 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (208): جوهر القداسة والأخلاق

majed algharbawi10خاص بالمثقف: الحلقة الثامنة بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

جوهر القداسة

ماجد الغرباوي: نخلص أن مفهوم القداسة الذي اعتمدته في المسألة الأخلاقية بشكل خاص، وفهم النص بشكل عام ينتمي لنظرية الخلافة / الإنسان. أو الاتجاه الإنساني في فهم النص الديني. في مقابل نظرية العبودية أو الاتجاه العبودي في تفسيره. وعلى كلا الاتجاهين تترتب فوارق تمثل جوهر كل نظرية أو اتجاه، هي خلاصة ما تقدم من بحوث:

1 - تعدد أفق فهم النص في مقابل الانغلاق على ظاهره. وبهذا الشكل نحرر النص من سلطة التراث وأحادية التفسير ونترك للعقل هامشا يمارس فيه دوره، كمعيار لتمييز "الصواب والخطأ على صعيد المعرفة، وبين الخير والشر على صعيد الأخلاق، وبين الحسن والقبح على صعيد الفن والجمال". بينما يرتهن الاتجاه التراثي تفسير النص للروايات، وأقوال السلف، رغم انتمائها لواقع مختلف وظروف مغايرة. ومن حقنا فهم النص وفقا لواقعنا وحاجاتنا وفي ضوء معطيات العلوم الإنسانية الحديثة. خاصة وأن المنهج القرآني قائم على التدبر وتحرير العقل من قيوده وسجونه وقبلياته وأغلاله التي تفرض على النص محدداته. وتختزل أفق فهمه وتفسيره، كما مرَّ بيانه وتفصيله. بمعنى أدق أن وعي النص ينتمي لقبليات تاريخية، فيختلف باختلافها. كما أن طرائق التفكير قد اختلفت، من عقل خرافي يناصب العداء للعقل إلى عقل نقدي يبحث عن الدليل والبرهان في كل مسألة من المسائل. والانتقال من علم الكلام القديم والدفاع عن العقيدة دون نقدها، إلى علم الكلام الجديد القائم على النقد والمراجعة وإثبات الدليل. أو الانتقال من الوعي الأسطوري إلى الوعي المستنير. ومن التسليم إلى النقد.

2 – تاريخية النص وارتهان حجيته لملاكاته في مقابل حجيته مطلقا لدى الاتجاه الثاني. فتساعد أسباب النزول على تحديد فعلية موضوعه التي يتوقف عليها فعلية الحكم الشرعي. بينما يكون النص عند الاتجاه الثاني مطلقا. وأما على صعيد نصوص الأحكام الشرعية فيجب معرفة تاريخ الحكم وفلسفته في عملية فقه النص، بينما هو معطى نهائي عند الثاني، فتكون مهمة المكلف الإلزام تعبدا، لا وعيا للحكم ودواعيه. لذا يقبل هذا الاتجاه أن يكون ملاك الحكم ذات الجعل!!.

3- عدم احتكار فهم النص في مقابل احتكار تفسيره من قبل رجل الدين والفقيه. وهذا لا يعني التخلي عن شروط فهم النص، بل شروطه أكثر صرامة. تتطلب عدة معرفية تمكن القارئ من فهمه، وفتح آفاق جديدة لتأويله وفهم أسباب صدوره والبيئة الثقافية والاجتماعية التي نزل فيها النص، وكيفية تطور المفاهيم تاريخيا. إضافة للتأمل الذي يدرك ما هو أبعد من ظاهر النص، وهذا القدر يحتاج لخبرة كافية تمكنه من سبر أغواره، وتقصي مداراته للكشف عن مضمراته.

4- استقلال الأخلاق عن الدين بمعنى التشريع لا بمعنى الإيمان، وأن الحسن ما حكم العقل بحُسنه، والقبيح ما حكم العقل بقُبحه. في مقابل الاتجاه الأشعري الذي يرى أن الحسن ما حكم الشرع بحُسنه، والقبيح ما حكم الشرع بقُبحه. وعلى كلا الأمرين تترتب نتيجة مهمة أن العقل وفقا للاتجاه الأول يحدد ماذا يجب أن أفعل على الصعيد الأخلاقي، بينما الشرع على الاتجاه الثاني من يحدد الموقف الأخلاقي. وقد ضربت أمثلة كافية حول الموضوع. والأهم وفقا للأول لا يمكن توظيف الأخلاق توظيفا طائفيا وسياسيا، بينما يمكن اختزالها على الرأي الثاني.

5- على الاتجاه الأول ستكون الأولوية للإنسان لا للتشريع، عكسا للاتجاه الثاني الذي يرى أولوية التشريع على الإنسان. بمعنى أدق، إمكان التضحية بالإنسان لصالح الحكم الشرعي، وهذا يبرر اقتحام الموت من قبل الحركات الدينية المتطرفة، ويبرر استباحتهم لدماء الأبرياء من أجل تحقيق هدفه، واضطهاد الآخر أخلاقيا، ولا يهمهم حجم التضحيات فأن موتاهم للجنة وهي الغاية القصوى، لأولوية تنفيذ الحكم الشرعي على حياة الإنسان!!. بينما الاتجاه الأول يرى أن وراء الأحكام الشرعية ملاكات ناظرة إلى مصلحة الإنسان، وأن فعلية الأحكام تدور مدارها، فلا يمكن التضحية بالإنسان كيفما نشاء، خاصة حينما تختلط السياسية بالدين، وتوظف النصوص الدينية والأحكام الشرعية لخدمتها، حيث تغدو التضحية بالإنسان أمرا ليس ذا أهمية!!.

 جوهر القداسة

إذاً خلاصة ما تقدم حول مفهوم القداسة: إن قداسة النص بالمعنى الجديد تعني مواربته. ونص مقدس: نص موارب.  فثمة معنى يتحدث عنه النص، يستدعي استنباطه جهدا تأويلياً، يتناسب طرديا مع رمزيته وقوة إيحاءاته وقدرته على المراوغة والتستر، خاصة النص الديني الذي يمتاز بلغته وطريقة أدائه، وقدسية مرجعياته. فالمعنى لا يعطي نفسه بسهولة، كما تعتقد نظرية العبودية أو الاتجاه العبودي في فهم الدين، ولا يكفي ظاهره دون الولوج في أعماقه لاكتشاف حقيقته. وقد لا تكفي الدلالات الثلاثة لتحديد معناه، وما يقصده ويريده، كما مرَّ مفصلا في كتاب النص وسؤال الحقيقة. فيبقى التأويل آلية منتجة لتحري مداراته وأنساقه ومضمراته. بهذا نخلص لمعنى جديد لمفهوم النص، نتجاوز به رهاب القداسة وفقا لمفهومه التراثي الذي يكرّس التفسير الظاهري والتفسير بالأثر، دون اللجوء للعقل إلا بحدود ضيقة. بينما يتصف التأويل بقدرته على اكتشاف ما يزخر به النص من ثراء دلالي، يفتح لنا أفاقا واسعة، تخدم المسألة الأخلاقية. فقد يظهر من تأويل النص ما يتنافى مع ظاهره، خاصة الآيات التي تحدد الموقف من الآخر. كآية: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ). فظاهر الآية لا يدل على الاعتراف بالآخر، بينما نستكشف من تأويل الآية والانفتاح على دلالاتها أن الدعوة إلى الكلمة السواء تتضمن الاعتراف بالآخر المختلف. وأن الاعتراف المسبق به كان وراء دعوته للكلمة السواء. ومعنا الاعتراف هنا الاعتراف بوجود مساحات مشتركة بين الطرفين تؤهل للحوار. وحينئذٍ يمكن الاستدلال بها على التسامح الحقيقي. وهذه نتيجة مهمة جدا، تكسر شوكة الداعين لنبذ الآخر، وإقصائه. بهذا يتضح أن تفسير ظاهر النص محكوم لقبليات الباحث، بينما يشترط التأويل التجرد عن تحيّظتنخت، خاصة الأيديولوجية التي تبغى استغلال النص وتوظيفه. هذا بالنسبة لمفهوم قداسة النص.

لا يقتصر مفهوم القداسة على قداسة النص الديني، بل يشمل الرموز والأمكنة. وهو مبرر سؤالنا عن معنى قدسيتها، كالأنبياء والمرسلين، التي تحظى باهتمام الناس أكثر من قداسة النص، بل يوظفون النص لتكريس قداسته، وبالفعل ساهمت النصوص في أسطرة الرموز الدينية، حداً غدا الرمز ينافس الخالق في صفاته. فالمشكلة في وعي الناس للمقدس، وقوة إيحاءاته. لا فرق بين القداسة الحقيقية والمزيفة. وهذا مكمن الخطر الذي يستدعي معالجات جذرية. فالمشكلة في وعي الناس للمقدس، وقوة إيحاءاته. لا فرق بين القداسة الحقيقية والمزيفة. وهذا مكمن الخطر الذي يستدعي معالجات جذرية.

التقديس لغة: التطهير، لا من الرجس بل تطهيرا معنويا بمعنى السمو والكمال. [.. (تَقْديسُ الرَّجُلِ: تَطْهيرُهُ وَمُبارَكَتُهُ). والشيء المقدس، شيء مبارك، يبعث في النفس احتراما وهيبة. ومكان مقدس: (فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى)..]. (أنظر: قواميس اللغة أونلاين). وفي المفردات: (التقديس التطهير الإلهي). وهذا القدر يكفي لمعرفة دلالاته اللغوية.

غير أن للقداسة كمفهوم في المخيال الشعبي دلالة مثيولوجية، تضع المقدس فوق النقد والمراجعة. وبمعنى أدق، قداسة الرمز: أسطرته مثيولوجيا، حدا يكون المفهوم عصيا على الفهم والإدراك سوى صورة هلامية، تتصف بقدرتها على توجيه الوعي. كقداسة الرموز التاريخية والآلهة في الأساطير القديمة. أو كعيسى النبي الكريم الذي جعلت منه ملتقى اللاهوت والناسوت. أي أن ذات مفهوم القداسة أعاد تشكيل الوعي بعيسى، بشكل يتحد فيه اللاهوت بالناسوت، فهو إنسان ونبي في جانبه الناسوتي، لكنه رب في بعده اللاهوتي. وهو أصدق مصاديق الأسطرة. وهكذا يتبادر من قداسة الرموز، حيث تحضر جميع التصورات والمفاهيم الدالة على الغرابة والغموض والتعالي. فثمة دلالة للمقدس في الوعي الجمعي يعجز المنطق عن تحديدها. وهناك غموض يقتضيه المفهوم. أو يفقده الوضوح قيمته الاعتبارية. فالغموض مصدر إلهام المقدس، حيث يعكس أصداء الرغبات والأوهام. وحد غموض المقدس عجز الفرد عن وصفه، فهو لغز محير، وحيرته عين قوته، وعندما تعجز الكلمات، تكون المشاعر وردود الأفعال أقوى تعبيرا عنه. فهو ليس مجرد احترام، ولا مجرد سمو وعلو منزلة. هو لغز وأسرار لا يمكن مقاربته من خلال العقل، من هنا تكون صدمة الإنسان قوية جدا عندما يكتشف بشرية الرموز الدينية، فيقاتل دون انتزاع أقنعة الوهم حفاظا على قدسيتها، لترفد الخيال بوقود رمزي ينعش تطلعاته، ويحقق جميع طموحاته وآماله. فالمقدس يتموضع داخل الشعور، وليس طارئا عنه. يقول ميرسيا إلياد: "إن المقدس هو عنصر في بنية الشعور، وليس مرحلة في تاريخ هذا الشعور" (تاريخ الأفكار والمعتقدات الدينية، ج1، ص9).

المقدس والإنسان

المقدس أول مفهوم ميتافيزيقي ينتزعه خيال الإنسان، لمقاومة تحديات قلقه الوجودي، واتخاذه مرجعية لتفسير بعض الظواهر المتعالية التي يعجز عن تفسيرها، فينسبها للمقدس وإرادته. بشكل يكون التعالي هو المقدس، والمقدس هو المتعالي. وهو أول مفهوم يتصف بثرائه وتعدد وظائفه، الدينية والاجتماعية، وما من حضارة إلا والمقدس يشكل بنية الوعي فيها، كما يلعب المقدس دورا في تعميق روح الانتماء، التي هي حاجة وجودية نابعة من طبيعته الاجتماعية، ويدخل في تشكيل هوية الفرد والجماعة. وقد يستحوذ عليها، حينما يمثل المقدس تمام هويتها، وهذا أحد دواعي تمسكه ودفاعه عن رمزيته. غير أن الإيمان بالمقدس ليس إيمانا فطريا أو تقتضيه الفطرة البشرية، فثمة طيف واسع من البشر يعيش بعيدا عن المقدس أو يكتفي بمقدسات رمزية، بعيدا عن شخصنتها وأسطرتها. الإيمان بالمقدس إيمان مكتسب تتعدد مناشئه، بين الوعي الديني والاجتماعي، فقد تكون بداية علاقة الفرد بالمقدس علاقة دينية، تعبدية. وقد يكون دافعه اجتماعيا تقتضيه قوانين الانتماء. بمعنى أدق، المقدس أحد مصاديق الانتماء الاجتماعي، شأنه شأن أي التزام يحقق مصداقيته من خلال مشاركة المجموع بطقوسه، وكل ما يؤكد إيمان المرء به. فهو أحد مقومات الهوية، وأحد مصادر إلهام الفرد والمجتمع. ولا أنفي الحاجة النفسية للمقدس مع صخب الحياة وقساوتها وفقدان الأمل في ظل تفاقم الظلم والعدوان والاستغلال واستعباد البشر بمختلف الحيل السياسية والدينية. فيبقى بهذه الحدود حاجة نفسية، ويبقى الإيمان به مكتسبا، يبدأ من البيئة والثقافة. المقدس يبدد حيرة الإنسان، ويبعث فيه الطمأنينة والسكينة، وهذا مدعاة للتمييز بين المقدسات الحقيقية. أي المقدسات التي لها ما يبرر قداستها، وبين المقدسات الزائفة التي تستغل الإنسان، وتكون الدعوة لها عملا لا أخلاقيا مدانا.

بهذا نفهم ان المقدس ليس مفهوما بسيطا يمكن إعادة تشكيله متى نشاء، بل تراكميا، عميقا تتشعب جذوره وأنساقه ومضمراته، ويتشابك مع مفاهيم ذات دلالات مختلفة، ويتموضع داخل بنية الوعي، فيكون الإيمان به إيمانا لا شعوريا عصيا عن التنازل، يتعمق كلما اشتدت الحاجة له، رغم حياديته في أصل وجوده لا في حدوثه واستمراريته، لأنه مفهوم اعتباري يعكس اسقاطات الإنسان عليه، بما فيه الجانب الميتافيزيقي، لهذا تكون قضاياه نسبية لا حقيقة لها خارج مخيلة الفرد والنص الأعم من النص الكتابي. وهذه إحدى مناشئ ثرائه، وسبب استجابته للتوظيفات السلبية. إذ لا يخفى دور المقدس في اضطهاد الإنسان وسحقه، عندما توظفه القوى الظالمة والاستكبارية والأيديولوجية لتحقيق مآربها. فيصدق أن المقدس مفهوم تراكمي مرن في استجابته لتطلعات وآمال الإنسان، وما يروم تحقيقه من خلال رمزيته. فتارة يضفي عليه صفة الكمال، وأخرى القوة الخارقة. أو الغرائبية والقدرة على التحدي. ويجمع كل هذه الصفات شعلة الأمل التي يوقدها المقدس في أعماق الفرد، فيتعلق بها، ويدافع عنها كي لا تتهاوى ويفقد الأمل الذي هو أساس حركة الحياة، والطموح الذي يسعى له الإنسان. والدليل على قوة تأثير المقدس، ملازمته للأديان بدءا من أبسط تمظهراتها في الوجود، فلا يخلو دين من المقدسات. كما أن جميع المقدسات تستدر الأديان نفاحتها، لتثري رمزيتها، وترسّخ وجودها. وتبقى الصفة السحرية للمقدس قدرته على الاستجابة لأوهام الفرد وتحليقات مخيلته. ومن يراجع تاريخ المقدس يؤكد الخط البياني التصاعدي لقدسية الرموز التاريخية والدينية. ويبقى تاريخ الأساطير مصدرا مهما للتعرف على طبيعة المقدس وخصائصه، وكيفية نشأته ومآلاته. ولعل متابعة بسيطة لتاريخ أي رمز من خلال كراماته ومن ينسب له من معاجز وخوارق، تكفي. حيث يبدأ تاريخه بأول رواية من روايات الفضائل ولا تنتهي إلا بعجائب الخوارق الكونية التي تنسب لهذا الرمز المقدس أو ذاك. ومع كل فضيل يزداد رأسماله الرمزي، وتتعمق قدسيته في نفوس أتباعه، حدا ينافس الرمز المقدس الخالق في صفاته. فليست المسألة مسألة رواية فضائل تصدر عن الرسول بحق هذا الصحابي أو ذاك. وليكن مثالنا علي ابن أبي طالب باعتباره أوضح وأشهر المصاديق التاريخية، سواء باعتباره مصداقا لآية من الآيات أو منّة وتكرّما من الرسول لمكانته الكبيرة بين المسلمين. فعندما تقترن رواية الفضائل بمؤثرات اجتماعية أو دينية، كانتساب علي للنبي، ودخوله معترك الصراع على السلطة، تصبح رواية الفضائل رواية  تأسيسية، تؤسس لوعي مفتوح، تراكمي مستقبلا، لا يقف عند حدود، والدليل الكم الكبير من روايات الفضائل التي ظهرت فيما بعد بحق علي بن أبي طالب، والتي تتحدث عن خوارقه ومعجزاته. حتى أخذت قداسته منحى غرائبيا، تجد أن ركوبه على البراق وهو يردف عمار بن ياسر خلفه، ويقطع مسافات هائلة بلحظات من أبسط قدراته الخارقة!!!. لا شك أن فائض قداسة النبي يفيض على أسرته وأهل بيته، وعلي عموده ووصيه، وهذا يكسبه قدسية كبيرة، خاصة المجتمعات العربية التي تولي النسب مكانة مميزة. لكن السؤال حول الموقف الأخلاقي من تمادي الروايات في قدسية علي؟. وكمثال آخر، وبشكل أوضح دليلا وبرهانا: لم ينسب للنبي قرآنيا معاجز كغيره من الأنبياء مثل موسى وعيسى بل اعتذر لقريش عندما طالبوه بقائمة من المعجزات: (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً). لكن إقرأ ما رواه الفريقان عن معاجزه تبقى مذهولا. وهنا يأتي السؤال الأخلاقي حول هذا النوع من القداسة، مع حساسية الموضوع اجتماعيا وعاطفيا؟.

المقدس والأخلاق

لا يخفى إلتباس المقدس الحقيقي بالمقدس الزائف. ولا يخفى دور السذاجه والجهل والأمية والأهداف الطائفية في صناعة المقدسات. سواء الرموز أو الأمكنة. فكم هي بعيدة عن الأخلاق تلك الجهود التي تغرر بالناس وتستغل بساطتهم لمختلف الأغراض السياسية والطائفية وغيرهما. وكم عدد ضحايا المقدسات في العالم؟ يكفي ما نشاهده من تضحيات لتعظيم المقدسات وحمايتها. الناس أحرار في عقائدهم، ونحن ندرس تداعيات التقديس وعلاقته بالأخلاق. خاصة المقدسات المزيفة أو التي تضخمت عبر الزمان. ما هو الواجب الأخلاقي تجاهها؟ وهل يجب علينا انتشال الوعي من لوثة القداسة الزائدة؟.

لقد باتت القداسة اليوم ملاذا لحماية المصالح الشخصية والدينية والسياسية، فطالما احتمت الحركات الدينية المتطرفة بالمقدس لشرعنة سلوكياتها العدوانية، فيصبح العنف عنفا مقدسا وهو يستبيح دماء الأبرياء. ويغدو مطلوبا بذاته رغم مقت الناس له. وقد يتقرب به مرتكبه لله تعالى، طلبا للثواب. إنه غبش التصور وتوظيف الديني لصالح السياسي. القداسة اليوم سلطة مهيمنة، ينقاد لها الناس بسهولة، مما يشكل خطرا على مستقبل الأمن والسلام حينما تتقاطع الإرادات. ولم يقتصر الأمر على العنف بل بات كل شيء مرفوض من قبل الأخلاق والذوق العام ينسب للمقدس لحمايته وتمريره، خاصة في عالم السياسة والحكم، فإن استغفال الناس أمرا مهما وليس كالمقدسة قدرة سحرية على تزوير الوعي، لمن يتجرد من القيم الدينية والأخلاقية.

وهنا بالذات ينبغي لنا تحديد شروط المقدس وكيفية فرز المقدس الحقيقي عن المقدس الزائف وفقا لهذه الشروط.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

لا اريد ان أقص الشريط لكن تبادرت لذهني فكرة.
ان النص مشاركة بين ثلاثة. المكتوب و الكاتب و القارئ. لكل من هذه الأطراف استقلاله النسبي. و القارئ عندي شرط مركب و يمكن دائما تفكيكه لاثنين هما من مكوناته و اقصد.. فعلية القراءة و افق انتظار القارئ.
بمعنى انك حين تباشر بالاطلاع على نص يكون لديك توقعات نوعية. خاصة بالكاتب الذي تقرأه و لا سيما ان كنت اطلعت عليه مسبقا. و اي خلل و عدم تطابق بين الرسالة التي تصلك و الرسالة المتوقعة يضاعف من درجة التشويش و الصداع و العذاب في الفهم.
و الكتابات الدينية حافلة بالمجاز لذلك افق انتظارها اكثر تعقيدا من الكتابات العلمية المحددة و المباشرة.
ما اردت ان اقوله نحن هنا نحتاج لتربيع المثلث و اضافة افق الانتظار للأطراف الثلاثة المشتركة في انتاج المفاهيم.
و شكرا..

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لك الاخ الاستاذ الدكتور صالح الرزوق. وشكرا لمداخلتك القيمة. البعد الرابع الذي تقترحه ليس شيئا آخر سوى تأويل النص، غاية الامر قد يختلف آفق التأويل. اي أن الرسالة المتوقعة ليس سوى أفق تأويل جديد وفقا لمعطيات جديدة، فيبقى اطراف القراءة 3. ويبقى رايك محترم. تحياتي

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5323 المصادف: 2021-04-02 02:08:56


Share on Myspace