 حوارات عامة

حوار مع الباحث في علم الجمال العربي د. محمد المعزوز

mohamad almazoz- هل تمكن العرب القدماء من صوغ ترسانة مفهومية قوية تخص

"علم الجمال عند العرب"؟

تعددت الأصوات التي تنفي عن النظر الجمالي في الفكر العربي القديم صفة الاتساق العلمي، رغم ما تمدنا به المتون التراثية العربية من مفاهيم تتصل بشكل وثيق بالنظر الجمالي العربي القديم، والتي تؤطر هذا النظر الفلسفي الجمالي كفكر متسق. إلا أن الاقتناع بوجود علم عربي للجمال دفع بالباحث الدكتور محمد المعزوز إلى تناول الموضوع ومحاولة إثبات طرحه، وذلك من خلال حفره واستقصاءه في الفكر العربي القديم. فأتبث أن هذا الفكر يشتمل في مضانه نظرا جماليا متسقا ومتبنينا من خلال شبكة اصطلاحية ومفاهيمية متفرقة على قطاعات معرفية متنوعة، تصح أن تجعل من النظر في الموضوع الجمالي العربي القديم علما قائما على مفاهيم واستشكالات اطر وحية. إلا أن ما ينقصه في اعتقاده هو غياب وضع صنافي يؤطر أسسها الموضوعية لتبيين الشرعية العلمية للموضوع.

إذن، من خلال هذا الطرح المتسم بالجرأة العلمية والمحفوف بمخاطر التأويل والإسقاط، حاورنا الباحث كي يضيء أكثر طروحاته وأدلته في هذا الشأن.

 

س: تقف خلف كل تفكير واع أهداف ودوافع منها المعلنات والمضمرات، فما هي في نظركم المنطلقات الاستشكالية التي أسست لاشتغالكم في موضوع"علم الجمال في الفكر العربي القديم"؟

ج: بالتأكيد، يعد موضوع علم الجمال في الفكر العربي القديم منه أو الحديث مثار انشغالاتي المركزية في نطاق اختياراتي العلمية، ولما ظل الموضوع غفلا في الدراسات المعاصرة لأسباب كثيرة، منها التسليم بعدم وجود علم للجمال عند العرب؛ انتهضت بالنظر في النص القديم قصد الإنصات إليه وتمحيص متونه للتثبت من مدى صدق الدعاوى العادمة لحق العرب في هذا العلم. وبتجوالي عبر النصوص الفقهية والكلامية والفلسفية والنصوص النقدية تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن العرب القدماء صاغوا الشبكة الاستقوائية على استحصاد القوانين التي بها تصح أن تكون أنظارهم في موضوع الجمال علما قائما على مفاهيم واستشكالات اطر وحية.

 

س: بالفعل، من خلال إطلاعنا على كتابكم" علم الجمال في الفكر العربي القديم" وجدناكم قد مارستم حفرا أقرب إلى الإنصات الإبستيمي للنص القديم وبخاصة النص النظري، فما هي الأقطاب الممثلة لهذه النصوص؟ وما طبيعة الخيط الناظم لتعددها وتنوعها؟

ج: بخصوص الأقطاب الممثلة لهذه النصوص، فإنها تمثلت في كتابات "الكندي" و"الفارابي"و"ابن سينا" و"أبي بكر الرازي" و" ابن مسكويه" و"إخوان الصفا" وغيرهم...

فمثلا نجد أن "الكندي" استطاع من خلال رسائله في الموسيقى أن يضع القوانين التي ينتظم عليها هذا العلم، وقد كان سباقا إلى تحديد النوتات الموسيقية عبر تسميات حروفية (أ.ب.د...)، كما تمكن "الفارابي" من خلال كتابه القوي" كتاب الموسيقى الكبير" أن يتحدث عن الأسس النظرية والعلمية لعلم الموسيقى بتصيغ مفاهيم دقيقة وسياقات وظيفية في بناء المفهوم وتفجيره من داخل ما اعتبره نظرا في هذا العلم، بل تفطن إلى السياقات العروضية في دلالتها على الوزن الشعري والقياسات الإيقاعية في دلالتها على المدى الموسيقي، فليس الوزن العروضي في الشعر هو نفسه الوزن الإيقاعي في الموسيقى. وهكذا نلمح"ابن سينا" يتحدث عن الموسيقى في علاقتها بالسعر وفي علاقتها بالنفس، بل نلحظه في كتابه"النفس" وهو يتحدث عن بعد نظري جمالي قوي يخص الجمالية التشكيلية بتعرضه إلى الألوان وكيفية تركيبها ومزجها وإيقاعاتها المستجلبة للذوق ولحركية الاستجمال البصري. ولم يفته ها هنا الحديث عم المركب البصري باعتباره تحصيلا للوجود والماهية، وبوصفه نظاما وظيفيا مميزا للنفس الإنسانية، وفي نفس السياق نلفيه يتحدث عن الشكل والمادة في اتجاه البحث عن الشيء الذي حدث به الموضوع الجميل، هل هو حادث بالمضارعة الحلولية بينهما أم بفضل هذا عن ذلك؟ فضلا عن ذلك نلحظ"ابن رشد" يتحدث عن الشعر بمنظور جمالي، وليس بلسان"أرسطو" كما يرى البعض، لما اعتبروا آراءه في الشعر مجرد تلخيص ل "فن الشعر". بذلك كانت إضافات "ابن رشد" مجددة في تحليله لمعنى المحاكاة و وظافتها، فليست المحاكاة لديه نقلا بفعل مؤثر طبيعي، وإنما هي إنتاج بفعل مؤثر إبداعي. وأكثر من ذلك لما ننظر إلى "أبي بكر الرازي" وهو يتحدث عن المؤلم والملذ، لا نراه يتحدث من موقع المتفلسف المنقطع عن علية التزواج بين اللذة والإبداع المتجاسرين بمؤثر جمالي، وانما نراه يصوغ المفهوم في علاقته بالحكم والاستجمال والاستقباح وفق متطلبات نظرية، تنظر إلى الكيفيات المولدة لهذا المركب المبهم الموسوم بالالتذاذ بمختلف حدوث معانيه.

أما بخصوص الضيق المفهومي لماهية العلم في سياق الموضوع الجمالي، قد تلحظ أن الإطارات المنطقية والفقهية قد وضعت المداميك الداعمة لبلورة هذه الماهية. ف"الشاطبي" في كتابه"الموافقات" يعتبر الإبداع الجمالي من لواحق العلم وليس من صلبه، كما أن "الفارابي" في كتابه"إحصاء العلوم"، يعتبر الإبداع الجمالي مقتسما ما بين المنطق والحساب، كما اعتبر "إخوان الصفا" الماهية الموسيقية كلية مجتزأة من علم الفلك والنفس والحساب. وعليه كانت ماهية الموضوع الجمالي مجزأة عبر مفاهيم مبنية داخل الفكر العربي القديم، تحتاج إلى وضع صنافي يؤطر أسسها الموضوعية لتبيين الشرعية العلمية للموضوع.

والكتابات الغربية المؤسسة لعلم الجمال ابتداء من " بومغرتن" إلى " شانجوا" مرورا" بكانط" و"هيجل" و " شارل لولا" و" سوريو" و" برجسون" وغيرهم، يسلمون بصعوبة التسليم بعلم دقيق يقربنا من فهم ما يجري بخصوص الحكم واللذة و الاستجمال. وهو تسليم عبر عنه القدماء في أكثر من موقع نظري.

يضاف إلى هذا، كتابات نقاد الأدب الذين استثمروا البناء الفلسفي لسابيقهم لينظروا إلى الواقعة الجمالية نظرا داخليا وليس وصفيا، وهذا ما نكتشفه مع كل من "الجرجاني" و"حازم القرطاجني" و" أبي حيان التوحيدي"، بل أيضا مع الذين تخصصوا في الكتابة الشعرية نفسها مثل" ابن طباطبا العلوي" و" قدامة بن جعفر"، انشغلوا فلسفيا بتحليل الظاهرة الشعرية تحليلا يأخذ بإطارات عموم النظرية الجمالية كما صاغها الفلاسفة العرب.

 

س: نعلم بان أي تفكير عليه أن يخضع إلى عملية انبناء داخل النسق ليتسم بصفة العلمية، وعلبه كيف يمكنكم أن تبرزوا لنا مدى الانبناء النسقي للتفكير الجمالي العربي القديم حتى يتسنى لكم وصفه بالعلم؟

ج: قبل أن أجيبكم لابد وأن أشير إلى أن العلم الجمالي ليس موضوعا دقيقا قائما على حساسية المفهوم وانضباطه، كما هو الشأن عليه في العلوم الحقة. أي انه ليس موضوع تجريبيا مختبريا، وإنما هو موضوع تأملي يحاول بناء موضوعه وتصيد مفاهيمه، لفهم ومعرفة الظاهرة الجمالية في حدود معينة، وهذا ما يقر به المشتغلون في هذا العلم أنفسهم. والعرب القدماء لم يكتبوا اقل مما كتبه الغرب المتخصص، ولم يكونوا اقل عمقا مما تعرض له هؤلاء، ولكنهم لم ينعتوه بالموضوع، ولم يسموه ب"علم الجمال". من هذه الناحية فقط لا يسلم البعض بمعرفة العرب لهذا "العلم".

 

س: في تجميعكم للنظرية الجمالية عند العرب القدماء لاحظنا أنكم انزحتم عن موضوعات الجمال كما وردت عند الغرب، لتبرزوا مفاهيم أخرى مثل الصنعة والصناعة والاعتدال والتناسب أو النسبة وغيرها... كمفاهيم تكون النسق العلمي للحكم الجمالي في الفكر العربي القديم . في نظركم هل نجح هذا العلم خلق توافق بين قوة الفهم والإدراك وملكة التخيل، وبالتالي هل تكاملت في تصوركم الاستيطيقا و المعرفة في هذا الحكم ؟.

ج: ليس يخفى أن المتفلسف العربي كان موسوعيا، وتعرضه لهذه المفاهيم كان بمؤثر موسوعيته، لذلك كان المفهوم في السياق القديم متمحورا على التداخل والتعاضد. فالفلسفي متداخل بالفقهي والكلامي والأدبي.... بل المفهوم القديم نفسه قد انبنى بمحاورته للمفهوم الفلسفي اليوناني. من ثمة، تعد صفة التداخل المركب لبنة مؤسسة للموضوع العربي ومفهومه في علم الجمال، من ها هنا لا نستطيع الفصل بين الاستيطيقي والمعرفي في الفكر العربي القديم، وبه حدثت صعوبة عزل موضوع علم الجمال في هذا الفكر.

 

س: أين يمكن أن نموقع أداتيا وابستيميا علم الجمال الذي عرفه الفكر العربي القديم، والذي أصريتم على تمتعه بتلك الديمومة المتصلة، في مقابل الهيمنة التقنية التي تتدخل في توجيه الحكم الجمالي بخدعها التي تقتطع عناصر من الواقع وتزج بها في مجالها الافتراضي لتصنع لذة تلق وهمية؟

ج: بالرغم من الأبعاد الحداثية للوجود التكنولوجي الغربي في تسريع وتيرة الإنتاج الجمالي، نلفيها لا تخرج عن الأساس التجاري الذي ينمط العواطف، ويعولبها وكأنها سلع معروضة للاتجار، فبروز الآلة الآن قد عطلت حركية المشاعر والعواطف في معانقتها للبدء، للمنبع الوجداني القائم على الإبداع والمعاناة. لذلك لا نرى كتابات في موضوع علم الجمال الآن، تعتمد الآلة كإبداع أساسي باهر، تقام على إثره نظريات تخص الإنسان وملكاته الذوقية. وعليه فالآلة صماء، والإنسان سيل صاخب بالعواطف والعطاءات النبيلة، لأن أساس الإنتاج الجمالي هو تحقيق تواصل إنساني عبر الجميل الأصيل المتوالد من تفاعلا وحركيات العقل و الوجدان كسافات بانية لهوية الإنسان.

 

حاوره: د. شكير فيلالة

      

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3325 المصادف: 2015-10-13 23:37:25


Share on Myspace