 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (197): الحرية والأخلاق

majed algharbawi14صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة السابعة والتسعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

الوعي الأخلاقي

ماجد الغرباوي: تقدم، إذا كان هدف إدراك العقل هو معرفة الشيء دون العمل به، من قبيل إدراك حقائق الوجود، فإن مبدأ الإدراك يسمى عقلا نظريا. ويسمى عقلا عمليا إذا كان هدفه تحديد الموقف العملي، باعتباره معيارا للتميز بين الخير والشر والحُسن والقُبح. فيصدق أنه: مبدأ إدراك "ماذا يجب أن أفعل؟"، بإزاء الواقع. لا بمعنى توقف الفعل الأخلاقي على نتائجة، بل يبقى إرادة خيرة بدواقع إنسانية، لتجسيد إنسانية الإنسان. يمتثل له المكلف كواجب أخلاقي ملزم بحكم العقل العملي، تحققت أو لم تتحقق مقاصده. وهذا شرط الفعل الأخلاقي، ولا خلاف في ذلك. إنما أعني، أن الفعل الأخلاقي يضفي معنى أخلاقيا على الواقع، ويطبعه بطابعه الإنساني، قصده أو لم يقصده... معنى يساهم في ترسيخ قيم الفضيلة والخير والعقلانية وسمو النوايا البشرية، خاصة العلاقات الاجتماعية وعلاقة الـ"أنا" بالآخر. ويحول دون اتخاذ الإنسان وسيلة لتحقيق أهدافه، بغض النظر عن خصوصيتها، فإن الإنسان يبقى إنسانا تحت أي ظرف كان.  وبشكل أدق أن الاستجابة للفعل الأخلاقي كواجب إنساني، يترك أثرا ينعكس على الواقع وروابطه الاجتماعية، وبذلك يكتسب المجتمع طبيعة أخلاقية، تسودها العدالة، ويعم الخير، لأن الأخلاق ممارسة سلوكية، وكل ممارسة تترك أثرا، إيجابيا أو سلبيا. ويغدو تربة صالحة لنمو قيم الفضيلة. فهناك إذاً أثران للفعل الأخلاقي، الأول انعكاسه على النفس البشرية، حينما تنشرح لفعل الخير، وتشعر بسعادة كبيرة، وراحة ضمير، تتلاشى معها أنانية الفرد، وضيق أفقه الأخلاقي، ويغدو مهيأ لتحمل تبعات فعله، مادام منطقه إنسانيا يرى فيه صورته. بينما يحدث العكس مع اقتراف الشر، أو مع عدم الاستجابة لنداء الضمير، فيشعر بتأنيبه، وهو شعور نفسي ضاغط، لمن كان ضميره حيا، وهو ما تصوره آية: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ). ومع كل فعل أخلاقي تسمو الروح وتسمو الأخلاق ويعيش الفرد مشاعر روحانية، تتطلع للكمال.

وأما الانعكاس الثاني فما يتركه الفعل الأخلاقي على العلاقات الاجتماعية، وروح الجماعة والشعور بالمسؤولية تجاه الآخر الذي هو رهان مجتمع الفضيلة. وهذه نتيجة مهمة ربما لم يُكشف عنها سابقا. بمعنى آخر، أن الواقع ماثل أمام العقل العملي حينما يصدر أوامره. ومثوله هو رؤية الأنا ضمن محيطها الاجتماعي، بجميع خصوصياته وتناقضاته وملابساته، فهو فرد له استقلاليته، وبنفس الوقت جزء لا يتجزأ من مجتمعه، حتى قيل قديما: الإنسان اجتماعي بطبعه. وعليه يمكن تصور وعي الفرد لذاته ولغيره على ثلاثة أنحاء:

1- تارة يعي الشخص ذاته بما هي ذات إنسانية مستقلة، ذات مشاعر تشارك بها الآخر الإنسان، وتميّزها عن غيرها من الكائنات، وهي الوسط  الذي يتجلى فيه معنى "حب لأخيك كما تحب لنفسك"، تجليا مرآتياً، يرى فيه الآخر نفسه، فقط يقيسه على نفسه بل يراه نفسه، عندما يقرر ماذا يجب أن يفعل. فوعي الآخر في امتداده الإنساني، هو رهان العقل العملي. وهو القانون الكوني الذي يرتهن له الفعل الأخلاقي. فحينما تقدم على فعل تستحضر الآخر في ذاتك، وتضعه في موضعك وأنت تريد وعي الحالة أو الظرف الذي يمر به، فتبادله ذات المشاعر الإنسانية، وأنت تقرر ماذا يجب أن تفعل. لذا يجب أن تتمنى له ما توده لنفسك من الخير، وتبادر له كواجب إنساني. ويلزمك الفعل الأخلاقي دفع الأذى عنه كما تحب ذلك لنفسك. فتكون نفسك الحرة مقياسك لفرز العمل الأخلاقي عن غيره. ومن شأن هذا إشاعة قيم أخلاقية سامية. وهو ما نتوخاه لتفادي انهيار القيم والمبادئ الأخلاقية. ولازم كون الاستجابه للفعل الأخلاقي، استجابة للواجب، عدم ارتهانه لمقاصده، كالثواب والعقاب. والخوف والرجاء، كي يفقد الفعل قيمته الأخلاقية، ويغدو مقايضة، لا يبادر له ما لم يضمن جزاءه. لذا أكدت أن الأحكام الأخلاقية في القرآن، إرشاد لأحكام العقل العملي. وأما تعلق الآوامر الإلهية بالفعل الأخلاقي، وهو أهم المباحث الأخلاقية، فسيأتي.

2- وتارة ينظر الإنسان للذات بما هي جزء من المجتمع وثقافاته وعاداته وتقاليده ورؤيته الدينية. فالذات هنا تختزن الكل الثقافي، دون الخضوع لسلطته ما لم يضمن الفعل الأخلاقي شروطه في وحدة الموضوع والحكم. غير أن تلك الخلفية تكشف له عن الواقع حينما يريد الاستجابة لنداء الضمير، بدوافع إنسانية خيرة فقط وفقط. فهو كما يعي ذاته مستقلة عن محيطها الاجتماعي، يعي تحيزها الاجتماعي ومختلف انحيازاتها. فقد يتعارض الفعل الأخلاقي مع أعراف وتقاليد المجتمع، وحينئذٍ، ينبغي له التحقق من نواياه ودوافعه.

3- وثالثة يعي الفرد ذاته ضمن حركة الوجود، باعتباره مركز الخلق، فكيف يكون فعله الأخلاقي؟. لا فرق بين من يؤمن أو لا يؤمن بوجود الخالق أو الكائن الأسمى، إذ ليس للإنسان وجود مستقل عن الوجود. هو جزء منه يتأثر به ويؤثر فيه، خاصة في ظل الفتوحات المعرفية المذهلة، التي لا يمكن السيطرة عليها إلا بتمثل القيم الأخلاقية، حيث بات من السهل فناء مجتمعات كاملة خلال دقائق، باستخدام أسلحة محرمة. أو التلاعب بالجينات الوراثية، مما يؤثر سلبا على الطبيعة البشرية للإنسان، أو استباحة القيم الإنسانية بعنوان حقوق الإنسان. لا شك بشرعية حقوق الإنسان لكن ينبغي أن لا تهدر قيمته ومكانته الوجودية، كما تدعو له النظرية النسوية الرادكالية المتطرفة، حيث التمركز حول الأنثى، وإرساء ثنائية صلبة تفصل بين الذكر والأنثى، فتنعدم فرص التكامل البيولوجي والإنساني، الذي يحكم العلاقة بين الرجل والمرأة منذ وطأت أقدامهما الأرض. ويدعو هذا الاتجاه للاستغناء عن الرجل، باللجوء لأساليب جنسية، تستغني بها المرأة عن الرجل. ولا ريب أن دعاة هذه النظرية يستبعدون الأخلاق الإنسانية بالأخلاق الطبيعية بدعوى أنها تبيح للإنسان ما كان يتمتع به في بداية حياته الاجتماعية. لكن من قال أن هدر القيم الإنسانية كانت جزءا من أخلاقياته؟ كيف تكاثرت البشرية، وكيف تطورت وأنشأت علاقات اجتماعية.

 وبالتالي، الفعل الأخلاقي يشتمل على رؤية كونية للكون والوجود والإنسان والحياة وما بعد الموت لمن كان مؤمنا بوجود عالم ما ورائي، ووجود يوم للحق والعدل، هو يوم المعاد، كما تؤكد عليه الأديان. إذاً، ليس الفعل الأخلاقي مجرد إرادة خيرة بل إرادة تنبثق عن إنسانية الإنسان، بعيدا عن أية خصوصية تباعد بينه وبين إنسانيته التي هي إنسانيتك. فيكون فعلا أخلاقيا محضا، مجردا، يحقق معنى الإنسانية التي نفتقدها اليوم في ظل عالم تحكمه القوة وشريعة الغاب والأنانيات البشعة، حتى أبادوا الملايين من السكان الأصليين في أمريكا واستراليا وغيرهما من الدول، بوصفهم شعوبا متوحشة أو غير متحضرة. فهل تعتبر إبادتهم عملا أخلاقيا يراد به حماية المجتمع البشري؟.

إن هذا التصور للفعل الأخلاقي ضمن أبعاده الثلاثة يضفي معنى على سلوك المجتمع، يساهم في تكريس القيم الإنسانية وقيم الفضيلة. فينبغي عدم التعامل مع الأخلاق بنظرة تجريدية بعيدا عن الواقع، كي نحقق نحن / المجتمع ما نصبو له من الفعل الأخلاقي. بمعنى آخر لا تكفي الإرادة الخيرة بمفردها شرطا للفعل الأخلاقي ما لم ينبثق الفعل بدافع إنساني، يعمل على تطوير الواقع البشري، فمع كل فعل أخلاقي نكرس إنسانية الإنسان في تعامله مع الذات والآخر والمجتمع والوجود. إضافة لذلك، إن وعي الفعل الأخلاقي في بعده الإنساني، كشرط أساس لصدقيته، يحول دون تزييفه تحت أية ذريعة، دينية أو عرفية. وهو ما تعانيه المجتمعات فعلا، حيث تمارس الرذيلة والعنف والقتل، بل والإبادات الجماعية واستغلال الإنسان، دون رادع أخلاقي، بذريعة تارة تكون دينية وأخرى عرفية وثالثة المصلحة العامة، التي في أغلب الأحيان مصلحة الأنظمة الشمولية والاستبدادية، التي تستبيح كرامة الإنسان وحيثيته وثرواته. والقضية نسبية، فما تفعله الدول بدافع المصلحة يفعله الأفراد والجماعات بدافع الحفاظ على الهوية أو تأكيد الذات من خلال نفي الآخر، وإقصائه أو قتله. تجده في أكثر الدول تطورا حضاريا، عندما تهدر مركزية الغرب أو مركزية أمريكا كرامة الآخر، باعتباره هامشا يدور حول مركزه، وليست دول الشرق أقل إجراما كروسيا والصين وغيرهما. وعلى هذا الأساس اقترفت الحروب جرائم بشعة، سحقت الإنسان الذي هو هدف الخلق وهدف الأخلاق ورهان الله مع ملائكته. واستباحت جميع القيم، حتى انقلبت موازين الخير والشر، وراح تسويف الأخلاق يطال كل القيم الروحية والدينية.

بهذا يتضح الفارق بين العقلين النظري والعملي. الأول يقصد معرفة الشيء، والثاني يحدد موقفا عمليا من الواقع. وهي وظيفة العقل العملي، باعتباره معيارا للتمييز بين الخير والشر والحُسن والقُبح؟ وهذا يضعنا أمام مسوؤلية كبيرة، مسؤولية حماية الوعي من التزييف كي يأخذ العقل دوره في حماية الإنسان، عندما يكون حرا، قادرا على اتخاذ قراراته بذاته، وهي عملية شاقة في ظل تآمر مستمر لترويضه ومن ثم اغتياله، وذلك عندما تنقلب مهمته من معيار للتمييز بين الخطأ والصواب منطقا، وتمييز الخير من الشر أخلاقيا، وتمييز الحُسن من القُبح جماليا، إلى أداة تربط الحق والخير بالمنفعة دون اعتبار لأية قيم إنسانية. يقول محمد عابد الجابري: (أما اليوم فنحن نشاهد العقل يتحول من معيار منطقي وأخلاقي إلى مجرد أداة حتى أصبح يوصف بالعقل الأداتي: مهمته تحقيق النجاح بدون اعتبار لأي شيء آخر، فأصبح النافع هو الحق وليس العكس. وبعبارة أخرى تعرفون مرجعيتها الفلسفية: العقل الأداتي هو العقل الذي يربط الحق والخير والحسن بالمنفعة والنجاح، شعاره كل ما يحقق النجاح فهو حق وصواب وجميل. ومن الطبيعي أن ينساق هذا العقل الأداتي مع شعار: الغاية تبرر الوسيلة). وعندما يتحول العقل إلى أداة لتزوير الوعي، تنقلب القيم من قيم إنسانية تعلو على الأنانية والمادية والنفعية إلى قيم مادية، شريرة، تجعل من المنفعة مقياسا للفعل الأخلاقي، ولو على حساب إنسانية الإنسان فضلا عن استغلاله واتخاذه وسيلة لتحقيق مآربه. ليست هناك جريمة أكبر من هدر كرامة الإنسان، وقد كرمته السماء قبل الأرض: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً). وهذا يكفي سببا لتأكيد شرط الإنسانية في الفعل الأخلاقي، من أجل خلق واقع عملي، يجد فيه الإنسان إنسانيته، وأجواء آمنة تضمن كرامته وحريته. الإنسان محور الوجود، كما ذهبت لذلك في نظرية الخلافة أو نظرية الإنسان في مقابل نظرية العبودية، التي تضحّي بالفرد لصالح التشريع، وتنسى أن الأحكام الشرعية قائمة بملاكاتها ومصالحها التي هي مصالح الإنسان، وليس الله بحاجه لأحد. وأن هدف حركة التاريخ قرآنيا تحرير الإنسان، واستعادة إنسانيته: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)، بعيدا عن أية ولاية، وهذا معنى تحريره، أن يتولى شؤونه بنفسه، بما أودع الله فيه من قدرات عقلية، وضمير حي يراقب سلوكه وتصرفاته، ليضعه دائما على الطريق الصحيح. فالغاية النهائية للأديان عودة الإنسان لمركزيته، غير أن الخطاب الديني السائد وفي جميع الأديان، سلب الإنسان حريته، وارتهانها إما لنصوص فرضوا ولايتهم على فهمها، أو لفتاوى تسلب الفرد حريته، بدافع القداسة والخوف من اليوم الآخر. وهذا مكمن الخطر، الذي يستدعي وعيا قادرا على تشخيص الحقيقة، بعيدا عن أية سلطة فوقية، مقدسة أو غير مقدسة. سواء عدالة الصحابة أو عصمة الأئمة أو قداسة الفقيه أو رجل الدين بشكل عام أو أي عنوان يسلب الفرد حريته.

إن تحرير العقل غاية سامية نسعى لتأصيلها، من خلال فهم جديد للدين يأخذ بنظر الاعتبار مركزية الإنسان، ويراعي مصالحه، ولا يفرط بحريته وإنسانيته وعقلانيته. إذ نفهم من الآية المتقدمة ومن مقاصد الرسالات السماوية، تحرير الإنسان من عبودياته، الدينية وغير الدينية، واستعادة مركزه، ليتحقق هدف الخلق من وجوده وجعله خليفة في الأرض. وهذا يتوقف على وعي الإنسان لحريته، وعدم ارتهانها لأية جهة سوى عقله المعياري القادر على التمييز والتشخيص. الحرية لازم وجودي للإنسان، لا يمكن لأحد سلبها إياه. وعندما تسعى الأديان لتحريره فهي بالحقيقة تستعيد حريته من قبل النظام العبودي ومن ثم القبلي فالأبوي. بينما راح الفقهاء يكرسون العبودية تحت عناوين شرعية، حتى بات الفرد يفتخر بعبوديته للسلطان مهما كان ظالما جبار متكبرا. لذا لا يتحقق الفعل الأخلاقي ما لم يعِ الإنسان كينونته وحريته. بل لا يصدق الفعل الأخلاقي بدونها. الحرية هنا تعني التحرر المطلق إلا من وعي الذات وإنسانيته. فصدقية الفعل الأخلاقي مرتهن لحرية الفرد، وهذه نقطة مهمة، تقمع منطق التبرير والاعتذار، وتبقي الفعل الأخلاقي فعلا إنسانيا، ينطلق من مشاعر عميقة، غير مرتهنة لأية جهة خارجية. وهذا ما أكده محمد باقر الصدر في تعريفه للعقل العملي: (العقل العملي هو ما يكون لمُدركه تأثير عملي مباشر دون الحاجة لتوسّط مقدّمة خارجيّة)، والأخلاق من مدركات العقل العملي. وعدم الحاجة للمقدمات تعني تحرر الفرد، وعدم خضوعه لأية سلطة وهو يتخذ موقفه من الواقع سوى مدركات العقل العملي.

إن خسارة الإنسان لحريته يؤثر سلبا على قراراته، حداً قد لا يجد بأسا باضطهاد الآخر وربما تصفيته اجتماعيا أو جسديا. وقد يضفي على سلوكه صفة أخلاقية، تقمع ضميره وشعوره الإنساني. مهما كانت الجهة التي ترتهن حريته، دينية أو أيديولوجية. فالحرية شرط أساس في صدقية الفعل الأخلاقي، أو ستنقلب الموازين وتفقد الأخلاق أصالتها، وتستبدل بأخلاق مكتسبة، نسبية، تزرع في الإنسان روح العبودية والطاعة والانقياد. فلا أمل في وجود مجتمع فاضل أو مجتمع إنساني، تسوده القيم الأخلاقية الأصيلة، مع استلاب الحرية وارتهانها لأيديولوجيات متقاطعة في أهدافها ورؤيتها الكونية. فمثلا يغدو التسامح الحقيقي الذي أعنه به كما جاء في كتاب التسامح ومنابع اللاتسامح: (الاعتراف بالاخر وبحقوقه المشروعة حقيقة، لامنّة ولا تكرما، باعتبار تعدد الطرق الى الحقيقة). أو (التسامح يعني: الاعتراف بالآخر، والتعايش معه على أساس حرية العقيدة وحرية التعبير، لا تكرما ولا منّة، وإنما حق، باعتبار تعدد الطرق إلى الحقيقة، لا نسبيتها). (أنظر: ص23). وهذا كفيل أن يجعل التسامح فعلا أخلاقيا، يتقوم بالروح الإنسانية المشتركة، بينما يفقد التسامح الشكلي صفته الأخلاقية، عندما يلغي المشاعر المشتركة التي هي رهان الفعل الأخلاقي. وتبقى خطوط التماس بين الثقافات والأديان والقوميات هشة، تنهار عند أول اختلاف يضر بمصالح أحدهما. لذا لست مع التعريف الاصطلاحي المشهور للتسامح الذي يراد به: (موقفا إيجابيا متفهما من العقائد والأفكار، يسمح بتعايش الرؤى والاتجاهات المختلفة، بعيدا عن الاحتراب والإقصاء، على أساس شرعية الآخر المختلف دينيا وسياسيا وحرية التعبير عن آرائه وعقيدته). (ص21). إذ لا يكفي الموقف المتفهم في صدقية التسامح الحقيقي، وفقا لشروط الفعل الأخلاقي، ما لم يتضمن اعترافا حقيقيا بالآخر. ولا ريب أن هذا الفهم للتسامح ضروري في ظل أجواء التناحر والاقتتال حول احتكار الحقيقة، واحتكار طرق الوصول إليها، لكنه لا يفي بالشرط الأخلاقي. وحينئذ كيف يمكن تكييف هذا التعريف أخلاقيا مع ارتهان الوضع الأمني له؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 


 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5245 المصادف: 2021-01-14 10:26:47