 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (216): الحاضنة الاجتماعية والأخلاق

majed algharbawi3خاص بالمثقف: الحلقة السادسة عشرة بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

الحاضنة الاجتماعية

ماجد الغرباوي: لا تُعد قناعة الناس مؤشرا على صدقية أي فكرة أو عقيدة، مهما كانت راسخة. ولا يدل رفضها على عدم صدقيتها: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ). لكن قد تكشف قناعتهم عن طبيعة الفكرة أو العقيدة وميزاتها، سيما بُعدها الميتافيزيقي، عندما تحظى بقبول بيئة غارقة في عوالم الغيب والتفسيرات الخرافية مثلا. فقناعة وعدم قناعة الناس، تخضع لعوامل يجب دراستها ضمن سياقها التاريخي والسكيولوجي والسسيولوجي. فرسوخ عقيدة السحر في زمن فرعون مثلاً، لا يدل على صدقية السحر، بل ثمة عوامل تحكمت بانتشارها، كسذاجة العقل، رثاثة الوعي، الواقع السياسي والبيئة الثقافية. فالسحر كعقيدة، انهارت صدقيتها على يد النبي موسى، كما جاء في الرواية القرآنية: (قَالَ أَلْقُوْاْ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ، فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ، فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ، وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ). وبالتالي يجب دراسة أسباب القناعة وعدمها خارج حدود الفكرة أو العقيدة، عبر تقصي العوامل الذاتية والموضوعية الحاسمة في قناعة الناس، وستكون الفكرة أو العقيدة إحدى أسبابها. وهنا بلا ريب يلعب العقل الجمعي دورا مؤثرا جدا. سيما الانقياد السلبي، الذي يعكس تراجع العقل أمام الأصوات المرتفعة. قد يبدو الانقياد انقيادا عشوائيا، لكنه ليس دائما، فتارة ثمة أهداف سياسية وطائفية تتستر خلف الشعارات لخلق رأي عام تحتضنه الجماهير، وهنا يلعب الإعلام دورا طاغيا، خاصة وسائل الاتصال الحديثة. وبالتالي يمكن أن يكون العقل الجمعي عقلا مخادعا، تمت برمجته مسبقا. لذا رغم أهميته وخطورة دوره لا يوجد ما يضمن لنا عدم انحياره؟. وهذا الاحتمال يكفي لزعزعة الثقة المطلقة بالعقل الجمعي، فقد ينساق المؤمن لفعل غير أخلاقي ويحسب أنه فعلا أخلاقيا وفقا لمقاييس العقل الجمعي. وهذا بشكل خطرا على منظومة القيم الإنسانية. ولا يكفي لتبرير الفعل نيته الخيرة والطيبة، عندما يجد يتقاطع فعله مع قيمه الإنسانية. ثم ماذا عن تداعيات سلوكه إذا كان سلوكا غير أخلاقي واقعا؟.  

إذاً سنطرح ذات السؤال عن مدى قدرة العقل الجمعي على حماية الضمير الإنساني، كما طرحناه من قبل على النص بما هو نص، وانتهينا إلى نتيجة مفادها، ينبغي خفض سقف الرهان على النص بما هو نص كدافع لتقويم سلوك الإنسان وحماية ضميره، لوجود عوامل أخرى كالعقل الجمعي تتحكم بإرادة الإنسان. والآن، هل يمكن الارتهان للعقل الجمعي مطلقا في تقويم سلوك الفرد وحماية ضميره أم لا؟. وقد اتضح أن احتمال انحياز العقل الجمعي يحد من قيمته كرهان ناجح في المسألة الأخلاقية. وفي حالة انحيازه يكون وبالاً على الأخلاق، حينما يدافع عن الظلم ويبرر للظالم سلوكياته، ويكفي التاريخ شاهدا على سلبيات العقل الجمعي وهو يدافع عن خلفاء الدولتين الأموية والعباسية وما تلاهم سلاطين الدولتين العثمانية والصفوية التي أطاحت بالقيم الدينية والإنسانية وجعلتها ضحية لأهدافهم السياسية. وما زال العقل الجمعي يلعب دورا سلبيا بفعل تزييف الوعي وقوة الإعلام وحجم الاضطهاد الذي تمارسه السلطات المستبدة. وتارة يفضح سلوك العقل الجمعي رثاثة الوعي، خاصة عندما يتبنى مفاهيم طائفية، ويعادي جهود التنوير، ويريد تأكيد الذات من خلال تزوير الوعي والطعن بالآخر المختلف. وبالتالي فإن فاعلية العقل الجمعي في المسألة الأخلاقية تتوقف على عدم انحيازه والتزامه بالضوابط الإنسانية، كمعيار للأخلاق. وهذا يستدعي وجود شعب واعٍ، يتمتع بهامش كبير من الحرية، فيراقب وينقد ويحتج، ووجود سلطة تحترم الشعب وإرادته. وهنا يأتي السؤال: من يضمن استقلالية وكفاءة العقل الجمعي في البيئات المنغلقة سياسيا وثقافيا؟ وهذا عامل ثانٍ يحد من قدرة العقل الجمعي على تربية الضمير تربية أخلاقية.

لكن رغم كل المؤاخذات يمكن أن يشكل العقل الجمعي عاملا ضاغطا لحماية الأخلاق، وتقويم الانحراف عبر حاضنته الاجتماعية. وهذا أحد مبررات تشريع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دينيا، كوظيفة شرعية ملزمة للجماعة.  وإقامة الشعائر الدينية المشتركة كمران جماعي للعبادات. وهذا القدر رغم معقوليته بل وضرورته، بيد أنه لا يوجد ما يضمن عدم انحيازه حتى في هذه الحالة، لأن العقل الجمعي ما بعد البعثه غيره ما قبلها. كما أن لكل فترة عقلها الجمعي، وضرواته وفهمه للدين، ورؤيته للعالم والوجود. وثمة فارق بين العقل الجمعي الرسالي، الذي نشأ وترعرع في أحضان الوحي، والعقل الجمعي التأويلي، الذي تأسس في ظل صراع السلطة بين الصحابة، حيث خضع تفسير النص لشروطها. الأول دشن وجوده في حياة النبي، الذي كان المصدر الوحيد لفهم الدين وتفسير النص، حداً لا يمكن استغلال النص لمصالح سياسية أو شخصية، لانعدام فرص توظيفه خارج سياقاته مع ملاحقة الوحي لسلوك النبي والصحابة، وكان بالمرصاد لكل تخطيط مضاد للرسالة، فيتعذر قيام عقل جمعي يتقاطع مع المناخ الرسالي. بينما فقد النص حماية الوحي بعد وفاة الرسول، و"حال انتهاء مرحلة نزول الوحي بوفاة النبي، بدأت مرحلة تأويل النص المقدس، وتزوير الوعي الديني، بدوافع شتى، أخطرها السياسة حينما تفرض نفسها على التأويل، فيغدو نصا جديدا، وتفسيرا رسميا يصادر النص الأول، ويعيد تشكيل الوعي. وتارة تدفع ضروراتها باتجاه وضع الأحاديث، ونسبتها للرسول الكريم. وثمة نصوص لا يمكن الجزم بصحة صدورها لعبت دورا خطيرا في عالم السياسة، سواء في عهد الخلفاء، أو في عصر الدولة الأموية. وكما أن ثنائية السلطة والمعارضة كانت وراء التمادي في تأويل الآيات وتزوير الوعي ووضع الروايات، فأيضا كانت السياسة سببا أساسا في نشوء المذاهب والفِرق، وتأسيس مرجعيات فكرية وعقيدية جديدة. فعندما دشن الخلفاء بنزاعهم على السلطة مرحلة الإسلام السياسي، وتسيس الدين. أبقوا على قدسية النص، لشرعنة التأويل، فهو طاقة، يستمد قوته من مرونة النص المقدس وثرائه ورمزيته، ويبقى القارئ ومهارته في توظيفه" (كتابي: النص وسؤال الحقيقة). وبالتالي فإن منحى العقل الجمعي بعد وفاة النبي اتخذ طابعا تأويليا ليلبي حاجات المرحلة السياسية، فلا يكون مؤشرا على أصالة الرؤية الدينية الإنسانية. ويكفي شاهدا حجم الدماء التي سفكت باسم الدين بفعل قراءات وظفت النص لخدمة السياسية، فكان الدفاع عن إطلاق آيات القتال، وصرفها عن موضوعها الخارجي، دفاعا عن سلاح مقدس تم توظيفه لخدمة السياسة. وكان العقل الجمعي، وهذا ما يهمنا هنا، ممالئاً لرأي السلطة، بفعل هيمنة الخطاب الإعلامي. يدافع عن سلوكها. ويرعى مصالحها، حتى ما بعد ما يسمى بالخلافة الراشدة. وهنا قد يساهم العقل الجمعي في تعزيز الضمير الديني للفرد والجماعة، لكنه تعزيز لفهم منحاز، لا يحقق منطلقات المسألة الأخلاقية التي هي مسألة إنسانية بالدرجة الأولى. ويُبقى حالة التشرذم عندما يدور الحق لا حول مدار القيم الإنسانية بل يدور مدار موجهات النص أو بالأحرى موجهات تأويل النص، الذي هو تأويل منحاز بطبيعته.

الحاضنة الاجتماعية

إن نجاح العقل الجمعي، بمعنى كسب ثقة الناس برسالته، يرتهن لقدرته على تأسيس حاضنة اجتماعية تتبنى مبادئ رسالته من خلال تعهدها والدفاع عنها، بغض النظر عن مدى صدقيتها. والحاضنة الاجتماعية تتعدى نخبة القوم لتشمل السواد الأعظم، تلك الجماهير التي تندفع لا شعوريا بفعل تأثير العقل الجمعي. فالحاضنة الاجتماعية يمكن أن تكون مؤشرا على قدرة العقل الجمعي في خلق رأي عام مسنود من قبل الجماعة، دون الدلالة على صدقيته واستقلاله. والحاضنة الاجتماعية هي القاعدة الجماهيرية التي يراهن عليها العقل الجمعي في انتشار وثبات الرأي العام الممهد لتحقيق أهدافه السياسية. لذا تهتم الاتجاهات الأيديولوجية بقناعة المجتمع، لتكون ركيزة أساسية لانتشار الفكرة الأيديولوجية، بينما يفضي تراجع القناعة لانحسارها ومن ثم اندحارها. لذا تسارع القوى الأيديولوجية لتدارك تدهور القناعة، وتكييف الفكرة أو العقيدة لتكون أكثر ملاءمة للواقع. وأكثر قدرة على إقناعهم بأهدافها.

تقدم أن الحاضنة الاجتماعية للمسلمين الأوائل قد تخطت مراحل الاختبار الأولى، ولو بشكل أولي ومحدود، أقتصر على مجتمع المدينة أو خصوص مجتمع الصحابة من المهاجرين والأنصار، رغم تفاوت مستويات التمثل العقدي، بين الإيمان والإسلام: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ). وهو أمر طبيعي  في مجتمع مثقل بأوزار القيم القبلية، وينحدر ثقافيا من عبادة الأصنام والأوثان إلى عبادة الرب الواحد. لكن بشكل تدريجي ساهمت الجموع الغفيرة التي دخلت الإسلام بعد عام الفتح في تمتين الحاضنة الاجتماعية: (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا)، بل وبانت قوتها وهي تدافع عن وجودها وهي تواجه حروب الردة بدوافع مختلفة. والسبب كما تقدم أن وحدة المصير المشترك تدفع باتجاه تقاسم المسؤولية، فيكون الدفاع عن الجماعة وقيمها ومصالحها دفاعا عن الذات. وسبق البحث عن دور الانتماء في تأكيد الذات، خاصة المجتمعات القبلية الذي يعد فيها الانتماء المعادل الحقيقي لوجود الإنسان. أي تحقق الوجود خارجا يرتهن لانتماء الإنسان لقبيلته، فتجده حريصا على انتمائه لتأكيد ذاته، إذ لا قيمة للفرد خارج إنتمائه القبلي، لكنه تحرر من هذا الانتماء بعد إسلامه، حتى مع موالاته لقبيلته سرا أو علانية. وبهذا الشكل توفر المسلمون على حاضنة اجتماعية تدافع عن قيمهم الدينية. وستكون الأخلاق جزءا من تلك القيم بالضرورة. وبشكل أكثر دقة ستكون الأخلاق جزءا من القراءة الرسمية للدين. لتتسم الحاضنة الاجتماعية بقدرتها على حماية النسخة الرسمية أو القراءة الرسمية للدين وكل عقيدة قادرة على إقناع الشعب بها. والقراءة الرسمية هي قراءة تأويلية محكومة بزاوية نظر محددة وقبليات أيديولوجية ذات حمولة سياسية تتستر خلف نصوص تراثية، تستبطن تمجيد الذات وإقصاء الآخر، المختلف. لذا لا يمكن الارتهان للحاضنة الاجتماعية في تقويم سلوك الإنسان ما لم نضمن إنسانية روافدها العقدية والأخلاقية، حداً يمكنها مقاومة التحديات، والثبات على القيم الإنسانية.

لكن رغم أهمية القاعدة الشعبية كحاضنة اجتماعية للقيم الإنسانية، غير أنها تشكل خطرا على إرادة الفرد، حينما ينساق لا إراديا مع الجميع، حتى مع تشخيصه للواقع. أي ينتاب الفرد وهو ينساق مع الجمهور لحظة شك بإيمانه وعقيدته، فيرجح إرادة الشارع العام على إرادته. وجميعنا عايش حالة انقياد الجماهير لتأييد حاكم سياسي رغم علمهم بجرائمه وطغيانه، مما يؤكد هيمنة العقل الجمعي. فكيف نفسر موقف الفرد أخلاقيا في هذه الحالة؟. كل هذا يجعل من الحاضنة الاجتماعية رهانا قلقا، لا يمكن الارتكاز له في تقويم سلوك الإنسان، بل ويجعلنا نشكك بقيمة الحاضنة الاجتماعية نفسها.

الرهان الثالث: العبادات والشعائر الدينية

تعتبر العبادات والشعائر الدينية رهانا مهما لتنمية الضمير الديني والأخلاقي، وتقويم سلوك الفرد والمجتمع، بعد رهاني النص بما هو نص والعقل الجمعي، لا فقط بما هو منظومة مفاهيمية وسلطة فوقية بل باعتباره حاضنة اجتماعية وسلوكا عاما. ولا ريب بفاعلية العقل الجمعي والحاضنة الاجتماعية عندما نضمن عدم انحيازها واحتكامهما للقيم الإنسانية. وأما الدين فيعوّل كثيرا على عليهما لتقويم سلوك الفرد والمجتمع. وقد وضع استراتجية شاملة لحمايتهما، مما يؤكد أهميتهما بالنسبة للدين. وبهذا الصدد شرّع أحكاما جماعية، إضافة للأحكام الخاصة التي عوّل عليها لخلق وازع التقوى الذي يرتهن له الضمير الديني. وسبقت الإشارة مفصلا لهذا الموضوع، وبيان الآثار المترتبة على العبادات، فكانت التقوى هدفا مباشرا للصوم، وغاية غير مباشرة للصلاة. ثم شرّع أحكاما جماعية كفريضة الحج، وصلاة الجمعة والجماعة. كما شرّع فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رقيبا خارجيا بجانب الرقيب الذاتي وهو الضمير الديني، وقد مرّ تفصيل الكلام عن الرقابة ودوها في تقويم السلوك الأخلاقي، وحماية الضمير البشري، للحيلولة دون موته أو انزلاقه. والسبب في اهتمام الدين بهما قوة تأثيرهما في استتباب الإيمان، الذي هو شعور نفسي ووجداني، يؤثر به العقل الجمعي ويقوده صوب بوصلته. ومن عاش أجواء الشعائر الدينية يدرك قوة تأثير العقل الجمعي والأجواء الجماعية، حيث ينقاد لا شعوريا، ويعيش لحظات من الخشوع والتعلق بالمطلق والغيب، ويشعر بحرارة الإيمان، وما يترسب في أعماقه من مشاعر الوجد. وبالتالي فإن الدين يلاحق الفرد لتقيوم سلوكه من خلال إيمانه ووازع التقوى، ومن يخشع لله في خلاواتها يخشع له من خلال المناخات الدينية، وهذا ما تؤكده التجربة، حيث يلين قلب الإنسان، تأثرا بالمجموع، فتتسرب حالة الوجد في أعماقه.

وبهذا الصدد أكد الدين أيضا على دور المثل الأعلى إلى جانب العبادات والشعائر العبادية، لترسيخ قيم الفضيلة، وبناء منظومة قيمية يُرتهن لها لحماية ضمير الفرد.

والكلام عن المثل الأعلى، كما تقدم،  يأتي في سياق الحديث عن القدوة الصالحة، كرهان ضمن رهانات الرقابة الرمزية التي يرتهن لها ديمومة الفضيلة داخل المجتمع. ويعني المثل الأعلى الارتفاع بوعي الفرد من المحدود إلى المطلق. من الضعف البشري إلى الكمال الإلهي، تقول الآية: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). فالاقتداء بالمثل الأعلى تحرير الذات عبر التماهي مع المقدس، المتعالي في انفتاح الأفق وسعته، كما في الحديث المنسوب للإمام الصادق: (تخلقوا بأخلاق الله)، وهي ميزة أخلاقية، تعزز قيم الفضيلة: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، وهو غاية ما يطمح له مجتمع الفضيلة. وتعني التخلق بأخلاق الله، التماهي معه فكريا وأخلاقيا. وتمثّل العدل والإحسان والبر والتقوى والشعور بالمسؤولية سلوكا، واجتناب الظلم والعدوان بمنظور إنساني لا فقط ديني، من خلال تداعياته على الفرد والمجتمع. وبالتالي فثمة قاعدة عقدية - فكرية وراء المثل الأعلى. فيكون الاقتداء به تماهيا نابعا من أعماقه.

وبهذا نخلص أن الدين قادر على تقويم سلوك الفرد وحماية ضميره ضمن شروطه، وفي جميع الأحوال. وعندما يتمكن الدين من الفرد، يتحكم بإراته مطلقا. وأما الرهان على كل واحد من الرهانات بنفسه، فقد اتضح ثمة إشكالات تحول دون ذلك، لكن بمجموعها ضمن شروط ذاتية وموضوعية يصبح الدين رهانا ناجحا ما لم يخضع لتأويلات تبتعد به عن قيمه الإنسانية. فالدين بما هو تجربة روحية لا شك بقدرته على تقويم سلوك الإنسان، وكان الحديث عن الدين ورهاناته بما هو منظومة حياتية متكاملة، كما جاء في تعريفه المتعارف. وجميع هذه التفصيلات جاءت لمناقشة الموضوع في إطار ذات التعريف، وإما اختزال الدين بالتجربة الروحية فلا ريب في قدرته على تنمية وازع التقوى وتقويم السلوك الإنساني، وحماية ضميره.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (10)

This comment was minimized by the moderator on the site

ما أدق هذا التحليل العميق لبناء الدين اجتماعياً
إنه بالأحرى يعرفنا كيف تُزرع الأفكار والعقائد في سياق التاريخ
والحاضنة الاجتماعية ليست فقط مجرد فضاء عام، لكنه ظروف وشروط تشكل التصورات والمفاهيم
ولعلَّ ذلك مسار يعرفنا لماذا تنحرف بعض العقائد والأيديولوجيات إلى مستوى من الشمول المجرد فقط
حين تنشأ مثالية باطلاق وتعود متسلطة ومهيمنة على رقاب الناس وتحول دون تطور المجتمعات
والأدق في تحليلكم أن التكوين الاجتماعي يعطي الدين مساحة من الحركة الكاشفة لعقائده ولأفعال الإنسان المترتبة عليها
فالفضيلة ليس في الاسلام تجريداً معيارياً، بل سلوكاً وفعلاً يتولدان داخل أحشاء الحياة وتفاصيلها
وهذا بالمثل هو شرط التغيير للأفضل والأرحب، ولذلك من الأخطاء البعيدة : أن يظل الخطاب الديني معيارياً وعظياً دون ملامسة خشاش الأرض
دام قلمكم المعطّاء والمبدع
خالص تقديري استاذ ماجد

سامي عبد العال
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ الاستاذ الدكتور سامي عبد العال. تحية عابقة بالمحبة والاخلاص لثراء حضورك، قراءة وتعليقا. فلا ريب في سعادتي وفرحي، حينما يكون التعليق رؤية صادرة عن عقل مفكر، وأكاديمي تشهد له قراءاته الفلسفية. فكيف لا تكون مداخلاته إضافة؟
قوة الدين في قدرته شد الناس للغيب والمطلق، وترشيد وعيهم، ورسم سلوكهم وفق مبادئ العقل والقيم الأخلاقية، وما نشاهده مجرد قراءات للدين وتوظيف متحيزة لقيمه، بل وتم استبعاده لصالح أهداف سياسي وطائفية. أكرر احترامي اخي الجليل، وشكرا لحضورك

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

لا سبيل لهذه الأمة إلا بتطليق السلطة من العقل القياسي الجمعي وتزويجها بالعقل النقدي. لكن السؤال الذي لابد له من إجابة كيف إعادة بناء العقل القياسي الجمعي ليكون ناقدا ثم بناءا هل هو دور المجتمع الصغير المتمثل في (الأسرة) لإنتاج سلطة مثقفة تعبر عن توجهات شعبها أم بالثورة كما حدث في الثورة الفرنسية. ولكن في مجتمعاتنا لم تؤتي الثورات ثمارها على مر العصور.
تحياتي ومودتي أستاذنا الفاضل

Ibrahim Ali
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لمحبتك وحضورك وتلعيقك الاستاذ القدير ابراهيم علي. نحن بحاجة إلى ثورية معرفية تطال المفاهيم والمقولات الأساسية، لتعرية حقيقتها، وما تمارسه من تزوير الحقيقة، وإعادة تشكيلها على أسس عقلي نقدية، وما لم تتحقق هذه المرحلة فجميع الجهود مجرد ترميمات سريعا ما تتوارى. أما الوسائل، فهي تختلف، وبرأيي لا يوجد أقدر من الدولة، لانها تمتلك كل الامكانيات، خاصة الاعلامية والتربوية والقوة حينما يقتضى الامر ذلك، حينما تتنبى التنوير منهجا، وتفتح عقول الطلاب والشعب عموما على النقد والمراجعة، وطرح الأسئلة. واما الوسائل الاخرى فمحدودة التأثير وتحتاج الى وقت طويل، سواء الجهود الفردية او الاسرية، وهذا امر عاد، لشدة التحديات المرتبطة بالمصالح السياسية والطائفية. وارجو ان لا يحول دون مواصلة الدرب مهما كانت الصعوبات وطال الزمن. اكرر احترامي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

مقاربة موضوعية وبالعمق وتطرح الاسئلة التي يُتجنب طرحها للوصول الى عقل جمعي يبقى منقاداً لمن يملكون أدوات الحل والربط السياسية بعيداً كل البعد عن البعدين الاخلاقي والانساني والتي حرص الدين عليها
أما بالنسبة للسؤال هل يمكن الارتهان للعقل الجمعي مطلقا في تقويم سلوك الفرد وحماية ضميره أم لا؟
بما ان لا مجال للتوسع في هذه العجالة فالجواب كلا من وجهة نظري لان الفرد هو الاساس في تكوين العقل الجمعي قكيف للفرد المسلوب الإرادة والمقموع ولا يملك حريته ان يكون هكذا عقل للبناء عليه.
وكما في التاريخ كذلك اليوم نعيش عملية تزوير الوعي التي ما زالت وبفس الدوافع التي ذكرتم في مقالتكم لذلك ما زلنا نرى ونعيش التطرف والاجرام من منظمات مثل داعش وحماتها ومموليها في الغرب والشرق.
بالمناسبة العقل الجمعي حتى في المجتمعات الاخرى ولدى الديانات الاخرى محكوم بنفس الاحكام التي نراها عندنا وخير دليل على ذلك الظلم الذي انزله المستزطنون البيض بالسكان الاصليين في اميركاو كندا وأستراليا وما يحصل في فلسطين
ولكم خالص التقدير استاذ ماجد

Abbas Morad
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ القدير الاستاذ عباس علي مراد، شكرا لتفاعلك وتعليقك، الذي جاء في سياق المقال. صحيح ما تفضلت به أن الفرد هو الاساس في تكوين العقل الجمعي، غير أنه رأيه سيكون هامشيا بعد استباب العقل الجمعي، وهذه نقطة دقيقة، تجعل من العقل الجمعي سلطة قوية ومؤثرة، بمكنها تزوير الحقيقة والوعي.

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

اذا فقد العقل الجمعي والحاضنة الاجتماعية وحتى النص قدرته على ان يكون معيارا ثابتا للحقيقة لا مكانية تجييرهما لصالح المآرب الشخصية والايديلوجية
بقي عندنا العقل معيارا ثابتا
والسؤال استاذ ماجد العزيز هو
الم يخضع نفس العقل ايضا بل ويفكر ضمن قبليات ايضا فرضت عليه قهرا عبر التربية والتعليم القديم
ومع ان له القدرة الكبيرة لتشخيص الاسس والمباديء الاخلاقية من حيث التجريد
ألم يفقد العقل احيانا بوصلته الدالة على القيم من حيث المصاديق
فتختلف العقول فيما بينها في تشخيص مصاديق العدل والظلم
ولعل شحة المتنورين في كل المجتمعات وندرتهم بالقياس للعاملين بالية العقول الجمعية دليلا على ذلك ؟
محبتي الكثيرة

Ali Ashour
This comment was minimized by the moderator on the site

خالص تقديري لدوام حضورك وتفاعلك، وهذا يسرني. نعم بلا شك أن العقل مرتهن لقبلياته، لكن سبق أن قسمتها قسمين، الاول هي القبليات التي يتوقف عليها نظام المعرفة البشرية، وهناك قبليات تفرضها العوامل الذاتية والظروف الخارجية، وهي قبليات ايديويولوجية متحيزة، وهنا يفترض بالانسان الواعي ملاحقتها بالنقد والمراجعة دائما كي لا يخضع لسلطتها. والتفصيل في محله. دمت اخا عزيزا

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً للاخ الفاضل الاستاذ ماجد الغرباوي على هذا المقال الرائع و شكراً للاخوة المعلقين.
في مجتمعاتنا المتخلفة ان عقل الفرد "مهمش" و العقل الجمعي مسيطر عليه بشكل كامل من قبل "رجال الدين" و وكلائهم المنتشرين في كل زاوية من المجتمع. و هؤلاء مادتهم الدينية ليست رسالة السماء ابداً و انما اجترار مرويات قديمة اكل عليها الدهر و شرب و نشر الطائفية. و هذه المرويات و اعادة انتاجها دمرت المسلمين و لا زالت سائدة بشكل فعّال في وقتنا الحاضر. و اعتقد انه من الصعوبة جداً النهوض اذا بقينا على هذا الوضع المسيطر عليه من قبل رجال الدين و بطانتهم بالريموت كونترول. عقولنا مغلقة بشكل كامل.
اعتقد اذا اردنا ان نتطور نحتاج الى اعادة النظر في المناهج الدينية للاطفال و المدارس و تدريسهم فقط آيات القرآن. و مسؤلية الدولة له دور اساسي في هذا الشأن. و الاعلام و المثقفين غير الطائفيين لهم دور اساسي في تثقيف الفرد و المجتمع و رفع مستواه الديني و الثقافي بعيداً عن رجال الدين و المذاهب و اصحابها. علينا ان نتعلم الدرس و ما حصل و ما يحصل اليوم. و شكراً مرة اخرى
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

ثائر عبد الكريم
This comment was minimized by the moderator on the site

كل شيء نحتاج، واولها الوعي الذي يضيء فضاء العقل، ويعيد تشكيله بشكل علمي ونقدي يسمح بمراجعة الموروث واعتماد مناهج علمية وطرق تفكير منتجة. شكرا لك الاخ الاستاذ ثائر عبد الكريم وشكرا لحضورك. تحياتي

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5378 المصادف: 2021-05-27 03:55:52


Share on Myspace