 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ا. د. عبد الاله الصايغ (17)

hamodi alkenaniخاص بالمثقف: الحلقة السابعة عشرة من الحوار المفتوح مع ا. د. عبد الاله الصائغ، وفيها يجيب على (ق1) من اسئلة الأديب حمودي الكناني.

 

حمودي الكناني: أديب وقاص / العراق:

أن تحاور قامة كبيرة في دنيا المعرفة يعني تماما مثل ذلك الذي يتمنى تسلق باسقات النخيل ليملأ زنبيله رطبا جنيا .. هكذا خُلتُني وانا اطالع هذا الحوار المفتوح مع الاستاذ الدكتور عبد الاله الصائغ المكتنز فكرا وأدبا ثرا ومعرفة ممتـــــدة .. لم اعرفه من قبل ولكننا تبادلنا التحية مرة واحدة ومن بعدها لم تسنح فرصة اخرى .. أنا أحبه لكن كعادتي أنا البدويُّ لا احب أن اكون زائرا ثقيلا في وقت ارى فيه الصديق بحاجة الى جر انفاسه بهدوء .. لملمتُ نفسي من اطرافها وضغطها لتسكب في انائي لعلَّه السمن (الحر) (كإيدام) عشاء مع هذا الرجل الكبير في فكره وتهذيبه .. وكأني به نجفي الهوى عراقي الطبع يغمض عينيه فيرى رافدين يخاطبان الضفاف بحميمية و إلفة .. فليسمح لي الاستاذ الدكتور ان أدخل معه في هذا الحوار لعلني افلح في ملء زنبيلي ..

س41: حمودي الكناني: استاذي الكريم  انت من عائلة ضاربة الجذور في النجف  فهل لك ان توضح لنا من أين جاءت هذه التسمية  لهذه المدينة؟

د. عبد الاله الصائغ: حمودي الكناني جاذبية الابداع وتلقائية السطوع

ربما شاءت المقادير ان اكتب عن هذا الفنان الفذ وانا في وضع صحي لا اتمناه لخصومي، لكن القول المتاخر خير عندي من كتمانه، فنان يذهلك فنه عن نفسك قدم كما ونوعا متميزين للحساسية العراقية، ووجد من ينصفه بقلبه ومن يظلمه بقلبه ويده ولسانه، كان طبيعيا ان يجد هذا الفنان الحالم المندفع من يكيد له لا لشيء الا لان حمودي الكناني قدم ما استطاع دون تنطع او ادعاء، انه كوكب بوجهين مضيئين، وجه الفنان المبدع ووجه الانسان المقنع، يا الهي كم اعشق هذا الفنان وكم اشعر انني اكثر النقاد عقوقا لهذا الكبير، قلب يسع العراق وخيال يصنع المعجزات، ولو كان حمودي الكناني معنيا بمديح النقد او قديحه لما قدم لنا الذي قدمه، قدره ان يكون مبدعا وقدره ان يكون حساسا وقدره ان يكون عراقيا وكلها اقدار لن ترضى باقل من العمر، انني انتظر من هذا المبدع الكثير الكثير فهو لا يعبأ بالعمر ولا العقبات لانه مشغول البال بالابداع وحده، يشغله الابداع عن نفسه واوجاعه بل وعن خصومه ايضا، تمنيت ان اجد متسعا من القدرة ولا اقول الصحة اكي انفذ مشروعا في ذهني عن الكناني الجميل و الفنان المغاير

ج41: د. عبد الاله الصائغ: من اين جاءت كلمة النجف؟

نؤصِّل (نؤثل) كلمة نجف ذات الاشعاعات التي لاتعد، فالنجف رابعة المدن المقدسة في العالم الإسلامي بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف كيف اذن نؤصل هذه المفردة الصعبة جدا والسهلة جدا؟ كيف نطمئن لآراء قيلت في التأصيل قبل قرون او حقب او ساعات، ومازلنا مثلا نسمع تأويلا شعبيا متداولا (وفيه لمسة من التاريخ) للتسمية يقول ان الأصل هومن بـحر الـني الذي جفَّ، هل كانت النجف بحرا ثم جف؟ قال تكسيرا الذي وصل النجف في 18 أيلول 23 ربيع الثاني سنة 1013هـ: إنّ مدينة النجف كانت تطل من موقعها العالي على بحر النجف … وقال: إنّه ليس لهذه البحيرة شكل معين لكنها تمتد بطولها حتىّ يبلغ محيطها خمسة وثلاثين إلى أربعين فرسخا، وهناك قريبا من منتصفها ممر ضحل تستطيع الحيوانات اجتيازه خصوصا في المواسم التي يقل فيها ماء البحر . وقال: إنّ هذه البحيرة كانت شديدة الملوحة، ولذلك كان يستخرج منها الملح الذي يباع في بغداد والمناطق المجاورة مع ملوحتها كان يكثر فيها السمك بأنواعه المختلفة، ولهذا كان يسميها الناس بـ (الرهيمة) . ويرى تكسيرا: إنّ بحر النجف يستمد ماءه من الفرات، ولذلك يلاحظ ازدياد مقادير الماء في مواسم الطغيان (الخنياب) كما يلاحظ انخفاظ المياه ايام (الصيهود) فالبساتين قائمة حول النهر المنحدر من أبي صخير والذي يزداد أيام فيضان الفرات، ونرجح ان هذا المنخفض الكبير العميق كان موضعا لتجمع مياه الأمطار بحيث يظنه الرائي بحرا، وكانت مياه الفرات زمن الفيضان تتجمع فيه بحيث يسبح فيه النجفيون حين تتكاثر، لكن بناء سدتي الهندية والرَّزَّازة اسهم حثيثا بجفاف هذا الحوض المائي،

قال الدكتور عباس الترجمان في موقع النجف الأشرف:

موقعه في وسط العراق غرب الفرات مشرِقَ الرقراق

في ارض غربي جنوب الكوفة باسم الغري سابقا معروفة

في نجفةٍ شيد فوق الهضبة فالجو صاف والرياح طيبة

وأرضه الرملية المشرفة بالدُّر من رب السماء مُتْحفة

ينقلب الحصى بوادي النجف درَّاً شهيراً باسم درِّ النجف

جانبه فيه دلالة على زوالِ بحرٍ زاخرٍ فيما مضى

لأنه ينحدر انحدارا بعامل النحت الذي توارى

تصلُّب الطين على جوانبه دلالة النحت على رواسبه

معروفة هناك بالطارات كهوفها تعرف بالغارات . إ . هـ) .

فمن قائل ان النجف مدفن لايصلح سكنا، وصحراء لا تنهض وطنا، فهي عطشى لاتنبت غير الحسك والشيح والقيصوم او هي (النجف الأشرف) مأوى الشيوخ والعجائز .

قال احمد الصافي النجفي فيً النجف:

صدقَ الذي سماك في وادي طوى يادار بل وادي طوى وعراء

جلستْ على الأنهار بلدانُ الورى فعلامَ انتِ جلستِ في الصحراء

إن الغريَّ بلدةٌ تليق أن تسكنها الشيوخُ والعجائز

فصادرات بلدتي مشائخٌ وواردات بلدتي جنائز)

الى قائل ان النجف مسكن صحي جميل،قال اسحق بن ابراهيم الموصلي يمتدح الواثق ويذكر النجف:

ما إن ارى الناس في سهل وفي جبلٍ اصفى هواء ولا اعذى من النجف

كأنَّ تربَتَه مسكٌ يفوح به أو عنبرٌ دافه العطار في صدف

الى قائل ان مجاورة امير المؤمنين علي بن ابي طالب ضرورية للمسلم حيا وميتا،قال الحسين بن الحجاج (عباسي) مخاطبا على بن ابي طالب عليه السلام مشيدا بشفاعته:

ارجو بانك يا مولاي تشفع لي وتسقني من رحيق شافي اللهف

لانك العروة الوثقى فمن علقت بها يداه فلن يشقى ولم يخف

لان شانك شان غير منتقص وان نورك نور غير منكسف

وانك الآية الكبرى التي ظهرت للعارفين بانواع من الطرف .(4)

وعليه يكون تأصيل (نجف) اي البحث عن اصول الكلمة امراً غاية في الأهمية،، فقد نقل ابن منظور المصري أن نجف أو نجفة: ارض مستديرة مشرفة. والجمع نًجُفٌ و نِجاف . وقال الجوهري: النًجف والنِجاف، بالتحريك، مكان لايعلوه الماء مستطيل منقاد، والجمع نِجاف .. ، وقال ابن الاعرابي: النجفة المسناة، والنجف التل . وقال الازهري: والنجفة التي بظهر الكوفة وهي كالمسناة تمنع ماء السيل ان يعلو منازلها ومقابرها"والنجف انما سمي بهذا الاسم لانه يعني ارضا عالية معلومة تشبه المسناة تصد الماء عما جاورها، وينجفها الماء من جوانبها ايام السيول، ولكنه لايعلوها فهي كالنجد والسد، وتغلب على شكلها الاستطالة دون الاستدارة التي اشار اليها بعض اللغويين .. إ. هـ ويفيدنا هنا قول ياقوت الحموي: النجفة بالتحريك تكون في بطن الوادي شبه جدار ليس بعريض وقد يقال لابط الكثيب نجفة الكثيب وهو الموضع الذي تصفقه الرياح فتجففه اما النجف بالتحريك فقال: بالفُرُع عينان يقال لاحداهما الرَّبَض وللأخرى النجف تسقيان عشرين الف نخلة وهو بظهر الكوفة كالمسناة تمنع مسيل الماء ان يعلو مقابرها والنجف قشور الصلبان وفي هذا الموضع قبر امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام إ. هـ كما ينفعنا الرجوع الى ماكتبه احمد حسن الزيات وزملاؤه في المعجم الوسيط فقد اشار الى كل شيء في مادة نجف ولكنه لم يشر الى أن النجف المدينة التي تشرفت بقبر امير المؤمنين علي،،،، جاء في المعجم الوسيط الذي اخرجه مجمع اللغة العربية في القاهرة: نَجَفَ الشيءَ نجْفا حفر فيه ووسع جوفه ويقال نجف الشجرة أي قطعها من اصلها ونجَّف الشيءَ مبالغة في نجف أي رفعه وعلّاه والمنجاف هو سكان السفينة الذي تعدل به، والنجف: التل وجمعه نِجاف والنجفة مكان مستطيل كالجدار في وسط الوادي لا يعلوه الشيء، والنُّجْفَة القليل من الشيء يقال اعطه نُجْفَةً من لبن .إ. هـ

وقد اضيفت صفة الاشرف لاحقا، فالمصادر القديمة لا تسعف الباحث لإضاءة موضوعة كهذه اي متى كانت الإضافة ولماذا وكيف؟؟؟ أهناك حادثة معينة تم من خلالها اضافة كلمة " الاشرف " الى النجف، ان الكتب القديمة لاتجيب عن مثل هذه الأسئلة بما يولد قناعة مؤداها: ربماتكون الأشرف صفة حادثة وليست قديمة،، لكن الكتب التي ألفت في القرن الثالث عشر الهجري تسلط شيئا من الضوء يسيرا على هذه الإشكالية،، فالشائع في وصف المرقد العلوي هو إلحاق الشريف كحالة من الإتباع فنقول المرقد العلوي الشريف . .وبي ميل الى ان اضافة " الاشرف " جاءت متاخرة، وقد لا تتجاوز القرن الماضي فوجدت قبولا لدى المسلمين وبخاصة شيعة اهل البيت ثم اشتهرت بذلك، وارجِّح عددا من الأسباب لهذه الاضافة، اوردها على النحو التالي:

مرت بنا قبلها الرواية التي تنص على ان رسول الله (ص) خاطب علي بن ابي طالب قائلا له " .. ثم ارضُ كوفان فشرفُها بقبرك ياعلي .. " وحقا لقد شَرُفَت هذه الارض بمرقد الامام امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام .

و النجف كما اوردت الروايات تضم قبري آدم ابي البشر، ونبي الله نوح عليهما السلام كما تضم مدينة النجف كذلك قبري النبي هود والنبي صالح عليهما السلام

3- لقد وردت روايات عديدة عن ائمة اهل البيت عليهم السلام في فضل النجف، منها ماروي عن الامام علي عليه السلام، " اول بقعة عٌبد الله عليها ظهر الكوفة، لما امر الله الملائكة ان يسجدوا لآدم، سجدوا على ظهر الكوفة

ويمكن للزائر ان يرى في رحبة مسجد الكوفة عددا من مقامات الانبياء التي اوردتها الكتب السماوية المقدسة وفي المقدمة القرأن الكريم .") .

ورد في التأريخ ان في العالم الاسلامي اربع جامعات اسلامية قديمة، وهي جامعة القرويين في المغرب، وجامعة الزيتونة في تونس، وجامعة الازهر في مصر، وجامعة النجف في العراق، وهذه الجامعات الاربع تجاوز عمرها الف عام، اوهي على ابوابه كما هي جامعة النجف التي احتفلت بألفيتها منذ عقدين ونيف فهي رابعة المدن المقدسة في العالم الإسلامي بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف ويمكن اعتداد تاريخ انتقال مؤسس النجف ومرجعيتها العلامة الشيخ الطوسي (ق . س) من بغداد الى النجف، وهوعام 449هـ تاريخ نشاطها المرجعي الذي عرفت به فيما بعد النجف تشرفت بمرقد الامام علي بن ابي طالب عليه السلام والأنبياء الأربعة، ولعل الذين اضافوا كلمة الاشرف الى النجف نظروا الى كون هذه الجامعة اشرف الجامعات الأربع الاخرى لكونها تشرفت بمرقد الامام علي (ع)، " باب مدينة العلم "، كما قال رسول الله (ص): " انا مدينة العلم وعلي بابها " وتشرفت كما مر بنا بقبور الأنبياء الأربعة، ونقلا عن المجلد الثاني من روضات الجنان ص 232: ان السلطان مسعود بن بابويه الديلمي امر ببناء سور مشهد النجف بعد ان فرغ من تعمير القبة الزاكية وتجصيص خارجها وداخلها ثم دخل الحضرة الشريفة ومعه الشريف الرضي وقبَّل السلطان القبة المنيفة فوقف الشاعر ابو عبد الله الحسين بن الحجاج وانشد قصيدته الفائية مشددا على معاني الشرف التي تحضى بها النجف المشرفة بقبر الوصي امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام .. إ. هـ ومنها بل ربما صفة الشرف هي التي جعلت الفاء روياُ للقصيدة :

ياصاحب القبة البيضاء في النجف من زار قبرك واستشفى لديك شفي

زوروا ابا الحسن الهادي لعلكم تحظون بالاجر والاقبال والزلف

اذا وصلت فاحرم قبل مدخله مُلبِّياًواسْعَ سعياً حوله وطفِ

حتى اذا طفت سبعا حول قبته تأمَّلِ البابَ تلقى وجهه فقف

وقل سلام من الله السلام على اهل السلام واهل العلم والشرف

اني اتيتك يا مولاي من بلدي مستمسكا من حبال الحق بالطرف

راجٍ بأنك يامولاي تشفع لي وتسقني من رحيق شافي اللهف

لانك العروة الوثقى فمن علقت بها يداه فلن يشقى ولم يخف

لان شانك شان غير منتقص وان نوركَ نورٌ غير منكسف

وانك الآية الكبرى التي ظهرت للعارفين بأنواع من الطُّرَف

بحب حيدرة الكرار مفتخري به شرفت وهذا منتهى الشرف)

وهكذا نجد ان القلوب كانت مهيأة لتمييز هذه المدينة المقدسة عن سواها، فضلا عما تتمتع به النجف من كريم الصفات التاريخية والمكانية والدينية .

 

س42: حمودي الكناني: النجف هذه المدينة المائزة  بما احتوت  تمتاز عن باقي المدن بسراديبها  التي كانت اشبه بصفوف دراسية  يسمع فيها الجالسُ كل ابواب العلم والمعرفة .. هل أثّرت هذه السراديب في حياتك؟

ج42: د. عبد الاله الصائغ: سراديب النجف ياللسؤال المهيب؟

نعم ياحمودي الكناني ان النجف هي المدينة المائزة بما احتوت عن باقي المدن بسراديبها التي كانت اشبه بصفوف دراسية يسمع فيها الجالسُ جل ابواب العلم والمعرفة وقد اثرت هذه السراديب في حياتي بل وفي مخيالي تأثيرا عميقا، احببت سراديب الموصل التي يسمونها رهرة، وفي امريكا احببت سراديب المدن ويسمونها بيسمنت، وقد دعاني قبلك استاذي العظيم طاهر البياتي للكتابة عن سراديب النجف وتمنى علي ان اتدخل لحمايتها بوصفها معالم اثرية وسياحية معا، وكتبت فصولا في السراديب وجدت احتفاء بها كبيرا، واعتبرت ابتكار النجف الصحراوية للسراديب برهانا ساطعا على عبقرية النجف في حماية الاجساد في الصيف والشتاء وحماية الارواح وقت الحروب والغزوات، وفي دواويني الشعرية حنين وشجن للسراديب النجفية قارن هذا النص المقتبس من ديواني هاكم فرح الدماء:

 

مدينتي أزقَّةٌ ..

أزِقَّةٌ تُفْضي إلى أزِقَّةٍ تُفضي إلى أزِقَّةْ

فيها السَّراديبُ بيوتُ النَّمْلِ

يا نمنمةَ المغيبْ ..

يا رَمْلَها والطيِّيبْ

يا غابةَ القبورِ والأرواح

يا جُرْحَها تلعقُهُ الأشباح

مدينتي تُنُّور

يولَدُ فيها النُّور

يُحْرَقُ فيها النُّور

مدينتي كركرة غيبها

الدرويش والعثنون

تبت يداه ساحراً وتبّْ

الآكل السحتَ فما أغناه ما كسب

وما أفاء جدث يغدقه الذهب

مدينتي تُنُّور

يولَدُ فيها النُّور

يُحْرَقُ فيها النُّور .

لو ينزلُ المطرْ،،

لو مرَّةً تغتسِلُ الأشجارُ بالمطرْ

وسلطة الغبارِ والصَّغار والخزف

تنأى عنِ النجف

لو ينزلُ المطرْ،،

أنزلُ للشارعِ عُريانَ أُغنِّي: يَتُها المدينة

أتعبني الغبار والصغار والتتار

في قيلولة الشرف

وثَمَّ ظل خلف خطوي ينشر التلف

وثَمَّ ثَمَّ راقد السرداب و الليل قد انتصف

وقف ..

أرقني اللاشيء يُدمي الشيء

أرقني الطُّحْلُبُ مسروراً برَشْفِ القيءْ

ياهذهِ الغرقى الى النَّهدينِ باللؤلؤِ

والبارود والأشلاءِ والصَّدَف

جئتُكِ عُريانَ لأعترف

كنت كما التنور

منك نهلنا النور

وفيك غاض النور .

عبد الاله الصائغ

ديوان هاكم فرح الدماء طبعة دار الساعة بغداد 1974

كتبت للقدوة التربوية الاستاذ طاهر البياتي رسالة انترنيتية جوابا على رسالته لي التي خطتها يده الشريفة وكانت رسالته ورقتين،: سيدي ومعلمي الأستاذ طاهر البياتي: هل اتاكم نبأ سراديب النجف؟ بيوت تحت بيوت تشكل مدينة تحت مدينة، من سمع عن السراديب من شاهد السراديب فذلك جميل ولكن عليه ان يصبر قليلا، فقد يجد في محاولتي هذه مفاتيح لأسئلة مغلقة، ومن لم يسمع او لم يشهد فهي سانحة نادرة كي يراها رؤيا العين ويتلمس بانامله قيعانها وحيطانها، ويهتك خباياها وأسرارها، النجف او الغري او ذات الذكوات .. مدينة تقع على قمة مسطبة رملية عالية عريضة، وكانت تطل على بحر متلاطم الموج بحيث اغرى النعمان بن المنذر بن ماء السماء كي يبني قصره الشاهق الذي يحاكي ناطحة التراب مطلا على البحر، وموضع قصر الخورنق اليوم تحت المعهد الصناعي في النجف، ويتفق المؤرخون ان تحت هذا القصر عدد من السراديب استخدمت كطوامير للسجناء وكمخازن للقى الثمينة، وقد أصر العمى على طمس معالم هذا الصرح السياحي الحضاري (الوثني) المعهد يجثم على الشارع الذي ينطلق من النجف وينغلق في ابو صخير (قضاء المناذرة)، ورأيت نظيرا لقصر الخورنق في اليمن وقد وفقني الله حين كنت استاذا في جامعة صنعاء ان ازورقصرا يمانيا أثريا في وادي ظهر وسمي قصر الحجر بسبب من اعتماده في بنيانه على الحجر وقيل نسبة الى الصخرة التي قام عليها كمحاكاة لقصر الخورنق المبني على صخرة والفرق ان صخرة الخورنق صغيرة وخبيئة وصخرة قصر الحجر كبيرة وظاهرة، والقصر مؤلف من سبعة طوابق تحاكي ايام الاسبوع ومجموع غرفه خمس وثلاثون غرفة سوى الصالات وقد استخدمه فيما بعد الامام يحيى حميد الدين رحمه الله وقد تأيد لنا من خلال مشاهدة ميدانية انه بيت جاهلي فيه محاكاة واضحة لقصر الخورنق كما المحنا وقصر الخورنق بني على عهد الشيخ اليمني النعمان بن ماء السماء (نقول الشيخ لانه كان شيخ عدد من القبائل الصحراوية ولم يكن ملكا،) ومهمة مشيخة المناذرة المكلفة بحفظ حدود الفرس من العرب لاتختلف كثيرا عن مشيخة غزة اريحا المكلفة بحفظ الامن الاسرائيلي، وفي هذا القصر المنيف سراديب للاخفاء، وفي ذاكرتي منتصف ثمانينات القرن العشرين وكنت استاذا في جامعة الموصل كلفني صديقي عميد كلية الاداب الاستاذ الدكتور صلاح الدين امين وهو مؤرخ وكان معه عدد من مؤرخي الموصل، كلفني والمؤرخون ان ادعو صديقي الشاعر حميد سعيد الى الموصل من اجل ان يضغط على رغبة جامعة الموصل في ربط البيت الموصلي بالجامعة بينما مديرية الآثارالعامة كانت مترددة فبعض مستشاريها مع فكرة الحاق البيت الموصلي بجامعة الموصل والبعض الآخر من مستشاري مديرية الآثار العامة يمانع ومسوغه الحرفي في ذلك ان مديرية الآثار أجدر بحماية الآثار وحيازتها، وقد دعونا حميد سعيد فلبى الدعوةمشكورا ثم كشيء من المكر الخير تقصدنا ان يكون غداؤه في البيت الموصلي ومن خلال انبهاره بالبيت وبخاصة سردابه الكبير المتقن المدهش وحديث مؤرخي الجامعة التفصيلي عنه قرر ابو بادية (حميد سعيد) ان يجعل عموده في جريدة الثورة مكرسا لأحقية جامعة الموصل كي تضم اليها البيت الموصلي وكان عموده مقروءا من لدو المسؤولين الكبار، وقد فعل حميد سعيد وكتب عمودا في ذلك وخلال يومين فقط استلمت جامعة الموصل موافقة مديرية الآثار على وضع البيت التاريخي ضمن اشراف اكاديمييها المعنيين بالآثار، وتبين لنا ان مديرية الآثار العامة كانت قد وافقت قبل نشر عمود السيد حميد سعيد في جريدة الثورة وكان رئيس تحريرها، عرفنا ذلك من خلل تاريخ كتاب مديرية الآثار العامة المعزز برقم التسلسل، وكنت أزور سرداب ذلك البيت فيحملني الخيال الى الزمن السحيق وقمت بزيارات متعددة واحيانا رفقة بعض الزملاء المؤرخين فتأيد لنا انه بيت من العهد الآشوري لاغبار عليه وهذا يعني ان بناءه سبق ميلاد السيد المسيح بحوالي ستة قرون، الحق ان الاستطرادات السردابية كثيرة ولاتنتهي، فلنعد الى النجف وسراديبها، فنقول ان النجف مدينة كانت بحرية ثم تحولت الى مدينة صحراوية فكيف بها وكيف بقطّانها، لقد بات مناخها بسبب احاطتها بالصحاري الشاسعة مثل صحراء الانبار وصحراء الحجاز، مناخاً لاهب الحر صيفا مثلج القر شتاء ففي الصيف ثمة رياح محرقة تهب على النجف من صحارى الجزيرة مثل ريح السموم وريح اللاهوف وريح الغبرة، مع شحة مهلكة في مياه الشرب، وكان على النجفيين منذ اقدم العصور اختيار هجرة المدينة كما هجر التيزنابيذيون مدينتهم غب جفاف آبارها وشحة المطر، وتيزنابيذ (جيران النجف الأقربين 2 كم) فباتت اليوم خرائب واطلالا، وتقع تيزناباذ شرق النجف وقد زحف عليها البناء الآن والنجفيون يسمونها عريسات وذلك صحيح لأن النعمان هدم سابقتها وجعل من آجرها وخشبها مادة لبناء اللاحقة، وعريسات كانت مسلحة (ثكنة عسكرية) لجند النعمان بن المنذر شيخ مشيخة الحيرة وديماس (سرداب عميق جدا) تحت الأرض اتخذه سجنا للمحكومين مدى الحياة،، نعم النعمان اللخمي اليمني بنى عريسات من اطلال مدينة قديمة اسمها (تيز ناباذ) وفيها حانات ومعاصر خمر وخانات للهو، وقد جددها العباسيون وجعلوها وكنائسها امكنة للهو غير البريء، وقد وردت في الشعر وبخاصة كتب الديارات او الأديرة وهذا بيت نقتطفه للحسن بن هاني ابي نواس ويسميها طيزناباذا لان حرف التاء ثقيل والعربي يستعيضه بالطاء قولنا ارسطو وهو ارستو و سقراط وهو سقرات، يقول ابو نواس:

71-say17قالوا تنسك بعد الحج قلت لهم أخشى الإله وأغشى طيزناباذا

فقدحت الحاجة في ارواعهم فكرة (سردبة) المدينة، فعرفت السراديب بعيد زيارة الملك النعمان والشاعر الاعشى مدينة النجف (الأغاني للاصفهاني)، كانت السراديب في البدء محاكاة للمرابض والمهاجع في القيلولة، ثم تطورت لتحاكي الدياميس (سجون تحت الأرض) البابلية المبنية تحت المسالح، ومن خطل الرأي القول (إنها انتقلت الى النجف من مدينة شوشتر الإيرانية كما يذهب البعض، لان طبيعتها تحاكي طبيعة النجف) فقد عرفت النجف السراديب قبل ظهور الاسلام بوقت طويل وكان اسمها الغري بخصوصية لاشأن لها بشوشتر، فالحاجة ام الاختراع، وليست النجف بمحيطها القديم المحدد بسراديبها المشهورة بدعا في ذلك بل ثمة قصر اكيدر (الأخيضر) القريب منها حذو عين التمر ففيه سراديب دخلتها بنفسي بعضها مخازن اسلحة وبعضها مخازن تحف ونفائس ومنها سجون والبقية مهاجع اي سراديب تقليدية، وفي خانات النخيلة والنصف والربع ثمة سراديب بعضها وعبته المياه الجوفية الطارئة بسبب الكثافة السكانية، وثمة سراديب بابل المشهورة وفي الاساطير ان الساحرين هاروت وماروت مسجونان في واحدة من سراديب بابل، ولعل اشهر سرداب بابل هي سراديب بريسفون ابنة العالم السفلي التي خطفت دموزي واستأثرت به، كما ان القول ان غالبية المؤرخين يجمعون على ان بداية السراديب تزامنت مع نشأة مدينة النجف اي بعد شهادة الامام علي العام 40 هــ ودفنه فيها قول يفتقد الموضوعية، فمن هم المؤرخون الذين اجمعوا؟ ولماذا لانقول ان السراديب كثرت بكثرة سكان النجف غب استشهاد الامام علي بن ابي طالب مثلا، وان السراديب تطورت من حيث العمارة بعد هجرة الشيخ الطوسي اليها آناء القرن الهجري الخامس، اما القول ان النجفيين ابتدعوها لكي تحمى خزائن قبر الامام علي بن ابي طالب من غزوات الوهابيين واطماعهم فهو قول واه يعتد النتيجة من جنس السبب، نعم لقد وظف الشيخ جعفر كاشف الغطاء1156ـ1228 هـ (الشيخ الكبير) شيئا من اموال الحوزة لحفر سرداب خارق السعة خارق العمق بمداخل ومخارج سرية لحفظ خزائن الروضة وارواح علماء الدين وزعماء المدينة، قال الشيخ أحمد كاشف الغطاء وهو حفيد الشيخ جعفر أن جده حين ابلغ باقتراب البدو الغزاة الطامعين في النجف والحاقدين على الشيعة امر بحفر سرداب بشكل هندسي مميز لا يستطيع من يدخله الخروج منه إلا اذا عرف ممراته السرية الستة التي تنتهي عند مرقد الامام علي والتي تتخذ ابوابا اخرى تفضي الى خارج سور النجف من اجل تسهيل عملية الفرار حال احتلال المدينة، وبعد انتهاء تشييد السرداب و عمارته نهد الشيخ بإنزال خزينة الروضة العلوية مع عدد كبير من المخطوطات النادرة والكتب البالغة الاهمية والنفائس الاخرى من اجل حمايتها من السلب والنهب في حالة استبيحت المدينة من قبل الغزاة، ويصف الشيخ الحفيد سرداب الشيخ الجد فنفهم لان عدد درجات سلم السرداب هو اربعون درجة تؤدي الى سرداب آخر يتضمن عددا من الآبار مختلفة الأعماق مموهة بحيث لايعرف موضعها العدو او الغريب، يقول صديقنا وزميلنا المؤرخ الدكتور حسن الحكيم رئيس جامعة الكوفة السابق بمثل هذه أنه رافق لجنة علمية شكلتها جامعة بغداد لاستكشاف سرداب كاشف الغطاء وفوجيء الدكتور الحكيم وهو النجفي الخبير بانه لايستطيع التجول والبعثة العلمية دون دليل، وحين ارادوا الخروج لم يعرفوا كيف يتم لهم ذلك لكثرة الممرات والانفاق والتمويهات، ثم سال الدكتور حسن الحكيم صديقه الشيخ عباس كاشف الغطاء عما اذا كان بمكنته والبعثة الخروج من السرداب دون دليل فاجابه واثقا بالنفي، ثم قاده والبعثة عبر مسالك سرية ودهاليز افضت بهم الى خارج السرداب، نعم يقول الرحالة نيبور ان الملمح الاول لطبيعة النجف هي صحراء محرقة فوق النجف وسراديب باردة تحتها، ويقول الرحالة تكسيرا انك تستطيع معرفة معلومات كثيرة اذا دخلت البيت النجفي، فان لم يكن فيه سرداب فهذا يعني ان صاحب البيت معدم وان امتلك سردابا واحدا فهذا يعني انه متوسط الحال اما اذا كان في البيت سردابان واحد للضيوف وآخر للعائلة فهذا يعني ان صاحبه ميسور الحال، اما اذا كان في البيت سردابان براني ودخلاني وفي كل سرداب ثلاث طبقات: سرداب ونصف سن ثم سرداب سن فهذا يعني ان صاحب البيت من اصحاب الثراء، ولا يسمى السرداب مكتملا مالم تجتمع فيه صفات السردبة مثل البادكَيرات مفردها بادكير بالكاف الفارسية التي تلفظ G، البادكير ممر هوائي يصل ما بين السرداب والسطح غايته ضخ هواء نقي الى السرداب لكي يستبدل هواءه المعتق الساكن وثمة فائدة اخرى لا تقل اهمية عن الاولى وهي شفط الهواء الفاسد من السرداب وتسريبها عبر فتحة السطح، والشبابيك الخاصة بالتنوير وتكون افقية مطروحة كانها شيء من ارضية البيت، وسرداب النيم سن وهو يلي السرداب الاول ويكون اشد برودة واكثر هدوءا فليس ثمة صوت يصل اليه، ومن اقتدر صنع سردابا ثالثا يصل فيه الحافر الى السن وهو الصخر لان النجف رملية وليس فيها صخر ولذلك يكون الصخر علامة الناي عن طبقات النجف باتجاه طبقات العالم الجواني حيث المياه الجوفية ولا يمكن لاحد النوم فيها دون سرير مرتفع عن الارض ودون غطاء يقيه البرد الشديد، وفي هذا السرداب تخزن الفاكهة والخضروات وربما الطبخ، ولا يقدر السفراوي (المصاب بهبوط الضغط او فوبيا المرتفعات) فالهبوط الى العمقر مثل الارتفاع الى العلو كلاهما صعب على ذوي السفرة، ومن مستلزمات السراديب البلاليع النظيفة، واذا وضع في السرداب حمام ودورة مياه فيتعين حفر بالوعة نجسة، وقد اشتهرت بعض البيوتات بسراديبها مثل سرداب السيد بحر العلوم وسرداب محسن شلاش وسرداب عطية السيد سلمان وسرداب عطية ابو كلل وسرداب شيخ سلمان الخاقاني وسرداب محمد حسين زيارة البو اصيبع وسرداب قصر النصراوي وسرداب الملا سلمان وسرداب علي كاشف الغطاء .. الخ، ويمكنني القول فضلا عما قاله الرحالتان نايبور وتكسيرا عن سراديب النجف فاقول ارني سردابك أُرِكَ من انت، فالسراديب مكتبات ومجالس علمية وادبية ووطنية وخزائن التحف الثمينة وسبائك الذهب والاحجار الكريمة، وحين ابيحت النجف بعد الفتك بانتفاضة آذار 1991 وكنا قد هربنا عن النجف خلال القصف بصواريخ ارض ارض ثم عدنا اليها بعد توجيه انذار للهاربين بضرورة العودة، دخلت مفرزة من الحرس الجمهوري بيتنا بعد ان فتحت قفل الحديقة برشقة رشاش وكان من حسن حظي ان يكون قائد المفرزة ضابطا صارم الملامح بملابس الميدان وعرفني بنفسه وانا ارتعد من الهلع انه احد طلبتي في جامعة الموصل وفي لحظة صفاء خلال شربه الشاي همس لي: استاذي نحن دخلنا الكويت وفرهدناها ودخلنا النجف وفرهدناها ولكن اقسم لك يا استاذي لقد وجدنا في سراديب النجف كميات من الذهب والانتيكا والنقود مالم نجده في الكويت إ. هــ، . المهم سأصف سرداب الشيخ سلمان الخاقاني الواقع في الجادة الثالثة بعد السور من المحلة الجديدة وهو بمقربة من بيتنا ومن مدرستنا الابتدائية مدرسة غازي: كنت اواسط سبعينات القرن العشرين اعد للتلفزيون العراقي برنامج ادب المحافظات وفي الحلقة الخاصة بمدينة النجف كنا ذات ظهيرة تموزية محرقة في النجف انا عبد الاله الصائغ والمصور سمير الوكيل والمخرج خليل عبد الواحد رحمهما الله وكان الحر قد بهذل حالنا فملت برفقتي الى محلة الجديدة حيث مضافة بيت سماحة الشيخ سلمان الخاقاني نور الرب ثراه، فدخلنا البيت وقد استقبلنا صديق طفولتي الشيخ صادق نجل الشيخ سلمان الخاقاني إمام ولاية المحمرة العراقية التي اغتصبتها ايران، نزلنا الى السرداب الكبير المهيب وهناك استقبلنا الشاعر السيد مصطفى جمال الدين والشاعر جميل حيدر والشاعر صالح الظالمي والشاعر محمد حسين المحتصر رحمهم الرب والاديب سماحة الشيخ محمد الخاقاني ورحبوا بنا اجمل ترحيب، ومع اننا دخلنا السرداب دون موعد مسبق ولكن الذي وجدناه من كرم الترحيب والطعام ما يؤكد لنا ان هذا السرداب المضياف في حالة طواريء فكل من يدخله يجد الترحاب والطعام والشراب، احاول وصف السرداب الخاقاني المعمور: ندخل من باب البيت الكبير البراني المخصص للضيوف فيواجهنا مجاز كأنه غرفة متوسطة الحال فيكون قبالتنا بابان الاول عن اليمين مفض الى فوق حيث المكتبة والطابق الثاني او السطح لست متيقنا ان في البيت طابقين، وعن شمال الداخل الباب الأخرى وهي باب السرداب البراني المخصص للضيوف فتنزل درجات مرصوفة بالآجر النجفي فيهب عليك عبق السرداب المعتق في شيء من البرودة المنعشة بفعل المكس بين السرداب والبادكَيرات المتصلة بسطيحة البيت، ثم تدخل سردابا مهيبا مفروشا بالسجاد العجماني الثمين وفوقه امتدت الفرش البيض بشراشفها وتناثرت فوقها الوسائد البيض باحجام مختلفة وثمة كنجينة مستهلة بطاق عباسي من الآجر فيها منضدة اصطفت فوقها اللحفان والبطانيات وثمة مكنونات اخرى لا تتبينها العين مالم يفتح الضوء، وللسرداب فتحات فوقانية بهيئة شبابيك حديدية تشكل جزءا من طارمة بيت الضيوف ومن يجلس عليها وجنبها يتمتع ببرودة منعشة في الجو الهاري، وبعد الجلوس والابتراد وشر ب اللبن الرائب والتحيات والاشواق وتناول الغداء والفاكهة دار بنا الحديث حول الشعر الهزلي وحين ايقن الدكتور جمال الدين ان المصور والمخرج قد اخذتهما قيلولة عميقة من النوم اخرج من تحت وسادته ديوانا مخطوطا اسمه ديوان الملخيات اشترك فيه الشعراء الذين كانوا معنا في السرداب واخذ السيد يقرأ ونحن لانكف عن الضحك والاعجاب برجال الدين المتنورين المتحررين وكان فيما قرأه علينا قصيدة كتبها العلامة الكبير السيد مصطفى جمال الدين اسمها فجر عاليه كتبها في بلاج عاليه البيروتي في عيد شم الورد حيث كان الفتيان والفتيات يحملون اكاليل الورد ويتوشحون بها وينتطقون، ومعه خيرة الادباء والمشايخ: الأستاذ محمد صادق القاموسي (ابو رشاد) والعلامة شمس الدين والشيخ عبد الغني الخضري وآخرون، وكانت هذه القصيدة البلاجية:

فجر عاليه في جبينك اشرا * ق ولفح الصحراء في البنطلون

خبريني افي شمالك قد خبّـ * أت سر اللهيب ام في اليمين

خبريني ولاتخافي فأيّـ * ركِ في مأمن لدى تشريني

لايغرّنكِ اشتعال حديثي * والتهاب الحروف بين لحوني

فثلوج الشتاء ترسف في اعماق ذاتي في حيرتي في يقيني

لم أزل يا ابا رشاد كما تعهد * من عفة و تقوى ودين

حاملا بين حاملي الورد رأساً * صدق الله انه من طين

وفؤاداً لو رقت الصخرة الصمَّـ * اء ما اهتز نبضه بالحنين

وعيوناً لو ابدلوني عنها * بالصلابيخ لم أقل ظلموني

فمتى يكره العماية طرفطارت بي * ورويال مركبي وسفيني

صاعدا في الفضاء من فوق بيرو * ت كأني من سرب كَاكَارين

أتهادى بمشيتي مثقلَ الخطو كأني أجرُّ عبءَ سنيني

عن يميني عبد الغني وعن يســ*رايَ وا غربتاه شمسُ الديني

وحواليّه من مشايخ من شيـ * ـراز من اردبيل من قزويني

فأحلنا لبنان وهي جحيم * من قدود جنينة من ذقون

وأذبنا سوقَ الشيوخِ بسوق الغرب والصحن في ذرى كيفون

فتساوت والحمد لله بكفيَّـــ * ـةُ عندي وقرية المؤمنين

وتراءت بجشم ما صورة الشيلة بهتر أز بي حيا البنطلون

هكذا زارت الكليرة لبنان ولكن بجبة وزبون

وعزاء لهذه الأكم الخضــ * راء من إهدن الى جزين

وانتظارا ابا رشاد لهجوي * كيف قشمرتني بها يا دوني

وبعد هذه ثمة سرداب الوجيه السيد حسين السيد هلال السيد سلمان العوادي وهو زوج شقيقتي الكبرى المغفور لها السيدة بدرية الصائغ، وقد رأيته بعيد انقلاب 14 جولاي تموز 1958 لاسباب ليس هذا محلها فكان السرداب شبه المهجور كبيرا وعلى شكل حرف اللام ورايت بام عيني صناديق كبيرة تستوعب رجلين ملأى بالليرات الابريز القديمة ويغلب عليها الليرات الرشادية نسبة الى الخليفة العثماني رشاد فضلا عن لفائف السجاد القاشاني والتبريزي التي لاتقدر بثمن، كان السرداب محصنا ولم اكن في وضع يسمح لي لمعرفة ان كان تحته سراديب النيم والسن وذلك احتمال وارد فقد كان المرحوم السيد هلال السيد سلمان زعيم الزقرت في عهده وهو الى هذا والد السيد حسين السيد هلال زوج شقيقتي ومعلمتي الكبرى العلوية بدرية الصائغ نور الله ثراها، وثمة سرداب تاريخي هو سرداب السراي (قشلة النجف) ففي 1977 زرت النجف ومعي كوكبة العمل التلفازي من مصور ومخرج وعامل مساعد وكانت وجهتي شواهد النجف التاريخية وفي الصميم حصن السراي المشهور، وقد رافقني صديق طفولتي مهدي زيارة وأصر على نزولنا الى سرداب السراي فهو بسعة تسع خمسمئة نفر، وفيه أجنحة ولعل اهم مافيه اسلحة ثوار النجف للاعوام 1914 وحتى 1920 وملابس شهدائهم الملطخة بالدماء والغنائم التي غنمها الثوار من العثمانيين ومن ثم الانجليز وفيها اول علم عراقي صنعه الثوار وثمة وثمة، وقد أنفقنا وقتا طويلا الى ان فتحنا باب السرداب المحكم وما إن نزلنا ست درجات حتى لفحت انوفنا رائحة ثقيلة لاتحتمل ومع ذلك لم نبال ونزلنا درجات اخرى فاذا نحن امام مياه جوفية وا أسفاه وهذا يعني ان السرداب غارق بالماء منذ منذ ولا احد يهمه هذه الخسارة الفادحة، بل ويعني ايضا وايضا ضياع تراث لايقدر بثمن من وثائق وتحف واسلحة وصور .. الخ، وقد لطم صديق طفولتي جبينه وقال مايشبه البوح والنحيب لقد فعلوها اولاد الكلبة، وحين سألته عن معنى قوله همس لي لقد اغرق السرداب عن عمد وليس المياه الجوفية، وأحسب ان الصديق منشبك بما يسمى فوبيا المؤامرة، وثمة سرداب لبيتنا المقابل لمتوسطة الخورنق يشكل ركنا للزقاق المنعطف من شارع الخورنق الى عكَد (زقاق) السيدة المشهورة خانية ويسمى بيتنا بيت حلبوص ولا أعرف سبب التسمية مع انه من ممتلكات جدي لأُمِّي وعائلة حلبوص عائلة نجفية معروفة ومحترمة ولكن ما علاقة بيتنا بهذه التسمية؟،، والبيت صغير المساحة بيد ان له سردابا كبيرا لعله مقتطع من الشارع ومتوسطة الخورنق وفي زوايا كثيرة وخبايا معتمة وبئر ماء مسور بلا غطاء، وكنت انام في السرداب فيتهيأ لي ما يشبه الاشباح والصراخ وحين حكيت لوالدتي ذلك ارسلت في طلب صديقتها الحاجة الفية بنت الأعسم وهي سيدة محترمة مطاعة حكيمة انجبت كوكبة من الفتيان المرموقين، فقالت لوالدتي ان هذا البيت مسكون بالجن فاتركيه قبل ان يحل بك المحظور، وهنا اشارت الحاجة الفية الى سرداب بيت جارنا في زقاق خانية ضمن بيت قريب والدتي وهو الحاج عليوي ابو اصيبع صاحب بير عليوي الذي يزود مغيسل الموتى الرئيس في النجف بالماء حتى سمي المغيسل بير عليوي وشهر به، وهنا تذكرت انني لعبت مع صبيان وصبيات في بيت عليوي واحدى الصبيات اسمها لميعة لنلعب لعبة ضميمة الضميمة وهي ان يقبع احدنا في غرفة مشدود العينين ويختفي بقية الاطفال وعليه ان يكتشف امكنتنا من خلال ترديد اصواتنا ضميمة الضميمة، وقد قادني سوء حظي كي اختفي في سرداب بيت عليوي، وهو سرداب كبير نصف مظلم تغلب عليه رائحة الثوم والجلود وحشرات الوردان الاحمر،، وبما انني فضولي فحين وجدت تلا من الصفائح (التنك) المغلقة في عمق السرداب بما يقدر عدد الصفائح مئتي صفيحة وربتما ازيد فتهيأ لي انها صفائح مكبوسة بالتمر ففتحت واحدة منها وماذا يمنع ان ازدرد لهمود لهمودين من التمر الخستاوي ولكن ويا للهول ياللهول، الصفيحة مكبوس فيها انسان، اي والله انسان مشوه الملامح، وادركت ان رائحة الثوم والجلود انما هي رائحة الموتى المكبوسين في الصفائح فاصبت بهلع خارت فيه قوتي وشلت كفاي ورجلاي وكنت اصرخ بملء حنجرتي فلا يخرج اي صوت وحتى انا لم اعد اسمع صوتي ويبدو ان الاطفال حين استبطأوني اخبروا اهلهم فخشوا ان اكون قد نزلت سرداب الودائع فنزلوا هلعين فوجدوني اهذي وفيَّ حمى، اذن انقذوني بارك الله فيهم ورزقهم من هذا الكسب السوريالي من خلال الوداعات ومفردها وداعة، وكلمة وداعة معروفة فقد كان صديق طفولتي المؤرخ المغفور له ناجي وداعة الشريس، وبيت وداعة معروفون نجفيا، فالموتى في الهند او فارس او او حين يموتون يدفنون في بلادهم وحين تسنح لاحد زيارة النجف يستخرجون الميت من قبره وقد تيبس في القبر وفقد ماءه وشيئا من لحمه فيحشرونه في الصفيحة ذات الاقفال ويرسلونه مع زائر النجف لقاء مبلغ من المال لنقله وآخر لتكفينه والدفن في مقبرة النجف وسرداب بيت عليوي لاينزل فيه احد سوى حفاري القبور فتأمل ياصاحبي انني انا اليتيم اريد ان العب مثل اي صبي فقادني طالعي ليسخر مني الى سرداب الموتى،، عموما لنعد معا الى سرداب بيتنا المقابل لمتوسطة الخورنق والآن وبعد ان استعيد الذاكرة اجدني امام تفسير علمي واحد عما كان يتراءى لي من اشباح وهو انني كنت اسمع من اصدقاء طفولتي ان بيتنا مسكون بالجن فحين انام في السرداب يضغط علي العقل الباطن فيريني مخاوفي، وهذا مايفسر لي بعد لأي حين نمت قريبا من باب سرداب بيت حلبوص شاهدت اكفا مشوهة ترشقني بالحجارة لكن الحجارة حين تلامس جسدي لاتؤذيني كما لو انها قطع صوف صغيرة، وهذه كلها اضغاث احلام وكوابيسها، وقد باعت والدتي البيت بثمن بخس بسبب سردابه اللعين، ولعل من الانسب ان أصف سرداب بيتنا في الجادة الثانية بعد سور النجف القديم وقد تكلف والدي تاجر المجوهرات وصائغ الذهب مبلغا طائلا مقابل تشييد السرداب ومقدار ما كلف السرداب يكفي لبناء بيت كبيتنا القائم فوق السرداب، والبيت بكليته من تصميم وهندسة اشهر معمار عراقي (مهندس) اسمه سعيد المعمار، نعم حين تفتح باب البراني (جناح الضيوف) ثمة مجاز عن يمين الداخل غرفة كبيرة تقابلها عن يسار الداخل غرفة كبيرة اخرى ثم يؤدي المجاز الى باحة البراني فتستدير يمينا فيكون قبالة يدك اليسار المطبخ، وعن يمينك باب يبدو وكانه باب غرفة ثالثة بيد انه باب درج السرداب ينزل منه الضيوف الى السرداب وانت نازل السلم بعشر درجات يواجهك شباك مشبك بحديد صلب يستطيع من في الشارع اذا تقرفص رؤية من في الدرج فقط، والدرج مستدير بشكل لولبي ينتهي الى سرداب كبير بسعة قاعة متوسطة الحجم، ولسردابنا مدخلان اخريان، الأول حين تدخل البيت من باب البراني (بيت العائلة) ستمر بدولان (ممر) بطول عشرة امتار وعرض مترين فتواجهك في نهايته باب السرداب قبل ان تدخل البيت حين تستدير الى اليسار، ودرج السرداب لولبي ايضا، اما المدخل الآخر فهو مدخل سري يتعذر اكتشافه بيسر، يمتد من مدخل سرداب النيم سن (سرداب متوسط يعتبر مجازا بين السرداب الاول وسرداب السن، والسن عند اهل النجف هو الصخر) بحيث لاتراه بسبب العتمة والانعطاف الحاد، ويمتد المدخل الممر تحت الارض مسافة عشرين مترا ليؤدي الى كنجينة تحتاني (سرداب الأمان) بسعة خمسة متر في عشرة ويمكننا دخول هذا السرداب من الدخلاني وبابه مموهة من كورة الحمام (الطمة) وهي موضع في المطبخ منخفض يمتد تحت الحمام العائلي يوضع فيه الحطب الجزل او الفحم ليسخن الحمام قاعا وصفرية (خزان الماء المصنوع من الصفر الخالص) والكورة ملأى بالحطب والفحم والرماد ومن خلال الانعطاف نحو اليمين تواجهنا باب سرية تفضي الى السرداب الآمن وهو مصنوع لكي تختبيء فيه العائلة وقت الغزو الذي كان يهدد النجف من جهة اشقائنا بدو الجزيرة العربية، وكنت العب فيه مع اخوتي حياة ومحمد ولكنه بات متعبا لنا فقد اصبح بعد اهماله حاضنة للعقارب والحيات والهوام والفئران فقرر شقيقي الكبير المغفور له عبد الامير الصائغ ردمه فاتفق مع سائقي الشاحنات الكبيرة المستخدمة لنقل الانقاض الى خارج النجف في مكان قصي ان يضعوا الانقاض في سردابنا ففعلوا ولم تكن الوالدة الزرقاء راضية عن تصرف عبد الامير لانها استنت قانونا للبيت هو ابقاء كل شيء زمن سيد علي الصائغ زوجها على حاله كان والدي حيا يرزق في مخيالها الكئيب لم يمت الا سنة 1986 حين رافقته الى السماء، الحق ان سردابَيْ النيم والسن لم ينجزا في بيتنا بسبب موت والدي غير المتوقع بالسكتة القلبية او متسمما بمادة (الدارشكناه) المادة السامة الضرورية و المستعملة في الصياغة والتي ينبعث منها دخان فيروزي جميل، لكن مدخل السردابين كانا منجزين وثمة حفريات بعمق خمسة امتار غير منتظمة كنا نشاهدها ونخشى مقاربتها، ففي روع طفولتنا انها بيت الجن والسعالي، السرداب الاول فسيح جدا بمساحة البراني ويمتد قليلا تحت الدخلاني فثمة فتحات للشمس بهيئة شبابيك مسلحة بالحديد يمكن ملاحظتها في ارضية الدخلاني قريبة من البراني، والسرداب الدخلاني صغير بعض الشيء عرضه اربعة امتار وطوله ستة وفيه ممر سري للكنجينة الفوقانية في الغرفة الجناحية الكبيرة، كل شيء لدى جيل الوالدين مقترن بالغزو والوباء والقحط (الجوع) فثمة دائما احتياطات تمثل احتياجات مفترضة، السرداب الكبير يتمحور حول اسطوانة بمحيط منارة متوسطة العرض تنتصب بجلال لتتفرع حين تمس السقف الى شعفات بهيئة منحنيات تسهم في رفع البيت البراني بطابقيه وسطحه الفسيح، بيت قائم على عمود كان هذا معجزة العمارة النجفية التي اختزلها المهندس الفطري الاسطة سعيد المعمار، سقف السرداب الكبير فيه نقوش تجعل منه لوحات فنية منسجمة تعتمد زخرف الآجر النجفي الاخضر، نعم ثمة بئر عميق جدا قرب مطبخ البيت الدخلاني وفيه ماء صاف حلو وعلمت انه عميق لان اختي التي تكبرني سنتين العلوية حياة اطال الرب عمرها كانت تطلب الينا الاصغاء حين تلقي حصاة صغيرة فالحصاة تستغرق وقتا محسوسا قبل ان تبقَّ في ماء البير، وهذه طريقة بدوية لمعرفة اعماق الآبار، البئر كان مغطى بشباك حديدي محكم يمكن فتحه ولكنه مقفول دائما ومفتاحه لايعلم مكانه سوى والدي ووالدتي، كنا ننزل الرقي والبطيخ والفاكهة بزنبيل (قفيز من الخوص) بحبل من القنب الهندي طويل لكي يبرد كل مافي القفيز، وثمة شربة صلاحية (طربالة كبيرة مخضرمة بسبب القدم والنضح) بعروتين مقيمة في اسافل البئر يمكن سحبها وشرب مائها البارد برودة لايعقلها من لايعرف آبار النجف، وكان الى جانب البئر الصالح للشرب بالوعة، اي بئر عميق عريض للمياه المستعملة غير النجسة مثل مياه الوضوء وفوح التمن والاستحمام وهكذا وثمة ايضا بالوعة اخرى بعيدة نسبيا عن البئرين اللذين اشرت اليهما واعني بالوعة المياه الثقيلة النجسة، وقلما تنظف البالوعتان بسبب تسرب مياههما كمياه جوفية لتنحدر الى منخفض بحر النجف، يخطيء من يظن ان النجفيين صنعوا السراديب لتقيهم من اللاهوف والسموم وظهيرات تموز الذي ينشف الماء في الكوز وآب اللهاب الذي يذوب المسمار في الباب حسب، بل هي تدرأ ايضا الايام الباردة حين تصاقبها ريح عاصفة، والليالي قاسية البرودة، واغلب النجفيين يجعل ارضية السرداب من الطابوق الشيطاني الفرشي المربع ثم يفرشها بالبواري وهي حصران مصنوعة من القصب الذي تشتهر به بزايز المنخفض، ويفرش فوق البواري السجاد القطني او الصوفي او الحريري كل بيت حسب مستواهم المعيشي بعض السجاد منسوج من القطن وهو رخيص الثمن وقد تصنعه ربة البيت من الملابس العتيقة ويسمى الجودلية وبعض السجاد مصنوع من الصوف وهو بشكل عام غالي الثمن متفاوت الاسعار فالقاشان الاصيل منه والتبريز قد يصل سعر السجادة (متران في اربعة) الى ربع مليون دولار، والسجاد الثمين يفحص بعدسات مكبرة لكي تحصى فيه عدد العقد واغلى السجاد هي التي تكثر فيها العقد بارقام مذهلة، وثمة سجاد حريري يفرش فوق الدواشكَـ اي الفراش وهو غال ايضا، ونادرا ما يستعمل النجفيون الموبليات الحديثة ويسمونها القنفات، ومن يستعمل القنفات في سرداب الضيوف يتهم بانه متعافي ومتفنطز، لكن النجفيين في الخمسينات وما لحقها استعملوا القنفات في سراديب الضيوف بعد ان انتشر لبس الافندية اي الجاكيت والبنطال،

تحكي والدتي الزرقاء ابنة مرشد المدينة محمد حسين زيارة آل بو اصيبع انها يوما ما كانت تجالس والدي السيد علي الصائغ في بيتنا بمحلة الحويش وهي محتبية بملابس البيت فسمعت ووالدي طرقا غريبا آتياً من طرف البئر فداخلها الخوف ان يكون الطارق جنيا، فطلب اليها والدي ان ترتدي ملابسها الرسمية واخبرها ان الطارق هو الشهيد الحاج كاظم صبي، وفعلا فتح والدي باب شباك البئر بعد ان ازال عنها القفل اللوي فخرج رجل اشعث طويل شعر الراس واللحية والشارب وتعانق مع والدي بينما ذهبت الزرقاء لتعد الطعام والشاي، وبئر بيتنا في الحويش متصل بسرداب البيت السن وينفتح بسبب عوامل التعرية والتآكل على آبار كثيرة تؤدي الى انفاق قد يصل طول احدها العشرين كيلومترا، وكانت هذه محنة العثمانيين والانجليز مع اهل النجف فبإمكان البعض ان يغيب في بئر نجفي ليظهر في قرية ابو فشيكَة قرب مدينة الجعّارة (الحيرة) وقد عالجها النظام السابق حين سمم بعضا وردم بعضا، وثمة سراديب شعبية ينام فيها صعاليك المدينة ورجال التهريب وهي باردة جدا في الصيف واسمها الطارات، والطارات كهوف ومغارات طبيعية تشكلت مع الزمن بسبب عوامل التعرية والتآكل، واول مرة رايت فيها الطارات كنت في الابتدائية فشعرت بخوف غريزي بسبب لشكالها الاسطورية وظلمتها وامتداداتها فتجولت فيها مع ستة من الطلاب وكان يقودنا طالب اكبرنا عمرا و نضجا اسمه الرفيق زامل مطرود وكنا في الثامنة والعاشرة، ومهمته تثقيفنا بثقافة الحزب، وحين كبرت كنت ازورها واسير فيها شوطا بعيد فاجدها لاتنتهي، وذات مرة مشيت مسرعا مقدار ساعة فما وجدت لها نهاية وعلمت فيما بعد انها توصل المهربين الى سوريا، كان الفقراء ينامون فيها والصعاليك والمهربون والهاربون من الشرطة والجنود الافرار، فهي مدن تحت الارض وقد اتعبت الطارات كل الحكومات المحتلة والوطنية حتى زمن الرئيس البكر حيث تعهد الرئيس السابق بطي صفحة الطارات وكان يشغل منصب نائب الرئيس فشكل فريقا مختصا واستطاع ان يسمم اجواءها بالكيمياوي وفجر مناطق كاملة فيها كانت تخبيء عددا من المهربين والجنود بل وعددا من معارضي النظام السابق ثم زرعت عن بكرة ابيها بالالغام وهكذا اصبحت الطارات اثرا بعد عين . وربتما تكون لفظة الطارات محرفة فقد نقل العلامة المجلسي تصوّراً مؤداه أنّها مصحّفة ونقل أنّه تحقق من أنّ (أرارات) الوارد في التوراة العبرية، و (قردو) الوارد في التوراة الآرامية والسريانية هي المرتفع الذي رست عليه سفينة نوح،،

مشيغن المحروسة

ملحق مهم

عودة للمحبوب العظيم طاهر البياتي الذي اعتدته النجف ابنها البار في خمسينات القرن العشرين يوم كانت افاعي الطائفية في سبات عميق، دعني ياحمودي الكناني اخاطب استاذي الباسم المهاب طاهر البياتي: وذات صباح بارد من صباحات النجف دخل صفنا رجل ممتليء القامة على شيء ضئيل من القصر حنطي البشرة بشيء من البياض المشرب بالحمرة الخفيفة، وانف دقيق في اعلاه عريض اخنس في منتهاه على شيء من القصر يشبه انف الملاكمين التقليدين الذين يكسرون انوفهم من خلال التمرين كجانب احترازي، يرتدي بدلة شكري دون ربطة عنق، دخل وابتسامة عريضة تطفح على وجهه المستدير، كان عمره كما اتوقع فوق الثلاثين وتحت الاربعين، ويبدو شبابه على أشدِّ عنفوانه، قال لنا هاي سلام عليكم، وطفق يقدم نفسه بانجليزية ميسرة تعززها عربية مملحة، انا طاهر البياتي، صديق بهيئة استاذ، سنكون من هذه الساعة اصدقاء، ما رأيكم؟ اليست فكرة مقبولة أن نكون اصدقاء؟، طيب انا طاهر البياتي .. ثم طلب الينا ان نفعل مثله بتقديم انفسنا، فتجاوبنا معه بحذر شديد ونحن في عمر المراهقة الذي يعشق المتغيرات ولكنه يتطير منها، كنا نحملق في وجهه وفينا احساس مريع ان الاستاذ الهندي (مشته هسن)نكت بنا إذ أوصلنا الى نصف البير ثم ترك الحبل ومضى، لكن البياتي المرح جدا جدا خلب ألبابنا وجعلنا نحب الانجليزية ربما لنعبر له عن محبتنا لحنوه علينا ورأفته بنا، كان يحول النكات والامثلة الشعبية العراقية الى الانجليزية ومازلت اتذكر: مو كل من سخم وجهه صار حداد، مو كل مدعبل جوز،، طاهر البياتي كان حديثنا الى اهلينا حين نعود الى البيت ولم يبق كثيرا هذا العلامة التربوية المميزة فقد اكمل معنا السنة الدراسية ورحل ولم نعد نراه لا في مدرسة ولا في سوق او شارع ولعله انتقل الى بغداد ففي العام 1957 شاهدنا كتابه تعلم اللغة الانكليزية بطريقة ميسرة، في مكتبة الحلو راس السوق الكبير . والغريب حقا ان يبصم هذا المدرس البغدادي شخصيته في ذاكرتنا على قصر الفترة، فلم تقدر الايام على مافيها من محو صورة شخصيته عنا، نظراته من خلال عينين صغيرتين براقتين حاذقتين، طريقته في زم شفتيه ورفع حاجبيه، حركة يديه التي تنبيء بالمعنى المراد قبل كلماته، وظننت ان هذا العلم الجميل قد غرَق في بحران العقوق العراقي مع الاعلام والافذاذ، ومن ذا الذي اسأله عن استاذ طاهر ويصفو لي؟ حتى قيض الله لنا سانحة المكاتبات بينه وبين الكاتب سدوري على موقع كتابات فعلمت ان استاذي المشرق له ايميل يتلقى من خلاله وكيبورد يطبع عليه كلماته، فهرعت كاتبا لاستاذي مقالة امتنان واعتراف بفضله، وما اشد عجبي حين وصلني جواب استاذي الحبيب طاهر البياتي والجميل صدقا ان الرسالة جاءتني بخط يده وكأنه أطال الله عمره يعرف هوسي بالارشيف، كانت رسالته الوجيزة بانوراما محبة، فكتبت اليه ان طالبك الذي درسته في متوسطة الخورنق في النجف وكان عمري اربع عشرة سنة، ابلغته ان تلميذه الصغير سيحتفل في 11 مارس آذار 2013 بعيد ميلاده الثالث والسبعين ولم يدر بخلدي كم بلغ اذن استاذي طاهر البياتي من العمر؟ ويلي من السنين ليتها تغفل عنا ولو شهرا ضوئيا،،

http://www.al-bayyna.com/modules.php?name=News&file=article&sid=16961

نعم يقول الرحالة نيبور ان الملمح الاول لطبيعة النجف هي صحراء محرقة فوق النجف وسراديب باردة تحتها، ويقول الرحالة تكسيرا انك تستطيع معرفة معلومات كثيرة اذا دخلت البيت النجفي، فان لم يكن فيه سرداب فهذا يعني ان صاحب البيت معدم وان امتلك سردابا واحدا فهذا يعني انه متوسط الحال اما اذا كان في البيت سردابان واحد للضيوف وآخر للعائلة فهذا يعني ان صاحبه ميسور الحال، اما اذا كان في البيت سردابان براني ودخلاني وفي كل سرداب ثلاث طبقات: سرداب ونصف سن ثم سرداب سن فهذا يعني ان صاحب البيت من اصحاب الثراء، ولا يسمى السرداب مكتملا مالم تجتمع فيه صفات السردبة مثل البادكَيرات مفردها بادكير بالكاف الفارسية التي تلفظ G، البادكير ممر هوائي يصل ما بين السرداب والسطح غايته ضخ هواء نقي الى السرداب لكي يستبدل هواءه المعتق الساكن وثمة فائدة اخرى لا تقل اهمية عن الاولى وهي شفط الهواء الفاسد من السرداب وتسريبها عبر فتحة السطح، والشبابيك الخاصة بالتنوير وتكون افقية مطروحة كانها شيء من ارضية البيت، وسرداب النيم سن وهو يلي السرداب الاول ويكون اشد برودة واكثر هدوءا فليس ثمة صوت يصل اليه، ومن اقتدر صنع سردابا ثالثا يصل فيه الحافر الى السن وهو الصخر لان النجف رملية وليس فيها صخر ولذلك يكون الصخر علامة الناي عن طبقات النجف باتجاه طبقات العالم الجواني حيث المياه الجوفية ولا يمكن لاحد النوم فيها دون سرير مرتفع عن الارض ودون غطاء يقيه البرد الشديد، وفي هذا السرداب تخزن الفاكهة والخضروات وربما الطبخ، ولا يقدر السفراوي (المصاب بهبوط الضغط او فوبيا المرتفعات) فالهبوط الى العمقر مثل الارتفاع الى العلو كلاهما صعب على ذوي السفرة، ومن مستلزمات السراديب البلاليع النظيفة، واذا وضع في السرداب حمام ودورة مياه فيتعين حفر بالوعة نجسة، وقد اشتهرت بعض البيوتات بسراديبها مثل سرداب السيد بحر العلوم وسرداب محسن شلاش وسرداب عطية السيد سلمان وسرداب عطية ابو كلل وسرداب شيخ سلمان الخاقاني وسرداب محمد حسين زيارة البو اصيبع وسرداب قصر النصراوي وسرداب الملا سلمان وسرداب علي كاشف الغطاء .. الخ، ويمكنني القول فضلا عما قاله الرحالتان نايبور وتكسيرا عن سراديب النجف فاقول ارني سردابك أُرِكَ من انت، فالسراديب مكتبات ومجالس علمية وادبية ووطنية وخزائن التحف الثمينة وسبائك الذهب والاحجار الكريمة، وحين ابيحت النجف بعد الفتك بانتفاضة آذار 1991 وكنا قد هربنا عن النجف خلال القصف بصواريخ ارض ارض ثم عدنا اليها بعد توجيه انذار للهاربين بضرورة العودة، دخلت مفرزة من الحرس الجمهوري بيتنا بعد ان فتحت قفل الحديقة برشقة رشاش وكان من حسن حظي ان يكون قائد المفرزة ضابطا صارم الملامح بملابس الميدان وعرفني بنفسه وانا ارتعد من الهلع انه احد طلبتي في جامعة الموصل وفي لحظة صفاء خلال شربه الشاي همس لي: استاذي نحن دخلنا الكويت وفرهدناها ودخلنا النجف وفرهدناها ولكن اقسم لك يا استاذي لقد وجدنا في سراديب النجف كميات من الذهب والانتيكا والنقود مالم نجده في الكويت إ. هــ، . المهم سأصف سرداب الشيخ سلمان الخاقاني الواقع في الجادة الثالثة بعد السور من المحلة الجديدة وهو بمقربة من بيتنا ومن مدرستنا الابتدائية مدرسة غازي: كنت اواسط سبعينات القرن العشرين اعد للتلفزيون العراقي برنامج ادب المحافظات وفي الحلقة الخاصة بمدينة النجف كنا ذات ظهيرة تموزية محرقة في النجف انا عبد الاله الصائغ والمصور سمير الوكيل والمخرج خليل عبد الواحد وكان الحر قد بهذل حالنا فملت برفقتي الى الجديدة حيث مضافة بيت الشيخ سلمان الخاقاني فدخلنا البيت وقد استقبلنا صديق طفولتي الشيخ صادق نجل الشيخ سلمان الخاقاني إمام ولاية المحمرة العراقية التي اغتصبتها ايران، نزلنا الى السرداب الكبير المهيب وهناك استقبلنا الشاعر السيد مصطفى جمال الدين والشاعر جميل حيدر والشاعر صالح الظالمي والشاعر محمد حسين المحتصر والاديب الشيخ محمد الخاقاني ورحبوا بنا اجمل ترحيب، ومع اننا دخلنا السرداب دون موعد مسبق ولكن الذي وجدناه من كرم الترحيب والطعام ما يؤكد لنا ان هذا الرداب المضياف في حالة طواريء فكل من يدخله يجد الترحاب والطعام والشراب، احاول وصف السرداب الخاقاني المعمور: ندخل من باب البيت الكبير البراني المخصص للضيوف فيواجهنا مجاز كأنه غرفة متوسطة الحال فيكون قبالتنا بابان الاول عن اليمين مفض الى فوق حيث المكتبة والطابق الثاني او السطح لست متيقنا ان في البيت طابقين، وعن شمال الداخل الباب الأخرى وهي باب السرداب البراني المخصص للضيوف فتنزل درجات مرصوفة بالآجر النجفي فيهب عليك عبق السرداب المعتق في شيء من البرودة المنعشة بفعل المكس بين السرداب والبادكَيرات المتصلة بسطيحة البيت، ثم تدخل سردابا مهيبا مفروشا بالسجاد العجماني الثمين وفوقه امتدت الفرش البيض بشراشفها وتناثرت فوقها الوسائد البيض باحجام مختلفة وثمة كنجينة مستهلة بطاق عباسي من الآجر فيها منضدة اصطفت فوقها اللحفان والبطانيات وثمة مكنونات اخرى لا تتبينها العين مالم يفتح الضوء، وللسرداب فتحات فوقانية بهيئة شبابيك حديدية تشكل جزءا من طارمة بيت الضيوف ومن يجلس عليها وجنبها يتمتع ببرودة منعشة في الجو الهاري، وبعد الجلوس والابتراد وشر ب اللبن الرائب والتحيات والاشواق وتناول الغداء والفاكهة دار بنا الحديث حول الشعر الهزلي وحين ايقن الدكتور جمال الدين ان المصور والمخرج قد اخذتهما قيلولة عميقة من النوم اخرج من تحت وسادته ديوانا مخطوطا اسمه ديوان الملخيات اشترك فيه الشعراء الذين كانوا معنا في السرداب واخذ السيد يقرأ ونحن لانكف عن الضحك والاعجاب برجال الدين المتنورين المتحررين وكان فيما قرأه علينا قصيدة كتبها العلامة الكبير السيد مصطفى جمال الدين اسمها فجر عاليه كتبها في بلاج عاليه البيروتي في عيد شم الورد حيث كان الفتيان والفتيات يحملون اكاليل الورد ويتوشحون بها وينتطقون، ومعه خيرة الادباء والمشايخ: محمد صادق القاموسي (ابو رشاد) وشمس الدين وعبد الغني الخضري وآخرون، وكانت هذه القصيدة البلاجية: فجر عاليه في جبينك اشرا ق ولفح الصحراء في البنطلون خبريني افي شمالك قد خبّـ أت سر اللهيب ام في اليمين خبريني ولاتخافي فأيّـ ركِ في مأمن لدى تشريني لايغرّنكِ اشتعال حديثي والتهاب الحروف بين لحوني فثلوج الشتاء ترسف في اعماق ذاتي في حيرتي في يقيني لم أزل يا ابا رشاد كما تعهد من عفة و تقوى ودينحاملا بين حاملي الورد رأساً صدق الله انه من طين وفؤاداً لو رقت الصخرة الصمَّـ اء ما اهتز نبضه بالحنين وعيوناً لو ابدلوني عنها بالصلابيخ لم أقل ظلموني فمتى يكره العماية طرفطارت بي ورويال مركبي وسفيني صاعدا في الفضاء من فوق بيرو ت كأني من سرب كَاكَارين أتهادى بمشيتي مثقلَ الخطو كأني أجرُّ عبءَ سنيني عن يميني عبد الغني وعن يســ رايَ وا غربتاه شمسُ الديني وحواليّه من مشايخ من شيـ ـراز من اردبيل من قزويني فأحلنا لبنان وهي جحيم من قدود جنينة من ذقون وأذبنا سوقَ الشيوخِ بسوق الغرب والصحن في ذرى كيفون فتساوت والحمد لله بكفيَّـــ ـةُ عندي وقرية المؤمنين وتراءت بجشم ما صورة الشيلة بهتر أز بي حيا البنطلون هكذا زارت الكليرة لبنا ـن ولكن بجبة وزبون وعزاء لهذه الأكم الخضــ راء من إهدن الى جزين وانتظارا ابا رشاد لهجوي كيف قشمرتني بها يا دوني وبعد هذه ثمة سرداب الوجيه السيد حسين السيد هلال السيد سلمان العوادي وقد دخلته بعيد انقلاب 14 جولاي تموز 1958 لاسباب ليس هذا محلها فكان السرداب شبه المهجور كبيرا وعلى شكل حرف اللام ورايت بام عيني صناديق كبيرة تستوعب رجلين ملأى بالليرات الابريز القديمة ويغلب عليها الليرات الرشادية نسبة الى الخليفة العثماني رشاد فضلا عن لفائف السجاد القاشاني والتبريزي التي لاتقدر بثمن، كان السرداب محصنا ولم اكن في وضع يسمح لي لمعرفة ان كان تحته سراديب النيم والسن وذلك احتمال وارد فقد كان المرحوم السيد هلال السيد سلمان زعيم الزقرت في عهده وهو الى هذا والد السيد حسين السيد هلال زوج شقيقتي ومعلمتي الكبرى العلوية بدرية الصائغ نور الله ثراها، وثمة سرداب تاريخي هو سرداب السراي (قشلة النجف) ففي 1977 زرت النجف ومعي كوكبة العمل التلفازي من مصور ومخرج وعامل مساعد وكانت وجهتي شواهد النجف التاريخية وفي الصميم حصن السراي المشهور، وقد رافقني صديق طفولتي مهدي زيارة وأصر على نزولنا الى سرداب السراي فهو بسعة تسع خمسمئة نفر، وفيه أجنحة ولعل اهم مافيه اسلحة ثوار النجف للاعوام 1914 وحتى 1920 وملابس شهدائهم الملطخة بالدماء والغنائم التي غنمها الثوار من العثمانيين ومن ثم الانجليز وفيها اول علم عراقي صنعه الثوار وثمة وثمة، وقد انفقنا وقتا طويلا الى ان فتحنا باب السرداب المحكم وما إن نزلنا ست درجات حتى لفحت انوفنا رائحة ثقيلة لاتحتمل ومع ذلك لم نبال ونزلنا درجات اخرى فاذا نحن امام مياه جوفية وا أسفاه وهذا يعني ان السرداب غارق بالماء منذ منذ ولا احد يهمه هذه الخسارة الفادحة، بل ويعني ايضا وايضا ضياع تراث لايقدر بثمن من وثائق وتحف واسلحة وصور .. الخ، وقد لطم صديق طفولتي جبينه وقال مايشبه البوح والنحيب لقد فعلوها اولاد الكلبة، وحين سألته عن معنى قوله همس لي لقد اغرق السرداب عن عمد وليس المياه الجوفية، وأحسب ان الصديق منشبك بما يسمى فوبيا المؤامرة، وثمة سرداب لبيتنا المقابل لمتوسطة الخورنق يشكل ركنا للزقاق المنعطف من شارع الخورنق الى عكَد (زقاق) السيدة المشهورة خانية ويسمى بيتنا بيت حلبوص ولا أعرف سبب التسمية مع انه من ممتلكات جدي لأُمِّي وعائلة حلبوص عائلة نجفية معروفة ومحترمة ولكن ما علاقة بيتنا بهذه التسمية؟،، والبيت صغير المساحة بيد ان له سردابا كبيرا لعله مقتطع من الشارع ومتوسطة الخورنق وفي زوايا كثيرة وخبايا معتمة وبئر ماء مسور بلا غطاء، وكنت انام في السرداب فيتهيأ لي ما يشبه الاشباح والصراخ وحين حكيت لوالدتي ذلك ارسلت في طلب صديقتها الحاجة الفية بنت الأعسم وهي سيدة محترمة مطاعة حكيمة انجبت كوكبة من الفتيان المرموقين، فقالت لوالدتي ان هذا البيت مسكون بالجن فاتركيه قبل ان يحل بك المحظور، وهنا اشارت الحاجة الفية الى سرداب بيت جارنا في زقاق خانية ضمن بيت قريب والدتي وهو الحاج عليوي ابو اصيبع صاحب بير عليوي الذي يزود مغيسل الموتى الرئيس في النجف بالماء حتى سمي المغيسل بير عليوي وشهر به، وهنا تذكرت انني لعبت مع صبيان وصبيات في بيت عليوي واحدى الصبيات اسمها لميعة لنلعب لعبة ضميمة الضميمة وهي ان يقبع احدنا في غرفة مشدود العينين ويختفي بقية الاطفال وعليه ان يكتشف امكنتنا من خلال ترديد اصواتنا ضميمة الضميمة، وقد قادني سوء حظي كي اختفي في سرداب بيت عليوي، وهو سرداب كبير نصف مظلم تغلب عليه رائحة الثوم والجلود وحشرات الوردان الاحمر،، وبما انني فضولي فحين وجدت تلا من الصفائح (التنك) المغلقة في عمق السرداب بما يقدر عدد الصفائح مئتي صفيحة وربتما ازيد فتهيأ لي انها صفائح مكبوسة بالتمر ففتحت واحدة منها وماذا يمنع ان ازدرد لهمود لهمودين من التمر الخستاوي ولكن ويا للهول ياللهول، الصفيحة مكبوس فيها انسان، اي والله انسان مشوه الملامح، وادركت ان رائحة الثوم والجلود انما هي رائحة الموتى المكبوسين في الصفائح فاصبت بهلع خارت فيه قوتي وشلت كفاي ورجلاي وكنت اصرخ بملء حنجرتي فلا يخرج اي صوت وحتى انا لم اعد اسمع صوتي ويبدو ان الاطفال حين استبطأوني اخبروا اهلهم فخشوا ان اكون قد نزلت سرداب الودائع فنزلوا هلعين فوجدوني اهذي وفيَّ حمى، اذن انقذوني بارك الله فيهم ورزقهم من هذا الكسب السوريالي من خلال الوداعات ومفردها وداعة، وكلمة وداعة معروفة فقد كان صديق طفولتي المؤرخ المغفور له ناجي وداعة الشريس، وبيت وداعة معروفون نجفيا، فالموتى في الهند او فارس او او حين يموتون يدفنون في بلادهم وحين تسنح لاحد زيارة النجف يستخرجون الميت من قبره وقد تيبس في القبر وفقد ماءه وشيئا من لحمه فيحشرونه في الصفيحة ذات الاقفال ويرسلونه مع زائر النجف لقاء مبلغ من المال لنقله وآخر لتكفينه والدفن في مقبرة النجف وسرداب بيت عليوي لاينزل فيه احد سوى حفاري القبور فتأمل ياصاحبي انني انا اليتيم اريد ان العب مثل اي صبي فقادني طالعي ليسخر مني الى سرداب الموتى،، وبعد يا استاذي الجميل طاهر البياتي فهذه سلفة اهديها الى مقامك الرفيع عن سراديب النجف اقول سلفة لأن معي تكملة لها فان ارسلت اليَّ صورتك كما طلبت منك وما يتيسر لك من معلومات عن حياتك افاني أعدك والقراء بتمام موضوعة السرداب ومهما قررت يامولاي فيطيب لي ان افخر بانني ايها العملاق المدهش الجميل كنت واحدا من طلبتك في متوسطة الخورنق في النجف وليبقك الله علما عراقيا . تلميذك الفخور بك عبد الاله الصائغ الجمعة 4 ابريل نيسان 2008 مشيغن المحروسة ملحق مهم وذات صباح بارد من صباحات النجف دخل صفنا رجل ممتليء القامة على شيء ضئيل من القصر حنطي البشرة بشيء من البياض المشرب بالحمرة الخفيفة، وانف دقيق في اعلاه عريض اخنس في منتهاه على شيء من القصر يشبه انف الملاكمين التقليدين الذين يكسرون انوفهم من خلال التمرين كجانب احترازي، يرتدي بدلة شكري دون ربطة عنق، دخل وابتسامة عريضة تطفح على وجهه المستدير، كان عمره كما اتوقع فوق الثلاثين وتحت الاربعين، ويبدو شبابه على أشدِّ عنفوانه، قال لنا هاي سلام عليكم، وطفق يقدم نفسه بانجليزية ميسرة تعززها عربية مملحة، انا طاهر البياتي، صديق بهيئة استاذ، سنكون من هذه الساعة اصدقاء، وتمنيت عليه اجابتي عن عدد من الاسئلة اليسيرة غير المحرجة من نحو: تاريخ الميلاد ومدينة الولادة والنشأة المدرسة الابتدائية والجامعة قراءاتك الادبية والعلمية اثر الوالدين في تربيتك صورة شخصية لطاهر البياتي وختمت رسالتي وانا ارجوه بلسان صدق وكلمات ودٍّ، لكنه لم يلب رغبتي ولم ينجد موسوعتي وانا والله التمس له العذركل العذر فلن يحبك من لم يلامس لك العذر حتى وان كان العذر لم يدر بباله

 

برقيات عجلى

الدكتور الفاضل الاستاذ عبدالاله الصائغ المحترم .. تحيه الى ينبوع الفكر والاصاله النجفيه تحيه الى العلامه الرائع (الصائغ) انت حقا صائغ بما تحمله هذه الكلمه من معنى في صياغة المفرده الجميله .. انا من اشد المتابعين لقلمكم الرائع ياموسوعة النجف التاريخيه اسال الله ان يطيل في عمرك وان يبقيك ينبوعا فكريا متدفق الى الاجيال لكي تعرف منهو (الصائع) كم يشرفني ان اعرف الاميل الشخصي لك وكم يشرفني ان التقي بجنابكم الموقر ياستاذنا الرائع،،،،،، لك مني الف تحيه والسلام ..

حسين الابراهيمي السلام عليكم .. تحية اكبار واحترام للاستاذ الكبير أ عبد الاله الصائع المحترم

بدايتا اقدم لجنابك الكريم اعتذاري الشديد لتأخر الرد .ارجو منك تقبل الاعتذار ياسيدي الكريم حيدر التميمي

أستاذي العزيز وهي امنية وانا دونها بلا شك.ان المشار اليه في مقالتك النجفية السردابية الرائعة (عليوي ابو صيبع) صاحب البيت القريب من بيت عائلتك الموقرة الذي اشرت لسرداب ذلك البيت هو غير (عليوي معتوك) صاحب (المغتسل المعروف ببير عليوي) وان كان هناك تشابه بالاسم والمهنة على نحو ان كلاهما يعمل مع الموتى فالمشار اليه اولا دفان والثاني مغسل. ولاأضن يا سيدي الكريم ان الله سيقينا لحظة الوقوف بين ايديهم او من ينوب عنهم او من يماثلهم الاداء هنا في مدينتنا الجميلة ديربورن او مدينتنا الاجمل النجف الاشرف .

تحياتي وفائق احترامي

حيدر التميمي(النجفي) ديربورن

من فدعة الزريجاوية الى سراديب النجف

حضرة الدكتور الصايغ

السلام عليكم

انا محسوبكم صادق الخالدي اعيش هنا في النرويج التي تبعد كثيرا عن ناحية القادسية حيث ولدت.كتاباتكم تسبب لي اشد الحزن واحيانا البكاء وان كانت المواضيع التي تكتبون عنها غير مبكية في الغالب

انا لا اجيد فن التعبير لهذا سوف اخذ راحتي مع الاعتذار لكم

عندما اقرا ما تكتبون تبدا الاصوات تعلو في راسي،الكل يتحدث و يناقش وبعضهم يصرخ والغريب اني استمع لهم جميعا وافهمهم واتابع كل حرف اسمعه والدي يتحدث عن تالشاعرة فدعه وامي تجادله واخرون يتحدثون عن الآفه التي يكون ذيلها بالنجف وراسها بكربلا والتي اكلت حتى النخل المشكله اني كنت صغيرا بالمتوسطه وكان اعتقادي ان الوالد والوالده يتناقشون عن ناس من اقاربهم او معارفهم ربما من سكنة الطرمة لو هور صليب لو ام بزونة او حتى المشخاب الى حد قبل حوالي سنتين قرأت موضوع لكاتب نجفي الله يوفقه يتحدث عن الخالده فدعه وعن حمد ال حمود وعلي ال صويح

وعندها بدات اجمل ماسات في حياتي وهي اختلاط الاصوات اثناء القراءه واصوات اولاءك حين يتسنى لي قراءة شيء لكاتب لا يخطيء القلب انه .. تانيتكم طير غريب وعينه نجمه بغيمه.

هذا الذي كتبته لك يعني شيئا واحدا وهو انه لو مات الان الف واحد مثلي فلن تكون الخساره كما لو ان عبد الاله الصايغ قد مات

ولو مات الصايغ لاسمح الله ولم يكتب كل مالديه ويوثق الصغيره والكبيره عن فدعه فستكون المصيبه كما لو ان الف فدعه تموت دفعه واحده ولكن مثل هذه المصيبه لا تطال الانسانيه كلها .. لحسن الحظ .. بل هي محصوره في بيئتها وارضها وناسها.الانسانية لديها الاميرة ديانا هذه الاميره التي تطوع كل صياغ العالم لحفظ تراثها

ادعو الله ربي ان يعطيكم الصحه والعافيه وطول العمر وان لا يخرجكم من هذه الدنيا حتى تكتبو كل ما عندكم وعند غيركم عن اميرتنا فدعة

والسلام عليكم

صادق الخالدي

الاخ الفاضل الاستاذ الدكتور عبد الاله الصائغ المحترم

تحية الاحترام والتقدير

اشكركم شكرا جزيلا لرسالتكم القيمة التي تضمنت معلومات شيقة عن النجف وأحد أهم معالمها وهي السراديب وكم كنت اتمنى ان يكون لديكم من الوقت ما يكفي للكتابة عن تاريخ هذه المدينة العريقة بأهلها وتاريخهم الوطني والمشهورة بشخصياتها العلمية والوطنية، واستمحيكم العذر حيث ارسلت نسخة من رسالتكم والمعلومات القيمة فيها الى الصديق الفاضل الجراح الدكتور حسن حلبوص

لقد قرأت موضوعكم وأرجعتني 50 عاما الى الوراء أتذكر طفولتي في محلة الحويش حيث ولدت وحيث لهوت مع اصدقاء الطفولة ومدرسة الملك غازي الابتدائية وما قبلها كتاتيب الشيخ لقراءة القرأن وتعلمه في مسجد قريب من الصحن وقد نسيت أسمه وضحكت كثيرا من مشاكسات الطفولة حين نستعمل ما يسمى انذالك بالتباعة ونحن نقرأ القرأن بصوت عال وتذكرت ضربات االشيخ بالعصا على يدي بسبب هذه المشاكسات

أكرر شكري ومحبتي واتمنى لكم الصحة

لمحب لكم

الدكتور منذر الفضل

الاستاذ الصايغ المحترم

سلام حار ودعاء من مدينة النجف الاشرف

اتابع كتاباتك باهتمام بالغ ومني السلام والتقدير والشكر راجيا زيارة النجف مدينتنا العظيمة واعتقد انك مشتاق لزيارتها

مع خاص اشواقي وامتناني لما تكتب

الدكتور حيدر نزار السيد عطية السيد سلمان

رئيس قسم العلوم السياسية

الكلية الاسلامية النجف

الأستاذ عبد الإله الصائغ.

أقدر لك عاليا هذا الحرص التراثي الخلاق. أتمنى عليك أن تواصل مشروعك هذا وتؤكد على موضوعة السياحة السراديبية.وحبذا لو تهيب بفريق عمل ذي اهتمام وتخصص لتغطية هذا التراث العراقي الأصيل وتوثيق كل شاردة وواردة مع لقاءات بشيوخ ورجالات النجف الأصليين واستنطاق ذاكرتهم فيما يتذكرونه من أسرار ومفارقات وحكايات وحوادث عسى أن يحافظ العراقيون الأصلاء على مثل هذه الكنوز لا أخفي عليك انك تفتح بمثل هذا الكشف مغاليق كنوز ربما تثير (لصوص العصر) إلى إحداث مجازر هولاكوية جديدة حبذا لو تعطي الموضوع من صبرك الجميل ومثابرتك في التروي لاستكمال ما فاتك من وصف بالصورة والكلمة والالتقاء بشيوخ معمرين تبحث في طيات ذاكرتهم لمثل ذلك العالم الساحر الملغز والغريب،

معزتي

صباح محسن جاسم

 

.....................

خاص بالمثقف

 

للاطلاع على حلقات الحوار

http://almothaqaf.com/index.php/hewar-m/

 

 

يمكنكم توجيه الاسئلة المحاوَر على الاميل التالي

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

مد لي قديميك اقبلهما لأنك لم تترك لقائل قولا والصمتُ أبلغ الاعجاب ......

حمودي الكناني
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2486 المصادف: 2013-06-26 01:46:24