 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (234): دور العقل في التشريع في إطار الأخلاق

majed algharbawi5خاص بالمثقف: الرابعة والثلاثون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

قبل مواصلة البحث حول جدلية الواقع والتشريع، أتوقف للإجابة على سؤال جاء تعقيبا على موضوع ختم التشريع وقدرة العقل على إدراك مبادئه.

س519: ماهر الشمري، ملبورن – أستراليا: سؤال إلى إستاذنا العزيز المحترم ماجد الغرباوي:

إذا كان العقل قادرا على اكتشاف مبادئ التشريع، وعلى تشريع ما يراه مناسبا وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته. وقادر على مواصلة حياته على المدى البعيد، مع عدم حاجته مستقبلا للوحي أو أي ولاية دينية. وكان ذلك هو سرّ توقف هبوط الوحي وبعثة الأنبياء، كما جاء في بحثك. وسؤالي: ما حاجتنا للوحي أساسا، ولماذا احتجنا له ابتداء؟ ولماذا اقتصرت حاجتنا له على تلك المرحلة، دون المرحلة اللاحقة؟.

ج519: ماجد الغرباوي: شكرا للأخ الأستاذ ماهر الشمري، وشكرا لتفاعلك مع البحث من خلال أسئلتك القيمة التي جاءت تعقيبا على موضوع ختم الشريعة.

المقدمة التي سقتها ضمن سؤالك الكريم، والتي هي أساسا محور البحث (إذا كان العقل قادرا على اكتشاف مبادئ التشريع، وعلى تشريع ما يراه مناسبا وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته)، قد تم الاستدلال على صحتها بأدلة أربعة، هي: سيرة العرف التشريعي. نصوص قرآنية صرحت أنها شُرعت وفقا لمقتضيات الحكمة أو من أنباء الحكمة. تعليل الأحكام، وإمضاء السيرة العقلائية. وهي أدلة كافية لإثبات صحتها. وأؤكد أن سياقات الأحكام الشرعية في القرآن دالة على الجذر الأخلاقي لها، خاصة الآيات المعللة ، كما بينت سابقا، وهي كثيرة. وعليه فالعقل قادر فعلا على اكتشاف مبادئ التشريع. ويمكنه ملء الفراغ التشريعي وفقا لمقتضيات الحكمة في أفق الواقع وضروراته. وقد عالجت نسبية المعرفة البشرية في مقابل المعرفة الإلهية، بإمضاء نسبيتها. وكل هذا مرَّ تفصيله.

وقد سبق التنبيه نحن نفترض وجود مجتمع مسلم، متمسك بالشريعة، وقد يعتبرها مصدرا وحيدا له. يرفض القوانين والأنظمة الوضعية، ما لم تكن مطابقة لها أو تخضع لوصايا الفقيه أو خصوص الفقيه الولي، وفي سياقها جاء السؤال عن الحاجة للوحي؟ ولماذا أستُغني عنه بعد البعثة وليس قبلها؟. ويمكن السؤال أيضا: من يحدد حاجة أو عدم حاجة الشعوب للوحي؟ وما هي مرجعياته ومبرراته؟. وهي أسئلة مشروعة، بعد دلالة الأدلة على إمكانية إدراك مبادئ التشريع والجذر الأخلاقي للأحكام الشرعية. وبعبارة أدق مادام العقل قادرا على إدراك مبادئ التشريع، وقادرا على التشريع وفقا لمقتضيات الحكمة، كما أنتهى إليه البحث، فما هو مبرر نزول الوحي أساسا؟ ألم يكن العقل قبل بعثة الأنبياء قادرا على تشريع الأحكام؟. وهذا سرّ شرعية السؤال. خاصة مع تأكيد البحث على الجذر الأخلاقي للأحكام، وعدم وجود أي بعد ميتافيزيقي أو غموض وراء تشريعها، مما يعقد إشكالية العلاقة بين الوحي والعقل، ويسمح بطرح السؤال مجددا عن ماهية الوحي وحقيقته؟.

بدءا ينبغي بيان العلاقة بين الوحي والتشريع. وهل نزول الوحي مرتهن لتشريع الأحكام؟. بمعنى أدق، هل الحاجة للأحكام الشرعية هي علة نزول الوحي؟ وهل هي وراء بعثة الأنبياء؟ فالكلام في الكبرى ومدى صدقيتها كقضية دينية؟ فهل الكبرى صادقة أم لا؟. فينتفي السؤال بانتفائها ويثبت بثبوت صحتها؟.

إن الحاجة للوحي، والكلام من وجهة نظر الأديان، أعم من الشريعة والعقيدة. الحاجة للوحي مرتبطة بهداية الناس في إطار وحدانية الخالق، والإيمان باليوم الآخر، وأن الله هو الحق. وهو ما أكدته الكتب السماوية. وما الشرائع وتسوية الخلافات وتصحيح مسارات العدل الاجتماعي والقضائي سوى جزء من التعاليم الدينية، وليست هي محور الوحي وسبب نزول الرسالات. وبالتالي فثمة هدف أعلى وفقا للمنطق القرآني وراء بعثة الأنبياء مرتبط بوحدانية الخالق وهداية الناس: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)، (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ)، (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا)، (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ). التوحيد هو محور القرآن، يمكن رصد هذا بسهولة من خلال الآيات، إذ تشكل وحدانية الله، موضوعا لعدد كبير من الآيات. كما اعتبرت الآيات التوحيد مسؤلية أساسية لبعثة الأنبياء، فتجدها تسرد تفصيلات كثيرة وجدلا محتدما بين المؤمنين ومناوئيهم، الأعم من الكفار وأهل الكتاب. فبعثة الأنبياء مرتبطة بالدين وقضية التوحيد وانحراف الأديان، وقسم آخر يخص الشرائع، وتحريفها. وأكتفي بشاهد قرآني واحد ويمكنك مراجعة شواهد عديدة: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، قُلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). فهذه الآية وغيرها تؤكد انحراف الشرائع عن مقاصدها الحقيقية في نظر القرآن، فيأتي الوحي ليحسم الخلاف حولها. فأحد وظائف الأنبياء هي حسم الخلافات: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ).

من جهة ثانية، فإن الشرائع تتغير بتغير الواقع، كما تؤكد الآية (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ). كل مرحلة تستدعي تشريعات تتناسب مع واقعها، باستثناء القيم الأخلاقية الأصيلة فتبقى ثابتة كالأمر بالعدل والإحسان. أو الوصايا العشرة للأديان السماوية. فالحاجة للوحي على صعيد التشريع: تشريع أحكام لواقع جديد. وتصحيح ما طرأ على أحكام الشرائع السابقة من تحريفات بفعل السياسة والصراعات الدينية وسيطرة رجال الدين. فما دامت الشرائع السماوية رغم انحرافها بنظر القرآن تنتسب للسماء، وتعتبر مقدسة عندهم، فيجب حينئذٍ نزول الوحي لبيان حقائق الأمور في القضايا التشريعة. إذ لا يستطيع نزع قدسية الشرائع السابقة إلا بأمر مقدس أقوى، فكان هذا أحد المبررات لتعاقب بعثة الأنبياء.

وبالتالي لا ملازمة بين إدراك العقل لمبادئ التشريع ونزول الوحي. الثاني يخضع لمبررات عدة. إذ تقدم أن وراء تشريع الأحكام ملاكات، وفقها تشرع الأحكام، وثمة شروط تتوقف عليها فعليتها. كما أن إدراك مبادئ التشريع لا يطعن بمصداقية الأديان، ولا يؤثر سلبا على إيمان المؤمنين. والأمر برمته من وجهة نظر خاصة مرتبط بالعقل وحرية الإنسان، وسعي الأديان لتحريره من أغلاله ونوازعه السلبية. فثمة دواعٍ وراء نزول الوحي لا تقتصر على التشريع بل أعم منه ومن الهداية، ليشمل وحدانية الله، خلق وازع التقوى في نفوس المؤمنين، تأكيد المعاد، وعودة الناس للحساب. والاصرار على مصالح الإنسان، وعدم التفريط بها، والتحذير من الطغاة والجبابرة، ومن كيد الملأ. والأهم تعزيز المقدسة ومحورية السماء في ظل قيم القبيلة والاستبداد التي ترتهن وعيها للسيد والشيخ والطاغية، فتكون إحدى وظائف بعثة الأنبياء تعزيز الرمز المقدس محورا في قلب النظام القبلي يكون دالا على الحق وإقامة العدل في إطار وحدانية الخالق.

وأما لماذا اقتصرت الحاجة للوحي على تلك المرحلة، دون المرحلة اللاحقة؟. فقد مرَّ الكلام عن ختم النبوة وختم التشريع، بمعنى عودة الإنسان للعقل كمرجعية لإدراك الواقع وما يناسبه من أحكام، بعد التحرر من مختلف العبوديات عبر توحيد إله واحد يتصف بالكمال والرحمة والعدل. التوحيد نفي كل عبودية ما عداه، فهو عملية تحرر مستمرة. بمعنى أدق أن حاجة الإنسان للوحي استنفدت أغراضها. وسبق القول إن مهمة الدين ترشيد الوعي وتقويمه بعد أن فقد توازنه في ظل قيم الاستبداد والعبودية والتخلف بالمفهوم القرآني له، وخسر الإنسان حريته وإنسانيته. وقد امتد زمن النبوات من: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ) إلى: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا). فالآية الأولى تبرر بعثة الأنبياء ولازمها نزول الكتب والشرائع السماوية، والقضية من وجهة نظر دينية. فليس الوحي مرتهن لإرادة الإنسان بل هو تقدير إلهي، قد وضحته الآية الأولى. وفي ضوئها: كان الناس على الطبيعة، ويحتكمون للعقل ومصالحهم، ثم طرأ انحراف على طبيعتهم، وتفاقم الصراع الطبقي، مما أدى إلى انحراف الفكر والأخلاق، وبات البشر بحاجة إلى رؤية سماوية مقدسة، تحسم القضايا العقدية، وتبين الحقوق والواجبات. ثم بختم النبوة تكون قد حققت ما تريده، وتركت العقل يواصل حياته. عندما يستولي الظلم وتنقلب الموازين حداً تراه الناس عدلا وقسطا، يصاب العقل بعطب يشل قدرته على التفكير.  ولازم ختم النبوة والتشريع نضوج العقل شريط التمسك بالقيم الإنسانية والأخلاقية وتعهد العدل والإحسان وعدم الظلم والجور، وتشريع ما يلزمه من تشريعات وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته، دون تمادٍ ولا ظلم ولا جور. وبالتالي، لم يُترك الإنسان بلا مرجعية لهدايته وهو يواصل كَدحَه في الحياة، فكان الوحي ثم حل العقل محله. أما الدين بمعنى العقيدة والهداية والإيمان باليوم الآخر، فقد طرح القرآن ما يكفي من أدلة وبراهين عقلية يدركها أولو الألباب، كما ساهم في خلق وازع التقوى، لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، بالتعبير القرآني. بل أجد في ختم النبوة والتشريع ما يؤكد ردم الهوة بين الوحي والعقل، وما قامت به الرسالات ترميم المفاهيم الإنسانية التي تآكلت بفعل تراكمات الاستبداد والتبعية والعبودية والقيم القبلية. فساعدت الرسالات السماوية الإنسان على اكتشاف ذاته، وتحرير عقله، فختمهما شاهد على استقلاليته وتحرره من أغلاله وأصفاده.  فالإنسان لم ينقطع عن مرجعيته بغياب الوحي، كما يصرّ الخطاب الديني المتداول، بل كان العقل الذي في ضوئه أهتدى لدينه، هو ذاته سيواصل مرجعيته الأخلاقية والقيمية في تشريع الأنظمة والقوانين، بل ومراجعة شروط فعلية الأحكام الشرعية للتأكد منها، فربما حكم ما في زمن الوحي كان فعليا ولم يكن كذلك الآن. جاء في الحديث: (إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة، وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء، وأما الباطنة فالعقول). وفي حديث ينسب للإمام الصادق: (لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا هو أحب إلي منك، بك آخذ، وبك أعطي، وعليك أثيب). وقد أمضى النبي حكم العقل بعد الكتاب والسنة كما جاء في الخبر المعروف أنه عندما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن قاضيا سأل: (حيث قال له قبل أن يرسله إلى اليمن " كيف تقضي إذا عرض لك قضاء"، قــال " أقضـي بكتاب الله "، فسأله الرسول مرة آخرى " فإن لم تجد في كتاب الله"، فأجابه ابن جبل "فبسنة رسول الله"، فعاود صلى الله عليه وسلم وسأله "فإن لم تجد في سنة رسول الله، ولا في كتاب الله؟"، فأسرع ابن جبل وأجاب الرسول قائلا "أجتهد رأيي"، هنا ضرب رسول الله صدره قائلا "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله")، وهذا إمضاء صريح للعقل كمصدر للتشريع من قبل النبي. وعندما اشترطوا التمسك بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الشيخين شرطا لخلافة الإمام علي رفض، واشترط رأيه واجتهاده. (يراجع تاريخ الطبري ومصادر أخرى). والشواهد كثيرة على أصالة العقل، فيكون الوحي استثناء في حياة الإنسان، ثم عاد العقل لأصالته ومركزيته لولا سلوك الفقهاء، وخصوص الفقه السلطاني، الذي كرّس روح الانقياد والتبعية، والتنكر للعقل وأحكامه، والاكتفاء ولو برواية ضعيفة بدلا عنه.

وأجد في سيرة أئمة أهل البيت شاهدا على إمضاء العقل مصدرا للتشريع وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع. فالمعروف أن روايات أهل البيت عن النبي روايات مرسلة، والإرسال أحد أسباب ضعف الرواية، كما هو متفق عندهم في علوم الدراية. وهذه مؤاخذة كبيرة على الفقه الشيعي لولا تبني العصمة التي تعني عندهم حجية أحاديث أئمة أهل البيت، كحجية أحاديث الرسول. فيكفي وفقا لمبانيهم أنتهاء السند إلى أحد الأئمة في حجيته إذا استوفى باقي شروط حجية الخبر، سواء الصحيح أو المعتبر. وقد وضعوا قواعد لحل التعارض بين روايات أئمتهم. ولا حل آخر أمامهم لحل هذه المشكلة، خاصة مع قلة روايات الأئمة المتقدمين، فلم يعرف عن الإمامين الحسن والحسين الرواية عن أبيهم وجدهم إلا عدد محدود جدا!!، بينما منجم الروايات هما الإمام الصادق وبشكل أقل أبوه الإمام الباقر، لذا ينسب الفقه الشيعي للأول دون الثاني، فيقال المذهب الجعفري. وقد حشدوا مختلف الأدلة لاثبات صحة مبانيهم العقدية والروائية. وتزداد المشكلة تعقيدا مع التشكيك برواية الصادق التي يرتكز لها دليلا على اتصال سند أحاديثه إلى النبي، وهي: (أولاً: روى حماد بن عثمان وغيره قالوا : سمعنا أبا عبد الله عليه السلام يقول : حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله، وحديث رسول الله قول الله عز وجل). وهذه الحلول غير مقنعة تماما مع اشتراط التحديث والمباشرة أو السماع أو أية واحدة من أنحاء تحمل الحديث الثمانية المعروفة عندهم. لكن من خلال التأمل الطويل اكتشفت أن أدلة أئمة أهل البيت في مختلف أبواب الفقه إما أدلة لفظية، روايات مكتوبة وصلتهم كابر عن كابر كما يعبرون، ككتاب علي في القضاء والجامعة كما جاء ذكرها في أخبارهم. أو تطبيق كبريات الأحكام على مصاديقها، وهو عمل اجتهادي. أو التشريع وفق قواعد عقلية كما في الروايات التي يذكر فيها الأمام دليله على استنباط الحكم كروايات زرارة عن الباقر التي يستدل بها الفقهاء على حجية الاستصحاب، مثال: (يسأل زرارة بن أعين الأمام عن طهارة الثوب المشكوك بطهارته، فيجيبه. وفي بعض المقاطع يسأل زرارة الإمام عن الدليل فيجيب: قلت: ولم ذلك؟. قال: لأنك كنت على يقين من طهارتك، ثم شككت، وليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا). فالإمام أفتى وفقا لقاعدة عقلية مفادها إذا كنت على يقين سابق وشك لاحقا فاستصحب الحالة السابقة وابق على يقينك. وتسمى قاعدة الاستصحاب. والكلام حول بعض الأحكام الشرعية وليس الكلام عن القضايا العقلية، فحكمها مشمول بقاعدة اليقين وهل كان اليقين مطابقا للواقع في حينه أم لا؟ كما لو كان يؤمن بقضية عقيدة أو علمية وكان يجزم بها ثم تبين خطأها.

والثالث الافتاء وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع، ففي الحالتين الثانية والثالثة يمارس الإمام اجتهادا عقليا من خلاله يفتي.

كما هناك روايات تنقل جدلا بين الإمام الباقر وولده الإمام الصادق حول الزكاة، والأول بين أسباب الحكم.

س520: ماهر الشمري: من قال إن العقل كان قاصراً عن التشريع وفقا لمقتضيات الحكمة وضرورات الحياة والواقع العربي قبل بعثة النبي؟. إن عقل الفرد العربي في الجزيرة كان مكيّفاً وقادراً على صياغة قوانين وتشريعات تناسب بيئته خصوصاً اذا صيغت من قبل حكماء تلك المنطقة والبيئة والمجتمع. فما هو رأيك؟.

ج520: ماجد الغرباوي: لا ريب في وجود تقاليد وأعراف سبقت نزول الوحي، ولا ريب بتمسك القبائل العربية بها. وقد بينت سابقا أن مرجعيات العربي آنذاك خليط من العادات والتقاليد وتعاليم أهل الكتاب، وبقايا الأنبياء، وما زخرت به العقلية العربية الحكيمة، ومجموعة من الخرافات والأساطير وحكايات الجن واللامعقول المستشري آنذاك. وقد أمضى الإسلام بعضها، كقوانين التجارة باستثناء مبادئ قليلة، وجملة من القوانين الاجتماعية والعلاقات العامة. بل حتى أمضى الفرائض الدينية بعد تقويمها وتصحيح مساراتها وفقا لرؤيته الدينية، كقوله: (ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ). بل أن أحكام الشريعة لم تأت من فراغ، وقد سبقتها أحكام وقررت الشريعة ما وجدته حقا وعدلا.

كل شعب وكل أمة لها رؤيتها الكونية، ونظرتها الخاصة عن الإنسان ومصيره وخلاصه، وجميعها يتمتع بأنساق ثقافية تمثله، وتحقق انتماءه لهويته. غير أن المشكلة الأساس طغيان الاستبداد وسحق الإنسان وكرامته، واندثار القيم الأخلاقية الأصيلة لصالح القيم الأخلاقية المكتسبة المكرّسة لخدمة سلطة السيد وشيخ القبيلة. أو سلطة القيم الاستبدادية الحاكمة. فثمة ظلم وجور واضطهاد. وجميعها وفقا لرسالات السماء ظالمة، غير عادلة، تحابي رؤساء القبائل، وتضطهد الطبقات المحرومة وقد أفضت للاستغلال والطبقية والعبودية وتكريس الثروات. ووأد الأناث، واحتقار المرأة، وتشيئتها، بعد سلبها إنسانيتها، وسحق حقوقها، وغير ذلك مما تشير له الآيات.

لا أنفي قابليات العقل العربي، غير أني أشكك في كماله وقدرته على اكتشاف مبادئ التشريع، مادام عقلا مرتهنا لقيم قبلية جائرة. والارتهان يفقد العقل استقلاليته وموضوعيته، فيرى، إثر انقلاب موازينه الأخلاقية، من العدل تكريس الثروات مثلا بيد شيخ العشيرة، ويسعى لحماية قيمها، ويربط مصيره بمصيرها مهما كانت ظالمة وجائرة، وهذا يسلب موضوعيته وعدله.

ولو كان نضوج العقل العربي في مجال التشريع كما ذكر السؤال فلماذا أكثر المسلمون السؤال عن التشريعات حتى نهرهم القرآن: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ). بل كانوا يسألون عن كل شيء.

ثم أن الواقع الجديد يستدعي تشريعات جديدة ولا طريق له سوى العقل فكان ختم النبوة والتشريع إمضاء لحكمه. ولو بشكل غير مباشر، أو تتعطل حياة الناس وتشط عن العدل والانصاف. فتكون الحاجة للعقل بحكم الضرورة.

كما أن تصحيح المفاهيم مبرر لنزول الوحي. فثمة فرق بين مفهوم العدالة ومصاديقها الخارجية. وهي جوهر مبادئ التشريع وأساس الحكم العادل. مثلا الجميع يؤمن أن من العدل معاقبة القاتل، لكن يختلفون في مصداق العدالة بين القصاص النفس بالنفس وبين مضاعفة العقوبة، أو السجن المؤبد في زماننا. فالعرب تؤمن بمفهوم العدالة لكن موازين العدالة ومصاديقها لا تطابق روحها، فعندما يعتبر العربي تكريس السلطات والثروات بيد شيخ القبيلة عدلا، لا لأنه عادل حقا بل لأن موقعه في أعلى هرم القبيلة، يبرر ذلك. دون الالتفات لحجم معاناة المضطهدين بسبب تكديس الأموال، وعدم إنفاقها على المحتاجين. كما أن القيم القبلية تعمل بالقيم الميكافيلية: الغاية تبرر الواسطة، فتكون جميع وسائل تكريس الثروات مباحة وشرعية، كالقتل والنهب، والسلب والغدر، والغزو. فكان الوحي مصدرا لتهذيب النفوس، واستئصال القيم القبلية أو بعضها.

يأتي في الحلقة القادمة

 

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com


 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5507 المصادف: 2021-10-03 04:17:53


Share on Myspace