 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (215): هيمنة الخطاب والأخلاق

majed algharbawi1خاص بالمثقف: الحلقة الخامسة عشرة بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

هيمنة الخطاب

ماجد الغرباوي: تقدم أن الإيمان والإمتثال شرطان لتشكيل قناعة المتلقي بمضمون النص، وما لم يتحقق هذان الشرطان، لا ينقاد له أحد. ثم أضفت لهذين الشرطين: بنية العقل والبيئة الثقافية، وطريقة تلقي النص كعوامل حاسمة في تشكيل قناعة الفرد. وهي خمسة عوامل شعر بها المتلقي أم لا فإنها تعمل متشابكة لارتهان قناعته وإرادته. وتقدم الحديث عن العاملين الأول والثاني: بنية العقل والبيئة الثقافية (تعدد الأديان، الشعر، النبوءات والكهانة). وبقي الحديث عن العامل الثالث ضمن الشروط الإضافية:

3- طريقة تلقي النص:

كما لبنية العقل والبيئة الثقافية دور فإن طريقة تلقي النص هي الأخرى  تؤثر في تشكيل قناعة المتلقي. وأعني بها حالة المتلقي بفعل العوامل الذاتية والموضوعية حين تلقي النص والتفكير به، كميوله النفسية والأيديولوجية، استعداده لتقبل الرأ ي الآخر، صورة الإله في أعماقه، رؤيته الكونية للوجود والعالم، مدى تأثره بذات النص، طبيعة قبلياته، اندهاشه بالنبوة والنبي، قدرته على استيعاب الأفكار، مستوى إدراكه. والأهم مستوى وعيه وتشخيصه. وهي عوامل ذاتية، في مقابل عوامل موضوعية ترتبط بذات الخطاب الذي يسعى لإقناع مخاطبه بمضمون رسالته. والخطاب: مخاطبة بين طرفين. وحديث موجه، يحمل رسالة يقصد اقناع المتلقي بها، مباشرة أو عبر تقنيات لغته وأساليب تعبيره. فيسعى لفرض سلطته وهيمنته على مشاعر المتلقي. فهو أداة الوصول للسلطة، بمعنى الهيمنة والإقناع. يرتهن تأثيره لتقنياته وأساليبه، وانتقائيته للمفردات اللغوية، والتوقيت الصحيح، وطبيعة المتلقي وثقافته، ومستوى وعيه. فليس بالضرورة أن يؤثر الخطاب دائماً، فهو شبكة مترابطة من العلاقات المفاهيمية، والمعارف والتقنيات اللغوية. تمتد جذورها في أعماق الثقافة والدين والتقاليد والوعي والعادات والمناسبات. فنجاح الخطاب يعبر عن جدارة أدواته وآليته واستراتيجيته في التأثير، وقدرته على اختيار المفردة الملائمة، وظرف التخاطب، وموضوعيته من خلال فهمه للواقع، وملابساته، وأولوياته، ومختلف علاقاته بالأدب والفن والعلم والدين والأخلاق والرموز. وهذا سبب تفاوته وفقا لرسالته وطبيعة الوسط الذي يقصده الخطاب. فتجد خطاب الفن والأدب والأديان، في بعض أبعاده، زاخراً برمزيته وثرائه، لا تنضب قراءته. موارب، لا يعطي نفسه بسهولة. يخفي أكثر ممن يظهر. فهو خطاب أسطوري، تجريدي، عابر للزمان والمكان. كالأساطير القديمة التي ما زالت تحتفظ بقيمتها، رغم توالي القراءات في كل عصر وزمان، كمختلف الملاحم التي تحكي قصة الآلهة والخلق والإنسان، إضافة إلى تنوّع الطقوس الدينية والاجتماعية والعبادية، وتراث الحضارات القديمة.

لكن الأمر يختلف بالنسبة للخطاب الأيديولوجي، التعبوي، الذي يرتكز لإثارة مشاعر المتلقي، والتغلّب على وعيه من أجل نجاحه وتحقيق رسالته. وهكذا الخطاب العلمي فإنه يلجأ لاستخدام الأدلة والبراهين والاستدلال المنطقي لإقناع المتلقي. فكل خطاب يتطلب ثقافة خاصة، وبيئة حاضنة، ووعيا مناسبا. فالخطاب العاطفي لا يؤثّر في الوسط العلمي. والعكس صحيح. ولكل واحد منهما أسلوبه وتقنياته في أداء رسالته. وأيضا فإن خطابات الأديان والمذاهب لا تؤثر خارج بيئتها، وتتطلب وعيا خاصا، وعقلا ينسجم مع الغيب واللامعقول الديني. أي يتطلب عقلا قائما على الإيمان والتسليم والانقياد، بعيدا عن الأدلة والبراهين العقلية المرهقة. (ينظر موضوع الخطاب وسلطته في كتابي: النص وسؤال الحقيقة، ص22. والمقارنة بين النص والخطاب في كتاب مواربات النص، ص83).

إذاً، كل العوامل الذاتية والموضوعية تؤخذ بنظر الاعتبار حين تلقي الخطاب. وهي لحظة تأويلية، ترتهن لقبلياته، ضمن شروط ما تقدم من عوامل ذاتية وموضوعية، وليس الاصغاء مجرد انطباع معنى النص أو رسالة الخطاب في ذهن المتلقي كما يتصور بعض، بل المعنى يتولد تأويلياً في ذهنه، وهي عملية معقدة جدا تتم لا شعوريا. وعلى هذا الأساس تتفاوت مديات هيمنة النص الديني المتُلى عليهم من قبل الرسول. فبعض ينصت، يذوب، يتماهى معه، ترى أعينهم تفيض من الدمع، وآخر يلهو مع مشاغبات الأسئلة، وثالث ينشغل بما وراء النص. أما الانقياد الظاهري للخطاب المتمثل بالاستجابة لأوامر النصوص المقدسة،  فيخضع لسياقات العقل الجمعي وضروراته، فلا يكون دالا على قناعة المتلقي بالضرورة . فطالما ينساق الفرد مع الجميع خلافا لقناعاته، حداً لا يفهم مبررات اندفاعه أحيانا. فننتهي إلى نتيجة مهمة أن الإنقياد لا يدل على قناعة ذاتية بالنص أو الخطاب مادام هناك عقل جمعي يتحكم بإرادته. وهو ما نلاحظة جليا بعد قرون من البعثة.

إن ما يدعو لهذا الفهم أن آيات الكتاب / النص كانت تُتلى عليهم. وكان النبي محمد يتلو على أصحابه ما يوحى له: (وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ). والآية واضحة تصلح دليلا لما ذهبت له، أن النص لا يضمن لوحده تشكيل قناعة الفرد دائما، وليس بالضرورة أن يستولي على مشاعره وقلبه أو يهيمن على رؤيته. وقد عبرت عنه الآية بالهداية، أي هداية المتلقي وهو يصغي لتلاوة النص من قبل الرسول الكريم، بل ثمة عناصر حاسمة ترتهن إرادته وتشكّل قناعته. نحن ننتظر قناعة إيمانية تحمي الضمير الإنساني وتقوم سلوكه الأخلاقي من خلال وازع التقوى، الذي هو مدار البحث الأخلاقي الذي نحن بصدده، وهذا النوع من الإيمان لا يرتهن للنص وحده دائما، وإنما يتوقف على وجود عوامل مرّ ذكرها، وهذا أحد مبررات تشريع الشعائر الدينية.

الجدير بالذكر أن للتلاوة خصوصية لا تتوفر لقارئ النص الذي ترتهن قراءته لقبلياته، فالأول تحضر جميع العوامل الحاسمة آنفة الذكر وهو يصغي للنص، وليس الأمر كذلك بالنسبة لقارئ النص بعد البعثة النبوية. فكلاهما قد يتأثر عاطفيا بإيحاءات النص، غير أن الأسباب تختلف، الأول تتأجج عاطفته في حالة تلقي مباشر للنص، عن الرسول وهو يتلو ما يوحى له من الغيب. والثاني يعيد تشكيل النص وفقا لقناعاته وقبلياته. وما يهمنا هي مرحلة التلقي الأولى، حيث كان الكتاب يُتلى، وهو ما تؤكده جملة آيات: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ)، (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ)، (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ)، (رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً). فنفهم أن للتلاوة خصوصياتها، التي استدعت تأكيدها، بل القرآن يؤثر التلاوة على القراءة: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ). ويعزى عدم تأثر المتلقي بالكتاب المكتوب لعدم اكتمال جوانبه النفسية والثقافية التي تمهد لتلقي النص الديني ضمن لغته الرمزية، فتكون التلاوة أبلغ لذا تكون محتملة الهداية أكثر، كما في قوله: (وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ). فنستنتج أن رهانات التلاوة لا تقتصر على فعل التلاوة فقط، ولا ترتهن لكارزمية النبي رغم أهميتها الكبيرة جدا جدا، بل ترتهن لجميع العوامل الحاسمة في تلقٍ منتج للتقوى، وتنشيط الضمير الديني. هو ما نطمح له ونراهن عليه لتقويم سلوك الإنسان وحماية الضمير من الانهيار أمام الإغراءات المادية. وهذا يكفي مبررا لدراسة أجواء التلاوة الأولى، خاصة حينما نقارن بين عصر التنزيل، وما تلاه من قرون، تدعي امتداها لعصر البعثة، وليس كذلك فإن للتنزيل وتلاوة الرسول خصوصيتها. بل النبوة رهان الأديان، لما للنبي وشخصية النبي من تأثير قوي على المتلقي. وما بعد مرحلة التلاوة الأولى يرتهن القرآن في تأثيره للعوامل الحاسمة، التي ستنمو من خلال الشعائر الدينية والأجواء العبادية والتجارب الروحية. وهذا ما نشاهده بالوجدان. أي القرآن كان يراهن على خلق حاضنة اجتماعية تحقق أهدافه، وبالتالي هناك عوامل جديرة تساهم في استمرارية توهج النص.

هكذا دشن المسلمون إيمانهم بالعقيدة والدين الجديد، كانت البداية مع سحر النبوة، ودهشة التدفق البلاغي لنصوص الكتاب، وموسيقا إيقاع صورها الشعرية، وقدرتها على تحريك مشاعرهم، وربطهم من حيث لا يشعرون بعالم الغيب، وصدقيتها في تحقيق أحلامهم باعتبارها نصوصا مقدسة، فكانت آيات الوعد والوعيد تفعل فعلها في أجواء التجربة الروحية التي غالبا ما تكون جماعية، فيأخذ العقل الجمعي مداه، وهو يعيد تشكيل وعيهم وترتيب ذاكرتهم، حتى بدأت مرحلة جديدة، غدا فيها كل فرد مشاركا حقيقيا في صناعة واقعه، سيما مع دوامة الصراع العسكري مع خصومهم السياسيين والدينين. فأعاد الوقع تشكيل علاقاتهم وروابطهم الاجتماعية، على أسس الولاء الديني وليس القَبلي، خاصة أن عدوهم الأول كانت قريش، قبيلة الرسول وجمع كبير من الصحابة.

الرهان الثاني: العقل الجمعي

كان السؤال: ما هي رهانات الدين لغرس وازع التقوى في أعماق الإنسان لضمان قدرته على حماية ضميره وضمان يقظته؟. وقد مرّ الحديث عن النص بما هو نص كرهان أول للدين في مهمته الأخلاقية والإنسانية. والرهان الثاني هو العقل الجمعي:

(العقل الجمعي "أو ما يعرف بالأثر الاجتماعي المعلوماتي أيضاً" ظاهرة نفسية تفترض فيها الجماهير أن تصرفات الجماعة في حالة معينة تعكس سلوكاً صحيحاً. ويتجلى تأثير العقل الجمعي في الحالات التي تسبب غموضاً اجتماعياً، وتفقد الجماهير قدرتها على تحديد السلوك المناسب، وبدافع افتراض أن الآخرين يعرفون أكثر منهم عن تلك الحالة). ويكبيديا. هذا هو تعريفه في علم النفس وفقا لهذا المصدر. وهذا القدر رغم صحته بيد أنه لا يفسر لنا حالات أخرى، حينما يجد الفرد نفسه متعاطفا مع الجماهير، مدفوعا بذات الحماس القوي، لا يفكر بتبعات تضحياته، سوى تحقيق هدف الجماهير. وهذه الحالة يُفسرها المنطق الديني بالهداية، حيث جاء في الأثر: (إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِع عَلَى ضَلَالَة). فثمة هداية، بفعل الاجماع أو العقل الجمعي. كأن يكون الاجماع على أمر مدعاة للثقة بصوابه. والحقيقة لو كانت هناك هداية شخصية أو جماعية فالمراد بها هداية القانون والسنن الكونية، وعلينا معرفتها وتحديد مدى فاعليتها وتأثيرها. وفي حالة العقل الجمعي ثمة حقيقة إن الإنسان موزع بين العقل والعاطفة، وعاطفته تسبق عقله، وعندما يتلقى خطابا عاطفيا أو تعبويا يتوارى عقله وراء عاطفته، فيتفاعل مع الخطاب، ويؤثر به الثاني وفقا للشروط المتقدمة. وكلما كان الخطيب مفوهاً، يجيد مهنة الخطابة، ينجح في تحريك مشاعر مخاطبيه، وربما تعبئتهم نفسيا وعاطفيا، وهنا تكمن خطورة الخطاب الديني عندما يوظف لأغراض طائفية أو سياسية. فالعقل لا يموت، لكن لا يتقدم على العاطفة إلا من كان ذو بصيرة وعلى بينة من أمره، فحينئذٍ يُخضع الخطاب لعقله، فيستجيب لما هو عقلاني، ويرفض ما عدا ذلك. لكن تارة ينساق الإنسان مع العقل الجمعي لا شعوريا، وعندما يعود لوعيه وعقله، قد يندم على تصرفاته. وتارة يشخص الخطأ ويرتكب خطأ الانسياق وراء الخطاب العاطفي.

أعتقد أن رهان العقل الجمعي أقوى رهانات الدين في تقويم سلوك الإنسان أخلاقيا، لذا أولاه اهتماما خاصا من خلال تشريع العبادات والشعائر الدينية. فقد لا ينتبه أحدهما ما تتمخض عنه العبادات، وكيف تخلق أجواء روحية ونفسية وعاطفية. كذلك الشعائر، حيث تمارس العبادات والشعائر العبادية على ترسيخ الحاضنة الاجتماعية التي تلعب دور الرقيب على الفرد والمجتمع، إضافة لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. التي تعد رقيبا خارجيا كما مرَّ تفصيل الكلام.

منذ بداية المرحلة الثانية راح العقل الجمعي يتولى إدارة الفرد، ويرسم له حاضره ومستقبله، فغدا للتلقي معنى جديدا. كما بدأ المهيمن الثقافي بالتشكّل، وأقصد بالمهيمن: نسق أو مجموعة أنساق معرفية مهيمنة، يرتهن لها وعي الفرد لا شعوريا، وفق طريقة اشتغاله وعمله كموجه يستوحي من مقولاته الأساسية، المضمرة داخل بنية العقل وفضائه المعرفي. (أنظر كتاب النص وسؤال الحقيقة). أي أن التلقي في هذه المرحلة بدأ يفرض شروطا مغايرة بعض الشيء عن مرحلة بداية الإيمان والدخول بالدين الجديد، حيث أخذت تتشكل قبليات الفرد ضمن السياق العام للأحداث المتمثلة بنزول الوحي، ووجود النبي، وثالثهما وحدة المصير المشترك، لتوالي المعارك حتى خاض أصحاب الرسول 83 معركة، بعضها شارك فيها النبي شخصيا. وكل هذا كان يؤسس رويدا لحاضنة اجتماعية. وكان إذعان الفرد حينها لهذا العقل والضمير الديني، وما النص سوى محرك رمزي، قد يعني شيئا كثيرا لبعض الصحابة خاصة الأعم الأغلب منهم، فالصحابة درجات في الوعي والإدراك واستيعاب الآيات. وبشكل تدريجي بدت تظهر معالم الحاضنة الاجتماعية للمسلمين الأوائل، ويمكن أن تكون لحظة دخول النبي للمدينة واحتضانه من قبل الأوس والخزرج، وتفاهماته مع أهل الكتاب، هي بداية قوية لتأسيسها، رغم تفاوت مستوى الإيمان بين راسخ يلقي نفسه في لهوات الحرب، وكله أمل بنصر يضمن له رضا الله تعالى، أو تحقيق أحلامه من خلال جنائن الخلد، عند رب كريم (إما النصر أو الشهادة). وهناك متردد، يعاني هشاشة الإيمان، وضعف الإرادة، وغبش الرؤية. وثالث منافق، يتحين الفرصة للإطاحة بالمشروع السماوي، إضافة لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، وما حصل من مواجهات عنيفة بين الطرفين. وقد صورت الآيات كل هذه الحالات النفسية، فثمة فرق بين مؤمن يستبشر بنداءات السماء، وآخر، يمتلئ رعبا وخوفا: (يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ)، (أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا)، (فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ). لكن رغم كل هذا اجتازت الحاضنة الاجتماعية للمسلمين الأوائل مراحل الاختبار، بفضل تشريعات عدة. إذاً فالحاضنة الاجتماعية نتيجة طبيعية لسيادة العقل الجمعي، وهي بحد ذاتها رهان قوي تقاوم النقد والمراجعة وتدافع عن النسخة الرسمية للدين، مهما كانت تشوهاته. وأما كيف عزز الدين فاعلية العقل الجمعي والحاضنة الاجتماعية؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الاستاذ ماجد الغرباوي على هذه المقالة الرائعة التي تتعلق بالنص القرآني و طريقة تقديمه و كيفية تأثيره في المجتمع. ان الاخ الغرباوي بيّن ان قناعة المتلقي تعتمد على الايمان؛ و الامتثال ؛ بنية العقل؛ و البيئة الثقافية؛ و طريقة تلقي النص . و كذلك وضّح كيفية تأثير الرسول على المسلمين في بداية الرسالة السماوية. و حسب ما جاء في المقالات السابقة ان مرسل الرسالة هو "الله" و الرسالة "هي الدين الاسلامي و "محتوى الرسالة" هي آيات "القرآن و الرسول هو الشخص الوحيد "المكلف" بحمل هذه الرسالة للبشرية. و ان دوره حدد حسب الايات القرآنية "كمبشراً و شاهداً و نذيراً" للناس و ليس "مصيطراً عليهم" و "ليس وكيلاً عليهم "--الخ. و هذا كذلك ينطبق على الاديان السماوية الاخرى " ؛ الانعام 48 " وما نرسل المرسلين الا مبشرين ومنذرين ------".
و هذا يدل على تشابه واجبات الانبياء و الرسل. و كذلك يدل على حرية الاعتقاد.
و النقطة الاخرى التي اكدها الدين الاسلامي هي التأكيد موضوع "الظلم" ؛ الكهف 29 " وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر انا اعتدنا للظالمين-----". الاية اعلاه تتكلم عن نقيضين الايمان و الكفر و لكن توعد الظالمين بالنار و ليس الكافرين.
" ---- وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ". هود 117" وما كان ربك ليهلك القرى بظلم واهلها مصلحون"
و الايتان اعلاه توضح ان الله يهلك القرى التي "اهلها ظالمون". و ان الاية الاخرى توضح ان الله لا يهلك القرى بظلم اذا كان اهلها "مصلحون". و المصلحون هم "اصحاب التقوى" الذين يؤمنون بالقيم الانسانية النبيلة و ليس بالضروة الايمان بالاديان.
ان الهدف الاساسي الذي اراده الله من رسالته هو "صقل و تهذيب النفس الانسانية" و خلق مجتمع تسود به العدالة و التقوى بين جميع افراد المجتمع بغض النظر عن اديانهم و قومياتهم و مناطقهم. هذا هو مغزى رسالة السماء. وان الله "اوصانا بأتباعها و لا نتبع غيرها" لكي لا تضيع بنا السبل كما موضح في الاية التالية:
الانعام 153
وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون
الاية اعلاه واضحة وضوح الشمس من ان الله "يوصينا" بأتباع كتابه لا بأتباع غيره .... هل نريد اكثر من هذا الوضوح!!. اي الا نتبع اي انتاج بشري.
و لكن للاسف الشديد اغلب المسلمين و بالاخص (العرب) لا يعيروا اية اهمية لآيات القرآن و انمّا يأخذون الدين من كتب الفقه و من رجال الدين الذين نصّبوا انفسهم "رجال الله في الارض" و هؤلاء يلعبون في مشاعر "القطيع" حسب ما يخططون له. و ان هذا الحال مستمر منذ 1400 سنة و لحد الان و لكن الان ازداد سعيره بشكل جنوني.
ماذا تخرج المدارس الطائفية السنية و الشيعية حالياً ؟؟؟. اليس انها تخرّج رجال دين اميين لا يفقهون في الدين شيئاً و ان هدفهم الاساسي هو نشر التفرقة و التخلف و الخرافات و السموم الطائفية بين المسلمين بتوجيه من اسيادهم المعممين و غيرهم و اصحاب الاجندات الخفية.
اهم المعوقات الاساسية التي تمنعنا من فهم ديننا و النهوض الى الامام هو رجال الدين "غالبيتهم" وضعوا القيود على عقولنا و منعونا من التفكير و كذلك التخلص من التراث المليء بالخرافات و الفتن. علينا ان نرجع الى اصول الدين الدين و نشرب الماء الصافي من منبعه و ليس من الفروع الملوثة التي سممت كل شيء جميل في هذه الحياة. و شكراً مرة اخرى
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير.

ثائر عبد الكريم
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لتعليقك الاخ الاستاذ ثائر عبد الكريم, وشكرا لمتابعتك وقراءتك البحث. احترامي

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5370 المصادف: 2021-05-19 03:19:38


Share on Myspace