 حوارات عامة

في حوار مع المسرحي العراقي المقيم في بلجيكا حازم كمال الدين:

abduljabar kamran- المثقف العربي في الوطن لا يرى في مثقف الشتات فسحة للإثراء والتلاقح..

المسرحي العراقي المقيم في بلجيكا حازم كمال الدين من المسرحيين الباحثين الذين أشربوا في قلوبهم التجريب والتنقيب، أولئك الذين يحاولون تشييد مشروعهم الدرامي على جُمل مسرحية جمالية جديدة وعلى صيغ دراماتورجية وابداعية مبتكرة.. لايكتفي في عروضه المسرحية على البحث في آليات العرض المسرحي فحسب بل يغوص عميقا في استكناه علاقة اللقاء التفاعلية بين الممثل والمشاهد وما يفعّل ويؤطر هذه العلاقة.

يسقي مدير جماعة زهرة الصبار المسرحية ارض نصوصه وبذور مقترحاته الدراماتورجية من عرق بحثه على الخشبة ومن تفاعله الوجداني كمخرج ودراماتورج مع مقترحات الممثلين الجمالية والفكرية.. واستقراره في بلجيكا منحه مسارا نوعيا لفهم دور المسرح في الحياة - كما يعبر.. لكن انفتاحه على ثقافة الآخر وتمثله لانموذجه المسرحي لا يسقطه في اعتباره مثالا يقتدى.

قدمت اعمال حازم كمال الدين على خشبات المسرح في بلجيكا وانجلترا وهولندا وكندا... وتجربته في الاخراج طويلة ومتشعبة حيث اخرج العديد من المسرحيات منذ عام 1973 وحتى الآن. وعمل كمحرر ثقافي في مجلات ثقافية، وكمحاضر زائر في بعض الجامعات الأوربية، وتناولت بعض الأطاريح الجامعية تجربته المسرحية وكتب القصيدة والقصة والرواية والمقالات والدراسات فضلا عن نصوصه المسرحية.

مما صدر له نذكر "عند مرقد السيدة" مسرحيات ،عن دار الغاوون بلبنان. ورواية "كاباريهت" عن دار فضاءات بالاردن. وكتاب "بيت القصب.. أفكار بالتجربة المسرحية" الصادر مؤخرا عن الهيئة العربية للمسرح بالشارقة. و باللغة الهولندية أصدر مسرحية "العدادة" عن صحراء 93 ورواية "اورال" عن Beefkacke publishing ببلجيكا..

أما آخر الاصدارات فالنص المسرحي "السادرون في الجنون" الفائز بالمرتبة الأولى في مسابقة النصوص الموجهة للكبار والتي تنظمها الهيئة العربية للمسرح بشكل سنوي.

 

- بداية ماذا يمثل لك الفوز هذا الموسم بجائزة التأليف المسرحي التي تنظمها الهيئة العربية للمسرح؟

- على الصعيد الموضوعي أرى في هذا الفوز خطوة لوصل ما هو منفصل بين الثقافة العربية المنفية أو المجبرة على العيش خارج بيئتها الجغرافية والثقافة العربية داخل حدود الوطن الكبير. وعلى الصعيد الشخصي يشكّل الفوز أملا في عودتي إلى مسارح الشرق الأوسط وتقديم خبراتي المتراكمة منذ ما يزيد على الربع قرن.

أنا مازلتُ أعتبر نفسي منفيا عن الثقافة العربية وأعاني اغترابا مركبا داخل الماكنة الثقافية: اغتراب الأسمر الذي يرفض الانصهار في بوتقة الثقافة الشقراء، واغتراب العربي الذي ينكره أبناء جلدته لشتى الأسباب لعلّ أخطرها مواقفه السياسية والآيديولوجية والجمالية غير المتصالحة لا مع الغرب ولا مع الشرق. أكتبُ هذا الآن وأنا أرى إلى المفارقة التي شعرتُ بها إبان وجودي بين أبناء جلدتي في أكثر من مهرجان ثقافي عربي ومؤداها هو أن المثقف العربي في الوطن يرى أنّ مثقف الشتات مغرور أو متعال أو متأورب أو ما إلى ذلك ولا يرى فيه فسحة للإثراء والتلاقح. بينما المثقف العربي في الشتات يرنو إلى وطنه وينتظر اعترافا بجهوده التي عبرت الحدود ولم تدخل الوطن وهو يعي جيدا أنّ جهوده قد تسهم في تطوير هذه أو تلك. هل عليّ أن أشكر الهيئة العربية للمسرح لجهودها في رأب هذا الصدع أم سأُعتبر متملقا؟

 

- منذ بداياتك المسرحية وكتابتك لنصك المسرحي الأول "دمية المساء" سنة 1993 و حتى لحظة وضعك نقطة نهاية نصك الاخير المتوج بالجائزة .. "السادرون في الجنون"، مرورا بالعديد من النصوص الاخرى التي الفتها .. كيف تلخص لنا بشكل مقتضب أهم تمفصلات مشروعك المسرحي؟

- إنّ تاريخ المسرح الحقيقي هو تاريخ العروض المسرحية، فالعملية المسرحية برمّتها عرض حيّ لا نصٌ يُقرأ، بيد أننا لم نستلم الكثير من المعلومات عن تاريخ العرض، الأمر الذي جعل المسرح المعاصر يبُنى بطريقة مقلوبة: بدلا من تمارين تؤدي إلى عرض يقود إلى توثيق (نص وفيديو) أصبح المسرح نصا يختاره مخرج ويؤدي إلى تمارين تؤدي إلى عرض.

في بحث منشور في أحد كتب الهيئة العربية للمسرح كتبت: "إنّ تاريخ المسرح كما هو معروف لكم ليس تاريخ النصوص المسرحية لـ “ أسخيلوس، ويوريبيدس، وشكسبير وموليير” وليس تاريخ الدراسات الدرامية كفن الشعر لأرسطو. إن تاريخ المسرح الحقيقي هو تاريخ العروض المسرحية، فالعملية المسرحية في جوهرها عرض حيّ وليست نصا يقرأ." أقول هذا وأنا أعي أننّا لم نستلم الكثير من المعلومات عن تاريخ فن العرض. وإذا ما كنتُ أوضحتُ هذه النقطة المفصلية في بنائي للعملية المسرحية سيصبح مشروعي المسرحي هو البحث في آليات العرض. بكلمة أخرى علاقة اللقاء التفاعلية بين الممثل والمشاهد وما يفعّل ويؤطر هذه العلاقة. فبدون ممثل ومشاهد لا يوجد عرض مسرحي كما تعلمنا بينما توجد عروض مسرحية كثيرة تكتفي بالممثل والمشاهد.

 

- كيف تترجم علاقة اللقاء التفاعلية هذه، مع المشاهد .. باعتبارها من أهم تمفصلات مشروعك المسرحي؟

- تترجم هذه العلاقة التفاعلية مع المشاهد بطرق كثيرة : مساءلة الممثل في مشروعه على الصعد الجسدية والروحانية والعقلانية والحسيّة. مساءلة الفضاء المسرحي التقليدي الذي يجثم على خناق العرض. مساءلة التقنيات المسرحية في علاقتها مع الثورات التكنولوجية المتسارعة وكيفية استجابتها لهذه الثورات أو اختفائها من وجه العرض أو إضافة تقنيات جديدة لم تكن معروفة على الصعيد المسرحي (كمثل الطاقة فوق الحمراء، والمجسات التحسسية، والعمل في الفضاء الافتراضي.. الخ.). مساءلة تقنيات دراماتورجيا النص وكيفية مزاوجتها مع عناصر الثقافة الشفاهية والثقافة التدوينية والثقافة الروحانية. تغيير العلاقة بين التقنيات المسرحية وأحيانا إلغاء تقنيات محددة وإضافة أخرى من خارج المنظومة التقنية المسرحية التلقيدية.

مرة أخرى: المسرح أولا وأخيرا هو لقاء بين مشاهد وممثل، وأنا كمخرج ومؤلف ومدرّب وسينوغراف لا أرى نفسي في هذا السياق الموضوعي سوى وسيطا بين جملة عناصر تحقق اللقاء الحيّ بطريقة أمثل. إتقان كتابة النص هو جزء من هذه الوساطة. بهذا المعنى فأنا لست مؤلفا مسرحيا يكتب خلف مكتبه أما نصوصي فهي نتاج مختبرات العرض المسرحي أو هي مشاريع تبحث عن تجسّد في ذلك الفضاء كمثل (السادرون في الجنون).

مشروعي الجوهري هو العرض المسرحي التفاعلي، وأعني به اللقاء التفاعلي بين الممثل والمشاهد. أرى أنّ أي عرض مسرحي لا يؤدي إلى تفاعل هذين العنصرين بطريقة إيجابية هو عرض يتساوى مع ما تراه في التلفزيون أو شاشة السينما. من هذا المنطلق يحشد مشروعي المسرحي كل الوسائل الممكنة لتطوير تقنية حضور الممثل الفاعل ولوضع المشاهد في فضاء المبدع المساهم في العرض وليس المتلقي السلبي. هذا الموضوع هو أحد الفصول الحيوية من كتابي (بيت القصب).

 

- المسرح العربي في المهجر عنوان عريض.. ما هي أهم تجلياته الراهنة؟

- اسمح لي أن أتحدث عن الغرب لأني لا أعرف ما يجري في بقع العالم الأخرى:

أهم صفات المسرح العربي في الغرب هو الخضوع شبه التام لسياسات الغرب الثقافية التي تحمل شتى المسميات التقنية والإدارية والسياسية والآيديولوجية. وإذا تجاوزنا جدلا حقيقة أن العملية الإبداعية المسرحية عملية فردية وجماعية في آن تقتضي أن يتواصل فيها المبدع مع مبدعين ليسوا عربا بالضرورة ومع ثيمات ومعالجات لا تعنى في الكثير من الأحيان بالشأن العربي ومع لغات وأخلاقيات غير عربية وطرق تفكير مختلفة عن الطرق العربية، علينا أن ندرك أن المسرح العربي في شتات الأرض موضوعة شائكة أيضا نتيجة لجملة تعقيدات منها:

أولا، أنّ البلدان التي يعيش فيها الفنان المسرحي العربي تشترط في الغالب خضوعا تاما لسياستها الثقافية وبعكس ذلك فهي تحوله إلى فنان هامشي أو تضطره أن يترك العمل في المسرح أصلا.. أنا شاهد على الكثير من المسرحيين الذين اضطروا أن يغيروا مهنتهم. وأعني بالخضوع للسياسة الثقافية (على سبيل المثال) محاصرة المسرحي في ركن ما يسمى الثقافات المتنوعة multicultureأو ثقافات الأجانب والأقليات أو الثقافات المتلاقحة.. إلخ.

ثانيا، هناك تعتيم مقصود في بعض الدول العربية على هذا الفنان أو ذاك وتسليط الضوء على هذا أو ذاك لأسباب سياسية وأحيانا لأسباب عنصرية. تستطيع أن تأخذني مثالا في السياق لترى أنّني لم أتمكن من تحقيق أي مشروع مسرحي في المنطقة العربية1 رغم جهودي التي وصلت أحيانا للتوسل لنقل خبراتي لأبناء جلدتي قبل أن أموت. إذ ما فائدة ما تعلمت إذا لم أنقله لأخوتي وأنا أعي جيدا أن السياسة الغربية تعمد إلى تجهيل أبناء أوطاني وتسرق ثرواتهم وتقودهم إلى أوحال العصور المظلمة؟

التعقيد الثالث هو تأخر الاهتمام بموضوع المسرح العربي في الشتات إذا لم أقل تجاهله أو تناسيه. دعني أخبرك أنّ المسرحي الرائد محسن السعدون مثلا، الذي ولد في عشرينات القرن المنصرم توفي بعد 50 سنة خبرة وريادة في مسارح أمريكا اللاتينية وإهمال عربي تام، ودعني أخبرك أن أهم مدرسة مسرحية في العالم تعنى بمنهج لوكوك للمايم (École Lassaad) يقودها فنان تونسي (لسعد سعيدي)! في هذا السياق استحدثت منذ سنة، يا للفرحة، الهيئة العربية للمسرح تنسيقية لتلافي هذا التجاهل أو الإهمال وآمل أن تقوّض هذا الضعف وتضيء من تراكمت عليهم حقب النسيان.

 

لكن فيما يتعلق بالمسرحيين في المهجر هل هناك مِن تواصل فيما بينهم. اقصد ذلك التواصل المعرفي والابداعي لاجل تبادل التجارب وخلق فرق وفضاءات ابداعية مشتركة ذات قيمة واشعاع؟

- هذا تعقيد آخر، وهو طبيعة أو ضعف التواصل بين المسرحيين في الشتات. تأمل المفارقة: فنحن نسمع أنّ المسرحي (لسعد سعيدي) أسس منذ عام 1983 المدرسة المسرحية التي تحمل اسمه في بلجيكا (Ecole Lassaad2 )، ونسمع أن المسرحي (محسن السعدون) الذي توفي من شهر عن عمر يناهز فقط أسس أقسام المسرح في الاكوادور وكوستاريكا3 ، وأن فنان يعمل في مسرح الشمس لاريان منوشكين (سمير عبد الجبار4 )، وأنّ فنانا آخر فاز بأبرز الجوائز الكندية (وجدي معوض5 )، لكننا لا نعرف إلا النزر اليسير. ولأجل تحديد طبيعة التواصل بين المسرحيين أميل شخصيا إلى الانطلاق من طبيعة الهوية الثقافية – آيديولوجيا وأديان.. الخ – وبدرجة أقل من الطابع الأناني للفنان المسرحي. بالنظر لأنّي من قدماء المسرحيين العرب في الغرب (منذ عام 1987) فقد توفّرت لي فرصة مراقبة طبائع المسرحيين عن كثب وما يجمعهم. ولاحظت أنّنا مختلفون، تجمعنا وحدة البقع المشتتة لمختلف الأسباب. فنحن قائمون في الغرب أمّا لرغبة في تقديم أعمال ذات كودات مسرحية لا غربية، أو تقديم مسرحيات تحذو حذو الكودات الغربية وأما نحن طلبة ندرس ونعود أو إذا تبيّن أننا قادرين على تحقيق فرص عمل نجذّر أنفسنا في الجغرافيا الجديدة..

في الحديث عن الضفة التي أنتمي إليها يا صديقي، نحن نبحث عن كل الطرق الممكنة للحفاظ على هويتنا ومواصلة العمل في المسرح كوسيلة تعبير عن الذات. وهذا يصطدم بدءا بجدار اللا اعتراف من قبل الآخر. فالأجنبي هنا عموما مشكوك فيه حتى يثبت (حسن سلوكه)، وبسبب من قساوة الغرب الباردة وشعور العربي بالدونية أمام الثقافة الغربية تتخذ مسارات البحث طرق الخضوع لما تتطلبه شروط إثبات الذات أو تحدّي ذلك الخضوع والتمرّد عليه.

كما إنّه لايجب أن نغفل تعقيد تنوّع المسرحيين العرب في الشتات على صعيد الاتجاهات الفنية وعلى صعيد الفئات العمرية. كم هو عمر عادل قرشولي وسعدي يونس بالمقارنة مع أعمار شباب عشريني يقدم عروضه المسرحية في الشتات؟ أضف إلى فارق الأجيال موضوع الطبيعة التربوية للمجتمعات الغربية في بنائها للفرد والتي تعد إلى تعليمه على النسيان أكثر من التراكم العمودي. إن ثقافة الغرب تعمد إلى البناء الأفقي ما يعني أنّها تنسى الماضي بسرعة لاعتمادها على الموظة والاستهلاك.

 

- من اين يمكن أن يبدأ إثبات الذات عند المسرحيين العرب في الغرب او عند المبدعين المهاجرين عامة في كافة الاشكال التعبيرية من وجهة نظرك؟

- هذا موضوع تطرقت إليه في الكتاب الصادر عن وزارة الثقافة في الشارقة تحت عنوان المسرح والهوية والذي ساهمتُ فيه كأحد المؤلفين سأحوّر قليلا منه لكي لا أضطر للتكرر.

إنّ إثبات الذات بالنسبة للغرب يجب أن يبدأ بالعلاقة مع كلمة القرابات والأنساب Affinity أي الشراكات. فإذا كانت ثمة قرابات بين ذلك المسرحي والثقافة الغربية سيجد طريقه رويدا رويدا، وأقصد بـ "رويدا رويدا" هو أنّ الفنان يخضع لعملية غسيل دماغ تضمن سيادة القرابة للنسب الغربي Affinity فتنجح مع مسرحي، وتفشل مع آخر، وتتعرقل مع ثالث، وتتسبّب في اعتزال رابع، وتدفع بخامس إلى شدّ الرحال والعودة إلى وطنه. وإذا لم تكن ثمة قرابات فسيضطر الفنان للوقوف أمام البوابة الموصدة لكلمة Affinity كما حدث ويحدث مع الكثير ممن عرفتهم.

هكذا يتخلّى أحدهم عن هويته ويصبح، بإرادته أو رغما عنه، مستغربا جاهزا لتقديم شتى التنازلات التي يشارف بعضها على التخلي عن الهوية الثقافية – الطبائع الشخصية – وارتداء قناع اسمه الثقافة الغربية، أو يصل البعض حدّ تمريغ الهوية الثقافية بالاستشراق والإكزوتيك. هكذا يلعب مثل هذا الفنان دور المحاكي الذكي القادم من المجاهيل. أو يبدأ باللعب على وتر اللاجيء "المسكين" و "ضحية" النظام الديكتاتوري الذي فرض عليه الهروب، أو يعيد إنتاج فولكلوره مداعبا للرؤية الغربية ويعيد إنتاج الكودة التي وضعها الغرب عن ثقافته ويعيد تقديم تلك الثقافة على طبق استشراقي أو إكزوتيكي ظنّا أنّه سيبهر الغرب بمعارف مرصّعة بملابس شرقية وديكورات تعيد إنتاج عوالم الاستشراق.

في المقابل ثمة من يتشبث بهويته الثقافية فيتحجّر في بلاد لا تحكي لغته ولا تفقه كوداته. فترى مثل هذا يقوم بتقديم عروض بلغته المحليّة ولجاليته المنغلقة فيتقوقع من الناحية العملية في ذات الوقت الذي يصبح فيه نجم الجالية – الأقليّة –. هذا المسرحي ليس له مساس بما يحدث اليوم في المسرح المعاصر. كذلك ثمة فنانون كبار يظنّون أنّ اسمهم العتيد في وطنهم يجب أن يفرض نفسه في الشتات، وأنّ فناني البلد الجديد هم الذين يجب أن يأتوا إليه، دون أن يعي حقيقة أنّ نمط الثقافة الغربية يعتمد فيما يعتمد على مبدأ أنّ الفن يخضع لسوق العرض والطلب، ومطلوب من كل فنان أن يعرض بضاعته، وأنّ الغائب أو غير الحاضر أو المتواري العازف عن الحضور لن يُفتقد، هذا الفنان يظل بانتظار أن يدق بابه أحد ليظهر على المسرح سوية مع فناني الصف الأول من أبناء البلد. فيطول انتظاره ويطول حتى يعي ذات لحظة أنّ نبعه الفنيّ قد نضب.. وقد يموت بعضهم بعد عقود من الانتظار وهم على أهبة الانتظار.

في مقابل هذه الصور ثمة أيضا من يجد التوازن بين الثقافتين، ذلك أنّ حقيقة وجوده في الغرب تفرض عليه أن يقدّم عمله إلى مشاهد غربي وأن يتعلم تطوير هويته، التي هي كائن متغير، دون التنكّر لهويته الثقافية الأصلية ودون مداهنة الهوية الأخرى. مثل هذا الفنان يأخذ ويعطي مع الغرب بطريقة نقدية ويتجنّب فخاخ الإكزوتيكية والمفاهيم الاستشراقية أو الاستغرابية.

 

- ما مردّ غياب الحضور المنظم لعروض المسرحيين العرب في المهرجانات المسرحية الدولية..؟

- هذا الغياب لا يرجع الى ضعف إنتاجات المسرحيين في الشتات بقدر ما يعود إلى السياسات الثقافية الغربية التي تحدد السماح للعربي بالظهور وفقا لسياستها الثقافية. للنكتة فقط: لقد قدمت شخصيا هذا العام طلبا لدعم عرضي المسرحي (ربيع أسود) وهو إنتاج مشترك بلجيكي كندي، وكان جواب مسؤولين بلجيكيين هو أنهم يودون دعمي إذا تناغمت مع توجهاتهم الثقافية المعلنة، أما أن أطرح عليهم إنتاج مسرحي مع كندا فإن الدولة البلجيكية لا تعتبر التعاون الثقافي مع كندا أولوية!

تأمل أيضا أن أعمالا عربية خالدة لم تجد طريقها إلى مسارح دول غربية كثيرة بينما تجد طريقها لتلك المسارح إنتاجات غربية (غثة وسمينة) وتلوكها موسما بعد موسم. هل أذكر لك من غير المغتربين سعد الله ونوس أو توفيق الحكيم أو يوسف ادريس، وهل أذكر لك مسرحيي الشتات وجدي معوّض، علما أن هؤلاء طرحوا في أعمالهم قيم وتساؤلات خالدة تقف إلى جانب الأعمال الغربية الكبرى؟ لا أريد من هذا الكلام أن أدعي بأن المسرحي العربي يقف قامة إلى قامة مع ستانسلافسكي وجروتوفسكي وبريخت ودكروا ولكوك وهيجيكاتا، لكني لا أبخس المسرحي العربي.

 

- المسرح فن عابر وهمّ التوثيق يلاحق الانشطة والحراك المسرحي في مختلف الامكنة والأزمنة.. كيف تأرشَف أعمالك ومنجزات زملائك من المسرحيين العرب في بلجيكا مثلا؟

- شخصيا أعمل على توثيق أعمالي كما يلي: أرشفة مراحل بناء العرض.. كل عرض مسرحي لي يبدأ بورشة عمل مع الممثل ترافقها عمليات دراماتورجية وسينوغرافية وتسويقية وإعلامية. يحتوي إرشيفي الشخصي على مواد مصورة (فيديو وفوتوغراف) لكل إنتاج مسرحي من بداية التمرين على ورشة الممثل حتى العرض المسرحي نفسه. وكل عرض مسرحي يخضع لنمو دراماتورجي بالتعاون مع الدراماتورج وطاقم العرض المسرحي وأنا أقوم بحفظ كل مراحل العمل الدراماتورغي مطبوعا وبالكومبيوتر. لدي إرشيف كامل عن مراحل نمو النص المسرحي من فكرة إلى عرض تحتوي مساهمة الجميع في مراحل العمل المختلفة.

ثم الأرشفة الإعلامية : خبر صحافي. ملف تفصيلي خاص بالصحافة. صور من العروض والبروفات. كتابات الصحافة النقدية. الحوارات التي تجري في الصحافة عن العمل. مقابلات تلفزيونية وإذاعية وغير ذلك. إضافة إلى ذلك البلوغ، الفيسبوك، وبقية المواقع التفاعلية.

 

- هل تتابع التجارب المسرحية العراقية والعربية.. وما هي اهم خصائص المسرح العراقي اليوم؟

- للأسف متابعاتي للحركة المسرحية العراقية محدودة جدا. العرض المسرحي الوحيد الذي شاهدته منذ عام 2005 كان في الدورة السابقة لمهرجان المسرح العربي المنعقدة في يناير 2014. السبب في ضعف متابعتي للمسرح العراقي ليس ناتجا عن موقف ما، بل بسبب استحالة متابعة العروض وأنا بعيد جسديا عن مكان العرض المسرحي. هذا الجهل المؤسف يقود بنفسه إلى جواب الجانب الثاني من سؤالك. إذ يتعذر عليّ تحديد خصائص شيء لا أعرفه! وما ينطبق على علاقتي بالمسرح العراقي ينطبق كذلك على المسرح العربي. سيسعدني أن أرى العروض العربية لكي أتمكن من وضعها في سياق ما في خارطة المسرح العامة.

 

- ما الذي ينقص المسرح العربي او أي مسرح.. ليحتل مكانة ابداعية معتبرة داخل خارطة المسرح المعاصر؟

- ما ينقص أي مسرح للدخول في المحيط المعاصر هي عناصر محددة تبدأ بالتجديد والتجريب وخرق اكليشيهية المسرح التي بنيت لبضعة آلاف من السنين وتمر بتأصيل فن العرض كما فعلت الاوبرا الصينية وفن البوتو الياباني وفنون العرض التفاعلية الغربية على سبيل المثال لا الحصر وكذلك انفتاح التجارب المسرحية على الآخر دون أن تجتّره أو تعتبره المثال الأعلى ودون أن تخلع هويتها وتلبس جلد هوية أخرى.

ليس لدي أوهام تجعلني أنكر حقيقة أن المسرح أو فن العرض يمتلك إرثا إغريقيا ورومانيا ومن ثم أوربيا ومظاهر بدئية لدى شعوب أخرى، لكن ليس لدي أوهام أيضا عن حقيقة زوال أنماط العروض التي ذكرت منذ انفتح التأويل على دراسة فن العرض في علاقته مع مختلف الفنون والعلوم التي كانت تبدو سابقا متناقضة مع (إلالهام أو الإبداع) ومنها ما هو علوم عضوية وتكنولوجية ومنها تطبيق تقنيات فنون أخرى على العرض المسرحي كمثل تقنية طبقات اللوحة الزيتية ليان فان آيك (كلاسور).

 

حاوره عبد الجبار الخمران

.....................

عام 2004 قدمت تجربة واحدة مريرة مع المسرح الوطني العراقي وكتبتُ عنها بشكل مطوّل.

http://www.lassaad.com/lassaad_gb/lassaad_php/

http://www.iraqicp.com/index.php/sections/variety/23295-2014-12-27-11-12-43

http://www.theatre-video.net/videos/artiste/Abdul-Jabbar-Saed-Samir

http://en.wikipedia.org/wiki/Wajdi_Mouawad

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3101 المصادف: 2015-03-03 12:38:02


Share on Myspace