح البنوك العادية التي هي نسبة ضئيلة عادة. لكن الأولى حلال بنظر المشرع الديني مهما ارتفعت، والثانية حرام!!!.

- والأخطر تقديم الأهم على المهم الذي يخضع لمعايير أيديولوجية وطائفية وحزبية. فتقديم الأهم على المهم قاعدة أصولية يرتكز لها الفقيه في استنباط بعض الأحكام الشرعية، فيكون انقاذ الغريق أهم من ارتكاب حرمة دخول الأرض المغتصبة. وهي قاعدة صحيحة بشكل عام حينما تتعلق بانقاذ النفس البشرية، لكن من يحدد الأهم والمهم في غير هذه الموارد؟. هنا تتدخل قبليات الفرد في ترجيح الأهم على المهم. خاصة في قضايا الدماء والأموال. وقضايا السلطة والمعارضة. فكم من ضرورة يعتقد بها الحاكم ليست بضرورة لدى العقلاء، كالإجراءات الاحترازية ضد المعارضة السياسية، فقد يعترف بضرورة المعارضة السلمية، لكن يجد بقاءه في السلطة أهم، فيضطهدها، ويحرمها من حقوقها المشروعة. وأيضا الند الديني والمذهبي. فالعوامل النفسية والدوافع الشخصية تلعب دورا في تقدير الأهم، والتجاوز على المهم.

- وقد ينقلب الحرام إلى مباح وربما مستحب أو واجب، كاستباحة حرمة أموال الآخرين وعرضهم وحياثتهم، تحت مبررات طائفية، تستمد شرعيتها من حديث الفرقة الناجية. فبما أنها الفرقة الوحيدة الناجية، وهي الوحيدة على الحق وغيرها على باطل، فتجري عليها أحكام الكفار والمحاربين وأهل الذمة، وتبيح دماءهم وأموالهم، وتجد غلاة الشيعية يلعنون الخلفاء في زيارة عاشوراء لضلالهم كما يعتقدون!!!.

- كما كان للأخلاق القبلية الموروثة دور في هتك الأخلاق الإنسانية، خاصة سبي النساء، وحليّة أعراضهن، وبيعهن وشرائهن، تحت عناوين قد تكون لها مبررات تاريخية كما تقدمّ، لكن كيف نبرر استمرار ظاهرة السبي، ومازال فقهاء المسلمين يتناولونها كأحكام شرعية ثابتة ومطلقة في كل زمان ومكان؟. فالمدان في هذه الحالة ذات القيم والأخلاق الدينية، وليس سلوك الناس خاصة. فـ"تشيئة" الإنسان في لحظة تاريخية بفعل الاختلاف الثقافي والديني، لا يمكن تبريره، خاصة بعد تطور حقوق الإنسان، وانتشار ثقافة الإنسان. لا شك أن التبرير ممكن، لكن الحديث عن مدى تأثير هذه الظواهر في سلوك الإنسان؟.

وللموضوعية أن القرآن لم يشرّع سبي النساء، ولم يعترف به صريحا، لكنه اعترف بوجود ملك اليمين، مطلق ملك اليمين، من أي مصدر كان، بالبيع والشراء أو الهدية، وكانت واقعا عمليا قبل الإسلام وبعده كما مرًّ بيانه. يتصرف بها مالكها كيفما يشاء: (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ). (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)، والآيتان لم تنسبا ملك اليمين للسبي. بل تشير إلى واقع كان موجودا آنذاك. وهذا ليس تبريرا، بل هو منطق الدليل القرآني. ويبدو أن سبي بني قريضة التي حكم بها سعد بن معاذ هي الغزوة الوحيدة التي حصل فيها السبي، لكن غدا حكما شرعيا وتشبث به الخلفاء وإلى يومنا هذا. وأخبار الجواري والسبي وليالي الخلفاء الحمراء وكثرة ملك اليمين، مما يبعث القرف في نفوس الناس. هذه هي الحقيقة النهائية، خاصة والسنة النبوية عندهم حجة مطلقا. وعندي أن دائرة الحجية تقتصر على ما له جذر قرآني، وليس للسبي جذر قرآني، وهي على فرض حجيتها تمثّل رؤية اجتهادية للنبي في وقته، ويمكن للفقيه اليوم تحريم السبي، لعدم فعلية موضوعه، واختصاصه بواقعة واحدة.

لكن ماذا عن أخلاق العنف والإقصاء التي عززتها آيات الكتاب؟ وكيف نفهمهما ضمن هذا السياق؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi13خاص بالمثقف: الحلقة الثانية والثمانون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على سؤال الأستاذ هاشم صالح.

 

 

القيمة العلمية لمعاجز الأنبياء

س142: هاشم صالح / العراق: من خلال بحث مستمر ومتواصل وقراءة متأنية  في مسألة القصص الواردة في القرآن وتقصي تفسيراتها وجدت أنها لا تنسجم مع العقل والواقع والسنن والقوانين الكونية، فهي حادثة مروية في كتب الأسفار والأناجيل حدثت في مكان ما وزمن معين ومن ثم لم تتكرر هذه الحادثة من قبيل حادثة ذبح البقرة للكشف عن الجاني الذي قتل واحدا من بني إسرائيل!! وبطريقة خارقة للنواميس ورفع الطور وإماتتهم ثم بعثهم من جديد. وقصة هاروت وماروت الملائكة التي نزلت تعلم البشر السحر وأصحاب الكهف وإحياء الموتى ونزول المائدة من السماء ونزول المن والسلوى وغيرها من القصص التي تعطي تصورا أن أهل تلك العصور كان بإمكانها مشاهدة الملائكة والتحدث معهم بصورة مباشرة. وأن الشيطان يتكلم مع الله بدون واسطة وكذلك الجن وهذا العالم كان مشحونا بالصعود والنزول وأن الله كان متحيزا لشريحة ما وكان  يتدخل في توجيه البشر بشكل مباشر وهذا ما لا نراه اليوم كأننا في صمت مطبق او لربما هذا الوجود هو بهذه الكيفية منذ خلق. إلا أن التصور الذي هيمن على العقل بسبب قراءة النصوص القصصية بطريقة حرفية جامدة قلب تصورنا عن الوجود بشكل مغاير للحقيقة التي نعيشها وعاشها أسلافنا من قبل . فالعقل الآن أصبح لا يقبل الاعتقاد بمجرد النقل للوقائع التاريخية من دون تقصي حقيقي لها ومطابقتها مع الواقع  للوقوف على كل جوانبها التاريخية ..

فما هو رأيكم السديد بكل ما ذكرت رغم أن هذا الموضوع قد تم مناقشته من قبل الباحثين في الفن القصصي للقرآن وتم تقديم حلول  مبنية على عصمة النص وقدسيته وعدم المساس به فكان الحل مجرد توجيهي ينفر منه الطبع والعقل .. ولكم فائق شكري وتقديري

ج142: ماجد الغرباوي: الأستاذ القدير هاشم صالح، شكرا لثقتك ومشاركتك الحوار من خلال موضوع مهم، يراود من يفهم القداسة بشكل مختلف، بعيدا عن الصنمية والجمود والتسليم اللاعقلاني.  

القداسة لا تحول دون النقد، بل تنبّه لتعالي النص، مما يستدعي تأملا طويلا في ثناياه دون التسرّع في الحكم عليه، وهو ذات المنطق القرآني لمن يفهمه: (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانً). فالوعي شرط في صدقية الإيمان، إذ جاءت الآية ضمن مصفوفة آيات تتحدث عن صفات المؤمنين. أو (عباد الرحمن) بالتعبير القرآني، من الآية: 63 إلى نهاية سورة الفرقان. ومطلعها: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ..). فالسؤال حالة صحية، أعرض عنه المسلمون بفعل التراث الذي كرّس التبعية ومجّد التسليم والانقياد لغايات سياسية وأهداف طائفية. ولازمه حرمة السؤال والنقد والمراجعة، سوى التلقين، باعتباره رؤية صادرة عن عقول مطلقة، معصومة، تتصف بصفات الكمال. فهي فوق التاريخ، وصالحة لكل زمان ومكان. فيصادرون حق السؤال وهو مشروع. وما تفضلت به سؤال مشروع، يستدعي إجابة موضوعية. فإن معجزات الأنبياء لا يمكن للعقل قبولها بعيدا عن سياقاتها ودلالاتها، وقد يُسلّم بها بناء على قداسة النص.

أساسا لا يصدق مفهوم المعجزة ما لم تكن خارقة للقوانين الطبيعية ظاهرا. لكن غرائبيتها لا تعني بالضرورة عدم صدورها أو تعارضها للعقل، فقد تكون قد صدرت فعلا لكن وفق قانون غير مكتشف، فينتفي التعارض بين العقل والنقل. أو ربما يراد بالنص خلافا لظاهره، فيقرأ ضمن سياقاته، كما مرَّ بنا في البحوث السابقة حول بعض المعجزات ودلالاتها الواقعية. ولا تفقد المعجزة قيمتها الاعجازية لو اكتشف العلم مستقبلا قانونها، لأنها كانت معجزة في زمن ما، وقد حققت أهدافها آنذاك، لذا لم تتكرر المعجزات بل تختلف من وقت لآخر. وما كان معجزة قد لا يصدق عليها المفهوم في ظل الفتوحات العلمية المذهلة، حتى باتت الهندسة الوراثية تتحكم بالصفات الوراثية. فالمطلوب وفقا للمنطق الديني هو التسليم بصدق الكتاب في إخباراته. وأما دلالات النص فمتروكة للمتلقي وقدرته على فهمه وعدم الاكتفاء بتفسيره. والفهم: إدراك واعٍ لما وراء ظاهر النص، وقدرة على فهم رمزيته ودلالاته المتوارية: (لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ)، فالوعي شرط الفهم، ومفتاح التأويل والقراءة الرمزية. وبالتالي معجزات الأنبياء تقرأ ضمن سياقات الكتب السماوي التي لها خصائصها ولغتها التي تحدثت عنها. أعني تقرأ في سياق لغة الكتاب وهدفه ورمزيته أو تنقلب خرافات مسطورة في ظل عقول فتاكة باتت ترهن إيمانها للدليل والبرهان، يهون عليها تمردها والاستغناء عن الدين وإعلان إلحادها. عقول ترفض كل تبعية وانقياد باسم القداسة والأديان والكتب السماوية. فمنهج القراءة له دور كبير في انتاج المعنى، ليس تزلفا للآخرين، بل لمقاربة الحقيقة، والتوصل لصيغة عقلانية تدرك ما وراء النص من دلالات رمزية ضمن الأطار الكلي للكتاب وفي سياق أهدافه ومحاوره. وحينئذٍ ستنتفح آفاقا جديد للمعرفة، وفهم جديد لقصص القرآني، نجاوز به إشكالية تقاطع العقل والنقل.

تناولت البحوث المتقدمة فلسفة الخلق، وكانت قصص الأنبياء حاضرة، وقد تركّز الكلام حول غرائبية قصة خلق الإنسان من طين، وترى الكتاب يؤكدها في آيات عدة مرَّ استعراضها. وهنا نستثمر السؤال لوضع منهج لفهم قصص الأنبياء، نتجاوز به التعارض بين العقل والنقل، حيث غرائبيتها في وقائعها. لا نريد منهجا ترقيعيا أو توافقيا للهروب من الإشكال، لأنها هزيمة مضاعفة، مع إمكانية توظيف العلوم الإنسانية الحديثة لفهم النص، والاستفادة من آلياتها. وهذا لا ينقص من قدسية الكتاب أو التشكيك بقصصه والحكم بخرافيتها، لأن اللغة الدينة كما تقدم لغة مختلفة، تخدم هدف الدين وغاياته ومقاصده. وبالتالي فذات المنهج في قراءة قصة الخلق سيكون منهجا لفهم قصص الأنبياء. وأشير لملاحظة: إن وجود القصص في كتب سماوية وتراثية سابقة لا ينقص من قيمتها الرمزية. كما أن روح الأديان واحدة في قيمها ومبادئها بل وحتى قصصها التاريخية لوحدة تاريخ رسالات ومعاناة الأنبياء. ورغم وجود قصة الخلق في التوراة وقبلها في أساطير الأولين، غير أن البحث توصل لنتائج مختلفة من خلال آيات الكتاب الكريم. كما أن هدف السرد قد اختلف لاختلاف منهج تناول القصص، بين الوقائعية والرمزية، التي كشفت عنه دلالات ومضمرات تنتمي لقيم الدين وهدف السرد.

المنهج

فيما يلي ملخّص لمنهج فهم قصص القرآن، وقد تقدم تفصيله ضمن قراءتنا لقصة الخلق. فهنا الإيجاز وهناك التفصيل.

- إن اللغة الدينية لغة رمزية تكتفي بالإشارة دون التفصيل وبالتلميح دون التصريح، وتتخذ من تقنيات التعبير اللغوية أساليب للتعبير عن المعنى، فيحتاج فهمها لتأمل وإمعان النظر. أو باللغة القرآن، أن فقه النص متاح لأولي الألباب القادرين على تدبّره وتحري ثيمته ومضمراته. وبالتالي فماهيّة اللغة الدينية تختلف في أدائها عن اللغة العرفية، وطريق تعبيرها عن مضامينها وما تريد إيصالها للمتلقي. فهي أبعد ما يكون عن اللغة الصريحة الواضحة بالنسبة للقضايا الغيبية والرمزية، حتى وهي تسرد وقائع ضمن سياق القصص.

- إن الهدف من القصص قرآنيا هو العبرة والعظة: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ)، (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ). لذا ارتهن إدراكها لأولي الألباب، مما يؤكد دور التأويل، وبالتالي رمزية وقائع جملة من القصص، التي يرتهن لها السرد في تحقيق أهدافه، باعتبارها أقوى وسيلة آنذاك للتعبير عن الثيمة الأساسية. لذا تجد الآيات تهتم بالعبرة والعظة على حساب وقائعية القصص.

- الحق في آية: (لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللّهُ وَإِنَّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، يدور مدار الهدف القرآني، العبرة والعظة، ولا يدور مدار وقائعية القصص دائما، كالأمثال التي هي حق في دلالاتها ولوازمها بغض النظر عن وقائعيتها، لأن غايتها استفزاز وعي المتلقي، لتحري دلالات الربط بين المثل وما يريده ويقصده. فتارة الرمز أقوى من التصريح، لقدرته على تكثيف المعنى وتخليده، فيستجيب لمختلف الثقافات والقراءات، بينما القصص الواقعي يفرض عليك محدداته.

الرمز يتدارك قصور اللغة عندما تضيق بالتعبير عن حقائق الأشياء. أو بتعبير "النفري": (كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة). ويحتفظ بخصوبته وثرائه، مادام المتلقي شريكا في استخلاص المعنى. وهذا سبب تعدد الفهم بتعدد البيئات الثقافية.

- يعتبر تصديق ما جاء في بعض التوراة والأنجيل وجعل الكتاب مهيمنا عليهما أستراتيجية قرآنية،: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ). (وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ). (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ). وهذا يقتضي تصديقا ظاهريا لما جاء فيها من قصص، وتوظيفها ضمن الهدف الأساس، كما قرأنا في قصة أصحاب الكهف، حيث ذكر كل ما ورد عندهم من روايات حول عددهم، ومدة لبوثهم، ولم يبت بالموضوع، تمشيا مع منهج أهل الكتاب الذي كان يرتهن تصديق نبوة محمد، بما يوحى له حول قصص الأنبياء والصالحين. وبذلك اكتسب النبي الجولة، وحقق كامل أهدافه من القصة. وهكذا الأمر بالنسبة لغيرها من القصص.

- ثمة اختلاف بين القراءتين الوقائعية والرمزية من حيث منهج فهم وتفسير قصص الكتاب. الأولى تقف على ظواهر النصوص دون تأويلها. وهو منهج تراثي غالبا، يتحرى القصص باعتبارها واقعا ملموسا، ويواجه الإشكالات العلمية بدعوى التسليم، ويضطر لملء فراغات السرد القصصي بروايات وحكايات تراثية تتصف بخرافيتها، وروايات كتب قصص القرآن شاهد على ذلك. بينما يرتكز منهج القراءة الرمزية للتأويل باعتباره منهجا قرآنيا وآلية لإدراك ما وراء ظواهر النصوص من دلالات ومضمرات. التزما بهدف القرآن من سرد القصص.

أنواع القصص

يمكن الإشارة إلى ثلاثة أنواع من القصص في القرآن، تشتغل ضمن سياقات السرد القرآني ومقاصده، جميعها يتحرى قوة إيقاع النص على مسامع المتلقي. فهي تستهدف وعي القارئ، من خلال مخيال السرد، وما يتركه من أثر يحصص مقاصده.

1- قصص واقعية عبّرت عنها الآيات بـ(أنباء الغيب)، كقوله تعالى:

- (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ).

- (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)

- (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ).

2- قصص وظفت الرمز للتعبير عن فكرة تضيق بها العبارة، وتعجز اللغة عن بيان مقاصدها، فتساق القصة كأسلوب أدبي رمزي، مثالها مشاهد خلق آدم التي مرَّ بيانها: حوار الله مع الملائكة، وردهم، والسجود وغير ذلك.

3- قصص يراد بها تصديق أهل الكتاب، وهي أستراتيجية قرآنية، كان يرتهن لها أهل الكتاب لتصديق نبوة محمد، غير أن القرآن يوظفها رمزيا لصالح ثيمة وفكرة ضمن هدفه التوحيدي وربط الإنسان بخالقة، كرمزية الطين في قصة آدم.

نعود للسؤال:

إن الأصل في قصص القرآن واقعيتها، ما لم تدل الشواهد على رمزيتها، التي تعني توظيف الخيال لتشييد نص أدبي يحاكي القصص الواقعية في حبكتها، وثيمتها، لتمرير حزمة معانٍ ومفاهيم، يكون السرد القصص الرمزي أقدر على تمثّلها، وردم الهوّة بين النص والمتلقي، بعيدا عن حقيقتها كوقائع وأحداث، مادامت تحقق مقاصد النص وغاياته الفلسفية والأخلاقية والدينية، بشكل يكون الرمز دالا عليها. بهذا يمكن رفع التعارض بين العقل والنقل. بين قبول القصص ورفضها لتعارضها مع العقل، وافتقارها للدليل. فحينما نتحرى رمزية القصص ضمن الإطار الكلي للكتاب وهدفه الديني، ينتفي التعارض. لكن المشكلة حينما تحمل قصص الكتاب على وقائعيتها، ومطابقتها للواقع. فيكون دور النص نقل الواقع بتمامه، كما هو المنهج التراثي، الذي يجمد على ظواهر النصوص. فيقع المحظور. وهذا ليس تبريرا، بل لأن القرآن كتاب ديني، والسرد يقصد العظة والعبرة، فيستدعي التعبير الرمزي، الأقدر على تحقيق هدفه.

القصص الواقعية تلاحق الأحداث، وتنتظر نهايتها، بينما يفرض التعبير الرمزي عليك التأمل والتدبر، شرطا لإدراك ثيمة النص. بهذا نرفع التعارض بين العقل والنقل. بينما التفسير الوقائعي لجميع قصص القرآني، يضعك بين خيارين بين إطفاء العقل والتسليم المطلق، أو يقظة العقل ورفض النقل لتعارضه مع العقل. فالسؤال المتقدم مشروع، ما لم نقدم إجابة ترفع التعارض. والقصة صنف أدبي ليس حكرا على الكتب السماوية، وقد اتخذها الإنسان أسلوبا للتعبير عن بعض الوقائع أو للتعبير عن فكرة معينة. بل أن الجميع يلجأ للقصة إسلوبا لتعليم الأطفال، لعجزهم عن إدراك فكرة مجردة. فعندما تحذرطفلك من الكذب لا يبالي لكلامك، لعجزه عن تمثل فكرة الكذب، بينما بإمكانك ذلك عبر قصة خيالية غير واقعية، يتابع فيها تبعات الكذب، وما يؤول له مصير الإنسان.

 إن قداسة النص لا تستدعي الانغلاق، والجمود على حرفيته، وعدم تأويله وفهمه وفق سياقاته. ولا تجرّد النص من تاريخيته، ويبقى النص موضوعا للفهم والتفسير وحتى التأويل. القداسة تعني صدور النص عن مصدر متعالٍ محيط وعالم وعارف بكل شيء، فيشرّع ويهدي وفقا لملاكات ومصالح، يمكن للإنسان إدراكها لتحديد مدى فعلية النص المقدس. وبهذا يكون النص المقدس آفاقا للمعرفة الدينية، بعد تحري مضمرات النصوص والوقوف على سياقاتها ودلالاتها ورمزيتها. ولا يخفى ثراء ومرونة النصوص المقدسة، واستجابتها للتأويل، فهي إمكان شاسع في مدياته، تغري أولي الألباب في تأملها، والغور في أعماقها. فالقداسة لا تعني قمع المتلقي، كما يفهم المنطق التراثي ذلك، بل تعني أفقا رحبا للتأمل في مضمرات النص، واكتشاف رمزيته، وما توارى من دلالاته.

الطابع الغرائبي

احتج السائل الكريم  علىى غرائبية القصص، وافتقارها للدليل العلمي، فهي مجرد خرافات، وأخبار تناقلتها الكتب السابقة، ولم تقع ثانية، وهذا طبيعي. لا يمكن إنكار البنية الأسطورية للقصص والروايات غير الواقعية. كل ما في الأمر يرتهن فهمها في الكتب السماوية لسياقات النص ومقاصده من جهة، والتمييز بين القصص الواقعية والرمزية، وما يسرده ضمن استراتيجية تصديق أهل الكتاب.

وأما لماذا لم تتكرر المعجزات؟ وهو سؤال مشروع أيضا وقد أجاب عنه القرآن، عندما ارتهن المعاندون إيمانهم لنزول معجزة على يد الرسول الكريم، فكان الجواب: (وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ). فهي ليست شأنا نبويا بل شأنا إلهيا، له ضروراته. (وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا، أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً). فالرسول بشر، والمعجزة خارقة للعادة، يُؤتى بها من جنس ثقافتهم، ومستوى وعيهم دليلا على نبوة الأنبياء. لا فرق بين المعجزات الحقيقية التي وقعت فعلا، أو يسوقها الكتاب كالمثل في دلالاته لتقريب الأفكار كما مرّ بنا بالنسبة لمعجزة عيسى النبي الكريم، وإحياء الموتى بالنسبة لإبراهيم.

الكلام عن المعجزات كلام عن التحقق الخارجي، وليس الإمكان، فكل شيء ممكن لله تعالى بالإمكان الفلسفي، المقابل للوجوب والامتناع الذاتيين. والسؤال هل حقا وقعت العجزات التي تضمنتها قصص الأنبياء أم هناك ما هو أبعد من الوقوع الخارجي. وقد اتضح بما لا مزيد عليه أصناف القصص ودلالاتها، ويمكن مراجعة التفصيلات السابقة.

من زاوية أخرى، ينبغي أخذ تطور العقل في رحلة الأنبياء، وقد بلغ العقل مرحلة متقدمة مع النبي محمد، أصبح قادرا على طرح الأسئلة النقدية، واستيعاب القضايا التفصيلة. وربما هذا أحد أسباب عدم الحاجة للمعجزة المادية. وربما أن جميع معاجز الأنبياء، جاءت ضمن خطابات الترغيب والترهيب أو جاءت ضمن تصديق ما بين يدي الرسول من التوراة والأنجيل، فتكون دلالاتها رمزية. وقسم أتى بها الكتاب لتقديم تفسير إلهي للحدث الكوني كنزول الأمطار والأمراض والرياح العاتية وانهيار المدن، فهي ظواهر طبيعية، تجري وفق قوانين كونية، فتكون مرتبطة بالله باعتباره علة الوجود، فتكون إنذارا وعقوبة ضمن سياقها التاريخي وتزامنها مع القوم الظالمين. وهذه القضايا ترتهن جميعها لفهم الوحي وحقيقة النبوة، وسيكون لنا حديث آخر حينئذٍ.

لا يمكن أن يكون التراث مرجعية تستدعي محاكمة كل ما فيه حول قصص الأنبياء، ومن يقرأ قصصهم في الكتب التراثية، يكتشف بجلاء فداحة العقل التراثي، وقد اكتفيت في هذه البحوث بفهم النص القرآني ومقارنته بالتوراة في بعض جوانب القصص. وقد ذكرت في بحث سابق أن رؤية الملائكة والجن مستحيلة، وقد سقت مجموعة أدلة قرآنية، فما جاء في السؤال حول الموضوع يشير بشكل غير مباشر للتراث، أما القرآن فلم يؤكده، ولم يبين لنا شيئا تفصيلا عن حقائق عوالم الغيب سوى إشارات وتلميحات. فهل يقصد بها كائنات حقيقية أم ذات الأسباب التكوينية؟

وأخيرا، سيكون التعارض مستقرا بين العقل والنقل لدى من يصرّ على وقائعية القصص بناء على ظواهرها. ويمكن لكل شخص التشبث بها واتخاذها دليلا على خرافية القرآن بل وخرافية المعرفة الدينية. وفي هذا ظلم عظيم، فالكتب الدينية لها لغتها ودلالاتها، وما لم تقرأ ضمن سياقاتها، تكون النتائج ضدها دائما وفقا للعقل الحداثوي. وبالتال المطلوب فهم النص وليس الوقوف عند حدود التفسير الظاهري له. وقراءة قصص القرآن ضمن شروطه والمنطق الداخلي للكتاب. فما كان منها رمزيا لا يمكن حمله على القصص الواقعي ومن ثم إدانة الكتاب.

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi12 (1)احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والثمانون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي

 

س141: أحمد مانع الركابي: قولك إن الله ترك الإمامة لتنامي التجربة الإنسانية، أيضا يثير علامة استفهام. من هو المسؤول عن وصول الأمة لهذا الحال بعد وفاة الرسول؟ مرورا بالحكم الأموي والعباسي؟ أليست التجربة الإنسانية وما ترتب عليها من أخطاء قاتلة للآن نعيش رواسبها؟

ج:141: ماجد الغرباوي: السؤال يحيل على شروط صدقية مجتمع الفضيلة، وقد أشرت أكثر من مرة أن الإمامة، وفقا للنظرية الشيعية، ليست شرطا في تحققه خارجا. وقلت: إن (ديمومة الفضيلة لا تتوقف على وجود قيادة صالحة منصوص عليها، مادامت تنبثق تلقائيا، بل تتوقف على وجود مقومات ذاتية وبيئة كفيلة بحمايتها، وهذا ما حرصت عليه الأديان السماوية وأكدتها النصوص المقدسة، من خلال وجود: رقابة ذاتية وقانونية، وثالثة رمزية، كل واحدة تؤثر من زاوية خاصة، تارة تستقل وثانية تتداخل، باتجاه هدف واحد، لتكوين أثر مشترك، خلاصته تعبئة الفرد والمجتمع أخلاقيا، لحماية قيم الفضيلة وتبنيها سلوكا). المجتمع قادر على فرز قيادته الصالحة، وحتى القدوة والقيادة الهادية: (ولكل قوم هاد)، بعيدا عن منطق الوصايا والاستبدادين الديني والسياسي والتبعية والتخلي عن مسؤولية النقد تعبدا. وبعيدا عن الإمامة التي تشترط الإيمان بوجود عقول مطلقة خارج شرطها التارخي رغم بشريتها، فتُستغل بمختلف العناوين الدينية والضرورات السياسية. بل تأتي القيادة إفرازا طبيعيا للمجتمع، تمثّل إرادته ضمن شروط الفضيلة، وتحقق صدقيتها من خلال تجانسها.

ليس الإمام في مجتمع الفضيلة شخصية أسطورية أو معلّقة بين اللاهوت والناسوت. وإنما شخصية كارزمية ملهمة تنبثق من أوساط المجتمع. تتميز بقدراتها القيادية وقوة تأثيرها وحسن سلوكها وأخلاقها، تمثّل إرادة الشعب وتطلعاته، وتعيش آلامه وتحدياته. وهي منه وإليه، يتماهى معها، ويستجيب لإرادتها، بعيدا عن منطق الوصايا والاستبداد. فتؤكد مصداقيتها من خلال واقعيتها لا أسطوريتها، وهذا أحد أسباب تأكيد القرآن على بشرية النبي كي لا يرتفع به المجتمع فوق النقد والمراجعة، فتخسر التجربة النبوية جولتها الأولى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ).

أما صورة الإمام في المدونات التراثية المتداولة، فهي صورة أسطورية مغالية، الإمام معلق فيها بين السماء والأرض، بين اللاهوت والناسوت، واسطة في الفيض، ضمن علل الوجود، يختص بولاية تكوينية. وهكذا إمام لا يحتاجه مجتمع الفضيلة، وليبقى موضوعا لدراساتهم الباطنية، وأنيسا لأحلام من فشلوا في مواجهة الواقع، سيما من يعتقد أن واجبه في الحياة الدنيا يقتصر على معرفة الإمام!!.

الإمامة العملية، يمثلها صوت علي بن أبي طالب، وهو يتحدث بواقعية: (فَلاَ تَكُفُّوا عَنْ مَقَال بِحَقّ، أَوْ مَشُورَة بِعَدْل، فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِىءَ، وَلاَ آمَنُ ذلِكَ مِنْ فِعْلِي، إِلاَّ أَنْ يَكْفِيَ اللهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي) (الخطبة 216 في صفين). فعليهم الاهتمام بعهده لمالك الأشتر دون أسطرته أو تأليهه. والاستفادة من تجاربه في الخلافة والحكم، وكيفية معالجته للتحديات التي أحاطت به، والتعرّف على أسباب ما حصل في خلافته، وهكذا يكونون أوفياء للمبادئ، لا للتجارب التاريخية مهما كانت مثاليتها. ويرتكزون للعقل بدلا من الأسطرة واللامعقول.

السلطة والاستبداد

الاستبداد، سواء كان دينيا أم سياسيا، يتعارض مع الفضيلة، كقيمة أخلاقية وإنسانية، مهما كانت مبرراته، مادام يكرّس سلطة المستبد على حساب حرية الفرد والمجتمع. بينما يتقوّم مجتمع الفضيلة بالحرية، كمبدأ إنساني، لا يمكن لأحد مصادرته إلا وفقا لمعايير قانونية عامة، يسترد فيها ما يخسره من حريته، أمنه واستقلاله. أو ما تفرضه حدود حرية الآخر، حيث تنتهي حريته عند حدود حرية الآخرين. فيضحّي بحريته ليتمتع بميزات قانونية أكثر أهمية تستدعي تضحية جميع أبناء الشعب بشكل متساوٍ. بينما الولاية تعني القيمومة. أو قيمومة الولي على المولّى عليه، كقيمومة الأب على أبنائه القاصرين، فيتخذ ما يراه مناسبا من قراراته دون استشارتهم. فالولي وفق نظرية ولاية الفقيه هو صاحب القرار، وعن سلطته تتفرع السلطات. الولاية تفضي للاستبداد، وقمع المعارضة، وتمنح الولي الفقيه صلاحيات مطلقة، لذا سُميت (ولاية الفقيه المطلقة). وهذا يتناقض جذريا مع قيم مجتمع الفضيلة، إذا لا تعني الفضيلة الالتزام الأخلاقي فقط، بل تعني أفقا مفتوحا للتطور المعرفي والإنساني، واعتماد أفضل الصيغ القانونية والدستورية التي تحقق سعادة الإنسان، بعيدا عن الاستبداد والظلم والعدوان: (إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). والولاية تتنافى مع العدل، وفيها ظلم وجور على حقوق الإنسان حينما تفرض عليه صيغة تصادر حريته وإرادته، خاصة إرادته السياسية. ولو قدر واستمرت الإمامة كما يصورها التراث لا ندري إلى ماذا ستؤول، وما هي الآثار التي ستترتب عليها، سياسيا واجتماعيا؟. الفضيلة ديمومة التحرر من سجون النفس والتاريخ والتبعية والانقياد، والانفتاح على عالم القيم الإنسانية الرحبة، واستثمار كل ما يحقق سعادة الإنسان.

مجتمع الفضيلة لا يدعي صيغة محددة للحكم، ولا يدعو للاستبداد، ولا يبرر منطق الوصايا تحت أية ذريعة، ويوظف المنجزات الفكرية والحضارية والإنسانية لخدمة مجتمعه، ويسعى الاعتماد نظام حكم، يحقق سعادة الفرد وإرادته السياسية. واليوم يعتبر المجتمع المدني الذي يرتكز للمؤسسات المجتمعية للحد من سلطة الدولة، ومشاركتها في تطبيق الأنظمة والقوانين وإدارة المجتمع يعتبر أفضل صيغة توصلت لها البشرية، وهو ما يطمح له مجتمع الفضيلة، وقيم الدين والإنسانية، حيث يبقى الفرد محور الحياة الدنيا، والفاعل الرئيس فيها، بينما محور الحياة في الأنظمة الدينية هو الله، فيكون الولي الفقيه ظله، ونائب عنه يحكم بصلاحيات مطلقة باسمه، والله عزوجل لم يخوّل أحدا، ولم يجعل أية ولاية لأي شخص، ومرَّ الحديث مفصّلا. ولازم المجتمع المدني الالتزام بالديموقراطية، طريقا لفرز القيادة السياسية، المنضبطة دستوريا، ضمن صلاحيات محددة، يكون فيها القرار النهائي للشعب.  لا استبداد ولا تبعية ولا منطق وصايا. وهي الصيغة التي اثبتت جدارتها، وهذا يتطلب ثقافة تمهد لهذا اللون من نظام الحكم، ومجتمع يلتزم قيم الفضيلة والأخلاق والقانون، وهي ثقافة لا تجدها في المدونات التراثية التي دأبت على تكريس التبعية والانقياد والطاعة لتفادي غضب السماء والرب (الراد عليهم كالراد على الله). وبالتالي الانتخاب وليس التعيين هو طريق فرز القيادة الصالحة، فيكون قرار إقالته حينما يخل بالتزاماته وتعهداته بيد الشعب، بينما لا يتاح للشعب ذلك وفق منطق الوصايا. وكان الصحابة والتابعون يعون جيدا حقيقة السلطة ومصدر شرعيتها، فبادروا لخلع عثمان. كانوا يعتقدون جازمين أن البيعة هي مصدر شرعية الخليفة، وهي عقد بين طرفين، متى أخل به أحد الأطرف يحق للطرف الثاني فسخه، وهذا ما حصل، حيث انتزع الشعب شرعية الخليفة، وقد أخفقت محاولات عثمان ربط شرعيته بالله وليس بالأمة، وأنه قميص ألبسه إياه الله تعالى. أو توظيف المقدس لحماية شرعيته، غير أنه لم يستدرج وعي الصحابة فقاموا كما يعتقدون بواجبهم الشرعي.

التجربة التاريخية

احتج السائل الكريم بسيرة الخلفاء ومن تلاهم على صدقية شرط الإمامة، من خلال مقارنة بين ما وصلت له الأمة في ظل غياب الإمامة!!، مع صورة مثالية عن الإمامة، يبدو أنها مغايرة للصورة الواقعية التي تمثّلت بخلافة علي بن أبي طالب وتجربته، التي كانت تجربة بشرية - سياسية ضمن شروطها التاريخية، والتي خاض خلالها حروبا داخلية، مثّل فيها الصحابة والتابعين لدى الطرفين أغلبيتها. فكان نزاع السلطة بعد وفاة الرسول نزاعا سلميا، فغدا في عهده نزاعا مسلحا، اضطر أن يكون في مقدمة جيوشه، التي كانت تمثّل شرعية الخلافة. فقال: (قولك أن الله ترك الإمامة لتنامي التجربة الإنسانية، أيضا يثير علامة إستفهام. من هو المسؤول عن وصول الأمة لهذا الحال بعد وفاة الرسول؟). فكأنه يحيل على مسلّمات تاريخية، متفق عليها، وليس الأمر كذلك. وهو إشكال يُستشهد به عادة. ولنتأكد أولا من صحة الاستدلال منطقيا، حيث أراد الاستدلال بصحة القضية الثانية على صحة القضية الأولى. شبيه ما يعرف منطقيا الاستدلال بالعكس المستوي. اثبات الأصل / القضية الأولى من خلال صحة العكس / القضية الثانية. أي يلجأ لاثبات مطلوبه إلى إثبات قضية ثانية، وله شروطه. لكن الاستدلال غير تام، فقد يكذب الأصل والعكس صادق. كما هو مقرر عندهم منطقيا. أما هنا، فتوقف صدق القضية الأولى لا يرتهن لصدق القضية الثانية، لعدم وجود علاقة عليّة وتكوينية بينهما، ولا حتى ملازمة بيّنة. فقد تنحرف الأمة رغم وجود القيادة الربانية الحكيمة، كما حصل مع الأنبياء والرسل تاريخيا، وفقا للرواية القرآنية: (قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ). وربما لا يحقق النبي جميع أهدافه المرسومة، لأسباب ذاتية وموضوعية، كما حصل مع النبي نوح الكريم. رغم تسديد السماء للأنبياء وهم يبلّغون الوحي، حتى كانت الآيات تنسب النصر لله مباشرة. فسبب انحراف الأمة لا يقتصر على عدم كفاءة القيادة فضلا عن عصمتها، وإن كان عنصرا مهما. وربما حاسما.

وبالتالي فليس غياب الإمامة سبب انحراف السلطة كما يفترض السؤال، بل ثمة أسباب قد يكون ضمنها القيادة التاريخية الصالحة، وهذا أمر يختلف عن الإمامة المعصومة وفقا للنظرية الشيعية. التي لا نعرف عنها سوى صورة خيالية، تشكّلت عبر تراكمات نزاع السلطة، وسخونة التنافس لإثراء الرأسمال الرمزي. أو لوجود ملازمة بين وجود الإمام المعصوم والمجتمع المثالي، فمادام المعصوم في قمة هرم السلطة، فسيكون المجتمع مثاليا بالضرورة، باعتباره إنسانا كاملا، تستجيب الأشياء لإرادته!!. لكن لا أدري سيكون المجتمع مثاليا فجأة، وبقوة سحرية وغيبية، وما الداعي لهذا؟. أم يتحقق المجتمع عبر مخاض طويل ومعاناة شاقة وفق ذات السياقات الحاكمة في جميع المجتمعات، فيخضع للسنن والقوانين. وهذا قد يستغرق سنوات طويلة، ربما لا يدركه المعصوم، فما الحاجة للعصمة حينئذٍ. وعليه لا توجد تجربة تاريخية مثالية لحكم الإمام المعصوم الذي ترسم صورته ريشة التراث الشيعي وريشة الغلو خاصة لنستشهد بها، سوى تجربة الإمام علي وكانت تجربة بشرية بامتياز، وهذا يختلف عن استدعاء تجربة مثالية أو الإحالة على تجربة مثالية مستقبلية / المهدي الموعود. وبالتالي فإن صحة القضية الثانية (إخفاق التجربة التاريخية للخلفاء)، لا يثبت صحة القضية الأولى / الأصل. وغاية ما يمكن الاستدلال به عدم كفاءة القيادة السياسية أو اختلال الشروط التاريخية. لا أنكر ضرورة القيادة الكفوءة والقدوة الصالحة. والكلام حول شرطية النص والتعيين، وما بينهما من شروط العصمة والولاية التكوينية التي تفترضها النظرية الشيعية عقائديا، وهي لازم مفاد السؤال.

الأخطاء التاريخية

بات ضرورة أن نعرف ما هي معايير الانحراف؟ وهل كان انحراف مسار الخلافة بعد النبي انحرافا دينيا أم سياسيا أم أخلاقيا أم ..؟. لم يُشر السؤال لمصاديق الانحراف، ولم يبيّن ما هيته، وأرسله كأنه مسلّمة تاريخية متفق عليها بين المسلمين. والأمر ليس كذلك، فعلي الصحابي الجليل كان المستشار الأول للخلفاء، سيما في عهد عمر بن الخطاب، وكان الصحابة يمارسون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم تكن هناك أية مظاهر مخلة، لا في الشارع العام ولا في بيوت الخلفاء. ولما ارتفعت الأصوات في السقيفة وما بعدها لم يُتهم أحد في دينه وتقواه وأخلاقه، وكان التركيز على استحقاق الخلافة فقط وفقط. لكن من يطلع على أدبيات الشيعة تجدها تدين:

- اغتصاب الخلافة من علي، باعتباره منصوصا عليه من قبل الله بواسطة نبيه الكريم.

- فظاظة سلوك عمر مع أهل البيت، سيما السيدة الزهراء، واتهامه بكسر ضلعها. وتهديده عليا بالقتل إذا لم يبايع أبا بكر، الخليفة الأول.

- حروب الردة في عهد الأول، واعتبارها موجهة للصحابة الموالين لعلي بن أبي طالب خاصة.

- اجتهادات الثاني مقابل النص.

- تفريط عثمان بالسلطة، وتقديمه الولاء على الكفاءة.

- إدانة من خرج على خلافة علي، وهم: معاوية، عائشة زوجة النبي، طلحة والزبير، إضافة للخوارج.

- الحكم بغصبية الخلافة مطلقا حتى ظهور المهدي الموعود الذي سيسترد حقوق الإمامة المعصومة.

وأما بالنسبة للخلافتين الأموية والعباسية، فالمذاهب الأخرى تشارك الشيعة في إدانتهما، خاصة الانقلاب على الإمام الحسن، ومقتل الإمام الحسين، وما لحق الحزب العلوي من تشريد واضطهاد واقصاء. وجميعها ينتظم تحت عنوان السياسة أو السلطة والحكم أو الخلافة، باستثناء السلوك الشخصي للخلفاء وما رافقه من مجون وخروج على قيم الدين فالحديث طويل، والجميع يدين سلوكهم وعدوانهم واستبدادهم.

وعليه فالطابع الديني كان سائدا في عهد الخلفاء، وكانت الخلافة دينية سياسية، وكان الانضباط السلوكي على أشده، سواء من قبل الخلفاء وباقي الصحابة أو من قبل عامة الأمة، وكان القضاء شرعيا، والناس يتمثلون قيم الدين، في عباداتهم وأخلاقهم وعلاقاتهم. فلا يصدق مفهوم الانحراف بالمعيار الديني على السلوك العام. وإذا كان ثمة تحفظ حقيقي، فعلى الفتوحات وما رافقها من تداعيات وتوظيف خطير للدين لصالح أهداف توسعية. وما حدث في النصف الثاني من خلافة عثمان. هذا ما تقوله المدونات التاريخية. والأخطر في موضوع الفتوحات، التي كانت تهدف توسعة هيمنة الدولة، واستبعاد الجند عن مركز الخلافة، وتأمين نفقات ميزانية الدولة، الأخطر أنها ربّت شعوبا كاملة على العنف والكراهية والاحتكام للسيف وعدم الرأفة بالآخر، وهناك أرقام مهولة عن عدد القتلى والتجاوزات. كما أن الخطر الثاني، هو عدم قدرة الفرد على تمثّل الدين وقيمه، فصار ضحية للمنهج السلفي وتلقي الروايات كأنها قرآن منزل، دون تمحيص أو تحقيق، فكان الناس وسطا لانتشار الروايات المكذوبة، خاصة روايات الفضائل. ثم جاءت فيما بعد مرحلة تسويف القيم والمبادئ الدينية لصالح الهدف السياسية، ولا أنفي بدايته مع تدشين خلافة المسلمين، وكان أوجه في عصر الثالث، وكان صارخا مدويا في عهد الخلافتين الأموية والعباسية ومن جاء بعدها حتى يومنا هذا.

لقد قارن السائل الكريم الوضع آنذاك بصورة مثالية مفترضة. أو مقارنة وفق قائمة معيارية مثالية، تمثل حتيمة لسيرورة المجتمع في ظل خلافة الإمامة المعصومة. وهي صورة مفارقة للواقع، الذي تتحكم به سنن التاريخ في ضوء ما يواجهه من تحديات، ويكون فيه الإنسان محور الحياة، لا باعتباره منقادا لصورة مثالية بل باعتباره فاعلا حقيقيا، يساهم في صناعة الأحداث. بمعنى أدق، حتى لو حكم المعصوم مهما كان أسطوريا، يبقى محكوما بالسنن التاريخية والاجتماعية، يستجيب لقهر التحديات وما يواجهه من أحداث خطيرة، ولا يمكنه فعل شيء ما لم تستجب الناس لارادته. وهذا القدر لم يتحقق لكثير من الأنبياء، فهل المعصوم في الذاكرة الشيعية المغالية شيء آخر؟؟.. فالنظرية التي ترتكز للإمام في صناعة التاريخ بعيدا عن الشعب، نظرية خاطئة. والذي صنع تاريخ خلافة علي، رغم عصمته كما تؤكد النظرية الشيعية، الحروب الثلاثة الداخلية الكبرى. ولولاها لاتخذ تاريخ خلافته مسارا مغايرا.

مسؤولية الانحراف

مسؤولية الانحراف، لو كان قد حصل فعلا تقع على عاتق الأمة، إذ تقدم أن شرعية السلطة تتوقف على البيعة، ومن حق الأمة مبايعة من تراه مناسبا لمقام الخلافة. وستكون مسؤولة عندما تبايع غير الكفء. وقد انبرت الأمة واتخذت موقفا صارما من الخليفة الثالث عندما وجدت فيه ضعفا وهشاشة وانحرافا عن مبادئ الحكم، تجلت في تقديمه الولاء على الكفاءة، حينما منح أهله وعشيرته سلطات واسعة رغم رخاوة إيمانهم، وعدم التزامهم. وعندما أصرّت على مبايعة الإمام علي أثنت له الوسادة، فكان أول خليفة منتخب من قبل شعبه. وما كان لمعاوية أن يجعل الحكم وراثيا، لولا سياسة التجهيل، وخطابه الإعلامي الذي هو مزيج من الوعد والوعيد، وتشويه سمعة المعارضة / الإمام علي ومن ورائه الحزب العلوي. فاشتغل على تغيير قناعة الأمة، عبر تزوير الوعي، والحفاظ على المظهر الديني للخلافة، وقرّب الفقهاء والمتكلمين والعلماء والقضاة والخطباء، واعتنى بالرواة، خاصة من يجد فيه قدرة على تزوير الأحاديث، والكذب على الله ورسوله، وبالفعل رويت روايات صارخة في طابعها السياسي، عندما تبالغ في تنزيه الخلفاء وتستثني عليا، أو التي تمدح معاوية خاصة وتستفيض في تنزيهه. وكان يرفع راية الإسلام في معاركه وحروبه. وكانت تدرج ضمن الفتوحات الإسلامية. فاستفاد من سياسته وقد أخذ البيعة لولده يزيد وهو على قيد الحياة.

البيعة مسؤولية وكان بإمكان الأمة التمرد على قرارات الخليفة، وتقويم سلوكه السياسي. أما الاستضعاف والخوف، فلا يعدان مبررا وفق المنطق القرآني، عندما يكون الخليفة ظالما جائرا: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا). لا أستهين بلغة العنف، وسطوة معاوية، وأساليبه في ملاحقة المعارضة، وسياسته في إدارة الدولة. وكدليل على دهائه، لم يلق أي مواجهة في فصل الدين عن السياسة، ومن كانت هذه مواصفاته لا يمكن التمرّد عليه بسهولة، بل واستطاع امتصاص المعارضة الحقيقية للبيت العلوي، المتمثلة بالإمام الحسن بن علي، وعقد معه صلحا، نكثه فيما بعد. لكن رغم كل هذا الأمة هي القاعدة الأساسية للحكم، ومتى تمرد عليه الشعب، يتعذر عليه مواصلة حكمه. وإذا لم تستطع القيام بشيء في زمنه كان بإمكانه فعل الكثير في زمن يزيد وهو شخصية ضعيفة. وبالتالي فالأمة مسؤولة عن مواقفه، وبيعتها للخلفاء الأمويين ومن بعدهم العباسيين، الواحد تلوه الآخر. وفي هذه الحالة، عندما تتقاعس الأمة عن مسؤولياتها، لا ينفع معها حتى الإمام المعصوم، وأمامك تاريخ خلافة علي بن أبي طالب وراجعه. وهو المقصود بالإمامة المعصومة.

زاوية نظر

إن كل ما وقع كان ضمن السياقات الطبيعية، وهذا لا يعني مثاليتها، بل كان بالامكان أن تكون أفضل لو تقدم الفاضل على المفضول، ولم يرتكز الجميع لمبدأ القبلية، الذي كان قاسما مشتركا، والخلاف: هل الأحق عشيرة النبي أم خصوص أهل بيته. فارتكاز الجميع للمبدأ القبلي يُعد انتكاسة تحمّل المسلمون ومازالوا تبعاتها. وما كان للصحابة الارتكاز له لولا الفراغ التنظيري، وعدم وجود نظرية للدولة ضمن التشريعات الإسلامية. فكان من الطبيعي الاحتكام للسياقات المتعارفة في انتخاب القيادة العليا ضمن منطق القبيلة. فدولة المسلمين بدأت بسيطة، ثم تطورت تدريجيا. لقد غادر الصحابة عصر الوحي، و(ما إن تنتهي مرحلة نزول الوحي بوفاة النبي، تبدأ مرحلة تأويل النص المقدس، وتزوير الوعي الديني، بدوافع شتى، أخطرها السياسة حينما تفرض نفسها على التأويل، فيغدو نصا جديدا، وتفسيرا رسميا يصادر النص الأول، ويعيد تشكيل الوعي. وتارة تدفع ضروراتها باتجاه وضع الأحاديث، ونسبتها للرسول الكريم. وثمة نصوص لا يمكن الجزم بصحة صدورها لعبت دورا خطيرا في عالم السياسة، سواء في عهد الخلفاء، أو في عصر الدولة الأموية. وكما أن ثنائية السلطة والمعارضة كانت وراء التمادي في تأويل الآيات وتزوير الوعي ووضع الروايات، فأيضا كانت السياسة سببا أساسا في نشوء المذاهب والفِرق، وتأسيس مرجعيات فكرية وعقيدية جديدة. فعندما دشن الخلفاء بنزاعهم على السلطة مرحلة الإسلام السياسي، وتسييس الدين. أبقوا على قدسية النص، لشرعنة التأويل، فهو طاقة، يستمد قوته من مرونة النص المقدس وثرائه ورمزيته، ويبقى القارئ ومهارته في توظيفه)، (أنظر: كتاب: النص وسؤال الحقيقة).

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 


 

majed algharbawi11احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الثمانون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

التسامح 

ماجد الغرباوي: إن التسامح بمعناه الاصطلاحي غريب على البيئة العربية والإسلامية، وغائب عن لغتها وأنماط تفكيرها، وبحاجة إلى مزيد من التنظير والمواءمة، كي يتم (تبيئته) بشكل يحافظ على فاعليته وتأثيره ضمن الأنساق الثقافية والفكرية للمجتمع، دون المساس بجوهره. وهذا لا يعني التماهي التام مع قيم التسامح، لتبقي الاحتمالات مفتوحة لمراجعة جميع المفاهيم والمقولات التي تشترك في تكوين الأنساق المعرفية. أي يمكن إعادة النظر بمفهوم التسامح نفسه ومراجعة قيمنا ومفاهيمنا أيضا للتأكد من صحتها وشرعيتها. فربما نكتشف ثمة أنساقا فكرية وعقدية تفتقر للأسس العقلية أو الشرعية. وربما خليط من التراكمات الثقافية والموروثات التاريخية واجتهادات شخصية ومصالح استبدادية تبلورت وتحولت بمرور الأيام وبفعل التعهد والحماية المستمرة لها، إلى أنساق عقدية ومعرفية تمارس سلطتها على العقل وتتحكم بسلوك الفرد والمجتمع. إذاً المراجعة فرصة جديدة لتفحص تراثنا ومعارفنا، ومحاولة جادة للوقوف على نقاط الضعف واكتشاف مراكز القوة. وبالتالي سندرك أننا أمام مفاهيم (كالتسامح والتعددية) ليست غريبة في روحها عن أصول ديننا وعقيدتنا، وإنما أقصتها القراءات الأحادية والفهم المتحيز للدين. (حول هذا الموضوع يراجع كتاب التسامح ومنابع اللاتسامح)

ومن عاش حياة المجتمعات الغربية يعي دلالات كلامي، اختلفنا أم اتفقنا حول منطلقاتهم ومرتكزاتهم. المهم أن الفرد هناك يعيش بكرامة نسبة لشعوب أخرى لا تعرف عنها شيئا. لا أقول مثالية، فرما ثمة سلوك عنصري، يؤثر سلبا على الجاليات، لكن القانون شيء وسلوك الناس شيء آخر. وجميع ما ذكرته من وسائل ديمومة الفضيلة تجد أصداءه في روح المواطنة الصالحة، وشعورهم بالمسؤولية، وعدم تهاونهم في تطبيق القانون. ورقابتهم لأداء السلطة. يتمتعون برقابة ذاتية وأخرى قانونية. وهناك معارضة برلمانية تقّوم المسار السياسي. والأشد رقابة السلطة الرابعة بجميع وسائل الإعلام، وشفافية مؤسسات الدولة. وأشياء كثيرة. وبالتالي فليس مجتمع الفضيلة مجرد حلم لذيذ، بل واقع يعيشه غالبية المجتمع. كما أنه مجتمع متجدد، يواكب الحياة، بعيدا عن أي دوغمائية، وحركة دؤوبة، وتواصل مستمر مع كل جديد. وقد يتغير العرف حينما يستفحل أو يتحول إلى سلطة تسلب المجتمع قيمه الليبرالية. وبالتالي فهو مجتمع إنساني، ومثاليته تعني عقلانيته، وموقفا إنسانيا من الآخر، بعيدا عن تشظيات الدين والقومية والطائفية، مجتمع يعيش الوئام رغم تعدده، ويلتزم بالنظام ليس خوفا من محاسبة القانون دنيويا والعقاب الأخروي، وإن كان هذا ضرورة عندما يخفق الضمير عن أداء مهمته الأخلاقية.

وبالتالي، نطمح بمجتمع يضع السعادة نصب عينيه، ويسعى لتحقيقها، من خلال تعهده بقيم الفضيلة، ولو في إطار مجتمع مدني، بل هو المتعين الآن، وأفضل صيغة، بفضل نجاحاته رغم جملة سلبيات، يمكننا تداركها بما ينسجم مع قيمنا ومبادئنا. المهم أن يفرز المجتمع حكومة تسهر على راحة الفرد، ولا تغامر بمستقبله بدوافع أيديولوجية أو غير مدروسة. حينئذٍ تشعر بقيمة الدولة الوطنية. وكمثال على حماية الدولة لسعادة الناس، ما حصل في أزمة كورونا وإعلان التباعد الاجتماعي، وتوقف بعض الأعمال والدوائر، بادرت الحكومة الأسترالية فورا بتبني 6 ملايين شخص من بين عشرين مليونا عدد السكان، وخصصت لهم رواتب تكفي لمواصلة حياتهم. وضخت من فائض الخزينة مليارات الدولارت!!، من أجل سعادة المجتمع، وانعاش الأسواق، دون أن يتأثر الفرد بل وحتى الشركات. وهذا القدر من الحماية تفتقر له دول كثيرة ترفع شعارات إسلامية، وهي أثرى مالا. والفارق النوعي، أن المجتمع هنا مجتمع حي، يراقب ويحاسب، يرفض أي خروج على قيمه، ودولة مرتهنة في شرعيتها لأصوات الشعب. في مقابل استبداد سياسي وديني صيّرا الناس عبيدا حدا تخلى عن مطالبه المشروعة. والشعب هنا هو صاحب السلطة ويعرف هذا جيدا ويمارسها على هذا الأساس.

وعود على بدء، كيف نقيم تجربة الرسول، ومجتمع المدينة؟ هل كانت تجربته تجربة نهائية أم تاريخية؟.

مجتمع المدينة

 يصدق أن مجتمع المدينة بداية تأسيس مجتمع جديد، يقوم على أسس دينية وإنسانية وأخلاقية. فسارع إلى تحريم الربا أضعافا مضاعفة، وحرّم وأد الأناث، وغيرها من إجراءات تعزز قيم المجتمع الجديد، مجتمع التوحيد ومكارم الأخلاق (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). وكانت وثيقة المدينة مثالا رائعا للتعايش السلمي بين الأديان والثقافات، بين المسلمين وأهل الكتاب. تضمنت اعترافا حقيقيا بالآخر، وحقه في ممارسة طقوسه الدينية. كما شرّع الدين الجديد الصدقات للفقراء والمساكين، مطلقا، بعيدا عن أي انتماء سوى إنسانيته: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ)، مطلق الفقير والمسكين، دون تقييده بالمؤمنين: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا)، (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ. وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ)، بعيدا عما تقرأه في المدونات الفقهية لتعريف مفهوم مستحق الزكاة. غير أن معارك المسلمين مع خصومهم أثّرت سلبا على مسار العلاقات العامة، وأطاحت بقيم التسامح والتعددية. والأهم حاول الدين الجديد تهذيب القيم والأخلاق القبلية، وبعث روح جديدة في الإنسان العربي، روح تقوم على التراحم والتواد والتضحية والإيثار، وكلها قيم إنسانية قبل أن تكون قيما دينية. فثمة اتجاه جديد، تجلى في سلوك مجموعة المؤمنين، فرز مرحلتين، ما قبل وما بعد الإسلام. حيث اختفت أو خفّت النعرات القبلية لتحل محلها علاقات أخوية: (لا فرق بين عربي ولا أعجمي ولا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى). (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). غير العلاقة في نظر الفقيه لها مرجعياتها الطائفية، وهذا أحد أسباب ظهور فقه الأقليات والموقف من الآخر ودار الحرب والإسلام وغير ذلك، أفقد العلاقات الإنسانية إمكانية حضورها وتأثيرها ليعيش الإنسان مشتتا بروح طائفية مقيتة.

كان مجتمع المدينة تدشينا لمجتمع الفضيلة، ومرحلة تأسيسية لمفاهيمة وقيمه وتقويم سلوكه. وقد أكد النبي على الروح الإنسانية، حينما قال: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). كل هذا وغيره قد نظّرت له النصوص، وحثت عليه الآيات. وراحت التجربة الاجتماعية الجديدة تتطور وتتكامل، لصعوبة تمثّل القيم الجديدة بسهولة، ويستدعي التغيير الاجتماعي وقتا كي يقتلع رواسب القيم القبلية والنظام الأبوي القائم على الاستبداد، والتمييز العنصري، والعنف. وهي خصال واصلت حضورها ثم راحت تذوي في بعض النفوس تدريجيا. لا يتحقق التغيير الراديكالي الجذري دفعة واحدة، ويتطلب مراحل، لكن الأهم إرادة التغيير، وقدرة المجتمع على تبني القيم الفاضلة وقدرته على ديمومتها من خلال سلوكهم وأخلاقهم. وهذا القدر تحقق إذا ولو بالحد الأدني. وقد امتدحت بعض الآيات صحابة الرسول، وأثنت عليهم، وهي شهادة ربانية. لكن مع ذلك كانت هناك أخطاء وانحرافات، وخصومات تصل حد الاقتتال: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).

فهل يصدق مفهوم مجتمع الفضيلة على مجتمع المدينية؟. أو هل نعتبر مجتمع المدينية في عصر البعثة مجتمعا فاضلا؟. نعم يمكن اعتباره، مرحلة تأسيسية لمجتمع إنساني قائم على قيم الفضيلة، والكلام حول استمراريته بعد البعثة. وذكرت آنفا أن مجتمع الفضيلة الذي نحن بصدده، ليس معطى جاهزا، ولا مجتمعا ملائكيا، بل تراكما قائما على التجربة وتقويم الأخطاء، وأفقا مفتوحا على عالم الفضيلة والسمو. يتمثّل لتحقيق هدفه قيما أخلاقية ومعايير إنسانية. فهو مجتمع تجريبي، لا تحده حدود. لذا تجد المفهوم يتطور.

الإقصاء الديني

لكن ماذا عن إقصاء غير المؤمنين وغير المسلمين، والآيات كثيرة، ويكفي آية السيف؟: (فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)؟، (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ). وهم يصرّون على اطلاقها وأنها نسخت جميع آيات الرحمة، وعددها (47) آية، كما جاء في كتاب الناسخ والمنسوخ لابن حزم. (أنظر الموضوع مفصلا في كتابي: تحديات العنف والتسامح ومنابع اللاتسامح)، لشرعنة معارك الخلفاء والسلاطين، وتبرير معاركهم ضد شعوب العالم، واستباحة ثرواتهم وأموالهم، وسبي نسائهم تحت راية الفتح الإسلامي. فهل يصدق مفهوم مجتمع الفضيلة في هذه الحالة؟ وماذا عن شرط التعددية والاعتراف الحقيقي بالآخر، التي هي جوهر المجتمع المدني، والذي نطمح أن يكون حاضنة لمجتمع فاضل بعيدا عن أية تشظيات دينية وأثنية؟. وكيف نفهم التسامح حينذٍ.

من السهل الاحتجاج بآيات الكتاب، خاصة آية السيف، التي نسخت جميع آيات الرحمة والعفو وقبول الآخر، كما يصرّ على ذلك الخطاب السلفي لتبرير تكفير الآخر وشرعنة قتله، بل حتى من لم يقل بالنسخ، لا يختلف حول فعلية الآيات بشرط الحرابة. وهو شرط قلق، يمكن تفعيله بعناوين ثانوية، كحرمة انتهاك حرمة الدين، أو الإفساد في الآرض، وتمتد التهمة إلى هتك حرمة المذاهب الدينية، ومحاربة الله ورسوله مباشرة أو من خلال موقفك السلبي من الولي الفقيه أو الفقيه المرجع. كل هذا إدانات تستحق عقوبة صارمة. والأخطر وضوح الآيات وصراحتها، فكان سلوك داعش مصادقا لها، عندما فتح النار على كل من يعارض قناعتهم العقدية والفكرية والسلوكية. وهذه هي تداعيات التفسير، والتشبث بالتراث من غير روية وتدبر. ينبغي الارتكاز على فهم القرآن، لا فقط تفسيره تفسيرا ظاهريا، لدراسة النص، وأسباب نزوله، وتحديد موضوعه بدقة، وتحديد مدى شروط فعليته، وقراءة آيات الأحكام، خاصة آيات القتل ضمن الهدف الكلي للدين ومركزية الإنسان، لتفادي دوّامة العنف المشرعن. وهو ما يريده الفقيه، ومطلب الحركات الدينية المتطرفه، ليبقى سلاحا فتاكا متى اقتضت الضرورة توظيفه ضد الآخر. وبالتي لا يمكن الحديث عن مشروع مجتمع فاضل ضمن المجتمع المدني، ويبقى مجتمعا دينيا قائما على الاستبداد والعنف، يخوّل القائد الأعلى سلطات واسعة، ويسلب المعارضة حقها. وتبقى صلاحياته مفتوحة، هو يقدر المصلحة وفقا لآرائه. فما هو الحل؟

لم أستدعِ تجربة المدينة أو أي تجربة تاريخية نموذجا لمجتمع الفضيلة الذي تحدثت عنه. وقلت: إنه ليس معطى جاهزا، ولا مجتمعا ملائكيا، ولا يتوقف تحققه على وجود رمز وإمام معصوم أو شرط تعجيزي. هو تراكم قائم على التجربة وتقويم الأخطاء، وأفق مفتوح على عالم الفضيلة والسمو. أو قل: (مجتمع الفضيلة: خلاصة تفاعل المجتمع مع قيم الفضيلة، وإقامة علاقته على أسس إنسانية). وأما التجارب المجتمعية فمحكومة لشرطها التاريخي، ولكل تجربة ظروفها السياسية والاقتصادية وضروراتها واستراتيجيتها، وكيفية تمثّلها لقيم الفضيلة، فلا يمكن استعادتها أو تبنيها مطلقا، لاختلاف الظروف والرؤية المستقبلية. لكن تبقى قيم الإنسانية قاسما مشتركا معها. وعلى كل مجتمع أن يأخذ قيم الفضيلة بما هي مفاهيم، لا بما هي تجارب عملية، تفرض نموذجها التاريخي علينا. أو بشكل أدق نسلب السيرة إطلاقاتها، لتبقى المبادئ ملهمة لنا، نتمثلها وفقا لقبلياتنا وحاجاتنا وضروراتنا. وأما الأدلة فيمكن مراجعتها بمعزل عن التراث، لنفهم النص ونحدد دلالاته، وما هي إمكانية توظيفه، دون أية وصايا تاريخية. فما كان فعليا في حينه، قد لا يكون كذلك الآن لعدم فعلية موضوع الحكم، لأي سبب كان. وأيضا سندرس وفق منهج فهم النص، أسباب نزول الحكم، ومدى إطلاقه خارج مورده. هل أُخذ على نحو القضية الشرطية، أو القضية الحقيقية كما يعبّر علماء أصول الفقه، أم مجرد قضية خارجية آنية، مرتبطة بظرفها الزمكاني؟. كما أن الإنسان ومصالحه ستكون شاخصة في عملية استنباط الحكم الشرعي. وبالتالي نسعى لمجتمع فاضل، يتعهد القيم الإنسانية، وأما القيم الطارئة على التشريع الإسلامي، فلها ضروراتها وظرفها التاريخي. فهناك جهاز مفاهيمي، وقيم أخلاقية تتضمنها الكتب السماوية، تعد ثوابت الأديان، وقد لخصتها الوصايا العشرة. إضافة للأخلاق التي أكدتها الكتب المقدسة، وجميعها قيم إنسانية. أما الموقف من آيات القتال، وآية السيف التي تشبثوا بها لنسخ جميع آية الرحمة والتسامح، يمكن معالجتها من خلال النقاط التالية، وفقا لرآي الكاتب ووجهة نظره واجتهاده، والكلام مفصل في كتاب تحديات العنف، يمكن مراجعته للاستزادة:

اولاً: إن إسلوب الدعوة في الإسلام قائم على الحكمة والموعظة الحسنة: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)، فيكون أصلا عند الشك والاختلاف. لتوقف صدقية إيمان الفرد على قناعة تصل حد اليقين، لذا لا يؤاخذ على قناعته، وهذا ما تعنيه آية: (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا)، فمن آمن فقد اهتدى، ومن كفر، فعقابه أخروي لا دنيوي، لا يجوز مصادرة حريته أو معاقبته. والكافر هو: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا). وما دونه مرحلة تردد، حالة طبيعية للإنسان حينما يواجه موقفا عقائديا جديدا لا عهد له به، يستدعي التخلي عن دينه ودين آبائه الذي نشأ عليه. يطرح الفقهاء في مسائل الردة، مسألة غريبة، لو أن شخصا آمن ثم ارتد ثم آمن وهكذا مرات عدة، خلال دقائق، وعلى رأسه السيف هل يقتل؟. أقول أية عقيدة هذه؟ وأي دين لا يسمح للناس بتأمل عقائدهم؟ العقيدة ورسوخها أمر معقد جدا، تتطلب زعزعتها فضلا عن التخلي عنها، قلق ومعاناة حقيقية، ووقتا طويلا. لكنه فقه السلطة، وإرادة السلطان، وبؤس المسلمين.

- السلم هو الأصل في علاقة المؤمنين مع غيرهم: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ). ولا تهدر كرامة من أنكر وتولى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ).  والحرب استثناء للدفاع عن النفس: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) شريطة عدم الاعتداء: (وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ)، والاستجابة لأية مبادرة سلمية: (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، بل ويجب الاستجابة للسلم حتى مع احتمال الخديعة: (وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ). وترى الآيات تشجع الطرف الآخر على الجلوس للصلح: (قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ).

- التميز بين المرحلة المكية والمرحلة المدنية. الأولى، مرحلة الدعوة وبيان قيم الرسالة، وهي أصل وأساس قيم الدين الحنيف، بينما مرحلة المدينة مرحلة استثنائية بخصوص أحكام الجهاد.

- إن موضوع الجهاد ردع أعداء الدين، وحماية رسالته: (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ). (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه). وعندما تنتفي مبررات القتال ينتفي الوجوب. أو ما يعبر عنه الفقهاء بالدفاع عن بيضة الإسلام، عندما يكون ذات الدين في خطر، فيهب المسلمون كغيرهم من الأديان للدفاع عن دينهم خوفا من اجهاض تجربتهم الدينية، وهو عصر الرسالة تحديدا، وبدايةعصر الخلفاء. والدين هنا بمعنى قيمه ومبادئه وثوابته، فالهجوم على أي كيان سياسي مسلم لا يعني هجوما على الدين، بل هي صراعات مصالح ونفوذ. لقد أعلن القرآن النصر، واستمرت الدعوة بسلام. وانتفى موضوع القتال. وكل توظيف للدين في مسألة القتال مخالف لله ولشريعته، والكتب حكم بينكم.

- الجهاد حكم شرعي له موضوعه وشروطه وقيوده الخاصة أسوة بغيره من الأحكام الشرعية. تتوقف فعليته على فعلية موضوعه، التي تتوقف فعليتها على فعلية موضوعها، المتوقف (أي الموضوع) بدوره على مجموعة قيوده وشروطه. وما لم يكن الموضوع فعليا، لا يكون الجهاد، بمعنى القتال، فعليا. وموضع الحكم خصوص الدين عندما يتعرض لعدوان يهدف قمعه واجهاضه.

-  لا مبررا شرعيا للجهاد بمعنى القتال، بعد إعلان النصر، واتساع الفتح ودخول الناس في دين الله أفواجا: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا). واكتمال الدين: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا). وبإمكان المسلمين اليوم الدعوة إلى دينهم بعيدا عن العنف والسلام، من خلال وسائل الاتصال الحديثة، وما اتاحته التكنلوجية الرقمية من فرص الدعوة للدين بأساليبه السلمية الثابتة قرآنيا. وقبل كل هذا الدعوة من خلال سلوكهم وحسن تعاملهم وأخلاقهم، ليكون دالا عليهم. وأما أسلوب العنف الذي ارتكزت له الحركات الإسلامية المتطرفة، وخاصة داعش والقاعدة واخواتهما، فهو توظيف للدين سياسيا، بدعوة توقف تطبيق الشرعية ونشر الإسلام على قيام دولة دينية، تمسك بزمام الأمور، فاستباحوا دماء المسلمين قبل غيرهم،  وشوهوا سمعة الدين بسلوكهم وتصرفاتهم وهتكهم الأعراض، خاصة غير المسلمين.

- الدفاع عن النفس، أمر مشروع لكل إنسان، وأمر فطري لدفع الضرر. بينما الجهاد شرع لحماية الدين والدفاع عن الرسالة، التي انتصرت أخيرا، واستطاعت أن تمتد وتتوغل في عمق المجتمعات العربية وغير العربية. وبات الصعوبة بل المستحيل اجهاض الدين بعد أن بلغ المسلمون أكثرمن مليار. وانتشاره في جميع بقاع العالم.

-  إن جماعة المسلمين بعد اكتمال الدين يخضعون لضوابط واعراف أي مجتمع يريد لنفسه العزة والكرامة، فمن حقه الدفاع عن نفسه، وصيانة عرضه وماله متى داهمه خطر. ولا حاجة لاستغلال الدين وأحكامه الشرعية لتحريك الدوافع القتالية عند الناس، أو توظيفها لأغراض سياسية. من هنا يجب البحث في شرعية المعارك التي خاضها الخلفاء الراشدون باسم الدعوة إلى الإسلام، هل حقا إن الدين أمرنا باجتياح البلدان الأخرى بحجة نشر الإسلام؟ أم هو تصرف شخصي من قبل الخلفاء، وضرورة لاشباع حاجات الدولة الجديدة؟. وبالتالي، فإن معارك الرسول معارك رسالية، لحفظ الدين والدفاع عنه، وغزوات ما بعده قرارات دولة ومصالح سياسية. والفارق بين الدعوة الدينية والقرارات السياسية كالفارق بين السماوي والبشري.

- المعارك والحروب التي وقعت عبر التاريخ كانت معارك سياسية، استُغل الدين فيها لتحريك مشاعر المسلمين ودفعهم باتجاه المشاركة في القتال، يتحمل مسؤوليتها من قادها، ومن كان يرفع شعار الجهاد وقتال الأعداء، رغم استثنائيته ومنافاته لأسلوب الدعوة وعدم فعليته بعد انتصار الرسالة. وقد شرعت لوقائع محددة، لردع عدوان العرب وقريش ضد المسلمين. بمعنى أدق، لولا الاحتكاكات المستمرة بين الطرفين لم يكن هناك موضوع لتشريع حكم الجهاد، فيبقى الأصل هو الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة. أي دعوة سلمية، وجدال بالتي هي أحسن.

اتضح مما تقدم ثمة قيم ومبادئ دينية وإنسانية هي التي تربطنا بالتجارب التاريخية، لنتمثلها من خلال تجربتنا وشروطنا التاريخية. ويمكن استخلاص القيم التالية، من خلال التجربة النبوية، باعتبارها امتثالا عمليا وتطبيقيا للقيم القرآنية والإنسانية.

1- الإنسان أولا وقبل كل شيء، كما مرّ بيان جملة آيات تؤكد التراحم الإنساني، دون اشتراط صحة عقيدته أو إسلامه.

2- الاعتراف بالآخر: قيمة أخلاقية ودينية، مهما كان مختلفا، ما لم يصل حد العدوان والظلم والجور، يشهد لهذا قوله: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ). فدعوتهم اعتراف بهم. وفي قوله: (فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ). والآيات هنا محكمة، ترسم سياسة الدين، وليس آيات متشابهة، كي يقال أنها تعكس بداية الدعوة وحال ضعف المسلمين أمام الآخرين. الآية المحكمة تكون حاكمة على الِآية المتشابهة. (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ).

3- السلم: أصل في حالات الحرب. ويجب الاستجابة لكل بارقة سلم، وإن كانت الخديعة محتملة فيها.

4- حرية العقيدة مطلقا، ولا تترتب أية عقوبة دنيوية على من كفر أو ارتد: (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ).

5- منظومة القيم الأخلاقية في القرآن منظومة قيم إنسانية، ينبغي لمجتمع الفضيلة تمثلها وفقا لشرطه التاريخي، شرطا لصدقية المفهوم عليه.

وأخيرا: ليس الدين سوى قيم ومبادئ تقصد سعادة الإنسان، متى تحققت خارجا تحقق هدفه، وليس هناك صيغة ثابتة، بل تخضع المجتمعات للمؤثرات الزمكانية، والتحولات الاقتصادية والبيئية. وتتأثر بالفتوحات المعرفية، والتقدم العلمي والتكنلوجي، وعلى المجتمع ليبقى حيا نابضا مواكبة التطورات، من أجل سعادة الفرد والمجتمع.

 

يأتي في الحلقة القادمة

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi10احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والسبعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

مثالية المجتمع

ماجد الغرباوي: إن صدقية أية معالجة اجتماعية ترتهن لواقعية حلولها، وقدرتها على تحقيق سعادة الإنسان، مهما اختلفنا حول مفهومها، هل هي مادية أم روحية أم كلتاهما؟. فكان لكل نظام فلسفته ونظرياته لمعالجة المشكلة الاجتماعية وتحقيق السعادة، بعض منسجم مع مثاليته، غائب عن الحياة، تبقى نظرياته طي الكتب. وآخر يواصل ترميم نظرياته، سعيا لتحقيق سعادة شعبه، حتى تداركت بعض الدول الرأسمالية التفاوت الطبقي بالتأمين، ورفع المستوى المعاشي للشعب، حفظا لكرامة الإنسان. وبالتالي يخفق من يجانب الواقع في حلوله أو يقفز فوق نزعات الإنسان الفطرية، كارتهان سعادته في النظرية الماركسية لإلغاء الملكية الشخصية مطلقا، أو تعويلا على اندثار حب الذات وهو شيء فطري، يمكن تهذيبه وصقله وترويضه، ويستحيل تلاشيه، فكيف ترتهن سعادة الإنسان لإلغائه. وثمة من يفرّط بالجانب الروحي وثانٍ يؤكد على دوره في تقويم السلوك البشري، من خلال روح التقوى والشعور بالمسؤولية الدينية إضافة للمسؤولية الأخلاقية، فيكون شعورا مضاعفا، يعزز قيم الخير والمحبة والسلام. ويساهم في ترسيخ الأمن والاستقرار.

والسؤال عن مدى واقعية مجتمع الفضيلة؟ وهل ثمة تجربة بشرية عاشت بالفعل هذا اللون من المجتمع؟ وهل يصدق مفهومه على تجربة النبي في المدينة؟ وأين ذهبت النزعات العدوانية في الإنسان، وأين اختفت دوافع العنف والظلم والعدوان؟ هل يمكن اندثارها داخل مجتمع الفضيلة؟ هل كان الطرح طوباويا، يحلق بعيدا عن الواقع؟. أين المسلمون خلال 1400 سنة عنه؟ ولماذا تلوّن التاريخ بلون الظلم والعدوان والجور والفسوق والدماء البريئة؟ ولماذا اقتتل الصحابة قبل غيرهم؟. كل هذه الأسئلة وغيرها مشروعة، تستدعي إجابات واضحة، في سياق الحديث عن مجتمع الفضيلة كهدف أساس للدين، كي يكون واقعيا في حلوله للمشكلة الاجتماعية. وكان سياق السؤال عن مدى قدرة مجتمع الفضيلة على ديمومة قيمه؟. وهل يتمتع بمقومات ذاتية لضمانها؟ أم تتوقف ديمومته على الإمامة، ووجود إمام معصوم خاصة؟. وقد ذكرت خلال إجابتي مجموعة وسائل تضمن للمجتمع ديمومة قيمه متى تمسك بها، فتكون الإمامة والرئاسة والقدوة الصالحة منبثقة عنها، بمعزل عن أي وصايا خارجية، لتوقف شرعية الإمام على بيعته. وهو منهج أسس له الرسول ومن ثم الصحابة، وقد أحتج الإمام علي على معاوية بالبيعة، كما جاء في خطبة مرّ ذكرها. وأكد له أنه ذات المنهج الذي ارتكز له من سبقه من الخلافاء. وبالتالي الإجابة على السؤال يتوقف على مفهوم الفضيلة.

مفهوم الفضيلة

والسؤال ما المقصود بمجتمع الفضيلة؟ هل هو مشروع ناجز ومعطى نهائي أم تجربة تاريخية تراكمية؟ هل هو مجتمع منفتح على أفاق الحياة والتحولات، أم منغلق على نفسه قد يتآكل دوغمائيا؟ هل هو استنساخ لتجربة تاريخية أم تجدد مضطرد؟. وغيرها من استفهامات، لنفهم حدود الممكن والمستحيل، كي لا نشط في الخيال بعيدا عن  واقع الإنسان وقابلياته وقدراته، فيكون من باب التكليف بما لا يطاق، مرفوض عقلا وشرعا.

لم تكن مثالية المجتمع فكرة طارئة، بل أمنية إنسانية، بقيت حلما يراود قلوب المعذبين، وملاذا يوتوبياً هربا من حجيم الواقع ومعاناته. تمناه الحكماء، ونظّر له الفلاسفة والمفكرون: إفلاطون في مدينته الفاضلة، والفارابي في "آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها"، ويوتوبيا توماس مور البريطاني، وأم القرى عبد الرحمن الكواكبي، والحياة في ظل المهدي الموعود. وانشغلت به أقلام كثيرة، دون أن يتأثر بها الواقع، سوى جهود كلما تضافرت نسفها الجور والعدوان والظلم. والواقع يضج بالمآسي والحرمان وانتهاكات حقوق الإنسان، والسماء تبكي لدماء الأبرياء، وأوجاع المعدمين والمهمشين.

وماذا عن الأديان والإسلام بخاصة؟

لا يوجد حديث مباشر وصريح في الكتب السماوية عن مجتمع الفضيلة، بما فيها القرآن. وقد أحالت آيات الترغيب والترهيب على اليوم الآخر، جزاء لعمل الإنسان: الفوز والسعادة هناك.. الجنة والرخاء والاستمتاع هناك.. الرفاهية الحقيقية هناك.. المؤمن يكد ويتعب ويضحي ليلاقي جزاء عمله هناك: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)، (وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ). والآيات كثيرة، جميعها يؤكد الجزاء الأخروي، ولم يتحدث عن مجتمع الفضيلة بالصورة التي طُرحت.

وأكثر من هذا: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ). (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ). (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ). ولا أجد في آية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)، إشارة صريح لمجتمع الفضيلة. وقد يراد بـ"يحييكم": إحياء القلوب وقيم الخير. أو الحث على الجهاد، لاختصاص الخطاب بالمؤمنين، وقوله: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ). ومن يُقتل في سبيل الله يواصل حياته في الآخرة. أو أن في التزامكم بما يدعوكم له، ديمومة حياتكم. ولعل هذا أقرب للفهم.

وكل ما تقدم صحيح، وفقا لظاهر الآيات وأقوال الفقهاء والمفسرين،  والأمر يختلف وفق منهج فهم الكتاب. إن روح القرآن وسياقاته ومفاهيمه وتشريعاته وأخلاقه جميعها دال على إرادة مجتمع فاضل، لخصته آية: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، وإن لم تصرّح. أو أشارت له ضمن مفاهيم أخرى. لا معنى لسيادة العدل والإحسان واختفاء الفحشاء والمنكر سوى تحقيق العدالة الاجتماعية، وبناء حاضنة اجتماعية صالحة لنمو قيم الفضيلة والقيم الإنسانية. وقد مرّ الكلام عن العدالة الاجتماعية مفصلا ضمن ملاكات الأحكام، التي أسميتها بملاكات الجعل الشرعي تمييزا لها عن ملاكات مقاصد الشريعة. وبالتالي فإن الالتزام الفعلي والتخلّق بأخلاق القرآن. أو التخلّق بأخلاق الله هو الذي يحقق وجود مجتمع الفضيلة، وليس التمنيات والمعجزات، إنه شأن بشري، ومن مسؤولية أفراد المجتمع أنفسهم: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ). فالالتزام يخلق مجتمعا فاضلا، خال من الظلم والعدوان، تتكافأ فيه الفرص، ويسوده العدل والأمان. يؤكد هذا الكلام وجود أكثر من خمسين آية ربطت بين الإيمان والعمل الصالح، وهو مفهوم فضفاض، لا يتوقف على حدود العبادات، بل كل عمل تترتب عليه منفعة اجتماعية ويثري قيم الخير والمحبة والوئام والسلام، يُعد عملا صالحا، قد تمتد منفعته لصالح البشرية جمعاء. وليس مجتمع الفضيلة سوى فعلية القيم الإنسانية، وخروجها من القوة إلى الفعل، من المفهوم للمصداق، من التصور للتصديق. وهذا هو معنى مجتمع الفضيلة، مجتمع ممكن، مرن، يتقبل كل ما يثري قيمه الأخلاقية والإنسانية، يتأتي بتقويم تراكم التجربة البشرية، التي تسعى لتحقيق السعادة. فهو ليس مجتمعا خياليا لا يتحقق إلا بمعجزة، كما نقرأ عن مبررات ظهور المهدي في النظرية العقدية الشيعية التي ارتهنت كمال المجتمع وسعادة الحياة لظهوره ولازمه عدم التعويل على أية تجربة حياتية، رغم ثراء التجارب الاجتماعية في العالم. وهذا من ترسبات ثقافة التراث، ومحض خيال لذيذ وملهاة للكسل والاتكالية. لم أقصد بمجتمع الفضيلة، صيغة رومانسية تتعطل فيها الحياة، على غرار جنات الخلود، التي تتحقق فيها رغبات الفرد بدون عناء. قطوفها دانية، (مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا، وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا، وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا، قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا، وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا، عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا، وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا، وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا، عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا). بل هو مجتمع الجد والاجتهاد والعمل والهمم العالية، القادرة على كبح جماح الشهوات والرغبات اللامشروعة. مجتمع إنساني، يرتهن تحققه لإرادة الإنسان، ومدى قدرته على تعهد قيم الفضيلة سلوكا وعملا. هو صيغة ممكنة، مرنة، لا مستحيلة ولا خيالية. وسعادة الإنسان فيه نسبية، تختلف باختلاف الظروف الاقتصادية والفكرية والثقافية والموقع الجغرافي وثروات البلد وعلاقاته، وفهم المجتمع لمعنى السعادة. غير أنها تحفظ كرامة الإنسان، وحقوقه الطبيعية العادلة.

ليست الفضيلة إدمان العبادات على حساب الجد والعمل والعطاء، إنها حركة ترفع الفرد لمستوى المسؤولية. غير أن بعضهم يرتهن وجود مجتمع الفضيلة لوجود رمز تاريخي أو ديني، أو الإمام في النظرية  الشيعية، حدا لا يعرف المتكلم ما هي خصائصه، سوى وهمٍ يملأ فضاء مخيلته، فيشعر بسعادة عند الحديث عنه، ويمنيّ النفس بإدراكه. "يوما حدثني شخص عن شوقه المرير لظهور المهدي ودولته دولة العدل والإنصاف!!. فسألته عن سبب الانتظار؟ قال: أنتظر سيادة العدالة بعد اختفاء الظلم، والحصول على حقوقنا والمحافظة على كرامتنا وحيثيتنا، بعد تلاشي مظاهر الفقر والعوز، وتحقيق الضمان الاجتماعي والأمني. فقلت له: مطالب مشروعة، لكن أسألك أليس كل ما تطلبه تعيشه الآن فعلا وعملا في أستراليا؟ هل ما حققه هذا البلد كان على يد المهدي أم على يد شعب ناضل وحقق كل هذه المعجزات؟ أليس لديك ضمان اجتماعي وصحي، وحرية كاملة للعقيدة والرأي والتعبير، وتداول سلمي للسلطة؟. لا استبداد، لا دكتاتورية، تقف أنت والحاكم معا أمام القضاء .. فبهت الرجل كأنه لم يعلم بهذا من قبل!. لكنه لم يسكت، فقال هذا صحيح، لكن ما سيحصل مع المهدي شيء آخر. طالبته بالتوضيح، فراح يتعثر بكلامه لا يدري ماذا يقول. لم أتفاجأ بارتباكه، وتفهّمت موقفه جيداً: (الاعتراف بالحقيقة يقتل الأمل). والإنسان مستعد للتضحية من أجل بقاء الأمل شعلة وقاّدة في نفسه..". (أنظر كتاب: مدارات عقائدية ساخنة).

المجتمع المدني

أخلص أن مجتمع الفضيلة الذي نحن بصدده، ليس معطى جاهزا، ولا مجتمعا ملائكيا، أو يتوقف تحققه على وجود رمز وإمام معصوم أو شرط تعجيزي. بل هو تراكم قائم على التجربة وتقويم الأخطاء، وأفق مفتوح على عالم الفضيلة والسمو. يتمثّل لتحقيق هدفه قيما أخلاقية ومعايير إنسانية: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). ويجعل من الأخلاق والقيم الروحية قاعدة لحركة المجتمع، على الأصعدة كافة. ويحرص على توازن سلوكه من خلال الموازنة بين القيم الروحية والمادية. كل هذا من أجل سعادة الشعب وفقا لرؤيته العقدية ونظرته الكونية. وليس الدين سوى قيم ومبادئ تقصد سعادة الإنسان، متى تحققت خارجا تحقق هدفه، وليس هناك صيغة ثابتة، بل تخضع المجتمعات للمؤثرات الزمكانية، والتحولات الاقتصادية والبيئية. وتتاثر بالفتوحات المعرفية، والتقدم العلمي والتكنلوجي، وعلى المجتمع ليبقى حيا نابضا مواكبة التطورات، من أجل سعادة الفرد والمجتمع. وبما أن السعادة هي الهدف الأساس لمجتمع الفضيلة، لذا  أجد في المجتمع المدني والمجتمعات الحضارية المعاصرة، مصداقا لمجتمع الفضيلة، بالمعنى الذي تقدم. باعتباره خلاصة تجربة بشرية بعد معاناة طويلة مع الاستبداد والظلم والجور، وارتكازه على مبادئ حضارية تمنحه قدرة على مقاومة التحديات، ومواصلة طريق التقدم والسعادة. وأقصد بالمجتمع المدني معناه الاصطلاحي في الفكر السياسي. رغم أن وصفه بالمجتمع العصري أكثر تعبيرا ودقة، لصدق مفهوم المجتمع المدني على جميع المجتمعات بعد خروجها من حالة التوحّش، رغم عدم انطباق المفهوم الاصلاحي على بعضها، وهي للتخلف أقرب من المدنية والتحضر، بفعل الاستبداد والعنف وتداعياتهما الواسعة. وأيضا، أن الكلام هنا عن المجتمع المدني، مجتمع المؤسسات، لا عن حكوماته، التي لها استراتيجيتها في التعامل مع القضايا الدولية وفقا لمصالحها، وقد تتجاوز في مواقفها جميع حقوق الإنسان، ويكفي أن بعض الدول الديموقراطية تبيح لحكوماتها استخدام الأسلحة المحرمة والفتاكة. وتسمح بالتدخل في شؤون دول أخرى وفرض الوصايا عليها، بل حتى استعمارها كما حصل مع العراق بعد سقوط النظام السابق. نحن نخص الكلام بالمجتمع المدني والمبادئ التي يقوم عليها.

وأما تاريخيا فإن عددا من الباحثين يرى أن المجتمع المدني جاء نتيجة طبيعية لتطور المجتمعات الإنسانية، حيث مرَّت البشرية خلال مسيرتها الطويلة بعدة مراحل: المجتمع البدائي (مجتمع الصيد وجمع الغذاء)، المجتمع الزراعي (المجتمع الانتاجي)، المجتمع الصناعي .. وفي كل مرحلة ينتقل المجتمع إلى مستوى أكثر تعقيداً من الناحية الاجتماعية والتنظيمية. كما أن الدول تصبح أكثر تطوراً في المرحلة التالية فتعجز عن تلبية جميع المتطلبات الاجتماعية منفردة. فالمجتمع المدني يقوم عبر مؤسساته بدور الوسيط بين الفرد والدولة، وينهض بمهمة تنظيمية داخل المجتمع نفسه. وعليه سوف لا يكون المجتمع المدني طبقاً لهذه الرؤية سوى صيغة عقلائية لتنظيم المجتمع وعلاقته بالدولة . أما الصيغة المترشحة عن القيم الليبرالية، فإنها تضع المجتمع في مقابل الدولة. والدولة تكون جهة محايدة ازاء المجتمع تقوم بتطبيق القوانين المترشّحة عن إرادته. على أن يتمتع الفرد في ظله بحريات واسعة جداً، وتكون الممارسة الديموقراطية ممارسة حقيقية عبر المؤسسات المدنية (كالأحزاب والجمعيات وغيرهما). كما أن الدولة فيه علمانية لا تخضع لرادة المؤسسات الدينية. وفي هذه الحالة، لا يمكن فصل المجتمع المدني عن بطانته القيمية ومبادئه الفلسفية، وستكون استعارة المصطلح لتبيئته في الوسط الإسلامي غير ممكنة، لأنه وليد بيئة أخرى ونتاج ثقافة لا تمتُّ إلى واقعنا بصلة. فلا تنفع معه عمليات التوليف والممازجة، لاختلاف المبادئ الفلسفية والقيمية بين المجتمعين. والصيغ التلفيقية مرفوضة لأنه تشوّه أداء السلوك الاجتماعي. لكن المجتمع المدني، رغم هذا الشرط، يبقى صيغة عقلائية لتنظيم المجتمع يمكن أن تتحرك في أي إطار قيمي وأخلاقي، تارة في إطار القيم الليبرالية ويؤدي وظيفته الاجتماعية، ومن الممكن أن يتحرك في إطار قيم روحية ودينية وأخلاقية، فلا يكون تلفيقا حينئذٍ بل تقويما، كما لو تداركت الدولة التفاوت الطبقي بالتأمين، أو منح الدولة هامش أكبر من السلطة، شريطة عدم المساس بمبادئ المجتمع المدني. (أنظر: كتابي إشكاليات التجديد / المجتمع المدني).

وبالتالي أجد في قيم المجتمع المدني مبررا لجعله مصداقا لمجتمع الفضيلة بالمعنى المتقدم، لا بالمعنى الدوغمائي. لصدقية مبادئه حضاريا وإنسانيا، وهو غاية ما يطمح له الإنسان. باعتباره مجتمعا حرّا، لا يجافي الأخلاق أو القيم الإنسانية، وترك الباب مفتوحا للقيم الروحية، دون أية وصايا مسبقه. وعلى هذا الأساس يمكن لأي مجتمع تعهد ذات المبادئ والقيم، وتبيئتها ضمن حاضنته الاجتماعية ونظامه الأخلاقي، بذات شروطها الثقافية المتقدمة. وأما الصيغ التلفيقية فتخرج عن عنوان المجتمع المدني. وهذا يستدعي مرانا على قيمه وثقافته، تمهيدا لتبيئته. فالخطوة الأول فهم قيم المجتمعات المدنية، وإعادة النظر في ثقافتنا التي ارتكزت للعنف والفرز الديني والطائفي القائم على تكفير الآخر ونبذه. ومثال ذلك أن المجتمع المدني مجتمع ديموقراطي، يؤمن بالتعددية والمواطنة وحقوق الإنسان والحرية الشخصية، وما لم تلتزم بكل  شروطه لا يصدق عليك مفهوم المجتمع المدني، فتنهارفضيلة قيمه. وبالتالي فإن المجتمع المدني يقوم على مبادئ، يمكن تطويرها لتفادي أي احتكاك ديني وأخلاقي شريطة عدم الإخلال بجوهرها:

-  الحريات الأربعة: السياسية والاقتصادية والفكرية والشخصية. وأي مساس بهذه الحريات، يعد خرقا لمبادئه. فهل يمكن للفرد الإعلان عن قناعاته الفكرية والعقدية في مجتمعاتنا المحافظة، ويعارض علنا المرجعيات الدينية أم يصنف كافرا، يقام عليه حد الكفر بالله ورسوله؟. وهنا ينبغي التمييز بين المبادئ والضرورات الأمنية. فتجد الدول الغربية تمنع منعا باتا إهانة المقدسات، وإثارة النعرات حفاظا على الأمن المجتمعي، فمن حيث المبدأ لا يوجد مانع وقد ذكر القرآن جميع شبهات المعارضين والكافرين. وبالتالي للنظام كنظام ضروراته.

- الديموقراطية: القائمة على التعددية والانتخابات والتبادل السلمي في السلطة والمواطنة وحقوق الإنسان. وأي نظام لا يؤمن بالتعددية يخرج عن كونه نظاما ديمقراطيا، مهما كانت مبررات التمييز، عنصرية أم دينية أم أثنية. والكلام هنا عن صدقية المصطلح. فكثير من ديموقراطيات الشرق أوسطية ترفض التعددية الحقيقية وتكتفي بالانتخابات والديموقراطية الشكلية، وتنقلب على الدستور ونتائج الانتخابات. وهنا لا يصدق المفهوم، لأن الانتخابات أحد تمظهرات الديموقراطية، لا تمام حقيقتها. أما حقيقتها فهي التعددية بكل ما تعني من اختلاف الرأي والتوجهات، ولا يصدق بدونها مفهوم الديموقراطية الحقيقية. التعددية اعتراف صريح بالآخر، وحقه في التعبير عن رأيه ومعتقده وتوجهه السياسي ومعارضته داخل البرلمان، وحقه في استلام السلطة. ويكاد يكون هذا غائبا في غير الدول الديموقراطية، بل ويلتفون قانونيا على التعددية، تحت مختلف الذرائع، كأن يضعون شرطا للمشاركة الساسية. كما في إيران تعتبر الإيمان بولاية الفقيه شرطا أساسا للمشاركة السياسية، وبخلافه يحرم المرشح من المشاركة في الانتخابات،  وليس الأمر مقتصرا على إيران بل غيرها من الأنظمة الشمولية والطائفية والحزبية.

- العلمانية: لا بالمفهوم الخاطئ لها، بل بمعنى فصل  الدين عن الدولة، وليس معاداة الدولة للدين كما هو شائع. العلمانية تريد إبعاد الدولة عن كل وصايا باستثناء حق الشعب في تقرير مصيره ومسؤوليته عن تشريع قوانينه. إن فصل الدين عن الدولة بات مطلبا تتوقف عليه الدولة العصرية، بعد تجارب الدول الدينية، وما تمخض عنها من استبداد سياسي، ومصادرة للحريات الشخصية، وقمع المعارضة. فالعلمانية ترفض توظيف الدين لمصالح سياسية، وتحافظ على قدسيته، كحق مشروع لجميع الأفراد. وترى أنه تجربة روحية وعلاقة بين الفرد وربه، وينبغي أن يبقى كذلك.

- التسامح: الحقيقي، الأساس الفلسفي للتعددية. وليس التسامح الشكلي القائم على المنّة والتفضّل، يد عليا ويد صغرى. ومعنى التسامح الحقيقي اصطلاحا كما قررته في كتابي التسامح ومنابع اللاتسامح: (الاعتراف بالآخر وحقه في التعبير عن رأيه وعقيدته. والتعصب هو رفض الآخر وسلبه حق الاعتقاد وحق التعبير عن رأيه). وبشكل أدق، الاعتراف بالآخر والتعايش معه على أساس حرية العقيدة وحرية التعبير، لا تكرّما ولامنّة، وإنما حق على أساس نسبية الحقيقة وتعدد الطرق إليها. وعدم وجود حق مطلق لدى طرف دون آخر. وأن الحقيقة موجودة (بمعنى محتملة) لدى جميع الاتجاهات الدينية والعقدية على أساس وحدة الحقيقة وتعدد التجارب الدينية، فيكون لكل فرد حقه في الاعتقاد وحقه في التعبير عن رأيه، وليس هناك ما يبرر احتكار هذا الحق لجهة دون أخرى. فقبول الآخر، وفقا لهذا الرأي حينئذٍ، ليس منّة، بل واجبا تفرضه الحرية الشخصية. وهو حق يرتكز أساسا الى القول بنسبية الحقيقة، التي ترى أن لها وجودا نسبيا لدى جميع الأفراد، ولا مبرر حينئذٍ لدعوى احتكارها والتفرد بها، ولا مبرر، أيضا، لاعتبار قبول الآخر والتعايش معه منّة وتكرّما، واعتبار قبوله قيمة أخلاقية، بعد تبدد مفهوم الحقيقة المطلقة وتلاشي دعاوى احتكارها والاستئثار بها. وسيكون قبول الآخر على أساس اشتراكه في وجود الحقيقة. أي تبقى الحقيقة محتملة في جميع الأطراف. وبالتالي فمن الواجب قبولك للآخر والتعايش معه. إذ مقتضى كون الحقيقية نسبية تفرض على كل فرد وجوب الاعتراف بحقه في اختيار عقيدته وحريته في التعبير والدفاع عنها، أي ما يقع ضمن دائرة حريته الشخصية.

فالتسامح الاصطلاحي إذاً: "الاعتراف بالآخر وحقه في التعبير عن آرائه ومعتقداته اعترافا حقيقيا، على أساس نسبية الحقيقية، وتعدد الطرق لها لا تفضّلا ولا منة".

يأتي في الحلقة  القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi9احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والسبعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

ماجد الغرباوي:

2- العرف العام:

العرف العام رهان ثانٍ للرقابة القانونية، ورابع وسائل ديمومة قيم الفضيلة. يقصد به: "منظومة قيم أخلاقية عرفية ملزمة، تضبط سلوك الناس، ومستوى انتمائهم". أو التزامات متفق عليها ضمنا بين أفراد المجتمع الواحد، كسلطة عرفية، قانونية، يتعهدها الجميع، لتفادي التهميش، وتأكيد انتمائهم. ذلك الهاجس النابع من عمق المشاعر الاجتماعية لدى الفرد، ورغبته في التوحد مع أبناء جنسه، حينما يشعر بالاغتراب بعيدا عنه. إذ قديما اعتبروا الإنسان اجتماعيا بطبعه. يبحث عن كل ما يعمّق روح الإنتماء، ويلوذ بكل ما يساعده على وعي العلاقة اجتماعيا، كي يألف حضوره، ويؤكد ذاته، ويكف عن عزلته، التي تعني موته اجتماعيا، مادام تأكيد الذات لا يتحقق إلا من خلال وعي الآخر. وهذا سبب اهتمام الإنسان بالعلاقات الاجتماعية، حيث يجد فيها ذاته. وليس كالمناسبات والطقوس والشعائر الدينية والأعراف والعادات والتقاليد، أداة أمضى في قدرتها على تعميق روح الإنتماء للجماعة. حيث تعمل على حماية وتحصين الذاكرة المشتركة للشعوب والجماعات البشرية، التي لها دور أساس في تعميق روح الإنتماء. فحماية الذاكرة المشتركة من الإنقراض ضرورة اجتماعية، نحن نعيش تجلياتها، حينما نشعر بانتمائنا المشترك للتاريخ والأحداث الكبرى. فهي جزء الهوية، وأحد معالمها. لهذا تسعى الشعوب لترميم ذاكرتها المشتركة، وتحفيز التلاحم معها. (انظر كتاب: النص وسؤال الحقيقة). وبالتالي فالأعراف والتقاليد  ضرورة يتوقف عليها تماسك المجتمع، لا تختص بشعب دون غيره، مهما تفاوتت درجة الالتزام وضوابط الأعراف والتقاليد، رغم نسبيتها من حيث انتسابها لقيم الفضيلة. وما تراه صالحا قد يراه الآخر تخلفا وبالعكس. لذا نستوعب محدداتها ونلتزم بشروطها.

والأعراف أو ما تعارف عليه الناس، مرجعية قانونية يحتكم لها القضاء مع عدم وجود نص دستوري أو قانوني فضلا عن احتكام الناس لها في منازعاتهم وتسوية خلافاتهم. وقد حث الكتاب على الالتزام بالعرف في بعض الموارد: كقوله: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ). فالعرف يحقق رضا الناس وإن لم يحقق عدالة كاملة. ويساهم في استتباب الاستقرار الاجتماعي، من وحي قواسمهم المشتركة، التي من أبرز مصاديقها الأعراف الاجتماعية، التي تحافظ على ديمومتها من خلال تعهدها، وتبقى سارية المفعول ما لم تعصف به تحولات ثقافية واجتماعية وسياسية، تقلب نمط العلاقات السائدة بين الناس، فتتمظهر ثانية ضمن نسق علاقات جديدة، تعبّر عن قيمه. العرف ينطلق من قناعات مسبقة، ثم يفرض محدداته، التي تمثّل قناعة الجميع حسب الفرض، وهذا سر مركزيتها. بغض النظر عن طبيعة تلك القناعات ومدى تماهيها مع قيم الفضيلة.

إن مجتمع الفضيلة كغيره يرتكز لأعراف تنتمي لقيمه، وتضبط سلوك الناس تلقائيا. فهي سلطة قانونية وأخلاقية تفرضها ضرورات الاجتماع البشري وحاجاته. تستمد وجودها من ثقافته وطريقة تفكيره ومصالحه. ويصدق أنها نسق يعمل ضمن مهيمن ثقافي يتولى توجيه الوعي الجمعي. بهذا نفهم أن وجودها يرتهن لمقولات أساسية راسخة، كما يرتهن لمصالح اجتماعية متبادلة. وتلك المقولات نتاج رؤية فكرية وعقدية، هي سرّ تفاوتها أخلاقيا، فمجتمع الفضيلة يسعى لسيادة قيم الفضيلة، وتأسيس أعراف كفيلة برعايتها وتعهدها، فيحصل انسجام بين المجتمع وأعرافه، أحدهما يثري الآخر. بمعنى أدق أن قيم الفضيلة ستكون رافدا لشرعية الأعراف، بعد تحريرها من سطوة الاستبداد والمصالح الشخصية، بعيدا عن الرذيلة والتهوّر الأخلاقي. فالعرف بما أنه سلطة  فوقية موجّهة، يضبط سلوك الأفراد، لتعدد روافد شرعيته: "المصالح المشتركة لجميع أفراد الشعب، الدين، السلطة السياسية، الصراع الطبقي، النظام الاجتماعي، القوة الاقتصادية، الملكية، وقيم الفضيلة". وهي تختلف باختلاف قدرتها على التأثير، سواء كانت دينية أو اقتصادية أو رمزية. وتعزز عبر منظومة الأعارف ما يوافق مصالحها ويثري رصيدها الاجتماعي، ويكون لها الهيمنة فعل مركزيتها. فتفرض التزامات اجتماعية، تتعهدها الطبقة الوسطى لضمان انتمائها وتأكيد ذاتها، رغم تمرّد بعض المهمشين والمعدمين، ممن يتساوى عندهم الانتماء وعدمه. تمردهم ليس مغامرة، فهم معدمون، لا يملكون شيئا كي يخسرونه. بينما قلق الطبقة الوسطى تجاه انتمائها، يدفع لمراعاتها، وضمان عدم سخط الطبقة المهيمنة. بهذا نفهم آلية عمل الأعراف والتقاليد، حينما يتأكد وجود الفرد بالتزامه بها، فتفرض محدداتها، وهو ما نقصده من تصنيف الأعراف ضمن وسائل ديمومة الفضيلة. الأعراف تتأثر على مدى الوقت، وقد تندثر وتحل محلها أخر، كما حصل بظهور الإسلام، إذ تأثر العرف العام بانتمائه لقيم الدين. فالأعراف والتقاليد التي كانت تفرض على الفرد التزامات دينية ومجتمعية تنتمي للشرك وعبادة الأصنام، باتت مرفوضة وفقا للقيم الجديدة، وقبل حصول أي فراغ نفسي وروحي، استبدلها بأعراف وتقاليد تنتمي لقيم الفضيلة والتوحيد.

ولكي تبقى الأعراف والتقاليد فاعلة، تفرض قيم الخير والفضيلة، ينبغي تركيز حضورها عبر مختلف المناسبات الاجتماعية. وهنا يأتي دور الإعلام والثقافة بكل تجلياتها، الشعائر الدينية، الفن، وغيرهما من مظاهر الثقافة. خاصة الإعلام من خلال الأداء التمثيلي (السينما، المسرح) الذي يحيي الأعراف والتقاليد ويجدد فيهما، يرسخهما ويصقلهما ويؤكد حضورهما، عندما يتفاعل معهما الجميع ويندفع لاحيائهما ذاتيا. لذا يحرض مجتمع الفضيلة على حماية ثقافة المجتمع، والحيلولة دون التباس الحق بالباطل كي لا يرتد سلبا على الواقع الاجتماعي. وبالتالي فإن الأعراف الاجتماعية رهان رابح في استتباب قيم الفضيلة وحمايتها، من كل طارئ يتلبس بالحق وهو باطل. وبالتالي فإن الأعراف الاجتماعية رهان رابح في استتباب قيم الفضيلة وحمايتها، من كل طارئ يتلبس بالحق وهو باطل. وبالتالي فإن الأعراف الاجتماعية رهان رابح في استتباب قيم الفضيلة وحمايتها، من كل طارئ يتلبس بالحق وهو باطل. ما لم تتحول الأعراف إلى صنمية مقيتة، تتمتع بحصانة، تضعها فوق النقد والمراجعة. فأحيانا يطغى العرف على حساب الحق والحقيقة، ويتمادى في اضطهاد الآخرين، ومصادرة حراياتهم. وبالتالي عندما تحدثنا عن العرف نقصد خصوص العرف الإيجابي الذي يثري قيم الفضيلة، ويضمن ديمومتها.

3- السلطة الحاكمة:

لا ريب بقدرة الدولة على ديمومة قيم الفضيلة، وحماية مجتمعها، عبر ما تسنّه من قوانين وأنظمة، وما تتبناه من قيم أخلاقية. وقدرة على تنفيذها بالقوة والإكراه. بل وقادرة على تقويم سلوك المجتمع، وتوجيه وعي الناس من خلال المناهج الدراسية، التربية والتعليم، وسائل الإعلام، النشاطات الثقافية. وسبق القول أن مجتمع الفضيلة يفرز سلطة فاضلة، تتبنى قيمه وتسهر على حمايتها. لذا يتعرض المجتمع لنكسة أخلاقية حينما تستحوذ على السلطة حكومة تتبنى قيما تتقاطع مع قيم المجتمع، وتفرض تشريعات تتيح  حرية منفلتة أخلاقيا. كما لو شرّعت قانونا لحماية المثلية الجنسية، التي يرفضها مجتمع الفضيلة، باعتبارها ممارسات شاذة، لا تنسجمع مع الفطرة السليمة، وتفضي لانقراض المجتمع على المدى البعيد. فهنا ترتكب الحكومة جريمة إذا وضعت القرار حيز التنفيذ، وقدمت حماية  قانونية للمثليين. هذا التشريع يقضي تدرجيا على قيم الفضيلة، عندما يبرر عمله بعنوان حقوق الإنسان. مما يؤكد مسؤولية الشعوب في انتخاب الأصلح، من يخدم مصالح الشعب والوطن، ويتبنى قيم مجتمعه، ويرفض أي تشريع يتقاطع معها. ونقصد بالقيم، خصوص القيم الأخلاقية، التي تعزز إنسانية الفرد، وتنآى به عن الظلم والعدوان واضطهاد الآخر أو إقصائه. ولا شك أن قيم الفضيلة تحد من حرية الفرد، مثلها مثل القوانين والتشريعات الحكومية، فهي الأخرى تحدّ من حرية الفرد، لتعود عليه بمنفعة أكبر. ولا يصدق هنا الاضطهاد والاستغلال، لتجرده من الظلم والعدوان، الذي يلزم منه خسارة مطلقة، وتضحية بلا تعويض، واضطهاد لصالح غيره، حينما يصادر حريته لضمان أمنه واستقراره الشخصي، كما هي سيرة الأنظمة الشمولية والاستبدادية، حيث يكون الفرد الخاسر الوحيد دائما، بينما يتمتع المستبد بجميع ثروات البلد، المادية والمعنوية، على حساب الشعب وحريته وكرامته. نحن هنا نفترض أننا نعيش في مجتمع فاضل، ونسعى لديمومة قيمه، فكان السؤال هل ثمة ملازمة بين ديمومة قيم الفضيلة والإمامة؟ وقد ذكرنا وسائل عدة لضمان ديمومة قيم الفضيلة بمعزل عن الإمامة وتبعاتها العقدية.

ثالثا: الرقابة الرمزية

يقصد بالرقابة الرمزية: رقابة تمليها كارزمية الرمز وما توحيه الفكرة الدينية والأخلاقية. لا تتمتع بسلطة مستقلة، وتنشأ تدريجيا بتفاعل المتلقي وتمثّله لإيحاءاتها. وكلما زادت قدسية الرمز وهيمنته الروحية كلما تعمّقت سلطة الرقابة الرمزية، حينما يتخذ منها قدوة ومقياسا لعمله، حدا يرتبط به ارتباطا روحيا، يقلّده في سلوكه ومتبنياته العقدية والأخلاقية. والقدوة هنا غير الإمامة، رغم أن القداسة من مقوماتها، هكذا انطباع الناس عنها. تجدر الإشارة أن قيم الفضيلة تتخذ طابعا ديناميكيا يتحكم بمشاعر الفرد، عندما يتمثلها الفرد من وحي وجود قدوة صالحة، يقتدي به سلوكا، ويهتدي به فكرا وعقيدة. خاصة أن المقدس محايدا، يتجلى من خلال وعي المتلقي، وما تمليه رغباته، فيتماهى معه، ويندك به. وهنا نستعرض مصداقين لهذه الرقابة، القدوة الصالحة، والمثل الأعلى:

1- القدوة الصالحة:

لا شك بأهمية القدوة، بمعنى وعي الدين، وفهم رسالته السماوية والإنسانية، في مجتمع جديد على الإلتزام الديني: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ). وقد جاءت الآية مطلقة، لا تقصر الهداية على أحد. بل وتفترض تعددها استجابة لظروف الناس وحاجاتهم. مهمة الرسول الكريم هي الإنذار والتبليغ، أما الهداية فلا تنحصر بشخص، ولا تختص بمصداق، ولا تتوقف على وجود إمام رغم صدقية المفهوم عليه. بل يتعدد الهداة بتعدد الأقوام، ولكل قوم هاد، مراعاة لظروفهم، وثقافتهم، وعاداتهم وتقاليدهم، ومستوى وعيهم. ويستحيل أن يحيط شخص واحد بظروف جميع الأقوام والمجتمعات، فالهداية متجددة بتجدد المجتمعات ووعي شعوبها، ويتجدد الهداة مع تجددها. الآية لم تقل لكل أمة هادٍ، كي يقتصر مصداقها على واحد بعينه / رسول، كما في قوله تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) بل قالت: لكل قوم هاد. فصلحاء أئمة الدين هداة، لكن لا يلزم تفرّدهم بالهداية. (أنظر كتاب: مدارات عقائدية ساخنة). ومن باب أولى لا يلزم عصمتهم واحتكارهم الحقيقة أو تفردهم بالخلاص، أو اتسامهم بصفات خارقة. غير أن بعضا أراد الاستدلال بآية: "إنما أنت منذر ولكل قوم هادٍ"، على ضرورة وجود إمام معصوم هادٍ، حاضر أم غائب. وبهذا الشكل يكون الإمام مرجعية لفهم النص، وتحديد دلالاته، لا يمكن تجاوزه أو معارضته، يتعهد رسالة الدين ويواصل تعهدها. وقد ذكرت أن الآية مطلقة، كما ذكرت في بحث سابق، لا يمكن ربط  فهم وتفسير وبيان القرآن الذي هو نص مقدس متحرك، يواكب الحياة والرسالة بعقل زمني محدود، "السُنة أو العترة"، والقضية مرتبطة بنظام اللغة وقبليات المتلقي. الهداية تختلف عن التبليغ. وفي كل مرحلة هناك فهم للقرآن وفقا لقبليات المتلقي وظرفه وثقافته والمهيمنات الفكرية والعقدية، ولا استثناء لأحد في هذه القاعدة، بل هي طبيعة التلقي المعرفي، وارتباطه باللغة وكيفية تكوّن المعلومة.  وبهذا نفهم أن مرجعيات فهم النص تختلف عن مرجعيات العلوم الطبيعية، كما أن الحقيقة بالنسبة للعلوم الطبيعية حقيقة ثابتة، بينما الحقيقة في فهم النص حقيقة نسبية، تتأثر بقبليات المتلقي وأيديولوجيته وزاوية نظره. (أنظر كتاب: النص وسؤال الحقيقة). بهذا نفهم أن الهداية مرنة، تستدعي شخصية متوازنة، تتمثل قيم السماء، وتواكب متطلبات الحياة، وتعيش الحاضر دون المكوث في الماضي. فيكون الحضور الفعلي شرطا في صدقية القدوة. كما أن الاستقامة هي الشرط الأساس أو تنتفي الهداية: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ)، (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ). والاستقامة تعني التقوى والورع والتعامل الحسن، بل وحتى مستوى الوعي وفهم الدين وتحديد الموقف من العقل والتراث، يدخل عندي في مفهوم الاستقامة، فالعابد الدوغمائي أشد ضررا على الدين، تنقلب هدايته سلوكا سلبيا ينعكس على الدين ذاته. وهذا القدر يحتاج إلى استعداد نفسي وتجربة روحية وثراء معرفي وأخلاق رفيعة ووعي سليم للذات والآخر، ويلزم من هذا تفاوت الهداة في استقامتهم ووعيهم، وهو أمر طبيعي، لاختلاف الناس، وتفاوت استعداداتهم الذاتية. والمجتمع المدني يحتاج لقدوة وهداة.

ثم أن ديمومة الفضيلة ترتهن، لمقومات ذاتية، تكرّس نزوع الخير، ونبذ الظلم والعدوان، ومجتمع يتعهد قيمها، تنبثق عنه قيادة تدير شؤونه بالعدل والانصاف، وهو شرط مسؤوليتها أمامه أو يفقد المجتمع شرعية محاسبتها، فينشأ الاستبداد، وتصادر الحريات. ولا يمنع أن تتلقى القيادة تربية مثالية وعناية خاصة، كما بالنسبة لصحابة الرسول، ممن عاشوا حياة فاضلة في ظل تربية النبوة، وتمثلوا قيم السماء التي هي قيم إنسانية. ولا يجوز للمجتمع التخلي عن وظيفة تقويم سلوك الخليفة / الإمام / الزعيم / القائد. وقد مارس الصحابة فعلا تقويم سلوك الخلفاء واعترضوا عليهم، وكان الخلافاء يؤسسون لمبدأ محاسبة الخليفة:  قال عمر (أيها الناس من رأى في اعوجاجا فليقومه..). وقال الإمام علي: (فَلاَ تَكُفُّوا عَنْ مَقَال بِحَقّ، أَوْ مَشُورَة بِعَدْل، فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِىءَ، وَلاَ آمَنُ ذلِكَ مِنْ فِعْلِي، إِلاَّ أَنْ يَكْفِيَ اللهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي) (الخطبة 216 في صفين). والمبرر لشرعية المحاسبة انبثاقه "الخليفة" من داخل المجتمع، فتكون البيعة عقدا بينه وبين مجتمعه، يحق لهم محاسبته حينما ينقض بنود العقد بتخليه عن تعهداته والتزاماته. كما حصل للخليفة الثالث، الذي تمت ازاحته عن الخلافة بالقوة. ولا استثناء لأحد بما في ذلك الأنبياء، غير أنهم مسددون بالوحي، وعندما يمارسون ولاية استثنائية، فهي صلاحيات يلاحقها رصد ورقابة سماوية مباشرة: (عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ)، (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ)، (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ).

هذه المقدمة تساعد على وعي العلاقة بين المتلقي وقدوته، وفك التشابك بين القدوة والقيادة / الإمامة، دينية كانت أم سياسية. ديمومة قيم الفضيلة تستدعي وجود قدوة صالحة، يهتدي بهديها الآخرون، وتغدو بفعل رمزيتها وكارزميتها وهالتها الروحية، مقياسا لعمل الخير والثبات عليه. فالقدوة مثال عملي لقيم الفضيلة، يصدق عليه دور الهداية. أو بوصلة يهتدي بها الفرد في مجتمع الفضيلة. لذا موقف القدوة حساس جدا، تسقط بسقوطه القدوة، أيا كانت اتجاهه، فهي مسؤولية أخلاقية، تترتب عليها آثار إيجابية وتداعيات سلبية. وفرق القدوة الصالحة عن الإمامة، أن القدوة لا يملك سلطة فعلية أو بالقوة، فيكون أكثر مصداقا وتأثيرا منها. لا توجد رهبة سوى اندهاش روحي وأخلاقي.

إن رغبة التماهي مع القدوة الصالحة، تراكم لا شعوري، وسلطة ينقاد لها عندما يتقمص رمزيتها، ويرتفع بها صوب القداسة، ويعيش لذة الانقياد والتماهي، بفعل المهيمن الثقافي المرتهن لإيحاءاتها، فيعيد تشكيل الوعي، ويعزز قيم الفضيلة داخل المجتمع، باعتبارها، أي الثقافة، موجها للوعي. والصلاح هنا صلاح إنساني، تتجاوب معه الروح والفطرة السليمة،  ترمم بها جروحها وتدفع بتلقيده سلوكيا.

6- المثل الأعلى:

الكلام عن المثل الأعلى يأتي في سياق الحديث عن القدوة الصالحة، كرهان ضمن رهانات الرقابة الرمزية التي يرتهن لها ديمومة الفضيلة داخل المجتمع. ويعني المثل الأعلى الارتفاع بوعي الفرد من المحدود إلى المطلق. من الضعف البشري إلى الكمال الإلهي، تقول الآية: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). فالاقتداء بالمثل الأعلى تحرير الذات عبر التماهي مع المقدس، المتعالي في انفتاح الأفق وسعته، كما في الحديث المنسوب للإمام الصادق: (تخلقوا بأخلاق الله)، وهي ميزة أخلاقية، تعزز قيم الفضيلة: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، وهو غاية ما يطمح له مجتمع الفضيلة. وتعني التخلق بأخلاق الله، التماهي معه فكريا وأخلاقيا. وتمثّل العدل والإحسان والبر والتقوى والشعور بمسؤولية سلوكا، واجتناب الظلم والعدوان بمنظور إنساني لا فقط ديني، من خلال تداعياته على الفرد والمجتمع. وبالتالي فثمة قاعدة عقدية - فكرية وراء المثل الأعلى. فيكون الاقتداء به تماهيا نابعا من أعماقه.

بهذا ننهي الحديث عن مقومات مجتمع الفضيلة ووسائل ديمومة قيمه. وكان قصد استعراضها تعزيزا لما تقدم من كلام، حينما قلت:  استمرارية الفضيلة لا تتوقف على وجود قيادة صالحة، مادامت تنبثق تلقائيا، بل تتوقف على وجود مقومات ذاتية وبيئة كفيلة بحمايتها، وهذا ما حرصت عليه الأديان السماوية وأكدتها النصوص المقدسة، من خلال وجود: رقابة ذاتية وقانونية، وثالثة رمزية، كل واحدة تؤثر من زاوية خاصة، تارة تستقل وثانية تتداخل، باتجاه هدف واحد، فيكون تأثيرها مشتركا، خلاصته تعبئة الفرد والمجتمع أخلاقيا، لحماية قيم الفضيلة وتبنيها سلوكا. ويقصدون من القيادة الصالحة، خصوص الإمامة الأعم من الخلافة، ولها شروطها التي نظّرت لها الأحكام السلطانية وفقه السلطة، غير أن الخطاب الشيعي اشترط النص والتعيين في صدقيتها، إضافة لعصمة الإمام، وجاءت الشروط لسلب شرعية الخلفاء، وانتقام الديني من السياسي باحتكار الحقيقة والنجاة. ولما تمادى خطاب الغلو، في أسطرة رموزهم، واتحد اللهوت بالناسوت راحو يبحثون لهم عن وظائف دينية شاغرة، فكانت (الولاية التكوينية، وسائط الفيض، علل الوجود)، مناصب اعتبارية تبرعية، يرفضها القرآن والعقل. وبالتالي كان ينبغي معالجة إشكاليات قيم الفضيلة  بعيدا عن خطاب الغلو، ومقاربتها من وحي الأخلاق والقرآن.

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi8احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة السابعة والسبعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

ماجد الغرباوي:

ثانياً: الرقابة الاجتماعية

يقصد بالرقابة الاجتماعية: "اجراءات عملية يتخذها المجتمع لردع الظلم والعدوان مراعاة لمصالحه، وضمان ديمومة قيمه الأخلاقية". وبهذا تكون الرقابة الاجتماعية رهانا لتفادي إخفاقات الوازع الداخلي، تحفّز باتجاه عمل الخير، وتساهم في نقاء المجتمع وبسط قيم الفضيلة، بعد غلق منافذ الشر والظلم والعدوان، ولو بالقوة والإكراه.  إذ استدعى المصير المشترك للأفراد، منذ مرحلة المشاعية، مرحلة الصيد وجمع الثمار، إلى التجاور ضمن تجمعات سكانية، أو تقارب سكاني، لتحقيق أمرين:

الأول: التعاون على مواجهة المخاطر، كالوحوش الضارية، والفيضانات والزلازل والعواصف، وغيرها من أخطار يمكن درؤها بالتدبّر والحكمة والقوة. فالتجاور السكاني، يضافر الجهود، ويضع الجميع أمام مسوؤليات، لا يسعهم التخلي عنها. فالمصير والمصالح المشتركة كانت وراء نشوء علاقات اجتماعية تترتب عليها التزامات ومسؤوليات، تؤثر سلبا على حرية الفرد، لكنها تعود عليه بمصلحة أكبر، هي مصلحة المجموع. فتضحياته لا تذهب سدى، لذا يندفع بواجبه تجاه الجماعة. وبشكل أدق أن حب الذات يدفع باتجاه التجاور وتشكيل علاقات تراعي مصالحها، فيكون التنازل عن جزء من الحرية تنازلا لصالح الـ"أنا" ولو بعنوان الجماعة أو المجتمع مستقبلا.

والأمر الثاني: تحقيق خصوصيته الاجتماعية. وهي حاجة فطرية وغريزة إنسانية، فهو كائن (أو حيوان) اجتماعي بالطبع. لا يمكنه العيش منعزلا. ودأبه الخروج من حالة التوحش إلى التآلف. من العزلة  إلى الاجتماع، من الفردية إلى الجماعية، من التيه إلى الانتماء، الذي هو جزء مقوم لهويته، وأداة لتأكيد ذاته. فالانتماء هاجس، ينتشل الفرد من ضياعه. وما لم ينتم ويشعر بانتمائه، تفترسه غربة المكان، ويعيش قلقا وجوديا مضاعفا. فالانتماء يبعث فيه روح العاطفة والمشاركة، ويبعث فيه السكينه والأمل. كما هناك آثار اجتماعية تترتب على الانتماء، فهو بمثابة هويته في المجتمعات القبلية والأبوية. لا يمكنه التنازل عنه. لذا كانت السجون أقسى أنواع العقوبات، بسبب معاناة الوحدة والانفراد والعزلة عن وسطه الاجتماعي. فالإنسان رغم فردانيته يتنفس برئة اجتماعية، وعندما قلت سابقا أنه يميل لعمل الخير، رغم استعداده الفطري للخير والشر معا، وذكرت أن ميله للخير تعبير عن إنسانيته، أضيف، أن ميله لعمل الخير يحقق انتماءه الاجتماعي، ويضفي معنى لوجوده. فهذه الدواعي إضافة لظهور الملكية الشخصية، كانت نواة مسؤولياته الاجتماعية، وبالفعل كانت هذه المرحلة بداية ظهور الأخلاق، ورسو أعراف تضبط أداء الفرد والمجتمع، لضمان استقراره ورعاية مصالحه، وهي أشبه بالقوانين بلغة اليوم، تتضمن صلاحيات تصل حد الردع بالقوة، عندما يتفاقم الشر والعدوان والظلم، وراحت هذه الأعراف تتطور لتواكب تطور المجتمع، ثم استُغلت من قبل الاستبداد في مرحلة العبودية. وبالتالي فإن الرقابة الاجتماعية رقابة أصيلة داخل المجتمعات البشرية، سواء كانت مفروضة، أو ضمن العقد الاجتماعي باعتبارها ضرورة لضمان قيمه والمحافظة على أمنه واستقراره، فتكون متقفا عليها ضمنا، وشرطا ضمنيا في العقد. وهذا لا يختص بشعب دون آخر أو مجتمع دون غيره. بل حتى المجتمعات المتمرّدة، تحكمها قوانين داخلية، تضبط أداء الأفراد. فالأعراف الاجتماعية سلطة حقيقية، وليست اعتبارية أو رمزية. سلطة مجتمعية، قبل ظهور الدولة، بل حتى قبل ظهور مرحلة العبودية والاقطاع، باعتبارها ضرورة  يلجأ لها الفرد والجماعة. ومن بعد اُعتمدت قوانين رسمية ضمن صلاحيات السلطات الحكومية. وهذا هو الجذر التاريخي والبعد الأنثربولوجي للرقابة الاجتماعية. فهي ليست طارئة أو مفروضة من الخارج، بل هي من صميم العلاقات الاجتماعية، ثم أضفت الأديان على بعضها شرعية دينية، وأدرجتها ضمن تشريعاتها، لتكتسب معنى أعمق، ويترتب عليها، إضافة للجزاء الدنيوي، جزاء أخروي، ثوابا وعقابا. وبهذا تكتسي الرقابة الاجتماعية شرعيتين، اجتماعية ودينية. كل هذا شريطة أن لا تكون أداة للقهر والتسلط والعدوان بيد الحاكم المستبد والطاغية. فثمة رقابة اجتماعية كما في الحكومات الشمولية مفروضة على المجتمع لتحقيق مأرب السلطة، وهذا خارج بحثنا، وسنختار أدوات تحفظ توازن المجتمع وفق آلية، النفي والاثبات. نفي ما يفكك المجتمع، وتأكيد ما يضمن مقوماته. ويقصد بالمجتمع هنا المجتمع الإنساني، الذي هو بطبيعته مجتمع فاضل، يعزز قيمه ويسعى لرعايتها وديمومتها، وعندما يمده الدين بمنظومة قيم أخلاقيا تنسجم مع قصديته، وتحقق هدفه، لا تخرجه عن صفته الإنسانية، بل تكرسها وتبقى أُسّاً تشيد فوقه معمارية مجتمعها. فالدين يعزز قيم الفضيلة، ويكافح قيم الرذيلة، فيزادن المجتمع صلابة، ومَنَعة ذاتية. وبهذا الصدد يمكن رصد نوعين منها، هما:

1 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فريضتان دينيتان، لتسديد المجتمع، وتدارك انحرافه، أكد عليهما الكتاب مرارا: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ). يفهم من الآية أن توظيفهما بشكل صحيح يساهم في تقويم السلوك العام للمجتمع. ويراد بهما لغة: (المنكر: كل فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه. أو تتوقف في استقباحه واستحسانه فتحكم بقبحه الشريعة)، (أنظر غريب القرآن). ولازمه أن المعروف ما حكمت العقول الصحيحة بحسنه. وهذا التعريف بناء على أن الحُسن والقُبح حكم عقلي، كما عليه المعتزلة والإمامية. أو يدوران مدار الشرع، كما هو مبنى الأشاعرة. وأما اصطلاحا فيمكن فهم دلالتهما عبر قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). وهي مفاهيم واضحة، ينضم لها ما حكم به العقل، حُسناً أو قبحاً. لكن هل يجب الأمر بما حكم العقل بحُسنه، والنهي عما حكم بقُبحه؟ أم يقتصران على ما ورد في الكتاب الكريم؟. قد يقال: "ما حكم به العقل حكم به الشرع"، وهذا صحيح لكن ما هي الضابطة؟. الضابطة تدور مدار ديمومة قيم الفضيلة، سلوكا وعملا. ثمة أفعال أساسية، ينهار بانهيارها المجتمع، وهي ما ذكرته الآية: "العدل، الإحسان، والتكافل الاجتماعي، ومصداقه إيتاء ذي القربى". بينما تسلب المجتمع قيمه الفاضلة أفعال مثل: "الْفَحْشَاء، الْمُنكَرِ، وَالْبَغْيِ". فالآية اقتصرت على الأفعال الأساسية، ويبقى المفهوم مطلقا، تحدده الظروف الزمكانية وضرورات المجتمع، وتبقى الضابطة ديمومة قيم الفضيلة، وتدارك ما يفضي لانهياره. وهذا ما نتوخاه من الفريضتين، كمقومتين أساسيتين لمجتمع الفضيلة. الأولى تكرّس قيمه، والثانية تتفادى انهيارها. فالمجتمع مكلّف بحماية قيمه ورعاية بيئتة، من خلال هاتين الفريضيتين وعلى نحو الوجوب الكفائي، كما هو واضح من الآية المتقدمة. ولم يكتف  الخطاب القرآني بجعلهما فريضة شرعية بموازاة غيرهما من العبادات، بل راح يثقّف عليهما، من خلال جملة آيات: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). في مقابل من يتعهد المنكر، فيرميه بالنفاق والفسق، تأكيدا لخطورة سلوكهم: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ). بل جعل النهي عن المنكر من آثار الصلاة، عندما تكون صلاة حقيقية، ولازمها خواؤها وجدبها روحيا، عندما يتخلى الفرد عن مسؤوليته، ويضعف أمام المنكر: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ). وبالتالي فالخطاب القرآني يراهن على الأمة والمجتمع في ديمومة قيمه ومراعاة مصالحه، عبر رقابتين، داخلية وخارجية، بعيدا عن الإمامة كسلطة فوقية موجهة. المنهج القرآني يبدأ بالمجتمع، كمقدمة لديمومة القيم الأخلاقية، وفرز قيادة صالحة. لذا لم يخاطب النبي قومه بلغة فوقية، ولم يصف نفسه بالرئاسة والملوكية، بل كان صريحا معهم أنه بشير ونذير ومبلغ، ولم يتطرق لموضوع السلطة والحكم والخلافة، واقتصر هدفه على قيام مجتمع فاضل، وبيئة إنسانية صالحة، تراعي كرامة الإنسان، وتحفظ حيثيته. وأما السلطة فشأن اجتماعي، يرتهن صلاحها وعدم صلاحها بصلاح المجتمع وأفراده. وهذا واضح من الخطاب القرآني وعلى لسان جميع الأنبياء.

رقابة قانونية

تختلف الرقابة الاجتماعية عن الرقابة الذاتية. الثانية شعور نابع من فطرة الإنسان، ومسؤولية أخلاقية، بما في ذلك الضمير الديني، فهو ليس شيئا آخر غير الضمير الإنساني، يكتسب مناعة جديدة من خلال القيم الدينية. أما الرقابة الاجتماعية فهي مسؤولية بعض الأفراد: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، في إجراء احترازي، لتفادي استغلالهما، عندما تُحمل الألفاظ على ظاهرها، وتوظف لأغراض بعيدة عن مقاصدها، حداً تنعكس سلبا على الدين وقيمه، كما في السلوك المستهجن لبعض جمعيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بلدان العالم الإسلامي، حيث تستخدم القوة مع إمكانية الرد السلمي. وتارة قوة مفرطة وعدوان سافر. كما اتخذت منها الحركات الاسلامية ذريعة، سفكت بسببها دماء غزيرة، وارتكبت أعمالا إرهابية فضيعة. وأخرى تجد شخصا يمنح نفسه صلاحيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالعنف. وسبق أن عالجت هذا الموضوع في كتابي: تحديات العنف. ونبهّت هناك أن الموقف لم يكن واحدا من هاتين الفريضتين على طول التاريخ فهناك من يجيز القتل في سبيلهما، وثمة من يحذّر من إلحاق الأذى بالنفس، ماديا أو معنويا أو كلاهما. فتقف عند حدوده بسببهما. فيكون إلحاق الأذى ضابطة للوجوب والنهي. وبالفعل اشترط الفقهاء شروطا لتفادي تبعاتهما. فهي فريضة منضبطة ولها مبرراتها، كما لها حد معين من التضحية، وليست مطلقة أو متروكة لتقدير الشخص نفسه. لكن بعض الحركات الإسلامية اتخذت من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أساسا لوجودها، حتى غدت مبررا لقيام دولة إسلامية، ولو بالإكراه والعنف، إذا توقف العمل بهما عليه. وأيضا صار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سببا ودافعا لنشوء وتأسيس حركات أخرى، استجابة لقوله تعالى: "ولتكن مّنكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون". وبهذا تفاقمت الفريضة في حدودها وصلاحياتها ومسؤولياتها. بل وجدت بعض الحركات الاسلامية فيهما ضالتها، وانطلقت تتحرك بصلاحيات مفتوحة تستمد شرعيتها من الفريضة نفسها، ومن خطابي الأمر والنهي في الآيات القرآنية، لدلالة الأمر على الوجوب. هكذا ببساطة دون مراعاة قرائن الخطاب، ومناسباته. الأمر لا يدل على الوجوب دائما. لا بذاته ولا عقلا، بل يدل على الوجوب أو الندب بالقرائن، وهذا ما أذهب له، وقد فصلّت الكلام مع ذكر الأدلة اللازمة في محله. وقد ساعد عدم وجود مفاهيم محددة للمعروف والمنكر على التمادي في العنف، فهما بطبيعتهما فضفاضان يمكن تأويلهما وتوظيفهما وفقا لاجتهاد الأشخاص والحركات، فكانت مركزا للاجتهادات والتأويلات، وأسهلها صياغة المصالح الحزبية موضوعات ناجزة لتفعيل الفريضة واتخاذها ذريعة لتحقيق أهدافهم السياسية.

لكن يجب عدم خضوع هذه الفريضة لإرادة الأشخاص، تحسبا لأي  فوضى وعدم استقرار، سيما إذا عرفنا أن سقف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتمدد حسب المصلحة الإسلامية، وحينئذٍ من سيحددها؟ إن أساس المشكلة يكمن في تعدد القراءات والفهم بحسب الفقهاء وقبلياتهم وثقافاتهم وفهمهم للأحداث والقضايا الساخنة والمصيرية، ومدى استجابتهم لضرورات الزمان والمكان. لذا نؤكد أن موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الأحكام الشرعية المنصوصة المتفق عليها بين المسلمين، والقيم الأخلاقية، وليس العقيدة أو الدين، بل ولا الأحكام الاجتهادية. فتقتصر على القدر المتيقن، بما فيها القيم والأخلاق الإسلامية، التي هي أخلاق إنسانية، وتأكيد تعهد الواجبات الشرعية، والنهي عما حرّم الله تعالى من أفعال وأعمال وأخلاق ذميمة. وقد اشترط الفقهاء للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروطا، لا تجب الفريضة في حالة اختلالها، فهي ليست وظيفة كيفية خاضعة لمزاج الأفراد، وليست مطلقة في مصاديقها بل مقيدة بآيات وأحكام أخرى، تصلح محددات لها. كما للإنكار مراتب تبدأ من القلب ثم اللسان واخيرا اليد، كما جاء هذا في حديث الرسول: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، (رواه مسلم في صحيحه) . فاذا تحقق المطلوب في مرتبة اللسان لا يجوز الانتقال الى مرتبة اليد. لكن بعضا يلجأ للعنف والإكراه بشكل فج، يؤلب ضد سماحة الدين ورسالته الإنسانية، ويعكس عنهما صورة سوداوية مشوهة. إنهما فريضتان منضبطتان لا تخضعان لأهواء الناس ورغباتهم الأيدولوجية، تارة يكون المخاطب فيهما هو الفرد، فيكون موضوعها المفردات التي تصادفه في حياته داخل محيطه (العائلة/ المدرسة/ العمل/ الجمعية/ النادي/ ...). أي جزء أو شريحة صغيرة من المجتمع. ولا شك انه سيساهم في تقويم الأفراد في حدود دائرته، على مستوى القلب، حينما ينكر المنكر. واللسان، بكلام مؤثر وحوار بناء، يلتزم فيه بالحسنى والموعظة الحسنة، وتحاشي نفور الناس من الدين، كي لا يرتد عمله سلبا، ضرره أكبر من نفعه. وأن يتحلى بوعي رسالي، غير مسكون بالعمل الثوري، ويضمن عدم الضرر، وجملة شروط ذكرها الفقهاء في محلهم. وأن يتمثل أخلاق الدين، ولا يصار للمرحلة الأخيرة، بل ينبغي له الانسحاب خاصة مع احتمال الضرر.

وأخرى يكون الخطاب موجها للجماعة وليس الفرد، فيكون موضوعها المفردات التي يتعذر على الفرد معالجتها. وهنا يمكن تصور العمل الجماعي ضمن أطر متعددة، فيمكن للجماعة أن تعمل ضمن مؤسسة أو حزب أو جمعية، أو أي تشكيل، وفي جميع الأحوال ترتكز لهذه الفريضة بالذات. وحينما تكون منظمة تندرج ضمن مؤسسات المجتمع المدني. والشرط الأول في هذه المؤسسات هو العمل ضمن قانون يضبط مسؤولياتها، فحينما تجد مؤسسات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تصادما بين الفريضة والقانون عليها حل التعارض والتصادم من خلال الإجراءات الدستورية المتبعة.

إن اللافت في آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثناؤها على مطلق الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، لكنها تضع مسؤولية تنفيذه على الجماعة والأمة: "ولتكن مّنكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون". وقد  اختلف الفقهاء حول دليل الوجوب، هل هو عقلي. وما ورد في الكتاب والسنة ارشاد لحكم العقل، أم وجوب شرعي؟. وعمدة دليلهم روايات. خلافا لآيات الكتاب التي خصت الجماعة بمسؤولية تنفيذهما. وابعاد الفرد بما هو فرد مادامت وظيفة، محفوفة بالمخاطر، وقد يفقد السيطرة حينما يتخذ موقفا من وحي مزاجه الشخصي أو الأيديولوجي. لذا وضعت في عهدة الجماعة المنظمة التي تأخذ على عاتقها دراسة الموضوع والظروف المحيطة به ومدى صلاحية ممارسة النهي إذا كان منكرا. أو الأمر إذا كان معروفا، فيحد التنظيم القانوني والإداري من سلبياته. وقد تتلاشى اذا حظيت بدرجة عالية من الحيطة والتخطيط ورعاية مصالح الوطن والمسلمين.

إن شرعية هاتين الفريضتين، لا تبرر أي ظلم وتجاوز واعتداء. والهدف منهما حماية قيم الفضيلة داخل المجتمع، وتحصينه ضد كل سلوك يفضي لانهياره. وأما تبرير الحركات المتطرفة، واتخاذهم من الفريضة ذريعة لاستباحة الدم وهتك الحرمات، فلا دليل عليه من نفس الآيات كحد أدنى. لذا الصيغة الأفضل لأدائهما بانضباط وتوزان، أن تتعهدهما الجهات الحكومية المسؤولة، فتكون أسلم طريقا وأقل ضررا. لقد وظفت الحركات الإسلامية مرونة النص القرآني، وإطلاق آياته لتحقيق مآرب سياسة، واتخذت من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذريعة لشرعنة العنف والعدوان، واعتبرت اسقاط الحكومات مقدمة لهاتين الفريضتين، لكن سرعان من تنفضح نواياهم، حينما تنقلب السلطة إلى حكومة مستبدة، تصادر الحريات، وتقمع الرآي الأخر، وتستأثر بالمال والثروات. بل لم تسفك دماء بريئة بحجم ما سُفك على أيدي الحركات الدينية المتطرفة.

وبالتالي فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أداة يرتكز لها الخطاب الديني، لضمان ديمومة قيم الفضيلة، وتقويم سلوك المجتمع، شريطة عدم استغلالهما لأهداف سياسية أو أيديولوجية، وعدم تكريسهما لشرعنة القوة والاستبداد واحتكار السلطة، سواء كانت سلطة فعلية أم اعتبارية. كما يجب الحذر من فتاوى الفقهاء، فليست ثمة فتوى بريئة. ومكمن الخطر في تشخيص موضوعات الأحكام، ومدى تأثّرها بقبلياته وتوجّهاته السياسية والأيديولوجية، خاصة مع المناوئ السياسي والعقدي والمذهبي. فالدافع السياسي مثلا قد يبرر سفك دماء غزيرة بذريعة التمهيد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من باب مقدمة الواجب واجبة. إذ أن الأمر فيهما مطلق، ولم تحدد الآيات أساليب تنفيذهما وتطبيقهما، فيجتهد المتلقي / الفقيه في تشخيص الموضوع، ويمكنه توظيفها لخدمة مصالحه. وعليه فإن دراسة هاتين الفريضتين ضمن سياقاتها القرآنية يجعل منها أداوات ماضية لديمومة قيم الفضيلة والقيم الإنسانية. ويحول دون استغلالهما، عندما وضع مسؤوليتهما على عاتق الجماعة وليس الفرد، مهما كانت صفاته، كإجراء احترازي لتدارك أي سلبيات ترافق أدائهما. خاصة حجم الإغراء في الخطاب الديني الذي يدفع للتضحية بالمال والنفس، من أجل تطبيق الأحكام الشرعية. وهذا خطر مضاعف.

 

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi7احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة السادسة والسبعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

السياسة والتأويل

ماجد الغرباوي: ذكرت في بحث سابق: ما إن انتهت مرحلة نزول الوحي بوفاة النبي، بدأت مرحلة تأويل النص المقدس، وتزوير الوعي الديني، بدوافع شتى، أخطرها السياسة حينما تفرض نفسها على التأويل، فيغدو نصا جديدا، وتفسيرا رسميا يصادر النص الأول، ويعيد تشكيل الوعي ... وكما أن ثنائية السلطة والمعارضة كانت وراء التمادي في تأويل الآيات وتزوير الوعي ووضع الروايات، فأيضا كانت السياسة سببا أساسا في نشوء المذاهب والفِرق، وتأسيس مرجعيات فكرية وعقدية جديدة. وعندما دشن الخلفاء بنزاعهم على السلطة مرحلة الإسلام السياسي، وتسييس الدين، أبقوا على قدسية النص، لشرعنة التأويل، فهو طاقة، يستمد قوته من مرونة النص المقدس وثرائه ورمزيته، ويبقى القارئ ومهارته في توظيفه. ولم ينته الأمر، بل كان هذا تأسيسا لوعي تأويلي جديد، يكتسب شرعيته من انتسابه لقدسية النص، بينما يتحكم التأويل في مسارات وعيه، ثم راحت الجهود الكلامية تراكم نظريات في السلطة والحكم، تدور حول الإمامة والخلافة. النص أم الشورى؟، فانعكس الزخم التأويلي الكلامي على مسار الفكر الديني، وطبعه بطابعه، وبات التحيز سمته، والتأويل بذات الاتجاه منهجا في فهم النص. والأخطر أن نزاع السلطة بين الصحابة لم يغادر العقل المسلم منذ ذلك الحين. وولم يتخلص تفسير النص من تبعاته، حتى باتت قراءته بعيدا عن الأطر الفكرية والعقدية المألوفة موضع استغراب واستهجان، قد تفضي للتكفير فضلا عن الاقصاء والاستبعاد. فثمة تفسير رسمي للنص، وقراءة خاصة لمقاصده، تختلف نسبيا من مذهب إلى غيره، انسجاما مع متبنياته العقدية والسياسية، يجب التمسك بها، والذب عنها، دليلا على صدق الولاء والإيمان.

لكن النقطة التي أروم التوقف عندها، جذور الوعي الديني المتمركز حول الطائفية أو المذهبية، هل هو وعي اجتهادي طارئ، أم ينتمي لجذر ثقافي أعمق؟. وتكمن أهميته في فهم دوغمائية العقيدة، عندما تصاب الأنا برهاب التحرر من عقدة الآباء، والانتماء الأبوي الثاوي في اللاوعي. فتارة يوجه اللاوعي باتجاه صياغة أفكار تبدو متحررة، لولا القراءة النقدية القادرة على تعريتها، وفضح حقيقتها.

عندما أقف أمام  كلام الشيخ المظفر الآنف الذكر، الذي هو نموذج لخطاب سائد: "إليك عني إذا كنت تعتقد أن النبي مات دون أن يوصي لأحد يواصل مسيرته ويحفظ رسالته"، يبدو الكلام لأول وهلة منطقيا، مقبولا قياسا على سيرة الناس، غير أنه موارب، يتأسس على مقدمات هشة، وانتماء طبقي خطير. فأول الكلام أن الرسول لم يكمل رسالته، والآية الكريمة تقول: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا). إذ انتقل للرفيق الأعلى وقد أتم المهمة الرسالية التي أنيطت به، بدليل هذه الآية، وعدم اكتراثه بموضوع الوصية ارتكازا للمتعارف من سياقات اجتماعية حول إدارة السلطة وانتخاب القيادة، وهي سياقات معمول بها قَبليا، وهذا يؤكد أن الدولة ضرورة اجتماعية قبل ظهور الاسلام وبعده.

غير أن الأخطر في كلام الشيخ رسوخ قيم العبودية في الخطاب الطائفي، وشعور مرير بالقصور والحاجة لوجود قيّم ووصي، يوجه عقول الناس، وهو شعور ينتمي لقيم المجتمعات العبودية، وتَركة قيم القبيلة. شعور متوارث، مازال الوعي الجمعي يعاني تبعاته. فلماذا يفترض أن الناس بكافة طاقاتهم وإمكانياتهم العقلية مازالوا قصّرا بحاجة لقيّم ووصي؟ لماذا لم يفترض أن النبي ترك نخبة المؤمنين، وكبار الصحابة، وبالفعل أسسوا دولتهم، وكانوا معا لولا صراعهم الدموي على السلطة. فمقدمة الكلام إذاً غير تامة إلا وفقا لمنطق العبودية التي ترفضها فلسفة الخلق، وقيم الدين. لكن مشكلة روح العبودية تعيد تشكيلها تحت عناوين مختلفة. فالأب يوصي لقيّم على أولاده عندما يكونون قصّرا فعلا، أو يترك تدبير شؤونهم لهم عندما يكونون بالغين ناضجين عاقلين واعين: (فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ). فهل يعقل أن تربية النبي، المسدد بالوحي، ومن ورائه رعاية الرحمن، قد ذهبت سدىً وليس في صحابته رجل رشيد قادر على رعاية شؤون أمته ودينه سوى واحد؟. نحن بصدد مناقشة كبرى القياس بعيدا عن صغرياته ومصاديقه، لتحرير الوعي الديني من تبعات حديث الفرقة الناجية، وتأسيس وعي ينسجم مع فلسفة الخلق، بعيدا عن (وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا)، التي استُغلت أيما استغلال عندما سجنت رحمة الله ونصّبت حاجبا على بابه، تتحكم بتعينيه نزعات طائفية - سياسية، تستبعد وتقصي كل معارض، لا يتماها مع متبنياتهم العقدية: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ). (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ). وأبوابه مشرعة للسائلين. وبالتالي لم يترك الرسول مجتمعا قاصرا، والاستدلال بما آلت له الأمور، نسبية، يختلف تقيمها من شخص لآخر، ومن اتجاه لغيره. وكانت المجتمعات العربية تسير وفق سياقاتها، ولم يختلف معها الرسول إلا في مجال العقيدة، وجملة تشريعات. وبالفعل فإن جميع الصحابة احتكموا للمنطق القبلي، المهاجرون قالوا نحن أهله وعشيرته، وأهل البيت قالوا نحن أهل بيته وأحق الناس به.

كما لا يخفى منطق الاقصاء الذي يتستر عليه كلامه رحمه الله، ولازمه سلبه شرعية سلطة الخلفاء، لأنهم بايعوا غير المنصوص عليه، فتقع البيعة باطلة، غصبية. بل مقتضى رأيه، ستبقى السلطة فاقدة للشرعية ما لم يتصد لها الإمام المنصوب، وهو اتجاه فقهي، نظّر له الشيخ محمد حسين النائيني في كتابه:  تنبیه‌ الامة و تنزیه‌ الملة، وكان كتابي بعنوان: الشيخ محمد حسين النائيني منظّر الحركة الدستورية يدور حول أرائه الفقهية السياسية. ومن ثم قامت نظرية ولاية الفقيه بذات الاتجاه، وشمول شرعية السلطة للولي الفقيه باعتباره نائبا للإمام بالنيابة العامة. فهو تنظير للاستبداد الديني، بأدلة اجتهادية، ليس لها جذر قرآني.

المعرفة الدينية

ثمة فرق بين الدين والمعرفة الدينية. الأول معطى إلهي / وحي / نص مقدّس، مستغرق في صمته، يخفي دلالاته، وأسراره ورمزيته. والثاني فهم له وفقا لقبليات وثقافة المتلقي. فتتأثر قراءة النص بدوافعه الأيديولوجية وتوجهاته النفسية ورغباته المتوارية، خاصة فهمه للقضايا الميتافيزيقية حيث يشارك فيها المتلقي النص في تمثّلها، فتكون نسبية لنسبية قبلياته وثقافته التي تختلف من فرد لآخر، ومن بيئة لغيرها، ولا حقيقة لها خارج النص والفضاء المعرفي له. فيتعدد الفهم، وتختلف الآراء بتعدد القراءات والتأويلات. بل تارة هدف المتلقي يضغط باتجاه تأويل النص، وتحميله ما لا يتحمل، يظهر هذا جليا في تعدد تفسير آيات الكتاب: فهي مشحونة بالعنف والقتل ونبذ الآخر وإقصائه لدى الحركات الإسلامية المتطرفة. ورمزية لدى الاتجاهات الروحية والباطنية. وحركية تدعو لقيام دولة دينية لدى الاتجاهات السياسية، أو مشروع رسالي يتوقف تحقيقه على وجود إمام مبسوط اليد، بمعنى قيمومته وولايته. كل ذلك من خلال تأويل النص، وتقويله ما لم يقل، فتجد الاتجاهات الطائفية تختلف حول تفسير ذات الآية في صراع مرير حول رمزيتها. أما هي فنص صامت، يُستدرج لتأويله، وإسقاط قبليات القارئ عليه. وأخطر ما في القبليات، يقينياتها وبديهياتها ومرجعياتها التي أُهملت تترسخ تحت تأثير البيئة وروافدها الثقافية وما اشتملت عليه من خطابات مثيولوجية. وما لم يتمرّن المتلقي على نقد قبلياته، وفضح بديهياتها ومسلماتها، يدمن أوهام الحقيقة، وقد يضطهد الآخر أو يكتفي بتسامح شكلي معه. وعندما أقول أن هدف الدين إقامة مجتمع الفضيلة أعي جيدا إمكانيات التأويل ومرونة النص القرآني، فليس ثمة قول ثابت سوى الإيمان بالله واليوم الآخر: (يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء). والإيمان هدف أساس للدين، يستدعي مجتمعا فاضلا تتجلى فيه قيمه وتحميه. وحري بهذا المجتمع أن يفرز قدوته الصالحة التي تبرهن على إمكانية التمسك بقيم الفضيلة، ليقتدي به الناس، بعيدا عن الأسطرة التي تسلبه بشريته، وتضعه خارج شرطه التاريخي، فيخسر المجتمع رمزيته. إن قوة القدوة في ارتقائه أخلاقيا وروحيا وسلوكيا رغم وحدة البيئة والثقافة والانتماء والتحديات، فيكون مثالا عمليا، وتجربة يمكن لكل شخص أن يخوضها، فيسمو المجتمع بسمو قدوته. وهذا سبب تأكيد الكتب المقدسة على بشرية الأنبياء: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى). فهم بشر مثلنا، ارتقوا سلم الفضيلة، حتى غدوا قدوة يقتدى بهم. بينما يفقد المقدس رمزيته كقدوة صالحة، بعد سلب بشريته، والارتفاع به فوق النقد والمحاسبة، فيغدو معصوما لا تؤثر به الظروف الحياتية. لا يقترف ذنبا بطيبعته أو يمتنع عليه اقترافه، فكيف يكون قدوة صالحة؟ القدوة إنسان مثالي، لا يتداخل فيه اللاهوت بالناسوت، غير أنه أقوى إرادة وتصميما فارتقى بسلوكه وأخلاقه لمصاف المثال والقدوة الصالحة. وبالتالي فالمجتمع يفرز قدوته. ولكل مجتمع قدوته، وهو ما تؤكده آية: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ). يأخذ بيدهم ويهديهم وفقا لظروفهم وحاجاتهم وضروراتهم، بينما: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ)، لأن مهمته الانذار والتبليغ، بينما الهداية ترشيد للوعي الديني، فيستدعي تعدد الهداة بتعدد الأقوام. هداة يواكبون العصر، ويعون حاجاته وضروراته. فيكون دورهم فهم النص في ظل متغيراته الزمكانية.

عندما يتجرد الفرد من قبلياته السياسية والطائفية ويقرأ الآيات بإمعان، يجدها تؤكد على البعد الاجتماعي، وإحياء قيم الفضيلة، من خلال ممارسة فعلية يومية. وتوبّخ التهاون وعدم اقتران القول بالفعل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ). خطابات الفضيلة موجهة للفرد والمجتمع، ولم تشترط وجود قدوة صالحة، بل هي قيم اجتماعية يضفي عليها الدين معنى، يدفع باتجاه التضحية ورعاية عمل الخير. وما المجتمع إلا مجموع الأفراد، وعندما يصلح الإنسان نفسه يصلح بصلاحه مجتمعه. فالمجتمع الفاضل يشكّل أساسا للقدوة والقيادة الصالحة. لا مانع أن يتلقى القدوة تربية خاصة، وثقافة واسعة، كل هذا يرفع رصيده الاجتماعي، عندما يدل سلوكه وتعامله على رفيع خُلقه، فيكون محطا لأنظار الناس، وقدوة يقتدى به. والفرق أن بعض الاتجاهات تبحث عن مبرر شرعي تصحح به منطق الوصايا والولاية. بمعنى الانقياد والتبعية المطلقة، مع مصادرة حريات الناس، بذريعة قدسية الرمز وكماله وعصمته. بينما الفعل الاجتماعي تراكمي، يجمع بين التجربة والخبرة، ويرتكز للنقد والمراجعة في تقويم السياسات العامة، لذا يترسخ الاستبداد في إدارة الدولة، ولو على المدى البعيد، بفعل منطق الوصايا، ودعوى التفوق العنصري.

قيم الفضيلة

ترتهن ديمومة الفضيلة، لمقومات ذاتية، تكرّس نزوع الخير، ونبذ الظلم والعدوان في ظل مجتمع أو بيئة اجتماعية تحتضنها وترعاها، تنعقد بينه وبين قيمه ما يشبه العلاقة الجدلية، هي تواكب وعيه، وهو يطوّر أدواته ويحمي قيمه، ويرتكز لها في ضبط أدائه وتقويم تجربته. ويبقى مرتهنا لها في إثراء معنى وجوده. أو يختل توازنه، وقد يتبرّأ منها، كلما تراخى التزامه الأخلاقي. فديمومة الفضيلة لا تتوقف على وجود قيادة صالحة، مادامت تنبثق تلقائيا، بل تتوقف على وجود مقومات ذاتية وبيئة كفيلة بحمايتها، وهذا ما حرصت عليه الأديان السماوية وأكدتها النصوص المقدسة، من خلال وجود: رقابة ذاتية وقانونية، وثالثة رمزية، كل واحدة تؤثر من زاوية خاصة، تارة تستقل وثانية تتداخل، باتجاه هدف واحد، فيكون تأثيرها مشتركا، خلاصته تعبئة الفرد والمجتمع أخلاقيا، لحماية قيم الفضيلة وتبنيها سلوكا. نستعرضها تباعا على النحو الآتي:

أولاً- الرقابة الذاتية:

لا يخفى دور الرقابة الذاتية في تقويم سلوك الفرد وحفظ توازن المجتمع. وهي عنصر مشترك، غير أنها رقابة مشروطة بالتزام الفرد، وقدرته على قمع النفس الأمارة بالسوء، والتحلي بقيم الإنسانية. بشكل أدق، إن عدم التجاوب مع الرقيب الذاتي يفضي إلى تهميشه، ثم موته، وطغيان النفس التي تتربص بفجوات ضعف الفرد للتحكم بإرادته: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ). والعكس حينما تكون الرقابة الذاتية حية وفاعلة. النفس تزكو، تقاوم المتغيرات والتحديات. وتتجلى الرقابة الذاتية بنحوين، هما:

1- الضمير الإنساني:

الضمير: وازع نفسي، ورقيب ذاتي، يضبط الأداء الأخلاقي للفرد، من خلال شعوره بتداعيات الظلم والعدوان واقتراف العنف، خاصة العنف الرمزي، فيستفزه الخطأ ويؤنب صاحبه. غير أن فاعليته ترتهن لصفاء النفس ونقاء القلب. يتعافى بالخير، ويخبو بالشر. ويعوّل عليه في حفظ توازن العلاقات الاجتماعية. وهو رقابة ذاتية لا خوفا من عقاب أو محاسبة.

لا ريب أن للنفس البشرية استعدادا بالقوة لا بالفعل للخير والشر معا: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)، (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا). لكن ثمة ميل للخير ينسجم مع الطبيعة البشرية. "ميل" بمعنى ترجيح عمل الخير على عمل الشر، تعبيرا عن سلامة الفطرة، التي هي طبيعة إنسانية، بها يمتاز عن الحيوان. غير أن الميل لا يوجب فعل الخير، ويبقى الإنسان مرتهنا لقيمه ومدى التزامه ومستوى وعيه ونقاء سريرته. ولا أتفق مع من يؤكد النزوع الفطري للشر، لأن الشر لا يعبر عن إنسانية الإنسان. وتبقى النفس قابلية مطلقة، واستعدادا بالقوة لا بالفعل، تؤثر بها العوامل الذاتية والموضوعية، كالبيئة والثقافة، والسلطة، والأعراف والعادات والتقاليد. وأجد في نزوع الفرد للخير تعبيرا عن إنسانيته وصفاء سريرته. وهذا سبب تأكيد الخطابات الدينية على تزكية النفس، والتوبة من الذنوب، كي يستعيد الضمير فاعليته، قبل ضموره. 

وبالتالي، فكما يرتكز الفرد لعقله في تمييز الحُسن والقُبح، يسكن لضميره لتقييم التزامه بهما، فيتدارك خطأه عندما يكون ضميره حيا سليما أو يسحقه ويتمادى في ظلمه وعدوانه. فالضمير: وازع أخلاقي، يعبّر عن الفطرة السليمة، يبعث في النفس مشاعر السعادة والارتياح بعد كل عمل سوي، ويشعر بالتأنيب حينما يقترف قبيحا. وهو رقيب فطري عبّرت الآية عن أحد وجهيه: (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ). والنفس اللوامة ضمير حي، يؤنّب صاحبه، فيعود لرشده ويندم على فعله. واللوم صفة إنسانية، يصدر عن وجدان نظيف. وأيضا هو مشترك أخلاقي، ترتهن له العلاقات الاجتماعية ورعاية حقوق الآخرين. والضمير الحي رهان ناجح لحفظ توازن المجتمع، وتقويم سلوكه أخلاقيا، لضمان ديمومة قيم الفضيلة، التي تخشى طغيان النفس، فيكون الضمير رقيبا مؤثرا، بفعل مرجعياته وميله الفطري للخير. عليه يُعتمد في تطبيق الأنظمة والقوانين عند غياب السلطة والرقابة الاجتماعية. وبما أن فاعليته ترتهن لنقاء النفس، أكدت الكتب السماوية على تزكيتها. وحثت القيم الاجتماعية على حياته، فهو قاسم بشري مشترك. سلطته أقوى من العنف والمغريات. وعندما يكون الضمير حيا يأمن الناس بعضهم الآخر، وتسود الثقة والاطمئنان.

ومعنى حياة الضمير، تمثّل الآخر ومشاعره عبر الذات، وقياس ردود فعله عليها، فيتعامل مع الإنسان بما هو إنسان بعيدا عن لونه وأصله ودينه وطائفته. يحترم حقوقه وحيثيته. يرفض هدر كرامته مهما كان منبوذا أو فقيرا أو منقطعا، ليبقى أنسانا بمشاعره وأحساسيه. يمتنع عن تأنيبه بكلام جارح، ويعتذر حينما يُخطئ بعيدا عن خصوصيته ومكانته الاجتماعية، فيصدق أن الضمير الإنساني الحي يساهم في توازن علاقات المجتمع، ويعزز قيمه الإنسانية. وهو مقوّم أساس لمجتمع الفضيلة، وأحد رهانات ديمومة قيمه، لأنه قادر على اسقاط جيمع الاعتبارات المزيفة، والبقاء على إنسانية الإنسان عند تعامله مع الآخر، مهما بلغ حجم الفوارق. وفي المأثور: "حب لأخيك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها". وعن الرسول: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ". كلها تريد بقاء الضمير الإنساني حيا، يقظا، يراقب ويقوًم. 

 2- الضمير الديني:

أو "التقوى". وهو ثاني سبل الرقابة الذاتية، وتعني الخوف من الله والورع عن انتهاك محارمه. وقد شدد القرآن على التقوى وجعلها هدفا أساسا للعبادات، حداً تكون دالة على الإخلاص ووعي الدور الرسالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، فالهدف الأساس من الصوم مثلا هو تعزيز التقوى التي هي إحدى مقومات المجتمع الفاضل وإحدى رهانات استمراره. أو سينهار المجتمع بانهيارها. لذا كانت خطابات الوعيد والنذير باتجاه تعزيز التقوى لدى الفرد والمجتمع. وهذا ينسجم مع فلسفة الخلق التي تعتبر الإنسان محور الكون، وأن فعلية التشريعات السماوية تدور مدار مصالحه، وهو تمام ملاك جعلها وفرضها على الناس. فآيات التقوى خطابات احترازية وتحذيرية، تمنح المؤمن رقابة ذاتية، خوفا من العقاب، خاصة عندما يكون بعيدا عن الرقيب والقانون ورقابة المجتمع. بل وتُرجع الآيات بمفهومها كل زيغ وانحراف لتراخي التقوى أو ضمورها. ومن يتقى الله مخلصا يواصل طريق الاستقامة ويساهم في تعزيز مجتمع الفضيلة، مهما كان اتجاه السلطة. فالتقوى رقابة ذاتية واعية وبصيرة، تتوقف عليها استمرارية مجتمع الفضيلة، ومع فقدانها، يأخذ المجتمع بالانحلال، مهما كانت سلطته السياسية. لا شك أن التربية الصالحة ترسّخ الرقابة الذاتية، والضمير الحي يصقلها، ويضفي لها معنى، يرتبط بمصالحه ومصالح مجتمعه. والفرق أن رقابة الضمير قد تنهار بعيدا عن رقابة القانون، أما الإيمان فصراع داخل النفس طالما تنتصر فيه الفضيلة والخوف من الله خوفا من العقاب، فالإيمان يضفي معنى أعماق على التقوى، معنى يرتبط بالغيب والمطلق، وما ينتظره من ثواب جراء ورعه. وهذا يمهّد بمرور الأيام لمناعة راسخة، تقاوم المغريات والغرائز. ولأهمية التقوى في الخطاب الديني، جعلت الآية التقوى ميزانا للتفاضل، مما يؤكد أهمية مجتمع الفضيلة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).

و(التقوى لا تعني كثرة العبادة، وإنّما خشية الإنسان من الله تعالى إبّان تعامله مع الناس، سلوكًا وعاطفة؛ فربّما عابد لا يخشى الله في خلقه يمارس سلوكًا لا أخلاقيًا في تعاملاته اليومية، فيضرب ويقتل باسم الدين والقرآن والأخلاق، وهو بعيد عن كل ذلك. أو لا يتمتع بالمشاعر والأحاسيس الإنسانية التي أكد عليها القرآن الكريم، فيتحايل عليها ويظلم الآخرين ويبخسهم حقوقهم بل ويتعدى على حقوقهم. فالإنسان التقيّ من يخشى الله، سيما في موضوع استباحة الدماء، خصوصًا مع المخالفين دينيًا أو مذهبيًا، فإنّ حرمة الإنسان عند الله كبيرة، فكيف إذا كان أخ لك في الدين والعقيدة ولا يعدو خلافه معك إلا في أشياء اجتهادية. إنّ الخطاب في الآية القرآنية تحدّث عن الناس ولم يقل المسلمين. ومن ثمة، فالآية العامة تتجاوز العبادة إلى المعاملة)، (أنظر كتابي: التسامح ومنابع التسامح، طبعة دار العارف بيروت، ص118).

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com