 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (201): جوهر الدين والأخلاق

majed algharbawi3صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة الأولى بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

وجوهر الدين الأخلاق

ماجد الغرباوي: إذاً، يمكن للتجارب الدينية أن تعلب دورا مؤثرا على صعيد الاخلاق، مادامت حقيقة التجربة عودة وإنابة واشراقة روحية متعالية، ومكاشفة صريحة مع الذات، ينقطع  فيها الفرد لنفسه، متعلقا بخالقه، بالغيب، بالمطلق، بالكائن الأسمى، كل حسب إيمانه وعقيدته، مستعرضا سيرته بمرآة إنسانيته، حين تكون القيم الإنسانية في ذلك الصفاء الروحي والنقاء الإنساني، معيارا للأخلاق والفضيلة. لا إلتفاف ولا تحايل ولا تبرير، فما كان ظلما يراه ظلما على حقيقته، وما كان عدلا يراه عدلا بمجساته الإنسانية، لأن الآخر في تلك اللحظات هو الذات بكامل تجلياتها، فيشعر بظلمه للآخر من خلال تجاربه ومعاناته مع الظالمين. الآخر أنا، ما يؤلمه من الظلم نفس ما يؤلمني. كلانا تنعكس عليه ذات الآثار النفسية، وإن اختلفنا في التعبير عنها، لكنها تبقى ندوبا في النفس، ومرد المشاعر المشتركة لوحدة المشاعر الإنسانية. وللإنسانية كفطرة بشرية كونية مشتركة حقوق وواجبات، فالفعل الأخلاقي أداء للواجب الإنساني، بهذا الدافع يجب أن تصدر الأخلاق، وفقا لكانط. وهذا ما يشعر به الوجدان بعد تأمل طويل، لأن المسألة ليست بهذه البساطة. لذا تزكية النفس تمهّد لخصوبة القيم الأخلاقية وقيم الفضيلة. الأخلاق الحسنة تصدر عن نفوس طيبة وقلوب نقية، وليس كمراقبة النفس وتزكيتها أقدر على ديمومة نقاء القلب، من هنا تأتي أهميتها وقوة تأثيرها، فتنعكس مباشرة على سلوك الإنسان. وقد عمدت لمفهوم أوسع للتجربة الدينية كما تقدم، لاستثمار كل النفحات الروحية على طريق الأخلاق الفاضلة. وهي حالات إنسانية، ما من فرد إلا ويعود لنفسه خاصة مع مشاعر الإحباط واللاجدوى وفقدان المعنى، إما يأسا وتشاؤما أو بفعل التمادي بالتعاطي مع السلوك اللا أخلاقي. فيجد في خلوته روحانية لم يألفها في حياته العادية، قد تفضي به للتوبة والاصلاح، وقد يركلها ويتمادى في غيه وطغيانه. وبالتالي يمكن للتجارب الدينية مهما كانت محدودة، ولو بمقدار ومضة تتوهج في أعماقه، أن توقظ الضمير من سباته، وتعيد له حيويته ودوره الرقابي عندما تصغي النفس لندائه وتستجيب لإرادته. والدين وخصوص التجارب الدينية الروحية قادرة على تحفيز الضمير. وقد قرأنا عن تجارب وعاصرت شخصيا بعضها، حيث آفاق ضمير بعض الناس فجأة، فانحاز للحق والعدل، بعد أن تخلى صادقا عن ماضيه وسلوكه المنحرف، ليبدأ حياة جديدا، ويختمها بسلوك أخلاقي رفيع المستوى.

غير أن التجارب الدينية، خاصة المتطورة روحيا، صورة مثالية، يتعذر تحققها لعامة الناس، في خضم حياة تتحكم بها المصالح والمغريات، والتنكر للقيم الأخلاقية. لا أقول معدومة، بل هي رهان ناجح. الإنسان روح شفافة، مهما تمادى قد تعود بعد ندم حقيقي فاعلٍ. لذا نتطلع لتوظيف الدين وفقا للفهم المتداول، بما هو كل شامل. فنحن لا نيأس منه إلا في حالات التوظيف السلبي والأيديولوجي الذي يشجع على العنف والكراهية والتنابذ والتنافي مع منطق: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ). حيث يمزق التشظي المذهبي جميع مقوماته الأخلاقية.

ثمة حقيقة تجعل من الدين أملاً لتطهير وتزكية النفس، ومن ثم تحفيز الضمير، وحمايته من الانهيار، وتعزيز قيم الفضيلة التي تمهد لظهور مجتمع الفضيلة، قوة حضوره في المجتمعات الشرق أوسطية، التي هي شعوب مرتهنة في وعيها للمثيولوجيا، وللأديان خاصة، فهي بؤرة الرسالات السماوية، ومنها انطلقت الأديان إلى ربوع الكرة الأرضية. وهذا لم يأت من فراغ، بل استعداد كامل لتقبل المعاجز، والإيمان المفرط بالجن والملائكة وعالم ما وراء الطبيعة، والرسالات قائمة على الغيب والتسليم، بل الإيمان الديني بعامة قائم عليه. فالطبيعة المجتمعية طبيعة مثيولوجية، تنمو فيها الغرائبيات، وينقاد فيها الفرد للمعجزات. وهذا يؤكد قوة حضور الدين وقوة تأثيره، لهذا يشكل الدين خطرا على الوعي حينما يوظف سلبيا لخدمة الاستبداد والمصالح الضيقة. وهذا يعني عدم تفاعل الشعوب الأخرى مع الأديان والغيبيات، بل الدين منتشر في أرجاء الكرة الأرضية، بتمظهرات مختلفة، وكلنا يتابع مختلف الطقوس الدينية عبر شاشة التلفزيون. كنت أظن أن الغرب قد تخلى عن الأديان نهائيا، غير أن أول مدينة دخلتها في أستراليا تفاجأت بكثرة دور العبادة خاصة الكنائس، وعندما زرت بعضها آيام الآحاد، كانت تمتلأ بالمصلين، فضلا عن مساجد المسلمين، وحرية الجميع في ممارسة طقوسه الدينية، بحماية كاملة من الدستور. بل الاتجاهات الدينية تلعب دورا في تحديد سياسة البلد مباشرة أو غير مباشرة عبر صناديق الاقتراع. وبعض الأحزاب تسعى لكسب ودها، لضمان فوزها في الانتخابات. وأما مناسباتهم الدينية فحية، نشطة، تعكس لك عمق المشاعر الدينية. قد تقول هذه مجرد عادات وتقاليد. وهذا كلام صحيح، لكنه ليس مجبرا وبامكانه الاعتذار، والكل يتفهمه، لكنه يأتي بدوافع مختلفة، ليست خالية عن المشاعر الدينية كليا. لهذا أدرجت التجارب الدينية كمصدر قوة لإحياء الضمير الإنساني.

كما أن الدين مقوّم أساس لهوية الفرد والمجتمع، ويشارك جميع مناسباتهم وطقوسهم وعاداتهم وتقاليدهم، كما يمثل جوهر النظام الأخلاقي وعلاقاتهم الاجتماعية، يتصل بتفاصيل الحياة اليومية للفرد والمجتمع، ينظّم معاملاتهم، ويسوي خلافاتهم، ويغمر مشاعرهم وثقافتهم وطقوسهم، بل الإنسان الوعي في هذه المجتمعات وعي ديني في أعماقه. ورؤيتهم الكونية رؤية دينية، فهم صناعة دينية أو مختلطة. وعليه لست مع الداعين لاقصاء الأديان كمقدمة لإحياء الأخلاق، بل أن للدين بمعنى الإيمان دورا مؤثرا جدا، حينما نحسن توظيفه، ونقدم فهما متوازنا إنسانيا، عقلائيا له. علينا استثمار المشاعر الدينية لدى مجتمعاتنا وإعادة تشكيل الوعي الديني بما يخدم القيم الأخلاقية والإنسانية. لا استقرار للمجتمع إلا بالتسامح والتفاهم وتوظيف كل الطاقات المادية والروحية لتعضيد قيم المحبة والوئام وحق الآخر في الاختلاف. وأما العمل على إقصاء الدين من خلال التركيز على الثغرات السلوكية بل وحتى التاريخية، لا يخدم الأخلاق، لأن المشاعر الدينية عميقة ومتجذرة، تعكس قوة الانتماء الديني تاريخيا، فهو ملازم لوجود الإنسان، يحمله معه أينما ذهب. مما يدفعنا للتفكير برؤية دينية تخدم قيمنا الأخلاقية، وتستعيد قيمنا الإنسانية التي سحقها الاستبداد المتجذر هو الآخر في المنطقة، خاصة الاستبداد الديني الذي هو أشد وطأة وأخطر من الاستبداد السياسي. وهذا يعني العودة للنصوص الدينية وتقديم قراءة وفهم مغاير، ينأى بالدين عن التطرف والكراهية. أو ينأى به عن كل توظيف أيديولوجي، ليبقى دينا للرحمة والكلمة السواء والمحبة والعدل والوئام. فالدين بمعنى الإيمان، والدين بالمعنى الروحاني طاقة يجب عدم الاستهانة بها. الإنسان محكوم لعواطفه ومشاعره كما هو محكوم لعقله، والإيمان يحقق التوازن الروحي الذي يؤهل لسلوك أخلاقي جمعي، يصب في صالح الجميع، عندما يحد من النزعة المادية، والاندفاع المرير وراء  المنافع والمصالح الشخصية التي تبرر له فعل ما يراه يحقق أهدافه، ولو على حساب القيم الأخلاقية والإنسانية، ولا يهمه حينئذٍ تداعيات أفعاله اللا أخلاقية فتارة تبرر له مصالحه امتصاص جهود الناس الآخرين، بل لا يتورع عن اقتراف أي عمل يكرّس مصالحه، ويشعر معه باللذة. وهو تجاه خطير، يسود المجتمعات الغربية، ولا تنجو منه المجتمعات الأخرى، مادام هناك استبداد، وتراخٍ مع هذا اللون من التفكير المادي النفعي. وهنا لا أتنكر لحق الفرد في تحقيق مصالحه، وحقه في الحياة والثروة وبناء مستقبله، فكل هذا مشروع، أمضته جميع القيم الوضعية والدينية، مشروطا أن لا تكون تلك المصالح على حساب الآخر ومصالحه. بمعنى أدق ينبغي أن يكون المعيار الأخلاقي شرطا للمنفعة المشروعة، بهذا تتحقق العدالة، وتصان حرية وكرامة الإنسان.

 الإستثناء الثاني: فتاوى الفقهاء

لا تخفى قدرة الدين على تهذيب النفس البشرية في هذا الإتجاه. بل لا يقظة دائما للضمير ما لم ترافقه تزكية متواصلة للنفس، يشرق معها نور الحقيقة في قلب المؤمن، ويهتدي بوحي فطرته للاستجابة للفعل الأخلاقي، والتجارب الدينية أيا كان مستواها مؤهلة لتزكية النفس، بنسب تتحكم بها إرادة الفرد وصبره وتأمله ومستوى إيمانه، وجميع القضايا النفسية المرتبطة بها. غير أن مرونة النصوص المقدسة، وثراء الحقل التأويلي فيها، وزخم التراث الروائي والقواعد الأصولية التي وضعها الأصوليون، والتراخي في قواعد جرح وتعديل الروايات، كل ذلك يسمح بتوظيف الدين توظيفا سياسيا، أو خارج مهامه الروحية والسلوكية. ولعل الفقه السلطاني الذي كرس حماية الخليفة الفاسد والظالم أقوى شاهدا. لذا لا يمكن ان تكون فتاوى الفقهاء معيارا للأخلاق كما تقدم بيانه. ويجب لتحديد فعلية وعدم فعلية الأحكام الشرعية، العودة للنصوص التأسيسية الأولى مباشرة، وقراءتها قراءة تاريخية لتفادي توظيف إطلاقاتها سياسيا، حينئذٍ يمكن تفادي تداعيات الانحيازات الأيديولوجية والطائفية للفقهاء في مواقفهم وفتاواهم. وأما الأحكام الأخلاقية في القرآن، فسبق التأكيد أنها إرشاد لحكم العقل: (الحسن ما حكم العقل بحُسنه، والقبيح ما حكم العقل بقبحه). فلا يمكن الاستدلال بها لنفي استقلالية الأخلاق عن الشريعة. وهذا يعني موقفا سلبيا من الدين، بل يعني تحديد وظيفته وفقا لفهم جديد له، بعيدا عن منطق الفرقة الناجية والنسق العقائدي المألوف للطوائف والمذاهب الدينية. وقد تقدم إن المرجعية العقلية للأخلاق لا تنفي قدرة الدين على تقويمها، وحماية الضمير البشري من الانهيار. وبالتالي فالمقصود بالنصوص الدينية التي يمكن توظيفها أخلاقيا هي نصوص القرآن، والصحيح من أحاديث الرسول، عندما تكون شارحة ومبينة من خلال المواقف العملية أو التصريحات النصية، فنستثني فتاوى الفقهاء، رغم صدق مفهوم النص الديني بالمعنى الأعم. وهو الاستثناء الثاني بعد استثناء آيات التشريع لمبررات سبق ذكرها. وكذلك تخرج نصوص الدين المؤسساتي، التي تصدر عن المؤسسات الدينية لأغراض تقتضيها مصالحها وسياساتهم. وسيأتي الكلام حولها.

وهنا يبرز إشكال حول استثناء فتاوى الفقهاء. كيف نستثني فتاواهم وما يصدرونه من أحكام وعدم اعتبارها معيارا للأخلاق، وهي ترتكز لأدلة قرآنية وروائية؟. بمعنى أخر، يريد الإشكال تأكيد موضوعية الفقهاء، مادامت مرجعية الفتوى هي ذات النصوص التأسيسية. والفقهاء لم يأتوا بشيء من خارج الشريعة، سوى اجتهادهم، بمعنى فقه النص، واستنباط الأحكام وفق قواعد أصول الفقه، التي هي صياغات قانونية لضبط عملية الاجتهاد والفتوى. فليس هناك ما يبرر الطعن في صدقيتهم أو اتهامهم بالتحيز لقبلياتهم. فهي ذات النصوص التشريعية، وقد لا يتجاوز دور الفقيه أكثر من تطبيق القواعد الفقهية وكليات الشريعة على مصاديقها الخارجية. وهذا الإشكال قد يبدو وجيها، لكنه غير تامٍ، فقد سبق القول أن الحُسن والقُبح عقليان، لا شرعيان، وأن الأحكام الأخلاقية في القرآن إرشاد لحكم العقل، وبالتالي لا يمكن أن يكون الدين بمعنى التشريع معيارا للأخلاق، وقد بينت الأسباب سابقا بشكل مفصلا، والتي منها: عجزنا عن فهم الملاكات البعيدة للأحكام التي تتعارض ظاهرا مع القيم الأخلاقية، كقتل الغلام من قبل العبد الصالح، واعتراض موسى عليه من وحي فطرته وروحه الإنسانية. كما أن القرآن ينوه: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم). فالشرائع تراعي التحولات الزمكانية. فهي متغيرة، ولو شاء الله جعل الناس أمة واحدة، لكن لم يجعلهم كذلك على أساس الشريعة، بل وحدهم بالدين. ونحن بصدد قواعد كلية، كونية، وإنسانية، تصلح أن تكون معيارا مشتركا بين جميع البشرية: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ)، (مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ). فالجميع ينتمى للإسلام بمعنى التسليم، ويعبدون إلها واحدا. يوحدونه ويقرون له بالطاعة والتسليم لقدرته وإرادته.

والشيء الثاني، أن كل فقيه ينحاز لا شعوريا لقبلياته وقناعاته العقدية، ويدافع عن نسق يقينياته وأحكامه المسبقة، كمبنى عقدي ينعكس على فهم النص، فينحاز لنتائجه لا شعوريا، بل ويوجه النص بذات الاتجاه، وقد مثلت سابقا للاختلاف بين المذاهب الإسلامية، خاصة السنية والشيعية حول مصداق آية: ولاية المؤمنين، وكل يرتب أثرا على فهمه، فالسنة ذهبوا إلى ولاية جميع المؤمنين، واقتصرها الشيعة على الإمام علي ومن ثم بنيه، ورتبوا عليها قضايا عقدية وأخرى شرعية. فالمنظومة العقائدية للفقيه تؤثر في فقه النص وفتاواه، وعلى هذا الأساس لا يتورعون عن تكفير غيرهم من المذاهب، حتى لو كان التكفير بمعنى احتكار الحقيقة وإقصاء الخصم منها. بالتالي هناك آثار تترب على وعيه للأنا والآخر. ومرَّ الكلام مفصلا حول هذا الموضوع. ونضيف: لا يمكن تبرئة الفقيه وإلقاء اللوم على الأدلة الشرعية فقط، مادام يمارس عملية استنباط الأحكام الشرعية وفقا لمبانيه، ويستبطن نسقا عقديا يوجه وعيه، فترى رواية واحدة يختلف حولها الفقهاء بين من يرفض الاستدلال بها لضعفها وفقا لمبانيه الأصولية والرجالية، وبين من يستدل بها. وهذا فارق كبير، وإلا من أين جاء الاختلاف بين المذاهب الإسلامية، بل وبين فقهاء المذهب الواحد؟. فالفقيه له دور مؤثر. نعم كانت بعض كتب الفقهاء حتى القرن الخامس الهجري، عبارة عن روايات خالصة، لكن حتى هذا القدر يكون للفقيه دور في فقهها وقبولها أو رفضها. وكل هذا يؤكد ضروة استقلالية الأخلاق عن الشريعة، لتبقى إحدى مدركات العقل العملي، ويكون الدافع لها إنسانيا أو الواجب الإنساني، فنحن بصدد معايير كونية صالحة لجميع البشرية كي يكتسب المعيار الأخلاقي صدقيته، وإمكانية الاحتكام له، والاحتجاج به، وليس كالمرآة الإنسانية صورة أنقى تعكس الحقيقة الإنسانية متجلية بكامل خصائصها، فتكون هي المعيار الأخلاقي. وهي بهذا مشترك إنساني بعيدة عن تشظيات الخصوصية والانتماء. فاستثناء فتاوى الفقهاء من الدين النصوصي، وحصره بالمدونات التأسيسية الأولى يكرس فهما مغايرا للدين، لا تتدخل فيه أية دوافع أيديولوجية. لكن هنا أيضا يبرز إشكال حول النصوص والآيات التي تتعارض ظاهريا مع القيم الأخلاقية، كل الموقف من الآخر، ومطاردته أينما كان، والتشدد أضعافا مضاعفة بعقوبته، خلاف للعدل والإنصاف القانوني: (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا)، (فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا)، (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ف)، وغير ذلك من روايات. وقد أسهبت بالإجابة على هذا الإشكال في بحوث سابقة، وبينت الموقف الأخلاقي منها. وأضيف هنا بشكل عام نحن مع استقلال الأخلاق عن الشريعة، وهذه آيات تشريعية، لها ظرفها ومبرراتها. وقد ناقشت جميع أدلة القائلين باطلاقاتها في كتاب تحديات العنف. هي آيات لا إطلاق لها خارج ظرفها الزماني والمكاني، فرضتها ظروف العلاقة مع الآخر المحارب، . أي أن الموقف الأخلاقي لا يبر هكذا إجراءات تفتقد ظاهرا للعدل. إن هذا النوع من الآيات ينطوي على ملاكات ومصالح لا ندركها، فهي ناظرة إلى ما هو أبعد من الموقف الأخلاقي الجزئي، بما يشمل ملاكات بعيدة مرتبطة بالرسالة ومستقبل الناس، فالفعل الذي يتعارض ظاهرا من الأخلاق، لا يبدو هكذا عندما تقرأه ضمن رؤية كلية، وسياق أحداث لها أهداف أوسع وأشمل. فمقتل طفل خلال تحرك عسكري يدافع عن مدينته، ويصد عدوانا مباغتا، لا يبقي ولا يذر لو قدر له النصر، يبقى مقتل الطفل عملا لا أخلاقيا، لكن عندما تنظر له ضمن مصلحة المدينة وأهلها، تختلف نظرتك له وفق المصلحة الكبرى. فارتكاب العمل اللا أخلاقي قد وقع خارجا، ولا مبرر لاعتباره عملا أخلاقيا. أما كيف يصدر من جهات عليا مقدسة، يفترض أنها مثلا أعلى للأخلاق، فهنا يأتي الكلام عن المصالح والملاكات وتبدل العناوين التي اقتضت ذلك، وما هي مبرراتها. طبعا لا مشكلة لدى القائلين بقيام الأخلاق على الشريعة، فالحسن عندهم ما حكم الشرع به، والقبيح ما نهى عنه. فقتل الغلام من قبل العبد الصالح عمل أخلاقي، وليس كذلك في ضوء القائلين باستقلال الأخلاق عن الشريعة. الاتجاه الأول خطير جدا، يمكن من خلاله توظيف الدين لتعزيز مصالح سياسية أو طائفية، قد تطيح حتى بقيم الدين ذاته، غير أن هذا الاتجاه يحكم بحسنها.

يأتي في الحلقة القادمة.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الفاضل الاستاذ ماجد الغرباوي على هذه المقالة الرائعة المتعلقة بتأثير الدين على اخلاق المسلمين و تصرفاتهم. اعتقد انه يوجد تأثير قليل للجانب الايماني على اخلاق المسلمين و هذا يعود الى عدة اسباب:
1- ان اغلب المسلمين يفهمون الدين على انه فقط تأدية طقوس و عبادات و نسوا ان الشيء الاساسي الذي جاء من اجله الدين هو "العمل الصالح" و "التقوى" بكل ما تعنيه هذه الامور. و استطيع ان اقول ان اغلب المسلمين يؤدون هذه العبادات و الطقوس فقط لاطفاء خطاياهم و لا تأثير للدين في صقل نفوسهم . و لذلك نرى ان اغلبهم يذهبون الى الحج و الاماكن المقدسة لاطفاء هذه الخطايا من ظلم و قتل و سرقة لافراد للمجتمع. و لكن الوجه الحقيقي لهؤلاء واضح لكل افراد المجتمع. و انا اعتقد ان الله ارسل اديانه لخلق مجتمع فاضل الاخلاق و ليس مجتمع عبادات و طقوس فقط. و هذه التصرفات اعطت انطباع سيء جداً عن الدين و لذلك نلاحظ ان اغلب افراد الجيل الجديد اخذوا يبتعدون عن الاديان و رجالها.
2- المجتمع الاسلامي مجتمع اغلب افراده يمتازون بالثقافة الضحلة و يأخذون معلوماتهم الدينية من رجال الدين و لا يرجعون الى القرآن كما يريده الله.
3- ان اغلب رجال الدين و المراجع الاسلامية لا تستعمل عقولها و تأخذ كل معلوماتها من مرويات السلف الصالح و الاساطير و الخرافات و يقدمونها لنا كأنها مسلمات يجب ان نؤمن بها.
4- حالياً ان المذاهب الاسلامية حلت محل الدين الاسلامي و هي متقاطعة في الكثير من ادبياتها مع ما جاء به القرآن. و في سبيل السيطرة على العقول ان رجال هذه المذاهب اوجدوا التقليد و التلقين في سبيل تثبيت فقه السلف الصالح و مذاهبه و منعنا من التفكير و الرفض لكل ما هو جديد.
5- الحل الوحيد لنا هو الرجوع للقرآن الكريم و وضع تفسير/ تأويل له بما اراده الله و بما يتناسب مع معطيات العصر الجديد لا ان نسبح في كهوف التاريخ. و شكراً مرة اخرى.
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

ثائر عبد الكريم
This comment was minimized by the moderator on the site

تشخيص سليم لواقع المسلمين، فثمة اختزال للدين والايمان، يغري الناس البسطاء، لكنه سلبي في انعكاساته على الدين. كلامي كان عن التجربة الدينية من حيث قدرتها على تحفيز الضمير، ومن ثم الاستقامة الأخلاقية. شكرا لحضورك ومداخلتك اخي العزيز استاذ ثائر عبد الكريم. تحياتي

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5271 المصادف: 2021-02-09 03:41:30