 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (202): مأسسة الأديان والأخلاق

majed algharbawi4صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة الثانية بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

مأسسة الأديان والأخلاق

ماجد الغرباوي: إن استقلال الأخلاق عن الشريعة، لا يفقد الدين بمعنى الإيمان دوره الأخلاقي، وسيكون الضمير، كما أكدت، رقيبا صارما يضمن لنا أداء أخلاقيا يأتي به الفرد بدافع الواجب الإنساني، وهذا يستدعي وعيا إنسانيا لمعنى الأخلاق ودورها في بناء مجتمع الفضيلة. وهنا يأتي دور الدين بمعنى الإيمان عندما يكون الضمير مركز إشتغاله. فيلعب دورا مؤثرا في تقويم الأخلاق وترسيخ قيم الفضيلة، من خلال رعايته للضمير تحفيزا وتحذيرا، دون أي ارتهان لتوجهاته الإنسانية، وهذا مبرر لاستقلال الأخلاق عن التشريع. مستوحيا، أي الإيمان، من حاجة الإنسان الفطرية والروحية له. ومن قداسة الدين وهيمنته اللاشعورية على المشاعر البشرية. فثمة خاصية تتفرد بها الأديان، هي قدرتها على ربط الناس المطلق، وخلق شعور عميق ينصت للغيب ويتمثل حقائقه، فيزداد يقينه وتترسخ قناعاته بتعاليمه وخطاباته مع كل ممارسة طقوسية أو تأملية حتى يغدو يقينا مطلقا لا يراوده الشك، خاصة والدين يضفي معنى للحياة، ويقدم أجوبة مقعنة للأسئلة الوجودية الكبرى، ويمنح الطمأنينة ويفتح آفاقا للأمل واسعة. وعندما يبلغ المرء مرحلة اليقين ينشغل بتزكية نفسه وحماية ضميره. الدين أكثر وقعا في صدقيته من أي جهة رمزية أو معنوية، لقوة إيحاءاته ورمزيته، وما يعد به ويحذر منه. من هنا يمكن استثمار نصوصه الملهمة ذات الطابع الإيماني والأخلاقي والعقلائي، لتنمية الروح الإنسانية، وتقويم الضمير. وأقصد بالنصوص الدينية خصوص الآيات، وخطابات الكتاب القائمة على منظومة القيم الأخلاقية، وقدرتها على تزكية النفس وتحفيز الضمير. وهذا يقتضي استثناء بعض النصوص لتفادي أي التباس وخلط بين المصادر النصوصية الملهمة وغيرها. بل إن بعضا يكرّس ما يتنافي مع المنطق الأخلاقي. تلك النصوص التي ترفع راية الدين وتحرض على الكراهية والعنف وإقصاء الآخر.

وبالفعل سبق أن استثنينا من النصوص القرآنية آيات التشريع، التي تخص الآخر، كما في آيات القتال. أو مطلق الآيات الإقصائية، التي ينبغي فهمها ضمن سياقاتها التاريخية، ومبررات صدورها. وكذلك غرائبيات الأحكام كقتل الغلام من قبل العبد الصالح، ووثوب إبراهيم لقتل إبنه. وهو أول اسثناء تطرقنا له. وأما آيات الشريعة التي رسمت حدود علاقات الفرد والعلاقات العامة. والآيات التي حثت على الأعمال الصالحة، أو مجموعة الآيات الأخلاقية، فسيأتي الحديث عنها ضمن موضوع الأخلاق والأوامر الإلهية. وهذه نقطة ينبغي التنبيه لها، تحتاج لتوضيح كافٍ. كي لا يلتبس الموضوع. فالكلام حول مصدر الأخلاق، وقلنا أنها لا تقوم على الدين بمعنى الشريعة، وأنها من مدركات العقل العملي. وهذا لا يعني إقصاء الآيات الأخلاقية. وسيأتي الحديث. ولنبقى هنا مع الدين بمعنى الإيمان، طاقة روحية يمكن توظيفها لحماية الضمير الإنساني، ليمارس دوره الرقابي بصرامة، وبهذا نتوفر على مصدر ديني، يحول دون خمول الضمير أو تقاعسه، ويبقى يقظا، خاصة مع تزوير الوعي، وتراخيه أو نكوصه أمام الإغراءات المادية والدنيوية. فالإيمان يساعد على ترشيد الوعي وكبح النزعات الشيطانية ويهذب النوازع المادية، من خلال طرح بدائل تعويضية، وخطاب يقوم على الترغيب والترهيب، يشكل حصانة حديدية أمام النزعات المادية، والتهاون مع السلوكيات اللا أخلاقية، شريطة الإلتزام الديني، كي لا يرد علينا سؤال البحث الأساسي، عن مدى قدرة القرآن على تهذيب أتباعه، وقد سبق الحديث عنه مفصلا..

للدين وسائله الخاصة، التي يستيطع من خلالها تزكية النفس البشرية، ويمنحها قدرة على التعفف أمام المغريات والنزعات المادية. وبالتالي فالقرآن هو المدونة الدينية التأسيسة، والمرجع الأول لمفاهيم الدين وتعاليمه وأحكامه. لم يجعل الله فيها ولاية تشريعية فضلا عن تكوينية لأحد من خلقه، وما تسمعه عن حجية السيرة النبوية لا يعدو اجتهادات ووجهات نظر مرّ تفصيل الكلام عنها بما يكفي. فتبقى وظيفة السُنة النبوية، كما ذكر الكتاب الكريم، بيانا وتوضيحا وتفصيلا. فالبيانات النبوية للقيم الأخلاقية، هي بيانات إنسانية، تأتي في طول آيات الكتاب، وهكذا بالنسبة لسيرته باعتباره مثلا للأخلاق: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍۢ). وأيضا مرّت تفاصيل كافية عن الموضوع.

وبما أن مفهوم النصوص الدينية مفهوم عام، فقد يتبادر للسامع أنها تشمل إضافة لآيات الكتاب وسيرة الرسول، سيرة من جاء بعده: الصحابة لدى مدرسة أهل السنة. وأئمة أهل البيت لدى مدرسة الشيعة، بل وقد تمتد لفتاوى الفقهاء فيشملها العنوان باعتبارها قائمة على أدلة لفظية قرآنية ونبوية، وغير لفظية سيرة النبي ومن جاء بعده، بهذا يشملها مفهوم النص الديني. وبعض يتحفظ فيقول: أدلة شرعية وفتاوى فقهية. لذا كإجراء احترازي استثنيت فتاوى الفقهاء من النصوص التي يمكن أن تكون مرجعية ملهمة لحماية الضمير، كرقيب أخلاقي. وهو الاستثناء الثاني بعد استثناء آيات التشريع. وبالتالي ففتاوى الفقهاء حكم مستنبط من آيات وروايات التشريع، فتشملها استثناءات أحكام الشريعة. إضافة لانحيازها، كما مرَّ الكلام.

الاستثناء الثالث: تعليمات المؤسسات الدينية

يلحق بفتاوى الفقهاء، استثناء ما يصدر عن المؤسسات الدينية من فتاوى وقرارات وتعليمات تستجيب لضروراتها، وتكرّس مصالحها السياسية والطائفية، ولو على حساب الدين وغاياته ومقاصده، فيكون التحيز قدر هذا اللون من الفتاوى. وبالتالي ما يبرر استثناءها خصوصية الإفتاء وتحيزها لصالح الدين المؤسساتي. كما لو اقتضى الموقف من الآخر التشهير به، وهو عمل لا أخلاقي، يفقد معه الدين قيمته الأخلاقية، وطاقته الروحية التي نرتهن لها في تحفيز وحماية الضمير الإنساني. بل ويفقد الضمير إنسانيته ليغدو مؤدلجا، ينظر للحق والباطل من منظار طائفي، تمسكا بحديث الفرقة الناجية. وهذا لا نقصده عندما نتطلع لدور إيماني لحماية الضمير، بل نقصد جوهر الدين، عاريا من أي تفسيرات طائفية. أي الدين الخالص والمحض، تعرفه من استجابتك الفطرية وردة فعلك. ما نريده ونسعى له الاستجابة الأخلاقية. ونتطلع أن يلعب الإيمان دورا في تحفيز الضمير وتفادي خموله أو انهياراته ليمارس دوره الرقابي الصارم. بهذه تتضح الحدود بين العقل والدين في المسألة الأخلاقية. فتكون الاستجابة للفعل الأخلاقي بدافع الواجب الإنساني. شريطة الحرية والإرادة والقدرة. بينما تسلب المؤسسات الدينية إرادة الفرد، وتكرّس حريته باتجاه مصالحها. مباشرة أو بشكل غير مباشر. ويفقد الفعل الأخلاقي شرط فعليته، بفعل هيمنة سلطة المؤسسة، التي تسلبه حريته حينما ترتهن خلاصه بطاعتها، حداً يتقرب لله بموالاتها وامتثال أوامرها. ويحسب أنه على حق مطلق وغيره على باطل مطلق. فانقلاب الوعي يفقد الفعل صفته الأخلاقية. وما نريده فعلا أخلاقيا بدافع الواجب الإنساني، وإيمانا يتفادى خمول الضمير وانهياره. فاستثناء فتاوى وتعاليم المؤسسات الدينية مبرر، ويكفي هيمنتها التي تفقد الفرد حريته وإرادته وقدرته على تشخيص الحقيقة، عندما تتولى فهم الدين نيابة عنه، وتوجيه وعيه وسلوكه وفقا لأهدافها.

مأسسة الدين إغتيال الوعي باحتكار الحقيقة، عندما تعيد المؤسسة وتعاليمها تشكيل العقل بدوافع طائفية وسياسية، يتماهى معها المرء باعتبارها معطى نهائيا مقدسا بمختلف العناوين ابتدءا من الأحكام الولائية حتى ولاية الفقيه مرورا بالفقه السلطاني، مشيخة الإسلام السنية، شيخ الإسلام الشيعي، المؤسسات الدينية والكهنوتية في جميع الأديان والمذاهب. المأسسة كانت وماتزل وراء ارتهان الوعي، وتكريس الحس الطائفي، والهيمنة السياسية، والسبب وراء تشتت القوى، وزعزعة الثقة بين أبناء الطوائف الدينية، وتكوين يقين سلبي، يزدري العلم، ويمجد الخرافة، ويحتفي باللامعقول كمهيمن ثقافي يعيق حركة الوعي الرسالي. ولعل في محاكم تفتيش القرون الوسطى في أوربا خير مثال عندما كانت تلاحق كل من يدلي بتصريح ولو كان علميا مادام يخالف تعاليمها. والمؤسسات الدينية الحديثة تمارس دورا مشابها لكنه يقتصر على الرموز والطقوس الدينية.

إن مأسسة الأديان أشد ما عانت منه الرسالات السماوية عبر تاريخها الطويل، وأفدح خسائرها جاءت بفعل هيمنتها، حداً فقدت الأديان قيمتها كمرجعية لتقويم سلوك الفرد بعد أن وُظِفت سياسيا واجتماعيا وطائفيا. وهذه المؤسسات تستمد شرعيتها من تاريخها، واحتكارها لتفسير النص الديني، واستملاكها للرأسمال الرمزي، والرصيد المعنوي، وقيمومتها على الدين ومصادره المالية، وانقياد العقل الجمعي لإرادتها. بل أن روح العبودية والطاعة المطلقة رهانها الأول في مشاريع الهيمنة، وربط سبل النجاة بطاعتها. وعلى هذا الأساس كانت تبيع الكنيسة صكوك الغفران. فثمة وعي بدائي يؤمن بها ويتقبلها أفرز إيمانا "قروسطيا" يؤمن بالخرافة سبيلا للنجاة، ومازال هذا الإيمان يعشعش في عقول أدمنت الخرافة، تجد في العلم وكشوفاته شيطانا يهدر إيمانها. وهو وعي متخلف، ناتج عن خطاب مؤسساتي، يقصد تجهيل الناس لضمان طاعتهم، كرهان لنجاح مشاريعه السياسية والطائفية. وفي نفس السياق تأتي الشفاعة الطقوسية التي يهبط معها الدين من قيمة روحية سامية، إلى مؤسسة مبتذلة تحط من قيمة الفرد، وتعلو من سلطة الاستبدادين الديني والسياسي. وأعني بها ممارسة الطقوس وتبني الشعارات الطائفية شرطا لضمان الشفاعة يوم الخلاص. وفي كلا الحالتين يأتي سؤال الأخلاق، حيث يتعرض الفرد لتزوير الوعي. وهل يمكن لفتاوى المؤسسات الدينية وقراراتها وتعاليمها أن تكون ملهمة للأخلاق وبناء ضمير إنساني حي؟ وهذا هو مبرر استثناء فتاواها وتعاليمها من مصادر إلهام التقوى وحماية الضمير من الزيغ والانحراف. فهذه الفتاوى وهذه القرارات مكرسة لخدمة المؤسسة الدينية، فهي إجراءات متحيزة، ونحن نتطلع لروح إنسانية، بعيدة عن أي تحيز باستثناء إنسانية الواجب الأخلاقي. أو أنها تكرس الأخلاق لشرذمة المجتمع، وهذا خلاف الهدف المتوخى من الأخلاق. نحن نتطلع لأخلاق حميدة، سامية، إنسانية، وقرارات وفتاوى المؤسسات الدينية تقلب موازين الأخلاق، فيغدو إقصاء الآخر فضيلة، ومحاربة العلم فضيلة، وسيادة الوعي المزيف على أنه حقيقة، يستميت المرء في الدفاع عنها. المأسسة تكوين سلطوي لتكريس الهيمنة والاستبداد، لا تنسجم مع التوجهات الإنسانية.

لقد واجه المسيحيون اضطهادات شتى من قبل الإمبراطورية الرومانية وذلك من عام 58 م حتى 312 م بسبب رفضهم الاعتراف بعبادة الأباطرة، وهو تعبير آخر عن اعتزازهم بقيمهم الدينية والإنسانية. بل أن المسيحية قائمة على فصل الديني عن الزمني: (أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله). وعندما أنهى مرسوم الإمبراطور قسطنطين المسمى في التاريخ باسم "مرسوم ميلانو" عام 313 م مرحلة الاضطهادات شكل اعتناقه للمسيحية نقطة تحول هامة في التاريخ. وبدأت تتداخل السلطتان الزمنية والدينية، حتى ظهرت منافسة سياسية بين بطريرك القسطنطينية والبابا في روما حول زعامة العالم المسيحي. وبعد سقوط روما أصبحت البابوية مصدر استمرار للسلطة وسيطرته على المسائل العسكرية. (أنظر: ويكبيديا). وبهذا الشكل تولت الكنيسة السلطتين الزمنية والدينية، وخاضت معارك ضارية من أجل الهيمنة السياسية والدينية والروحية، فكانت مأسسة الدين المسيحي قد بدأت منذ توظيف المسيحية سياسيا، حيث بدأت سيادة الكنيسة الكاثوليكية وهيمنة السلطة الكهنوتية على مشاعر الناس، والتحكم بمستقبلهم السياسي والديني، وبات الإيمان والخلاص يتوقف على ولاء الفرد لسلطتها. أو أن الولاء شرط الإيمان والخلاص، وهذا يعني تبني جميع شعارات الكنيسة، والاقتصار عليها مصدرا وحيدا للمعرفة الدينية وطريقا للخلاص، حتى فقد الدين قيمته الروحية، وغدا مصفوفة طقوس، يمارسها المرء ليدخل الجنة، وتسقط عنه جميع ذنوبه مهما كان حجم الجريمة، عبر الاعتراف بين يدي الكاهن وشراء صكوك الغفران. وقد كلف الانعتاق من سلطة الكنيسة الشعوب الأوربية غاليا، حتى رأت النور في ظل العقل والعقلانية، بعيدا عن الكنيسة وسلطاتها الكهنوتية التي كانت ترمي بالهرطقة كل من يخالف تعاليمها، مهما أتى الدليل العلمي والعقلي من قوة. والهرطقة جريمة مؤسساتية، لا علاقة لها بالأديان، تتخذ منها الكنسية ذريعة لقمع المعارضين، واستعادة المتمردين لسلطتها. وهذا يحدث في جميع المؤسسات الدينية تارة ماديا كما في ظل سلطة الكنيسة والحكومات الدينية، وتارة رمزيا عندما ترتهن مصير الفرد وخلاصه بولائها، وتبني شعاراتها. وهذا مكمن الخطر الأول لمأسسة الأديان.

وكانت مأسسة الدين في الإسلام بدأت مع موقف قريش من السلطة، عندما فرضوا القريشية شرطا في الخلافة، ليكونوا الممثل الوحيد للسلطتين الدينية والزمنية، وكان هذا كافيا لمأسسة الدين، حيث تمسك الخلافة بزمام الأمور وتفرض فهمها وتفسيرها على النص الديني. بدءا من الأول حتى نهاية الدول العباسية. والمهم فترة التأسيس، عصر الخلفاء أو ما يسمى بعصر الراشدين، حيث لعب الإنتماء الطائفي دورا رئيسا في تكريس السلطة ومأسستها، بعد اختزال آية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)، (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) في مصداق واحد هم قريش. وليس سوى قريش يليق به القيادة، إنها ذات القيم القبلية تسربت في غفلة من الوعي الديني. أو لسكوته. فالمأسسة احتكار للحقيقة، وتوظيف سياسي للدين. مثاله زخم روايات الفضائل التي اختص بها الخلفاء الأربعة دون غيرهم من الصحابة إلا لمماً، واحتكرتها قريش دون العرب، والعرب دون باقي المسلمين، وهو تشويه للموقف الأخلاقي، القائم على وحدة الجنس البشري. والاستجابة الإنسانية للفعل الأخلاقي. ويتضح الأمر أكثر من خلال روايات التزكية المطلقة أو تلك التي تمنحهم حصانة دائمة، وتبرئتهم سلفا من كل ذنب، مهما كانت خطاياهم خلافا للمنطلق القرآني القائم: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ). وبشكل تدريجي راحت تفرض المؤسسة الدينية سلطتها من خلال فرض ولايتها على الدين مباشرة أو من خلال الفقه السلطاني، فكان فرض لغة قريش عند الاختلاف في قراءة الآيات، وإقصاء بعض النصوص القرآنية، بقرار عثماني، بداية بلورة سلطة المؤسسة الدينية، واحتكار السلطتين الدينية والزمنية. والسلطة إملاءات فوقية، أية سلطة كانت، والإملاء يفقد الفرد حريته وتحرره، وحينئذٍ لا يصدق على سلوكه ومواقفه مفهوم الفعل الأخلاقي، لأن شرط الأخير حرية الفرد، بمعنى التحرر من كل سلطة فوقية باستثناء ذات الفطرة والسجية الإنسانية المجردة والمحضة، حينما يرى في الآخر امتداده الإنساني، فيندفع لمد يد العون له مثلا بدافع الواجب الإنساني. وهذا يتنافى مع منطق السلطة القائم على التبعية والانقياد بما تمليه مصالحها العليا، وافقت أم تقاطعت مع المنطق الأخلاقي.

وبهذا الشكل أخذت المؤسسة أطوارا مختلفة، ولعل في صراع الدولتين العثمانية في تركيا والصفوية في إيران، وكيفية توظيف الدين وخصوص المذاهب الإسلامية مثالا لمأسسة الدين من أجل ضمان تحشيد شعبي بدوافع دينية، وهذا لا يتحقق إلا بسلطة دينية مؤسسية، فكان منصب مشيخة الإسلام في تركيا. في مقابل منصب شيخ الإسلام في السلطة الصفوية في إيران، وكل من مشيخة الإسلام وشيخ الإسلام لعب دورا مؤثرا في تحشيد الطاقات، عبر مباركة الطقوس والبدع، وشرعنة السلطة السياسية رغم استبدادها وفسادها. وكان كل من منصب مشيخة الإسلام ومنصب شيخ الإسلام مصدرا للكراهية، وتحريض الناس على إقصاء الآخر، بعد رميه بالانحراف وربما الفكر تمهيدا لجواز إزدرائه وقتله. ما كان لمنطق الموت أن يسود لولا وجود مؤسسات دينية تبرره وتبارك للسلطان فعله، باعتباره نصرة للدين أو المذهب. فهو قتل باسم الإله والدين، وهذا أوضح مصاديق تزيف الوعي الديني. كما أن كلا من المنصبين الدينيين في تركيا وإيران منصب سلطاني يمنحه الأخير لمن يشاء من الفقهاء. فيعيّن السلطان الفقيه، ويمنح الفقيه السلطان الشرعية. وفي ظل السلطان يمارس الفقيه أعماله مفتياً وصاحب سلطة دينية مؤثرة. وفي ظل الفقيه يمارس السلطان ما يشاء من الأفعال والممارسات. (أنظر كتابي: الشيخ محمد حسين النائيني منظّر الحركة الدستورية).

ثمة أمر مهم، أن الفقه السلطاني، كما في كتاب الأحكام السلطانية للماوردي وأبي يعلى، وغيرها من كتب المذاهب الإسلامية، هو فقه هيمنة، يكرّس سلطة المؤسسة الدينية، حينما تضع نفسها في خدمة السلطان، وتتولى شرعنته حكومته وضمان انقياد الناس لها، من خلال تزوير الوعي الديني. ولعل مثال حكومة ولاية الفقيه في إيران اليوم  أوضح مثال لقوة وعمق واستبداد وهيمنة المؤسسة الدينية، مهما كات دستورية، حيث أن الإقصاء ودعوى الولاية المطلقة على الناس والقرار السياسي والتحكم بمصير الشعب والوطن، هو المنطق السائد.

نخلص أن ما يصدر من فتاوى وتعليمات عن المؤسسات الدينية، لا تصلح مصدرا لتزكية النفس والتقوى، وبالتالي فإن هذا اللون من النصوص خارج النصوص الدينية المقصودة. رغم قدراتها التعبوية التي قد تنفع لدرء الأخطار. الإيمان الذي نتطلع له، تلك المشاعر الإنسانية الشفافة التي تأبى الأدلجة والاحتكار، وتنظر للآخر نظرة إيمانية: (الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق). أو إنسانية تقوم على وحدة الروح الإنسانية ومشاعرها والتي نرتهن لها في وضع ضابطة أخلاقية نحتكم لها دائما في كل زمان ومكان. الإيمان تلك الومضة الروحية النابعة من أعماق الروح والتجربة الدينية، حينما تملأ فضاء النفس، وتهيمن على مشاعر الإنسان، فينسى عالمه المادي، ومغريات الحياة، وينظر إلى نقطة بعيدة يستلهم منها القوة والأمل، فيكون أرأف بنفسه، حينما يعمد لتزكيته وتطهيرها، وهذا لا يتحقق في إطار المأسسة القائمة أساسا على التعالي.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

المفكر المبدع ماجد الغرباوي المحترم تحية طيبة وسلام

شكرا لطروحاتك التنويرية والابداعية المتجددة كل يوم نزداد تنويرا من هذا الفكر الخلاق الشجاع والغير متردد .بارك الله فيك وفي سعيك الصادق .
واسمح لي ان اسأل.
اليست شعارات الكنيسة في زمنها انذاك يشبه الى حد بعيد الشعارات الاسلامية في يومنا هذا .فعندما تمنح الكنيسة صك الغفران لدخول المرء الجنة اليس الاسلام ايضا يمنح صك الغفران من حج بيت الله الحرام .
واليس ماتفعله الشيعة اليوم باعطاء صك الغفران من زار قبرالامام الحسين ع . فهل يستوجب على المسلمين ان يتخلصوا من هذا الصك لغفران الذنوب وجعل ممارسة الحج مجرد فريضة دون غفرانها .

شكرا لك ودام عطاءك .

ابو سجاد
This comment was minimized by the moderator on the site

أهلا ابا سجاد. شكرا لمتابعتك، ومحبتك. كتبت داخل المقال ما يلي، ربي يكفي للاجابة على ساؤلك الكريم: ( وفي نفس السياق تأتي الشفاعة الطقوسية التي يهبط معها الدين من قيمة روحية سامية، إلى مؤسسة مبتذلة تحط من قيمة الفرد، وتعلو من سلطة الاستبدادين الديني والسياسي. وأعني بها ممارسة الطقوس وتبني الشعارات الطائفية شرطا لضمان الشفاعة يوم الخلاص.)

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الفاضل الاستاذ ماجد الغرباوي على هذا المقال الرائع المتعلق بالدين والاخلاق وشكراً للأخ المعلق ابا سجاد على تعليقه. واحب ان اضيف التعليق التالي:
انا "اعتقد" ان الله وجه المسلمين لأتباع كتابه "القرآن" فقط وليس شيء آخر لكي لا يكون التباس في فهم الدين الاسلامي ويؤدي الى تفرقتهم؛ وهذا هو الحاصل حالياً. ادرج قسم من الايات التي اعتقد انها تؤكد ما اراده الله.
الانعام 126
وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الايات لقوم يذكرون
آل عمران 51
ان الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم
البقرة 2
ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين
الايات اعلاه توضح بشكل لا لبس فيه بأن نتبع ما انزل الله في كتابه
الاية التالية مهمة جداً وهي تعكس وضعنا الحالي:
الانعام 153
وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون
الاية اعلاه واضحة وضوح الشمس من ان الله "وصّانا بأتباع كتابه فقط" ولا نتبع السبل الاخرى لكي لا "نتفرق ونتناحر مع بعضنا البعض" كما هو الحاصل حالياً.
و الاية التالية تصب في نفس المعنى
الاعراف 3
اتبعوا ما انزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه اولياء قليلا ما تذكرون
و الاية التالية كذلك تصب في نفس المعنى ولكنها تحذيرية لنا
الزمر 55
واتبعوا احسن ما انزل اليكم من ربكم من قبل ان ياتيكم العذاب بغتة وانتم لا تشعرون
الاية اعلاه هي تحذيرية لنا من ان نتبع ما انزل لنا قبل ان يأتينا عذاب الله.
و الاية التالية تدل على اننا في شقاق بعيد بعد ان اختلفنا في الكتاب.
البقرة 176
ذلك بان الله نزل الكتاب بالحق وان الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد
و ان دور الرسول هو شاهداً ومبشراً ونذيراً كما موضح في الكثير من الايات القرآنية.
و ان الرسول وضح الامور العبادية للمسلين وانه كان على خلق عظيم.
و ان النقطة المهمة التي اريد ان اؤكدها هنا ان الدين الاسلامي الذي اراده الله للمسلمين ليس "طقوس وعبادات ودعاء فقط" . ان الشيء الاساسي الذي دعانا الله اليه هو "التقوى" و"العمل الصالح" بكل ما تعنيه هذه الامور وهنالك الكثير من الايات في هذا الصدد "اكرمكم عند الله اتقاكم" و"بشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ان لهم جنات---الخ.
و هذه الامور المفروض يجب ان تتبلور من "صقل وتهذيب انفسنا بالعبادات والشعائر العبادية" التي نؤديها بشكل يومي الى الله ؛ ولكن للاسف الشديد ان العبادات والطقوس الدينية اصبح فهمها انها طريق "النجاة لنا من خطايانا" وليس تهذيب انفسنا.
وان اغلب المسلمين بعتقدون ان الدين هو فقط عبادات وشعائر وطقوس وان هذه تطفي كل الامور التي يقومون بها من قتل وسرقة وفساد "ان الله غفور رحيم"!!!!. وشكراً مرة اخرى.
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر والتقدير

ثائر عبد الكريم
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لفك الاستاذ القدير ثائر عبد الكريم، وشكرا لوقتك ومتابعتك. بلا شك رأيك صائب ، القرآن هو المرجعية الأولى والأساسية لتاليم السماء، بالنسبة للدين الأسلامي. والقران صريح في تحديد وظيفة النبي الكريم. شكرا لك مجددا

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5279 المصادف: 2021-02-17 02:20:42


Share on Myspace