 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (209): القداسة الذاتية والأخلاق

majed algharbawi11خاص بالمثقف: الحلقة التاسعة بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

القداسة الذاتية

ماجد الغرباوي: يمثل البعد المثيولوجي مقوما أساسا لمفهوم قداسة الرموز بالمعنى المتداول، لا فرق بين الرموز الدينية وغيرها، بهذا يصدق أن الأسطرة التي ربما تكون مجرد خرافة قاسم مشترك "مشكك" بين مصاديقها، فيكون تفاوت انطباق المفهوم على مصاديقه قدرها، وهذا يعود لمنشأ القداسة، وكيفية تجلي الرمز في وعي المتلقي، باعتبارها وليدة مخيال شعبي، وأوهام شخصية، يتحكم بها مستوى وعي الناس وثقافتهم وقدرتهم على إدراك الحقائق، وكيفية تفسير الظواهر الغريبة. لذا يتفاوت تقديس الرمز الواحد من بيئة إلى أخرى. فبعضهم تجده خاشعا وجلا وهو يطوف من حول  ضريح من الأضرحة المقدسة، لكنه غير مكترث بين يدي ربه وهو يصلي. أو يحلف بالله كاذبا، بينما يرتبك عندما يقسم بمقدساته وأوثانه المحلية. وقد حدث مرة في مدينتنا: أنْ ترافع إثنان للحاكم حول سرقة بقرة، وكاد الحاكم يحكم ببراءة المتهم لعدم كفاية الأدلة وبعد يمينه وقسمه بالله وكتابه المبين (البينة على من ادعى واليمين على من أنكر). غير أن المدعي إلتمس الحاكم أن يحلف المتهم بـ(فختاية)، وهي إحدى مقدساتهم، يعتقد أهل القرية أن الله قد حباها بكرامة، وقد دلت الآثار التكوينية على ثبوت كرامتها، ولما طلب منه الحاكم ذلك، قال: (أنْ أحلف بفختاية كاذبا فلا.. تعال وخذ بقرتك)؟!!!. فكيف يرتبك أمام مقدس شعبي لا حقيقة له سوى أوهام الحقيقة، ويكذب بالله الخالق كذبا؟. كيف وقع هذا الفارق الهائل في تقديره؟ هنا يلعب الوعي والحكايات وما يروى من شواهد دورا أساسا في ولادة المقدس، ومن ثم تكريسه مع كل حكاية جديدة، عن معجزاته، والآثار التكوينية المترتبة على الإيمان وعدم الإيمان به وبـ (شارته / حوبته) حسب اعتقادهم. لا فرق بين شخص وغيره، ما لم يتداركه الوعي، ويكف عن التفسيرات الغيبية لبعض الظواهر، خاصة البسيطة. إن قليلا من الوعي يسلب الرمز أسطوريته عبر تقديم تفسيرات علمية للظواهر الطبيعية. وهذا يؤكد أن البعد المثيولوجي للمقدس رغم قوته وإلهامه وهيمنته لكنه يبقى نتاجا للمخيال الشعبي، محكوما بظرفه الزماني والثقافي ومستوى الوعي. فانحسار العلم يقابله طغيان المثيولوجية، والعكس صحيح عندما يفتح العلم آفاقا كبيرة لتفسير الظواهر الطبيعية. وكلما تقدم العلم انحسرت الحاجة للمقدس / للغيب بل وحتى للدين؟

وبالتالي تتهاوى قداسة الرمز مع تلاشي مثيولوجيته. وتُبطلُ سحرَهُ وتوهجهَ كلُ محاولة لاكتشاف بشريته وعدم أسطوريته. فرمزية المقدس تتقوم  بإبهامه وغموضه وما يشاع حوله، وصدى إيحاءاته وهيمنته اللا شعورية، وهي هيمنة نسبية، تتحكم بها خصوبة مخيلة الفرد، وقدرته على التحليق في أفق الخيال. والعكس صحيح، وهذا أحد أسباب استماتت الخطاب الطائفي لتفادي كل تفسير بشري يسلب الرموز التاريخية والدينية قدسيتها. وهو موقف انفعالي تثيره القراءات النقدية، حيث تنتاب الطائفي نوبة قلق وارتباك لا يجد سوى الخروج عن اللياقات الأدبية والأخلاقية جوابا، بينما العقل المنفتح والروح العصية على العبودية، تتفاعل مع القراءات النقدية بحثا عن الحقيقة. وأما السبب الثاني لهستريا الردود الطائفية هي دفاعا عن المعنى الذي كان يضفيه الرمز المقدس على حياته ويعقد عليه آماله وخلاصه، ثم فجأة تتداعى آماله، فهي موقف نفسي لا شعوري يائس. إن نقد قداسة الرموز التاريخية والدينية خطوة مهمة لاستعادة العقل المخدّر وتحرير النفس من روح العبودية. إذاً، فالترحل جميع اليقينيات الصلبة لتفادي خطورتها على الحقيقة والوعي، إنها نتاج عقل مثيولوجي، مسكون برهاب القداسة. إن نقد القداسة ليس أكثر من اكتشاف بشرية الرمز المقدس، وتفسير الظواهر تفسيرا علميا لا غيبيا. وهذا ما ترفضه القراءات الرسمية للأديان، والمؤسسات الدينية التي يمنحها المقدّس شرعية وجودها، وتمارس صلاحياته المفترضة وكالة!!. إن نقد القداسة يستعيد مكانة الرموز الدينية بعيدا عن الإسفاف والغلو والمبالغة والتهويل. والحيلولة دون استغلال قدسيته ومكانته لأغراض سياسية وطائفية، وهذا هو الأخطر.

إذاً، يمكن تحديد خصائص المقدس أو العناصر المشتركة وفقا للرأي المتداول، وهي خصائص مشتركة، رغم نسبيتها وتفاوتها، بدءا من أبسط تمظهراتها، وهذا يمهّد لدراسة المقدسات وتفكيكها، للتعرف على مدى حقيقتها وبشريتها:

أولاً- الإبهام: وهي صفة مشتركة بين المقدسات، بشكل يكون المفهوم عصيا على الفهم والإدراك سوى صورة هلامية، مبهمة، غامضة، تبعث على الحيرة وتثير التكهنات، تلين له النفس وتخشع، تحسّبا لمفاجأته. وبشكل أدق، المقدس في وعي الناس لغز، لا يعطي نفسه بسهولة. مغرٍ يثير الدهشة. سرّ قوته في غموضه، وهيمنته، وقدرته على إثارة الخيال. حداً يتماهى القلب، يخشع في حضرته، يترقب، وجميعها إيحاءات نفسية لا صدقية لها سوى ما يجول في خياله من انطباعات عنه، وما يتولد عنها من مشاعر وممارسات طقسية، تتجلى فيها هيمنة المقدس. فيصدق أن الطقوس فخ القداسة. وهذا يكفي مبررا لملاحقتها وكشف حقيقتها.

ثانياً- المثيولوجيا: إذ جميع المجتمعات تتعاطى مع المقدس باعتباره كائنا أسطوريا خارقا في قدراته ومعاجزه، بغض النظر عن مصدرها، هل هو ديني أم تاريخي. غير أن الإيمان بأسطورية المقدس متفاوتة، تخضع لمستوى وعي الفرد وثقافة المجتمع. فهناك من لا يكتفي بأسطرة الرمز المقدس، بل ويبرر للخرافة رغم إيقاعها السلبي على النفس البشرية. وبالتالي الجميع يعتقد أن شخصية الرمز المقدس تنطوي على أسرار، يتعذر إدراكها، ومعرفة حقيقتها. وأنها مطعى إلهي، وهبة ربانية غير متاحة لأحد، وهي الحد الفاصل بين المقدس والمدنس. أو بين السماوي والأرضي. وعلى هذا الأساس يتقبلون كل ما يسمعونه من حكايات ومعاجز وخوارق عن الرمز المقدس مهما كانت خرافية!!. بمعنى آخر، أن نفس مفهوم القداسة يهيء النفس لتقبل ما يشاع عن الرمز. حداً لا يستبعد شيئا، وهذا الاستسلام بدوره، كما ينعكس على ذات الفرد، ينعكس على ثقافة المجتمع، وبهذا الشكل يغدو المجتمع حاضنة للمقدس بجميع دلالاته.

ثالثا- التعالي: الذي يدخل في صميم القداسة، ويكون دالا عليها. كل مقدس يتعالى على النقد والمراجعة. موصدة أبوابه سوى باب التكهن حول حقيقته وكنهه. لا لأن معرفة حقيقته ممتنعة ذاتا، بل لأنها صفة المقدس، فهو كائن ميتافيزيقي في حقيقته، فكيف يمكن للإنسان فهم حقيقته وإدراك كنه. وما الكرامات والمعاجز سوى معطى ميتافيزيقي تدل عليها آثاره التكوينية. وهي في الواقع ليست آثارا تكوينية بل أسبابا طبيعية يطمسها رهاب القداسة، ليكتفي الفرد بأوهامه وأوهام الحقيقة. لذا تتساقط تلك الكرامات الواحدة تلو الأخرى مع يقظة الوعي، ومعرفة الأسباب الطبيعية الكامنة وراءها.

رابعا – الحصانة: حيث يتناسب مستوى القداسة والتبجيل والرفعة مع حجم الحصانة الذاتية والموضوعية. الأول خصائص ذاتية تحكم علاقة المقدس بغيره وفق معادلة: مقدس / مدنس. كانتسابه للمتعالى / للخالق أو للآلهة. والموضوعية مجموع الواجبات والمحرمات التي تحدد علاقة المدنس بالمقدس وتعزز قداسته. كقوله تعالى: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى)، إضافة للحاضنة الاجتماعية. فتأتي المحرمات والواجبات لتكريس حصانة المقدس. أي أن مقوم المقدس مغايرته للمدنس أو الدنيوي، فتكون النواهي دالة على هذه المغايرة. فالتابوات أسيجة القداسة، وحصونها المنيعة. تهيء النفس للتعامل مع كائن مغاير، ميتافيزيقي. أنظر لشعيرة الحج في الإسلام مثلا، باعتبارها شعيرة مقدسة، وأقرأ عدد المباحات التي تغدو محرمات بعد ارتداء ملابس الإحرام. جميعها ينفي تجانسه مع الدنيوي. فيباغت الحاج شيء من الرهبة والخشوع وهو يمضي في خطوته التالية / التلبية. فهذه الخطوات من شأنها رسم صورة المقدس في ذهن الحاج. ولو كان الحج مجرد سفرة سياحية، يفقد قدسيته، بينما تنتاب الحجاج مشاعر روحية، وفيض من الروحانية، كانت شعائر الحج منذ بداية الميقات تهيئ لها. وقد عززت الآيات قدسية الحج بتشريعات جزائية لمن يخالف شروط الحج أو يهتك حرمته من خلال سلوك مغاير للفريضة الدينية. وبالتالي تأتي التشريعات لتعزيز قدسية المقدس وفق معادلة: مقدس / مدنس. مقدس / دنيوي. وهي معادلة تعكس عمق المغايرة بين المقدس والمدنس. بمعنى أدق ثمة مغايرة جوهرية بينهما.

إن هذه الخصائص لا تنفي غيرها، لكنها تمثل معالمها الرئيسية، ويمكن للباحث دراسة أبعاد أخرى لظاهرة المقدس. كرمزية المقدس التي يمكن أن تكون عنصرا مشتركا. لكن الأهم أن كل واحدة منها تؤثر في الموقف الأخلاقي. كيف نفسر انقلاب الحقيقة وأثرها النفسي على المتلقي أخلاقيا؟.

مناشئ القداسة

إن سلطة الرموز المقدسة تبرر السؤال عن مصدرها. هل هي ذاتية أم مكتسبة؟. دينية أم دنيوية؟.

هذه الأسئلة وغيرها تساعد على تفكيك المقدس بعد تحديد مصدر قدسيته وشرعيته. من خلال الكشف عن بشريته، وتحديد مدى حقيقته. خاصة الجانب المبهم في المقدس، ذلك الغموض الملهم الذي يلفه، والذي يمارس حضوره كمرجعية ميتافيزيقية وراء معطى القداسة التي يسبغها على الرمز الديني أو التاريخي. فرهاب القداسة يرتهن لحل لغز المقدس وما ينطوي عليه من أسرار أو ما يوحي به من إيهامات. وهذا يقتضي نقد محمولات المقدس لسلب الرمز سلطته، وتنكشف غشاوة العمى عن عيون الناس. بهذه الطريقة يفقد المقدس هالته السحرية، ويتحرر الضمير الأخلاقي من سطوته. وهنا يلعب المنهج التاريخي دورا اساسا لتحري تاريخ المقدس، بدايته، مراحل تطوره. كما لو دلت البحوث التاريخية عدم انتساب رمزا من الرموز الدينية للعائلة المقدسة التي هي مصدر قداسته. أو حينما يكتشف الباحث الحكاية الأولى لتاريخ المقدس، فقد تكون مجرد خرافة، تطورت بفعل الحاجة للمقدس، فتجد كثيرا من الشعوب يعكفون على مقدسات، كانت بدايتها مجرد قصة خيالية أو وهم استبد بالقوم ثم راحت تتطور مع مرور الزمان. خاصة حينما ترتبط بالمقدس مصالح سياسية. فالجانب المبهم هو المدخل لتفكيك المقدسات، وبيان ما هو حق وما هو باطل. فثمة تداعيات كبيرة تترتب على القداسة، تتعارض مع القيم الأخلاقية، حينما ترفع الرمز فوق النقد والمراجعة دون حق، وتصبح آراؤه أحكاما نهائية ملزمة. وهذا يدعو لتقديم معنى آخر لمفهوم القداسة، يخرج به من المعنى المتداول الذي فرضته إما سذاجة الناس أو تزوير الوعي. الأول يخص المراحل الأولى من حياة المجتمعات البشرية، وكل مجتمع لا يملك مقومات الثقافة والوعي. وأما تزوير الوعي فهي جهود منظمة مقصودة تحت دوافع دينية أو طائفية أو سياسية، تنسج حكايات وقصصا وكرامات، ترفع من شأن الرمز الديني، ليرقى إلى مستوى القداسة بمفهومها المتداول الذي يعني تعاليه فوق النقد والمراجعة. ويسعون إلى تغييب العقل من خلال الطقوس والمناسبات المرتبطة به.

قداسة ذاتية

بدءا نقول أن القداسة نوعان، ذاتية ومكتسبة:

القداسة الذاتية تختص بالخالق الحقيقي، سواء بالمعنى المتداول لمفهوم القداسة أو بالمعنى الذي سنقدمه. فهو حقيقة متعالية، كلي القدرة والإرادة. مبهم، غامض حد الجهل بحقيقته وكنهه. موحٍ، لمّاح مهيمن، فهو: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ)، وقد حارت بكنهه العقول، ومازال الجدل وسيبقى لمعرفة حقيقته، لكن دون جدوى لوجود مغايرة جوهرية حقيقية، وليست مجرد دعوى. وهذا لا يتنافى مع شرط الإيمان في تصديق وجوده. نحن بصدد ضابطة عامة: لا تصح القداسة الذاتية إلا من اتسمت به صفات الكمال المطلق، وهو مختص بالخالق تعالى. وإذا كان هناك مفهوم للمقدس في مقابل المدنس فهو منحصر به، دون غيره: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ، هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ). فقداسة الخالق ضرورة ذاتية، لأنها مقتضى تعاليه. فهو مقدس بالضرورة. لا تتوقف قداسته على جعل أو إفاضة من الغير. فيكون هو مصدرها، يفيض قدسيته على من يشاء. وعليه فانطباق مفهوم القداسة عليه حقيقة لا مجازا.

ويلحق بالخالق الآلهة في أساطير الأولين، رغم تعددها، لا باعتبارها حقيقة، بل لأن القداسة مقوّم لمفهوم الإله. سواء كان إلها حقيقيا كالخالق أو مفترضا كآلهة الحضارات القديمة، بل جميع الآلهة وفي جميع الأديان، شريطة أن تكون متعالية، ذات بعد ميتافيزيقي، وإذا كان ثمة كلام حول صديقتها، فبسبب تعددها، لتنافي التعدد مع الوحدة. والخالق الحقيقي واحد أو لا يكون كاملا، فيكون حادثا ويحتاج إلى خالق. فالمفهوم المتعالي هو المقصود أولا وبالذات، حتى ولو تجسد في موضوع خارجي، كالأصنام والأوثان التي هي  مجرد إشارة حسية لمفهوم مفارق، متعالٍ، وهو المفهوم المرتكز في أذهان الناس. وهو بلا شك مفهوم ميتافيزيقي. وهذا هو المتبادر من مفهوم الإله. وعلى أساس هذا التبادر يتم التعامل معه من قبل المؤمنين به، وفرز المقدس عن المدنس. بل يصدق أن تمام حقيقة مفهوم الإله في المجال العام قدساته، لذا تنهار باكتشاف زيفه. وبالتالي فإن مفهوم القداسة هنا ينطبق على مصداقه، لأن صدق المفهوم لا يتوقف على وجود المصداق، بل يمكن انتزاعه من صورة ذهنية. وهنا نحن ننظر لذات مفهوم المقدس الذي هو مقوم لمفهوم الإله، بغض النظر عن مصداقه الخارجي. فتارة يكون المصداق مصداقا حقيقيا كما بالنسبة لواجب الوجود، الذي يمكن الإشارة له من خلال مخلوقاته وبديع آياته ونظام خلقه. أو يكون مفترضا يعكس إسقاطات الإنسان عليه، كالآلهة المصطنعة. والكلام على مستوى المفهوم سواء هناك من يؤمن بوجود خالق حقيقي أم لا. نخلص أن الإله هو المصداق الوحيد للقداسة الذاتية. وما عدا ذلك تكون القداسة مكتسبة، ونسبية.

 

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

توجد هنا كلمتان مفتاحيتان.
الاولى الميثولوجيا. و هي جزء من التفكير المساند الذي يرمم عجز الانسان و نقصانه امام جبروت القوة الطبيعية الغامضة. و برأي جوليا كريستيفا الاسطورة هي وعي بشري ناقص بهدف لا يمكن بلوغه. لكنه وعي ذاتي و ليس ادراكا معرفيا.
و الصفة الذاتية هي المفتاح الآخر.
برأيي كل العقائد لها جانب ذاتي. و بالأخص العقائد المجردة التي لم تدخل في وعي قانوني مع تنظيم الحياة.
بمعنى ان النظام يضع الانسان بين محددات للعقاب و الثواب. و يجبره على الدخول في سياسات ربما لا تلبي رغباته النوعية. و انما رغبة وضعية تتحرك من خارجه. و هذا ما يزيد من درجة احساسه المضطرب بالضعف و الاستلاب و العزلة و الخوف...
بينما الايمان الشخصي فهو آلية ذاتية يدافع بها الانسان عن هشاشته امام رعب العالم و المجتمع. عن كل شيء يدخل بعداد الآخر و الغير او ما ليس هو أنا.
و بالتالي يتجنب الأخطاء كي لا يندم على ما فرط به.
و ينتظر ثوابا مؤجلا يساعده على الحياة و مصاعبها.
و من هنا تنشأ الدوافع الذاتية للاستقامة و الخير..
انا طبعا لا أضيف شيئا على ما ورد بالحوار اننا احاول اتفاعل معه و شكرا..

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

كل مداخلة علمية هي اضافة، تنير فضاء البحث. شكرا لدوام متابعتك وتفاعلك الاخ الاستاذ الدكتور صالح الرزوق. احترامي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الاستاذ ماجد الغرباوي على هذا المقال الرائع المتعلق بالمقدس و شكراً للدكتور صالح الرزوق على تعليقه. و احب ان اضيف التعليق التالي:
ان الذي يتمعن في الرسالة السماوية يلاحظ ما يلي:
1- مركزية الرسالة السماوية تعود الى الله فقط . اي بمعنى آخر ان الله هو المتعالي و هو "المقدس" وحده و لا ينافسه احد حتى الانبياء في كل الامور. ان آيات القرآن وضعت حداً فاصلاً بين "السماوي" و "البشري" بشكل جلي. و هذا معناه ان كل المخرجات الدينية الاخرى ماعدا "القرآن و هو "كلام الله" هي انتاج بشري و قابل للنقد و للمراجعة. و هذا واضح بشكل جلي من الايات القرآنية.
الرسول بشر مثلنا
الكهف 110
قل انما انا بشر مثلكم يوحى الي انما الهكم اله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه احدا
فصلت 6
قل انما انا بشر مثلكم يوحى الي انما الهكم اله واحد فاستقيموا اليه واستغفروه وويل للمشركين
الايتان اعلاه تشيران الى نقطتين مهمتين جداً و هما "بشرية الرسول" و"مركزية الرسالة و عودة امورها كلياً الى الله فقط لا غيره ابداً ابداً". انها توضح من ان الرسول هو بشر مثلنا و كلنا يجب ان نتجه الى عبادة الله مباشرة و لا نشرك به احداً.
و هذا واضح بشكل جلي من الاية التالية:
الانعام 153
وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون
الاية اعلاه هي "وصية الله للمسلمين بأتباع كتابه فقط" لكي لا "نفترق عن سبيله" . حيث تنص على كلمة "وصّاكم".
2- الله و الرسول و مركزية الدين الاسلامي و عودة اموره الى الله فقط لا غيره و ليس الى الرسول و لا غيره من اليشر . تعالوا معي نتفحص الايات التالية و المتعلقة بأسئلة المسلمين للرسول و غيرهم في وقت نزول الرسالة عليه. انها توضح بشكل جلي الحد الفاصل بين "السماوي المقدس " و "البشري". انها توضح من ان الرسول لا يعلم شيئاً عن الاجوبة و ان الله هو الذي "يوجهه". و هذا واضح من "تكرار كلمة قل" على الرسول في كل هذه الايات المتعلقة بالاسئلة الموجهة له من المسلمين و غيرهم. ان الاجابة من "الله مباشرة على الاسئلة و ليس من الرسول". ان هذه الحالة تشبه حالة المعلم في توجيه او ارشاد تلميذه و يقول له ""قل"" على كل سؤوال يسألونك به.
الاعراف 187
يسالونك عن الساعة ايان مرساها قل انما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها الا هو ثقلت في السماوات والارض لا تاتيكم الا بغتة يسالونك كانك حفي عنها قل انما علمها عند الله ولكن اكثر الناس لا يعلمون
الاسراء 85
ويسالونك عن الروح قل الروح من امر ربي وما اوتيتم من العلم الا قليلا
البقرة 215
يسالونك ماذا ينفقون قل ما انفقتم من خير فللوالدين والاقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فان الله به عليم
البقرة 189
يسالونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بان تاتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى واتوا البيوت من ابوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون
البقرة 219
يسالونك عن الخمر والميسر قل فيهما اثم كبير ومنافع للناس واثمهما اكبر من نفعهما ويسالونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الايات لعلكم تتفكرون
البقرة 217
يسالونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل ---------الخ.
المائدة 4
يسالونك ماذا احل لهم قل--------الخ.
النساء 127
ويستفتونك في النساء قل --------الخ.
الايات اعلاه نماذج فقط و توجد آيات اخرى. يمكن ملاحظة توجيه الرسول من قبل الله للاجابة على الاسئلة بكلمة "قل". و هي كلمة "توجيهية" للرسول. و هذا يدل على الحد الفاصل بين السماوي و البشري. و هي مركزية الرسالة و عودتها الى الله فقط و ليس للرسول.
3- مركزية السماء و التوجه لها فقط لا لغيرها لطلب كل شيء. و السبب لان علوم "الغيب و الشفاعة و الرزق و المغفرة --------الخ" تعود الى الله فقط لا لغيره و هذا واضح من آيا القرآن.
الحجر 49
نبىء عبادي اني انا الغفور الرحيم
الاية اعلاه تشير الى ان الله هو الغفور الرحيم و ليس غيره. و هي تؤكد الفاصل بين البشري و السماوي.
البقرة 186
واذا سالك عبادي عني فاني قريب اجيب دعوة الداع اذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون
الانعام 59
وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها الا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة الا يعلمها ولا حبة في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس الا في كتاب مبين
ان الله يردنا ان نتبع كتابه و نتأمل به بأستعمال "عقولنا" لا "عاطفتنا". و ان الاية ادناه تنطبق على اغلب المسلمين.
الانفال 22
ان شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون
4- لا فائدة لدين لا نستطيع ان نفهمه و هو بلغتنا. و ان القرآن يؤكد بشكل صريح و واضح على مركزية الدين و عودة كل اموره الى الله و يجب ان نستعمل عقولنا في فهم مغزاه . ان الله هو المقدس فقط و له قدسية ذاتية. انه امتياز لصاحب رسالة السماء.
5- ان الامور التي اضيفت الى الدين بعد اكماله في زمن الرسول هي ضياع للمسلمين و تفتيت لدينهم. القرآن لا يشير الى رموز مقدسة و فقهاء و رجال دين . كل هذه الامور اربكت المسلمين و اتعبتهم.
حالياً لا يوجد دين سماوي كما اراده الله و انمّا توجد اديان من خلق البشر و اصبحت تجارة مربحة في كل المجالات السياسية و التجارية و غيرها من الامور. ان التهويل و الاساطير التي تروى عن فضائل الرموز الدينية و مقدرتهم والتي تفوق قدرة الله و البروبوغاندا الاعلامية اصبحت رائجة في وقتنا الحالي. و هنا تنطبق علينا الاية التي ذكرتها اعلاه و اعيدها مرة اخرى هنا و هي:
الانفال 22
ان شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون
آسف على الاطالة. و شكراً مرة اخرى و مزيداً من المقالات التنويرية.
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

ثائر عبد الكريم
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لتعليقك اخي العزيز الاستاذ ثائر عبد الكريم. وشكرا لاستشهاداتك القرآنية. اتمناك بخير وعافية. مع احترامي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

مقال راق كعادة الأستاذ ماجد الغرباوي. يثير قضايا على قدر من الأهمية. الميثيولوجيا أو ما سمي الإسرائليات (بمعنى أسطرة الديني) شيء والمقدس شيء، والدغمائية التي ترتبط بفكر معين وتلتبس به شيء آخر. هذا الخلط هو ما سبب فهما خاطئا للدين. هناك العديد من الأساطير الدينية التي اكتسحت الاعتقاد العربي القديم وذلك أدرج ضمن الصراع بين الأديان في مرحلة تاريخية كانت الأيديولوجيا الدينية جوهر ذلك الصراع، وهو ما حدده الدارسون وعرفوه بالاسرائليات. وهذا الاعتقاد أثار حفيظة الفكر النقدي وأثبتوا قصوره، وربما كان القدامى أقدر من بعض المحدثين في فهمهم لسعة ثقافتهم التي تجمع بين مجالات عديدة. الإشكال أننا أمام شقين متنازعين أحدهما متعصب إلى التراث الفكري القديم فينظر إلى الأمور نظرة دغمائية وثوقية من كل ما جاء به التراث الفكري القديم وتعويله في ذلك كل العويل على المنقول ويعتبر أن ذلك هو المقدس، والآخر ينفي المقدس وفي اعتقاده أن ذلك من صميم النزعة العقلية التي وجب الاحتذاء بها في الفكر الديني. المقدس هو الغيبي الذي لا ندركه إلا بالحدس، بالقلب وذلك هو الإيمان بالتوحيد وما نزل ولكن ما أُول ملك للعقل، وهو الملكة الوحيدة التي نميز فيها بين الأمور. وما يعجبني ويشدني في كتابات الغرباوي هو ذلك التوفيق بين المقدس والعقلاني. وقد ندرك المقدس بالعقل وقد نؤكد على أهمية العقل بالمقدس. ولم يخلق الله العقل والفكر إلا لنميز بين الحقيقة والجهل. مشكلة البعض أنهم تجاوزوا المقدس الحقيقي ليخلقوا مقدسات من صميم اعتقاداتهم.

Khira Mbarki
This comment was minimized by the moderator on the site

مداخلة قيمة، من باحثة وناقدة جديرة تشهد لها دراساتها النقدية. ما يعجبني في تعليقات الاستاذة خيرة مباركي تفاعلها الحقيقي مع المقال، لا تكتفي بالتفاعل الشكلي ما لم تضف شيئا مما يؤكد عمق الثقافة التي تتمتع بها. خالص الاحترام لبهاء حضورك وجمال قلبك الاديبة المبدعة

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ المفكر الغرباوي تحية طيبة وسلام

شكرا لهذا المجهود
في الجاهلية يقدسون الحجر واليوم يقدسون البشر
فماذا اضاف الاسلام .

ابو سجاد
This comment was minimized by the moderator on the site

نعم يعيدون انتاج المقدس وفقا لمقاساتهم. تحياتي لروحك الطيبة الاستاذ العزيز ابا سجاد رمضان كريم

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5331 المصادف: 2021-04-10 04:07:26


Share on Myspace