 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (214): مديات النص والأخلاق

majed algharbawiخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة عشرة بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

رهانات الدين

ماجد الغرباوي: نستعرض الآن مديات النص الديني، الذي هو أول رهانات الدين، في تقويم سلوك الإنسان ورعاية ضميره، والحيلوله دون موته. وبشكل أدق ما هي رهانات النص بما هو نص في إحياء القيم الإنسانية؟ وما هي تأثيراته على المتلقي:

الرهان الأول: النص بما هو نص

ذات النص بما هو نص يعد رهانا أساسا يعوّل عليه في تحقيق رسالة الدين. وهو كغيره من النصوص يختص بلغته وتقنياته، بدءا من بناء النص وأسلوبه ورمزيته ودلالات سياقه وقدرته على البيان والإيحاء والاقناع وكيفية توظيفه لأدواته في البديع والبيان والمجاز والاستعارة. كما يرتهن تأثيره للمخاطب وثقافته ووعيه. ويستمد سلطته من قدسيته وتعاليه وانتسابه للمطلق أو الخالق. وهنا ينبغي التمييز، يمكن تناول النص بمعزل عن مؤلفه، لاكتشاف إيحاءاته ومضمراته، وما يبدي ويخفي من دلالات، وإحالات مرجعية، مهما تعالى. لكن لا يمكن تجاهله عندما يتعلق الأمر بتحديد سلطة النص، لتوقف حقيقتها وفعليتها على معرفة مصدره. وهذا يختلف تبعا لزاوية النظر، ومضمون النص، وما يريد أن يقوله ويؤسس له. فالمؤلف يلعب دورا أساسا في تكوين سلطة النص. (كتاب النص وسؤال الحقيقة، ص 15). وعندما يستهدف النص الديني البنية الشعورية للمتلقي بالترغيب والترهيب يراهن على مصدره وقوة حضوره في وجدانه. وتظهر قيمة مصدر النص أكبر في النصوص الدينية والميتافيزيقية، ويكفي أنك تعرف أن النص آية قرآنية للتراجع عن فهمك وبعض قبلياتك، وتصوراتك، لتدور في أروقة المقدّس، ومداراته ومرجعياته. بل قد تتخلى عن قناعاتك أو بعضها. فمصدر النص سلطة تجبر المتلقي على الاستجابة لهيمنته. وبهذا تتضح قوة تأثير الروايات النبوية، رغم ضعف بعضها، لكنها مؤثرة، تستمد سلطتها من سلطة مصدرها، الذي يستمد بدوره السلطة من نبوته، واصطفائه من قبل الله تعالى. فقدسية المصدر وسطوته حاضرة خلال سماع الرواية. (المصدر نفسه، ص17). نخلص أن إيقاع النص بما هو نص يؤثر في وجدان المتلقي، خاصة لغته، وما تتمتع به من بلاغة وجزالة ورمزية وقوة إيقاع من هاله سحرية يخشع لها السامع لا شعوريا.

تقدم أن وظيفة النص الديني تارة إقناع المخاطب نظريا بعقيدة التوحيد (وجود الله ووحدانيته)، عندما يستفز عقله بأسئلة وجودية حول خلق السماوات والأرض والإنسان. وأخرى يسعى لتكوين قناعة نفسية، تتحكم بإرادة الفرد. وتتجلى بوازع التقوى والخشوع والرهبة. وهو هدف الأديان جميعا لردم الهوة السحيقة بين الغيب والشهادة. ذلك العالم العصي على الإدراك سوى تمثلات ترتهن لخصوبة الخيال وقدرته على التحليق في مداراته، حتى بلغ عدد الآيات التي تتحدث عن عالم الآخرة قرابة ثلث الكتاب. فالنص غير قادر لوحده على اثبات عالم الغيب لتعذر إدراكه والاستدلال عليه، فترتهن حقيقته (الملائكة والجن والجنة والنار) للنص والفضاء المعرفي للفرد. بهذا يتضح حجم تأثير النص في تكوين حقيقة المقولات الغيبية. فكلما كان إيقاع النص أقوى كلما تعمق إيمان الفرد، لذا أوصى الكتاب بالخشوع والانصات والاستماع  عند قراءة القرآن، (وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، كي تنفذ موسيقا نسق الكلمات لأعماقه. من هنا جاء التأكيد على الاستعاذة قبل القراءة، لتهيئة القلب للتلقي الخاشع، وتنقيته من الوساوس. ويرمز الشيطان هنا للريبة والشك: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ). وهذا يضر بالإيمان الذي هو قناعة نفسية بطبيعته. كما تجد آيات أخرى تظهر أهمية وعظمة الكتاب: (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، لتلفت انتباه الناس. وقد صورت بعض الآيات حال المؤمنين وهم يصغون لآيات الكتاب، لتعكس لنا مدى تأثير النص على النفوس المؤمنة: (وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا). بل واعتبر الخشوع دليلا على الإيمان: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ). وجميع الآيات جاءت لترويض النفس وتهيئتها لتَقِبل على القرآن بمشاعرها وروحها، لا بعقلها الذي سينشغل بالأسئلة والاستفهامات ويفسد عليهم لذة الإيمان وحلاوة الخشوع. من هنا نفهم سبب التأكيد على الجانب الروحي في الأديان، فإنه رهان الإيمان النفسي الذي به تقهر وساوس الشيطان، ويمضي المؤمن على بينة من أمره. فليس الإنسان عقلا مطلقا، بل أحيانا تقوده مشاعره وعواطف لمواقف تخالف العقل، مما يؤكد هيمنتها على وعي الإنسان وسلوكه.

وإذا كان الحس الموسيقي للغة قد تلوث بالنسبة لنا فإن جيل الصحابة كان يصغي بكل جوارحه، وينفعل حد البكاء وهو يسمع آيات النار تحطم غروره، ويشتاق للجنة وهو يستعرض آياتها، كل هذا بفعل اللغة وقدرتها على تحريك المشاعر وتجسيد المعاني ورسم صورة مذهلة ومؤثرة من خلال قوة إيقاع النص. فإن إحدى صفة النص القرآني هالته السحرية المؤثر عندما تغصغي له النفس من أعماقها. وكمثال على التصوير الفني للنص القرآني نتلو بعض آيات من مشاهد يوم القيامة. قد لا يتفاعل معها العقل، بينما تصبو المشاعر لصوره البلاغية:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ).

(وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ، وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ، يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ، مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ، خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ، ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ، إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ، وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ، لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِؤُونَ). هذا الوصف المذهل ليوم القيامة عبر صور متلاحقة، تجسد هول ذلك اليوم.

(فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا، وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا، مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا، وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا، وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا، قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا، وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا، عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا، وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا، وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا، عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا، إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا). هذه مقاطع من مئات المشاهد التي استعرضها الكتاب.

ما أريد قوله أن النص بما هو نص له ديناميته وقدرته على الإقناع من خلال اللغة، خاصة ما يميز القرآن ولغته وروحه التي تسري في جميع مفاصله، وقدرته على شد الإنسان للغيب وتوجيه وعيه. وحينما يتمكن النص من إرادة الفرد لا تتزعزع ثانية، مازالت مشدودة لعالم آخر، عالم الغيب، للخالق المطلق المتعالي. غير أن قناعة النص كما تقدم مشروطة بالإيمان والإذعان، وما لم يتحقق هذان الشرطان، لا يؤثر النص حداً ينقاد له القارئ. قد يشكل النص قناعة عقلية لكنه لا يصل حد الامتثال والانقياد الطوعي. وأضيف لهذين الشرطين: بنية العقل والبيئة الثقافية، وطريقة تلقي النص. وهي خمسة شروط شعر بها المتلقي أم لا فإنها تعمل متشابكة لارتهان قناعته وإرادته. وبشكل أدق، إن أحكام العقل تتوقف على وجود دليل يستدل به على موضوعه. وعالم الغيب لا دليل عليه من العقل، ولا يمكن إخضاعه للتجربة، ويبقى الدليل الوحيد هو النص، الذي يستمد قدسيته من قدسية الكتاب. فيلزم الدور لتتوقف صدقية النص على النص. وعليه يكون الإيمان مهما كانت مناشئه مقدما على تصديق إخبارات النص، لذا تؤكد الآية أن هدى القرآن يتوقف على وجود الإيمان والتقوى: (الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). ولا شك ثمة عدة مناشئ للإيمان، وهناك مجموعة عوامل نفسية وثقافية تلعب دورا في ترسيخه. وما لم نعترف بهذه الحقيقة فكيف نفسّر عدم قناعة غير المؤمنين به؟. وقد أشارت تكملة الآية المتقدمة لهذه الحقيقة حينما قالت: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ، خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ)، وسبب الختم هو العناد والكفر، وليس مجرد إرادة إلهية. أو أنه تحصيل حاصل للسنن الهداية. وهذه الآية تقع في مقابل الأولى. مما يحفز لمعرفة مناشئ الإيمان، مادام النص بمفرده غير قادر على تشكيل قناعة المتلقي بمضمونه، إذ ثمة عوامل ساعدت على تشكيل قناعته. وهي كما ذكرت بنية العقل والبيئة الثقافية وطريقة تلقي النص. ولا بد من توضيح هذه النقاط لنعرف صدقية رهاناتنا على النص الديني لتقويم سلوك الإنسان وحماية ضميره. وهنا يجب التفريق بين الرعيل الأول، رعيل صحابة الرسول، أول من طرق أسماعهم القرآن، وقد انحدروا من بيئة اتصفت بتعدد الآلهة وعبادة الأصنام والأوثان والشرك بالله، لا يؤمنون باليوم الآخر أو لم يتقبلوا فكرته فكان هدف أكثر الآيات التي استعرضت مشاهد يوم القيامة تشكيل قناعة باليوم الآخر: (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ، أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ)، (قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ، لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ). وهذه الآيات تؤكد ما نقول. وبالتالي لم تستطع النصوص رغم وفرتها من تشكيل قناعة مطلقة بمضمونها، غير أنها استتبت بمرور الأيام، ضمن شروطها، لذا تختلف قناعة الأجيال اللاحقة باختلاف العوامل البيئية والثقافية. فهي قناعة تاريخية موروثة تتعررمعهم، ما لم تتشكل قناعة جديدة وفق أدلة مغايرة. وهذه العوامل، هي:

1- بنية العقل:  

ثمة فوارق بين العقل النقدي والعقل الخرافي، تنعكس على إيمان الفرد. الأول: عقل يقظ، متوثب، صارم، لا يستجيب للخطاب العاطفي. يرفض التسليم ما لم يدل الدليل على ثبوت أو نفي المطلوب. وقد خاطبته النصوص من خلال بدائع الخلق، وطرح الأسئلة الوجودية. وطالبته بالتفكير والتحري الموضوعي. فهي لا تملي عليه رؤيتها الكونية للوجود والعالم، بل تضع بين يديه أدلة تفضي لإيمانه بوجود الخالق ووحدانيته وليس أكثر من ذلك. وأما الإيمان باليوم الآخر، وعوالم الغيب، فتحتاج لخطابات مختلفة تولد لديه قناعة تورث التقوى وهو ما تطمح له النصوص لحماية ضمير الإنسان، وضمان توازن المجتمع أخلاقيا. بينما العقل الخرافي، عقل ساذج، دوغمائي، يستثقل التفكير، والنقد عليه أثقل. تستدرجه الخرافات حد الإذعان. مسكون بالغيب وبوجود عوالم خارقة. يؤمن بتأثير الجن والشياطين، لا على أساس أدلة وبراهين، بل مجرد إيمان موروث، يرتكز لحكايات وغرائبيات لا واقع لها سوى أوهام الحقيقة.

نخلص، إن العقل التراثي أكثر استعدادا للإيمان بوجود عوالم غيبية، وهذا يمهد للإيمان بالله وباليوم الآخر. عكسا للعقل النقدي الذي يرتهن إيمانه للدليل والبرهان. وهنا لا أنفي المصالح الاقتصادية والاجتماعية والدينية التي كانت وراء مقاومة الرسالة الجديدة، غير أن الحديث هنا عن خصوص العقل والتفكير العقلاني، ومدى تقبله لفكرة اليوم الآخر، مع وجود بيئة دينية لا تؤمن به إلا القليل، كأهل الكتاب والأحناف، بشكل ما ليس بالضروة أن يكون مطابقا لإيمان المسلمين. وعليه فإن العقيدة الإسلامية انتشرت في وسط مؤهل للإيمان بوحدانية الله، ثم بشكل تدريجي ومن خلال خطابات الوعيد وبعض الاستدلات العقلية ترسخت فكرة اليوم الآخر. حتى كانت تلهبهم حدَ الاستماتة دفاعا عن عقيدتهم، وطمعا في اليوم الآخر.

2- البيئة الثقافية:

ثمة معالم تميّز البيئة الثقافية العربية قبل الإسلام، لها دور في استتباب الإيمان بالعقيدة الجديدة، أهمها:

تعدد الأديان: حيث تعايشت مجموعة أديان توزعت بين عبادة الأصنام والأوثان وعبادة الكواكب والنجوم وعبدة الجبت والطاغوت، وأهل الكتاب، وهناك المؤمنون بوجود الله وهم الأحناف على ملة إبراهيم الخليل. وهكذا خليط ديني يخلق أجواء تفاعلية تسمح بطرح أفكار دينية جديدة.

الشعر: المعروف عن الثقافة العربية قبل الإسلام ظاهرة الشعر وكثرة الشعراء، والحديث عنها يطول. فالعربي بطبيعته يميل للشعر ويسرح مع الخيال، وتسكره الصور الشعرية، وتستدرجة غرائب الحكايات بعيدا، حدَ التسيلم اللاشعوري. وهذا عامل ثانٍ يؤهل لقبول فكرة اليوم الآخر، باعتبارها غيبا مطلقا لا دليل عليها سوى النص القرآني، وعليه تقوم مسؤولية إقناع الناس بها. أي كما أن بلاغة الشعر وقوة صوره الشعرية تتناسب أكثر مع خصوبة الخيال وقدرته على التخيل، فإن هذه الصفحات تسمح لك بالعبود من العالم المادي إلى العالم المجرد، مما يسمح بقبول فكرة اليوم الآخر الذي يحقق فيه الفرد أمنياته، بعد عناء الحياة ومتاعبها، خاصة المحرومين والمعذبين.

النبوءات والكهانة: إذ كانت تتفشى ظاهرة النبوءات والكهانة في الوسط العربي، مما يؤهل للنبوة السماوية والتأمل في حقيقتها قياسا على الوضع الثقافي السائد. فكان الكهنة يجيدون صياغة نبوءاتهم شعريا، لتكون أقوى تأثيرا. وقد اشتهر جنس أدبي بعنوان: "سجع الكهان". حيث يدعي الكاهن وجود جن يسترق السمع من السماء، ويأتي بالأخبار.

وإلى جانب الكهانة هناك النبواءات، وهي قديمة في المنطقة العربية يراجع في هذا الصدد كتاب: نبوة محمد التاريخ والصناعة لمحمد محمود. كما نشطت النبوءات بعد وفاة الرسول مباشرة، كنبوة: الأسود العنسي، ومسيلمة، وسجاح التميميَّة، وغيرهم، مما يؤكد وجود أجواء ثقافية تتقبل البعد الغيبي للنبوءات. وكان بعض المتنبئين قبل الإسلام من المؤمنين بالله واليوم الآخر، كما هو المعروف عن أمية بن أبي الصَّلْت الثقفي، اشتهر بالحنيفية والتوحيد وكان من الدعاة إلى نبذ الأصنام وتوحيد الإله. وعندما أعلن محمد بن عبد الله عن نبوته، كان الحديث طبيعيا، لولا قوى الطاغوت التي تصدت لرسالته، وطوقتها خوفا من تداعي سلطاتهم السياسية والدينية والاقتصادية الواسعة. فالحرب التي كانت تشنها قريش على المسلمين حرب سياسية أكثر منها دينية، وصراع على السلطة والنفوذ.

وأما الأجيال اللاحقة بعد انتشار الإسلام فالأمر بالنسبة لها يختلف، حيث توارثت العقيدة والإيمان بالغيب واليوم الآخر. ورغم ذلك لم تحقق النصوص بمفردها ما يصبو له الدين فاستعان بالشعائر لأدلجة العقل الجمعي وتوجيه وعيه توجيها إيمانيا.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

من أدق الحوارات تشريحاً وتفصيلاً
شكراً وتقديراً لكم استاذ ماجد،
يروق لي تمييزكم لمكانة المؤلف بين ربطها بالنص وفهم النص في ذاته بعيداً عنها
لأن ارتباطاً من هذا النوع يحدد سلطة النص ويفرق في تقوية هذه السلطة
واتصور أنَّ النص الديني( وبخاصة القرآن ) لا يأخذ سلطته فقط من ربطه بالمؤلف( الله كمصدر للوحي)
مع الفارق بين ذلك وبين فكرة المؤلف بمعناها الإنساني في الأدب والفكر.
هناك تكرار ظاهرة انتزاع مكانة المؤلف في تاريخ النصوص الدينية، لدرجة أن سلطة التفسيرات والشروح للقرآن أخذت فعلاً مكانة النص الأصلي
وكانت سلطة الجماعة والمذاهب هي سلطة المؤلف على عتبات البلاغة القرآنية ومقاصد النص نفسه وماذا سيقول وكيف سنفهم معانيه المضمرة والصريحة.
وربما هذه أخطر معادلة في تاريخ المسلمين: أنهم يتركون أصحاب الصولجان والغلبة للإمساك بزمام النص وقد ادعوا قدرتهم على تحديد وجوده. والأمر نفسه مع الفقهاء ورجال الدين لدرجة أنهم يمتلكون (النص القرآني) بحرفية الكلمة، لا يتركون مساحة للفهم والحوار قريباً أو بعيداً
واستغل هؤلاء مكانة المؤلف لتقوية سلطتهم الخاصة على حساب مصدر الوحي للأسف وعلى حساب الوحي ذاته.
مع أن الدين أكبر من هذا الهذيان التاريخي الذي مازال يتكرر في شكل مؤسسات دينية تزعم كونها ناطقة بلسان السماء.
طابت أوقاتكم بكل خير وسعادة

سامي عبد العال
This comment was minimized by the moderator on the site

وطاب يومك بسلام وعافية الاستاذ الدكتور سامي عبد العال، شكرا لتفاعلك ومداخلتك القيمة. بعضهم يبالغ في موت المؤلف حتى في سلطة النص، وهذا غير صحيح.فعندما يصدر أمر من السلطات العليا بإمكانك قراءة النص بمعزل عنها، للكشف عن كواليس صدوره، وما يخفيه من تحفظات ومخاوف وتطلعات. لكن لا يمكن تحديد درجة إلزامه بمعزل عن مصدره، فهو يستمدها منه، ومن قدرته على تنفيذ وعوده. وهذا من بديهيات التعامل مع النصوص القانوية لمعرفة درجة إلزاماتها.
وأما عن انتزاع مكانة المؤلف في تاريخ النصوص الدينية، فقد بدأت بُعيد وفاة الرسول ثم استفحلت عندما ارتبطت بها مصالح سياسية وطائفية حداً حجبت النصوص الثانوية النصوص التاسيسة، وبات النص يستمد شرعيته من المفسر والفقيه، وقبلهم الصحابة والأئمة، حتى تأسست مذاهب وفرق باتت معها العودة للمدونة الاولى من التابوات، ما لم تمر عبر الصحابة كحد أدنى. سددك الله واسعد الله ايامك بالخير والبركة

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

دراسة متقنة من اديب ومفكر تدعو الي اعمال الفكر خارج هيمنة قداسة النص القرٱني ..احييك وننتظر المزيد

سميرة بن نصر
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذة الشاعرة القديرة سميرة بنصر. شكرا لودك ولجمال حضورك وثقتك. كل عام وانت بخير وسعادة وعطاء وعافية مع الاحترام

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5362 المصادف: 2021-05-11 02:28:33


Share on Myspace