 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (199): الإيمان والأخلاق

majed algharbawiصادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والتسعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

الإيمان والأخلاق

ماجد الغرباوي: المهم في هذا البحث دراسة الإيمان كسلطة مؤثرة في توجيه وعي الفرد والتحكم بإرادته. والإيمان مشاعر نفسية عميقة، ذات مرجعية عقدية ترتبط بالرؤية الكونية للإنسان وفهمه للذات والآخر، وكيفية انعقاد الإيمان في أعماق النفس البشرية. وهي آلية معقدة، يصعب تفسيرها، خاصة الإيمان بالخرافات واللامعقول وكل ما يتعارض مع منطق العقل. وهذا يؤكد ارتباط الإيمان بمشاعر الإنسان وأحاسيسه وجهازه العصبي وقناعاته ومستوى وعيه وقوة إدراكه ووعيه لذاته. وبشكل أدق، إن الإيمان عنوان لسلسلة عمليات شعورية ولا شعورية، ترتهن إرادة الفرد وقراراته. فالإيمان لا يخضع لصرامة العقل دائما، بل الغالب ينعقد بغفلة منه، بفعل الخطابات العاطفية والمشاعر المؤثرة والظواهر السحرية وقوة إيقاع الكلمات على ذهن السامع، وكيف تخترق النفس لتهيمن على مشاعره، حيث تترسب تدريجيا في أعماقها، ثم تتراكم مع كل خطاب أو مشهد عاطفي جديد، وهذا أحد أسباب رسوخه، وتمرده على العقل وقوانينه، فتجده أكثر إخلاصا لقناعاته النفسية، رغم تزامن العقل والعاطفة في تلقي المشاعر، غير أن النفس تتفاعل مع العواطف لا شعوريا، خاصة وهي تُلهب مخيلة السامع، وتحلق به عاليا في عوالم الأوهام السحرية، خلافا لمنطق العقل الذي يستدعي جهدا تأمليا لإدراك حقائق الأشياء، ويتوقف أمام كل معلومة ليتأكد من صحتها، وهو أمر صعب، خاصة مع تواضع الوعي، فتتماهى النفس مع مشاعرها وتصوراتها، وتعيش دفئا إيمانيا يضفي معنى على تجربته الروحية، ويبعث فيها روح الطمأنينة، خاصة إبان الازمات ومواجهة التحديات.

لا ريب أن الإيمان مظهر بشري محير، حينما نعجز عن تفسير تجلياته، وهو يخاصم عقله، ويتماهى مع معتقده، بل ويغيب أو ينكص عند تلقي الخطابات العاطفية، وما توحي به الطقوس والأمكنة من دلالات رمزية وقناعات، تغزو اللاشعور وترتهن إرادته، فينقاد لإيمانه، غير مبالٍ لتداعيات عمله. وقد ينساق الفرد مع إيمانه حد التضحية بالنفس وفاء له. لذا توظف الأيديولوجيات خطابات عاطفية للتأثير مباشرة على مشاعر الإنسان، وتلهب الخيال، بعيدا عن العقل ورقابته، حد التمرد والانسياق وراء النفس ومقاصدها. فالإيمان ينسج منظومة معرفية وفقا لموازينه وقناعاته، توجه سلوك الفرد.

وأقصد بالإيمان مفهومه العام الذي تقدم بيانه. مصدره تراكمات شعورية ولا شعورية، نفسية – ثقافية، هي سر نسبيته وتفاوته بين شخص وآخر، رغم وحدة العقيدة أحياناً. يبدو هذا واضحا من تجلياته النفسية والسلوكية وردود الأفعال. فالإيمان هو المحرك الحقيقي لوجود الفرد، خاصة العلاقات الاجتماعية، وقد شاهدنا جميعا كيف يدفع الإيمان بعض الناس لتفجير نفسه بيقين راسخ. بل حتى الطموح الفردي ينطلق من إيمان يسبقه تصور عقدي، وهذا يعطي راهنية لعلاقة الإيمان بالأخلاق، من خلال التركيز على دور الإيمان في إحياء ضمير الإنسان، وديمومة رقابته التي يرتهن لها الفعل الأخلاقي. ولما كانت مناشئ الإيمان متعددة فيمكن تطوير الرؤية الإيمانه من خلال ذات المناشئ، التي يمكن تقسيمها إلى نفسية وثقافية، تتوالى على بناء وصياغة إيمان الفرد. سواء كان موضوعه فكرة أو أسطورة أو كائنا أسمى أو الخالق تحديدا. وهذا يتوقف على فهم الضمير، لنفهم كيف يمكن للإيمان بشكل خاص والدين كخطاب روحي وأخلاقي التأثير فيه؟.

تقدم أن الضمير "وازع نفسي، ورقيب ذاتي، يضبط الأداء السلوكي للفرد"، فهو يشترك مع الإيمان بوصفهما حزمة مشاعر ضاربة في أعماق النفس، تشتبك مع الأنساق الفكرية والعقيدة والثقافية المضمرة. وتتزود من الصفات النفسية والوراثية. وتتأثر بإيقاع الخطاب الوعظي والإرشادي. وكلاهما انفعال نفسي تستجيب له مشاعر الإنسان. يتأثران بالبيئة والثقافة والاجواء السياسية والاقتصادية، والاستعدادات الذاتية للفرد، فثمة شخص متمرد بطبيعته، تلاحقه الشكوك والأسئلة المصيرية، وآخر بطبيعته، بسيط، وربما ساذج أو خامل، ينطوي على طيبة فائقة، تجعله يصدق كل شيء. وبالتالي فإن وحدة الطبيعة البشرية رغم اختلاف خصائصها، تقتضي تأثير الإيمان في يقظة الضمير، ولو نسبياً. وتؤكد قدرة الأديان على حمايته، من خلال تزكية النفس، وتهذيبها، وكلما صلحت نفس الإنسان صلح ضميره وقيمه الإنسانية. ولا يقتصر صلاح النفس على الأديان، ويمكن للفرد تولى تهذيب نفسه بنفسه، لكن للدين خصوصيته التي لا ينافسه أحد عليها، وهي قدرته على شد الفرد بالغيب والمطلق، وهيمنته عبر التجليات اللاشعورية للمقدس. أي قدرته على خلق أجواء نفسية وروحية ترتهن إرادة الإنسان ومشاعره، فينشدُ لا شعوريا للغيب، ويتمثل عوالمه، التي تقوم بدورها – أي التمثلات – بخلق أجواء إيمانية، تتفاوت من فرد لآخر، لاشتراك الخيال بالتمثّل. كما يتصف الخطاب الديني بقوة إيقاعه وتأثيره، وقدرته على تمرير رسالته، وإقناع المتلقي بمضمونها. بل يمتلك القلوب، ويُلهب المشاعر. ومن يمتلك القلوب، يمكنه إعادة تشكيل الوعي بسهولة، وبرمجة إرادة معتنقيه على وفق مقاصده، عبر نصوص قدسية ومتعالية ومعطى نهائي، يقتصر فيه دور الفرد على التأويل والتبرير، بهذه الطريقة يضمن ولاءهم وانقيادهم. فالدين سطلة هائلة، وعنصر أساس في تشكيل هوية المجتمعات الدينية. وهذه الخصائص هي التي تدفع الناس للالتزام بتعاليمه. فيمكن للدين بمعنى الإيمان والقيم الأخلاقية والروحية حماية الضمير الإنساني، ومساعدته على الصمود أمام مطلق التحديات، النفسية والخارجية، عبر خطابي الترغيب والترهيب. والكلام هنا عن الضمير وحمايته ليبقى رقيبا صارما، يمارس سلطته. محفزا على الخير ورادعا عن الشر. شريطة أن يكون ضميرا حيا، متوثبا، يقظا، نابضا بالحياة. ومع غفلة الضمير أو تراخيه، يزيغ الفعل الأخلاقي عن مقصده، ويتخلى الفرد عن قيمه في لحظة ضعف، فإما الندم وتوبيخ الضمير، أو التهاون والتراخي واستسهال تداعيات الفعل. وفي كل مرة يتهاون مع نفسه، يفقد الضمير قدرته على الردع. فيلجأ للتبرير بادئ ذي بدء، ثم يسحق ضميره فيما بعد، وينسلخ عن قيمه وأخلاقه، يفعل ما يحقق رغباته، وأول عمل يقوم به الحط من قيمة الإنسان عندما يجعل منه وسيلة لتحقيق مآربه، حداً يغدو اقتراف الجرائم أمرا عاديا مستساغا، مادام يحقق مصالحه. والسبب هو انقلاب موازين الخير والشر، بفعل التمادي في الجريمة، فيصف القرآن هذه الحالة بقوله: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ). مما يؤكد تداعيات الشر على نفسية الإنسان ومشاعره وضميره، حداً يصاب بضبابية الرؤية: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ).

وبهذا نفهم أن الفعل الأخلاقي يتوقف على شرطه، الذي تقدم الحديث عنه مفصلا، وكلامنا هنا عن الضمير، كيف يمكن تحفيزه وحمايته؟. وهل يستطيع الدين أن يلعب دورا في إحيائه، واستعادة دوره الرقابي؟.

حياد الإيمان

لا ريب بجدوى الإيمان لحماية ضمير الفرد، وضمان صموده، خاصة الإيمان الديني المعروف بقدرته على ربط الإنسان بالغيب والمطلق والمقدس، وتمكنه من إعادة تشكيل الوعي. غير أن الإيمان ليس بريئا، وليس محايدا، وينحاز لموضوعه ومعتقده ويقينياته، فكيف نحرز استقلاليته وحياديته، وهو يُملي قناعاته على الضمير الذي نتطلع لحياديته وإنسانيته وتعاليه على جميع الخصوصيات؟. ومثالها لو تخلى الضمير عن مسؤولياته أمام اضطهاد الآخر، المختلف دينيا، وهو أمر متوقع، مع سطوة الأيديولوجيات الدينية التي تربط مصير الفرد بمواقفه وسلوكه، وتعتبر الموقف من الآخر مقياسا لإيمان الفرد ومدى إخلاصه لعقيدته وأيديولوجيته. بل أن الدين هو ضرب من الأيديولوجيا، فكيف نتوسل به لضمان يقظة الضمير، وعدم انهيار منظومة القيم الأخلاقية؟.

مرًّ بنا، أننا مع استقلال الأخلاق عن الدين بمعنى التشريع، على خلاف الأشاعرة. ويمكن للدين أن يلعب دورا حاسما في موضوع الأخلاق من خلال ضمير الإنسان. لكن يبقى الإشكال حول حيادية الدين، ونزاهة الإيمان. فكيف نستفيد من الطاقة الروحية للدين في استتباب القيم الإنسانية والأخلاقية، دون الإخلال بالشرط الأخلاقي؟. وهل سيتأثر ضمير الإنسان بالقيم الدينية في موقفه من الفعل الأخلاقي؟. وهل يقف مع الدين أم يتمرد عليه إذا اقتضى الموقف الأخلاقي الانتصار للآخر، باعتباره إنسانا، بغض النظر عن خصوصياته؟. وفي هذه الحالة سيفقد الدين تأثيره إذا تمرد عليه، أو يفقد الضمير صدقيته، إذا تخلى عن وظيفته. وهذه هي إشكالية العلاقة بين الدين والأخلاق. فكيف يمكن تسويتها، والاستفادة من الطاقة الروحية للدين دون الإخلال بشرط الفعل الأخلاقي؟.

ورغم أنها إشكالية معقدة لكنها ليست مستعصية، بل يمكن تسويتها من خلال فهم جديد للدين. فما هو مفهوم الدين الذي نتطلع لاستثمار طاقاته الروحية؟ هل الدين بمعنى التشريع، وقد قلنا باستقلال الأخلاق عنه؟ أم الدين بمفهوم آخر؟.

سبق أن ذكرت رأيا حول مفهوم الدين، أجده مناسبا لحلحلة الإشكالية، والتمهيد إلى تسوية عملية، دون التفريط بأي من القيم الأخلاقية والدينية. قلت في كتاب الفلسفة النسوية:

(الدين تجربة روحية تروي ظمأ الإنسان المتعطش للمطلق، والمرتهن للغيب والمقدس. يغمره قلق مصيري لا شعوري، وتوق جنوني للسمو يستبد به وهو يعيش تجربته، فتنعكس آثارها على سلوكه ومشاعره ومواقفه. والدين بهذا الفهم الصوفي يساهم في تعميق قيم التسامح والسلم الأهلي، حينما يضفي الدين معنى لحياته وتضحياته، ويرفد المجتمع بقيم المحبة والسلام، ويساهم في تماسك الأواصر الاجتماعية، والحث على العمل الصالح. وعدم التآمر ضد مصالح شعبه ووطنه. لا يسود الاستقرار والأمن، ولا تحقق المواطنة أهدافها من خلال القوانين وقوة القضاء، بل ينبغي وجود ثقافة موازية تثقف الشعب على القيم والمبادئ الكفيلة باستقرار الشعب. والدين بالمعنى المتقدم يلعب دورا إيجابيا عندما يخلق وازع التقوى، وحب الخير، وحينئذ سيلتزم بالأنظمة والقوانين حتى في خلواته بعيدا عن عدسة الرقيب الأمني. وهذا النمط الديني يعارض منطق الفرقة الناجية، ويفتح باب النجاة أمام الجميع، ويحول دون دعوى احتكار الحقيقة، وسيادة منطق التكفير). بهذا غدا واضحا أننا نتوسل بمفهوم مغاير للدين، ونتطلع لدور يقوم به الدين بمفهومه الإنساني، الذي يرتكز في مشروعه السماوي على الإنسان بما هو إنسان، بغض النظر عن خصوصياته. يؤكد هذا ما ذكرته أكثر من مرة أن الأحكام الأخلاقية في القرآن، أحكام إرشادية، ترشد لحكم العقل العملي من الأخلاق. بل وفقا لهذا لا يمكن للدين الوقوف ضد الفعل الأخلاقي، لأن قوانين العقل لا تخصص، والفعل الأخلاقي من مدركات العقل العملي، كما تقدم بيانه، لا فرق بين شخص وآخر، بما في ذلك الانتماء الديني. فالعدل حسن والظلم قبيح يحكم بهما العقل، بغض النظر عن موقف الشرع منهما. وقد ذكرت شواهد من القرآن، كموقف موسى النبي الذي استفزه قتل الغلام من قبل العبد الصالح، واصفاً عمله بالظلم: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا).

مركز اشتغال الدين

تقدم أن مركز اشتغال الدين هو الضمير، وليس الفعل الأخلاقي. أي أن الدين لا يفرض على الفعل الأخلاقي شرطه وقناعته، لاستقلالية الأخلاق عن الدين، لأنها من مدركات العقل العملي. وحتى لو أرجعنا الأخلاق لله، فإن المراد بلفظ الجلالة الخالق، خالق كل شيء: (الإنسان وفطرته وطبيعته وعقله). وهذا لا يغير من الحقيقة شيئا، ويبقى الحُسن والقُبح عقليان لا شرعيان. وأن الحسن حسن بذاته، لا ما حكم الشرع بحُسنه. والقبيح قبيح بذاته، لا ما حكم الشرع بقبحه. وقد بينت أسباب ذلك، وقلت: إذا نفينا حجية العقل العملي في مجال الأخلاق فإنه يلزم التبعيض في أحكامه، واحكامه الأصيلة والأساسية مطلقة وكونية لا تخصص. كما لا يمكننا إدراك مقاصد الدين البعيدة في بعض المواقف التي نعتبرها، وفقا لمقاييسنا، أفعالا لا أخلاقية كقتل الغلام من قبل العبد الصالح، أو عندما همَّ إبراهيم النبي الكريم بقتل ولده استجابة لرؤيا رآها. كما أن أحكام الشريعة متحركة، تستيجب لمتطلبات العصر والزمان والظروف السياسية والاجتماعية المحيطة بها: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم). بينا الدين بالمفهوم الذي تقدم ثابت: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)، (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ). (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ). فالإسلام بمعنى التسليم هو الإطار العام لجميع الأديان، رغم اختلاف شرائعهم، وكل منها يعد طريقا للنجاة بنفسه. ولا ريب في دلالات الآية، ومن يدعي النسخ عليه أن يأتي بدليل قرآني، صريح، واضح لا لبس ولا شبهة فيه. فتبقى الآية أصلا في علاقة المؤمنين مع بعضهم.

الدين لا يناوئ العقل، وأحكام العقل ثابتة وكونية، لذا نتوسل بطاقته الروحية، لإحياء ضمير الإنسان، وتحصينه، وتثبيته على الصراط المستقيم. والنصوص الدينية في جميع الأديان ليست نادرة. وثمة دعوات واضحة لإحياء النفس، وليست النفس سوى الضمير الحي للإنسان، بما هو إنسان: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ). والنفس هنا شاملة للضمير الإنساني، فهو يتشكل في أحضانها، وتنعكس عليه صفاتها وخصائصها. وفي الآية التالية إشارة وإن كانت بعيدة، لكنها ملهمة لمن يطيل التأمل فيها: (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا). ولا يكفي أنك تحييها جسدا، بل حياتها الإنسانية التي هي مركز المشروع السماوي. فالإنسان إنسان بروحه وضميره وعقله: (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ). وبالتالين الدين يرفد الضمير بطاقة روحية من خلال تزكية النفس، وتزويدها بقيم ومفاهيم إنسانية، لذا تخاطب الآية الإنسان: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى). وهي مهمة الضمير حصرا، فالضمير بعد أن يتشبع بالمعاني الإنسانية، يمارس دوره الرقابي، وينهى النفس عن الهوى.

بهذا نفهم سبب تأكيد الفلاسفة على الإيمان والدين رغم قولهم باستقلال الأخلاق عنه. ابتداء من سقراط إلى كانط مرورا بأفلاطون. فقد اعتبر سقراط الإيمان مكملا للأخلاق، لكنها لا ترتكز عليه. وجعل أفلاطون للدين مكانة في الأخلاق أكثر مما فعل سقراط، فالفضيلة لا ترجع إلى الحكمة بل إلى بصيرة ملهمة مشربة بنفس ديني. واعتبر كانط الدين ضرورة للأخلاق رغم استقلاليتها عنه. وبالتالي فالدين لم يغب عن تفكير الفلاسفة، وقد أولوا إهتماما كبيرا له، بل بأنفسنا نشعر بقيمة الدين وضرورته لتقويم الأخلاق.

لكن السؤال كيف يؤثر الدين على ضمير الإنسان؟ وما هي وسائله؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

بعد صباح الخير بتوقيت الشرق الأوسط اود ان ادلي بنقطتين.
الأولى ان هذه الحلقة وضعت الروحانيات بجانب الوجدانيات. كالإيمان و الضمير و لم تستعمل العقيدة و الوعي مثلا.
الثانية . اذا كان الإيمان و العقيدة موضوعات استفاض بها القدماء و المحدثون نبقى امام مشكلة الضمير. مذا نقصد به. النية. الأفعال المجمدة. النزوعات المكبوتة؟؟؟؟. الحقيقة انا لا افهم هذه الكلمة الا لغويا في سياق قصة او قصيدة. انما فلسفيا و فكريا انظر لمسألة الوعي و اللاوعي او الشعور و اللاشعور. فهي اوضح و ملموسة و محددة لو قارنتها مع غموض و ابهام الضمير النسبي و المطلق و اللامحدود بنفس الوقت.
و شكرا..

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا للاخ الاستاذ الدكتور صالح الرزوق. يقولون من اشكل المشكلات توضيح الواضحات. والضمير يشعر الفرد بوجدانه، يشعر هنا: وازع نفسي، ورقيب ذاتي، يضبط الأداء السلوكي للفرد، حينما يشعر بوخزه وتأنيبه، بل ويشعر به عند نكوصه. كتبت حول الضمير اكثر من مرة. شكرا لك ثانية

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5258 المصادف: 2021-01-27 03:17:47


Share on Myspace