 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (223): القيم المكتسبة والأخلاق

majed algharbawi10خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والعشرون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

تحرير الوعي

ماجد الغرباوي: لا ريب أن ثبوت التعارض بين أحكام الشريعة والأخلاق يناقض مبادئ التشريع التي هي قيم أخلاقية: (العدل، السعة والرحمة، والمساواة). ويؤسس لشرعية الكراهية، وقداسة العنف، أو (العنف المقدس). ونحن نفترض في ضوء مبادئ التشريع أن بنية الأوامر التشريعية قائمة على الأخلاق، وثبوت التعارض يهدر القيمة الأخلاقية للشريعة الإسلامية. فالمؤمن يرتكب مغالطة، عندما يذعن لقراءة مبتسرة للنص القرآني على حساب عقله، خاصة الاتجاه الأشعري الذي يعتقد بقيام الأخلاق على الشريعة، والحسن، برأيه، ما أمرت به، والقبيح ما نهت عنه، والنتيجة أن قتل الغلام في قصة موسى كان حسنا مادام بأمر إلهي، نفذّه العبد الصالح. غير أن الأخلاق كما أكدت مرارا، مستقلة عن التشريع، والحسن ما حكم به العقل، والقبيح ما نهى عنه. وعندما يقع التعارض ينبغي تحري خلفيته وأسباب لوجود آيات محكمة تمثل أصلا وأساسا عند الشكل، وعندما نعجز عن إدراك المبرر، فيبقى المرء وإيمانه دون التجاوز  على قيم العقل وما يدركه عن الحُسن والقُبح. ويكفي أن هذه المخاوف مدعاة لتوخي الحذر، وعدم إطلاق الأحكام جزافا، سيما في بيئة مسكونة بالغيب، وقد تسلل دين "علماء الكلام والفقه" لجميع مناحي الحياة، فاستقال العقل، وتنازل عن وظيفته وحريته. وبات الخلاص مرتهنا لطاعة الفقيه، ومدى تمسك الفرد بفتاواه وآرائه ومواقفه. فالهدف الأساس من البحث تحري حقيقة التعارض، وما يترتب عليه من تداعيات عندما يناقض مبادئ تشريعاته. وليس الغرض تبريره أو تزيف الوعي، خاصة بعد تقديم مفهوم جديد للقداسة يخرج النص من تداعيات الجمود على حرفيته إلى رحابة التأويل. فقداسة النص لم تعد دوغمائيته، بل تعني ثراءه، وتعدد مستويات تأويله، ولو بتوظيف معطيات العلوم الإنسانية الحديثة لفهم النص. وهذا يتطلب دراسة أسباب نزوله وبيئته الثقافية وعدم الاكتفاء بما نقله السلف من أراء حول تفسيره، لتحرير النص من سطوة التراث الذي يكرّس إنغلاقه على تفسير أحادي يخدم منطق السلطة والتسلط والاستبداد وسلب الحريات. والأخطر إصرار الفقهاء على فعلية جميع الأوامر الشرعية أزمانا وأحوالا، وعدم الأخذ بأسباب النزول ذريعة لنفي الإطلاق. ولولا هذا الفهم لما استطاع الخلفاء توظيف أحكام الجهاد في معاركهم السياسية وغزواتهم لتوسيع رقعة النفوذ والثروات. ولولا انغلاق الاجتهاد على حرفية النص لما تمكنت داعش والحركات الدينية المتطرفة من استباحة دماء الأبرياء. وهذه معضلة حقيقية، لا يمكن الخروج من دوامة الانغلاق الفقهي إلا بارتهان فعلية الحكم بفعلية موضوعه. وهو منطق قرآني بينت جميع تفاصيله (أنظر كتاب الفقيه والعقل التراثي). فيختلف الحكم حينئذ تبعا لظرفه الزماني والمكاني، وما كان فعليا في عصر النص قد لا يكون كذلك الآن، كأحكام الجهاد. فالحقيقة هدف أول لتقصي حدود التعارض بين الدين والأخلاق وفقا لشروطنا السابقة.

الدين ملهم عظيم للقيم الروحية والأخلاقية، متى تحرر من سطوة القراءات الأيديولوجية. ولا نريد هدر طاقته الروحية لتعزيز قيم الفضيلة وحماية الضمير الإنساني. وبالتالي لا تبرير في المقام وإنما كشف حدود التعارض ومدى صدقيته.

كما نهدف من البحث أيضا: نقد مرجعيات التفكير الديني، التي يرتكز لها الفقيه في تحديد الموقف الشرعي من الآخر، ويتخذ منها دليلا شرعيا لإقصائه وتكفيره وربما استباحة دمه. فعندما نستدل أصوليا على عدم إطلاق آيات الجهاد مثلا، لعدم فعليتها، فسنسلب الفقيه بهذا الاستدلال حجته ودليله. لذا يقتضي النقد الموضوعي العودة للنصوص التأسيسية التي هي المصدر الأول للتشريع. وإذا كان ثمة جدل وتفاوت في الآراء فمنشأه النصوص الأولى، ثم يأتي دور النصوص الثانية، المفسّرة والشارحة. هذا هو المنهج الصحيح في نقد تلك المرجعيات، غير أن المشكلة أن النصوص الثانية حلت محل النصوص الأولى وغدت الروايات وأقوال الصحابة والأئمة ومن ثم أقوال السلف والمفسرين وربما أئمة الفقه هي مرجعيات الفهم الديني، ومحددات الوعي. فهي الأن سلطة معرفية صارمة، يُرمى بالانحراف والكفر كل من يروم العودة المباشرة لكتاب الله دون المرور بها. أي يرمى بضلال كل من يروم تفكيك شرعيتها، وسلبها مرجعيتها. ونحن بالفعل نريد تفكيك المقولات الأساسية التي ترتكز لها في شرعيتها، من خلال الكشف عن حقيقة التعارض بين القيم الدينية والأخلاقية، كي لا يبقى مبرر بيد الفقيه وغيره لتبرير العنف والإرهاب والموقف السلبي من الآخر. لا ريب بدور القبليات الأيديولوجية ومنطق العبودية ورثاثة الوعي في فهم النص، غير أن مقاربة الآيات مباشرة يمهد لمحاكمة الموروث الديني في ضوء التمييز بين: النصوص الأولية والنصوص الثانوية. المقدّس والمدنّس. الإلهي والبشري. ومن خلال مقاربة النص مباشرة وضمن ظرفه التاريخي يمكننا معرفة حقيقة التعارض بين الأوامر التشريعية والقيم الأخلاقية. وهل هي قيم أخلاقية أصيلة أم مكتسبة. وبهذا نكشف عن بؤس أدبيات الحركات الإسلامية بعامة، والمتطرفة بخاصة، ورثاثة وعي حواضنها الاجتماعية.

والهدف الثالث للبحث تحرير الوعي واستعادة حرية الفرد، من خلال تفكيك المقولات الأساسية التي يقوم عليها منطق العنف الديني. أي نقد تلك المقولات التي يرتهن لها الوعي والتي تشكل سلطة يرتهن لها في معرفة الحقيقة. بمعنى أدق، إن نقد مرجعيات التفكير الديني، نقد لرهاب القداسة، وتحرير العقل من سجونه وفك الحصار حول إرادته لاستعادة حريته التي هي ركيزة أولى لانطلاق التنوير، والانفتاح على عوالم معرفية جديدة، أثبتت جدارتها.

الأوامر الشرعية والأخلاق

الأوامر الشرعية في مقابل الأوامر العبادية، هي القسم الثاني من الأحكام الشرعية، فتشمل: المعاملات والإيقاعات والعقود والرق والجهاد وغيرها. وإذا كان غاية الأحكام العبادية تنظيم علاقة الفرد بخالقه، فإن هدف الأوامر الشرعية تنظيم علاقة الإنسان بالآخر، الأعم من عائلته ومجتمعه وسلوكه الفردي والاجتماعي ومعاملاته وعلاقاته ومواقفه، وكل شأن اجتماعي يخصه. وإذا كان التعارض بين الأوامر العبادية والأخلاق مستبعدا فالأمر مختلف مع وجود جملة تشريعات يحوم حولها سؤال الأخلاق، وتلاحقها علامات استفهام لا تكف عن إثارة الدهشة والاستغراب كيف لدين سماوي يتقاطع مع القيم الأخلاقية، وهو بذاته داعية أخلاق؟ وجميعها أسئلة مشروعة، يزيدها التبرير تعقيدا، ويمنحها الهروب عن مقاربتها رسوخا. خاصة أن آيات الكتابة سخية بأمثلتها. وهذا يتطلب قدرا كبيرا من الموضوعية والتجرد، ودراسة الإشكالية وفقا لمبادئ التشريع المتقدمة، وما يدركه العقل العملي من قيم أخلاقية أصيلة. ولازمه خروج القيم المكتسبة لنسبيتها، ودراسة دواعي التشريع وفقا لذلك الواقع وضروراته. أما قياس الماضي على الحاضر أو إسقاط الحاضر على الماضي فسيفضي إلى التباس الحقيقة وتزوير الواقع وبذلك نخسر القيم الروحية للدين التي نعوّل عليها في حماية الضمير وتقويم المجتمع، خاصة وهناك منظومة قيم أخلاقية في الكتاب المبين، تعتبر من ركائز الدين في بعده الاجتماعي والأخلاقي.

لا شك أن مقاربة الآيات ليس أمرا سهلا مع وجود فاصلة زمنية قدرها 1442 عاما، لا تسمح بتحري قيم مجتمع عصر النزول، مع حاجتنا لفرز ما هو مكتسب من القيم الأخلاقية آنذاك. أي قبل اتصافها بصفة دينية، كما بالنسبة للمرأة وأحكامها مثالا. فهل الضرب الذي يقصد به التأديب باليد أو بآلة، كان مباحا ومشروعا ومتعارفا ومتسالما عليه في المجتمعات القبلية ذات النظم الاستبدادية أم كان منكرا فارتكب الدين عملا مداناً أخلاقيا بإباحته له دونها أو لاباحة الضرب مطلقا؟.

في الحالة الأولى، قد يُعتبر تحجيم ضرب المرأة وتقييده بحالات النشوز، وبالحد الأدني داخل المضاجع مع عدم العدوان، يعتبر فضيلة دينية. أي جواز الضرب في حالة واحدة، حالة تنمّر المرأة وانقلاب النشوز إلى موقف عدواني من الرجل. فتتخذ من النشوز أداة للتنكيل به أو الانتقام منه أو لتحقيق هدف ما. أو تتمرد دون أي سبب معلن، وتنفد جميع محاولات الرجل معها، من وعظ ثم هجرانها لفترة، وهو متسمك بها. وهنا ملاحظة أن أمام الرجل فرصة الانفصال عنها، غير أنه متمسك بها، ولا يجد مبررا لنشوزها. وأما إذا كان الرجل سببا لنشوزها أو ثمة عوامل نفسية أو حالة عصبية تمر بها الزوجة فلا يحق له ضربها. وهذا ما توضحه الآية: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا). فالضرب كان مباحا مطلقا ضمن تقاليد المجتمع القَبلي. وكان للرجل حق تأديبها كيفما يشاء ومتى ما يشاء. ففضيلة التشريع تقاس بما عليه المجتمع العربي وأعرافه آنذاك ولا تقاس على لائحة حقوق الإنسان اليوم. كان ضرب المرأة مباحا للرجل، فحرّمت الشريعة ضربها بغيا وعدوانا، وأباحت حالة النشوز ضمن شروط، وليس مطلقا. وعندما اقتصره على المضاجع سيكون قضية خاصة جدا بين الزوجين، لا تترك أثرا اجتماعيا يضر بها، فربما تعود المياه إلى مجاريها، وتعود العلاقة الزوجية طبيعية. فهذا القدر قياسبا بواقع ما قبل البعثة قد يعتبر فضيلة تحسب للشريعة الإسلامية.

 وقبل إتهام الشريعة بالتجاوز علي القيم الأخلاقية، نسأل: هل ضرب المرأة بشروط محددة يتعارض مع القيم الأخلاقية مطلقا، أم يتعارض مع القيم الأخلاقية المكتسبة؟.

لا ريب في إدانة الضرب لقوة تداعياته عندما يهدر كرامة الإنسان، ويمس حيثيته ومكانته ويترك جُرحا عميقا داخل النفس حينما يكون عدوانا لا طاقة للفرد على دفعه. وكان الرجل يسلب المرأة إنسانيتها، ويتصرف بها كجزء من متاعه. وهي تتلوى، تعض على جُرح، مغلوبة على أمرها، لا ترحمها قيم المجتمع القبلي، ولا طاقة لها على ردعه، فهي ضحية قيم ذكورية متخلفة. فإباحة ضربها جزء من القيم السائدة. وهذا القدر من الضرب يعد ظلما وعدوانا، تدينه القيم الأخلاقية الأصيلة. لكن ماذا عن الضرب المحدود، وفي شروط صعبة، ولغاية محددة، هل يتعارض مع القيم الأخلاقية؟ وهل يتعارض مع القيم الأخلاقية الأصيلة أم المكتسبة؟.

إن إدانة الضرب التأديبي مازالت قضية مختلفا حولها، فإذا كانت البحوث التربوية والنفسية، قد أكدت عدم جدواه نفسيا وتربويا فهناك من يؤكد جدواه في المجال التربوي، على أن يكون برفق، محدودا بتحقيق غاياته. وبالتالي مازالت القضية مختلفا حولها، فلا يدخل تشريع ضرب المرأة ضمن شروط محدودة في باب التعارض بين الحكم الشرعي والقيم الأخلاقية الأصيلة، مادامت القيم العرفية قيما مكتسبة، نسبية، تختلف من بيئة إلى غيرها.

وأما العقل العملي فإنه يدين الظلم، بما هو ظلم، أما مصاديق الظلم فمتروكة للعرف. فرغم كل التوجيهات التربوية لكن مازال بعض الآباء يجد في الضرب أسلوبا تربويا، خاصة مع الطفل المشاكس جدا. وبالتالي لا يمكن للفقيه إضفاء الشرعية على ضرب المرأة مطلقا، ولا يمكنه تبريره أخلاقيا باعتباره أمرا إلهيا. فهو تشريع مقيّد بشروطه.

وإذا كانت أعراف المجتمع العربي آنذاك أعرافا مثالية، لا تبيح ضرب المرأة، وتعتبره عملا مدانا، منكرا، يمس كرامتها ومكانتها الاجتماعية، فلا ريب في ثبوت التعارض، لكنه أيضا تعارض بين الأوامر التشريعية وقيمهم المكتسبة، مادام الضرب قضية مختلف حولها، لعدم صدق الظلم على الضرب التأديبي المحدود بشروط صعبة، ولغاية محددة مرتبطة بوضع عائلي خاص بين الزوج والزوجة. الظلم هو الجور وتجاوز الحد. وهذا غير مبرر إطلاقا، لذا اختلف الفقهاء في تحديده وكيفيته، واتفقوا على عدم الجور ومجاوزة الحد، فكأنه أشبه بالتهديد. هذا إذا كان المراد من الضرب المعنى المتداول، هو إيقاع الضرب باليد أو بواسطة آلة. أما إذا كان معنى الضرب في آية النشوز يعني الإعراض، كما بينت هذا مفصلا في كتاب: المرأة والقرآن.. حوار في إشكاليات التشريع. فتكون المسألة سالبة بانتفاء موضوعها كما يقرر المنطق الشكلي. وإنما ضربت به مثلا لأنها مسألة حاضرة كلما جرى الحديث عن الأخلاق والتشريع.

غير أن الحكم يختلف عندما يتعارض الأمر الإلهي مع القيم الأخلاقية الأصيلة فإن التعارض سيكون مستقرا، ثابتا بلا ريب، وما كان لموسى أن يستسلم لولا وجود ملاكات كانت غائبة عنه. فاعتراضه على قتل الغلام، باعتباره فعلا مدانا من قبل الناس والشرائع والأديان، فكان موقفه أخلاقيا وفقا لمعايير العقل العملي الذي يحدد لنا ماذا يجب أن نفعل؟. وعندما عرف موسى بوجود ملاكات بعيدة لم يدركها سلم للعبد الصالح، لكن لا يلزم من تسليمه إنقلاب القيم الأخلاقية. فقتل النفس المحرمة يبقى قتلا محرما، مدانا، من قبل العقل والشرائع والأديان. وهذا يؤكد مبدأ استقلال الأخلاق عن الدين بمعنى التشريع. وتقدمت أدلة كافية، وسيأتي ما يؤكد أن الأوامر الأخلاقية في الكتاب هي إرشاد لحكم العقل. فهي من مدركات العقل العملي، وقد اتفق غرض الكتاب على تبنيها، بل ينبغي له تبنيها مادام الدين رسالة إنسانية هدفها إحياء القيم الإنسانية.

لكن كيف نتحدى قدسية النص ونحكم بتعارضه مع القيم الأخلاقية، وهي أوامر إلهية مقدسة حسب الفرض؟. وهذا كلام صحيح لكن أثبتنا بالنسبة لقصة موسى أن قتل النفس مدان من قبل آيات الكتاب قبل إدانة العقل والعقلاء. مما يؤكد ثبوت الحكم العقلي. وهو بالفعل حكم مطلق، لا يخصص، على العكس من الحكم الشرعي، فهو قابل للتخصيص والتقييد. ولهذا أجمع الفقهاء على قاعدة: ما حكم به العقل حكم به الشرع. وهناك من يحتج بأن الله سيد العقلاء، والإجماع على إطلاق حكم العقل يتضمن حكم الله بالضرروة. المشكلة التي يعانيها الفقه الإسلامي هي رهاب القداسة وسطوة التراث، والخوف من عاقبة الأمور في الآخرة، وعدم تحمّل مسؤولية الأحكام الشرعية الترخيصية، مع أن السعة والرحمة إحدى مبادئ التشريع الإسلامي. وبالتالي يبقى العقل العملي معيارا للفعل الأخلاقي، وتبقى أخلاق الواجب هي المبرر لكل فعل أخلاقي، مادامت تترك أثرا إنسانيا.

ما علينا سوى إعادة النظر في منهج استنباط الأحكام الشرعية ومبادئ التشريع لدى الفقهاء. والعودة لفهم القرآن دون الاكتفاء بتفسيره، ولو بالاستعانة بمعطيات العلوم الإنسانية الحديثة، وما هو صالح من التراث الإسلامي، إذ لا يمكن تجاهل التراكم المعرفي للسلف مادام علميا، قابلا للتوظيف والاستفادة. وعليه لا مجال للتبرير هنا، بل التبرير يسلب البحث موضوعيته، ويعود بنا للمربع الأول، وتبقى قيم العنف قيما دينية مقدسة. تبيح استباحة الدماء البريئة، وتحكم بكفر الآخر، وجواز قتله، مما يزعزع الأمن والاستقرار، خاصة الآخر بات هو الداخلي المماثل، سوى اختلاف وجهات نظر مذهبية أو فقهية. فتكون الفوضى مصير أمة بكاملها. ويكفي المشهد السياسي شاهدا، وما فعلت فتاوى الفقهاء الدموية دليلا على رثاثة الوعي وتخلفه.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

بعد التحية و السلام.
انا مع الاستاذ الغرباوي في كل شيء. لم ينص الاسلام على الاعتداء الجسدي على المرأة. حتى في الحرب اول خليفة. ابو بكر الذي امتنع الامام علي عن مبايعته حتى اجبره الخليفة عمر. نصح جنوده بعدم الاعتداء على نبات او حيوان في الحروب. فما بالك بامرأة مسالمة في بيتها.
يوجد عدة تفسيرات للضرب و النشوز. فالنشوز قد يعني نية الارتداد. و يكون بهءه الحالة حكمها بالظن و الاحتراز و هو الانفصال و الهجر.
اما الضرب بالذات اكتفي بالاشارة لما ورد في هذا المرجع لعبدالعزيز بايندر
https://www.hablullah.com/?p=3211
ومما ورد فيه.. ولأن الضرب يأتي بمعنى وضع الشيء على الشيء وتثبيته عليه، فالكلمة هنا لا بد أن يُعطى لها معنى إبقاء الرجل امرأته في بيتها وذلك بعد هجره لفراشها. لأنه لا يتحقق تخلي المرأة عن حقها في استخدام صلاحيتها في الافتراق إلا بإرادتها الحرة. يشير إلى هذا القسمُ التالي من الآية:
{فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً}
الطاعة في العربية تعني: قبول شيء من القلب وتنفيذه، وضدها الإكراه، وفعل شيء نتيجة الضرب (بمعنى الإيذاء الجسدي) يعني القيام به تحت الإكراه. وقوله تعالى “فإن أطعنكم” بعد قوله “واضربوهن” يمنع إمكانية إعطاء الضرب معنى الإيذاء الجسدي. والمعنى الوحيد الذي يمكن أن يعطى لهذه الكلمة هو عدم إخراج المرأة التي تريد الافتراق.

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

لقد كتبت عن الموضوع في كتاب المرأة والقرآن.. حوار حول اشكاليات التشريع، وقد انتهيت الى نتيجة ذكرتها في المقال. شكرا لمداخلتك الاخ الاستاذ د. صالح الرزوق

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

استاذ ماجد ملاحظاتك دائماً مبدعة وموضوعية ، فلاشك هناك الكثير من الطروحات التي القت بظلالها على الأخلاق في مجتمعنا العربي والاسلامي ومنها على سبيل المثال لا الحصر (اطع الوالي او السلطان ولو جلد ظهرك واخذ مالك) في حين ان ديننا يأبى الظلم والاستكانة الى الظالم ( افضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) وهذا الحديث النبوي يعارض الاول والتناقض واضح وهناك تراث ضخم على هذا المنوال ، ومعروف في اي مدرسة فقية يتركز هذا ، وهي مدرسة كرست ونظرت لكل الظلمه في تاريخنا ، لذا اود من حضرتك استاذ ماجد الاشارة الى اسم المدرسة التي كرست اخلاق الاستكانة والخضوع ،حتى لا ندخل في ضبابية التعميم وينجر الحكم الى مدارس عارضت وضحت من اجل عدم تكريس هذا الخط، لان هناك من يحاول ان يحرف البوصله وبدلاً من يوجه نقده للفاعل الحقيقي تراه يوجه سهام نقده الى من قدم التضحيات من اجل الحريه والعداله، اسف للاطاله، تحياتي واشواقي لجنابكم المكرم.

أياد الزهيري
This comment was minimized by the moderator on the site

تسلم اخي الحبيب الاستاذ الباحث الجدير أياد الزهيري. وايضا دائما مداخلاتك القيمة اضافة مهمة. نعم هناك حلقة حول ما تفضلت به انه موضوع حساس رغم أني سبق ان استعرضته، لكن سياتي ما هو اهم. تقبل احترامي وتقديري

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5429 المصادف: 2021-07-17 05:39:01


Share on Myspace