 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (206): الدوغمائية والأخلاق

majed algharbawi8خاص بالمثقف: الحلقة السادسة بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل فيها حديثه عن الأخلاق:

الدوغمائية والأخلاق

ماجد الغرباوي: إن منشأ إشكالية العلاقة بين النص الديني والأخلاق، بناء على استقلالها عن الدين بمعنى التشريع، هي عدم قدرة العقل على إدراك ملاكات الأحكام حينما يقع التعارض بين ظاهر النص ومعايير العقل العملي. بينما تنتفي الإشكالية بناء على قيام الأخلاق على الشريعة. وبالتالي يمكن زحزحة الإشكالية وإعادة تشكيلها وفقا للإجابة على السؤالين المتقدمين، لأن مردَّ هذه الإشكالية إلى إشكالية أعمق، هي إشكالية مفهوم المقدس الذي يفرض محدداته وسلطته على قراءة النص، حداً يصادر حق العقل في تحري مقاصده وغاياته وأسباب نزوله وأشياء أخرى مرتبطه به كتحري مضمراته، التي قد تخدش قدسية النص فيخسر رصيده الرمزي . لذا أي تعريف جديد لمفهوم المقدس سيخرج النص من أفق التفكير الدوغمائي إلى أفق التفكير العقلي، وتوظيف الطاقة الروحية للدين لتعزيز قيم الفضيلة، بعيدا عن إملاءات الفقه والتراث التي دأبت على إقصاء الآخر، تهميش المرأة، وتسخير الفرد لمصالح أيديولوجية وسياسية. وجميعها قضايا أخلاقية، إلا أنها تستدل بنصوص مقدسة، فمن يؤمن أن قداسة النص تعني نهائيته وأنه معطى إلهيا، فهي حينئذٍ حجة عليه مطلقا، يقتصر فيها دور الفقيه ومريديه على التسليم، بينما يختلف الموقف من الرواية عندما نعطي للقداسة مفهوما جديدا يقدّم المضمون الإنساني على قدسية النص، ويطرح ما تبقى على أساس تاريخيته، فتكون تلك القيم الإنسانية هي المرجعية الحقيقية للفتوى، وليس للنص رغم تاريخيته، ومهما تعارض مع القيم الإنسانية والأخلاقية، كما يؤكد الاتجاه الدوغمائي. فما أسعى له "عقلنة التفكير الديني والانتقال من العقل الديني إلى دين العقل".

وعليه ستكون الإجابة على السؤالين المتقدمين بذات المنهج الذي طالما أشرت له، وهو تقديم العقل على النقل، وهذا يقتضي وضع مسافة بين الباحث والنص، يتمكن من خلالها دراسة كل ما يرتبط به، لتحري مقاصده وغاياته، وتحديد شروط فعليته أو عدمها، وهذا يستدعي تخلي المتلقي عن عواطفه وقبلياته ويقينياته ووثوقياته، وما قرَّ في لا وعيه من تراث، يفرض محدداته على النص ويمسك بوصلة تفسيره، عند مقاربة النص، كي يكون التلقي عقليا، خاصة في مجال الأخلاق. فالدوغمائية كما تعني الجمود تعني اليقين والوثوق، وتفضي إلى احتكار الحقيقة وسبل النجاة، ولازمه رفض الآخر، وكل ما يتعارض مع قناعاتها.

نأتي للسؤالين المتقدمين:

معنى قداسة النص

أما السؤال الأول: (هل قداسة النص الديني تعني أنه معطى نهائي أم أن أحكامه ومضامينه خاضعة لسنن وقوانين وعلل يمكن اكتشافها، وتحديد درجة إلزامها؟). كما تقدم أن التعريف الجديد لمفهوم القداسة يخرج النص الديني من ضيق التفسير إلى أفق الفهم والتدبّر والتأمل والتأويل: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا). إذاً هناك أمران يتوقف عليهما فهم النص وفقا للمنهج القرآني في فهم آياته. أقول فهم القرآن لأن التفسير فهم لظاهر النص، من خلال تطابق اللفظ مع المعنى، والكشف عن دلالات سياقات الكلام، بينما التدبّر جهد فكري وتأويلي تتطلبه النصوص العمقة، ذات مداليل بعيدة، فهي ليست نصوص عادية كي يكتفى بتفسيرها ظاهرا، وهذا يؤكد خصوصية اللغة الدينية. ففهم آيات الكتاب يتوقف على أمرين، هما:

أولاً- التدبر: يعني التأمل العقلي والفلسفي في النصوص العميقة التي ينطوي عليه النص الديني. والتروي قراءته للتعرف على مناخاته وسياقاته ومناسباته وإيحاءاته وملاحقة أنساقه ومضمراته. (وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ). والتأويل منهج قرآني أصيل. وأضيف: إن إتخاذ التأويل أحد مناهج فهم القرآن يعني إمضاء دلالته المغايرة لظاهر النص، شريطة أن لا يخرج التأويل عن ضوابطه وشروطه التي مرَّ بيانها مفصلا في بحوث فلسفة الخلق، كقوله: (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا). إذ قدّم العبد الصالح لموسى بيانا عن الحدث بلغة تأويلية. وقام بتأويل ما صدر منه واستنكره موسى النبي الكريم. فنتيجة التأويل نتيجة عقلائية رغم الفارق الدلالي بين ظاهر النص وتأويله، وقد أقرّه القرآن وارتكز له في فهم مضامينه، وهذا يمنحه شرعية كافية لمقاربة آيات الكتاب. غير أن العقل الدوغمائي والتراثي لا يطيق التأويل، أو يريد تأويله وفقا لغايات أيديولوجية وطائفية وسياسية، كبعض تفاسير الغلو التي تعتقد أن القرآن نزل لبيان حقائق مجموعة أفراد، وهم أئمة أهل البيت، ولا يفقه حقيقته سوى الراسخين في العلم وهم آل محمد، وقد أورثوا هذا العلم لخاصة أصحابه. وهو اتجاه مغالٍ، يصدق عليه مفهوم التأويل السلبي، لا تتبناه الاتجاهات المعتدلة في المدرسة الشيعية. وقد استمعت يوما لواعظ فسّر سورة قرآنية كاملة بالإمام الحسين!!!. وهذا تحريف لا تأويل. التأويل الإيجابي بحث في أعماق النص، لتحري دلالاته وإيحاءاته على أساس قدسية النص التي تعني عندي ثراء النص وخصوبته وقابليته للتأويل والحفر، خاصة أن لغة الدين لغة رمزية. فما قام به العبد الصالح يتعارض مع القيم الأخلاقية ظاهرا، فاستنكرها موسى النبي الكريم، واستغرب من تصرفاته، خاصة قتل الغلام. لكن العبد الصالح تدارك الأمر من خلال تأويل تصرفاته. والتأويل أعمق من البيان والكشف والتفصيل. هو استحضار دلالات مخفية. طبعا بناء على وقائعية القصة، ويختلف الأمر جملة وتفصيلا بناء على رمزيتها. الاتجاه الدوغمائي يتوجس من المنهج الهرمنيوطيقي، الذي ينفتح على آفاق واسعة، تعطي النص معنى جديدا، قد يحرم الفقيه من احتكار تفسيره، فهو منهج مغامر، يهدد سلطة رجل الدين، ويحد من قدرته على توظيف النص لتكريس مصالحه السياسية والطائفية.

إن التطورات الزمكانية تلعب دورا أساسا في تحديد فعلية الموضوعات، التي تتوقف عليها فعلية الأحكام. كاجتهاد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب عندما أوقف عطاء المؤلفة قلوبهم، حيث أدرك أن علة تشريع سهم المؤلفة قلوبهم ضمن موارد صرف أموال الزكاة، لتحييدهم وضمان عدم اصطفافهم مع العدو، في فترة حرجة كان المسلمون ضعفاء، والدعوة في بدايتها، تبحث عن حلفاء. لكن خطرهم قد تلاشى مع تنامي قوة المسلمين، فمنع الخليفة عطاءهم، وما عاد هناك مبرر لصرف الزكاة عليهم بنظره كمسؤول أول في دولة المسلمين، فحجبها. أو وفقا لمصطلح أصول الفقه: لم تعد هناك فعلية لموضوع حكم إعطاء الزكاة للمؤلفة قلوبهم، ومع عدم فعلية الموضوع لا فعلية للحكم. وقد تقبّل الصحابة الأمر دون اعتراضات مهمة. ولا شك قد نفّذ الخليفة قراره بمرآى ومسمع كبار الصحابة كعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وابن مسعود وغيرهم. والمؤلفة قلوبهم شخصيات لها وزنها وحضورها داخل المجتمع المدني، ويُخشى على المسلمين والرسالة منهم. المهم أن منع الزكاة عنهم مخالفة لنص مقدس: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). فتصرّف الخليفة الثاني وهو على رأس السلطة آنذاك، وبمرآى ومسمع كبار الصحابة، يدل: أن مفهوم القداسة لا يعني نهائية الأحكام والجمود على ظاهر الآيات. وهذا مجرد مثال. قد لا يصلح لتأسيس منهج عند مقارنته بموقف الصحابة من آيات القتال، وتوظيفها لتوسعة خلافتهم، حيث تصدق الدوغمائية على مفهوم المقدس. غير أني أساسا أشكك بشرعية الفتوحات كما نقرأ تفصيلاتها في كتب التاريخ، وأسجل تحفظي على فعلية آيات القتال ما بعد عصر التنزيل، لأن موضوع الجهاد كما فصلته في كتاب تحديات العنف، حماية الرسالة والمسلمين عندما كانوا قلة تريد قريش اجتثاثهم. وقد توفى النبي الكريم والمسلمون قوة ضاربة يمكنهم حماية أنفسهم كمجتمع ودولة فتية بعيدا عن التوظيف السياسي للدين. وأما الدعوة فالأصل فيها: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)، وليس الحرب والإكراه وشن الغارات. وبالتالي، فالفتوحات لا تقلل من أهمية الموضوع، كل ما في الأمر تحسب مؤاخذة ضدهم. ينبغي الرجوع للقرآن، المدونة الأولى، وعدم اسقاط سلوك المسلمين عليه، فكما اجتهدوا نجتهد وفقا لواقعنا، وما تمليه النظرة العقلية ومعطيات العلوم الحديثة.

من جانب آخر، أن العقل التراثي في الغالب ينتمي لنظرية العبودية، وهو اتجاه تتحكم فيه روايات دينية وتاريخية. تارة يختار المفسّر والفقيه منها ما ينسجم مع توجهه العقدي والأيديولوجي، فهو اتجاه منحاز بطبيعته، يضع النص فوق العقل. أو بشكل أدق يتنازل عن عقله ويفكر بعقل آخر، عقل ينتمي لظروف ثقافية مختلفة، فيبقى مرابط في العصور الأولى لا يتزحزح عنها. خاصة مع كثرة الروايات الموضوعة والمتعارضة. وهذا اللون من التفسير يرفض الخروج على ظاهر النص، فمن الطبيعي يكون النص الديني عند هكذا فقيه معطى نهائيا. وبشكل أوضح عندما يعتقد الفقيه أن النص الديني نصا مقدسا، بالمعنى الدوغمائي للمفهوم، فلا ريب أنه يعتقد بنهائية النص، وأنه معطى إلهي، يتعذر إدراك علله، ولا يجد سبيلا لفهمه سوى الروايات وأقوال السلف. والنص عنده مطلق، صالح لكل زمان ومكان.

غير أن الأمر يختلف وفقا للاتجاه الثاني الذي تحدثت عنه مرات عدة. أقصد نظرية الخلافة / الإنسان، التي ترى أن وراء الأحكام الشرعية ملاكات ومصالح ناظرة لمصلحة الإنسان والمجتمع، وما علينا سوى اكتشافها للتأكد من فعليتها. فيأتي تفسير مفهوم القداسة الجديد منسجما معها.

ثانياً – تحرير العقل:

وهو الركيزة الثانية لفهم القرآن، وقد اتضح مما تقدم أن النص الديني ليس نهائيا في دلالاته، بمعنى الجمود الحرفي على ظاهره، بل يعني ثراءه، وخصوبته التي تستدعي تدبرّه جيدا، والتأمل في مداليله ومضمراته، وما يريد قوله. أو ما يقول وما يضمر: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا). لكن ثمة ما يحول دون تدبّره، عبر عنها القرآن بالأقفال، تلك التابوات والأسيجة العقدية الموروثة التي تحول دون تدبره واكتشاف مقاصده وغاياته، كرهاب القداسة الذي يضطرك للجمود على ظاهر النص، وعدم التعمّق في مداليله. أو تلك القبليات التي تفرض عليك تحيزاتها، فتقوم بتأويل النص لصالحها، كالصراع الطائفي والسياسي الذي فرض نفسه على تفسير بعض الآيات. أو كالمثال الذي ذكرته أعلاه.

إن التمثيل بالأقفال ذات مغزى عميق ودلالة بلاغية عالية، فالقفل يحول دون فتح الباب، ومعرفة ما تخفي وارءها. وأقفال القلوب تحول دون فقه النص ومعرفة دلالاته التي حجبتها الأقفال. والقلوب هنا استعارة للعقل وأما نفس القلب فلا يفقه شيئا، غير أنه استعمال أدبي، يشير للجانب الشعوري والوجداني عادة. تستخدمه العرب لهذا الغرض. أما مركز التفكير فهو العقل، والخطاب موجه للعقل أساس إلى مركز الوعي والتفكير. ونحن نعلم دور قبليات المتلقي في فهم النص سلبا وإيجابا. وتلك القبليات هي أسيجة دوغمائية تفرض محدداتها، وما لم يهشمها النقد تؤثر على فهم النص بالطريقة التي تريدها، خلافا للموضوعية المطلوبة في فهم النص. وهذا هو معنى الأقفال التي تحجب دلالات عميقة للنص، لولا تلك القبليات واليقينيات كان من السهل على المتلقي إدراكها، فهي أقفال لأنها تحول دون إدراك دلالات الآيات. ويعزو القرآن تلك الأقفال لأكثر من سبب، منها "رين القلوب" كما في آية: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ).

فالنص القرآني نص تاريخي، صدر لمعالجة قضايا ذالك الواقع، وكانت آياته ناظرة له وما يحيطه من تحديات. أي أخذت الواقع وضروراته في تشريعها. لذا جاءت طائفة من الآيات جوابا لسؤال: (ويسألونك .. ويستفتونك). وبهذا الشكل نفهم دواعي جملة تشريعات كانت محكومة بالواقع، يعبر عنها أصوليا بالقضايا الخارجية، لأنها تشير لواقع معين، يختص به الحكم الشرعي، لايسري إلى واقع آخر، كأحكام القتال، وما يرتبط بها: الموقف من الآخر المختلف دينيا. وهذه نتائج خطيرة تقلب المفهوم السائد عن القتال مثلا، حيث تدخل الحرابة. أي محاربة الرسالة في زمن النزول فقط وفقط شرطا في فعلية أحكامه. ولا شك بانتفائها راهنا، غير أن وراء الاصرار على إطلاقها دوافع سياسية وسلطوية. وبما أن الواقع حاضر في تشريع الأحكام فيمكن فهم الأحكام وإدراك فعليتها من خلال راهن المسلمين اليوم، فقد تكون آية تشريعية فعلية آنذاك، لم تعد كذلك. لذا ينبغي مراجعة ونقد جميع البداهات التي تشكل قبليات المتلقي المسلم خاصة، وإعادة تشكيلها وفق رؤية عقلائية، تواكب وعي الفرد وتطور الحضارات، فثمة نماذج إنسانية لا يمكن تجاوزها وقد سجلت نجاحات فائقة. وبالتالي يجب تدبّر النصوص الدينية، والكشف عن ملاكاتها من خلال توظيف معطيات العلوم الإنسانية، خاصة مناهجها، بعيدا عن رهاب القداسة، التي تستغل من قبل اتجاهات سياسية وطائفية. أو بسبب سذاجة الوعي.

فبدلا من ارتهان سلطة النص، بما فيه النص الأخلاقي، إلى قدسيته، نرتهن النص إلى ملاكاته وقيمه ومضامينه الأخلاقية والإنسانية، وبهذا نستغني عن شرط الإيمان، ونتعامل مع الفعل الأخلاقي على أساس عقلي ودافع إنساني. وحينئذٍ لا يفقد النص الديني قيمته حتى مع مرجعية العقل، بل يكون معضدا له، وسبقت الإشارة إلى الأحكام الأخلاقية في الكتاب هي أحكام إرشادية لحكم العقل، الذي هو سابق على حكم الشرع. فالعقل يحكم بالحُسن والقُبح بمعزل عن الدين، سواء حكم أم لم يحكم الشرع بذلك. وهذا دافع موسى حينما احتج على قتل الغلام، باعتباره عملا يتنافى مع القيم الأخلاقية والإنسانية، وقبل أن يسمع تأويل ذلك الفعل. بهذا الشكل إذاً يمكن التخلي عن شرط الإيمان عندما نتعهد البعد الإنساني للنصوص الدينية، كمشتركات عامة، يمكن للعقل العملي إدراكها، بناء على استقلال الأخلاق عن الدين بمعنى التشريع لا بمعنى الإيمان. فذات المضمون يغدو مرجعية أخلاقية تعزز حماية الضمير كرقيب أخلاقي لتقويم السلوك الإنساني، لا فرق بين مؤمن وغيره. وهذا يتناسب مع عالمية الدين، وبدوره يمهّد لتعزيز قيم التسامح، ويعمّق الثقة عندما يشعر الآخر بصدقية المؤمن في تبنيه القيم الإنسانية، فيشعر بالأمن والاستقرار. غير أن اتجاه العبودية يفرض على النص الديني قناعاته القائمة على احتكار الحقيقة، وسبل النجاة. يقصي من يؤمن بتاريخية النص، ومن لا يعتقد بإنه معطى نهائي. وهو إيمان يعكس تراجع الوعي وجموده أو ينتمي لفهم فرضته تداعيات الصراع على السلطة، والتنافس على احتكار الحقيقة. فهذا الاتجاه يحدّ  من سعة رحمة الدين، على الضد من مبادئه: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)، (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ). فنخلص أن اتجاه العبودية يختزل النص في دائرة الإيمان، ويخضع لإرادة الفقيه وما ورثه من روايات دينية وتاريخية. الفقيه يسقط على النص رغباته الطائفية والأيديولوجية لا شعوريا، فيُهدر بعده الإنساني رغم ثبوته، وهذه خسارة كبيرة، بلحاظ الدعوة إلى هدى الرحمن، التي تتجلى أساسا في إنسانية الإنسان. ولا مفرّ من النقد وتفكيك كبرى قياس الفقيه، للكشف عن أدلتها. هل هي أدلة عقلية، أم مجرد ظنون لم تكتسب درجة العلم واليقين. وقد تكون روايات لا دليل على حجيتها سوى مقدمات يؤمن بها، كإيمانه بعدالة مطلق الصحابة أو عصمة الأئمة. إن الخطر الكبير في اعتماد مرويات تاريخية هي نتاج نزاعات سياسية وصراع مرير على السلطة، تسلب النص بعده الإنساني، وتكرسه لتعزيز رأسمالها الرمزي، ورصيدها الشرعي. وبدلا من نقده لتلك الروايات للتخلص من سلطتها، يسعى لترسيخ إيمانه بمراكمة أدلة تدعم متبنياته العقدية كالعدالة المطلة أو العصمة. فهو بطبيعته مهزوم نفسيا، يعيش رهاب القداسة ورهاب الحقيقية، ويخشى على إيمانه من كل نقد، حتى أن بعضهم يرفض التفكير والمراجعة فضلا عن ممارسة النقد. الفقيه كغيره من الناس وليد بيئته الثقافية، وحينما ينخرط بالدراسات الدينية، يختار ما يوافق موروثاته العقدية، ويسعى لتعضيد أدلته على صحتها، وغالبا ما تكون نفسية وخرافية. أي يتخلى عن نقد موروثاته، وتوظيف مهاراته في علم الكلام القديم للدفاع عنها وتكفير الآخر وإقصائه. لا قيمة لأي دليل ما لم يكن العقل حاضرا كمعيار، بما فيها النصوص المقدسة، يجب أن يدل الدليل على صدقيتها كمصدر من مصادر المعرفة. مع استبعاد الإيمان النفسي والخرافي. وعندما يقول الكتاب: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ)، يقصد محاكمة أدلتهم، فالإنسان مسؤول عن أدلة متبنياته وعقائده، (قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ). فركيزة الإيمان ينبغي أن تكون مسؤولية شخصية، وأن يكون دليله دليلا علميا. وقد صرّح الفقهاء في كتب الفتوى "لا اجتهاد في العقيدة أو في أصول الدين". أي أنها مسؤولية شخصية. لكن الفقهاء عملا يقصون من لا يؤمن بذات النسق العقدي الذي يؤمن به الفقيه، فيحرمون المخالف من الزكاة حينما يكون مستحقا، أو يحرمون أو يكرهون تزويجه وغيرها من فتاوى، لا صلة لها بالدين، سوى قناعته بأنه على حق مطلق، وغيره على باطل مطلق، وعندما يكون على حق فرأيه صواب، ورأي المخالف خطأ، فيجب اتباعه في العقيدة قبل الفتوى. ومن يراجع كتب الفقهاء يقف على أمثلة كثيرة، بل تجد الإقصاء منهجا في استنباط الأحكام الشرعية، سيما أحكام المرأة، والكافر، الذي توسعوا في حدود موضوعه ليشمل من يعارضهم في العقيدة، وعلى هذا الأساس كفر بعضهم الآخر، بلا ورع ولا تقوى، وكفروا شعوبا ومذاهب وفِرق. ولا فرق بين مذهب وآخر. ونحن نريد الخروج من العقل الطائفي وتداعياته الخطيرة لعلنا نستفيد من الطاقة الروحية للأديان، بعد أن فكر الناس بها بفعل العنف والإرهاب والتكفير وتحكم الفقيه بمصير الإنسان. لكن يبدو أن شعوبنا بعيدا تعود للعقل حيث أن مسار الأحداث اليوم أن الدين توسع على حساب العقل والعقلانية، حدَ التخلي عن أوطانهم ومصالح شعوبهم لصالح أوطان وشعوب آخرى يعتقدون بشرعيتها.

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

اعتقد ان الاخلاق وضعية و عامة.
لأن المقياس - الاستاندارد كما تعودنا ان نقول بالعامية- واحد.
لا يوجد جدل انه الدماثة و الصدق و الوفاء و الكرم.
فهي صفات انسانية محببة عند جميع الشعوب.
و هذا كان موضوعا اساسيا لأحمد أمين في كتابه فجر الاسلام.
فهو يعزو الفضائل للمكونات الشخصية. وتعارفنا على ان نسميها بكلمة الاخلاق.
تبقى الاخلاق السالبة التي تميز المجتمع او الافراد في فترات الانحطاط و والانحدار..
فالتطفل يحل محل حب المعرفة. و التنافس يحل محل التكافل.
اعتقد ان الاديان تحرس هذه الفضائل او تعيد غرسها اذا تعرضت للتدهور و النسيان.
و هو ما اسميه بالدين الاجتماعي. لأميزه عن الدين الديني و الذي يختص بأشياء نوعية. لها علاقة بالمسائل الشرعية.
الحقيقة هذا ليس تعليقا و انما اشعار انني قرأت الحوار.
شكرا..

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لدوام حضورك وتفاعلك الاخ الاستاذ الدكتور صالح الرزوق

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

يحوي الحوار جوانب خليقة النظر والتأمل
حقاً لايوجد القرآن كنصٍ تاريخي هكذا، أي ليس كمسلّمة ولا كإيمان ولا كشعار..
لكنه ضرورة لغوية ثقافية، بمعنى أننا لكي نفهم القرآن فهو لغة، وبالتالي لا تُحيل اللغة إلى (مركزية النص) لأنَّ الأخير جزء منها
لدرجة أن الفهم والكشف والتتبع لأصول التعبيرات والمواقف أشياء ترتبط بالتاريخ في كل التفاصيل مثل طبيعة الجُمل والسياق والأدلة والسرد ورؤى العالم والحياة والقدرة على معالجة العلاقات الدلالية بالواقع والحديث عن الإنسان.
إن أية قراءة للنص الأساس في الاسلام لابد أن تدرك جوانبها في التاريخ بالحتم المعرفي والعقلي وإلاَّ فإنه لا فهم من الأساس.
ولذلك فإن قدسية النص هي فعلاً( وأنا اتفق معكم أستاذ ماجد) ثراء معانيه وتأويلاته وقدراته الكبري على احتمال أية قراءات ولو كانت شديدة الغرابة والإدهاش وأنْ يقول بشكل إنساني مختلف ما لم يقله سابقاً .
وهذا تحويل لطيف وعميق لمعنى القداسة من مركزية النص إلى انفتاح القراءة بلا حدود
ولعلكم لو راجعتم كتاب تشيهيكو إيزوتسو( الله والإنسان في القرآن: علم دلالة الرؤية القرآنية للعالم)، ستجدون تفصيلاً للمسألة وكيف تحققت إمكانيات النص القرآني على رسم الأبعاد الإنسانية القادرة على التطور والتفاعل تاريخياً.
طابت أوقاتكم ودامت حواراتكم الرائعة أستاذ ماجد

سامي عبد العال
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ الأستاذ الدكتور سامي عبد العال. من دواعي السرور أن يتفاعل مع كتاباتي شخصية فكرية مرموقة، دلت عليه مقالاته القيمة الزاخرة بالوعي والفكر. المعنى الجديد لمفهوم القداسة يأتي في سياق تأسيس فهم جديد للدين، نتجاوز به ما نعاني من إشكاليات وأمهما توظيف الدين لاغراض سياسية، استعباد الإنسان، دونية المرأة والقائمة طويلة. دمت بمحبة شاسعة وشكرا لتنبهيك الى كتاب تشيهيكو إيزوتسو (الله والإنسان في القرآن: علم دلالة الرؤية القرآنية للعالم) القيم والعمق. اجدد احترامي

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5307 المصادف: 2021-03-17 01:32:14


Share on Myspace