 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ا. د. عبد الاله الصايغ (13)

abdulelah alsauq2خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة عشرة من الحوار المفتوح مع ا. د. عبد الاله الصائغ، وفيها يجيب على (ق1) من اسئلة الاستاذ خيون التميمي.

 

س31:  خيون التميم: ناشط / امريكا: البروف عبد الأله الصائغ علم من الأعلام العراقية، لا يحتاج الى اي مقدمة (فالكبار لا يحتاجون الى اسماء اضافية امام اسمائهم  كي يصبحوا كبارا وأسماؤهم دالة عليهم فقد قدم الأستاذ عبد الأله الصائغ الى مشيكان في 20 حزيران 2000 

السؤال: جاء الصائغ  من مغترب  الى مغترب، كيف رأى الغربة في ولاية يوتا ثم في ولاية مشيغن؟

ج31: د. عبد الاله الصائغ: الشق الأول  من السؤال: انا لا احب حياتي في مشيغن واحمل من اغراني للمجيء اليها وترك يوتا مسؤولية  ما حل بي من كوارث بينها انفصال عائلتي عني بينها توقف ستة شرايين في قلبي وبينها تبديل فقرتي عنقي بفقرتي ميت وبينها احساسي لاول مرة في حياتي بالفاقة والحاجة الى المال وبينها شعوري ان كتبي الثلاثين المطبوعة وكتبي الاربعين المخطوطة لاقيمة لها عند معظم الجالية العراقية وشعرت ان هناك رايا لدى البعض بان حامل الدكتوراه مغرور ومتغطرس وان المثقف رقم ضئيل يمكن اختزاله وعدد غير قليل في الجالية العراقية موقن انه مثقف ومثقف مهم مع انه لم يقرأ كتابا ولم يحبر صفحة!! ليس لي اصدقاء في مشيغن سوى قبضة والباقون معارف والاكثرية متوجسون مني! وفي مشيغن اكتشفت ان القرعة لا تساوي ام الشعر!! بل القرعاء افضل من ام الشعر وفي مشيغن لمست لمس اليد التشدد المذهبي والديني الذي يرقى مراقي لاترضي الله ولا العقل ولا الحضارة! وفي مشيغن زهدت بزيارة العراق زهدا كبيرا . هل اقول ام ابتلع لساني حتى لاتزعل علي الاشباح في مشيغن! انهم والله نسبوا اليَّ صفات لا اعرفها البتة ولم اترب عليها اطلاقا! وحليب رضاعتي لايسمح لي بمقارعة اي فرد! إلا هذه فلن افعلها اذ ينبغي ان يكون خصومي ذوي قامات كقامتي واوزان بقدر وزني! اختارهم كما اختار اصدقائي! والا فلن اكرر خطيئة الفرزدق حين رد على ترهات جرير فصار المؤرخون يقولون الفرزدق وجرير او جرير والفرزدق ولو سمع الفرزدق نصيحة زوجته نوار لما هجا جريرا ونفه عنه وانجح المخطط  الاموي الذي ابتكر اصطبلا للحمير وكناسة للمزابل وجعلها مقرا للشعراء نكاية بهم! حتى امير المؤمنين علي بن ابي طالب كرم الله وجهه ندم كما يبدو على مقارعة معاوية لان المؤرخين صاروا يقولون علي ومعاوية!!معاوية حشد جيوشه للنصر على  علي دون رتوش وعلي حشد جيوشه للنصر على الباطل دون ان يعبأ بالسماء! وحسبهما هذا التفاوت بينهما! أإبن فاطمة التقية كإبن هند آكلة الأكباد!! ومازالت الحملات تشن ضدي مع انني نصف ميت! ورحم الله قائلة الدارمي : شماتي مو شمات    شماتي شمات بالكَبر ويكَلون   حي بعده لو مات!اذن ولاية متشيغن  كوميديا سوداء! ثمة سمكة ابو خيرزا (ابو خريزة وتسمى زوري او خشني )  تقول الاسطورة انها كانت حوتا بسعة جزيرة متوسطة فطغت وبغت فجعلت الآلهة خيرزا  (خرزة أو خريزة) في رأسها فصغرت حتى صارت بطول الاصبع الوسطى وزيادة! وبعض الكتاتيب يعملون على إسكاتي كي لا اتناول قضايا تمس الكبرياء العراقي المغترب وتمنع الضحك على ذقون الناس البسطاء! فيستعملون بيئتهم لشتمي والانتقاص مني بهيئة انني اكتب واكتب لكي اكون قنصلا او سفيرا او حتى ملحقا (!!) وليتهم يعرفون انني غير راغب في منصب ثقيل يغرم رقبتي بما يحدث اليوم في العراق وخصومي ياليتهم يعرفون انه بعد سقوط صدام حسين عرض على الصائغ  منصب مستشار المجلس الحاكم ورفضت بكل احترامي لنفسي!!يقول المتنبي العظيم لمثل هؤلاء السفهاء :

تغرّبَ لا مُستعظماً غير نفسه       ولا قابلاً إلا لخالقهِ حُكما

يقولون لي ما أنتَ في كلِّ بلدةٍ       وما تبتغي؟ ما أبتغي جَلَ أن يُسْمَى

ما أيسر مهمة المؤرخين حين يكتبون عن الاموات فغالبا لن يجدوا احدا يغضب عليهم او جهة تمنع عنهم الرزق او فئة تحجب عنهم الهواء! او زمرة تلطخ شرفهم!أما نحن الذين ارتضينا ان نكتب عن الاحياء فأقل ما نخسره صداقات اناس اعزاء على القلب ونكسب عداوات اناس اذا سددوا اصابوا! ولكن عذرنا ان التاريخ حين يكتب عن الاحياء وعن المؤثرين سيكون اقرب للواقع وادخل في الصدق فضلا عن الهدف التربوي في ان نتجاوز اساليب السلف التي اودت بهم وبنا الى هذا المصير الكالح والنفق المظلم! فازداد الفقير فقرا والثري ثراء وعوائل الشهداء ازدادت شهداء والمقابر الجماعية اكتظت ارقاما! فماذا بعد؟!

هل يقبل ذوو المروءة انني لا املك ثمن الدواء ويحسبونني مليونيرا! هم لايدرون انني محروم من اي امتياز لقاطنيامريكا لأن سبع سنوات مرت عليَّ ولم احصل على الجنسية والقانون الامريكي يحجب المساعدات عن امثالي ولا يهمهم مثلا انني استبدلت ستة شرايين في قلبي وفقرتين في عنقي مع داء السكرين والغدة الدرقية والضغط  ثم يقال  لمثلي  مثل هذا القول؟ لبروفسور عراقي له اربعون  كتابا في العربية مطبوعا واربعون سنة تدريس للغة العربية وعلومها وآدابها  ومنحت العشرات شهادات الدكتوراه والماجستير! ثم يكتب احد من كان يقسم لي انه بمثابة تلميذ لي او ابن يكتب ان الصائغ تسلم منه خمسة آلاف دولار كي يمنحه شهادة ماجستير فلا الصائغ منحه الماجستير ولا الصائغ اعاد اليه الخمسة آلاف دولار!! ومن حسن الصدف ان احدهم كتب اليه (الم تقل يافلتان انك تحمل شهادة دكتوراه من جامعة امريكية فما حاجتك الى الصائغ و شهادة الماجستير!!)  ويكتب لي  معتوه عراقي من كندة كي اكف عن مطالبة الدولة بتحمل مصاريف علاجي وعلاج امثالي وتبرع هذا الموبوء ان يقطع اصبعه ولايطلب معونة من بلده العراق علما انه لم يقطع اصبعه حين اتهمه بعض غرمائه بانطاط عائلته!   فقلت في نفسي يتهمني هذا الهتلي بالاستجداء  من بلدي افضل من ان يتهمني بالجدية من امريكا!! اين كان حين توقف نخاعي الشوكي عن الجريان بسبب تهدم فقرتين عنقيتين في المنطقة العنقية من العمود الفقري وتطلب الامر عملية كبرى بحيث يكون الفتح من المنطقة الامامية للرقبة  وطلب الطبيب المعالج 27 الف دولار استعنت اول ما استعنت بالسفارة العراقية وكتبت الشاعرة الصابئية راهبة خضر الخميسي رسالة باسم نساء العراق تدعو فخامة سفيرنا في واشنطن الى انقاذ حياة الصائغ وعلى الفور واقسمت السيدة راهبة الخميسي وهي ناشطة عراقية معروفة اقسمت للسيد السفير في واشنطن بشرف العراقيات ان نساء العراق سوف يرجعن ثمن العملية الى خزينة القنصلية ومقالتها هذه طالعها السيد الدكتور ابراهيم الجعفري رئيس الوزراء السابق فبكى كما اخبرني بنفسه! فهاتفني  بنفسه واعتذر لي واكد  بأنه لم يكن يعرف انني في مثل هذا البؤس المشين! ثم اعلن الناطق الرسمي باسمي وهو الدكتور الموصلي الكبير الفنان احمد النعمان  رحمه الله  ان رئيس الجمهورية السيد جلال طالباني امر بمتابعة وضع الصائغ الصحي والمالي وكذلك الاستاذ مسعود البارازاني وكذلك الاساتذة فخري كريم رئيس مؤسسة المدى وعبد الاله النصراوي رئيس الحركة الاشتراكية العربية   وسعد البزاز رئيس مؤسسة الزمان.......... الخ!

لم يحاول فخامة السفير العراقي في واشنطن  السيد سمير الصميدعي  مع تقديري الشديد   لجهوده الجميلة في ادارة دفة السفارة  ولطف تعامله مع العراقيين والشهادة لله! لم يفكر السيد السفير  فقط رفع سماعة الهاتف ليطمئن على صحتي ولا اقول يتجشم عناء زيارة مفكر عراقي مثل الصائغ ضاقت به السبل! هل يعقل ان يخابر  سفير  كبير مواطنا (بيس نفر)عراقي او يجيب على دموع الادباء والاديبات والمثقفين والمثقفات  من العرب والكورد!بل ان الفريق احمد ابراهيم البياتي وكيل وزير الداخلية الأسبق وعضو الممثلية العراقية في الأمم المتحدة وهو صديقي جدا! أعطاني   رقم هاتف وادّعى انه هاتف السيد السفير وقال لي خابره! فخابرته وانا نصف مشلول نصف ميت! فكلمني رجل مهذب  الاستاذ سعيد الجنابي واكد لي انه ليس سفيرا وان السفير الحقيقي هو الاستاذ الصميدعي  وان صديقي الفريق كان بمستطاعه التكلم مع السفير مباشرة دون ان يعطيك رقمي ويحرجك ويحرجني!    الله وفرجه كي اريح واستريح! 

يعاهدني ما خانني ثم يحنث     واحلف ما كلمته ثم يحنث

كذلك دأبي مايزال ودأبه     فيا ايها الناس اسمعوا وتحدثوا

الشق الثاني من السؤال الخيوني: نعم جئت مشيغن قادما من ولاية يوتا العظيمة! وندمت فقد شعرت انني تورطت!  يوتا ليست ولاية عادية وعاصمتها سولت ليك ليست عاصمة اعتيادية! هي وايم الله روضة اينعت داخلها البيوت وناسها ليسوا ناسا  كمثلهم بل هم نماذج راقية للحضارة والخلق والسخاء والطهر ايضا وايضا! ارجو ان يسمح لي الصديقان الاستاذان ماجد الغرباوي وخيون التميمي لكي استذكر معهما فردوسي المفقود  يوتا!! ودعت صسولت ليك بهذه الكلمات  في ديسمبر2002

يا سَولْتَ لَيْكَ وداعاً                          وَكُلُّ ثاوٍ سَيَرْحَلْ

قَدْ كُنْتِ أَحْلَى مَكانٍ                         حَلَلْتُ فِيهِ وَأَوَّلْ

لِلّهِ أرْضُكِ وَرْدٌ                                مُطَرَّزٌ فَوْقَ مَخْمَلْ

ماء وخضرا ووجه                            يشفي المريض المرمل

وكل ظبية أنس                               تهفو لظبي محجّل

هذي الحياة والا                             فاحمل عصاتك وارحل

حللنا أمريكا قادمين من اليمن الحبيبة اول وهلة ضيوفا علىعاصمتها (سولت لك سيتي) اتذكر جيدا كان ذلك في عشية 21 جون حزيران 2000 وكنت  مشغولا  حقا بهاجس تشكيل موجة ثانية للأدب المهجري العربي في الأمريكتين : الشمالية والجنوبية وفي ذهني التجربة الرائدة الكبرى لأدباء الشام الأفذاذ : جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة واليا أبو ماضي والياس قنصل وشفيق المعلوف.....وقائمة شعراء المهجر كبيرة!! وكانت تربطني بالمغفور له شفيق المعلوف المقيم في البرازيـــل والقاطن عاصمتها الجميلة ســان باولـو صداقــة أدبيـة حميمة نهضت بتمتينها بيننا الرسايل البريديةوكنت مطلع سبعينات  القرن العشرين قد تسلمت من البريد طردا ثمينا يحمل مؤلفاته وأهمها ديوان شعره  (عبقر) 800 صفحة من القطع البطال (الكبير) تتصدره دراسة معمقة للأساطير العربية القديمة وارتباطها بالشعرمع آخر رسالة منه يصارحني فيها ويا للهول بأنه سيموت خلال أشهر ضئيلة لأن رفيقة عمره رحلت وهو على حد قوله أضعف من ان يحتمــل مجرد فكرة رحيلها!! وصدقت نبوءته!!  فالتحق بها!! رحم الله الاثنين ورحمني معهما!! . انا معجب منذ صغري بتجربتي الشعر والهجرة عند اولئك الشعراء الكبار حقا وأعرف كيف مهد المهجريون السبيل لنا اذ جعلوه لاحبا وأعرف صراعهم الدامي التراجيدي من أجل الرغيف والأدب والتأقلم!!

ألم يكتب أحدهم قصيدة تعد رسالة بليغة لنا نحن الخلف المشغولين بكل شيء سوى الأدب:

كم قضيت القفار مشيا وحملي                           فوق ظهري يكاد يقصـم ظهري

كم قرعت الأبواب غير مبال                              بكلال وقر فصـــــل وحر

كم ولجت الغابات والليل داج                            ووميض البروق شمســي وبدري

كم توسدت صخرة وذراعي                               تحت رأسي (وجنبري) فوق صدري

جلست في أول (ويك اند) أتلقاه  بامريكا على الأعشـاب في محيط غابة مسحورة بالشجر المعمر والصمت الخلاب ممارسا طقس التأمل في مشروع الموجة الثانية للشعر المهجري وحسبت مع نفسي الأدباء العرب الموجودين الآن في امريكا : سركون بولس ودنـيا ميخائيل ومهدي علي الراضي وزاهر الجيزاني وزعيم الطائي وعيسى حسن الياسري وسعدي السماوي وفضل خلف جبر وجاسم الرصيف ثم سمعت بأدباء لم اسمع بهم من قبل أو لم التق بهم : من نحو قحطان المندوي وسمير المندوي ونشـأت المندوي وزهير الدجيلي والسيد طالب الرفاعي  وعبد النبي بزي وفالح حسون الدراجي وعامر حسن وخالد المقدسي واباء اسماعيل وناصر الحجاج واستبرق العاني وسعد السعدون وزعيم الطائي واسماعيل محمد اسماعيل  وعاتي بركات ..... الخ! فضلا عن الفنانين  :  فؤاد سالم وقحطان العطار ورعد بركات وعبد المطلب السنيد وقاسم ماضي ومحمد فرادي وحيدر الياسري ...الخ!! ويوتا جميلة ومدهشة وسخية وهادية بيد انها بعيدة عن آليات حلمي في تشكيل الموجة المهجريةالثانية! نعم تعرفت على أديب امريكي من أصل فارسي هو المعلم بيمن  ومعلمة متأدبة امريكية حسناء من اصل فارسي اسمها علي وكلاهما زرادشتي  معهد هريزون لتدريس اللغة الأنجليزية وما ادراك ما هذا المعهد؟ وكانا معلماي  وكنت تلميذهما الذي يكبرهما سنا وشهادة!! كانا يغمراني باهتمام ومحبة بالغين!! حتى ان معلمتي الآنسة (آلي او علي ) ابنة السادسة والعشرين قد عرضت علي صداقتها فهي دون صديق وتعيش مع اختها الصغرى وحيدتين في بيت كبير!! ولم اشجعها خوفا عليها من الاساليب الجهنمية المرعبة لمن يحيط بي!! وهذا عنوان معهد تدريس الانجليزية لغير الناطقين بها! ومازلت حتى اللحظة محتفظا بعنوان معهدي الحبيب وبي امل ان اعود اليه تلميذا او معلما سيان:

UTAH HORIZON

POBox 45500

Salt Lake City , Utah 84145-0500

و كنا قد تعارفنا على مدرسة رياضة بوسنية مسلمة متزوجة من الحاج حمدي (المتدين والمتمذهب على الطريقة السعودية) وهو مصري الأصل وباتت الصلة بيننا عميقة وواسعة فان الحاج حمدي وضع برنامجا طيبا لمساعدتي وأسرتي: منه شراء بيت لنا بالتقسيط الرمزي المريح وايجاد عمل لي يناسب شهادتي العلمية (دكتوراه فلسفة) في تحليل النص وهكذا اتصل بي هاتفيا البروفسور الدكتور حسيـــن الخفايفي وهو امريكي من اصل ليـبي ورئيس المعهد الأمريكي للدراسات الشرق أوسطية ومقره جامعة يوتا  في سولت لك سيتي، وكان سعيدا بي أيما سعادة حتى تهيأ لي وقد مرت ساعتان على المكالمة أنه غير راغب في انتهاء المكالمة بيننا!! بل وتأيد لي انه راغب في عقد اجتماع عاجل يضمنا نحن الأثنين ولمح لي أن التقدير الأولي لأجوري سيكون خمسين دولارا للساعة الواحدة!! وقد تباطأت عن لقائه خشية ان يحول ضعف لغتي الأنجليزية دون تحقيق آمالنا نحن الأثنين!! اما الأصدقاء : سوزان بيشب وستيف بيشب وحسن الحامد وزوجه الأمريكية ام ساره وملة راضي الحلفي وابو صفاء ورعد الكامل وثجيل الدراجي وزوجه الأمريكية انجل وأحمد المالكي وعقيل الدراجي وصديقته الأمريكية والسودانيان آدم ادريس وأمينة خليل هؤلاء وغيرهم اشعروني بمحبة واحترام طيبين بل وعملوا كل وفق امكانه لتوفير بيت لائق بي وعمل يناسبني ويناسب كل فرد من أسرتي فضلا عن الخدمات الأخرى من نحو ترجمة الكتب الرسمية والمواصلات والسفرات الترفيهية!! ثمة ادباء كثر عرفوا رقم هاتفي وعنواني وبدأوا يواصلونني عبر الهاتف أو المكاتيب أذكر منهم : الشاعر الشعبي عزيز السماوي (لندن) رحمه الله  وشقيقه الشاعر والمترجم والمسرحي شاكر السماوي (الســـويد) والأديب حسن بلال (المانيا) والشاعر والأكاديمي الدكتور سعدي السماوي (امريكا) والشاعرة دنيا ميخائيل (امريكا) والشاعر عدنان الصائغ (السويد) و حازم سـليمان الحلي (المانيا) والروائي الباحث الدكتور احمد زياد محبك (سوريا) والفنان التشكيلي فيصل لعيبي (لندن) والشاعر والأكاديمي رشــيد ياسين (اليمن) رحمه الله والروائي الدكتور شاكر خصباك (اليمن)  والشاعر وديع العبيدي (النمسا) والعالم الدكتور عبد علي الجسماني (اليمن) رحمه الله والشاعر الدكتور محمد مسعود جبران (ليبيا)  والشاعر الدكتور عبد المولى البغدادي (ليبيا) والشاعر الدكتور زهير غازي زاهد (ليبيا  وقتها ) والشاعرالفلسطيني جميل حمادة (ليبيا) والدكتور خليل شاكر الزبيدي (ليبيا وقتها) والشاعر رضا الأعرجي (المغرب وقتها) والشاعر الدكتور علي جعفر العلاق (الإمارات العربية) ......الخ!!  وكان صوت دنـيا ميخائيل الأكثر قوة يدعوني الى تغيير اقامتي لكي نتعاون معا من أجل تأسيس رابطة أدبية في مشيغن بيد أنها لم تستطع أن تضمن لي عملا يليق بي ففي امريكا يكون الوضع مختلفا فقد لا تجد عملا يناسب شهادتك مثلا! ثم حكت لي عن انشغالها بمحنة اقامة زوجها الأستاذ مازن يوسف!! ثم زارني من  دترويت (ولاية مشيغن) التي يفصلها عن سولت ليك سيتي (ولاية يوتا) خمس ساعات بالطايرة!! الاستاذ (ميم!!!!) رفقة ولده المتشدد مذهبيا (عين!!!!!!!) وبات الأثنان في منـزلي الصغير بسولت ليك سيتي ثلاثة ايام كان ميم  خلالها يتحبب الي ويستعذب فكرة انتقالي الى مشيغان ويعدد لي مغريات تغيير سكني وأسرتي بثقة كبيرة لا يشوبها أي وهن!! (يادكتور أنت عالم وأديب وبروفسور ولن تجد هنا من يحتاج اليك!! هذه خسارة كبيرة!! اذا وصلت الى مشيغان فسوف تدرس في جامعتها وباللغة العربية ولدي صديق لبناني يحتاج اليك لتدير مدارسه الثانوية وتطور مناهج الدراسة في مؤسسته وتلقي محاضرات تنويرية على ابناء الجالية ...ووو   اما ولدك  فهو وحيد هنا ودون عمل وسيكون ولدي  الصغير كاف  صديقه الأثير وثمة عمل ينتظره، وزوجتك عملها بانتظارها : تطبخ وتعمل الطرشي في بيتها لمطعم ولدي بل ولدكم  عين مقابل أجور مجزية!! البيوت الفارهة ‍ الرخيصة‍ مزبّلة عندنا في مشيغان!!) ولا حظت أنه لم يشر الى سوانح العمل امام ابنتي العزيزة الصغرى!! وحين تلمسا (الأستاذ ميم ابو عين ) نقطة ضعفي ازاء اقتراحهما بسبب عوزي المادي وعدم وجود عمل مناسب لي وأسرتي وعدم وجود مقدّر لأمكاناتي تشجعا وبان عليهما السرور الذي وشت به  ملامحهما!! ثم تهامسا معا وتكلم الأب قائلا  لا موجب للتردد،  اسمح لنا بحمل القسم الأكبر من مكتبتك حتى نخفف عنك!! واعطنا شهاداتك العليا لكي نعادلها ونترجمها الى الانجليزي  لكنني لم أدعهما يحملان كتبي لأنني لم أقرر بعد ولكنني اعطيتهما شهاداتي الاصلية! ووعدتهما بزيارة ميدانية لمشيغن بأقرب وقت!!   ونمنا على هذا الأتفاق! وفي اليوم الآخر أنهت الي زوجي وهي ابنة عم الأستاذ عميم ابو عين  وكذلك فهي ابنة عم زوجه السيدة  سين ام باء!!  أن ابا باء  استمزج رأيها في امكان خطبة ابنتي الصغرى  لولده عين وطلب اليها استيضاح موقفي أو موافقتي قبل أن يفاتحني بهذا الأمر!! وقد لا حظت فرح السيدة زوجتي بفكرة الخطوبة فهي ضعيفة امام اقاربها!! وتهيأ لي ان فكرة الخطوبة قديمة!  نضجت منذ زرنا سوريا قبل اربع سنوات وذهبت بي الذكريات الى عهد زرنا سوريا والتقينا هناك بمحض الصدفة بعين وامه سين  وعائلته ووالد زوجتي وشاهد عين  ابنتي الصغرى  ويقينا انه انبهر بجمالها وفتوتها ويبدو أن زوجتي  كانت متحمسة جدا فهي ضعيفة أمام الأواصر العائلية كما مر بنا رغم أنها نكبت بزواج ابنتها الوسطى  من عين  الخضري بن ذي اللحية الكوسى الذي اتخذ الدين وسيلة للعيش والوجاهة وهو  المعلم الإبتدائي واسمه  ميم  عليوي!! وعين محمد حسن  ابن شقيقتها الكبرى عواطف رحمها الله وغفر ذنبها معنا وانتهى الزواج المشؤوم بالطلاق!! وأخذت الموضوع بحسن نية غريب على طبيعتي!! وقد أقسم لي اشقاء زوجتي  الثمانية وهم كوكبة من المتشددين دينيا والمتزمتين اجتماعيا والناجحين تجاريا!! ان ابن اختهم عين  محمد حسين عليوي  معجزة في الذكاء والمهارة ثم استغلوا كوني ديمقراطيا ومتنورا ولن أقف جدارا يحول دون تحقيق حلم أية واحدة من بناتي في اختيار زوجها المناسب بنفسها!! وانا غير آسف على ممارسة الديمقراطية التي آمنت بها منذ نعومة اظفاري بل وليس لدي أي بديل أقاتل به أو له أو من أجله! فقد عزفت أخواتي عن خطبة اي من بناتي لأي من اولادهن نكاية بي وخوفا من زوجتي التي كانت لاتطيعني في شيء ومشاكلنا التي يتحدث عنها البعيد والقريب!! فكل بناتي يستلبهن حلم الخلاص من جحيم بيتي الذي احترق منذ الأيام الأولى لزواجنا المشؤوم الذي  بدأ 14 آب أغسطس 1964 بعد نهوة نهض بها ابن عمها شيخ غني السماوي مسؤول الحرس القومي ورئيس بلدية السماوة بعد شباط الدماء 1963 وتزوجت بعد سنة وقبضة ايام ويا ليتنا لم نفعل وعشنا  بسعير الخصومات العميقة وعدم الانسجام والتوافق وكان منظرخشونتي معها  وسلاطة لسانهامعي  امام بناتي البائسات مروعا وكارثيا وانا لله وانا اليه راجعون!!   وحسبتها في عقلي: ابنتي الصغرى متعاطفة مع امها! وامها وهبت ابنتها لابن ابن عمها لكي تمرغ  انفي وشَكْلُ عين  السماوي حقا جميل مبهر شاب طويل القامة مهيوب!! كذا!! واذكر انني حذرت زوجتي من مغبة زواج غير متكافيء   وقلت لها إن عزيزتنا وابنتنا الصغرى ستدفع   الثمن غاليا دون ان ترتكب ذنبا  وحين وجدت المياه قد جرت تحت قدمي قررت الموافقة من جهتي على هذا الزواج المشؤوم مع التوكيد على رفضي الكامل لفكرة زواج ابنتي  وهي صغيرة  السن  لما تبلغ السابعة  عشرة بعد!! لكنني احترمت نفسي بعد ان ايقنت ان الطبخة نضجت وفاحت رائحتها!! وهكذا بدأت الإجراءات على قدم وساق طلب الي أبو عين  ان اضع بين يديه شروطي فقلت له ان تكمل ابنتي  دراستها الجامعية الأولى والعليا فضحك الإثنان وأكدا لي أن أمر الدراسة يعنيهما شخصيا!! وقلت لهما اريد ان لا تعامل ابنتي على انها ضمن نظام الحرملك  وان لا يكون بيت الزوجية مقبرة الزوجة!! فضحك الإثنان مرة أخرى وقالا : انهما ليسا متخلفين الى هذا الحد ونحن نعرف تماما انها ابنة دكتور وبروفسور وسيد هاشمي ابن رسول  الله!! بعدها سألني ميم  ابو عين  : وما هي اجراءات المشية (أي عدد الخاطبين ونوعهم!!) قلت له لا مسوغ لذلك التقليد العتيق  وقد يكلفكم آلاف الدولارات ثمن تذاكر شحن  المشاية  من مشيغن الى يوتا فغمر الإثنين سرور عظيم لا تخطئه العين!!!! وأراد عين  أن يأخذ ابنتي الصغرى  وأمها لكي يشتري الذهب (نيشان الخطوبة) فطلبت أن يذهب معهما أبو عين  بعد أن لمحت في عيني  ابي عين   ذلا وانكسارا  لأن ولده عين  لم يدعه للمجيء معهما الى محل  الصائغ وطلبت الى ابنتي العزيزة  التريث في اتخاذ اي قرار يخص  حياتها  وان لاتعطي اي وعد لخطيبها وانهيت الى امها أن لا تبهظ الخاطب بذهب كثير ومتطلبات غالية  وانما تدع لعين خطيب ابنتها  حرية التصرف!! وهذا دأبي مع كل بناتي!! وقد شاهد الخطيب عين  وأبوه أن الكنيسة المرمونية كانت سخية جدا جدا معنا فمثلا تتكفل بطعامنا وايجار بيتنا وعلاجنا  وتوفير سائق خاص لنا  مع علم الكنيسة  اننا مسلمون متمسكون بديننا!! ولكن المورمن كرماء ورحماء ومتسامحون!! . وانصرف عين  وأبوه الى مشيغن وكنت أحدس أن صفقات عقدت من وراء ظهري وحرص عين  وأبوه وعائلتي على أن يتعاملوا بالسرية التامة أمامي لأني لا أرتضي الحماقات وقصر النظر!! بل وغير موافق على زواج ابنتي من ابنهم  من حيث المبدأ!! شيعتهم الى باب البيت وفي قلبي ريبة من الجميع  ظلت الاتصالات الهاتفية متصلة مع مشيغن وخطيب ابنتي يرسل باقات الورد يوميا الى ابنتي  وقد يطول الحديث الهاتفي بين خطيب الغفلة  وعائلتي  ساعات  طوالا!! وعلي أن أسدد الفاتورة الثقيلة لحساب الهاتف!! مالعمل بحق السماء؟ وقررت تعجيل تنفيذ برنامج الزيارة وحددت الموعد وعلمت ان ميم والد الخطيب  تكفل بحجز تذكرة الطائرة لي ودفع مبلغ الذهاب والأياب،، يا لهذا الكرم المفاجيء وطيبة قلبي ولسان حالهم يقول لقد جنبنا عبد الإله ثمن تذاكر وتكاليف اقامتهم وطعامهم وهو لا يقل بأي حال عن عشرة آلاف دولار أن لم يكن التكليف أضعافا!! .الزمن : العاشرة والدقيقة الخامسة من صباح  الخميس 24 أوغسطس (آب) 2000 أقلعت بي طائرة شركة دلتا (رقم الرحلة 1621) من مطار سولي ليك صوب مطار مترو ديترويت الذي بلغته في تمام الثالثة والدقيقة الخامسة والأربعين مساء وكان بانتظاري الأستاذ والد خطيب ابنتي  وولده الخطيب  فرحبا بي أجمل ترحيب وانطلقت بنا السيارة الفارهة التي يقودها الابن السعيد بخطوبته  نحو بيتهم المتواضع جدا والواقع في 6700 شارع ودمونت / ديترويت / مشيغن 48228..

وكان كل شيء دالا على مدى الأهتمام بي والتشبث بفكرة السكن في هذه الولاية التي يشكل العراقيون والعرب نسبة كبيرة من سكانها والتي قرأت عنها أيام الدراسة المتوسطة بأنها مدينة الصناعة الأمريكية العملاقة :  سيارات فورد وجي أم ودوج ومعامل الصلب والزجاج والخشب والمداخن التي يسمم زفيرها شهيق الناس بالرصاص القاتل!!هيأ أبو خطيب ابنتي برنامجا حافلا لي : بينه سهرة مع بعض وجوه الجالية الى ســـاعة متأخرة من الليل(الأحد 27 أغسطس 2000) ضمت الصحفي المخضرم الأستاذ قاسم السماوي رحمه الله!! والحاج داوود اليعقوبي الرجل الورع الذي كان يبيع الكباب في السماوة  وحاجيات البيت المستعملة في مشيغن ورجلي الدين  الشيخ كامل البغدادي والسيد محمد الحسني  السعبري وقرّ الرأي الى ان حياتي في مشيغن أفضل لي ولعائلتي والجالية العراقية والعربية!! وعمل لنا اليعقوبي وليمة غداء سخية في اليوم الآخر فشوى لنا الكباب على الفحم في جزيرة سحرية جميلة على الجانب المقابل لكندا!! وكان السرور والمرح والألفة ميسم تلك الوليمة!! وفي المساء وعلى مائدة العشاء في بيت ابي الخطيب عين  تعرفت على فتى وسيم لبق اسمه حامد الدلال وقال لي  انه صديق خطيب ابنتي الذي كاغن مقيما  في بيته حينما هاتفناه من اليمن!! وأبدى استعدادا كبيرا لتوفير بيت فاره  لنا نشتريه وبأقساط شهرية رمزية مريحة قد لا تتجاوز الخمسماية دولار شهريا بل وصلت به الحماسة الى ان قال: شوف دكتور أنا دلال معروف وحالتي الأقتصادية ممتازة وأعدك بشرفي! هذا مخلص الحكي!!

بمجرد ان تصل الى مشيغن وتخابرني من المطار سأكون بانتظارك لكي أنزلك في قصرفخم!!

واضاف  الخطيب عين قائلا : وأنا لدي صديقة عزيزة ولي تأثيري عليها تعمل موظفة مهمة في اللوثرن سيرفس وتعهدت أن تؤثث بيتك بمجرد اعلامها واخرج من جيبه بزنس كارد باسمها وسلمه لي!

71-yas13لو كنت حاضر الذاكرة لقلت في نفسي ان هذا الفتى وعدنا  في سوريا وعد شرف انه سيكلف صديقته الموظفة الكبيرة في دائرة الهجرة الأمريكية!! لكي تأتي الى سوريا أو اليمن وتأخذنا معها دون وجع راس أو سين وجيم!! واظنه كان يبلفنا ويتظاهر الوجاهة المزيفة  وحين عاد الى امريكا وعدنا الى اليمن اصبح لا يجيب على تلفوناتنا المتلهفة المتكررة اطلاقا!! المهم تكلم ابن عمي (السيد حكمت السيد عبد الرسول) وكان حاضرا ووبخ حامد الدلال وقال بالحرف الواحد : ان حامدا يكذب عليك وانه لن يفي بأي شيء وعدك به!! ..... وما بقي من الوقت زرت وأبوخطيب ابنتي المجمع الاسلامي والتقيت صديقي القديم آية الله الشيخ عبد اللطيف بري وقد غير الزمن ملامحه ولكنه لم يغير عواطفه وخلقه الجم  وتهيأ لي أنه في بحبوحة من العيش وكان اللقاء حارا!! واستثمرت الوقت لزيارة السيدة ام احمد  ابنة  السيد عبدالحسين السيد داوود وأنا خالها أخو امها السيدة شكرية ابنة السيد علي الصائغ واكتشفت ان خلافا كبيرا دب بين السيد حكمت وزوجه السيدة وصل الى المحاكم الأمريكية والى ان يتدخل الناس بينهما!!وحاولت اصلاح ذات البين بين الاثنين وفشلت فشلا ذريعا!!وكانت ام احمد  قد قرفت زوجها السيدحكمت وزهدت برفقته!! وعلمت فيما بعد ان  السيد حكمت وأمام الناس طعن باخلاق  أولاده مع الاسف الشديد واقول ان الشهادة لله فقد رزق لله ابن عمي سيد حكمت اولادا هم مفخرة الجالية العراقية والنموذج الراقي  للتصرف القويم وهم يخشون  الله  في كل شيء  فضلا عن ان الله حباهم اشكالا غاية في الوسامة واللياقة من السيد احمد الى السيد محمد الى السيد اسعد!!  وقررت مواصلة زياراتي لمعالم مشيغن فزرت بعض المواقع  والمراكز والمكتبات في ديترويت وديربورن وقد فوجئت أن الأستاذ ميم والد خطيب ابنتي وابن عم زوجتي  لم يترجم شهادتي للدكتوراه يا للهول كما وعدني ولم يعمل (رزمي) لي يا للورطة ولم يبذل اي جهد من أجل عملي وعمل عائلتي  يا للخيبة والكسوف!! وكان علي أن أحلل هذه الأشارة المهمة ولكن القدر غطى على عيني! وفي يوم الأثنين 18 اغسطس 2000وتمام التاسعة والنصف مساء  اقلعت بي طيارة العودة وبلغت مدينة سولت ليك في تمام الحادية عشرة والدقيقة الثالثة والخمسين مساء وفي يقيني ان البقاء في حيث نحن اسلم!! ووافقت العائلة على قراري بالبقاء في سولت لك وصرف النظر عن فكرة الاقامة!! بعد جولتي غير الموفقة الى مشيغن  ......... ولكــن!!

....  استيقظنا ذات صباح  يوم أغبر مكفهر وقررنا فجأة ودون سابق انذار هجرة  يوتا والطيران صوب مشيغن ... وحجز صديقي الرائع  الملة راضي اربع تذاكر سفر بمبلغ 3600 دولار وبسرعة المسحورين جمعنا المهم من موجوداتنا وتخلصنا من الموجودات التي اجتهدنا امكان التخلص منها وأبردت سيارتي الفورد اسيكورت استيشن 1995بسعر سبعماية دولار وأبردت مكتبتي بالبريد المضمون وكلفتني كثيرا اقله اني فقدت ستة كتب مخطوطة انجزتها على مدار ربع قرن مع وثائق مهمة وقصايد وبحوث لم تنشر بعد!! السفرة  المشؤومةكلفتني قرابة الثمانية آلاف دولار وضياع كتبي المخطوطة الستة وانسلاخ ابنتي الصغرى  عنا لتجرب حياة زوجية فاشلة ومملة ومروعة بل وكارثية!!وأنا الذي يعيش دون عمل أو دون أمل في الحصول على عمل أو دون أمل في الحصول على أمل!! اما الخساير النفسية والمعنوية والصحية فحدث واياك الحرج  وحسبي الله ونعم الوكيل ممن خدعنا وورطنا!!  أقول : سافرت زوجتي وابنتي الصغرى  الى ديترويت مبكرتين وأوصلهما الى المطار الصديقان الأمريكيان : سوزان وزوجها ستيف وكانا يجهشان بالبكاء لفرط تعلقهما بنا! واذكر ان الصباح كان شديد البرودة وثمة شاور (دوش) ثلج!!     لبثت في البيت مع ولدي بانتظار الصديق حسن الحامد السماوي الذي وافاني في العاشرة صباحا حسب الموعد وانطلقنا نحن الأثنين صوب دائرة اختبار قيادة السيارة التابعة للمرور وكان الثلج يملأ الشوارع والبرد فوق طاقة الاحتمال وحين وصلنا المكان دخلنا وفق اللاين فاذا جاء دوري ركبت الى جانبي الموظفة الممتحنة وهي امرأة في الستين من عمرها حسنة الهندام طيبة ملامح الوجه وابتسامتها الدافئة اشعرتني بالثقة ودخلنا الساحة وبدأت ايعازاتها تترى علي وكنت استجيب لها بطريقة نالت اعجابها فسمعتها تعلق على كل استجابة مني بـ (أكسلنت)!! ولم يمض على اختباري سوى عشرين دقيقة حتى سمعتها تشكرني وتطلب الي ايقاف مركبتي لكي تترجل عنها وتمنحني وثيقة النجاح في الاختبار بامتياز وقد شعر الصديق حسن الحامد بغبطة وضحت على قسمات وجهه!! حين حدثته الممتحنة عني بوصفي ذا خبرة مهمة في قيادة المركبات!! وعدت الى البيت مسرورا لأجد الصديقين الرائعين الملة راضي الحلفي وأحمد المالكي بانتظاري وعلمت أن الملة راضي لم يكن راضيا اطلاقا عن فكرة انتقالنا الى ولاية مشيغن وسلمني ورقتين مطبوعتين جاء فيهما :

بســم الله الرحمن الرحيــم

الى جناب الوالد العزيز والأستاذ الكبير والصديق الوفي أبو نهــار المحترم

السلام عليكم : نكتب لنكذب على الفراغ وعندما نصمت تفترسنا الحقيقة...!!! ملعونة هذه الغربة فهي تتمكن من صبرنا يوما بعد يوم وتحاول جاهدة تضييق الخناق على قلبي من خلال ترحيل الأحبة عني!! ألم يكفها ما أنا فيه؟!! ..لك هذه الكلمات وأنت أبو الكلمات :

1/ أحسّك بالكلب موجود

أحسّك رازقي واشتم

أغمض عين افتح عين

لون ترهم أحطّك بالكلب شريان

وبكيفك توزع الدم .

(2)عبدالأله تمهّــل               أنت الحبيب المدلل

شـــرّفتني بالأبوة               وذاك عندي أجمل

لا تخش أيّ حسـود               كلامه يتأوّل!!

فأنت روضــة ورد              حاشا ورودك تذبل

حبّيـك ملء فؤادي               ومن معينك أنهل

داج وداعك عندي                فأنت للدرب مشعل

وأنت معنى لـ (يوتــا)        يا فارسا ما ترجّل

لم الطحالب تنمو؟؟              لم المسرّات تقتل؟؟

المخلص: أبو أحمد ملّة راضي الحلفي

سولت لك سيتي (يوتا)  9 أيلول ســبتمبر 2000                                                           فيه بعد وصولنا المبارك الى أمريكا :

((CEDAR POINT)) 731 south 300 east  A.P.T B112

S ALT  LAKE   CITY . UTAH  84111.   U. S. A

نظفنا البيت الذي سنتركه لأننا سنترك المدينة والولاية والأصدقاء والمعارف ولسوف نندم في قابل الأيام على نعمة لم نحسن الإحتفظ بها وقد استأذنني ولدي في وداع زميلته وربما صديقته الصبية المكسيكية وسألني فيما إذا كنت امانع في دعوتها الى البيت!! فقلت له تصرف ياولدي فانت موضع احترامي وثقتي وبعد نصف ساعة كانت زميلته معه في البيت وحرصت أن لا اضايق الإ ثنين بفضولي! ثم زارنا أبو صفاء الذي لم أسأله ولو مرة واحدة عن اسمه خشية إحراجه فمعظم  المغتربين العراقيين يكتفون بالكنية فقط  ويهلعون حين يسألون عن أسمائهم الحقيقية!! يقول ابو صفاء انه مدني منحته المعارضة في كردستان رتبة عسكرية ولم يخبر الحكومة الأمريكية بذلك فسجن لفترة طويلة ثم افرج عنه!!   وحسن الحامد     من مدينة السماوة يقول انه مهندس!! متزوج زواج مصلحة من عزباء امريكية على شيء من الجمال والشباب والذكاء والغموض وهي مرتابة جدا من حسن الحامد!ولعل هذه الأمريكية شعرت كما شعرت أنا وبعض الجالية العراقية أن  حسن الحامد قد وضع عينه على ابنتي الصغرى  حتى منع العراقيين من زيارة بيتنا دون علمه زاعما انه من اقاربنا وأن لدينا شابة ولا يجوز مضايقتنا بزيارات من الجالية العراقية ولو كانت عائلية!! علمت بكل ذلك بعد فوات الأوان يا للاسف الشديد!....وذات صباح لا أذكر ملامحه حملنا الصديق الفاضل ملّة راضي بسيارته الى المطار وفي الطريق همس الى ولدي بل باح له بحزنه : أنه مجروح جدا من الدكتورعبدالإله لأنه سحب منه كتاب الأدب الجاهلي وبلاغة الخطاب كأنه أهدى كتابه ثم ندم!! والولم يعرف الملا راضي ان هذه طريقتي في التعامل مع كل من  أهدي اليه  كتابي النادر  وأكتشف ويا للهول أنهم لم يقرأ  الكتاب!بل ان الملة راضي لم يقرأ شيئا من كتابي وقد لبث معه شهرين!وكنت أرضى منه لو انه اكتفى بقراءة  الفهرست!! وطلبت بالفعل منه ذلك اي ان يقرا كتابي او جزءا منه او الفهرست  بيد أنه لم يفعل!! فهل ثمة عقوبة أخف من هذه؟ انتهت حكاية يوتا وفي الحلق شجى

 

س32:  خيون التميم: ما هو الفارق بين الغربة والاغتراب؟ ثم الفارق بين مغترب مدينة مشيكان وواشنطن التي ذهبت  اليها للعمل؟ ما هو إنطباعك  عن المثقف والمؤسسات الثقافية في مشيغن؟ 

ج32: د. عبد الاله الصائغ: الشق الاول في الغربة والاغتراب! جربت الغربة حين انتقلنا من محلة البراق في النجف الى محلة السراي في الكوفة! انتقلنا من قصر منيف الى بيت قديم متداع! كان اصدقاؤنا اطفال البراق لهم مواقيت للاجتماعات ووسائل للتبليغات السريعة وعدة لصد غزو المحلات الاخرى مثل المعجال والكَزوة والمكَوار!! وكنا شقيقي محمد وانا نموذج لاطفال المحلة يهابوننا اولا ويحبوننا ثانيا! في محلة السراي قاطعنا الاطفال لان شيخ اطفال المحلة لايحب الوجوه الجديدة وان كان ولابد فليكن على ان يهين  القادم الجديد دون سبب ليدخل في دائرة سلطته ونفوذه وهكذا اجتمعنا انا وشقيقي محمد في زقاق منيجة ومعنا بعض صبيان المحلة الحاقدين على الشيخ واتفقنا على بهذلة شيخ محلة السراي ةوسحب الشيخية منه فكان لنا ما اردناه ونجح ما خططناه! ثم ذقت الغربة وانا صبي دون الثانية عشرة في الناصرية والكاظمية! وحين كبرت وعيت ان الوطن مدينة واحدة وبيت واحد وعائلة واحدة وليست ثمة غربة داخل الوطن لان الغربة هي عبور حدود الوطن ولو بخطوة واحدة! اما الاغتراب فهو جيشان عاطفي وجداني لاصلة رئيسة له بالغربة!الصائغ يعيش في الغربة  ولايستشعر الاغتراب والصائغ يعيش في الوطن موجوعا بالاغتراب!..الغربة هي مغادرة  المرء وطنهلمسوغات قاهرة او اختيارية! فيبدل الوطن والسكن والعمل والاصدقاء وربما الاعداء والنفوس الكبيرة تتطلب الغربة ان بسبب الخلاص من الاغتراب او الملل او قلة ذات اليد يقول الامام الشافهي قدس سره :

مافي المقام لذي عقل وذي أدب    

       من راحة فدع الأوطان واغترب

سافرتجد عوضاً عمن تفارقه

            وانصب فإن لذيذ العيش في النصب 

إني رأيت وقوف الماء يفسده  

            إن سال طاب وإن لم يجر لم يطب

الأسد لولا فراق الغاب ماافترست  

        والسهم لولا فراق القوس لم يصب

والشمس لو وقفت في الأفق دائمة

            لملها الناس من عجم ومن عرب

والتبر كالترب ملقىً في أماكنه

                  والعود في أرضه نوع من الحطب

فإن تغرب هذا عز مطلبه

                وإن تغرب ذاك عز كالذهب

لكن للاغتراب ايقاعا مغايرا!  فهو حالة مرضية تجتاح الروح وربما تقضي عليها مثل الحنين المميت للوطن (هوم سك) واحساس الواعي الموهوب بالتهميش والاختزال والتطنيش والهوم سك حالة قد تصيب المريض  داخل وطنه حين تتسع المسافة بين الوطن الواقع والوطن المثال والمواطن الواقع والمواطن المثال! ثم عدم تكافؤ السوانح للشغل والرزق  والسكن والجاه والمنصب .. الخ! قلت مشاعري ويقيناتي في هذا النص فتصدى لي ارهاب الجمهور وصال وجال :

بيت القصيد لوالغ بدمي      ولطاعن في حسي الوطني

وطني حكومات وانظمة              ومقابر ومنابر وطني  

وجنائن وبلابل وقرى            الله هل ادريك ما وطني

ان اللبيب ولست أخطؤوه     يدري بما أعنيه بالوطن

جرتِ الدماءُ فصحتُ ياوطني أكذا الوباء يعيث في وطني

ليلٌ ثقيل مثل خيبتنا         والبدر مطرود  عن الوطن

حتى الجراد غزا على مهل    فخوت حقول هواك  ياوطني

قالوا تفاءل وابتسم مرحاً    وتخيّلِ الأعيادَ في الوطن

فهتفت وا اهلي  ووا حلمي    ذبحوك ذبح الشاة ياوطني

من عهد اوروك و نحن دم         نذرٌ يباحُ لبيرق الوطن

وثن يروح ليرتقي وثنٌ    ومصارعُ الأوثان في وطني

قالوا تغرب عن اهل وعن  وبلد    يتقولون وغربتي  وطني

قالوا الفرات سقى النخيل وما    ابقى ظميٍ في غرين الوطن

والنفط ينشر خيره فإذا    الفردوس موئلها على الوطن

قالوا الحضارة والاخلاق ردفهما    دين فذي الآلاء من وطني

فأجبت قال مظفر وكفى   :     هل انت مبغى صرت ياوطني 

ماغربتي وطن اغادره          بل غربتي شعبي بلا وطن

بل غربتي وطن يغادرني       وشماتة النّهازِ في وطني

بل غربتي ثوبي غدا كفني والقبر صار مساحة الوطن

ان اللبيب ولست أخطؤه   يدري بما أعنيه بالوطن

بقي لدينا جواب الصائغ عن  السؤال الخيوني  الثالث  /  ما هو تقيمكم للحراك الثقافي العراقي بعد عام  2003 في داخل الوطن وخارجه؟ وهل تؤدي المؤسسات الثقافية في الداخل والخارج دورها في رعاية الثقافة العراقية والعلماء والمثقفين على حد سواء؟  ولسوف نجيب عليه قابلا ان شاء الله

 

عبد الاله الصائغ النجف الأشرف مشيغن المحروسة

الثامن من جون حزيران 2013

.....................

خاص بالمثقف

 

للاطلاع على حلقات الحوار

http://almothaqaf.com/index.php/hewar-m/

 

 

يمكنكم توجيه الاسئلة المحاوَر على الاميل التالي

almothaqaf@almothaqaf.com

 

.............

في الصورة: اعلاه زيارة الاتحاد الديموقراطي العراقي في امريكا للصائغ وكان ذلك شبه تقليد لدى الاتحاد في ترتيب زيارات حميمة لي ويبدو في الصورة يمين القاريء الشاعر اسماعيل محمد اسماعيل ثم المفكر عامر جميل رئيس الاتحاد الديموقراطي عهدذاك ثم الاستاذ نبيل رومايا الرئيس الحالي للاتحاد الديموقراطي ثم عبد الاله الصائغ ثم الاستاذ خيون التميمي بيمناه مسبحة ثم الاستاذ نجاح التميمي ثم الشاعر عامر حسن  وفي الاسفل صور من يوتا يسار القاريء معلمتي الامركية من اصل ايراني في معهد هورزنت واسمها آلي اي علي والصائغ الى يمينها والصورة الوسطى يبدو فيها الصائغ مع مجموعة من الجالية العراقية اليوتاوية والصورة يمين القاريء الصائغ وابنته زمان والصديق الرائع الملا راضي الصديق ثجيل الدراجي وزوجته الامريكية وصورة يبدو فيها المصري الحاج حمدي وزوجته البوسنية مدرسة الرياضة

  

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2469 المصادف: 2013-06-09 02:51:52