 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (244): الاصطفاء والأخلاق

majed al gharbawiخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والأربعون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

المتخيل الديني

ماجد الغرباوي: لا يحتاج الباحث سوى تجرّد وموضوعية فعلية، ليخلص أن صراع السلطة كان وراء الأحداث التاريخية الكبرى. وكان وراء مشاعر الكراهية والتنابذ والاقصاء وظهور الفتن والاقتتال، حتى تلاشت إلفة المسلمين ووحدة قلوبهم، ومصداقها حروب الصحابة في عهد خلافة علي بن أبي طالب. ثم انعكس الصراع على مجمل النتاج الفكري والعقدي، منذ بداية الدولة الأموية. ودفع باتجاه وضع أحاديث وروايات كثيرة، لمراكمة رصيد رمزي يتولى شرعنة الموقف السياسي. وظهرت مذاهب وفِرق تآكلت مع مرور الوقت. وهذا يكفي مبررا لتحري صدقية العقائد وظروف نشأتها، كمسؤولية أخلاقية، للتحقق من صدقيتها، وانتشال الوعي بعد تقويم مساره الأخلاقي والديني، وبيان الحقيقة لتفادي الانقياد السلبي للعقل الجمعي. رغم تبعات المقاربة النقدية للعقائد، كفعل استفزازي، يورث الكراهية حدَ التنمّر وربما ارتكاب حماقات أكبر. وقد يلام من يتصدى للنقد والمراجعة باعتباره عملا عبثيا، لا طائل منه، بعد رسوخها نفسيا، سوى إثارة حفيظة العامة، وتأليب الجاهلين ضده. بيد أنهم ينسون أن العقيدة مسؤولية، لا مجرد رؤية كونية للعالم والحياة والموت وما بعده. وأنْ التأكد من صدقيتها يجنب أتباعها تداعيات الاندفاع العاطفي في المواقف السياسية. خاصة المؤمن المتدين الذي يدين لله بعقيدة ما. والعقيدة مسؤولية بصريح القرآن: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ)، التي جاءت في سياق استعراض عقائد المُنكرين. ليكون المؤمن على بينة من أمره: و(لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ). ومسؤوليتها مسؤولية شخصية، لا تقليد فيها كما يؤكد الفقهاء في كتبهم الفقهية، رغم إقصائهم للمختلف عملا وإفتاءً. وبالتالي إذا لم يكن النقد العقدي مهمة أخلاقية فهو مهمة دينية، وتكليف شرعي كفائي، لحماية العقيدة الدينية من مواربات العقائد الوضعية، والتي حذرت منها الآيات لخطورتها، وقد اعتبرتها تقوّل على الله، بل أن وظيفة الرسول أولاً تصحيح العقائد وتهذيب المعتقدات، فالقراءة النقدية لها رسالة ومسؤولية تناظر مهمام الأنبياء.

- (وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)

- (قَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ ... أَتقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)؟.

ثم تحذّر الآيات بشدة، وتعتبر زيف العقيدة من عمل الشيطان:

(وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).

(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ). فهي عمل محرّم إلا أن العقائد المنحولة تتناسل على هامش العقيدة، تدعي الأصالة والثباتز ومازالت، وستبقى ما لم يتصدَ الباحثون بأمانة علمية وإخلاص، لممارسة النقد، وبيان نشأة تلك العقائد الدخيلة، بدوافع نزيهة مجردة وموضوعية لبيان الحقائق ووضعها بين أيدي الناس، لاتخاذ الموقف الصحيح إزاءها، وعدم الانجرار وراء إيحاءات العقائد المزيفة وما تمليه من مواقف لا أخلاقية أحيانا. كما أن نقد العقائد وفرز البشري عن الإلهي منها، يساهم في ترشيد الوعي، وتصحيح مساره، رغم صعوبة المهمة أحيانا، وهو عمل أخلاقي جليل.

المهمة الأصعب

ثمة من ينفي تاريخية العقائد ويعدها معطى نهائيا، تتعالى على النقد والمراجعة، وينسى هؤلاء أنها عقائد موروثة، ساهم الخطاب الأيديولوجي في ترسيخها، وتبرير مقولاتها الكلامية من خلال توظيف التراث، وتأويل النصوص. ويكفي نسبتها للغيب في ترسيخ الإيمان بها. سيما أن الإيمان العقدي بشكل عام، إيمان نفسي، يرسو من خلال بيئته وثقافته، وتفاعله مع طقوسها وأجوائها الروحية. ثم يستميت في الدفاع عنها، ويرفض المساس بقدسيتها. وهو لا يعلم أو لا يريد أن يعلم أن لكل عقيدة بداية ونشأة ثم تتطور قد تقاوم التحديات وتبقى وقد تخبو وتندثر. ويكفي مراجعة كتب الفِرق والمذاهب للاطلاع على نشأة كل عقيدة ومسار تطورها، وسيقف بنفسه على عدد العقائد التي ماتت واندثرت. إن تحري تاريخية العقائد الدينية للكشف عن دوافعها السياسية مثلا، لا يمثّل موقفا سلبيا منها، بل الغاية أخلاقية للكشف عن بشريتها، والحد من تداعياتها على مستوى المواقف الحياتية، خاصة الموقف من الآخر المختلف دينيا، وتصحيح مسار الوعي. وأما على الصعيد الديني فالمسألة أكثر إلحاحا، مادامت العقيدة تحتكر الحقيقة وطرق الخلاص، وعلى أساسها تنفي الآخر وتنبذه، فما يترتب على العقيدة الدينية أخطر بكثير مما يترتب على غيرها من عقائد، وتداعياتها أسوأ، عندما تفرض محدداتها وسلطتها. فكم من زيف وكذب تمارسه العقيدة عندما تتخذ من الدين وسيلة لتسويق شعاراتها ووعودها، مهما كانت زائفة. وسبق أن قاربت بعض المعتقدات في كتبي، تمخضت عن اكتشاف حقائق كانت متوارية عن الوعي الديني، مما شجعني على مواصلة قراءاتي النقدية، واستدعاء كل ما له علاقة بالموضوع خلال البحث والتنقيب.

 أفهم أن نقد العقائد بعد ألف عام أو يزيد من نشأتها ومن ثم تطورها أكسبتها قدسية لا تسمح بنقدها، غير أن مهمة الباحث تحري الحقيقة، مهما طال الزمن سيما العقائد المؤثرة، والتي قد تنقلب باكتشاف بشريتها سلسلة حقائق مرتبطة بها. فالنقد على هذا الصعيد مهمة مقدسة، ما برح نقدا موضوعيا، مجردا عن أية مسلمات قبلية، هدفه تحري الحقيقة وانتشال الوعي وسيادة القيم الأخلاقية والإنسانية، واستعادة العقل وعدم الاستسلام لأوهام الحقيقة، فينبغي حضور السؤال الفلسفي بقوة عند مقاربتها ونقدها.

الاصطفاء والأخلاق

سأختبر قدرة النقد لتحري الدافع السياسي وراء تطور مفهوم الاصطفاء، من خلال منهج تأملي، لا يكف عن طرح الأسئلة ورسم علامات الاستفهام، واستنطاق النصوص، للكشف عن مضمراتها وتواري دلالاتها. وهو أول مفهوم سجل حضوره على الصعيدين الديني والسياسي، عندما ادعت قريش إصطفاءها للسلطة من دون الناس جميعا، فأسست بذلك وعيا سياسيا طبقيا يراهن على  فاعلية القيم القبلية. وهذا دفعني للبحث عن دور السياسة في بلورة مفهوم الاصطفاء بالمعنى الديني، الذي تولت المعارضة المتمثلة بالحزب العلوي، وخصوص الشيعة، وإعادة بنائه على أسس دينية، ليكون رهانا قويا يؤكد أحقيتها في السلطة، ويسلب الخلافة شرعيتها. فالنقطة المهمة أن الاصطفاء كان أول مفهوم تم توظيفه سياسيا، وقد نجح في تحقيق مهمته نجاحا باهرا، امتد بامتداد شرط القريشية في الحكم، على مدى التاريخ. فكيف تتخلى عنه المعارضة في صراع السلطة، مع مرونته التي يمكن تطويعها لخدمة أهدافها ومصالحها؟.

والسؤال: ما هو دور السياسة في نشأة وتطور مفهوم الاصطفاء تاريخيا بدءا من النصف الثاني من القرن الأول الهجري؟. والكلام عن المفهوم بالمعنى الاصطلاحي، وليس المعنى اللغوي.

ومبرر السؤال حجم التداعيات وما يترتب على المفهوم من حقوق وواجبات عندما ينتسب في شرعيته للدين. وهذا يستدعي فرز الإلهي عن البشري، وفق ضابطة عقلية، تنأى عن التحيّز الأيديولوجي، أو لا يمكن مقاربة الحقيقة مع كثافة التراث، على مستوى المقولات الكلامية والأدلة النقلية التي تعتبر حجة وفق شروطهم المذهبية. وما لم تكن الضابطة عقلية، يبقى الإيمان أكثر رسوخا وفاعلية. وهو ما قمت به فعلا في كتاب: مضمرات العقل الفقهي.

الاصطفاء لغة يعني الاختيار. وهو معنى بسيط ووضاح. بيد أن دلالته الاصطلاحية تحيل على مضمرات تستبطن التفوق، حداً يصدق أنه فكرة استعلائية، ترسّخ مبدأ التفاوت الطبقي على أساس عرقي: دم نقي مبجّل، ودم ملوّث منبوذ، يستدعي الوصايا والقيمومة. الأول محاط بعناية غيبية، مخلوق للسيادة والحكم والقيادة، والثاني يعاني روح التبعية والانقياد، تنأى طبيعته البشرية عن مسؤولية القرار، فهو مخلوق أدنى من الناحية الاعتبارية بل وحتى التكوينية. وليس الفارق بينهما شكليا، رغم وحدة العنصر البشري، بل ثمة فارق جوهري، وماهية مختلفة، الأولى طبيعة متسامية، وطينة مغايرة كما في روايات تراث المسلمين. طبيعة صالحة لتلقي أنفاس الآلهة ورعاية السماء. هي جوهر روحاني، ونور إلهي مغاير في خلقه: (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ). فالآية تؤكد التلازم بين الاصطفاء والتمايز الوجودي، وهذا مكمن الخطر في إدعائه. وغوايته أكبر عندما يسوق الدين لصالح السلطة، تحت غطاء القداسة والاصطفاء. فالمفهوم موحٍ بشرعية التفوق، وإقرار التمايز العنصري، باعتباره تمايزا أنطلوجيا. وإقرار شرعية التمايز، حتى مع انتفاء الأدلة، بيد أن المتبادر من المفهوم هذا، وليس اختيارا مجردا. بل اختيارا مع إضافة نوعية هي مصدر مشروعيته. فثمة فرق عندما تقول اخترت فردا من بين الأفراد، وتقول: اصطفيتك من بينهم!!. الصيغة الأولى لا توحي بدلالة أكثر من الاختيار لا على التعيين، بينما الثانية تدل على وجود ما يبرر الاصطفاء. فالمفهوم بطيبيته تضمر التفوق ومبرراته، وهذا ما يوحي به، فترى جواب العامة جاهزا للرد على أي اعتراض، بعبارة مألوفة تخرس المقابل حينما يقول: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ). أو (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ)، وهي مواربة يخبو معها الوعي الرث، ويلتقطها الوعي المستنير بسهولة. فأول الكلام نسبة الاصطفاء لله الذي لا يمكن إثباته إلا بدليل قرآني صريح. مفقود بالضرورة، فكيف يُمنح المصطفى صلاحيات مفتوحة قبل إثبات منصبه الإلهي؟.

فالمتبادر من المفهوم إذاً، أنه اختيار نوعي وفقا لمبدأ مقدس، معترف به اجتماعيا، كالمجتمعات التي تقدس طبقة معينة من الناس بدعوى دينية أو عرقية أو غيرهما. وقد يتبادر من اللفظ خصوص الاصطفاء الإلهي: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ). بكامل ثقله الرمزي، وإيحاءاته القدسية التي تجد أصداءها في نفوس أدمنت التقديس والانقياد ومطلق الطاعة للمقدس. تساوي بين طاعة الله وطاعة المصطفى، بغض النظر عن صدقيته، والسبب أن رمزية المفهوم وقوة أصدائه لا يحرضان على طرح سؤال الحقيقة، ويكتفيان بالتسليم دون المراجعة والاستفهام، ويؤثران الاستسلام على المساءلة وتحريض العقل النقدي.

والحقيقة أن كل هذا لا يمنع من مقاربة المفهوم نقديا، خاصة مع وجود ضابطة عقلية. كالضابطة التي نقحتها خلال مقاربة المفهوم في كتاب مضمرات العقل الفقهي، الذي تناولت فيه خصوص الاصطفاء الإلهي، لقوة دلالته، وخطورة ملازماته. حداً يمكنك التحرش بالاصطفاء الاجتماعي والسياسي وتحري جذره البشري، ومرجعيته الاجتماعية والثقافية، والتحرش بكثير من المقدسات، غير أن الموضوع مع الاصطفاء الإلهي مختلف، يستدعي التريث والروية، وضبط البحث وفق خطوات ومبادئ علمية، لتفادي أي استفزاز يؤاخذ على الباحث ويفقده موضوعيته، ويعرضه لما هو أسوأ.

أما ضابطة الاصطفاء الإلهي، فهي:

الأصل عدم اصطفاء أي فرد من البشرية اصطفاء إلهيا، وهذا أصل عقلي مطلق لا يخصص. ولا يمكن رفع اليد عنه إلا بدليل قرآني صريح بخصوصه، كما في اصفطاء مريم والأنبياء. وقد استشهدت هناك باصطفاء هارون. فرغم أن موسى كليم الله، ونبي مرسل، لكنه يعرف أن الاصطفاء منصب إلهي، وجعله محصورا بالله دون غيره، ولا يثبت إلا بنص صريح، لذا ذهب إلى ربه وعرض عليه مطلبه، فاستجاب له بعد أن جعل هارون نبيا ومن ثم رسولا. فهو منصب إلهي خاص بالرسل والأنبياء، ولا شرعية لأي اصطفاء يفتقر للدليل القرآني الصريح بخصوصه. وأما لماذا دليل قرآني بخصوصه؟. فلأنه منصب إلهي، وجعله يحتاج إلى دليل صريح يورث العلم واليقين نرفع به اليد عن الأصل العقلي بحدوده، وهذا لا يعتبر تخصيصا بل يكشف عن وجود دليل يتعذر علينا إدراكه. وبالتالي فجميع الروايات لا تنفع، مادامت روايات آحاد، بل حتى المتواتر منها لا يفي بالمطلوب لاختصاص الجعل بالله تعالى. والكلام مفصّلا في الكتاب المذكور.

أما موضوع البحث هنا فيقتصر على تحري الجذر السياسي للاصطفاء.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (16)

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ المفكر ماجد الغرباوي
هناك فكرتان ملاصقتان للإسلام، غير أن شيوخ الاسلام لا يعترفون بهما وهذا سبب الضعف في الاخلاقيات والإعتقاد معاً :
أولاً: أن الاعتقاد مسئولية فردية.. وهذا معناه أنَّ الفرد حرٌّ تماماً وعلى نحو مطلق بصدد الايمان من عدمه. وأن التبعية سيحملها الإنسان ايجاباً وسلباً. فلئن حملها سلباً، فهو الموضوع إنسانياً أمام الله مباشرة. وهذا بخلاف المسيحية التي ترى في الخطيئة خلاصاً يقوم به المسيح بتبعية الجمع لا الإفراد و كذلك خلافاً لليهودية التي تجعل الاختيار الإلهي(الإصطفاء) منطق كوني يفرز البشر ويمحو الخطايا ويبارك مملكة ( الرب)اسرائيل في نهاية الزمان مثلما كان في بدايته، وكأن شيئاً لم يكن من أمور الدنيا وأحداث الحياة. أما لو كان الإنسان يحمل الاعتقاد ايجابياً، فعلى المؤمن التيقن طوال حياته (من المهد إلى اللحد) مما يعتقد خوفاً من ضياع المسئولية، كما أن المسئولية جزء من الاعتقاد، بل هي عين الاعتقاد نفسه لا مجرد اجراءات أو عمليات( تقوية المناعة الذاتية) ضد الانحراف والزلل.
ثانياً: الاصطفاء في مجال السياسة( الحكم) بمسمي الاعتقاد هو خلط تاريخي معيب وفاضح بالوثنيات والثقافات البدائية التي تجعل روح القبيلة طاغية استناداً إلى (أصل مقدس). وهو اصطفاء يخالف روح بل حرفية الإسلام. والاسلام في جوهره جاء ليمحو هذا الاصطفاء بممحاة انطولوجية حين لم يفرق بين أبيض وأسود، وحين أراد أن يكون فضاءً جامعاً بملئ الكلمة لمعاني الإنسانية المختلفة اختلافاً جذرياً. فليس شرطاً أن يكون الخليفة ولا الحاكم قريشياً وإلا لكانت ثمة (مركزية عرقية ) تقتل روح الاعتقاد وتنوع الحيوات وتعود بالإسلام إلى نزعة قبائلية مسمومة في تاريخ الثقافات جميعاً. وللأسف فقهاء السلاطين لم يكن لديهم الحس الإنساني البعيد من وراء مقاصد الشريعة ولا فهم مفتوح للإسلام.
تحاياي المعطرة
ودمتم بوافر الصحة والعافية
.

سامي عبد العال
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ الدكتور سامي عبد العالى،
وافر التقدير والاحترام لجمال حضورك ومداخلتك الثرية، وشكرا لمتابعتك وتفاعلك، وهذا يسعدني.
لا ريب ان العقيدة وما يترتب عليها من ثواب وعقاب كما يعتقد معتنقوها هي مسؤولية فردية، لا يتحمل وزرها إلا هو، غير أنها إملاء في مجتمعات القطيع، لا يسمح معها بالاجتهاد، وتبقى حرية الاعتقاد مجرد شعار لا صدى له، خارج أمنياته.
سيكون موضوع الحلقة التالية للجذر السياسي للاصفطاء الدين، لنكتشف بشرية تلك المفاهيم التي تتحكم بالمجتمع اليوم. وله علاقة بالنقطة الثانية من تعليك الكريم.
كل الود والتقدير لك الاستاذ والمفكر الجليل.

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الفاضل ماجد الغرباوي المحترم
السلام عليكم
1 ـ ورد: [لا يحتاج الباحث سوى تجرّد وموضوعية فعلية، ليخلص أن صراع السلطة كان وراء الأحداث التاريخية الكبرى] انتهى
أعتقد ان الاسلام و منذ لحظة الوحي الاولى ولد سياسياً كونه هد عقائد وبعدها اوجد اول نظام ضريبي و اول نظام رعاية اجتماعية واول وزارة هي وزارة المالية فتصاعد الخلاف بين الاغنياء وعدم رغبتهم في دفع الضريبة والتنافس على ادارة وزارة المالية او البنك المركزي وهذا شبيه لما يحصل اليوم مع الفارق...وكان ايضاً هناك طريق الحرير التجاري وما اثار كما يثير اليوم من نزاعات.
2 ـ ورد: [وبالتالي إذا لم يكن النقد العقدي مهمة أخلاقية فهو مهمة دينية، وتكليف شرعي كفائي، لحماية العقيدة الدينية من مواربات العقائد الوضعية، والتي حذرت منها الآيات لخطورتها، وقد اعتبرتها تقوّل على الله، بل أن وظيفة الرسول أولاً تصحيح العقائد وتهذيب المعتقدات، فالقراءة النقدية لها رسالة ومسؤولية تناظر مهمام الأنبياء]
نعم ...نعم...نعم...هو مهمة اخلاقية ودينية والناقد بهذا الوضع هو حامي الدين بعد النبي...يثير هذه الايام مثل ما اثار في تلك الايام مع الفارق لكنه يؤسس كما اسس السابقون لهم الرحة.
.....................
دمتم بخير وعافية لتواصل الاضافات المضيئة النافعة
والنقد لا يتصدى له الا المكافحون الصادقون بالذات في موضوع الدين ومهما اخطأ الناقد الامين حشاك من الخطأ فهو ملاقي من ينصفه في السماء لانه اجتهد بحرص ونية صافية وسريرة نقية كما جنابك الكريم

عبد الرضا حمد جاسم
This comment was minimized by the moderator on the site

اخي العزيز الاستاذ الموقر عبد الرضا حمد جاسم، شكرا لمتابعتك وتفاعلك وتعليقك. ما تفضلت به يقع ضمن التدبير والادارة, وسبق ان اكدت أن السلطة ضرورة اجتماعية وليست دينية. اي أن مقتضى الاجتماع البشري بحاجة للسلطة والإدارية. لكنها ليست ضرورة دينية كي يدعي من يدعي وصاياه وقيمومته علينا. اكرر احترامي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

حلقة رائعة ومهمة تناول قضية الاصطفاء وبداية مسار الانجراف والتي هي كما ذكرت استاذنا ماجد بدأت في عهد الخليفة علي بن ابي طالب من اقتتال للصحابة (ومصداقها حروب الصحابة في عهد خلافة علي بن أبي طالب. ) ثم العهد الأموي بداية الانجراف الفكري ..كلام قوي جدا حول مسألة الاصطفاء (فهو منصب إلهي خاص بالرسل والأنبياء، ولا شرعية لأي اصطفاء يفتقر للدليل القرآني الصريح بخصوصه.).
لأول مرة اركز عليه ..لكن قد يقال أن هناك عبدا آتاه الله العلم اللدني ليس برسول او نبي ..الخضر ! .
المصطلحات القرآنية يجيد الكثير التلاعب بها على الأفهام بسهولة وهذه مشكلة خاصة عند المتفلسفين وما أكثرهم ..
وحبذا استاذنا القدير تناول كل الآيات التي ذكرت الاصطفاء لنتأمل فيها أكثر ....
شكرا لهذا التنوير ودمت بخير وعافية .

التعديل الأخير على التعليق تم في حوالي1 شهر مضى بواسطة admin نجيب القرن
This comment was minimized by the moderator on the site

وسأعود ان شاء الله للتفتيش اكثر في هذا الموضوع الى ( كتاب مضمرات العقل الفقهي ) الذي كما ذكرت ( تناولت فيه خصوص الاصطفاء الإلهي.

نجيب القرن
This comment was minimized by the moderator on the site

كتاب مضمرات ......
التحميل غير متوفر لهذا الكتاب الآن...هكذا مكتوب .
إذا في رابط لتحميله bff
سأكون شاكرا لك ..

نجيب القرن
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر القدير الاخ العزيز نجيب القرن . شكرا لاهتمامك بكتاباتي، وشكرا لمتاعبتك. نعم سابعث لك الكتاب بي دي اف. واتمنى ان ينفعك. تقبل احترامي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الاستاذ ماجد الغرباوي على هذا المقال الرائع و شكراً للاخوة المعلقين.
نعم ان الله يختار و يصطفي الرسل لكي يحملوا رسائله للبشرية كما وضحها الاخ الغرباوي. و تكون العملية كما يلي :
الله – (الوحي ناقل الرسالة)- و (الانسان المصطفى او الانسان المختار من قبل الله ( اي العنصر البشري).

طه 13
وانا اخترتك فاستمع لما يوحى
الاية اعلاه توضح اخيار الله للنبي موسى.

و الاية التالية تشير الى الرسول محمد
الاحزاب 45
يا ايها النبي انا ارسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا

الاية اعلاه تشير الى ان الله "لا غيره" من رشح النبي و ارسله للناس.
و النبي موسى بالرغم من انه "كليم الله" عرف من أنه لا يستطيع ان يعين مساعداً له ليساعده في امور الدين لانه لديه لعثمة في كلامه. و ان الله استجاب له على طلبه بتعيين اخوه هارون.
القصص 34
واخي هارون هو افصح مني لسانا فارسله معي ردءا يصدقني اني اخاف ان يكذبون

و من الايات اعلاه نستطيع ان نستنتج ان الله فقط لا غيره هو الذي يختار البشر لكي ينقلوا رسائله الى الناس .
و لا اعتقد انه يوجد بشر آخر"غير مختار من قبل الله" ان يأخذ مقام الانبياء و الرسل. و بناءً على هذا ان مقولة رجال الدين :

"العلماء ورثة الانبياء" فأعتقد انها باطلة تماماً و لا تتفق مع مغزى الرسالة السماوية.
و الشيء الاخر و المهم و هو مقولة رجال الدين المشهورة وهي "الراد عليهم كالراد على الله او على المعصوم و من ثم على الله" كذلك لا تتفق مع مغزى الرسالة السماوية ابداً.

و السبب موضح في الكثير من آيات القرآن.
ان مجال المناقشة و الاستفسار من الرسول اكده الله في الكثير من آياته. اخترت بعض الايات التي توضح فضاء المناقشة بين الناس و الرسول .

الاعراف 187
يسالونك عن الساعة ايان مرساها قل انما علمها عند ربي- الخ.

الاسراء 85
ويسالونك عن الروح قل الروح من امر ربي ------ الخ.

النساء 127
ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن -------الخ.

و الايات اعلاه توضح ان دور الله اشبه بدور "المعلم" و الرسول دوره اشبه بدور "التلميذ". و بما ان الرسول لا يعلم الاجابة على الاسئلة التي توجه له ان الله يقول "قل" كذا و كذا. و طريقة التعليم للرسول تتم عن طريق " الله -الوحي" لاغيره.
و الاية التالية مهمة جداً وهي تشير الى عدم استعباد البشر كما هي حالتنا حالياً من قبل رجال الدين.
الغاشية 22
لست عليهم بمصيطر

الموضوع طويل ومتشعب و شكراً مرة اخرى و مزيداً من المقالات التنويرية.
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

التعديل الأخير على التعليق تم في حوالي1 شهر مضى بواسطة admin ثائر عبد الكريم
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الأستاذ القدير ثائر عبد الكريم شكرا لمتابعتك وتفاعلك من خلال الاستشهاد بآيات الكتاب موضوع الاصطفاء مفصل في كتاب مضمرات العقل الفقهي
تقبل احترامي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

العزيز الباحث المبدع الجاد

الاستاذ ماجد الغرباوي.

العقائد المنغلقة جميعها ( الدينيّة والدنيوية)

تلغي الضمير وتصادرُ الوجدان ومعتنقي

تلك العقائد مولعون بالمواقف والأحكام التي

تخلو من الإنصاف . والأمثلة كثيرة تاريخاً وحاضرًا

أمّا عقل العقائديّ المتزمّت فمجرّد أداة لتبرير أحكامه

الجائرة .


دمْتَ. مُبْدِعا كبيرا

مصطفى علي
This comment was minimized by the moderator on the site

العقيدة سلطة تفرض محدداتها على وعي الانسان، لا فرق بين عقيدة واخرى وتتحكم بارادته فالحرية مستبعدة بفعل هيمنة العقيدة التي تقدم رؤية للكون والحياة والموت وما بعده، فالانغلاق قدر الانسان العقائدي
كل الود والتقدير الشاعر الكبير الاخ الدكتور مصطفى علي، وشكرا لتفاعلك وتعليقك الذي اسعدني

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

تحية طيبة و بعد
استاذي العزيز المبجل المجدد أبا حيدر دام عزكم
اطلعت على الحلقة ٢٤٤ الجديدة من الحوار المفتوح و كانت جدا مهمة و مفصلية في مشوار إثارة الوعي و النباهة بماهية الأخلاق و موقعيتها في المعادلة الحركية للمؤمن المسلم على ضوء القيم و المبادئ و الأحكام التي تعكسها آبي القرآن كخريطة طريق و ثقافة حياة معرفية تؤسس لبناء حضاري أمثل، لكن سؤال حاصرني و انا أطالع الحلقة هل الاستاذ الغرباوي يسعى لمقاربة و تفكيك الجذر السياسي كمعطى مصلحي براغماتي ذاتي ضيق يناقض المبنى الأخلاقي في وعي الاصطفاء الإلهي او الاصطفاء إسلاميا عبر تصحيح الرؤية و نقد المباني التي رسمها الفقهاء و الذين اغلبهم كانوا مفسرين و عبر فوقية مذهبية خالصة تعتقد بدينية المذهب، ام انه يسبق التأسيس الاصطلاحي للاصطفاء عبر الجذر الأخلاقي قرآنيا، كتقريب للاطروحة الأخلاقية للاصطفاء عبر كشف معالم الجذر السياسي، ام أنكم تسعون عبر هذا الأنموذج المتمثل في الاصطفاء لصياغة فهما قرآنيا للأخلاق كمرجعية قيمية في تفكيك معطلات الوعي الديني الحضاري لدى المسلمين؟؟
اتمنى ان توضح الحلقة المقبلة أكثر طبيعة المنهج و تسلط الضوء على محددات تزييف الوعي العقائدي عبر فتح خزانات الآيات ذات العلاقة في قبال التفسيرات الطائفية و ما نتج عنها من فتاوى تحريضية و انحرافات سلوكية جعلت من العقيدة جبرا و من السلطة مخل اصطفاء و من الأخلاق تصوفا
و اخيرا أكرر شكري وتقديري وامتناني و اعتزازي بكم استاذي الغالي و كل تمنياتي لكم بالتوفيق و السؤدد
مراد

مراد غريبي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ العزيز مراد غريبي شكرا لتفاعلك وشكرا لأسئلتك القيمة والمهمة، وانت جدير بها. في الحلقة القادمة سأبن الجذر السياسي لنمط من الاصطفاء، واكتب عن دواعيه وكيفية تطوره، وما هي مببرات ذلك. قد لا يتفق معي اصحاب الاجتهادات الايديولوجية، لكن لا بد من قول الحقيقة. اكرر احترامي ومودتي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

سيدي الاستاذ العلامة سيدي ماجد الغرباوي، حفظكم الله ورعاكم.
مقالة بخط معرفي متكامل متراص مع ما سبق. الاصطفاء آلية منطق رباني لتسهيل مرور الإنسان بهذه الغبراء بدون متاعب. أساسها أخلاق وكفاءة بمعايير إلهية لا يمكن للبشر أن يضطلع على منطقها العميق اللامتناهي. فالوحي والتواصل بين الأرض والسماء زمن حياة الأنبياء والرسل محطات تاريخية مقدسة بصفائها الذهني البشري الذي ينتصر دائما للحق وينير الطريق للعباد.
أعزكم الله وسدد خطاكم.
معزكم الحسين بوخرطة.

الحسين بوخرطة
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ العزيز الاستاذ الباحث والاديب الحسين بوخرطة، شكرا لمودتك وتعليقك. كما تفضلت هذا ما كتبت عنه مفصلا في كتاب مضمرات العقل الفقهي. المشكلة بحجم تداعيات إدعاء الاصطفاء وما يترتب عليه من آثار يدعون للبحث عن الجذر السياسي له، وفرز الالهي عن البشري. تحياتي وتقبل احترامي

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5587 المصادف: 2021-12-22 04:50:10


Share on Myspace