 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (222): مبادئ التشريع والأخلاق

majed algharbawi9خاص بالمثقف: الحلقة الثانية والعشرون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

الأحكام الشرعية والأخلاق

ماجد الغرباوي: سنتحرى مواطن التعارض بين الأحكام الشرعية والقيم الأخلاقية في ضوء المقدمات وما توصلنا له سابقا، وفق المعايير التالية:

- سيكون العقل العملي معيارنا في التقييم، لا ستقلال الأخلاق عن الدين بمعنى التشريع.

- عدم إسقاط الحاضر على الماضي بالنسبة للقيم الأخلاقية المكتسبة، وإنما يحكم عليها وفقا للمعايير الاجتماعية. وهذا لا يمنع محاكمتها وفقا لراهن القيم الأخلاقية من بُعد مغاير. أو بعنوان آخر.

- التمييز بين القيم الأخلاقية الأصيلة والمكتسبة في حالات التعارض. فيصدق مع الأولى، مادامت مطلقة ومشتركا إنسانيا يمكن الاحتكام لها دائما. دون الثانية، لنسبيتها. يحكم العقل بها بفعل الإلفة والتطبّع وسياقات العقل الجمعي التي تخرج العقل عن حياديته وموضوعيته. عقل مؤدلج، يفتقر لشرطي الحكم الأخلاقي: الحرية والإرادة. وعليه ستنعقد المقارنة بين الأحكام الشرعية وخصوص القيم الأخلاقية الأصيلة، سيما المبادئ الأولى: حُسن العدل وقُبح الظلم، وما يتولّد عنهما من قيم أصيلة. وما هو الواجب في ضوئها. ومثالها، قصة العبد الصالح في القرآن، عندما استفز قتل الغلام موسى بحكم عقله العملي، وانسجاما مع الوصايا العشرة التي تحرّم قتل النفس البشرية بغير ذنب. فيخرج أي تعارض بين الأحكام الشرعية والقيم المكتسبة، مادامت نسبية، مرتهنة لمنظومة قيم أجتماعية كانت حاكمة آنذاك، فما نعتقد أنه مصداقا للظلم بمقايسنا قد لا يكون كذلك في حينه وبالعكس. فالاختلاف حول مصاديق الظلم لا مفهومه المتفق عليه الذي يعني الجور، والتصرف بالغير، وتجاوز الحد وغياب العدالة.

مبادئ التشريع

قبل المقارنة بين الأحكام الشرعية والقيم الأخلاقية، يجب تحري البعد الأخلاقي في مبادئ تشريعات الشريعة الإسلامية، كما في آيات الكتاب. أي كما تقوله الآيات ولو من خلال الإطار العام للكتاب. لإخراج جميع الأحكام القائمة على مبدأ أخلاقي عقلي من التعارض. ولعل أوضح المبادئ القرآنية في تشريع الأحكام، هي:

المبدأ الأول: العدل وعدم الظلم: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). كلاهما قيمة أخلاقية، من مدركات العقل العملي، الذي يحكم وفقا لمعاييره بحُسن العدل وقًبح الظلم، ويقرر ماذا يجب أن أفعل. فالمبدأ الأساس في أحكام الشريعة وفقا لهذه الآية، أي خصوص الأحكام الواردة في الكتاب، هو مبدأ العدل وعدم الظلم. وهذا يعني أن جميعها قائم على العدل، سواء تعارضت أو لم تتعارض مع القيم الأخلاقية التي يحكم بها العقل العملي وفقا لنظرنا. وهنا نحن أمام احتمالين: إما أن يقصد القرآن بالعدالة مفهوما مغايرا للمفهومي اللغوي والاصطلاحي، وهذا يقتضي التنبيه، ولم ينبه بل وجاء الامر بها مطلقا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ). والمراد واضح، إعطاء كل ذي حق حقه، كما هو المفهوم اللغوي للعدالة. والأمر بالعدالة في الآيتين مطلق. تعلو فيه العدالة على تشظيات الأديان والأيديولوجيات، فهي واجبة لكل فرد، بغض النظر عن خصوصيته. وهذا يؤكد البعد الإنساني للأمر بالعدالة. ويستبطن اعترافا بالإنسان كإنسان. وبالتالي الأمر بالعدالة يقوم على مبدأ أخلاقي. وكل حكم يقوم عليها هو حكم أخلاقي.

المبدأ الثاني: السعة والرحمة: وهو مبدأ أساس في تشريع الأحكام قرآنيا، تؤكده بعض الآيات: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). والآية تصرح بمنهج وقصدية الحكم الشرعي. الانتقال من العسر إلى اليسر. وتحرير أهل الكتاب من معاناة التشريعات السابقة، إذ تقدمت الآية أن الكل أمة شريعة ومنهجا ينسجم مع واقعها: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم). فالشرائع تراعي الواقع وضروراته، والاسلام يختم تلك الشرائع بتخفيف ما كان يعاني منه الناس. كما أن الآية التالية تؤكد السعة في الدين، ورفع الحرج: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، (يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ). ولدى الفقهاء قاعدة معروفة بعنوان، قاعدة رفع الحرج. وأيضا قوله: (وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ). والآية واضحة، بصدد تشريع حكم صوم المسافر. فجعلت من اليسر مبدأ في تشريع الأحكام. وحينئذٍ تكون هذه القاعدة أصلا ومبدأ، لتحري أسباب التعارض بين بعض الأحكام التشريعية والأخلاق. بمعنى أدق، أن السعة والرحمة وعدم العسر هي الأساس في تشريع الحكم كما هو واضح من الآيات أعلاه، فعندما يتعارض حكم مع القيم الأخلاقية، فهو خروج عن مبدأ التشريع (السعة والرحمة)، فينبغي تحري أسبابه، لمعرفة دواعي الحكم ودوافع تشريعه. وربما نكتشف أن التعارض لم يكن بين الحكم الشرعي والقيم الأخلاقية الأصيلة بل بينه وبين قيم أخلاقية مكتسبة، وهي مستثناة من التعارض لنسبيتها، كما تقدم.

المدأ الثالت: المساواة: حيث تؤكد الآيات المساواة في الأوامر العبادية والتشريعية باستثناء ما يتعارض ظاهرا مع القيم الأخلاقية، وهو موضوع البحث الذي نروم تحري صدقيته، ومعرفة حقيقته. من الآيات: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ)، (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا)، (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) .

أؤكد ثانية أن هذه المبادئ كما يبدو من آيات الكتاب وليس نحن الذين نقررها. وعلى أساسها تُفهم آيات الأحكام، ويمكن الاحتكام لها، في حالات تعارضها مع القيم الأخلاقية. كما على أساسها يجب عدم التسرع في إطلاق الأحكام، والتأني في فهم تعارضها.

أقسام الأحكام الشرعية

ينبغي التفصيل بين الأوامر العبادية والأوامر التشريعية، لتفادي أي تعميم مخل بالموضوعية. وقد دأبت كتب الفقهاء على تقسيم الأحكام الشرعية إلى أبواب أو كتب، تناولت كتاب: المياه والطهارة، الصلاة، الصوم، الزكاة، الخمس، الصوم، الاعتكاف، العمرة، الجهاد، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التجارة، الرهن، المفلس، الصلح، الشركة، المضاربة، المزارعة والمساقاة، الوديعة، العارية، الإجارة، الوكالة، الوقف والصدقات، العطية، السكنى والحبس، الهبات، السبق والرماية، الوصايا، النكاح، الطلاق، الخلع والمباراة، الظِهار، الإيلاء، اللعان، العتق، التدبير والمكاتبة والاستيلاد، الاقرار، الجعالة، الأَيمان، النذر، الصيد والذباحة، الأطعمة والأشربة، الغصب، الشفعة، إحياء الموات، اللقطة، الفرائض، الشهادات، الحدود والتعزيرات، القصاص، الديات. (أنظر: شرائع الإسلام للمحقق الحلي). وهذا الأحكام تنتظم تحت عناوين رئيسية: (العبادات، العقود، الإيقاعات، الأحكام). ثم بمرور الأيام تضاعفت الأحكام وتراكمت فتاوى الفقهاء. وكما هو واضح فإن الأحكام الشرعية في رسائل الفقهاء تغطي جميع مناحي الحياة تقريبا. بعضها تفريع على آيات الأحكام، التي لا تجاوز 500 آية، وهناك فتاوى اجتهادية. وبالتالي فإن الأحكام التي تتعارض ظاهرا مع القيم الأخلاق تقع ضمن دائرة الأوامر التشريعية دون الأوامر العبادية. ونحن كما تقدم يهمنا التعارض مع الأحكام التشريعية الواردة في الكتاب الكريم، وأما الروايات والأحاديث النبوية فمرتهنة الى مبنى الفقيه في حجيتها وعدمها. وسبق التأكيد أن حجية السنة النبوية تقتصر على ما له جذر قرآني، فتكون بيانا وشرحا وتوضيحا، شريطة صحتها بما يفيد العلم واليقين، بسبب بعدنا عن السيرة وعدم وجود أدلة كافية على صحة جميع ما وردنا من أحاديث السنة النبوية، واختلاط أقوال الصحابة والتابعين بأقوال السنة. وبهذا يتضح أن فتاوى الفقهاء خارج البحث، وكل فقيه مسؤول مسؤولية كاملة عن فتاواه. رغم أن الناس لا تفهم الدين سوى ما يقوله رجال الدين، يعتبرون كلامهم حجة شرعية، مُبرئة للذمة أمام الله، فيلتزمون بها. وينسى هؤلاء أن فتاوى الفقهاء رأي اجتهادي، قراءة للنص مرتهنة لقبليات الفقيه وأيديولوجيته ومنهجه ومستوى وعيه. وكذا خارج البحث كل توظيف سياسي لآيات الأحكام، كما فعله خلفاء المسلمين وفعلته داعش والحركات الدينية المتطرفة. لأن الأحكام نصوص لغوية يمكن توظيفها ما لم يلتزم الفقيه بقواعد ومبادئ فهم النص، ومراعاة المنطق القرآني، كرد المتشابه من الآيات إلى المحكم منها. ومراعاة قواعد الجميع العرفي عند تعارض الأحكام. ومعرفة أسباب النزول، ومدى فعلية الموضوعات التي ترتهن لها فعلية الأحكام. وغير ذلك. وبالتالي يجب التمييز بين الأوامر العبادية والأوامر التشريعية:

أولاً: الأوامر العبادية

تعد الأوامر العبادية، القسم الأول من أحكام الشريعة الإسلامية ركنا أساسا، إذ لا يخلو دين من العبادات والطقوس، مهما تفاوتت مظاهرها. وكان ابتداع الطقوس تمهيدا لوجودها، فهي حاجة نفسية وروحية، تلعب دورا في تقويم الأخلاق، حينما يتمسك المؤمن بقيمها. وسبقت الاشارة لها حينما قلت: تعتبر العبادات والشعائر الدينية رهانا مهما لتنمية الضمير الديني والأخلاقي، وتقويم سلوك الفرد والمجتمع، وبهذا الصدد شرّع أحكاما جماعية، إضافة للأحكام الخاصة التي عليها المعوّل في خلق وازع التقوى الذي يرتهن له الضمير الديني. وسبقت الإشارة مفصلا لهذا الموضوع، وبيان الآثار المترتبة على العبادات، فكانت التقوى هدفا مباشرا للصوم، وغاية غير مباشرة للصلاة. ثم شرّع أحكاما جماعية كفريضة الحج، وصلاة الجمعة والجماعة. كما شرّع فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رقيبا خارجيا بجانب الرقيب الذاتي وهو الضمير الديني، وقد مرّ تفصيل الكلام عن الرقابة ودورها في تقويم السلوك الأخلاقي، وحماية الضمير البشري، للحيلولة دون موته أو انزلاقه. والسبب في اهتمام الدين بهما قوة تأثيرهما في استتباب الإيمان، الذي هو شعور نفسي ووجداني، يؤثر به العقل الجمعي ويقوده صوب بوصلته. ومن عاش أجواء الشعائر الدينية يدرك قوة تأثير العقل الجمعي والأجواء الجماعية، حيث ينقاد لا شعوريا، ويعيش لحظات من الخشوع والتعلق بالمطلق والغيب، ويشعر بحرارة الإيمان، وما يترسب في أعماقه من مشاعر الوجد. وبالتالي فإن الدين يلاحق الفرد لتقويم سلوكه من خلال إيمانه ووازع التقوى، ومن يخشع لله في خلواتها يخشع له من خلال المناخات الدينية، وهذا ما تؤكده التجربة، حيث يلين قلب الإنسان، تأثرا بالمجموع، فتتسرب حالة الوجد في أعماقه.

لذا كان من جملة مبررات تشريع العبادات خلق الوازع الذاتي أو الضمير الديني الذي يستعين به الفرد على مقاومة الرذيلة. فمثلا:  ربط القرآن بين الصلاة والنهي عن الفشحاء والمنكر (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى) حيث أعطى للصلاة مفهوما مغايرا أخرجها من كونها مجرد طقوس وحركات جسدية وإيماءات وهمهمات، واعتبرها ممارسة عبادية واعية ترقى لمستوى السلطة الموجهة لسلوك المصلي خارجا، فهي طقس روحي يرقى بقلب المؤمن فوق حطام الدنيا، فيصدق أن هذه الصلاة مصداق للحديث المعروف: "الصلاة معراج المؤمن"، حينما تسمو بأخلاقه وممارساته وتفتح أفاقا للوعي والمعرفة تعرج به في عوالم أرحب، يتخلى معها عن أية فحشاء ومنكر، فيأتي الفعل الأخلاقي مطابقا لقيم القرآن، ويأتي النهي عن الفحشاء والمنكر دالا على المفهوم الجديد للصلاة. وهذا اللون من الفهم العرفاني لطقوس العبادة وفلسفتها من شأنه ترسيخ التقوى، التي تتجلى كما هو المفترض في أدائه السلوكي اليومي، حينما يترفع عن الرذائل ويحرص على عمل الخير والإحسان. بهذا الشكل تكون الصلاة، التي هي أبرز علامات الإيمان، دالة على إيمان الفرد. فالصلاة ليست علامة على إيمان الفرد والتزامه الديني، بل سلوكه الخارجي مؤشر على فضيلته، سيما أن هدف الدين تأسيس مجتمع الفضيلة، يسمو فيه الفرد ليكون مصداقا لقوله: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). وبهذا الشكل نقلب المعادلة المتداولة، ليكون سلوك الإنسان دالا على إيمانه ونقائه وطيب سريرته، فهو مقيم للصلاة بهذا المعنى، وحينئذٍ من حقنا محاسبته على سلوكه ومساءلة تصرفاته. أما الصلاة فلا تدل بمفردها على الإيمان، بل الصلاة بالنسبة للغالبية العظمى من المصلين ومن جميع الأديان عادة يعتادها المصلي بحكم التربية والبيئة. لذا تجد القرآن يربط الإيمان بالعمل الصالح في أكثر من خمسين آية. لكن للأسف أطاح الفقهاء بهذا المفهوم وفاء لسلطة قوانين استنباط الأحكام الشرعية، فغدت الصلاة مجرد حركات، يحكم بصحتها وعدمها وفق مسطرته الفقهية التي لا تعي شيئا من روحانيات الصلاة. فهي صحيحة إذا جاءت طبقا لآرائه الفقهية، سواء كان المصلي ساهيا أو واعيا لفعل الصلاة. الفقيه لا يرهن صحة الصلاة لقوله: (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) التي تعد بالويل والثبور لمن كان ساهيا في صلاته. بل أن الصلاة الكسولة التي لا تترك أثرا على سلوك المصلي هي صلاة منافقة، لا قيمة لها بنظر الكتاب: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً). ومعنى السهو، تمرّد النفس فتفقد الصلاة قيمتها المعنوية وتغدو حركات جسدية لا تضفي معنى لقيامها. بينما يختلف المعنى فقهيا، فالصلاة تكون باطلة إذا أخلَّ المصلي بجزء ولو يسير من حركاتها وسكناتها، بغض النظر عن الطقس الروحي الذي  ينبغي للمصلي أن يعيشه خلال الصلاة، لكن الحمد لله: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ). وهذا سبب رئيس وراء تسويف الأخلاق، إضافة لما تقدم من أسباب. فالحث على العبادات حث على فعل يغذي روح التقوى، ولازمه وعي العبادات بشكل يخرجها من طقوسيتها لتكون مَعلَماً أخلاقيا، يمكننا رصد آثارها الاجتماعية بسهولة، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر أو تبقى مجرد حركات جسدية جرداء، وحينئذِ كل طقس روحي يدفع باتجاه التقوى والعمل الصالح فهو صلاة وطاعة وعبادة، تعكس الجانب المشرق من الدين، بل وتعتبر الصلاة في هذه الحالة فضيلة أخلاقية. هذا الفهم للعبادات يسمح بتحري حقيقة ما يثار حول سلوك المسلمين، فهو مطالب أولاً بإثبات صدقية إيمانه من خلال سلوكه، لا من خلال طقوسه، التي هي غالبا ما تكون موروثة، يعتاد عليها الفرد استجابة لعوامل نفسية وثقافية.

كان ضروريا استدعاء هذا المقطع الذي مرَّ سابقا لبيان دور الأوامر العبادية في تقويم سلوك الفرد. فهي لا فقط تتقاطع مع القيم الأخلاقية بل وتلعب دورا مهماً في حماية ضمير الفرد وتقويم سلوكه. لكن ليس هذا هدف العبادات فقط، بل يعتبر ما تقدم تجلٍ لفعل التحرر الذاتي، كما يالي:

العبادات والحرية

تكمن فلسفة العبادات في قدرتها على تحرير الفرد من أوثانه وسجونه، وهذا يتطلب وعيا يرقى بالعبادات من كونها مجرد حركات، يتولى الفقهاء ضبط إيقاعها إلى كونها نافذة للتحرر من الأغلال، ومكابدة جادة لنيل الحرية، المبدأ الإنساني الأسمى وهدف الأديان أولاً. وهي رحلة مكابدة ومراقبة صارمة من خلال العبادات وأجوائها الروحية كي لا تنزلق النفس في عبادة غير الله. فالله المطلق الخالق معادل موضوعي لكل ما عداه من الأصنام والأوثان البشرية والمعنوية. وإخلاص العبادة له تحرير الذات من قيودها. فتكون بهذا المعنى عملا أخلاقيا أيضا، هدفه وعي الذات من خلال علاقتها بخالقها، ولازمه وعي الذات مستقلة عن غيره. فالاستقلالية تعني تحرر الوعي. لذا فالعبادات مكابدة حقيقية على طريق الحرية، فتكون معيارا لصدقية العبادة من جهة، ومقياسا لمستوى تحرر المؤمن من سجونه. وأقصد بالأغلال القيود الأيديولوجية التي تفرض سلطتها وتوجه الوعي لغاياتها، وتكرس عبادة مثقلة بآثام الشرك الذي يفقد الفرد حريته، وتخفق العبادات في تحقيق هدفها.

إن تفرد الخالق بالعبادة لا يسلب الفرد حريته، بل تكتسب العبادة حينئذٍ معنى إنسانيا، يتجلى من خلال استقلال الإنسان بإرادته، وقدرته على اتخاذ ما يراه مناسبا وفقا للقيم الأخلاقية الإنسانية، وتحرر العقل من كل سلطة فوقية تتحكم بإرادته. وما لم يتحقق هذا القدر من الحرية تخفق العبادات في تحقيق أهدافها. ليس الخالق بحاجة لوقوفك بين يديه واعترافك بربوبيته وتعهدك بالالتزام أوامره، فهو خالق كل شيء وبيده كل شيء، إنما يرد أن ترقى من خلال عباداتك لمستوى الحرية والقيم الإنسانية وتحكيم العقل. فالعبادة بهذا المعنى مكابدة يومية وموسمية لتنقية الذات من أوثانها وأغلالها، واستعادة العقل المرتهن لقبلياته الأيديولوحية. أو بمعنى أدق العبادات مكابدة الإنسان لاستعادة حريته، وإنقاذ كرامته المستباحة من قبل قراءة مغالية للدين، وفتاوى فقهاء المسلمين. والتعهد أمام الله بمقاومة التحديات وأخطرها توظيف الدين لمصالح سياسية وطائفية. فالعبادة اكتشاف الذات المبتورة، ومعالجة أخطائها. العبادة لا تكرّس روح العبودية، ولا تسلب الفرد حريته بدعوى القداسة، بل تكرّس إنسانية الإنسان، لتفيض روحه حبا لا كراهية وبغضا للآخر، ويغدو لوجوده معنى، تستنير به سريرته. ويتجرد عقله من أوهام الحقيقية. العبادة تعني نفي إكراهات المشاعر المزيفة والتمسك بالعقل قيمة أساسية، واعتبار الإنسان محور الحياة، لا تهدر كرامته تحت أي عنوان.

 

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

المفكر القدير استاذ الغرباوي
هل العبادة تحرر الإنسان من أوثانه وهذا عكس منطوق اللفظة ( عبادة)؟
بالفعل إجابتكم في غاية الدقة، لأن الله الذي هو ( معادل موضوعي وغير موضوعي) لكل وثن ذاتيا ًكان أم خارجياً لم يتحدد كوثن ولا كفكرة ولا كصورة. وهذا يعطي الإنسان كل مساحة ممكنة لعدم معاقرة أوهامه التي تجسد الرغبات والأفكار في أشكال معبوده. وحتى الطقوس والعبادات ستكون مقدّمة إلى اللاشيء بهذا المعنى العميق، لأن الله غير ذات شيء ولا يخضع للشيئية. وتلك الفكرة تعمل على هدم أسس موروثة وحاضرة في تشويه حرية الإنسان.
دامت أفكاركم العميقة
خالص تقديري

سامي عبد العال
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الاستاذ الدكتور سامي عبد العال. شكرا لتفاعلك مع البحث. شكرا لمحبتك وثقتك. استفهامك استفاهما نبهاً، غير أن إجابتك، إضاءة لفضاء النص، وغضافة تأملية راقية. إن تحريم عبادة غير الله لا تعني سوى التحرر المطلق من سطوة الأوهام والخرافات والاستبداد والوثنيات والأصنام، فالعبادة مكاشفة مع النفس. تحياتي وكامل احترامي

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5423 المصادف: 2021-07-11 04:19:43


Share on Myspace