 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (240): حدود الشريعة والأخلاق

majed algharbawi11خاص بالمثقف: الحلقة الأربعون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

حدود الشريعة والأخلاق

ماجد الغرباوي: ثمة أكثر من مبرر لطرح منهج بديل لاستنباط الأحكام الشرعية. منهج يضع العقل فوق النص. ويأخذ بنظر الاعتبار تاريخ وفلسفة الأحكام والتعاليم الدينية، ويقدّم الأخلاق على الأدلة الأولية للأحكام الشرعية، لتكون حاكمة عليها، كغيرها من القواعد الفقهية. ويرتكز لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته، لضمان أحكام وفتاوى لا تجافي القيم الأخلاقية الأصيلة وما اتفق عليه العقلاء حول حقوق الإنسان بعيدا عن أية دوافع أيديولوجية. بينما دأب المنهج الفقهي التقليدي على تهميش الأخلاق وعدم الاكتراث لها، وفاء لمقدماته الكلامية والأصولية، التي في مقدمتها: "أن الحُسن والقُبح شرعيان لا عقليان". وأن "الحَسن ما أمرت به الشريعة، والقبيح ما نهت عنه"، وليسا مستقلين بذاتهما، كي تكون الأخلاق حاكمة على الأدلة الأولية للأحكام الشرعية. فجواز تفخيذ الطفلة الرضيعة، يغدو بعد توسعة مفهوم الشريعة ليرادف مفهوم الرأي الفقهي، حسناً مادام مباحا شرعا، مهما كان منافيا للذوق العام والأخلاق. وزواج المرأة غير الراشدة حسن مادام مباحا، مهما كانت تداعياته ومنافاته للعدل والانصاف التي هي قيم أخلاقية أصيلة. بينما تختلف النتيجة لدى الاتجاه العقلي الذي يعتقد "أن الحُسن والقُبح عقليان"، وأنهما من مدركات العقل العملي والأخلاقي. و"الحسن حسن بذاته حكمت أو لم تحكم الشريعة بحُسنه. والقبيح قبيح بذاته، حكمت أو لم تحكم الشريعة بذلك". وحينئذٍ يقع التعارض بين الدليل العقلي القطعي الدلالة مع الدليل اللفظي الظني الدلالة، فيقدم الأول، ويتعذر على الفقيه الافتاء بما يخالف القيم الأخلاقية. فالرأي الفقهي يبقى مرتهنا لعقيدة الفقيه، وما يتبناه من مقدمات كلامية وأصولية، فالنتيجة تختلف بين من يؤمن ومن ينكر عصمة أهل البيت أو الصحابة، وكذلك تختلف النتيجة بين من يؤمن ومن لا يؤمن بحجية القياس أو الاستحسان، لذا أحيانا تختلف فتوى الفقهاء حول موضوع واحد.

ولا يخفى حجم التداعيات بناء على الرأي الأول بالنسبة للحُسن والقُبح، فهو لا يعتبر الأخلاق دليلا عقليا مستقلا، كما بالنسبة للاتجاه الثاني، فتجد المكلف يسرق أو يتجاوز بموجب فتاوى الفقهاء. يشهد لذلك تصرفات بعض المتدينين، فقد استلف أحدهم 50 ألف دولار أسترالي من البنك، وامتنع عن تسديدها، وقد صرّح أمام من أثق بنقله، أنها أموال مجهولة المالك، وفقا للفقه الشيعي، فيجوز له أخذها بعد استئذان الفقيه، وبالفعل ترك أستراليا بعد تهريب المبلغ كاملا!!!؟. ومن يحكم بكفر أهل الكتاب من الفقهاء يبيح سرقة أموالهم، كما جاء في مجموع الفتاوى لابن تيمية: (119/34): (الكفار لا يملكون مالهم ملكا شرعيا، ولا يحق لهم التصرف فيما في أيديهم، والمسلمون إذا استولوا عليها، فغنموها ملكوها شرعا، لأن الله أباح لهم الغنائم ولم يبحها لغيرهم)!!. ولا ريب في تعارض المثالين مع القيم والمبادئ الأخلاقية، غير أن الفقيه الذي أفتى بهما لا يؤمن بوجود قيم أخلاقية خارج الشريعة. والأمثلة كثيرة، خاصة مخالفة قوانين الدول التي لجأوا لها، وآوتهم، ومنحتهم حق الإقامة والعيش الكريم، باعتبارها أنظمة كافرة، لا شرعية لقوانينها. اللجوء عقد بين الطرفين، تقبلك الدولة على أن تتمسك بجميع أنظمتها وقوانينها وتدين لها بالولاء، وعدم مخالفة القوانين شرط في العقد، أو يكون باطلا. ويأثم من يأكل أموال الناس بالباطل. فتجد التحايل على القوانين أمرا شائعا من أجل تحقيق مكاسب مادية، لا فرق بين متدين وغيره. أقذرها دعوى الطلاق كذبا وزورا، وهما يعيشان تحت سقف واحد. ورغم أن القضية أخلاقية، لا فرق بين فرد وغيره إلا أن سلوك المتدين أو مدعي التدين، يثير الاستغراب، كيف يؤمن بالله ويسحق ضميره، وكيف يؤمن بالمعاد ويخون الأمانة؟. لكن الغرابة تزول عندما تعرف ثمة فتاوى تبيح له ذلك. فتاوى لا تأخذ بنظر الاعتبار الأخلاق في استنباط الحكم الشرعي. مهما كان تداعياتها وانعكاسها السلبي على سمعة الدين، والإسلام خاصة. بينما هذه الأعمال مستهجنة ومحرمة لدى فقهاء آخرين، لا يفتون بما يعارض القيم الأخلاقية.

حدود الشريعة والأخلاق

هناك فرق بين من يعتقد أن الحُسن والقُبح شرعيان، ويقصد بـ"الشرعي"، خصوص ما نصت عليه الشريعة الإسلامية في الكتاب الكريم. وبين من يمطّ مفهوم الشريعة لتشمل أقوال الأئمة والصحابة والتابعين ومن ثم كبار الفقهاء بل ومن تلاهم، وتغدو مرادفة للفقه. فلو سلّمنا جدلا أنهما شرعيان، لا عقليان، فما هو مفهوم الشريعة عندهم؟ إن مفهوم الشريعة عندهم لا يقف على حدود آيات الأحكام والتعاليم القرآنية. بل تشمل إضافة إلى مطلق سيرة النبي الكريم (قولا وفعلا وتقريرا)، وسُنة أئمة أهل البيت لدى الشيعة، وسُنة الصحابة عند السنة، وربما يضاف لها أقوال السلف والفقهاء، لقوة حضورها العلمي والفقهي. حتى بات المتأخرون من الفقهاء يترددون في مخالفة آرائهم، فضلا عن الاستشهاد بها على صحة أو نفي أقوالهم. لذا لا يجاهر الفقيه بمخالفة مشهور الفقهاء في مسألة، حتى لو استدل على رأيه بأدلة متينة خلال بحوثه الفقهية. فالرأي الفقهي الرسمي بات يتمتع بسلطة مثله مثل الرأي الكلامي في النسخة الرسمية للعقيدة. وقد عاصرت شخصيا حملة تكفير المرجع الديني اللبناني الشيعي، السيد محمد حسين فضل الله من قبل الحوزات العلمية لأنه أفتى خلافا للمشهور في مسائل تخص المرأة والشباب!!. لذا ينبغي بيان الحقيقة كاملة، ثمة فرق جوهري بين الشريعة، وهي مجموع آيات الأحكام المنصوص عليها قرآنيا، وبين النصوص الشارحة والمبيّنة لها، سُنة النبي، وبين ما تلاها من آراء اجتهادية تمثل وجهة نظر فقهية، واجتهاد يتأثر بقناعاته وقبلياته، ومبانيه الأصولية، وما تفرضه عليه مغيرات الزمان والمكان، والواقع وضروراته. وبالتالي لو وافقنا الاتجاه الأشعري أن الحَسن ما أمرت به الشريعة. والقبيح ما نهت عنه. فنشترط، إضافة لثبوت فعليته، اقتصار مفهوم الشريعة على ما ورد في الكتاب الكريم من أحكام شرعية، وعدم ثبوت جعل ولاية تشريعية لأي شخص بما فيهم الأنبياء: (وَيَسْتَفْتُونَكَ ... قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ). وقد مرّ الكلام ويأتي التفصيل أن الأحكام الأخلاقية في القرآن أحكام إرشادية لحكم العقل بحسن العدل وقبح الظلم. وهذا يكفي دليلا على حجية الأخلاق كحكم عقلي قطعي الدلالة، يتقدم دائما على الأدلة اللفظية المظنونة، ويعارض كل حكم وفتوى تتعارض مع القيم الأخلاقية. وقد سبق بيان الفرق بين مختلف الأحكام في الكتاب ولا نعيد. غير أن مفهوم الشريعة لدى اتجاه العبودية أعم من آيات الأحكام ليشمل السنة النبوية وغيرها، بل يقصد به اليوم آراء الفقهاء. فالحسن حينئذٍ ما أمرت به الشريعة بالمعنى الأعم من السُنة وآراء الفقهاء. وبهذا تفقد القيمة الأخلاقية ثباتها الذي يوفره لها العقل، فإن أحكام العقل ثابتة وشاملة لا تخصص. والحسن حسن بذاته بعيدا عن الشريعة وكذلك القبيح فإنه قبيح بذاته، غير أن اتجاه العبودية يرتهن الأخلاق للشريعة فتفقد ثباتها بل وترتهن لرأي الفقيه الاجتهادي الذي هو رأي بشري مرتهن لقبلياته وأيديولوجيته وثقافته وعقيدته. وهذا مكمن الخطر. فالحسن والقبح يدوران مدار فتاواه وأحكامه، التي تتغير من فقيه لآخر، بل وحتى لدى الفقيه الواحد. وحينئذٍ تنتفي المرجعية الأخلاقية المستقلة التي يمكننا محاكمة فتاوى الفقهاء في ضوئها، حتى في أخطر القضايا. وبهذا الشكل يسلب الفقيه المعارضة حق الاعتراض والنقد والمراجعة، لأن الاعتراض عليه سيكون اعتراضا على الله وشريعته، والحقيقة التي يتستر عليها الاتجاه العبودي أن رأي الفقيه يمثل فهمه للشريعة، وليس هو الشريعة. غير أن نبرة الفقيه أعلى بفعل مقامه الاجتماعي، فيقمع كل رأي معارض، وهو يحتاج بنصوص ثانوية!!!.

وأما سُنة النبي فهي امتداد للكتاب مادامت شارحة ومبينة، والقرآن أصل في حالات التعارض. غير أن للنبي بصفته مثلا أعلى للأخلاق خصوصية، تجعل منه نموذجا للأخلاق الإنسانية والدينية: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍۢ). فيكون ملهما لها وقدوة للآخرين. غير أن هذه الصفة لا تدل على ارتهان الأخلاق للشريعة. الأخلاق الأصيلة قيم إنسانية مستقلة، ومن مدركات العقل العملي، لا يُختلف حولها، رغم إمكانية الالتفاف عليها أو تبريرها. فالظلم أو القتل قبيح بذاته، والقاتل يعترف بذلك في قرارة نفسه، غير أنه يبرر جريمة القتل. والنبي محمد بن عبد الله كان معروفا بأخلاقه الحميدة قبل البعثه، فامتدح القرآن أخلاقه بعدها. فالمدار إذاً وفقا للاتجاه العقلي، على الشريعة، وخصوص ما نص الكتابه عليه، وتقتصر حجية السنة على ما له جذر قرآني، وما عداهما آراء اجتهادية ووجهات نظر فقهية، لا حجية لها، ولا تمثل رأي الشريعة بالضرورة، بل تجد الاختلاف ديدن الفقهاء حول فهم بعض آيات الأحكام كآية الوضوء وتفصيلاتها. بل أن الدوافع الأيديولوجية ومطية التعبد كانت وراء ما حاق بالشريعة والدين، حتى غدت مهمة الفقيه شرعنة سلوك السلطان، وتبرير سياسة الاستبداد والقمع والتعسف. إن تجاه العبودية يتجنى على الدين عندما يرتهن الأخلاق للشريعة، فيغدو سفك الدماء حسنا، مادام قد صدر عن فتوى فقهية. وهذا معنى شرعنة الفقيه لسلوك السلطان. أي منح السلوك المخالف للقيم الأخلاقية صفة الشرعية.

الارتداد والأخلاق

لا تجد أية مؤاخذة دنيوية على الارتداد، واكتفت الآيات بتأكيد العقوبة الأخروية، غير أن الرأي الفقهي قائم على وجوب قتل المرتد، تلك الفرية على القرآن التي بسبب سفكت دماء غزيرة، تقع مسؤوليتها على فقهاء السلطة قبل السلطان وأعوانه. أما آيات الكتاب فهي:

- (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ). والآية صريحة لا توجد أية عقوبة دنيوية.

- (مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ). وهذه كسابقاتها.

- (إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًۢا). وهذه الآية تحسم مسألة الردة قضائيا، فقد تخلل الايمان ارتداد لكن لم يعاقب عليه.

فلا عقوبة دنيوية على الارتداد بموجب الآيات أعلاه، وبناء على اختصاص التشريع بالله تعالى، وثمة آيات تعزز حرية الاعتقاد: (لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ)، (وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ). لكن رغم ذلك انعقد الاجماع المدركي على وجوب قتل المرتد، بناء على روية عن الرسول، قال فيها: (مَنْ بدَّل دينه فاقتلوه). ولا مراء أن الرواية صريحة، ومطلقة، شاملة لكل من يرتد عن دينه، فيمكن للفقيه الاستدلال بها على وجوب قتل المرتد، على فرض صحة صدورها وتمام حجيتها، وفقا لمبانيه في الجرح والتعديل. لكن هل هذا المقدار يكفي للاستدلال بالرواية على وجوب قتل المرتد؟.

إن وجود رواية وإن كانت تامة سنداً ومتناً لا تكفي للاستدلال على وجوب قتل المرتد مطلقا، بل ينبغي دراسة تاريخ الرواية، ودوافعها، وأسباب صدورها، إذ لا يمكن للرسول مخالفة الكتاب، وآياته صريحة بعدم وجود مؤاخذة دنيوية على الارتداد. وتكرر الكفر في الآية الأخيرة ولم يقتل المرتد، بل عاد وآمن ثم  كفر. إذاً فكيف تفسر الرواية وفقا للاتجاه العقلي / فقه الشريعة؟. نقول: إن التشريع مختص بالله تعالى، ولا ولاية تشريعية للنبي بدليل قرآني صريح. وبالتالي فالرواية مع فرض تماميتها وصحة صدورها، تكون قد صدرت في ظل ظروف خاصة بالدعوة وأيام ضعفها. فكان الارتداد العلني يربك المؤمنين، فربما اتخذ الرسول قرارا بقتل أحد المرتدين لخصوصية ما، ويكون حكمه في هذه الحالة حكما ولائيا، بما أنه ولي المؤمنين، ومسؤول عن أمنهم القومي خاصة في بداية الدعوة الإسلامية، والأحكام الولائية لا حجية لها بعد وفاة الولي. وأساسا شروط صحة الروايات عندنا صعبة للغاية وتكاد تكون تعجيزية، فلا يمكن ثبوت صحة صدورها. لكن اتجاه العبودية قال بحجيتها وحكم بقتل المرتد، فكان القتل سيفا بتارا بيد فقهاء السلطة لقطع وتين المعارضين والمناوئين لها، خاصة مع التلاعب في مفهوم المرتد ليشمل كل من تمرد ضدها، أو تحفظ على سلوكها علناً. بل وصدرت عنهم أحكام تعسفية تحت هذا العنوان، أقرأ للغزالي ماذا يقول حول المرتد في كتابه: فضائح الباطنية: (الْفَصْل الثَّانِي فِي أَحْكَام من قضى بِكُفْرِهِ مِنْهُم، وهو مجرد نموذج، ولا يختلف الفقهاء حول قتل المرتد:

وَالْقَوْل الْوَجِيز فِيهِ أَنه يسْلك مَسْلَك الْمُرْتَدين فِي النّظر فِي الدَّم وَالْمَال وَالنِّكَاح والذبيحة ونفوذالأقضية وَقَضَاء الْعِبَادَات أما الْأَرْوَاح فَلَا يسْلك بهم مَسْلَك الْكَافِر الْأَصْلِيّ إِذْ يتَخَيَّر الإِمَام فِي الْكَافِر الْأَصْلِيّ بَين أَربع خِصَال بَين الْمَنّ وَالْفِدَاء والاسترقاق وَالْقَتْل وَلَا يتَخَيَّر فِي حق الْمُرْتَد بل لَا سَبِيل إِلَى استرقاقهم وَلَا إِلَى قبُول الْجِزْيَة مِنْهُم وَلَا إِلَى الْمَنّ وَالْفِدَاء وَإِنَّمَا الْوَاجِب قَتلهمْ وتطهير وَجه الأَرْض مِنْهُم هَذَا حكم الَّذين يحكم بكفرهم من الباطنية وَلَيْسَ يخْتَص جَوَاز قَتلهمْ وَلَا وُجُوبه بِحَالَة قِتَالهمْ بل نغتالهم ونسفك دِمَاءَهُمْ فَإِنَّهُم مهما اشتغلوا بِالْقِتَالِ جَازَ قَتلهمْ وَأَن كَانُوا من الْفرْقَة الأولى الَّتِي لم يحكم فيهم بالْكفْر وَهُوَ أَنهم عِنْد الْقِتَال يلتحقون بِأَهْل الْبَغي والباغي يقتل مَا دَامَ مُقبلا على الْقِتَال وأنكان مُسلما إِلَّا أَنه إِذا أدبر وَولى لم يتبع مدبرهم وَلم يُوقف على جريحهم أما من حكمنَا بكفرهم فَلَا يتَوَقَّف فِي قَتلهمْ إِلَى تظاهرهم بِالْقِتَالِ وتظاهرهم على النضال.

فان قيل هَل يقتل صبيانهم وَنِسَاؤُهُمْ قُلْنَا أما الصّبيان فَلَا فَإِنَّهُ لَا يُؤَاخذ الصَّبِي وَسَيَأْتِي حكمهم وَأما النسوان فَإنَّا نقتلهم مهما صرحن بالاعتقاد الَّذِي هُوَ كفر على مُقْتَضى مَا قَرَّرْنَاهُ فَإِن الْمُرْتَدَّة مقتولة عندنَا بِعُمُوم قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ نعم للْإِمَام أَن يتبع فِيهِ مُوجب اجْتِهَاده فَإِن رأى أَن يسْلك فيهم مَسْلَك أبي حنيفَة ويكف عَن قتل النِّسَاء فَالْمَسْأَلَة فِي مَحل الِاجْتِهَاد وَمهما بلغ صبيانهم عرضنَا).

العقيدة قناعة قلبية، سواء حكمت على المرتد بالقتل أو لم تحكم، لا يتغير شيء، ويبقى على عقيدته وقناعته، وهل حقا تهتز عقيدة المسلمين لمجرد ارتداد بعض الأفراد؟

بهذا يتضح الفارق النوعي بين الاتجاهين العبودي والعقلي وحجم ما يترتب على الأحكام من تداعيات أخلاقية وظلم وجور خاصة مع توسعة مفهوم الارتداد ليشمل حرية الرأي والتعبير إضافة إلى حرية الاعتقاد. لكن الفقيه دائما لديه ما يحتج به، فما هي حقيقة أدلته؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

انتظرت حتى يناقش الحلقة غيري.
لكن قبل ان انسى اود الاشارة لأهمية تقديم العقل على النص. فالنص الواحد يمكن ان تكون له عدة قراءات منطقية حسب المستجدات.
و اصلا لا يوجد نص سابق على العقل.
واذا كان الدين يطالب من المؤمنين المشاركة و التفكير و التدبر فهذا دليل اخر على انه يخاطب عقلهم المؤمن و ليس العاطفة العمياء. او عاطفة العصبية الدينية التي هي تعبير اخر عن العصبية العشائرية القديمة.
وشكرا

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لتعليقك الاستاذ الدكتور صالح الرزوق. في نظرهم لا حجية لاحكام العقل في مقابل الأدلية اللفظية. فنقطة الاختلاف حول دوره في التشريع، أو فرض محددانه على النص. تحياتي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

سلمت الجهود استاذي القدير بتحايا الورد الباحث الجزيل العطاء الاديب ماجد الغرباوي بخالص الدعاء لحفظكم
بحث بمعقولية التفكر وبينات من الكتاب الكريم فالعقل مركز البصيرة وحكمة التدبر الم يذكر لنا الله ان الحساب على العقل وخلق ابونا ادم ومكنه شرعية العقل ان ادبر وان اقبل ..
هناك لغط كارثي واختلاف مريع بين المذاهب الاسلامية حول مفهوم الارتداد كما اشرت بوسع الاجتهاد وليس هناك يقين بل توقع مفترض منسوب لاحاديث او وقائع زمنية ،لا دقة بنقل احداثها لقلة التدوين او ضياعه ،مما حدى التجريح حول تفسيره وشرعيته على مدى عقود التفقه تستغل فيها روح البشر وتزهق الارواح بتحريف كيان الانسانية باشكاليات التفقه ووضع دستور الأخلاق لذا انحدرت التطبيقات السلوكية بفرق مرجعيات متحيزة للقبلية والمصلحية لليد العليا وادارة العقول بما تتطلبه فانشقت الدعوى بحجج عديدة بعد قرون من عصر الرسول بما انشد الحاكم واراد الخليفة فتشتت الاحاديث من ثابت ومستقر وصحيح ولا صحه له فلا اثبات عليه الا التواتر ونحن في تساؤل مضني مما يقولون ...
استاذي الفاضل تفصيل عميق مدعم بسلطة العقل وتنقيب عن فحوى الارتداد وقد التبس التحديد بين شك ويقين عند معظم المفسرين ...
وتبقى حقيقة الاخلاق لا نكران عليها بين الجميل والقبيح والامة الاسلامية بيد حجج واتباع عقول متزمتة كارثة القتل والتقاتل ...
بوركت الجهود ومزيدا من رواسي الفكر الداعم للانسانية بحرص واتزان المنطق...
شكرا لتفاصيل وتوضيح متقن باحتراف باحث لنقرأ المزيد وما انا الا قارئ بسيط لي رؤيا محدودة عما تفضلتم به من مدى غير محدود من اختصاصكم .

إنعام كمونة
This comment was minimized by the moderator on the site

وبورك حضورك وجمال مشاعرك الاستاذ الاديبة القديرة إنعام كمونه. فصلت الكلام حول عقوبة المرتد في كتاب التسامح ومنابع اللاتسامح. لا توجد عقوبة دنيوية، غير انهم يتمسكون بروايات، يعتقدون بحجيتها مطلقا، فكان حكم المرتد سيفا بتارا بيد فقهاء السلطة. تقبلي احترامي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الاستاذ ماجد الغرباوي على هذا المقال التنويري الرائع و شكراً للمعلقين. و احب ان اضيف التعليق التالي:
اعتقد ان العقل الانساني هو العامل الاساسي في الايمان و هو الذي يحدد الايمان من عدمه بأي دين او نظرية وضعية معينة. و هو موجود قبل نزوبل الاديان.
و لذلك القرآن قال "من شاء فليؤمن و من شاء فليكفر". و هذا معناه مناداة العقل في اتخاذ القرار و ليس شيء آخر. و بمعنى آخر ان العقل الانساني هو صاحب القرار في الايمان او عدمه. و هذا معناه انه يسبق النص القرآني و السنة و الفقه --الخ. و مثال آخر على العقل.
الجاثية 13
وسخر لكم ما في السماوات وما في الارض جميعا منه ان في ذلك لايات لقوم يتفكرون
كيف يتفكرون اليس بالعقل ام بماذا؟؟. و هنالك الكثير من الايات في هذا الصدد.
كيف يؤمن الانسان بدين او نظرية معينة اذا لم يكن عقله مؤمن بها و مستعد لتقبلها؟؟. العملية ليست عملية تلقين و تجميد العقل حسب ما يعتقد رجال الفقه ابداً ابداً و انما مرتبطة بقناعة الانسان بالدين الذي يعتنقه. و نلاحظ ان الانسان المتذبذب ايمانه (ورثه عن اهله) لا يؤدي الفرائض التي طلبها الله منه. و ما اكثرهم في المجتمعات الاسلامية و موضوعهم متروك الى الله و لا يحق لأحد التدخل في هذا الشأن.
الدين الاسلامي مختطف من قبل رجال الدين و اغلب هؤلاء لا يقدمون لنا مغزى الرسالة السماوية التي ارادها الله و انمّا يقدمون لنا الامور التي تعتمد على روايات بشرية تخدم اغراضهم الخاصة . و ان الله قال عن هؤلاء في "قلوبهم زيغ". و ان اغلب رجال الدين لا يعتمدون على نظرية الاسلام و هو "القرآن الكريم" و انما على مرويات بشرية و التي اصبحت حالياً اديان لنا و علينا فقط الاستماع و الطاعة. و للحفاظ على هذا النمط من التدمير الداخلي للدين اوجدوا "التلقين" و "التقليد" و "التدجين" و حجبوا العقل بشكل تام لكي نبقى الى يوم الدين تحت سيطرتهم. و المشكلة الاساسية اوجدوا اساليب لا يتقبلها العقل البشري في استعباد الانسان و من ضمنها "الراد على رجل الدين" "كالراد على الله" او "كالراد على المعصوم" و " الراد على المعصوم كالراد على الله". و ان هؤلاء فرضوا انفسهم اوصياء الله في الارض و يجب علينا فقط ان نتلقى الدرر من افواههم و نترك كتاب الله على الرفوف.
للاسف الشديد نحن في واد و الدين الاسلامي في واد ثان و سنبقى على هذا المنوال الاّ اذا حدثت لنا معجزة الاهية. و شكراً مرة اخرى
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

ثائر عبد الكريم
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لمداخلتك واضاءتك الاخ الاستاذ ثائر عبد الكريم، منهجهم قام على التعبد والتخلي عن العقل، فكانت كل هذه التداعيات وما خفي أعظم. تحياتي وشكرا

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

سيدي الاستاذ العلامة ماجد الغرباوي.
كالعادة، تغني مقالاتك ونصوص حواراتك عقل القارئ. بفحواها التنويري العقلاني، تتقوى فكرة أممية الدين الإسلامي بقيمه وجاذبيته. فعلا، الأخلاق في الإسلام، كما بينتم سيدي ماجد بالحجة واليقين، إذا ما تم الحسم مع الظواهر المفتعلة الواهية دينيا ومن تم قانونيا وثقافيا، كالعنف والقتل وكراهية الآخر .....، قد تتحول إلى مرجع إنساني كوني، قد يجتاح باقتناع تام عقول البشرية عالميا....
أعزكم سيدي ماجد وسدد خطاكم
أخوكم الحسين بوخرطة

الحسين بوخرطة
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لحضورك وشهادتك التي اعتز به الاخ العزيز الاستاذ الحسين بوخرطة. نطمح ان تكون الاخلاق حاكمة على الأدلة ليحول دون تشريع أي حكم يتعارض معها, سياتي الكلام. ولك خالص الاحترام والتقدير

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5554 المصادف: 2021-11-19 01:59:06


Share on Myspace