 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (200): التجربة الدينية والأخلاق

majed algharbawi1صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة مئتان، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

التجربة الدينية والأخلاق

ماجد الغرباوي: لا ريب أن للدين متمثلاً بنصوصه التأسيسية قدرة على تحريك مشاعر الإنسان المؤمن، وخطاباته ذات مرونة تسمح بتوظيفه لحماية القيم الأخلاقية. مما يؤكد انتفاء المشروط بانتفاء شرطه. فهل هداية نصوصه المقدسة وقف على معتنقيه والمؤمنين به، خاصة ثمة شرط تفصيلي يحد من مساحة تأثيرها: (الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)؟. فهداية الكتاب، وفقا للآيات، تشترط الإيمان والتقوى ليكون هاديا ومؤثرا. وهو إشكال صحيح، رغم وجود إمكانية عالية لاستثمارها، أي النصوص والآيات القرآنية، لذا أكدت على الإيمان بمفهومه العام، الإيمان بالغيب، بالمطلق، بالخالق، بالكائن الأسمى. كما ركزت على التجربة الروحية للأديان، التي تتصف بنقائها وصدقها وإخلاصها فيكون لها وقع حقيقي ينعكس على مشاعر الإنسان وسلوكه. أو ما يعرف اصطلاحا بالتجربة الدينية، وهي تجارب فردية. وقد توصف بالتجربة الروحية أو المقدسة أو الغامضة. ويقصد بها: عندما يُقرر الفرد التواصل مع واقع متسامٍ (متعالي)، لقاءً أو اتحادًا مع عالم اللاهوت. وقد بدأت الدراسات حول التجربة الدينية مع عالم النفس والفيلسوف الأمريكي ويليام جيمس (William James) في محاضرات جيفورد (Gifford Lectures) الخاصة به عام 1902/1901 والتي نُشِرت لاحقًا باسم أصناف من التجربة الدينية (The Varieties of Religious Experience). (أنظر: ويكبيديا). وللتجارب الدينية تقسيمات معروفة لديهم، تبدأ بالمتعارفة إلى الغامضة التي تعجز اللغة عن وصفها، كتجارب الأنبياء، حيث تحلق النفس في عوالم غرائبية، وتستولي عليها حالة انفصال عن العالم المادي، يشعر معها صاحب التجربة، بآثر تجربته حينما يفيق لنفس، ويعود لوضعه الطبيعي، كالاقتراب أكثر من الحقيقة، أو يشعر بفيض العلم وحضوره، والتفصيلات كثيرة تذكر في محلها.

إذاً وفقا للتعريف أعلاه أن التجارب الدينية تنطوي على قرار فردي للتواصل مع واقع متعالٍ، بهدف اللقاء أو الاتحاد، فهي تجارب خاصة وفردية مقصودة وعن تخطيط مسبق، ولا شك بقوة تأثيرها لولا أنها نادرة ومحدودة ومثالية.

ما أقصده بالتجربة الدينية هنا، تجربة روحانية، يجد فيها الإنسان نفسه فجأة معلقا بالغيب، بالمطلق، بالله. مشدودا لعالم لا دليل له عليها سوى قلبه، في لحظة يشعر أنه بحاجة ماسة للتماهي معه والانفتاح عليه. وهي لحظة نورانية دافئة، قد تتطور وتسمو وترتفع به إلى مستوى الإنسان الأخلاقي تبعا لنقاء سريرته وكيفية استثماره للحظة النور الرحمانية في أعماقه. وهذا النوع من التجارب الدينة مشترك إنساني رغم تفاوتها، تضفي معنى أخلاقيا على الحياة، وتساهم في ترسيخ قيم الفضيلة والحق والاعتراف بالآخر، وحقه في الاختلاف. وهي تدفّق وجداني ونقاء روحي، ينعكس على وعيه وعلاقاته الاجتماعية، فتسمو فوق الأنانية والظلم والجور والعنف، وكل ما يعكر صفو المجتمع الإنساني. فالدين بمعنى التجارب الروحية للأفراد قادر على تهذيب ضمير الإنسان وحمايته. فيصدق أن التجارب الدينية - الروحية مرجعيات أخلاقية ملهمة، وهذا القدر لا يتحقق في ظل المفهوم الأيديولوجي للدين، لأنه مفهوم متحيز، ونحن بحاجة إلى مرجعية كونية، شاملة، تشارك فيها البشرية جمعاء، وهذا سبب تأكيدي على استقلالية الأخلاق عن الدين بمعنى التشريع. التجربة الروحية للأديان ليست حكرا على دين واحد، بل هي مفهوم شامل لكل تجربة بشرية تؤمن بوجود كائن أسمى، له سلطة فوقية، وقدسية تستغرق مشاعر المؤمنين، بل حتى مع عدم تحقق هذا القدر من الاعتقاد سوى الإيمان بإنسانية الإنسان. وبهذا نكون قد أحيينا الدين كقوة روحية، نابعة من أعماق النفس البشرية، تكافح لترقى بها في سلم الفضيلة، فيكون ديدنها التزكية والمراجعة. ومع كل مرتبة من الكمال تتجرد النفس من مشاعر الكراهية والظلم والعدوان. فيكون الإنسان فيها رقيبا ومراقبا. أو هي رقابة ذاتية، وإحياء لقيم يتوهج معها الضمير الإنساني، ويكون أقدر على مقاومة التحديات والإغراءات. فالتجربة الدينية، لا غنى عنها في مجال العلاقات الاجتماعية،  تثري الأخلاق وتطهر القلب من أدرانه، وترقى بالفرد إلى مستوى إنساني رفيع، يجد في الآخر امتدادا لوجوده. وكل ما تعمقت التجربة الروحية كلما اتسعت الرؤية، وانفتحت آفاق جديدة لوعي الذات، ومعرفة حقيقتها. يتجلى هذا في سلوك الأخلاقيين، بغض النظر عن انتمائهم الديني، فهم مصادر للإلهام بفضل تجاربهم الروحية، وقدرتهم على أدائهم السلوكي، عندما يترفعون عن الرذائل ويبادرون لكل عمل أخلاقي. وهذا طموح مجتمع الفضيلة أن يرقى الفرد لمستوى نقد الذات وتهذيبها من وحي قيمه الأخلاقية الأصيلة، ويأتي بالفعل استجابة للواجب الأخلاقي. حينما يجعل من نفسه ميزانا لوعي الآخر، فيحب له ما يحب لها، ويكره له ما يكره لها. التزكية والنقد والمراجعة والرقابة الذاتية كفيلة بحماية الضمير من الانهيار.

لكن يبقى السؤال: كيف تخدم التجارب الدينية منظومة القيم الأخلاقية؟ وما هي مرجعياتها؟. فإذا كانت مرجعياتها ذات النصوص الديني فمن يضمن لنا فهما محايدا لها، فربما تخضع لقراءات تسلبها حياديتها، وتنعكس على وعيه وتجربته، كما هو الملاحظ في سطوة المنحى الطائفي على الوعي الديني، وتأثر التجارب الروحية به بشكل ما. وأبسط مثال، لو أتخذ رمزا دينيا أو تاريخيا مرجعية أخلاقية له، فإنها سيتأثر لا شعوريا بدلالات الرمز وإيحاءاته عندما يكون مخلوقا أيديولوجيا، وصناعة تاريخية، وتراكم عاطفي، وردود أفعال أفرزتها السياسة وصراعاتها المريرة. فعندما يتخذ من الإمام علي رمزا أخلاقيا، ويبدأ بتمثّل تلك الأخلاق، لا يكتفي بالمنظومة الأخلاقية لسيرته، بل تتداخل معها قبلياته وأحكامه المسبقة ودلالات وإيحاءات ما تختزنه الصورة التاريخية للإمام ومواقفه السياسية، فهو لا يتمثل أخلاق الإمام كقيم روحية وأخلاقية مجردة عن تاريخه، وما توحي به دلالاته كرمز ديني وسياسي، خاض صراعا مع مناوئه حد الاقتتال وسفك الدماء، بل يتمثل أخلاقه ضمن مسيرته وسيرته، ويحضر التاريخ بكل حمولته، وما يترتب عليه من مشاعر، خاصة ضد الآخر، فيهدر حياده الأخلاقي لضمان ولائه الطائفي أو المذهبي. وهذا مكمن الخطر. وقس على ذلك جميع الرموز التاريخية والدينية.

ولا تحسب أنها مشكلة بسيطة يمكن تجاوزها، فقد عاصرت أخلاقيين ظاهرا أو هكذا يصفهم الناس، لا يتخلون عن طائفيتهم، ينظر للآخر بعين الريبة والشك والشفقة. فهو بالنسبة له ضال يرجو هدايته، أو رميه بالانحراف وربما الكفر حينما يكون معاندا يتمرد على إرادته. وهذا النوع من التجارب الدينية وبال على الأخلاق، حينما يضطهد الآخر، ويحرمه حق الاختلاف. المهم في الأخلاق حياديتها وتحررها وإنسانيتها، وهذا لا ينسجم إطلاقا مع التحيزات الطائفية والاتجاهات الأيديولوجية. بل سنخسر الدين ونحن نستجير به. الخطاب الطائفي خطاب معبأ ضد الآخر، فيشكّل خطرا حقيقيا على مبادئ الدين. ومنطق الفرقة الناجية لا يسمح بأية تسويات عقدية ومذهبية، وما تسمعه عن التسامح الديني، والتعددية الدينية، ما هي سوى شعارات مخادعة تخفي حقيقتها، وتتستر عما يريده الخطاب الطائفي حقيقة، باعتباره رسالة يريد إقناع المتلقي بها. وأداة لاقتحام خصمه الديني أو الطائفي. فالحيادية مستحيلة في الخطاب الطائفي، لأنه قائم على نفي الآخر، ونبذه، وحرمانه من النجاة والفوز يوم المعاد. فكيف يعترف به، ووجوده قائم على نفيه. كل المذاهب الإسلامية فرضت وجودها من خلال نبذ الآخر، ولم تتضح معالمها الحقيقية إلا بإقصائه وتكفيره. فليس هناك معنى للتسامح الحقيقي سوى نفي الذات، لأن العلاقات المذهبية قائمة على تأكيدها وتقديسها مع نفي الآخر. الخطاب الطائفي خطاب نفي، قائم على رفض الآخر وحرمانه، مهما كانت ضآلة النفي وتجلياته. (أنظر كتاب: النص وسؤال الحقيقية). فكيف نضمن حيادية التجربة الدينية لتكون مرجعية أخلاقية تخدم العلاقات المجتمعية، على أساس العدل والحق؟. وبالتالي لا يوجد ضمان لوجود تجربة دينية بريئة، ونزيهة. بل إن هذا اللون من التجارب يكرّس نرجسية الفرد، ويعمق روح التفوق، وهذا يكفي دليلا على تحيزه. فكيف نضمن حيادية التجربة الدينية لضمان نزاهة الضمير في رقابته على الفعل الآخلاقي؟.

لا ريب أنها إشكالية في سياق العلاقة بين الأخلاق والتجربة الدينية، خاصة أن الإنسان بطبيعته متحيز لقبلياته، وطالما أكدت: أن التحيز قدر الإنسان مهما بالغ في موضوعيته واستقلاليته، لأنها حتمية النظام المعرفي التي يتوقف عليها فعل القراءة والفهم والتفكير والإدراك. فالجميع محكوم لقبلياته وثقافته وأحكامه. والكل يرسف في أغلاله، تطوقه أوهام الحقيقة، ومغالطات التفوق، ونرجسية الأنا. ولا خلاص للفرد من سجونه إلا بمواصلة النقد والتفكيك، وتجاوز رهاب الحقيقة، لكن ثمة فرق بين من يعتبرها نهائيات مقدّسة، تفرض سلطتها وأحكامها، وبين من لا يعتقد بوجود نهائيات بل نقد مستمر لتلك اليقينيات والقبليات. (المصدر نفسه: ص21). بهذا يتضح أن الأخلاقي والمتصوف والروحاني وصاحب التجربة الروحية ليس استثناء، ويبقى كغيره مرتهنا لوعيه وأفق تفكيره وطبيعة تعامله مع يقينياته وما يعتبرها نهائيات، يرفض مقاربتها فضلا عن مراجعتها أو نقدها. لكن كيف نضمن عدم انحيازه ومن ثم ضمان فعل أخلاقي محض، ينظر للإنسان بما هو إنسان بعيدا عن خصوصياته وانتمائه؟ وهذا هو محور الإشكالية التي يستدعي جوابا يطال إشكالا ملازما: هو أن التجارب الروحية تجارب شخصية فكيف نستخلص منها قاعدة عامة، شاملة، كما هو الشعور الفطري، فإنه شعور انساني عام وكوني؟. نحن بصدد تأسيس قواعد عقلية (عقل عملي) لضمان فعل أخلاقي اجتماعي، يساهم في تعزيز مجتمع الفضيلة.

أما الإشكال الثاني، فرغم أن التجارب الروحية تجارب شخصية، نسبية، تتفاوت من شخص إلى آخر، لكن هناك قدر مشترك بينها، هو ذات التجربة التي يعيشها الفرد وما يتولد عنها من مشاعر وأحساسيس توجه وعيه وسلوكه. وأقصد به ذات الحالة الروحية، وذلك الصفاء الذي يعيشه الإنسان في لحظة وجد وخلوة مع الذات طالت أم قصرت. وذلك التعانق مع الغيب بدرجة سامية من الصدق والموضوعية. وهي حالة عامة يعيشها كل إنسان حسب ظرفه، وقدرته على التأمل الروحي. فيستجيب لها الضمير الحي ويتجاهلها من (رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) . في تلك اللحظة بالذات يجري مراجعة سريعة لسلوكه، ويلتفت إلى نفسه وقلبه، يقلبهما بنظرة فاحصة من وحي فطرته، التي مافتئت تنبض مهما تراكم من رين بفعل الرذيلة وهو ما تعول عليه آية: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). هذه الحالة هي مشترك إنساني، يمكن أن تتطور في لحظة يقظة تهز أعماق النفس البشرية وتعيدها إلى الطريق السوي. وعليه رغم أن التجارب الروحية تجارب شخصية غير أنها واحدة من حيث تحققها ونتائجها، مهما كانت متفاوتة في كلا الحالتين، يمكن استثمارها وتطويرها لتعزيز القيم الأخلاقية. وهذه الروح الشفافة، الموغلة بإنسانيتها، تلازم مشاعر أغلب الناس. فأنا لا أتحدث عن حالات نادرة أو شاذة، ويمكن لكل شخص أن يتحقق من ذلك من خلال نفسه ووجدانه. فالحديث عن حالة فطرية سلمية تلازم الإنسان، فتجده لا يكف عن التأوه والحسرة والشعور بالضجر والقلق، الذي هو تعبير آخر عما يخالج النفس من مشاعر متضاربة، فيراجع ويستغفر إذا كان مؤمنا. وهذه المشاعر الروحية الطيبة التي تمثل طهارة القلب في لحظة التأمل الوجداني، هي رهان شعور الناس بالأمان، وفي ضوئها يقيمون علاقاتهم ويتبادلون مشاعرهم وتعاطفهم مع بعضهم، ما لم تلوثهم براثن الظلم والعدوان، وأولها ظلم الإنسان لنفسه، حينما يودي بها إلى الخسران بسبب تصرفاته وسلوكه المنحرف: (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ). فتلك المشاعر الروحية هي حالة إنسانية مشتركة، نتاج تجارب روحية شخصية، نتوسل بها لتدارك طغيان النفس وانهيار الضمير البشري، من أجل مجتمع فاضل تسوده القيم الأخلاقية. فنحن نعترف بفردانية التجارب الدينية، لكننا نتوخى نتائجها وثمارها. ولا شك أنها متفاوتة، تبدأ بسيطة جدا لدى الناس الفطريين، وتتطور مع العرفانيين والأخلاقيين، وبين المرحلتين مئات الدرجات والمستويات، وبعضها حالات مثالية في نموذجها الأعلى كالأنبياء، لذا عدلت كما سيأتي للتوسل بالدين بطريقة أخرى، كي لا نخسره قوة روحية لتقويم سلوك الإنسان، وحماية ضميره، بل الدين يمثل وجدان الناس، ويقّوم هويتهم وانتماءهم، خاصة المجتمعات الشرقية.

وأما ضمان عدم تحيز الفرد وهو يعيش تجربته الروحية فإنه مضمون بداهة، لأننا نقصد من مفهوم التجربة الروحية ذلك التجرد الكامل، حينما يعيش الفرد مع ذاته خالصة، لا تشارك مشاعره أية خصوصية. بمعنى أدق، إن حضور الخصوصية في وعي الفرد ليس حضورا لا شعوريا، غائبا تماما، بل هو حضور شعوري، حينما يلتفت الفرد لنفسه، رغم قوة تأثيرها في حالات اللاشعور. وأما انعقاد التجربة الروحية وتوالد المشاعر الروحية الفكرية فهي حالة من الرقي الإنساني، لا تخالطها الخصوصيات. والمقصود بالتجرد: تجرد الفرد من كل شيء باستثناء ذاته الإنسانية، حينما يتأمل سلوكه وتصرفاته وفقا لمرآته الإنسانية، فيشعر بخطأه، ويوخزه ضميره، وقد يفيق لنفسه، ويقّوم سلوكه. وهذه نتيجة مهمة جدا، نعوّل عليها. وبالتالي لا أقصد بالتجربة الروحية، الانغلاق على الذات، واعتزال الحياة، والاستغراق في التأمل، رغم شمول المفهوم لها، فهذه حالات خاصة ومثالية، لا يرقى لها كل إنسان، وتتطلب مجاهدة مستمرة للنفس وسوءاتها (وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ). ونحن نتطلع لسلوك أخلاقي عام، ونتشبث بكل ممكن يرفد الحياة بالقيم الأخلاقية لتسود العدالة والأمن والاستقرار. وجميعها مطالب إنسانية عامة. فالرهان على تجرد النفس، في لحظة روحانية، لا يعي فيها سوى نفسه عارية من كل شيء سواها. هي لحطة مكاشفة ومصارحة مع الذات، عندما يكون الفرد خارج سلطة الخصوصية والانتماء. وعندما يتحرر من قبلياته، وتراكمات الأيديولوجيا. في ذلك الظرف الروحي، عندما يغمر نور الحقيقة أرجاءه، يكون الإنسان شاهدا على نفسه، بصيرا بعوالمه الداخلية. وهو المقصود بالتجرد المطلق. أو تجرد الذات التي لا تخالطها الولاءات الفرعية، كالولاءات العقدية والمذهبية والسياسية والطائفية، فقط وفقط الإنسان ونفسه، حينما يشعر بها وهي تتعذب بفعل قلقها الوجودي، فتنفتح على أعماقها وعينها ترمق السماء، وترجو ذلك الغيب. تتأمل المطلق بكل جوارحها، لتستمد منه ما يساعدها على تحري حقيقتها. هذه الحالة حينما يستعرض الإنسان مواقفه، ويكتشف بسهولة عيوبه ونواقصه. يقلّب ذنوبه وما اقترفت يداه من ظلم وجور، طالما تستر عليه أمام الناس، وطالما اعتذر لسلوكه بضرورات حقيقية أو مصطنعه، في تلك التجربة الروحية والمشاعر المتوهج يكون الإنسان على نفسه بصيرة، من خلال مكاشفاته مع الذات، تقول الإية: (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ). بل الاعتذار والبحث عن الأعذار دليل على صدق ما يعاني من توبيخ الضمير. هذه هي التجربة الدينية، الروحية، الإنسانية. هي تجربة خالصة، تتعالى على الخصوصيات، لكن الإنسان، سرعان ما ينسى، ينسى حالة الندم والاستغفار ويعود لما كان عليه، موغلا في طائفيته وخصوصيته. وبالتالي ذات التجربة كفيلة بحماية نفسها من الطائفية والخصوصية، وكل ما يفسدها، حينما ينفصل الفرد عن عالمه المادي، ويشعر بتجرد مطلق، ليس بينه وبين خالقه سوى أعماله ومشاعره.. وبهذا تخرج كل تجربة دينية – روحية، تعجز عن التعالي على خصوصياتها، وهي جميع التجارب المرتهنة لخصوصيتها الطائفية.

بهذا نفهم كيف تؤثر التجربة الروحية في حماية ضمير الإنسان، وتعزيز دوره الرقابي. وهي نقطة مهمة، هل سيكون مباشر وما هو دور العقل؟، وهل هي قضية واعية أولا شعورية؟

قلنا أن التجربة الدينية نقد ومراجعة مستمرة، ومكاشفة صريحة مع الذات، وهذا يعني انكشاف تام للحقيقة الإنسانية، بما هو إنسان له ماهيته ووجوده المستقل، يخضع لنظام نفسي وعقلي دقيقين، فثمة لا شعور، هو أنساق مضمرة تتشابك مع بعضها أو تستقل في أدائها، يرتبط بعضها بالمقولات التأسيسية، وقد يستمد فاعليته من ذات البنية المعرفية، مما يؤكد عمق اللاشعور، وتعقيده، لكن رغم هذا تجد الإنسان على نفسه بصيرة، كلما طال تأمله في نفسه كلما اكتشف مجاهيلها وخباياها وطريقة توليدها للمشاعر والأحاسيس. والمشاعر عنوان عام لجميع المشاعر الإنسانية فتكون شاملة لمشاعر الضمير ذات البنية الرقابية، يشعر النفس بتأنبيه أو يوخز الفرد في أعماقه، فهو رقيب صارم، لكنه مرتهن في سلطته ليقظته، فقد يخبو وربما يموت عندما تتراكم موبقات الإنسان. فالتجربة الدينية والروحية للفرد تتدارك إخفاقات النفس، كما يستمد من وهجها قوة فعليته ونشاطه. وهذه العملية ليست غائبة عن العقل، والعقل العملي بشكل خاص، بل تساهم في برمجته، من خلال استشعاره لانعكاسات السلوك على الفطرة السليمة. وقد تقدم أن احتكام العقل للفطرة ليس كاحتكام الحاكم للقوانين واللوائح القضائية أو الشرعية. وإنما يستشعر ما ينعكس عليها. وذلك أن مدركات العقل العملي ليست قضايا خارجية مجردة، وإنما مزيج من المشاعر والأحساسيس التي تتجلى من خلالها الصفة الإنسانية للإنسان. فالعقل يستشعر انفعالاتها وتأثرها، سلبا أو إيجابا، ليتمكن من إدراك "ماذا يجب أن أفعل؟". النفس البشري مجهزة بمشاعر تعتبر شرطا لصدقية إنسانية الإنسان. إضافة لعقله وحريته وإرداته.

وبالتالي أن الاشتراك النفسي للمشاعر، ينعكس على ضمير الإنسان، كما أن مشاعره تنعكس أيضا على النفس وخصوص الفطرة البشرية. فالضمير يتلقى إيحاءات التجربة الروحية، ويستلهم من العقل العملي موقفه من سؤال: ماذا يجب أن أفعل؟. وفي ضوئهما، وما يمتلك من استعدادات فطرية يستعيد نشاطه وحيويته، يحدث هذا في كل مرة يراجع الإنسان قلبه، ويتأكد من نقائه من الحقد والغيض، ونقاء المعرفة، وعدم الخضوع لأوهام الحقيقة، والخرافات، وكل ما يسلب الإنسان إنسانيته وعقله.

يأتي في الحلقة القادمة.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ ماجد الغرباوي المحترم
دمت سالما ودام عطاءك الذي لاينضب فالكتابة مسؤلية انسانية والكلمة امانة وقيمة وطاقة كما قالها الدكتور صادق السامرائي وكنت اهلا لذلك .
واسمح لي بمداخلة بسيطة كي نزداد معرفة
من فيض عطاءك.
((فالجميع محكوم لقبلياته وثقافته وأحكامه. والكل يرسف في أغلاله، تطوقه أوهام الحقيقة..بهذا يتضح أن الأخلاقي والمتصوف والروحاني وصاحب التجربة الروحية ليس استثناء، ويبقى كغيره مرتهنا لوعيه وأفق تفكيره وطبيعة تعامله مع يقينياته وما يعتبرها نهائيات، يرفض مقاربتها فضلا عن مراجعتها أو نقدها.))
سؤالنا يا استاذ .هل نستطيع ان نستثني الانبياء من هذا الارتهان ام هم خاضعين كغيرهم لكونهم بشرا وذلك لعلمنا بفعلهم الذي ينافي مبدأ الانسانية والاخلاق بعض الاحيان كما جاء في القران والسيرة مثلا.كقتل النبي موسى لرجل من قومه وزهق روحه.
وما فعله النبي محمد بكنانة بن ربيع اي ابن ابي الحقيق وكان عنده كنز بني النظير عندما رفض اعلام النبي عن مكان ذلك الكنز فأمر رسول الله به الى الزبير بن العوام فقال ،عذبه حتى نستأصل ماعنده فكان الزبير يقدح بزنده في صدره حتى اشرف على نفسه ثم دفعه رسول الله الى محمد بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة وحادثة اخرى كما ذكرتها حضرتك في بحث سابق
(( غضب النبي بعد مقتل عمه حمزه في معركة أحد، وتوعدهم بالانتقام والمُثلة بقتلاهم، رغم أن التمادي في الانتقام
والمُثلة عمل ترفضه الأخلاق .
وهناك قصص كثيرة قام بفعلها الانبياء تتقاطع مع مبدأ الانسانية ولكن سنكتفي بهذين المثالين حتى لا نطيل التعليق .
ودمتم بامان الله

ابو سجاد
This comment was minimized by the moderator on the site

اهلا ابا سجاد ومرحبا. لا استثناء لاحد، فالنظام المعرفي للإنسان يتوقف على قبلياته، لكن هناك قبليات تتراكم عبر التربية والبيئة والثقافة، بعضها يتحول الى يقينيات تتحكم بوعي الانسان، ما لم يتداركها بالنقد والمراجعة. وأما بالنسبة للأمثلة فقد ذكرت قصة قتل الغلام من قبل العبد الصالح، واستشهدت بردة فعل موسى دليلا على وحدة أحكام العقل العملي، حييث استنكره قتل الغلام. لذا انا مع القائلين باستقلالية الأخلاق عن الدين بمعنى التشريع. لأن الثانية لها خصوصيتها، وملاكاتها التي لا يمكن ادراكها كما في قصة الغلاف وذبح ابراهيم، واي مثل آخر مرتبط بالانبياء. لذا قلت هناك تشريعات خاصة بالانبياء لا تنتقل لاحد مطلقا، لتوقفها على وجود كشف تام بالوحي خاصة. وقد مرت تفصيلات كثيرة ارجو مراجعتها مع احترامي

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5264 المصادف: 2021-02-02 05:33:48