 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (187): الفقه والأخلاق

majed algharbawi4صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة السابعة والثمانون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

الفقه والأخلاق

ماجد الغرباوي: لا تخفى جرائم العنف التي ارتكبتها الحركات المتطرفة باسم الدين. وسبقتها تداعيات ما يسمى بالفتوحات الإسلامية، التي شوّهت معالمه (انظر: تحديات العنف). وليس في هذا تزكية لجرائم الحروب والغزوات والاستعمار وممارسات الحكومات الاستبدادية في العالم أجمع. لكن الحديث هنا عن الجهاد بمعنى القتال حينما يكون مطلقا خارج ظرفه الزماني والمكاني. حيث تعتبر آياته أدلة شرعية صريحة، يمكن الاستدلال بها، بعد تجريدها من تاريخيتها، كما يفعل فقهاء الحركات المتطرفة. وكان لهذا المنهج تداعياته، إذ أطاح العنف الديني بكرامة الناس: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ). ونسف جسور التواصل الإنساني، وأعاد تشكيل العقل المسلم على أساس كراهية الآخر ونبذه وإقصائه، فسادت أخلاق تجافي قيم الدين والمبادئ الإنسانية. وبات حديث الفرقة الناجية يبيح اضطهاد الآخر، وتكفيره، بل وحتى استباحة دمه، كما فعلت الحركات المتطرفة. وهنا  يأتي السؤال عن شرعية العنف باسم الدين، هل يستمد شرعيته من القرآن وآياته؟ أو من فقه النص وفتاوى الفقهاء؟. على الأول يتحمل القرآن مسؤولية العنف والأخلاق التنابذية، باعتباره مصدرا لشرعيتهما. ويصدق حينئذٍ أنه أخفق في ضبط أداء معتنقيه، بل وشرعن ممارسات تتجافى مع قيمه وأخلاقه الإنسانية. وإذا أرجعنا السبب لقصور المنهج الفقهي، فلا يتحمل مسؤولية ذلك إلا بحدود إطلاقاته التي قد تلتبس على غير الخبير. وهنا مكمن الخطر الذي سقطت فيه داعش، وغيرها من الحركات التكفيرية، التي تمسكت بظواهر الكتاب، لتحقيق أهدافها السياسية، دون الأخذ بنظر الاعتبار أسباب صدور الحكم والظروف المحيطة به. فأفرز منهجها أخلاقا تنابذية تنظر بريبة وكراهية للآخر. تبيح دمه وماله وكرامته، وتتعامل معه بفظاظة وعنف. وبالتالي فالإنسان هو المسؤول عن سلوكه وتصرفاته. وإذا كان متدينا تكون مسؤولياته أكبر، حينما يعكس نظرة سلبية عن الدين، ويُسقط قيمته الاعتبارية بسبب فهم مبتسر لغاياته ومقاصده.

ليس من العدل الاعتداء على الآخرين باسم الدين، وليس من حق الفقيه تبرير هذا السلوك، لأسبقية حكم العقل القائم على حُسن العدل وقُبح الظلم. وهذا لا يتنافى مع ضرورات التشريع، و"ما حكم به العقل حكم به الشرع". وقد نسج الكتاب على منوال العقل في تأسيس قيمه الأخلاقية، تشهد لذلك الوصاصا العشرة القائمة على حُسن العدل وقُبح الظلم، وهو مبدأ عقلي. فيبقى الأصل إنسانية القيم الدينية والقرآنية، وفي ضوئها يمكن فهم أحكام القرآن الاستثنائية.

تجدر الإشارة أن صيغة السؤال لا تنكر قدرة المفاهيم القرآنية على ضبط سلوك الفرد والمجتمع، وإنما شككت بنجاحها: (هل أفلح القرآن في تهذيب وضبط سلوك المسلمين). لذا أردف السائل الكريم يسأل عن الأسباب: (ولماذا؟!!). فالمفاهيم القرآنية قادرة بالقوة لا بالفعل على ضبط سلوك الفرد، كالنار والإحراق، فإن قرب الورقة من النار شرط لفعلية احتراقها. وهكذا فالامتثال الواعي الملازم للتقوى شرط لفعلية التهذيب. وأقصد بالامتثال الواعي الأخذ بنظر الاعتبار مناسبة الحكم الموضوع، واعتبار القيم العقلية والإنسانية مقياسا لفعلية ما ارتبط بظروف المعركة من القيم الأخلاقية، كالتنابذ، ورفض مودة الآخر. وبالتالي ما نشاهده من سلوك فردي أو جماعي ليس بالضرورة ينتمي لخُلق القرآن، وليست كل قراءة لنص المدونة القرآنية موضوعيا، أو لم يتأثر بقبليات القارئ وأيديولوجيته. فالقرآن أفلح في تهذيب وضبط سلوك طيف واسع من المسلمين، وهم الطيبون والأبرياء والمخلصون. ولم يفلح مع من اتخذ إله هواه: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ). فهو بدلا من التمسك بأخلاق القرآن اتخذ من هواه إلها يستوحي منه فعل المنكر. وبهذا نفهم أن إرادة الإنسان شرط في تمثل القيم والأخلاق القرآنية

التحريض على القتال

لا ريب أن دوامة الحروب والمعارك  تورث الكراهية والأحقاد والثأر، والتنابذ والإقصاء وهجاء الدنيا، وتمجيد الموت. ويغدو الإرهاب في ظلها شجاعة، والعنف الأعم من القتل والاضطهاد وسلب الحريات، قيمة أخلاقية سامية، تنقلب معها مفاهيم الخير والشر. وقد دارت حروب طاحنة بين المسلمين ومناوئيهم، على مدى عشر سنوات، كانت فيها الآيات تترى، تحرّض على القتال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ). وتدعو للقطيعة والتنابذ: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). وتغذي روح الثأر (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ، وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). والآيات تلغي البعد الإنساني لصالح البعد الإيماني، وتؤسس لأيديولوجية صارمة، تلغي إمكانية التواصل والانفتاح والتفاهم: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ). وهذه الآيات وغيرها كثيرة تضفي على العنف قدسية دينية، خاصة حينما تُقرأ بمعزل عن سياقاتها التاريخية والقرآنية. وأقصد بالأولى أسباب نزول الآيات، والظروف المحيطة. وأما السياقات القرآنية، فثمة آيات تحدد مصير الحرب، وتحول دون تماديها، فمثلا الآيات التي تحرض على العنف والقتال، تضع حدا لها: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ). فلا قتال ابتدائي، بل هو ردع للعدوان، حداً لا ينقلب إلى عدوان. وأيضا: (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ)، ولا تخفى الدلالة البلاغية في الآية، وهي تحث على السلم حتى وأن كان مجرد خدعة. أو (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ). وبالنسبة للتنابذ كما في الآية المتقدمة، هناك آية تضع ضوابط للقطيعة، كما في آية: (عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، هذه هي حدود القطيعة مع الآخر. وهذا ليس تبريرا، بل مقتضى الموضوعية الاحاطة بجميع الآيات، من أجل رؤية شاملة. لكن رغم المحددات والضوابط، فإن آيات القتال والجهاد، أضفت قدسية على العنف المتجذر أساسا في الشخصية القبلية، التي تعتبر الشجاعة والفروسية أعلى وسام شرف، تجد صدقية هذا الكلام في فتوحات الخلفاء التي استمرت بدافع ممارسة العنف، تحت ذريعة دينية. فهي ترفع شعارات دينية، غير أن وقود المعركة روح العنف المقدس القابع في أعماقهم. وما لم يتم تفكيك مشروعية العنف، ومن ثم تفكيك منظومة القيم الأخلاقية القائمة على شرعية العنف، فإن النصوص المقدسة صريحة في موقفها من الآخر، وهي مطلقة وفقا لقواعدهم الأصولية، وبالتالي سيتوالد العنف، ويبقى ثاويا بانتظار لحظة انطلاقه تقربا لله تعالى، وهذا ما حصل للحركات التكفيرية التي استدلت بالنص دون الرجوع لخلفياته وأسباب نزوله ومبررات فعليته، وكأنها تبحث عن ذريعة لاستباحة دماء مناوئيهم، ولا تخفى الدوافع السياسية وحب السلطة وراء توظيف النصوص القرآنية.

وبالتالي لا يمكننا غض الطرف عن آيات الكتاب ودورها في ترسيخ ثقافة العنف، خاصة هي تعد القتلى والشهداء على هذا الطريق أرفع الدرجات في الآخرة التي هي طموح كل مؤمن: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ، الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ). ولا علاقة للقضية هنا بقدسية الآيات وعدم قدسيتها، وليس الكلام حول مشروعية القتال، فالدفاع عن النفس والمبادئ عمل مشروع يتفق عليه الجميع. كلامنا هو حول تأثير دوامة المعارك والحروب في رفد ثقافة العنف، وما يترتب عليه من تداعيات. خاصة على السلم الأهلي، وفرص التعايش بين الأديان والثقافات. نحن نطمح لتأسيس رؤية تقوم على مبادئ الدين والقيم الإنسانية، تتفهم لظروف المعارك والحروب التي خاضها الرعيل الأول مع النبي الكريم، فلا يلتبس عليها الأمر، فالأصل للمبادئ والقيم دائما:

أولاً: عدم فعلية الجهاد بمعنى القتال، لعدم فعلية موضوعه. بعد انتفاء مبرراته، حيث شُرع للحفاظ على كينونة الدين، وقد أعلن القرآن انتصار الرسالة، ولم يعد هناك مبرر لاعلان حالة الجهاد، وباتت الوسائل الحديثة أمضى في نشر الرسالة والتعريف بها. بل أن سلوك المسلمين وأخلاقهم كفيلة بنشر قيم الدين، بينما باتت تبعات سلوك أتباعه ومعتنقيه عبئا عليه. وقد بينت هذا وغيره سابقا، ومفصلا في كتاب تحديات العنف (400 حجم كبير).

ثانيا: الفصل بين التجارب التاريخية للمسلمين والقيم الأساسية للدين، فلكل تجربة ظروفها التي يتعذر علينا الإحاطة بها، وثمة أحكام تتوقف فعليتها على فعلية موضوعها، وحين الشك بسبب جهلنا بظروفها فالأصل الآيات المحكمة ومبادئ الدين. وبالتالي لا يمكن للفقيه أن يجعل من المعركة، ذات المعركة مصدرا لتشريع الأحكام، فيفتي وفقها. أو يقول مثلا، بما أن الرسول في المعركة المحددة اتخذ هذا الاجراء ففعله حجة، ثم يفتي وفقه. بإمكانه يفعل هذا حينما يحيط بظرفه الزماني والمكان، ومبررات موقفه، فيقيس عليه. أو يعتبره سنة، وهي حجة فيستمسك بها دليلا على المطلوب. أما وظروفها ملتبسة، أو مجهولة، فنشك في فعلية موضوعاتها، والأصل عدمها.

ثالثا: الإنسان محور الأديان، وهو خليفة الله في أرضه، وجاءت الأديان لترشيد وعيه، ووضعه على الطريق المستقيم، وعليه ينبغي تقديم مصلحته، التي هي ملاكات الأحكام، ولا نؤمن بأن المصلحة في نفس الجعل، كما يذهب لذلك بعض الفقهاء، بل أن الأحكام تراعي مصلحة الإنسان، لذا لا تحل الأديان محل العقل، ولا تسلب الفرد حريته وإرادته، ويبقي كل إنسان مسؤولا عن سلوكه وتصرفاته.

رابعا: الحُسن والقُبح عقليان. الحسن ما حكم العقل بحُسنه، والقُبيح ما حكم العقل بقُبحه. فتكون أحكام الشريعة إرشاد لأحكام العقل: (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ)، (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). فهي تؤكد ما حكم به العقل، سابقا على الشرع. فسواء كان الإنسان مؤمنا أم جاحدا بوجود الله وأنبيائه ورسله. وسواء كان عادلا أو ظالما، فهو يحكم بحُسن العدل، وقُبح الظلم ما لم يكابر.

والسؤال ما هو حكم العقل بالآيات التالية التي ظاهرها القسوة وربما الظلم بنظر بعض الناس؟: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ).

لا إشكال فيها، وجميعها حسن، وفقا للاتجاه الأشعري: "الحسن ما حكم الشارع بحسنه، والقبيح ما حكم الشارع بقبحه". لكن الإشكال يأتي وفقا للاتجاه العدلي / المعتزلي / الإمامي. إذ يقع التعارض بين حكم العقل وحكم الشرع. بين القصاص العادل، النفس بالنفس، وبين الإفراط بالقوة والعنف. وهنا لا تختلف القاعدة "الحُسن ما حكم العقل بحُسنه والقبيح ما حكم العقل بقُبحه". لكن ثمة فارق بين العقل البشري والعقل المطلق. الله تعالى محيط بكل شيء: (إِنَّهُ بِكُلِّ مُّحِيطٌ شَيْءٍ). وعدل الله مضمون حسب الفرض، لغناه، وعدم افتقاره: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ). فالسؤال إذا هل يصدق مفهوم العدل على جملة الأحكام القاسية أو الظالمة كما في الآيات المتقدمة وغيرها؟. نعم يصدق مفهوم العدل حينما نضع أيدينا على خلفيات الحكم، وأسباب صدوره، وما هي مبرراته. كل أحكام الجهاد بمعنى القتل، نزلت في ظروف المعركة، فكان دورها التوجيه والحض والتعئبة. وجميعنا يعلم أن قرارات المعاركة استثنائية، تفرضها ظروف الحرب. فقد يتخذ قائد الجيش قرارا لكسب المعركة مهما كانت تجاوزاته. وفعندما يحاصرك العدو لا تتردد في الدفاع عن نفسك بجميع الأسلحة المتاحة، ولا تتردد باستخدام الأسلحة المحرمة لانقاذ حياتك وحياة جنودك. وعندما نعود لآية السيف التي خلقت جدلا واسعا ومايزال، فإن أحكامها استثنائية وغير مطلقة، لكن الفقيه يصر على إطلاقها، وعلى هذا الأساس ارتكزت لها الحركات المتطرفة في استباحة دماء الآخر، بما فيهم الآخر الداخلي. لكن عندما تقرأ الآية ضمن سياقها القرآني، تجد مبررا لقساوة الأحكام، وهي أحكام خاصة بمجموعة من المشركين، يكيدون للنبي بلا هوادة، كما تصفهم الآيات التالية. فهم لا يجنحون للسلم، وإذا عهدوا لا يفون بعهدهم، وإذا ضفروا بالنبي وأصحابه يقتلونهم: (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ).. (كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ)... (لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ). ورغم ذلك تقول الآية: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ). وهنا لا توجد  مقايضة، بل أن من يتصف بهذه الصفة يؤتمن جانبه. وبالتالي فوفقا لملاكات بعيدة لا يحيط بها الفرد العادي قد شرّع الله هذا الحكم، فهو عدل وفقا لملاكاته. لا أقصد التبرير، لكن هذا ما أفهمه من سياق الآيات، وفقا لمبادئي في فهم القرآن. فثمة آيات محكمات وأخر متشابهات، وثمة ثابت ومتحرك. ويبقى الأصل للمبادئ والقيم، ولا إطلاق للأحكام الاستنثائية ولا قدسية للتجارب التاريخية، إلا بحدود ظرفها الزمكاني.

الحُسن والقُبح

تقدم الخلاف التاريخي حول الحسن والقبح، هل هما عقليان، ومن أحكام العقل، أم شرعيان، ومن أحكام الشرع؟ فهل ثمة تسوية بين النظريتين، أم أن التعارض بينهما مستقر؟.

والجواب: ما لم يكن هناك موقف سلبي من العقل، كما عليه السلفي الذي يَحرُم العقل حقه في التفكير والابداع والحكم إلا على مثال كما يذهب لذلك الشافعي أو كما هي عليه النظرية الأشعرية، فإن التسوية بينهما ممكنة. فمن يقل بحكم العقل في المسألة، يقصد العقل المحض، المتحرر، قبل أن تفرض القيم والأحكام محدداتها وسلطتها عليها. فثمة قيم فطرية صادقة، تخضع لرقابة الضمير، فيشعر بسعادة الفعل الحسن، وبراءة ذمته، حينما يتطلب الأمر نوعا من التضحية، والعكس عندما يرتكب القبيح، يشعر بتأنيب الضمير، وعدم الرضا. أما من يقول: الحسن والقبح شرعيان، فهو ناظر إلى العقل بعد تلبسه بالأحكام الدينية. فالعقل لا يتخلى عن أحكامه، ويحكم بقبح القتل والظلم بعيدا عن الشرع، لكنه يخضع لأحكام الشرع، لوجود ملاكات، مصالح أو مفاسد غائبة عنه كل الحكم بإزهاق النفس (النفس بالنفس). الشارع لا يصادر حكم العقل، وليس له سلطة عليه، غير أن موضوع الحكم قد تغير. فالشارع عندما يحكم بالقصاص، لأن الجاني قد قتل نفسا محترمة، فيجب القصاص من باب العدل. فاختلف الموضوع، من قتل محض، إلى قتل القاتل / قصاص. فإذا كانت هذه التسوية صحيحة يرتفع التعارض على أن ينظر للخلاف من زاوية ملاكات الأحكام ومدى توافقها مع العدل والظلم.

لكن السؤال الأهم والأخطر، ماذا لو وقع التعارض بين حكم الشرع وحكم العقل؟. فما هو الأصل في المسألة؟

لا شك أن الأصل ما يحكم به العقل، لثباته وشموله: حُسن العدل وقُبح. ويقصد بالعقل هنا العقل المحض، المجرد عن أية أحكام مسبقة. وحينئذٍ لا تؤسس الآيات لحكم جديد، بل تكون كاشفة عن حكم العقل. فينتفي التعارض، حتى وإن لم ندرك ملاكاتها البعيدة: و"ما حكم به العقل حكم به الشرع".

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

لا شك أن هذا الكلام صحيح. و قد سمعنا مثله من ماجد الغرباوي في عدة مناسبات. الأصل في الدين للعقل. و لا يمكن أن تجد مؤمنا يؤمن بقلبه و يكفر بعقله. هذا الكلام غير وارد بتاتا.
و القياس يكون للعقل. و كذلك الاجتهاد. فهما مساحة يلعب بها العقل لعبته. أما النص فهو نبراس و هداية. أو أنه شمعة تساعد الإنسان على الانتباه و التذكر.
و لا أستطيع أن أقول عن الظاهرية أنها فلسفة للمؤمنين. فكل اللغات تجيز الرمز و التضمين و التورية. و هذه إحدى ادوات اللغة الأساسية.
و أمس فقط كان حسن حنفي يكتب عن الموضوع و يضع الأولوية للعقل. أما النص فهو مطلق و مقيد. و القيود تحددها حركة المجتمع و آفاقه. و بللغة الأستاذ حنفي: الإيمان ليس دليلا على شيء. و لا يمكن استخدام الأقاويل و الجدل و الخطابات للتدليل و لكن البرهان. و يضيف: لا يمكنك ان تسمع بوجود الله دون ان تعقله. و هذا يفرض علينا استعمال دليلين آخرين لثبوت الواقعة الروحية و هما دليل العناية و الاختراع (و يأخذهما عن ابن رشد).و كلاهما ورد في القرآن بالمعنى و ليس اللفظ.
و هذه الفكرة مجالها مكان آخر.
شكرا

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لحضورك الاستاذ د. صالح الرزوق. شعارهم النص فوق العقل، وقد أكدت بأدلة تامة أكثر من مرة أن العقل فوق النص. تحياتي واحترامي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الخطاب الديني يحتاج الى تجديد والى طريقة طرح مختلفة.. نعم انا معك تلك الأحكام الدينية ولت مع الزمن الماضي.. ولكن هل سمعنا فتاوى جديدة بديلة عنها؟ اكثر رحمة مثلا؟؟ اليوم القانون العربي او العراقي يطبق احكامه حسب الفتاوي الدينية والفتاوى لم تجدد..حتى الحكايا المتداولة في أمور الدين الخارجة عن الفتاوى سبي, ملكات يمين, قتل, حروب, غزو.. قد نعتقد ان هذي الأمور قد ولت لكنها في الحقيقة ما زالت موجودة ومتجذرة منذ القدم لكن بقناع جديد.. باختصار العقل العربي يفضل تداول الفضائح على النصائح.. اليوم لو تداولنا الرحمة الالهية بحب لكنا في خير حال.. لكننا فضلنا الترهيب دائما

مروة الأمير
This comment was minimized by the moderator on the site

مرحبا بالاستاذة القديرة مروة الامير، وشكرا لقراءتك الحوار وتفاعلك. ملاحظتك دقيقة. غير أن طريق الاصلاح طويل، ونحن شعوب ندمن التراث، ولا نغادره فنحتاج لثقافة جديدة ينتفتح من خلالها الفرد على آفاق العقل والمعرفة. شكرا لك مجددا مع احترامي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الفاضل ماجد الغرباوي السلام عليكم.

قلت حضرتك . لاتحل الاديان محل العقل ولاتسلب الفرد حريته وارادته ،ويبقى كل انسان مسؤولا عن سلوكه وتصرفاته . فنحن نرى ان كل ماجاء في القران لايعطي للانسان حريته وانه مقيد بأحكام تسيره كيفما تشاء فأين ياترى مقام العقل واين المساحة التي يمارس العقل حريته فيها . وشواهد القرأن على ذلك لاتعد ولاتحصى ولااريد ذكر الايات حتى نختصر التعليق ولايصبح مملا .

ودمتم بأمان الله .

ابو سجاد
This comment was minimized by the moderator on the site

اهلا وسهلا ابا سجاد الاخ العزيز.
الانسان بما هو انسان. او الانسان بالقوة لا بالفعل، حر، لا يمكن لاحد سلبه حريته وإرادته. لكن عندما يتفاعل مع الحياة تبدأ القيود، ابتداء من اوامر العائلة وما يليه. وبالنسبة للاديان فانه شرط الايمان. فاذا امنت بدين فهذه شروطه وقيوده. وايات القران واضحة تحمل الانسام مسؤولية عمله، وتلقي عليه المسؤولية في الاخرة او في الدنيا والاخرة.
ثم الدين لا يحل محل العقل، بل انت تتعقله، قد تؤمن به او لا تؤمن. والشيء الثاني، ان الدين وفقا لاتجاه الخلافة او خلافة الانسان الذي اتبناه في مقابل اتجاه العبودية، يعتبر الانسان محور الحياة، وانه المسؤول عن سلوكه، وان الاحكام الشرعية تاخذ بنظر الاعتبار مصالحه، وليس الاحكام مجرد تعبد يجب الالتزام بها كما هو راي اتجاه العبودية، وعليه مدى ما انتفت فعلية موضوعات الاحكام تنتفي فعلية الاحكام. قد بينت هذا مفصلا، تجده في كتاب الفقيه والعقل التراثي الذي صدر حديثا. اغلب القيود اليوم يفرضها رجل الدين / الفقيه، او عادات وتقاليد تحسب على الاديان وهكذا. تحياتي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الفاضل الاستاذ ماجد الغرباوي على هذه المقالة التنويرية الرائعة وشكراً للدكتور صادق السامرائي على طرحه لهذا السؤوال المهم وشكراً لكل المعلقين.
هل أفلح القرآن في تهذيب وضبط سلوك المسلمين؟.
الاخ الغرباوي وضّح امور مهمة في هذه المقالة لا اريد ان اعيدها ولكن احب ان اضيف عليها. نعم اتفق مع الاخ الغرباوي من ان الآيات القرآنية لها بعدان زماني ومكاني. وان الكثير منها جاءت لملائمة ظروف الرسالة الاسلامية في بدايتها.
اعتقد ان آيات القرآن الكريم لم تؤثر على الغالبية العظمى من المسلمين وهذا يرجع في اعتقادي الى عدة اسباب وهي:
1- ان الغالبية العظمى من المسلمين يعتمدون كلياً على فقه اصحاب المذاهب وعلى مرجعيات الدين وليس على آيات القرآن. وهذه المرجعيات تجتر فقه السلف الصالح و"تلّقن" اتباعها ما تريد بعيداً عن مغزى الرسالة السماوية . لا شيء جديد!!!. ولذلك اوجدوا "التقليد" لربط "عقول" الناس معهم وهذا كله يتعارض كلياً مع آيات القرآن. انهم "اقفلوا عقول الناس ومنعوهم من التفكير في دينهم". انهم يعتبرون انفسهم رجال الله في الارض ومخولين من الله. ولكن ماذا تقول آيات القرآن.
الاسراء- 65
ان عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا
الحجر- 49
نبىء عبادي اني انا الغفور الرحيم
اذا كان الرسول موجه من الله من انه لا يكون سلطاناً على الناس فكيف نفهم ربط عقول الناس مع رجال الدين الحاليين والذين سبقوهم "التقليد".
2- كسل وجهل المسلمين وعدم قرائتهم القرآن لفهم فحوى ومغزى آياته؛ لذلك نراهم يعتمدون كلياً على رجال الدين والمثل العراقي يقول "ذبها براس عالم واطلع منها سالم".
3- اعتقد ان الغالبية العظمى من العرب المسلمين "لان القرآن نزل بلغتهم" لا يفقهون بمغزى وروح الرسالة السماوية ولذلك يلجأؤن الى رجال الدين. وان رجال الدين يجترون افكار بشر مثلنا سبقونا بأكثر من 1400 سنة ويقدمونها لنا على انها هي الدين الاصلي الذي اراده الله. واوجدوا مصطلح "القياس" اي يقيسون الاحكام على ضوئه. ونسوا تفسير وتأويل الايات المتشابهة متغير مع الزمن.
4- بما ان رجال الدين لا يفقهون دينهم بالشكل المطلوب اشاعوا ثقافة الكراهية والحقد على كل من لا يتبع آرائهم وكذلك على اصحاب الديانات الاخرى. ونسوا ان القرآن لا يجبر الناس على دخول الاسلام وكذلك يؤكد على السلم الاجتماعي.
الكهف- 29
وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر انا اعتدنا للظالمين نارا احاط بهم سرادقها وان يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا
الاية اعلاه بالرغم من انها تتكلم عن "نقيضين" الايمان والكفر ولكنها تقول "انا اعتدنا ناراً للظالمين " وليس "للكافرين". الظلم عند الله اهم من الكفر بدينه.
و ان الله اراد البشر ان يكونوا مختلفين
هود- 118
ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة ولا يزالون مختلفين
الحجرات-13
يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير
مقياس الحكم عند الله على الناس هي "التقوى" بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معاني انسانية وليس "الايمان" بدينه.
اصحاب الديانات وغيرهم من البشر ماذا يقول القرآن عنهم
البقرة- 62
ان الذين امنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من امن بالله واليوم الاخر وعمل صالحا فلهم اجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون
الاية اعلاه واضحة وضوح الشمس من انه نحن لسنا لنا علاقة باصحاب الديانات والمجوس وان امرهم متروك الى الله. اذاً لماذا هذا اللغط في هذا الموضوع.
5- آيات القتال والجهاد في الدين الاسلامي و"عدم فهمها من قبل رجال الدين" سبب اساسي في تشويه صورة الدين الاسلامي وربطه بالاهاب.
ان الاخ الغرباوي وضّح من ان هذه الايات لها زمانها ومكانها وجاءت لتلائم ظروف ذلك الوقت وانها تتعلق بمبدأ اساسي وهو "مبدأ الدفاع عن النفس" وليس "الاعتداء على الاخرين". وكذلك جاء قسم من الايات على "نقض العهود" التي يبرمها المسلمون مع "الطرف الاخر".
و لكي اوضح هذا اكثر بشكل مختصر جداً ننظر الايات التالية.
البقرة-190
وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين
ان آية البقرة 190 اعلاه توصي المسلمين بعدم "الاعتداء على الاخرين". ولكن الاية التي تلتها وهي "البقرة 191" المدونة ادناه وهي:
البقرة- 191
واقتلوهم حيث ثقفتموهم واخرجوهم من حيث اخرجوكم والفتنة اشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فان قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين
الاية 190 اكدت على عدم الاعتداء على الاخرين
الاية 191 اكدت على "مبدأ الدفاع عن النفس" و"المعاملة بالمثل".
و هذه آية اخرى تؤكد على عدم الاعتداء
المائدة-87
يا ايها الذين امنوا لا تحرموا طيبات ما احل الله لكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين
و الايات التالية توضح "نقض العهود" التي يبرمها المسلمون مع الطرف الاخر.
الانفال-56
الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ
الاية اعلاه "الانفال 56" تشير على نقض "الطرف الاخر العهد في كل مرة".
و الاية التي بعدها اي "الانفال 57" لا تدعو الى قتلهم في حالة الحرب وانمّا تدعو الى تشريدهم من ساحة القتال.
و الانفال- 57
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
و الاية التالية "الانفال 61" تدعو الى السلم اذا جنح الطرف الاخر للسلم.
الانفال-61
وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
آسف على الاطالة لان الموضوع معقد ومتشعب. وشكراً مرة اخرى ومزيداً من المقالات التنويرية التي تنير الطريق امامنا.
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر والتقدير

ثائر عبد الكريم
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لك كثيرا الاخ الاستاذ ثائر عبد الكريم. بالفعل ان فهم القران له اثر كبير في تداعيات مسالة ايات القتال. والمشكلة مع الفقهاء قبل غيرهم عندما يصرون على اطلاق الايات رغم انها تقصد مجموعة معينة من الكفار والمشركين ولا اطلاق لها خارج بيئة نزولها. اكرر احترامي

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5164 المصادف: 2020-10-25 06:29:27