 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (225): العقوبات الإلهية والأخلاق

majed algharbawi11خاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والعشرون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

الظلم والجور

ماجد الغرباوي: مازال تعريف الظلم بحاجة إلى توضيح إضافة لما تقدم من تعريفات لغوية واصطلاحية لخطورة توظيفه عندما يفتقر للدقة المنطقية، رغم قبحه عقلاً. ولا أبالغ إذا وصفته مفهوما ملتبسا في مصاديقه، فقد يتصف سلوك ما بالظلم في مجتمع، لا يتصف به في مجتمع آخر. وقد يُعد الشخص متلبسا بالظلم ضمن أعراف مجتمع لا يكون كذلك في مجتمع مغاير. ويعززه أن الظلم منطقياً: مفهوم كلي مشكك / متفاوت، وليس متواطئا / متساويا. ولتوضيح الكلام:

المفهوم تارة يكون تجريديا غير منتزع من الخارج سوى صورة ذهنية، هي في حقيقتها تمثلات لانعدام المصاديق الخارجية، كمفهوم الملائكة. وتارة يكون منتزعا من الخارج. أي ينتزعه الذهن من مصاديق خارجية، فيكون المفهوم مرآة له. كمفهوم الإنسان. فإن الواضع شاهد زيداً وعمرواً وخالداً وانتزع منهم مفهوم الإنسان، لاشتراكهم بالإنسانية. فالإنسان مفهوم منتزع من مصاديقه الخارجية. ينطبق على كل فرد بالتساوي. ويسمى منطقيا (الكلي المتواطئ أو كلي متواطئ). والتواطؤ هو التوافق والتساوي. في مقابل (الكلي المشكك أو كلي مشكك). متفاوت، ومثاله: الصفات كالبياض والعدد والجمال، جيمعها يتفاوت من فرد لآخر. فالكلي المنطقي إما أن يكون متواطئا، ينطبق على جميع أفراده بالتساوي. أو يكون مشككا تتفاوت أفراده في الصفة المشتركة، كتفاوت البياض بين الثلج والقرطاس مثلا. وتفاوت العدد بين الواحد والألف وكلاهما عدد. فمفهوم العدد والبياض مفهوم كلي مشكك، متفاوت في نسبته. وهذا ينطبق على مفهوم الظلم. فهو متفاوت في درجاته وشدته، فيكون نسبيا، مثله مثل الضوء فإن ضوء الشمس أشد سطوعا من ضوء القمر وكلاهما يصدق عليه مفهوم الضوء.

والأجدى الاحتجاج بالقرآن لتحديده، لا كمصدر لغوي فقط بل لأنه المعني في هذا البحث أساسا، ومازلنا نتحرى صدقية تعارض جملة من آياته مع الأخلاق. وعندما نراجع الكتاب الكريم يظهر لنا بوضوح تفاوت مفهوم الظلم، فيصدق وفقا لبعض آيات الكتاب أنه مفهوم كلي مشكك أي متاوفت، كقوله:

- (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، ومفهومه هناك تفاوت في مستويات الظلم، فكما هناك ظلم عظيم، هناك ظلم أقل وطأة.

- (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)، (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا)، (وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى). وصفة التفضيل واضحة، فهناك ظالم وهناك أظلم.

فالظلم صفة منتزعة من مصاديق خارجية، بدءا من النشأة الأولى، العائلة، عندما صدم السلوكُ العدواني للأب الطفلَ، وهو يشاهد أباه يقسو على أخيه أو أخته أو أمه أو ماشيته بلا ذنب. أو لمجرد زلة بسيطة، يمكنه تجاوزها. فانطبعت لديه صورة أولية عن الظلم. ومن خلال مشاهداته لحالات جديدة راح يتبلور مفهومه عبر صورة منتزعة عن مصاديقه الخارجية، بحيث تتداعى جميع مشاهداته عنه. ونؤكد أن تفاوت المفهوم لا يبرر الظلم، بل يبرر ما كان مبررا منه عرفا، وهو كل ظلم لم يقصد به الظلم والعدوان أساسا، كأن يكون من تداعيات العدالة، فإن إقامتها قد يتسبب ببعض الظلم، فلا يدخل في مفهومه، كما تقدم بيانه. وعليه تختلف الأحكام على مصاديقه الخارجية، فمن الظلم ما تشجبه الأخلاق وجميع القيم السماوية والأرضية، خاصة عندما يتحول إلى قهر واضطهاد واستغلال لضعف الإنسان وعجزه عن المطالبة بحقوقه. في مقابل حالات بسيطة يصدق عليها المفهوم بيد أن العقل العملي يتجاوزها إذا لم تكن مقصودة بذاتها.

وبالتالي ليست مشكلتنا مع المفهوم، فهو واضح. غير أن المشكلة في تشخيصه، ونحن نبحث عن معيار أدق، لتحري صفة الظلم في تضاعيف الآيات، سيما الآيات التي تحدد موقف المؤمن من الآخر.

نخلص، إن ما يبدو ظلما في أحكام القضاء (وهي جزء من الأحكام التشريعية) لا يدخل في مفهومه، شريطة أن يستمد شرعيته من عدالة القضاء. والزائد يعد ظلما وجورا. وعدالة القضاء تأتي من نزاهة الحاكم، وعدالة القوانين واللوائح القضائية، وهي مجموع التشريعات التي تقر وفق معايير، إما شرعية أو عرفية مقنعة، ممضاة من قبل العرف العام (قوانين العقوبات العامة)، أو ما تقرره الحكومة عقوبات رادعة، لحفظ الأمن والاستقرار والمصالح الكبرى، وحفظ حقوق المواطنين. فتخرج بالضرورة جميع القوانين والتشريعات التي تتخذ لمصالح شخصية. كما هو حال الدول الاستبدادية التي تمنح الحاكم الأعلى سلطات مفتوحة وتعاقب من يمس بها. وتشريعاتها القضائية ضد المعارضة السلمية، والتي تسلب الحريات وتصادر حقوق الناس. فجميعها يخرج عن مصاديق العدالة التي تدخل تحتها أحكام القضاء والعقوبات المرتكزة لمادة قانونية، ويبقى تحت مفهوم الظلم القبيح عقلا وعرفا.

ولا فرق بين القضاء المدني والعسكري والشرعي، فالجميع مطالب بالعدالة أو تتصف قراراتهم الجور والظلم والعدوان. والظلم عمل لا أخلاقي، يدينه العقل. وتشجبه القيم الإنسانية. وهذا يدفعنا للسؤال عن بعض الأحكام والخطابات القرآنية، سواء الدنيوية أو الأخروية. كيف يمكن تفسيرها من وجهة نظر أخلاقية، وهي تتجاوز مبادئ العدالة القرآنية ذاتها؟ وما هو المبرر الأخلاقي لها؟ وهل يمكن تشريع حكم يتعارض مع القيم الأخلاقية؟ أم أن الضرورات تبيح المحظورات حتى في بعدها الأخلاقي، كمن يكذب لأجل إنقاذ نفس بشرية؟. وسبق التأكيد أن الكذب يبقى عملا لا أخلاقيا مهما كانت مبرراته لكن للضرورات أحكامها، خاصة عندما يتعلق بها فعل أهم كإنقاذ شخص من الموت. وهو موضوع مهم جدا بالنسبة لنا، ينبغي بيانه.

العقوبات الإلهية

اشتمل الكتاب الكريم على مجموعة عقوبات ترتكز للعدالة والقيم الأخلاقية، لكن بعضها يستدعي تحري دواعيها، عندما تتجاوز حدود العدالة في نظرنا نحن البشر. وسبق الحديث عنها في كتاب تحرير الوعي الديني. ولا ريب أن جميع هذه الإشكالات لا ترد على من يعتقد قيام الأخلاق على الشريعة، فهي حسنة مادامت أمرا إلهيا. وترد على من يعتقد باستقلالها عنها. وهذه العقوبات هي:

أولاً- عقوبات دنيوية: على أقسام:

1- عقوبات جسدية، كقطع يد السارق: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا). والقصاص، كما ذكرت الآية المتقدمة.

2- غرامات مالية (نقدية أو ما يعادلها كتحرير رقبة) ومثالها، دية قتل الخطأ: (وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ).

3- عقوبات معنوية، كالتوبة، ووجوب الصوم لمن لا يجد دية القتل الخطأ: (فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا).

4- عقوبات كونية: كالزلازل والأمطار والرياح: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ)،(فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ). وقد فصلت الكلام حول الظواهر الكونية وبيان حقيقتها في كتاب: تحرير الوعي الديني. وبينت أنها تجري وفقا للقوانين الكونية. وهي ليست أحكاما شرعية ولا يصدق عليها المفهوم.

ثانياً: عقوبات دنيوية وأخروية: كعقوبة قتل العمد: وهي القصاص في الدنيا، وعذاب الآخرة: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيم)، (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).

ثالثاً: عقوبات أخروية: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).

هذه هي أقسام العقوبات في القرآن، بعضها يسير وفقا لمبادئ العدل والانصاف التي أكدت الآيات، وبعضها عقوبات لا تنطبق عليها صفة العدل والانصاف ما لم ندرك ملاكاتها البعيدة، أو نستدل عليها من خلال دراسة أسباب النزول والظرف التاريخي، وما هي مبررات الحكم، خاصة الموقف من الآخر. أو الخلود بالنار، مهما كانت الجريمة، فهل هناك جريمة تستحق الخلود بالنار، مهما كانت خطورتها؟ أم ان لغة الدين تختلف عن اللغة العرفية، فثمة أهداف تقصدها لغة الدين تدور مدارها؟.

مفهوم العقوبة

يقصد بالعقوبة لغة: (عاقبَ يعاقب ، عِقابًا ومُعاقبةً وعقوبةً ، فهو مُعاقِب وعقيب ، والمفعول مُعاقَب – للمتعدِّي.. عاقب مُجرمًا بذنبه/ عاقبه على ذنبه: جزاه سوءًا بما صنع، أخذه به، انتقم عاقبه على خطئه. أنظر معجم المعاني أونلاين.. وفي المعجم الوسيط: تَعَرَّضَ لِعُقُوبَةٍ شَدِيدَةٍ:- : لِعِقَابٍ.. وفي مغني اللغة: جزاءُ فعل السُّوء، ما يلحق الإنسان من المحنة بعد الذَّنب في الدُّنيا : لكلّ ذنبٍ عقوبة، - عقوبة بدنيّة / جنائيّة.. وفي غريب القرآن: العقوبة والمعاقبة والعقاب يختص بالعذاب).

واصطلاحا العقوبات: إجراءات قانونية لمعاقبة كل من ارتكب جريمة أو اعتدى على حقوق الآخرين، أو تجاوز على الأنظمة والقوانين. ويراد بالعقوبة شرعا الردع عن الجريمة وليس الانتقام، فلا يتوقف تنفيذ العقوبة على ذات الوسائل المنصوص عليها قرآنيا، لأنها لم تكن هدفا للشريعة. وقد بحثت هذا مفصلا في كتاب: الفقيه والعقل التراثي، في موضوع العقوبات الجسدية. لذا فالعقوبة: (جزاء ينطوي على الإيلام أو الحرمان من حق الحياة أو الحرمان من الحرية أو الحرمان من مباشرة بعض الحقوق أو الحرمان من المال. أنظر: ويكيبيديا). ولما كان هدف القضاء إحقاق الحق وإقامة العدل والقسط بين الناس فإن هدف العقوبات: إرجاع الحق إلى أهله، ومعاقبة المسيء لقطع دابر الجريمة.

وعليه، نحن بصدد معرفة المبررات الأخلاقية للعقوبات التي تتعدى منطق العدالة. مع التأكيد على وجوب إحقاق الحق كمطلب أخلاقي وقانوني، وتعويض المجني عليه أو من يرثه / ولي الدم إن كان الجريمة قتلا. فالعدالة هي الأساس الأخلاقي لتنفيذ العقوبات، بعد تحديد مقدارها. لا خلاف بين القضاء الإسلامي وغيره في هذه النقطة بالذات سوى مقدارها. والعقوبات (الحدود والتعزيرات) من أساسيات التشريع الإسلامي أو الشريعة حيث مرت تقسيماتها. بيد أننا نقرأ عقوبات تتجاوز منطق العدالة ظاهرا، كيف يمكن تكييفها مع مبادئ العدالة؟. وهو اعتراض مشروع، يستدعي أولاً بيان مبادئ القضاء قرآنيا، لتكون معايير الشريعة معيارا لتحديد مستوى التجاوز. وهذا لا يمنع اعتماد معايير من خارج القرآن، لكنها ليست حجة عليه، فالاحتجاج بمعايير القرآن يمنح الاعتراض شرعية. فمثلا عندما تحرم الشريعة قتل النفس المحرمة، بما هي نفس بغض النظر عن انتمائها الديني والعرقي، فكيف يُستباح دم الآخر، كما جاء في آية السيف مثلاً؟.  

وهنا يمكن الاستشهاد بمجموعة آيات تتضح من خلالها مبادئ الحكم والقضاء في الإسلام، يمكن على أساسها تحديد مستوى الظلم في الأحكام إن كان هناك ظلم حقيقة فربما هناك سوء فهم لها أو لشروطها. وقد مرّت مبادئ التشريع الإسلامي التي هي: العدالة وعدم الظلم، السعة والرحمة، المساواة:

- (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). والآية واضحة تأمر بالعدل والإحسان وتنهى عن البغي الذي هو الاعتداء والتجاوز. وتؤكدها في مجال القضاء الآية التالية:

- (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا). والآية جاءت في سياق الحديث عن القضاء، ولا يستفاد منها الحكم بمفهومه الحديث، السلطة والحكم. والدليل بداية الآية: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ... )

- (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ). وتخصيص الحكم بما أنزل الله باعتباره ميزانا للعدالة وإحقاق الحق: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).

- (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ). وهذه أكثر دلالة، والقسط النصيب بالعدل.

- (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ). وهذا مبدأ إنساني عظيم، إذ أجازت الآية العقوبة بالمثل، بلا جور أو ظلم، بل وأكدت على العفو قدر الاستطاعة، فقد يؤثر في نفس الجاني أكثر من العقوبة، ويقلع عن الجريمة، فيكون العفو علاجا له، وهذا ما أكدته مرارا أن هدف العقوبات في الإسلام قطع دابر الجريمة وليس الانتقام، وهذه الآية شاهد في المقام. والآية التالية تؤكد العفو والتسامح والصلح بدلا من العقوبات:

- (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)

- (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). وهذه الآية تضع مقادير العقوبات على أساس العدل والانصاف.

- (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ). والآية خطاب لداود النبي، تحثه على التزام الحق في القضاء، في مقابل العقوبات الصادرة عن مزاج الحاكم او مداراة لجهة ما. فيكون الحق هو ميزان القضاء، ولا مجال لأي تدخل شخصي فيه. بل ينبغي للشاهد أيضا أن يشهد بالحق، دون مجاملة أو انحياز لأحد مهما كانت صلة القربى، كما جاء في هذه الآية:

- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ).

نخلص أن القضاء في الشريعة الإسلامية قائم على العدل والانصاف وإحقاق الحق، وفق موازين العقوبات المثبتة في الآيات الصريحة، هذا ما أكدته الآيات. ولسنا معنيين بالأمثلة التاريخية وسلوك الخلفاء وقضاة وفقهاء السلطة. ومهمتنا تقتصر على تحرير ذات الأحكام الشرعية الواردة في الشريعة. وعلى هذا الأساس ينبغي مقارنة العقوبات المطلقة الواردة في بعض الآيات. فنسأل عن مبررات أحكام آية السيف مثلا في ضوء الآيات المتقدمة، وهي آيات صريحة محكمة. وهنا نلتزم بذات المنطق القرآني برد المتشابه إلى المحكم من الآيات. فما وافق المحكمات من الآيات فهي أحكام قائمة على الحق، وما لم يتوافق مع مبادئ القضاء، يستدعي دراستها للبحث عن مبرراتها. هذا فضلا عن مبررات العقوبات الجسدية التي تناولتها بحثا من جميع الزوايا، في كتاب الفقيه والعقل التراثي.

لكن كيف نفهم باقي العقوبات، وما هي مبرراتها الأخلاقية:

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

الحلقة مفيدة و تضيف افكارا جديدة.
بالنسبة للعقوبات ورد بند عقوبات شاملة تتضمن تدمير مدينة او قوم.
الحقيقة انا انظر للمسألة ككناية عن نهاية الشر او مصير الفساد المحتوم.
فالقرآن تكلم عن عاد و ثمود و لكنه لم يذكر بومبيي و تدمر و أفاميا و مئات الحضارات التي لم يبق أحد او شيء منها.
اعتقد ان دورة الطبيعة تتسبب بمثل هذه الأحداث الجسيمة و التي تنتهي بحرب او كارثة غير محسوبة تشطب على مرحلة من التاريخ.
ربما من المجدي هنا ان يذكر الأستاذ الغرباوي الفرق بين المجاز القرآني و منطقية و سببية التاريخ و تدمير أقوام بكاملها.
لا يمكن ان الله عاقب الماموث او الديناصور على ذنوب
ارتكبوها. ووفر الفيل من الفناء. وهل فيروس كوفيد عقوبة جماعية نتيجة غضب إلهي ام انه احد النتائج الجانبية للتطور الصناعي المذهل؟؟
وشكرا...

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

تحية خالصة لجمال حضورك الاخ الاستاذ الدكتور صالح الرزوق، وشكرا لتعليقك ومتابعتك. تعرضت لهذا الموضوع في كتاب تحرير الوعي الديني، واشرت لاهمية التفسير الرمزي والمجازي بالنسبة للقصص الكتاب.نعم الحضارات تظهر وتنمو ثم تشيخ وتموت، فلها دورة كاملة، وهناك اسباب وراؤها. وسأشير لبعض الافكار بما يخدم هذا الموضوع. شكرا لك ثانية

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الفاضل الاستاذ ماجد الغرباوي على هذا المقال التنويري الرائع و شكراً الى الدكتور صالح الرزوق على تعليقه و احب ان اضيف التعليق التالي:
انا اعتقد انه لا يوجد تناقض بين اخلاق "الانسان السوي" و الامور الارشادية التي جاءت في الدين الاسلامي بل بالعكس ان الامور الارشادية القرآنية تعزز الاخلاقة السوية للانسان. و "الانسان السوي" اقصد به هو الانسان الذي تتمثل به كل "صفات التقوى" بكل ما تعنيه هذه الكلمة القرآنية من كل الصفات الانسانية النبيلة من صدق و عدالة و نزاهة و امانة و مساعدة الاخرين –الخ بغض النظر عن دينه او قوميته او موقعه الجغرافي.
الحجرات 13 "يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير".
و هنا ان الاية توضح انه ليس بالضروة ان يكون الانسان مؤمناً او مسلماً او اي دين آخر. و بمعنى آخر ان الدين الاسلامي جاء ليدعم و يغرس القيم الانسانية النبيلة في نفوس البشر عموماً.
و لذلك جاءت الامور الارشادية على شكل اوامر و تنبيه للبشر. "لا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين".. " ---- فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تاويله" .
و الاية الاخيرة توضح لنا ان البشر "الغير السويين" يؤلون القرآن حسب ما يريددون و ليس كما يريده الله. و ان الله اطلق على هؤلاء "في قلوبهم زيغ".
و الامور اعلاه هي التي تؤدي الى الظلم و قهر الانسان و انكار حقوق الاخرين و غيرها من الامور و ان المسبب الرئيسي لهذه الامور هم رجال الدين و رجاء الفقه لتحقيق اغراضهم الخاصة و ليس رغبة رسالة السماء في تحقيق مجتمع الفضيلة.
و لو تمعنّا في آيات القرآن لوجدنا ان الظلم اهم صفة سيئة ركزّ عليها القرآن حيث جاءت اكثر من 20 مرة. و ان الله ينظر على ان ظلم الانسان لاخيه الانسان هو اشد من الكفر بدينه كما موضح ادناه:
الكهف 29
وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر انا اعتدنا للظالمين نارا احاط بهم سرادقها وان يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا
الاية اعلاه بالرغم من انها تتكلم عن نقيضين هما "الايمان" و "الكفر" بدين الله و لكنها توعد "الظالمين " و ليس "الكافرين" بدينه بالنار. و هذا معناه ان اخلاق الانسان السوي الذي تتمثل به قيم التقوى من عدل و صدق و نزاهة اكثر تقديراً عند الله من انسان يدعي الايمان و هو "انسان ظالم". ان الاخير سيكون مثواه جهنم حسب الاية اعلاه.
و الاية التالية توضح الامر بشكل اكثر وضوحاً .
البقرة 254
يا ايها الذين امنوا انفقوا مما رزقناكم من قبل ان ياتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون
و الاية اعلاه توضح ان الانسان "الكافر" هو الانسان "الظالم". و هذا معناه ان الانسان قد يكون "مؤمناً" و لكنه "ظالم" فأن الله يعتبره كافراً. او ان يكون كافراً و ظالماً فيعتبره "كافراً". و هذا معناه ان الاخلاق الانسانية النبيلة من صدق و عدل و عمل كل شيء لصالح البشرية تسبق الارشادات الدينية و ان الاخيرة تعززها و تشد عليها لخلق مجتمع الفضيلة و يكون تأثيرها كعامل خارجي. و شكراً مرة اخرى و مزيداً من المقالات التنويرية.
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

ثائر عبد الكريم
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لحضورك وتفاعلك الاستاذ ثائر عبد الكريم. تعليق قيم زاخر بايات الكتاب كدليل على انسجام الدين والاخلاق. وان الدين ملهم لها. تحياتي وتقبل احترامي

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5442 المصادف: 2021-07-30 03:55:58


Share on Myspace