2916 علي اليوسف ومراد غريبيخاص بالمثقف: الحلقة السادسة من مرايا فكرية مع الباحث الفلسفي المفكر الأستاذ علي محمد اليوسف، وحوار شامل أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول الراهن الفلسفي، فأهلا وسهلا بهما:

المحور السادس: إشكالية الوعي في الفلسفة الغربية المعاصرة.. جون روجرز سيرل1 نموذجا.

س98: ا. مراد غريبي: في احدى مقالاتكم الاستاذ اليوسف، تساءلتم: هل الوعي مادة؟ ما توضيحكم لهذا التساؤل.

ج98: ا. علي محمد اليوسف: هل الوعي يمتلك خواص المادة مثل الحركة والإمتداد والأبعاد الثلاثة الطول والعرض والارتفاع واضاف انشتاين البعد الرابع الزمن؟ وهل تمتلك المادة خاصية التفكير الواعي منفردة على خلاف خاصية تفكير الوعي في تعبير اللغة عن مدركات العقل المادية؟ هل المادة عقل مفكر ذاتيا يعي تفكيره؟ وهل الفكر جوهر مادي مستقل عن منظومة العقل المتعالقة بإدراك الموجودات؟ وبأي وسيلة تعبير تمتلك المادة الإفصاح الإستدلالي عن وجودها الانطولوجي دونما إدراك الوعي العقلي لها في غير دلالة اللغة؟

نقصد بالمادة هنا كل موجود غير عاقل يمتلك صفات وماهية المادة كمتعّين أنطولوجيا يدركه العقل ولا يدرك هو العقل.

لقد "وضع هوبز النزعة الآلية في الإمتداد، وأضاف جوهرا آخر للمادة هو التفكير لكي يفسح في المجال لوعي الانسان الذاتي، وجعل من هذين الجوهرين – يقصد المادة والوعي - يعتمدان على الله ".

س99: ا. مراد غريبي: إذن بماذا تحددون الاجابة على التساؤلات التي طرحتها؟

ج99: ا. علي محمد اليوسف: الوعي ليس مادة بالمعنى الحسّي المتعين أنطولوجيا، وصفات الامتداد والحركة الآلية في المادة لا غبار عليها، والوعي لا يمتلك خواص المادة ولا صفاتها بإستقلالية عن منظومة العقل الإدراكية من ضمنها اللغة، ولكي يكون الوعي متعّينا مدركا أنما يكون في إمتلاكه قابلية التحول من موضوع لافيزيائي الى لغة تعبير فيزيائي في التفكير بشيء مادي أو بموضوع خيالي. وإلا أصبح الوعي من إفصاحات النفس تجريدا التي هي ليست موضوعا مدركا بإستقلالية عن العقل. بل النفس مفهوما بتعبير لغة العقل عنه. بمعنى لكي يكون الوعي موضوعا مدركا عقليا علينا ربطه باللغة في موضعتهما الأشياء التي يعبرّان عنها. وبغير تلازم الوعي مع لغة التعبير لا يبقى وجود له في عالم الموجودات الخارجية في التعبير اللغوي المتموضع معه الوعي في كل شيء يدركه العقل بوعيه فيه وتعبير اللغة عنه. وبغير هذا التلازم بين الوعي واللغة وبين الوعي والعقل يكون الوعي صمتا تفكيريا بالذهن داخليا فقط. بعبارة ثانية الوعي هو تموضع لغوي صامت في التعبير خارجيا عن مدركات العقل، واللغة تموضع إفصاحي عن مواضيع إدراك الوعي لها. الوعي حلقة ضرورية داخل منظومة الإدراك العقلي لا يمتاز بخصائص المادة ولا يمتلك خاصية أن يكون موضوعا تجريديا أو ماديا يدركه العقل.

س100: ا. مراد غريبي: كيف يكون الربط بين علاقة تجريد كلا من الوعي واللغة ببايولوجيا العقل؟

ج100: ا. علي محمد اليوسف: الوعي حلقة تجريد يمتاز بها العقل ويمارسها وسيلة معرفية شأنه شأن اللغة، وليس الوعي جوهرا ماديا مستقلا ذاتيا ايضا. فكلاهما الوعي واللغة حلقتان تجريديتان في منظومة العقل الإدراكية. وكما لا يستطيع العقل جعل اللغة موضوعا مستقلا في إدراكه لها دونما أن تكون اللغة تعبيرا عن موضوع مدرك، وكذا يعجز العقل أن يجعل من الوعي موضوعا يدركه بإستقلالية لوحده خارج منظومة الإدراك. الوعي أو اللغة تجريدان تعبيران يرتبطان بعملية الإدراك العقلي ولا قيمة لهما في إستقلاليتهما عن موضوع مدرك. بمعنى لا يمكن للعقل أن يدرك الوعي أو اللغة تجريدان مستقلان من غير تعالقهما بمعنى قصدي يلازمهما.

ولا يكون الوعي موضوعا مستقلا لإدراك العقل له، فالوعي شأنه شأن الزمن ليس موضوعا لإدراك العقل بل وسيلة إدراكه لمواضيعه، كذلك اللغة هي تجريد تعبيري للعقل لكنها ليست موضوعا مستقلا في إمكانية إدراكه لها مجردة عن موضوع يلازمها إدراكيا، وعندما نفكر بشيء ما أو موضوع ما فنحن نفكر به لغويا تجريديا – وتموضعيا ماديا، أي بمقدار ما تكون اللغة تجريدا في تعبيرها الفكري عن الاشياء بمقدار ما تكون جزءا متموضعا ماديا في التعبير عن تلك الاشياء كموجودات تحمل لغة إفصاحاتها معها.. اللغة ليست خاصية الفكر التجريدي في التعبير فقط بل هي لغة تمثل جزءا متموضعا في كل شيء يدركه العقل. اللغة ليست إدراكا تجريديا فقط وإنما هي صفة ملازمة للاشياء التي يدركها العقل ليس بلغته بل في إكتشافه تموضع اللغة بها ويقرأها العقل وعيا تجريديا لغويا في انطولوجيا الموجودات المدركة..

وحينما يدرك الوعي المادة كتجريد لغوي فهو يكتسب خصائص الموضوع المادي المدرك المنفرد بلغة الذهن الصامت. بمعنى الوعي لا يكون ماديا حسّيا في تعبيره اللغوي عن الاشياء وإنما يبقى الوعي تجسيدا لغويا تجريديا في التعبير عن مدركات العقل المادية والخيالية. الوعي أكثر تجريدا صامتا من تجريد اللغة الصامتة والإفصاحية معا، كون الوعي فهم معرفي صامت وليس تعبيرا إدراكيا تصوريا مثل اللغة يمكن معرفته من خلال تعبيره عن موضوعه الذي يجري التفكير فيه ويعيه العقل.. وفي كل هذه الخصائص التي نتصورها خطأ أنها مستقلة عن بعضها في الوعي واللغة إلا أن حقيقتهما البايولوجية جوهران ينتظمهما الإدراك العقلي.

وحينما يعي الوعي ذاته بمعنى حينما يعي الانسان وعيه لذاته فهذا لا يخرج عن أصل التعبير في معنى مرادف هو إدراك العقل لذاته كموضوع الذي هو ماهية الانسان الفردية التي لا يدركها سوى صاحبها، في مطابقة الوعي المجرد مع كينونة العقل الفيزيائية التجريدية لغويا في تعبيره عن مدركاته وفي تعبيره الواعي عن كينونته الذاتية. وفي كلتا الحالتين لا يكون الوعي موضوعا منفصلا لإدراك العقل بل وسيلة إستدلالية له في معرفته الاشياء. الوعي لغة عقلية صامتة واللغة وعي ناطق في تعبيرات العقل عن مدركاته.

ليس هناك من علاقة إدراكية حسّية ولا حتى علاقة تخييلية ميتافيزيقية، ترتبط بهما (المادة والوعي) في إمتلاكهما خاصية الحركة والامتداد والأبعاد الثلاثة لكل مادة. فالمادة والوعي جوهرين متكاملين في وظيفة الإدراك العقلي لكنهما جوهرين منفصلين كموضوعين في إدراك العقل لهما. ولا يمتلكان (المادة والوعي) الاستقلالية التأهيلية الإنفصالية أحدهما عن الآخر ليدخلا في علاقة معرفية وإدراكية مع الله كما ذهب له هوبز.

إختلاف المادة عن الوعي أنها تمتلك صفاتها الانطولوجية كمتعيّن مادي يدركه العقل، وهذا ما لا ينطبق على الوعي كونه غير مادة لذا فهو ليس موضوعا مستقلا في إدراك العقل له. فأينما وجدت المادة وجد الوعي الملازم لها في إمكانية إدراكها. وهناك فرق جوهري كبير بينهما سبق لنا ذكره هو أن المادة تكون موضوعا للعقل بينما لا يكون الوعي موضوعا مدركا للعقل، لذا فالحركة والامتداد والأبعاد الطول والعرض والارتفاع والزمن ألإدراكي لها هي صفات للمادة فقط ولا تكون صفات ماهوية أو خصائصية للوعي الذي هو تجريد لا مادي حاله حال اللغة والزمن كمفهوم مطلق في تعبيره عن الشيء وهو ليس جزءا مدركا يلازمه.

التفكير ليس آلية خاصية تمتلكها المادة أية مادة، فالمادة لا تفكر نتيجة الوعي الإدراكي العقلي لها الذي هو جوهر لغوي تجريدي لا مادي، بل الوعي ينوب عن لغة تفكير العقل في موضعته الاشياء المادية ويبقى إدراك اللغة المتموضعة بالشيء تجريدا تفكيريا للعقل وتبقى المادة وجودا أنطولوجيا في ذلك الإدراك مستقلة وجودا. بمعنى لا توجد خصائص معينة تجمع المادة بالوعي على أنهما جوهرين منفصلين وليسا جوهرين متداخلين داخل منظومة العقل الإدراكية الواحدة.

س101: ا. مراد غريبي: هل تنطبق صفات المادة التمدد والحركة والتقلص على الوعي ايضا مع فارق التجريد بينهما في تعبير اللغة عنهما؟

ج101: ا. علي محمد اليوسف: صفتا الحركة والامتداد اللتان تمتلكهما المادة كجوهر، لا يمتلكهما الوعي كتفكير مجرد في تعبير اللغة عن مدركات العقل إلا فقط بإرتباط الوعي بموضوعه المادي ويكتسب منه الحركة والإمتداد بتجريد منفصل عنه.. وهنا يكون الوعي الملازم لإدراك الشيء في مجمل تحولاته وتغييراته هو (زمن) إدراكي ملازم للشيء بفارق أن الوعي زمن مفارق لموضوعه بعد الإدراك العقلي له بخلاف الزمن الذي يلازم الموجودات ولا ينفصل عنها إلا بوسيلة واحدة حينما يكف العقل عن إدراك شيء يكون إستغنائه عن زمن إدراك ذلك الشيء قائما بالإنفصال عن العقل وليس بالإنفصال الزمني عن الموجودات المادية، الزمن ملازم دائم للاشياء فكل مدرك مكانا هو مدرك زمانا وبغير هذا التعالق الزمكاني لا يقوم العقل بوظيفة إدراكه الاشياء، ولا يكون الزمن ملازما العقل الا وقت حاجته إدراك الاشياء، لذا فالإنسان يكون متحررا من سطوة الزمن الإدراكي عليه في حالة اللاشعور وفي أثناء النوم.

وعندما نؤشر على وجود شيء أنما يكون تأشيرنا مرادفا متعالقا مع زمن إدراكنا له، في حضور الوعي معه زمنيا إدراكيا. الوعي بالشيء مرتهن بملازمة زمن الإدراك لذلك الشيء، والزمن يلازم العقل في حضوره الإدراكي فقط ويلازم الشيء مكانا في كل الحالات وجميع الانتقالات والسيرورة والحركات. وجود الشيء هو زمن وجوده الانطولوجي، بينما وجود الوعي تعبير لغوي صامت لا علاقة مركزية دائمية تربطه بالتبعية بالشيء المدرك خارج تبعيته لمنظومة العقل الإدراكية..

أما أن يكون الوعي منفردا بإستقلالية كجوهر ميزته حركة إمتدادية في الاشياء فهذا ما لا يقبله علم وظائف وفسلجة الاعضاء كون الوعي هو حلقة غير منظورة ولا محسوسة ولا تمتلك إستقلالية تفكيرية دونما إرتباطها بمنظومة العقل الإدراكية في معرفة الاشياء والتعبير لغويا تجريديا عنها.. فالوعي يبقى حلقة تجريدية تفكيرية لا مادية يتوسط الحواس والذهن ولا يمتلك الاستقلالية ولا قابلية أن يكون موضوعا مدركا انطولوجيا متعينا بأبعاد المادة مثل الحجم والكتلة والارتفاع والطول والعرض الصلابة وحالات السيولة والغازية وغيرها من خصائص مادية ممكن إدراكها بالحواس.

س102: ا. مراد غريبي: ما علاقة الوعي الذاتي بالمادة؟ وهل الوعي تخليق عقلي ام تخليق انطباعات الحواس؟

ج102: ا. علي محمد اليوسف: علاقة الوعي بالمادة علاقة ادراكية هي من تخليق الدماغ وليست من تخليق الحواس. الوعي ليس انطباعات مصدرها الحواس، بل الوعي ناتج ردود الافعال الارادية التي يصدرها الدماغ في تفسيره لمدركات الحواس.

والوعي الذاتي هو وعي العقل لكينونته البشرية المرتبطة بفيزياء الجسم وليس الوعي المرتبط بموضوعه المادي خارجيا في تجريده اللغوي الذي هو خاصية الوعي المجرد وليس خاصية المادة كموجود أنطولوجي شيئي. وعي الذات يختلف جوهريا عن وعي الأشياء والموجودات الخارجية والمحيط.

الوعي الذاتي هو جزء إدراكي في لغة تفكير العقل فهو يعي ذاته والمواضيع الخارجية لكنه لا يكون موضوعا لذاته الذي هو تفكير العقل، أي لا يكون الوعي موضوعا مستقلا لتفكير العقل به، إلا في إرتباطه كحلقة في منظومة الإدراك العقلي، أي الوعي جوهر مجرد لامادي ويكتسب ماديته الخصائصية غير الجوهرية من المادة التي يعيها في تعبير اللغة عنها... فالوعي جوهر تفكيري صامت ويكون فكرا لغويا تعبيريا عن ذاتيته وعن مدركات العقل المادية بتعبير اللغة عن الاشياء خارجيا. الوعي هو تفكير العقل اللغوي الصامت.

س103: ا. مراد غريبي: قام سبينوزا كي ينسجم مع فلسفته في وحدة الوجود بشخصنة ذات الخالق ماهية وصفات بوحدة موجوداته الموزّعة على الطبيعة والانسان والكائنات وكل ما يقع تحت طائلة الإدراك العقلي، معتبرا كل هذه الاشياء تفقد فرادتها "كونها تمثل جوهرا واحدا هو الله. الذي يكون الفكر والإمتداد مجرد صفتين له." ما تعليقكم على ذلك؟

ج103: ا. علي محمد اليوسف: في تعبير سبينوزا السابق نجده يشخصن الله ماديا طبيعيا في وحدة موجوداته الموزعة في الطبيعة والانسان والكائنات وكل الموجودات التي يطالها العقل بالإدراك، وهذه الشخصنة عند سبينوزا مادية وليست روحانية كما نجده عند الصوفية الدينية شخصنتها الذات الإلهية روحانيا ميتافيزيقيا على عكس من شخصنة سبينوزا الذات الإلهية ماديا طبيعيا، وبذلك جعل الله يتحكم في موجوداته المخلوقة بقوانين الطبيعة التي ندركها نحن ولا يمتلك هو- الله - قوانينه الخاصة به في قدرته تجاوز كل قوانين الطبيعة وكل معجزات الانبياء وهذا خطأ مريع في أن يكون ما هو خارج قوانين الطبيعة لا يمثّل القدرة الإلهية المعجزة في إعتبار قوانين الطبيعة والموجودات ومعجزات الانبياء لا تقف عند حدود الإعجاز الإلهي مثلما يقف أمامها عجز الإدراك الانساني لها. ولم يكن سبينوزا موفقا في تعبيراته شخصنة ذات الخالق في إمتلاكه صفتين هما (الفكر والامتداد) اللتين هما صفتين ماديتين تحكم الموجودات الطبيعية في قابلية الحركة بإستثناء الانسان الذي يمتلك الفكر الذي لا تمتلكه بقية الكائنات. من الخطأ تصنيف مذهب وحدة الوجود عند سبينوزا في تشييئه الذات الإلهية انه يلتقي الصوفية الدينية التي تقوم ايضا على تذويت الذات الالهية وشخصنتها بإستقلالية عابرة للطبيعة وقوانينها الثابتة المحكومة بها من ضمنها الانسان.

سبينوزا فيلسوف ليس صوفيا ماديا ولا صوفيا دينيا ميتافيزيقيا. ومذهب وحدة الوجود لا يبيح للصوفية الدينية تذويت الخالق بمخلوقاته في الطبيعة.

سبينوزا في مذهب وحدة الوجود أراد تخليص اللاهوت المسيحي واليهودي على السواء من تذويت الخالق ميتافيزيقيا غيبيا بالانصراف الى تذويته ماديا من خلال الاحساس المباشر بأعجاز مخلوقاته في الطبيعة وهذا ما لا تقر به الصوفية الدينية التي لا تعمل بمذهب وحدة الوجود من منطلق تذويت الذات الإلهية من خلال الماديات والاشياء والظواهر الموزعة بالطبيعة. بل من خلال تذويت الذات الالهية بروحانية نورانية لا علاقة لأي شيء مادي محسوس بها.

بمعنى لا تمتلك المادة خاصية الفكر باستثناء امتلاك عقل الانسان قابلية التفكير إذا ما اعتبرنا العقل تكوينا فيزيائيا يرتبط في جسم الانسان جزءا عضويا منه ويمتلك ملكة التعبير اللغوي تجريديا عن مدركات العقل.. الفكر ملكة خاصيتها تعبير اللغة وبغير هذا التعبير يفقد الفكر حضوره الإدراكي. ولا نجد في ربط خاصيتي المادة في الفكر والإمتداد موفقا مقبولا، فالإمتداد صفة حركية للمادة انطولوجيا بخلاف الفكر الذي هو ليس مادة مستقلة كجوهر انطولوجي قائم بذاته فكيف يتسم بصفة الإمتداد والحركة المادية وهو ليس مادة؟ نجد عند عديد من الفلاسفة الغربيين عندما يريدون التوفيق تلفيقيا بين المتضادات يستعينون بمرجعية الخالق التي تتوازى ميتافيزيقا الطرح الفلسفي مع منطق العقل ماديا ولا يلتقيان في تمرير تلك المتناقضات بمنطق التلفيق الافتعالي للخروج من المأزق أو المعضلة التي وصلت الطريق المسدود فلسفيا.

 

س104: ا. مراد غريبي: منذ القرن السابع عشر عصر ديكارت أخذ مبحث (الوعي) في الفلسفة إهتماما استثنائيا في أعقاب إطلاق كوجيتو ديكارت أنا أفكر.... الذي كان قمّة الوعي الذاتي المثالي في جعل الواقع الخارجي وجودا لا أهمية له في إمتلاك الوعي الفردي القصدي لمعرفة الذات.. هل تحدثنا عن هذه الاشكالية الفلسفية وكيف نشأت وتطورت؟

ج104: ا. علي محمد اليوسف: في أعقاب مجيء فلاسفة عديدين على مراحل زمنية متباعدة ظهر الفيلسوف برينتانو بمقولته (أن اللاوجود القصدي هو ككل هدف قصدي موضوع ومضمون مختلفان) وسنجد تأثير هذه العبارة على سيرل لاحقا.. ليعقب – برينتانو - تلميذه هوسرل مستعيرا قصدية الوعي منه في شرح معنى إدراك الذات على أنها إشباع لوعي معرفي هادف في شيء محدد مقصود سلفا في وجوب الادراك بلوغه.. وبذلك تأثر تلميذه من بعده، هيدجر في إعتباره الوعي القصدي هو نتاج الواقع المادي الذي لا يكون له معنى ما لم يكن وعيا ديناميكيا– في – عالم مؤكدا أهمية الوجود المجتمعي ومقصّيا وعي الفردية الذاتية في سلبيتها، وجاء سارتر ليتوّج ذلك في الوجودية أن الوجود سابق على الوعي به ليلتقي بالفهم المادي الماركسي من غير رغبة منه بذلك وإنما مكرها لخلاصه من مثالية ديكارت الذاتية المقفلة في علاقة الأنا بكل من الفكر والوجود.. وخروج سارتر لاحقا على الماركسية نفسها في جوانب فلسفية خلافية عديدة أفادت منها الفلسفة البنيوية كثيرا في نقدها القاسي للماركسية لدى كل من التوسير، وشتراوس، وفوكو، وبياجيه.. وغيرهم.

س105: ا. مراد غريبي: كيف انتقل مبحث الوعي القصدي الى الفلاسفة الأمريكان مثل جون سيرل، وسيلارز، ورورتي وغيرهم، من اقطاب فلاسفة العقل واللغة؟

ج105: ا. علي محمد اليوسف: مبحث الوعي القصدي كان مثار اهتمام الفلاسفة قرونا طويلة، وكان التهيب من الخوض به هو الدخول في نفق ميتافيزيقي. مع ظهور فلسفة اللغة والتحول اللغوي ونظرية فائض المعنى التي ركز على هذه الاخيرة بتطرف فلسفي كلا من امبرتو ايكو في التأويلية وجاك دريدا في التفكيكية. ما جعل الفلاسفة الأمريكان يستضيفون الفلاسفة الفرنسيين والألمان من هواة فلسفة اللغة ويستلموا الراية منهم. يذهب سيرل أنه استنادا الى تقليد معرفي في الفلسفة المثالية يوجد فرضية خاطئة معتمدة تلك هي أننا لا يمكننا أدراك العالم الحقيقي بصورة مباشرة، وهي تشبه محاولة شخص تطوير علم الرياضيات على افتراض عدم وجود الارقام.

هذا المعنى الفلسفي كان مثار جدال حاد جدا بين الثلاثي جون لوك، ديفيد هيوم، وبيركلي، وقد تناولت اشكالية الادراك الانطولوجي في مقالة لي منشورة بعنوان (اشكالية الادراك: الاصل والصورة). وليس هنا مجال البحث في تفاصيلها لأنها تحتاج شرحا مطولا.

س106: ا. مراد غريبي: هل الوعي يرتبط بعلاقة تجريدية مع الادراك ام بعلاقة عضوية بايولوجية مصدرهما منظومة الدماغ؟ ولمن تكون الاسبقية للإدراك ام للوعي؟

ج106: ا. علي محمد اليوسف: بالحقيقة السؤال معقد ويحتاج عرض توضيحي يقوم على الثوابت التالية:

الادراك الحسي لأنطولوجيا الوجود يسبق تشكيل الوعي عنه.

والادراك يرتبط بعلاقة تجريدية بالوعي.

باستثناء الحواس والجهاز العصبي والدماغ لا توجد مفردة واحدة إدراكية ترتبط بهذه المنظومة لا تكون تجريدا مصدره الدماغ عضويا. الذهن، الانطباعات، الادراك، الوعي، الذاكرة، المخيلة جميعها مفردات تجريدية مصدرها منظومة العقل الادراكية ومركزها الدماغ.

صحيح جدا ان توصف هذه المفردات التي مررنا بها التجريد العقلي الوظائفي لكنه لا معنى لواحدة منها ولا لأكثر من واحدة منفردة قيمة يعتد الاخذ بها ما لم تكن مرتبطة بمنظومة الادراك العقلي ومركزها الدماغ والخلايا العصبية المليونية المختصة بكل واحدة من هذه المفردات الادراكية المجردة.

يوجد إختلاف ليس بالبسيط بين فهم الفلسفة لهذه العلاقة الاشكالية وبين المنظور العلمي التخصصي التجريبي في معرفة الخلايا الدماغية المسؤولة عن كل مفردة من هذه المفردات التجريدية.

ترتبط هذه المفردات التجريدية فيما بينها بصيغة التكامل الوظيفي الادراكي ولا يمكن ان يكون هناك قيمة لواحدة منها لا ترتبط مع غيرها. بمعنى لا وجود لذهن بغير حواس، ولا وجود لإدراك من غير مادة او موضوع، ولا معنى لخيال لا يرتبط بمخيلة، ولا معنى لذاكرة من دون استرجاعات تذكرّية وهكذا.

س107: ا. مراد غريبي: هل تجدون أن إدراك الشيء هو غير الوعي به وغير معرفته؟

ج107: ا. علي محمد اليوسف: في عبارة لجون سيرل أن إدراك العالم الحقيقي لا يتم عبر الاحساسات المنقولة للدماغ بصدقية يعتمدها الادراك العقلي المباشر وهو طرح سليم ودقيق، ومن هنا يكون الادراك العقلي منقوصا ويفقد الواقع الحقيقي كموضوع للإدراك الكثير من مزاياه، هذا من جهة.. من جهة أخرى يتمّثل عدم امكانية معرفة الواقع على حقيقته في تعّذر الادراك الحقيقي المباشر له، أن وسيلة العقل الادراكية للعالم الخارجي تقوم أساسا على تأطير صادرات الاحساسات المنقولة الى الدماغ بزمن أدراكها الذي يجعلها متعيّنا مكانيا – زمانيا في بنية واحدة لا تنفصم، وبغير هذه الآلية يتعذّر على الادراك العقلي أن يكون واقعيا وسليما في أدراكه الأشياء المنّظم فكريا بعيدا عن الادراكات الهلاوسية الناقصة، فجوهر الادراك هو الوعي بموضوع يأتي الدماغ ويستلمه عبر منفذ الحواس، أي بمادة خام يكون مصدرها بالنسبة للعالم الخارجي الحواس والزمن الذي يحتويها وجودا، أو بالنسبة لموضوع الخيال المستمد من الذاكرة تأمليا استرجاعيا في فعالية ذهنية تجريدية لا يكون فيها الموضوع متعّينا وجودا في عالم الاشياء.. وبخلاف هذين الآليتين لا يكون هناك أدراك للواقع الحقيقي سليم يعتمده العقل أو الدماغ تحديدا.. ويبقى ألادراك القصدي ناقصا تماما في تعّذر أدراك العالم الحقيقي مباشرة بفهم يمّكن العقل من معالجته لمواضيع إدراكاته بالمقولات التي تجعل من المدركات مواضيع معرفية وليس مواضيع إشباعات بيولوجية خالصة..

ويوجد فرق بين الادراك المعرفي والادراك الغريزي.. فالإدراك المعرفي هو معرفة العالم الخارجي كوجود انطولوجي، والادراك الاستبطاني الداخلي فهو يتمثل بردود الافعال لمثيرات أجهزة أحاسيس الانسان الداخلية في اشباع حاجات الانسان الغريزية مثل الحاجة للأكل والحاجة للنوم او الحاجة للجنس وهكذا، وتدخل مواضيع الادراك الخيالية في تلبية اشباع رغبة استبطانية تراود الانسان اشباعها.

س108: ا. مراد غريبي: ذكرتم انه جرى احتدام شديد بين كلا من بيركلي وجون لوك وديفيد هيوم حول مسألة الادراك والوعي، علما ان ثلاثتهم ينتمون الى المنطقية المثالية التجريبية. هل من إعطاء لمحة سريعة حول الموضوع؟

ج108: ا. علي محمد اليوسف: أننا نفهم الوعي المثالي المتطرف عند كل من بيركلي وهيوم وجون لوك في إعتبارهم موضوعات العالم الخارجي ما هي سوى انطباعات في الذهن وأفكار العقل المجردة، وأنكر بيركلي وجود المادة ليتبعه هيوم بتطرف أكثر في الغائه العقل ونظام السببية معتبرا إياها خبرة متراكمة تجريبية يتعوّدها العقل بالتكرار المستمر ليجعل منها قانونا يحكم نظام الاشياء في العالم الخارجي والطبيعة.. ليصبح بالنتيجة عادة وليس سببية.

وينتقد جون سيرل ديفيد هيوم حول مفهوم السببية بشراسة قائلا( في الفلسفة التحليلية عانت المناقشات حول مفهوم السببية تقليديا من المفهوم الهيومي – نسبة الى هيوم – القاصر على نحو سخيف، فمن هذا المنظور التقليدي تكون السببية دائما علاقة بين أحداث منفصلة تعمم قانونا، وأما العلاقة السببية وهي العلاقة الضرورية فلا يمكن معايشتها أبدا، هذا الرأي غير كاف فنحن نعيش في بحر من السببية التي نعايشها بصورة واعية، وعلى العكس تماما في كل مرة تدرك فيها أي شيء أو تقوم بأي شيء عن قصد فانك بذلك تمارس وتشهد علاقة سببية ).

والصحيح أيضا أن العقل وتحديدا وسيلته الادراكية الحواس والدماغ لا يتعامل مع مواضيع مدركاته المادية أو الخيالية الا بتجريد فكري تصوري ذهني يتم داخل الدماغ، والحقيقة التي لا يجهلها العديدون أن النظرة او المنهج المثالي هو نفسه ينطبق عليه التفكير المادي بالاحتكام كليهما الى مرجعية العقل، فالمثالية التجريبية تعطي العقل أرجحية قصوى في الادراك، ومثلها وربما أكثر تنحو المادية في اعتمادها العقل كمنهج وحيد في المعرفة العلمية والحقيقية.. أشتراك كل من الفلسفتين المادية والمثالية في مرجعية العقل في اختلاف جوهري لا يمكن طمسه أو أغفاله، فالمثالية تعتمد العقل في إنتاجه الواقع المجرد فكريا بالذهن، بينما المادية تعتمد العقل إنعكاسا للوجود المادي لعالم الاشياء في إنتاجية الفكر المتعالق جدليا مع الواقع بعرى وثيقة من الديالكتيك المتخارج بينهما.. ولا وجود مادي مدرك لا يتعالق مع فكر إنساني...

لكن يبقى العقل في أي نوع من التفكير الادراكي والمعرفي بحاجة الى متعّين مادي يكون مادة خام لوعيه الادراكي يمثّل موضوعه.... وهذا ما تتوفر علية الاشياء في عالم الموجودات الواقعي عبر الحواس أو عالم الموضوعات في وجودها الافتراضي المستمد من الذاكرة التخييلية الاسترجاعية وهذا يقاطع مقولة سيرل التجربة الواعية ليست موضوعا للإدراك، بل هي في الواقع تجربة الادراك.2988 علي محمد اليوسف

س109: ا. مراد غريبي: نود التركيز على قضية الوعي القصدي في فلسفة جون سيرل، وبماذا يختلف سيرل على الفلاسفة الانجليز اصحاب الوضعية المنطقية التجريبية؟ وهل أعطى سيرل معان محددة لمفردات تجريدية متصلة مع الوعي القصدي؟

ج109: ا. علي محمد اليوسف: في هذه المقولة الغامضة لسيرل (التجربة الواعية ليست موضوعا للإدراك، بل هي بالواقع تجربة الادراك) نعجز عن فهم محدّد ماذا يعني لنا الوعي، وماذا تعني لنا القصدية، وماذا يعني لنا الادراك العقلي، وماذا يعني لنا موضوع الادراك، فجميع هذه الفعاليات الادراكية وتوابعها تجمعها تلك المقولة فيما أطلق عليه سيرل (تجربة) الادراك.. التي هي ليست موضوعا للإدراك فهي آلية تنفيذية مكتفية بذاتها غنيّة ان تكون موضوعا يدركه العقل.

الوعي الادراكي القصدي يحتاج الى إشباع معرفي لمدركاته لا تنفصل عن مواضيعها الادراكية من خلال التجربة الادراكية لموضوعات معرفية تختلف تماما عن إشباع القصدية لغرائز إدراكية بيولوجية مثل إشباع العطش والجوع والجنس..

في هذا النوع من الادراك البيولوجي يكون الاشباع استهلاكيا بمعنى نهاية تجربة الادراك في الاشباع البيولوجي، بخلاف الاشباع الادراكي المعرفي فهو يدّخر خزينا استراتيجيا معرفيا في الذاكرة في تجريد فكري غير مستنفد..

التجربة الادراكية في المعرفة فعالية من فعاليات العقل (الدماغ) لكن موضوع الادراك هو في كل الاحوال شكل ومضمون (محتوى) لموجود متعّين في عالم الاشياء غير مرتهن وجوده بأهمية الادراك العقلي له.. ولا يمكن للإدراك القصدي المباشر الفصل بين محتوى الشيء ومضمونه، فالمرتبة الاولى للإدراك هي في معرفة الشيء كوجود فينومينولوجي موّحد بصفاته البائنة الخارجية التي ربما تكون معرفتها هي معرفة ماهيّة الشيء المحتجبة خلفها، ... وفي نفس المعنى تقريبا فعل منهج الفينامينالوجيا في إدراك الظواهر الخارجية والماهيات غير المدركة للوجود بذاته (نومين) وجاء هذا التمييز الذي كان تقليديا راسخا في فلسفة كانط..

فإدراكنا وجود كرسي هو إدراك شخصاني انفرادي لموضوع يتألف من شكل ومحتوى متعيّن أنطولوجيا، ولا يوجد مضمون من دون شكل يلازمه.. كما لا يوجد شكل من دون مضمون يلازمه ويفصح عن ماهيته الانطولوجية كجوهر.. والادراك يكون قصديا هادفا لإشباع رغبته الفطرية الغريزية أو في الاشباع المعرفي، فإشباع غرائز فطرية عند الانسان مثل الجوع والعطش والجنس هي من باب الاشباعات البيولوجية لأهداف الادراكات القصدية، وهذه القصدية الادراكية الاشباعية أنما تكون بعفوية بيولوجية تختلف عن قصدية الادراك المعرفي للاشياء..

فالفعاليات الادراكية القصدية الغريزية العفوية البيولوجية كما في حالات إشباع العطش والجوع والجنس وغيرها لا يكون العقل المدرك لإشباعها ملزما بتجربة أدراك قصدي هي أبعد من المتحقق الاشباعي البيولوجي لها.. وتكون القصدية هنا شخصانية مكتفية ذاتيا.. وهذه تختلف عن قصدية إشباع الموضوع غير الفطري الغريزي في الالمام بتفسيره كمعرفة خالصة تبغي معرفة الشيء المدرك بخصائصه البائنة أو ماهيته المحتجبة لما يجعله العقل خزينا معرفيا استراتيجيا في الذاكرة.. ويختلف الوعي بحقائق الموجودات في ألادراك المعرفي عنه في الاشباع البيولوجي وفي هذا النوع من القصدية المعرفية (لا يكون الوعي بالشيء وعيا حقيقيا ألا بمقارنته الشخصانية الفردية بغيره من حالات الوعي الاخرى كجزء من الوعي الشخصاني الكلّي) وهذا لا يتم بغير اعتماد الخزين المعرفي الاستراتيجي في الذاكرة التي هي بنك المعلومات المكتسبة بالخبرة العقلية والتجربة..

فقد تكون موضوعات الوعي هي إدراكات تتم في الذهن والخيال الاسترجاعي من الذاكرة ولا يقابلها وجود متعيّن وحضور موضوعي في عالم الاشياء (وتمثل الاحلام شكلا من اشكال الوعي المختلف تماما عنه في حالات اليقظة) أي ألادراك في موضوعات الخيال المستمد من الذاكرة جميعها تعتمد الشعور المسيطر عليه عقليا بينما لا يكون الشعور حاضرا في الاحلام لذا يكون الادراك الحلمي اللاشعوري تداعيات متقطعة لا ينتظمها إدراك تحسّسي مترابط ولا زمن تنظيمي لها..

س110: ا. مراد غريبي: نحن لا زلنا نرغب معرفة فلسفة الوعي التي اشتهر بها جون سيرل عالميا كفيلسوف العقل واللغة والوعي، ما هي خصائص الوعي القصدي في فلسفته خاصة أنها تعتبر من أنضج المباحث الفلسفية التي تدرسها الجامعات الامريكية؟

ج110: ا. علي محمد اليوسف: سوف استعين بالإجابة عن السؤال بما كنت كتبته في احدى مقالاتي المنشورة وتعقيبي عليها. اقصد خصائص الوعي القصدي عند جون سيرل وهي:

(الوعي حقيقي غير قابل للاختزال). بمعنى غير قابل للقفز من فوق آليات السياق الادراكي الذي يبدأ بالحواس ولا ينتهي بالدماغ والجملة العصبية..

الوعي نوعي بمعنى (هناك نوعية تجريبية لكل حالة واعية، والوعي شخصاني أنطولوجي لا تتم معايشته ألا من قبل موضوع بشري أو حيواني)..

جميع ملامح الوعي ناتجة من دون استثناء عن عمليات بيولوجية – عصبونية داخل الدماغ ومنظومة الجهاز العصبي.

الوعي القصدي المعروف الوحيد هو الموجود في الجهاز العصبي للإنسان او الحيوان..

(تجربة الوعي الادراكي القصدية النوعية الشخصانية بكاملها هي جزء من مجال وعي ادراكي كلي). بمعنى اشتراك أكثر من حاسة واحدة في تجربة الادراك من جهة، وكل تجربة شخصانية تعتبر محدودة بالنسبة لتجارب لا حصر لها من أدراكات وعي كلي متنوع بتعدد موضوعاته من جنبة أخرى.

(مضمون الوعي مضمون الوعي القصدي يفيد معنى شروط الاشباع) بمعنى غاية وهدفية الادراك هو إشباع الرغبة في تحريك القصد نحو تحقيق غاية محددة يتوجب بلوغها.. والوعي القصدي وعي هادف يتحدد بالذهن سلفا..

س111: ا. مراد غريبي: كيف يتحدد الادراك بضوء تجربة الوعي في فلسفة جون سيرل؟

ج111: ا. علي محمد اليوسف: يأخذ سيرل على الفيلسوف أ.ج. آير صاحب كتاب (اسس المعرفة التجريبية) في معرض بناء حجته على آراء مستمدة من هيوم بأن ما ندركه هو بيانات حسيّة.. ليطرح سيرل بضوء ذلك تساؤله: ما الموضوع الذي نحن واعون به مباشرة في حالة الادراك إذا لم يكن جزءا من أي شيء مادي؟ طبعا هنا كان تركيز سيرل على الادراك والوعي القصدي الناتج عن رغبة الاشباع المعرفي التي تفترض سلفا تحقق الوجود الانطولوجي لمواضيع العالم الخارجي للاشياء كمجال أدراكي واقعي، وأغفل أمكانية قيام الادراك على غير متعيّن مادي يحضر كموضوع كما ألمحنا له سابقا، فالعقل يقوم بفعل الادراك القصدي في معالجته مواضيع إدراكية غير مادية مستمدة من الذاكرة التخييلية الى جانب أدراكه مواضيع الواقع المادي، ولا وجود في حالة الادراك القصدي التخييلي شرطا لموضوع يكون جزءا من شيء مادي كما في رغبة سيرل في عبارته السابقة.. ليس شرطا أن يكون الوعي الادراكي بموضوع يمّثل جزءا من واقع مادي حصرا، فالخيال الادراكي يستطيع التعامل مع موضوعات لا وجود لعلاقة أنطولوجية لها تربطها بحواس الإدراك..

ينقل جون سيرل عن الفيلسوف الامريكي (ألفانوي) في مقال لهذا الاخير بعنوان (تجربة من دون رأس) الى أن الوعي الادراكي القصدي يمكن أن يتم خارج الدماغ، موضحا قوله (أن تجربتنا في الوعي غير معتمدة فقط على ما يتمّثل في أدمغتنا، بل يعتمد على تفاعلات دينامية بين أقطاب الوعي – الدماغ - والجسم - والبيئة)

الوعي القصدي عند سيرل يشمل جميع حالات الذهن ولا ينفك عنها، حتى أنه يرى في تصّور حالة ذهنية غير واعية، عبارة متناقضة ذاتيا، وبحسب رأيه الوجود مادة صماء فمن أين يأتي الوعي؟ ويرى أن الوعي لا بل العقل كله واقعة بيولوجية مادية بالكامل وهو المذهب المعروف بالطبيعانية البيولوجية.. نلاحظ للمرة الثانية سيرل يكرر فهمه الفلسفي أن موضوع الادراك القصدي هو المتعّين أنطولوجيا في عالم الاشياء فقط، وقد قمنا توضيح هذه المسألة في سطور سابقة من هذه الورقة البحثية في المحاورة.. لكن مقولة ألفانوي ممكن حدوث وعي خارج الدماغ تحتاج حجة إثبات قوية باعتقادي.

س112: ا. مراد غريبي: ما علاقة الوعي القصدي باللغة؟ وهل لك تعقيبا اضافيا حول هذا المبحث عند جون سيرل. باعتباره فيلسوف العقل واللغة.؟

ج112: ا. علي محمد اليوسف: أبرز فيلسوف معاصر اهتم بالعلاقة الثلاثية التي تربط العقل والوعي واللغة في توليفة فلسفية واحدة هو جون سيرل بلا منازع. وسعى سيرل الى اكتشاف طبيعة الارتباط بين اللغة والعقل فهما يتوّجهان الى أدراك الاشياء معا، فيتمّثل العقل الشيء ويقصده بالتزامن مع إستحضار لغة التعبير فيه، تزامنا يكاد يكون آنيا، ويطرح سيرل بهذا المعنى سؤالا لمن تكون الاسبقية للعقل أم للغة؟ ويجيب على تساؤله عن الاسبقية للعقل مؤكدا وجهة نظره التي ضمنها مقدمة كتابه (القصدية) حيث جاء في فلسفة العقل من الكتاب المنشور عام 1983، أن الافتراض الاساسي القائم وراء تناولي لمشكلات اللغة هو أن فلسفة اللغة هي فرع من فلسفة العقل.. وهي نظرية صادقة تحمل حقيقتها المقنعة تماما.

ويطلق سيرل على أن الهلوسة الادراكية (الواعية) لا تمتلك موضوعا من أيّ نوع كان، وتعقيبنا أن هلاوس الادراكات غير (واعية) تماما بموضوعها وليس كما ورد أنها (واعية) في امتلاكها مضمونا ولا هي تمتلك موضوعا، ويتعّذّر التفكير في وعي أدراكي لا يحمل موضوعه المتعيّن كمادة أدراكه الملازمة له، ولا يشترط في موضوع الادراك أن يكون متعينا أنطولوجيا بل من الممكن أن يكون الموضوع مستحدثا من الذاكرة الاسترجاعية، وبخلاف الهلاوس غير المنتجة تكون أدراكات الاسترجاعات التذكرّية واعية تحمل موضوعها معها في ملازمة تخليق الادراكات المجردة في الذهن..

وحالة الادراكات الهلاوسية تكون حالة من تداعيات الصور الذهنية المرتبطة الدلالة بغير موضوع واحد محدد، وتجارب الهلوسات الادراكية التي لا تحمل موضوعها الادراكي معها بوعي كاف لا تعبّر عن تجربة واقعية من الممكن تصديق حدوثها الواقعي.. وإلا كيف لنا تعليل سلسلة الادراكات التي يمتزج بها اللاشعور الهلاوسي مع الوعي الشعوري التام بأكثر من موضوع تخييلي كما نجده في معظم الابداعات الفنية والادبية وبالتحديد في الشعر؟؟

ففي مثالنا هذا لا نستطيع القطع أن تلك التجارب الادراكية هي من نوع الهلاوس غير المنتجة التي تفتقد موضوعها.. بل هي تمتلك موضوعها بكل جدارة وإستحقاق.

س113: ا. مراد غريبي: خصصنا هذا المحور حول موضوعة الوعي القصدي هل تتوفرون على تلخيص شامل لمبحث الوعي بضوء فلسفة جون سيرل؟

ج113: ا. علي محمد اليوسف: تعودت كما اخبرتك في محاور سابقة أني اتبع منهجا نقديا لا احيد عنه، وهو المنهج المادي لا اسميه الجدلي في المعرفة، ورغم صرامة وانضباطية طرح جون سيرل الفلسفي حول اشكالية فلسفية مزمنة تجنب الخوض بها غالبية الفلاسفة الا إني أجد في طرح سيرل ثغرات سأتناولها بالتعقيب النقدي الموضوعي ارجو التوفيق به.

يذهب سيرل أن الوعي الادراكي القصدي ظاهرة بيولوجية، أي أنه وعي شخصاني نوعي أنطولوجي وهو جزء من مجال وعي كلي شامل. هنا بضوء هذا التعريف يجب التفريق بين موضوع الادراك المعرفي الذي لا يشترط حسب فهمنا أن يكون إشباعا بيولوجيا كما في مثال الاشباع الغريزي الجنسي والجوع والعطش وغيرها، وبين الموضوع المدرك في الوعي القصدي في مجال المعرفة والسعي لاكتسابها.. الذي يكون أدراكا نوعيا يخص بيولوجيا الانسان كركن أساس تحديدا في إكتسابه المعرفة شخصانيا.. فهو إدراك بيولوجي على مستوى الشخص المدرك للاشياء وليس بيولوجيا على مستوى موضوع أدراكه.. ومواضيع الادراك القصدي نوعين موضوع أدراك معرفي، وموضوع أدراك غريزي فطري.. وكلاهما يشكلان هدفين متمايزين لتجربة الادراك في إشباعهما...

1- ينطلق سيرل من نظرة أحادية فينامينالوجية في الادراك، تقوم على مرتكز محوري أن موضوع الادراك هو المتعيّن أنطولوجيا في عالم الاشياء المادية فقط، ويهمل الادراكات الفكرية التي يكون منشؤها الذاكرة الاسترجاعية في أدراك موضوعاتها الخيالية، ولا يناقشها في صفحات كتابه الموسوم (رؤية الاشياء كما هي) كفعالية إدراكية لا يمكن إهمالها.. وعنوان كتابه رؤية الاشياء.. أنما تقوم في تركيزه على المدركات الحسّية في الواقع فقط.. علما أن مدركات مواضيع الادراك المستمد من الذاكرة أنما تنتج عنها جميع ضروب الابداع في الادب والفكر والثقافة والفنون وجميعها أدراكات قصدية حيوية في حياتنا وهكذا..

2-  يحدد سيرل أن محددات أي أدراك قصدي تتألف من ثلاثة عناصر فقط يؤكد عليها هي المدرك (بكسر الراء) أي الشخص، وثانيا موضوعه، أي موضوع الادراك، وثالثا حاسّة الابصار العين، التي تكون البداية منها في استقبالها ضوء الشيء المدرك الصادر منه، أي ضوء الموضوع المنبعث منه في تجربة الادراك الساقط على شبكية العين.. ولا نعرف أهمية الادراكات الناجمة عن بقية الحواس عند الانسان كالسمع واللمس والتذوق والشم فجميعها تعتبر مصادر الاحساسات الاولية في عمليات الادراكات لم يعرها سيرل اهتمامه.. كما لم يعر انتباها الى الدماغ ومنظومة الجهاز العصبي الفاعل في إتمام عمليات الادراكات.. ركّز كثيرا على أهمية العين فقط في تجربة الوعي الادراكي المادي.. وعنونة الكتاب هو (رؤية) بمعنى الابصار في العين وعلاقتها بالوعي الادراكي القصدي فقط هو محتوى الكتاب كاملا...

3- ورد على لسان سيرل أن علاقة الادراك في الهلوسة لا تنطبق على حالات الادراك الحقيقي السليم، كون أدراكات الهلاوس لا تمتلك موضوعا حتى وإن امتلكت (وعيا) إدراكيا في مضمون متعيّن أدراكا، وناقشنا هذا الغموض في أسطر سابقة، فالوعي القصدي في أدراكات الهلاوس لا يمتلك وعيا مثمرا لكنه لا يعدم امتلاكه موضوعات إدراكية لا يشترط أن تكون مستمدة انطولوجيا من واقع الاشياء بل يمكن أن تكون مواضيع الادراك الهلاوسي منطلقها تداعيات الفكر الصادر عن الذاكرة والمخيلة اللاشعورية غير المنظمّة لغويا...والوعي هو وعي بموضوع يتألف من شكل ومضمون ولا وعي من غير موضوع يدركه، لكن الموضوع المستقل لا يشترط بالوعي ملازما له.. لكي يقوم سيرل في تأكيد رغبته أن أدراكات الهلوسة السيئة لا تمتلك (موضوعا) وقد تمتلك (مضمونا)، الى التفريق بين الموضوع ومضمونه في تجربتي الادراك الحقيقية والسيئة أي بين تجربة الادراك السليم وتجربة الهلوسة، وهذا التفريق لا يلغي ولا يلعب دورا حاسما بين التجربتين ويعبّر عن هذه الاشكالية المفتعلة قوله (في التجربتين – يقصد الحقيقية و الهلاوسية - يتكرر لدينا نفس الموضوع القصدي بالضبط ولكن في وجود موضوع قصدي في أحدى الحالتين فقط دون الاخرى). لا نعتقد العبارة سليمة من ناحية ترابط المعنى في خلوّها من التناقض بمعنى توفر الموضوع القصدي في التجربة الحقيقية وانعدامها في تجربة الهلوسة حتى وإن امتلكت مضمونا وليس موضوعا.. علما أن عبارة سيرل تشي باشتراك التجربتين في إدراكهما موضوعا واحدا.... كما لا يمكن استساغة التفريق بين الموضوع ومضمونه في تجربة الادراك الخطأ الذي زرعته الفينامينالوجيا في تكريسها ثنائية أدراك الظاهراتية هذا واستحالة إدراك النومين ذاك، عندما فصل منهج الفينامينالوجيا إدراك الاشياء في ظاهرياتها البائنة عنها في عدم أمكانية أدراك ومعرفة ماهياتها التي كان رسّخها كانط قبل هوسرل.. في العودة الى علاقة شكل الموضوع مع مضمونه نرى استحالة أدراك مضمون متحرر عن موضوعه في (شكل) أنطولوجي يمكن أدراكه منفصلا غير متعالق بموضوعه، فالمضمون هو محتوى ملازم لموضوع محدد في شكل.. وإدراك موضوع كشكل أنطولوجي لا ينفصل عن مضمونه حتى وأن لم يدرك المضمون مباشرة كماهية أو جوهر.. ولا يمكننا تصور إدراك مضمون بلا شكل وموضوع يؤطرهما.. ما يدرك كموضوع يدرك وحدة واحدة شكلا ومحتوى والثالث مرفوع على حد تعبير الفلاسفة..

4- يطرح سيرل تساؤلا إشكاليا صعبا، يذهب الى تدعيم صحته وصوابه كلا من فلاسفة الشكيّة التقليديين ديكارت وبيركلي وهيوم ولوك وكانط، هو أن كل ما يمكننا أدراكه هو تمثّلات تجاربنا الشخصية الفردانية صوريا عن الواقع، فهل يمكننا تعميم حقيقة مدركاتنا على الجانب الأخر(مجموع الاخرين).. لن نأخذ بتفنيد سيرل لهذا الادعاء لأن تفنيده يقوم على حجّة إشكالية قوامها مرتكز حاسة البصر (العين) في التجربة الادراكية عنده فقط أي لا يفند سيرل رأي فلاسفة التجريبية المنطقية المثالية بمنطق فلسفي في حين نجد هناك أجماعا على حقيقة ثابتة لا يمكننا العبور من فوقها هي لا تتمكن الحواس من أدراك الاشياء على حقيقتها بصورة كاملة، كما لا يمكن للعقل تكوين أفكاره عن مدركاتنا كحقيقة قاطعة، وتبقى على الدوام إدراكاتنا ناقصة في معرفة العالم وهو ما ينطبق على حاسة البصر العين.. من جهة أخرى سحب سيرل التساؤل المار ذكره الى مضمار التعبير اللغوي الالتباسي المعقد كما يطرحه فينجشتين، وهذا ما لا يعتمده فلاسفة الشكيّة الكلاسيكية بدءا من ديكارت وليس إنتهاءا بفلاسفة التحليلية الانجليزية جورج مور وبراتراند راسل، وايتهيد، كارناب من حيث أن الحواس خادعة ولا تحمل أكثر من نصف الحقيقة على الدوام كما هي اللغة أيضا خادعة ومخاتلة ومعرفة الواقع على حقيقته أمر غير متيّسر لا بالإدراك ولا بتعبير اللغة... كذلك فأن مخاتلة اللغة تنسحب على التعبير عن التجربة الفردية كما تنسحب على تعبير الادراكات الجماعية أيضا ولا منجاة لأحد مما يعرف بخيانة اللغة...التجربة الحقيقية في الادراك الشخصاني يمكننا تعميم بعض استنتاجاتها، من حيث أن مواضيع الادراك في غالبيتها تكون متعّينات إدراكية ثابتة أنطولوجيا تقريبا، بينما يكون الادراك الذاتي متغيّرا ومتعددا بالنسبة لموضوع وجوده في حكم الادراك الثابت أو ظاهرة تتسم بالثبات النسبي، وكذلك فالإدراك الفردي لا يتوّصل الى حقائق علمية قاطعة بل الادراك قسمة مشاعة أمام الجميع في ممارستها ضمن الامكانيات المتعددة في تنوع الإدراكات الشخصانية في الاشباع القصدي، عليه تكون نتائج الاستدلال الادراكي لا تلزم غير صاحب التجربة من الأخذ بها لدى أصحاب زوايا رصد متباينة أخرى.. يوجد تفاوت أدراكي بين شخص وآخر لكن لا يوجد تفاوت في أدراكنا حقيقة الوجود يسبق إدراكاتنا الفكرية عنه.. مما يجعل أمكانية الخطأ الجمعي متراجعا في إدراك الموضوع الواحد.2916 علي اليوسف ومراد غريبي

س114: ا. مراد غريبي: نشكركم أستاذ اليوسف على صبركم معنا وتجشمكم عناء ومشقة هذا الحوار الفلسفي التفصيلي الخلاق في ستة محاور. ونرغب الختام ماذا ترون بمستقبل الفلسفة؟

ج114: ا. علي محمد اليوسف: اود توجيه كل الثناء والتثمين لجهودكم استذ مراد معي وحرصك الثقافي كباحث فلسفي متمكن متمنيا ان تكون الحلقات الحوارية الست نالت اعجاب القاريء العربي، واود اشكرببالغ العرفان الجميل الاستاذ الفاضل المفكر الكبير ماجد الغرباوي في رعايته بكل معاني نبل الخلق الثقافي والتعامل النظيف لمؤسسة المثقف على توفير هذه المساحة للكلمة العربية في حملها رسالتها الثقافية المميزة على منابر منصات الفكر والثقافة والفنون.

هل للفلسفة مستقبل؟:

الفلسفة ضرب من ضروب المعرفة البشرية، او منهج في التفكير، مايطلق عليه الانساق الفلسفية والمنظومة الفكرية التي عنت بالوجود الانساني كوجود في الطبيعة وعلاقته بها وبالكوني والآخر والمجهول والميتافيزيقيا.

وافهمها انا كتعريف انها منهج تجريدي منطقي يحاول فهم الحياة وتغييرها حسب ماركس، او فهم الحياة فقط وعدم رغبة تغييرها حسب رغبة ورؤية براتراند رسل.

هذا على الاقل السائد في تأكيد ان الفلسفة لم تكن (علما طبيعيا) يوما ما وليس بمقدورها مستقبلا، حتى وان اعتبرها بعض الباحثين(أم العلوم)، وانما هي تبقى نسق لغوي منطقي متعال نخبوي.

وقد تداخلت الفلسفة من جهتها، والعلم الانساني غير التجريبي الطبيعي من جهته في تعالقهما مع كل ضروب وانساق المعرفة البشرية والعلوم الاخرى، فأخذنا ندرس علم الانثروبولوجيا، وفلسفة الانثروبولوجيا، ومثل ذلك علم الدين وفلسفة الدين وفلسفة وعلم التاريخ وكذا مع فلسفة وعلم الاجتماع والنفس وهكذا بما لايحضرنا حصره.علما ان صفة العلم الملتصقة بهذه الضروب المعرفية والانساق الفكرية والمنظومات الثقافية هي غيرها علوم التجريب المختبرية والرياضية الطبيعية، العلوم الطبيعية التي تحكمها رياضيات التفكير والمعادلات التي تنسحب على التجربة العلمية في اثبات واقعية وعقلانية صحة الافكار او النظريات من عدمها اوضحالتها وعدم الاخذ بها.امثلة ذلك ان المعادلات الرمزية التجريدية في الرياضيات و الفلك والفيزياء والكيمياء والطب والهندسة وغيرها في العلوم الطبيعية كافة ليست فلسفة.ويرى براتراند رسل ان الفلسفة تمثل وسطا موضوعيا بين اللاهوت من جهة كونها تأملات غير تجريبية، وهي كالعلم من جهة استنادها الى العقل.

ثمة جملة مواصفات طبعت التفكير الفلسفي الانساني منذ عصور ما قبل التاريخ الميلادي اليوناني القديم، وصولا الى مجيء سقراط وافلاطون وارسطو و فلاسفة عديدين غيرهم يتمايزون بالاهمية في تاريخ الفلسفة.

اهم تلك الصفات ان النص الفلسفي(بنية)انشائية (ذاتية)تأملية تجريدية وليست موضوعا مستقلا، بمعنى انها خاصية انسانية فكرية وجهد ابداعي منفرد لمؤلف منشيء، وان الفلسفة بهذا المعنى تلتقي كثيرا مع فكرة انها شكل من اشكال التعبير الثقافي او حتى الادبي - الفني. وذاتية المعرفة الفلسفية تلتقي بضروب الفكرالابداعي اللغوي الاخرى، وتتشابه معها من حيث مصدر الخلق والمنشأ والمتلقي، كما هي في النص الاسطوري او الميثولوجي او القصص الديني اوالسرد التاريخي او الادبي والفني.فهذه جميعها انتاجية ابداعية (ذاتية) تنتسب لمؤلفها او منشئها، وبهذا المعنى يكون النص الفلسفي بنية معرفية فكرية انسانية، مولّدة للافكار الشارحة والناقدة والمضيفة. شأنها شأن اي نص ابداعي كتب ويكتب في مجالات السرد المعرفي والجمالي والثقافي الخاضع لسلطة التناول النقدي بالشرح والتفسير والتأويل والقراءات المتعددة له. من هنا تكون البنية الفلسفية الانشائية تمتلك ذاتيتها(الآنية) في تناولها وتداولها الحاضروالماضي. بمعنى ان جميع المحاولات والمعالجات الفلسفية حاضرا لم ولن يكن بمقدورها اوبمستطاعها دفع الفعالية الفلسفية ان تشكل لها حضورا مستقبليا دائميا كحقائق فكرية لا يمكن دحضها وتفنيدها. او حقائق تمتلك حيوية التواجد عبر العصوركفعالية دائمة التأثير حاضرا وفي المستقبل. مؤلفات فلسفية هامة شغلت التفكير الفلسفي طويلا على مدى قرون لم يعد لها اي حضور او اهتمام في الوقت الحاضر. ومن الطبيعي جدا ان تتجه الفلسفة المعاصرة دوما في محاولتها سحب التفلسف الماضوي الى رقعة الحاضر والاعتياش على تفسيره بنوع من التكرار والاجترار والاعادة باكثر مما يحتمل(النص)، الذي يحكمه منحيين، :

المنحى الاول: منحى احتفاظ النص الفلسفي بحيوية الماضي و نقد الحاضرله وغياب حضور المستقبل فيه، وان ما تسحبه الفلسفة اليوم وتناقشه على انه مفاهيم فلسفية من الماضي هو في حقيقة الامر يمثل (مستقبلا) للنص الفلسفي نتداوله حاضرا فقط.

المنحى الثاني: ان النص الفلسفي متعين مكتف (بذاتيته ) ولا يصلح ان يكون تفسيرا دائميا لعالم متغير بوتيرة عالية سريعة جدا، يقودها العلم بجدارة واستحقاق لا ينازعه احد تلك السلطة، تلكم هي تطورات العلوم الطبيعية في كل مجالات الحياة الطب والذرة والتكنولوجيا والفيزياء والبيئة والهندسة الوراثية والفلك وهكذا.بعبارة موجزة لا يمكننا تخليص الفلسفة من ذاتيتها، لان الفلسفة لا تمتلك موضوعا من غير ذات.

نخبوية التفلسف:

هل ننساق مع الآراء التي تذهب ان التفلسف بنية و قيمة منظومية مفارقة، وان الفلسفة انفصلت منذ نشأتها عن الحياة الواقعية التي تسير الامور بها (علميا) في غير ما حاجة الى الفلسفة والانسانيات، وان الفلسفة لم يعد لها ذلك التأثير والاهتمام في حياة اليوم وتشكيل ملامح العصر؟! وان ما قيل في الفلسفة عن الانسان والوجود والماهية والجوهروالموت والميتافيزيقيا، .والظواهر الطبيعية المؤثرة والفاعلة في ذلك الوجود استنفدت نفسها ولا مجال في مكابرتها ومزاحمتها العلم الطبيعي التجريبي، وان ما استهلكته الفلسفة مفهوميا عن الوجود والماهية والحياة والموت والانسان لم يعد يشكل اهتماما في عالم المعاصرة والحداثة وما بعد الحداثة الفكرية والمعرفية وفي عصر العولمة، مقارنة و قياسا مع اي منجز علمي نقل البشرية طفرات نوعية مطردة ونامية متطورة على الدوام متجددة بالافعال وليس بالافكار المجردة في تفسيرها الواقع كما فعلت كلاسيكيات الفلسفة في الميتافيزيقا على امتداد عصور طويلة.

اذا توخينا الدقّة اكثرفأن الفلسفة كضرب معرفي نخبوي، لم يعد يلق اهتماما سوى في المنتديات و الصالونات والمؤسسات الثقافية التخصصية الجامعية ومراكز البحوث والمجلات محدودة التداول المنعزلة في غالبيتها تماما عن مؤثرات المسار الحيوي الحضاري العصري وانعدام قدرة الفلسفة الاسهام بصنعه وتشكيله. ونخبوية البحوث الفلسفية تلتقي مع الانسانيات البحثية والسردية التي لم تعد لها اهمية اكثر من اهتمامات صالونات مغلقة ومؤسسات جامعية تمنح وتصدّر شهادات واطاريح دراسية اكاديمية لا تغني ولا تسمن من جوع واكثرها قيمة دالة لها هي في اضفاء المكانة التدريسية للاستاذ.واغلب تلك الاطاريح والدراسات لا قيمة لها في دراسة هذا الفيلسوف او ذاك، في جنبة او اكثرلا مجال الاضافة لها، استنفدت نفسها، وكذا الحال في الدراسات الادبية والتاريخية والتراثية واللغوية والانسانية في تراكمها الكمي الذي تختزنه المكتبات والارشيفات والمتاحف، ولا يمتلك قيمة علمية تطبيقية في حياة المجتمعات اليوم، او اية اسهامة في تغييره.ويجري تمويله من المؤسسات الجامعية ومراكز البحوث وكذلك مؤسسات حكومية وغير حكومية متخصصة.

نخبوية التفلسف والمفاهيم الفلسفية خلال ما يزيد على الفي عام واكثر، بقيت السمة الذاتية تحسب للفلسفة على انها افكار متعالية على الفهم والاستيعاب الجمعي، لكن المفارقة اليوم هي ان تلك النخبوية المتعالية اصبحت مثلبة في تعطيلها الاستيعاب الجمعي والتوظيف العملاني في تقدم الحياة.

بخلاف ماتنجزه العلوم الطبيعية في تقدم الانسان المعاصر والتقليل من معاناته وتذليل صعوبات الحياة امامه.

وبالمعنى المشار له يذهب ليفيناز 1925 – 1995 انه ينبغي ان نشجب مستقبل الفلسفة فقط لانه ليس مستقبلا بالقدر الكافي، فالفلسفة التي تقوم على الاعتراف والاقرار بما هو غير قابل للامساك به او البديل المطلق او الاخرين سوف تظل هي الفلسفة.

من الملاحظ جيدا ان جميع ضروب المعارف الانسانية او مايطلق عليها للتفخيم العلوم الإنسانية وسرديات التاريخ، بضمنها الفلسفة وانساق الفكرالمعرفي التجريدية وغير التجريدية الاخرى، تلجأ الى نوع من التعاضد الانتشالي المسعف احدهما للآخر، سواء بالتبعية او بالانضمام اوبالتمازج بين بعضها البعض في الاشتراك بمعالجة قضية او اكثر.

فاخذت الفلسفة تزاحم ما يطلق عليه(علوم) الانسانيات والمنهجيات، في دراسة التاريخ او الاجتماع اوالسياسة بما يسمي اليوم الفلسفة السياسية، او فلسفة او علم الاقتصاد او فلسفة او علم التاريخ (لاحظ التداخل المتعالق بين كلمة فلسفة وكلمة علم)، وهكذا مع الهوية الثقافية، وفلسفة وعلوم الاديان الى آخر القائمة من امثلة التداخل التوظيفي والدراسي على صعيد المنجز الاكاديمي المعرفي الصرف. فلسفة اوعلم كمنهج في اعادة دراسة ضرب معرفي او اكثر.

هذا التداخل التوظيفي بين الفلسفة وعلوم الانسانيات، هو بخلاف ما تحضره العلوم الطبيعية على نفسها وترفضه، كفيل بافقاد الفلسفة اية قدرة على النزوع المستقبلي وفي ادامة حياتها المعاصرة، بفاعلية التأثيرفي ان تكون لها فعالية فلسفية مستقبلية مكتسبة تشير الى حضورها الحيوي الدائم في مصنع الحيوية البشرية التي يتسيّدها ويقودها العلم التطبيقي التجريبي الطبيعي منفردا ومتقدما كل ضروب المعرفة الاخرى واهتماماتها.

بهذا الفهم الذي المحنا له، هل يحق لنا الجزم ان مفاهيم الفلسفة العظيمة، انتهت مكتفية بذاتها على ايدي عظام الفلاسفة هيراقليطس، سقراط، افلاطون، ارسطو، ديكارت، كانط، نيتشة، هيدجر، وسارتر، وآخرين؟! في تناولهم الوجود الانساني فلسفيا من كافة جوانبه واشكالياته التي استولدت شروحات واضافات تراكمية ونوعية على مدار عصور طويلة من التناول والتداول الفلسفي المعرفي.وحتى مفاهيم الميتافيزيقيا المرتبطة بالفلسفة تم السخرية منها والهزء بها في وجوب مجاوزتها ومغادرتها لانها اصبحت شغل من لا شيء عملي يشغله في الحياة.

يقول جاك دريدا ان اي تجاوز للفلسفة لا يعني طوي صفحتها، بل ذلك يستلزم قراءة الفلاسفة بطرق اخرى غير مسبوقة، وقريبا منه في تأكيد حضور وحيوية بقاء الفلسفة، يشير براتراندرسل ان الفلسفة منهج لفهم الحياة وليس لتغييرها، وبذلك يدين مفهوم ماركس الذي يذهب الى ان مهمة الفلسفة ليس تفسير الحياة وانما تغييرها.

هل بامكان الفلسفة ان تصبح علما طبيعيا من غير ان تفقد كل امتيازاتها عبر العصور؟

ان انتفاضة عصري النهضة والتنوير في القرن الثامن عشر الميلادي، وعلمنة الحياة في اوربا، لم يكن بتأثير( فلاسفة )عصر التنوير وجهودهم (وحدهم)، وانما كانت الانتقالة الحقيقية الواقعية بفضل (علماء) عصر التنويروالنهضة امثال كوبرنيكوس و نيوتن وغاليلو وبرونو وكبلر ومن على شاكلتهم من علماء الطبيعة والفلك والرياضيات وصولا الى داروين وفرويد وليس انتهاءا بانشتاين وهوكنج.وبجهود هؤلاء العلماء الصفوة كان الفضل الاكبر في التقدم وفي السبق وتحقيق التقدم العلمي والحضاري لعموم البشرية وليس اوربا وحدها.ان عظمة هؤلاء العلماء غير الفلاسفة ليس فقط انهم قلبوا مفاهيم علوم الفلك والفيزياء والرياضيات والانثربولوجيا والطب والنفس وغيرها التي كانت سائدة، بل عظمتهم في وضعهم حدا لوصاية اللاهوت الكنسي الديني على واقع الحياة كل الحياة وتحريرها اجتماعيا واقتصاديا وفكريا وخلاصها بحرية الاجتهاد والابداع.

وعبرة تخلفنا في الماضي وعجزنا والى يومنا هذا ان فلاسفتنا العرب المسلمين اخفقوا قديما في تحقيق ما استطاع قدامى الاوربيين تحقيقه، حيث كانت ولا تزال وصاية الفكر الديني السياسي عندنا، وسيلة الحاكم الغاشمة في القمع والهيمنة الوحشية، على حملة افكار التنوير والتقدم، ورميهم بتهمة الزندقة والكفر الجاهزة في وجه من يجرؤ تشخيص العلّة والداء.بما يشبه محاكم التفتيش التي سادت اوربا القرون الوسطى وربما اقسى..

مفارقة هذه الحقيقة التاريخية نجدها عندنا ولدى غيرنا من الشعوب التي ظهر فيها فلاسفة عقلانيون كبار لكنهم اخفقوا من تحقيق نهضة حضارية لشعوبهم او لغيرهم من امم وشعوب الارض.

ظهر عندنا نحن العرب المسلمون فلاسفة تنوير عظام بدءا من الكندي والفارابي وابن سينا والرازي وجابر بن حيان والبيروني وابن الهيثم وابن رشد وغيرهم نتنّطع اليوم بانهم كانوا(عقلانيين) مؤثرين وسطاء نقلوا الفلسفة اليونانية والرومانية وكانوا سببا في نهضة اوربا، لكنهم اخفقوا تحقيق نهضة امتهم. متناسين في مكابرة عقيمة اننا لم نكن نمتلك علماء امثال كوبرنيكوس او نيوتن او غاليلو او برونواوكبلروامثالهم الى جانب هؤلاء الفلاسفة التنويريين.

الفرق الذي حصل في اوربا ان عمل الفيلسوف اكمله عمل العالم، في حين لم يستطع فلاسفتنا تحقيق نهضة تنويرية تقدمية عندنا متكاملة عمادها مزاوجة الفلسفة و العلم.لان كل جهود الفلاسفة العرب المسلمين كانت منصّبة على ايجاد توافق تلفيقي افتعالي بين الفلسفة والدين وتزكية هيمنة الدين على الفلسفة وقيادته لها، وليس الربط بين الفلسفة والعلم في تكامل تنويري نهضوي يشاكل ما حققته اوربا في ترابط العلم والفلسفة.

ثم اذا كان تقاطع الفلسفة والعلم مازال قائما في المجتمعات الغربية منذ ديكارت وبيكون في القرن السابع عشر، فان اشكاليتنا مع الفلسفة المعاصرة هو في تقاطعها مع التفكير الديني السياسي الذي يحاول اما ربط الفلسفة بالتفكير الديني بافتعال مبتذل، او بالاقرار باستحالة الربط بينهما، ويلخص المفكر الكبير الجابري هذه الاشكالية بالعودة الى جذور المشكلة قائلا:(ان الفلسفة العربية بدأت بداية جديدة في المغرب والاندلس مع مشروع بن باجة الفلسفي، وكانت الفلسفة العربية الاسلامية في المشرق العربي لاهوتية المعرفة، بسبب استغراقها التوفيق بين الدين والفلسفة، اما الفلسفة في المغرب والاندلس ومع بن باجة فكانت علمانية الاتجاه وعقلانية بفعل تحررها من تلك الاشكالية، اشكالية الدين مع الفلسفة.)

المهم ان اوربا اليوم لا تحتفي بالفلسفة احتفائها بالعلم في معترك الحياة، وتراجعت المفاهيم الفلسفية القديمة لنستلم نحن الراية في المعارف والعلوم الانسانية فقط من غير العلوم الطبيعية التطبيقية، في الاطاريح والمنتديات والجامعات والبحوث، بما غادرته ليس اوربا وحسب ولكن اليونان المعاصرة مبتدأ ومنتهى الفلسفة القديمة ومستودع الارث الفلسفي العالمي، التي تستجدي العالم اليوم في ضائقتها المعيشية والمالية والاقتصادية ولا يشفع لها كل ارث الفلسفة الذي امتلكته وتمتلكه. ..من المؤكد الواضح اني لا ادين الفلسفة كمنهج في التفكيرالمعرفي ان يفقد معناه وحاجة الانسان له، ولكن تحّفظي اننا ربما نعتمد المفاهيم الفلسفية والانسانيات عوضا عن ميادين العلم التطبيقي في نشدان وتحقيق نهضتنا المرجوة وفي ذلك عقم المسعى والهدف، في تصورنا القاصر ان بحوث الانسانيات كفيلة بتحقيق نهضة حضارية وهو مالم تشهده البشرية في اي بقعة او عصر ولا في اوربا لا قديمها ولا حاضرها.

امام عجز الفلسفة الكلاسيكية القديمة ان تضيف جديدا متطورا للحياة، لجأت المفاهيم الفلسفية الحديثة والمعاصرة تنحى منحى الاعتياش التكاملي مع اللغة والالسنيات، والحفرالمعرفي الاركيولوجي، وانثروبولوجيا الحضارات والاديان وغيرها.ولجأت الفلسفة الحديثة الى مغادرة الاهتمامات الفلسفية الكلاسيكية القديمة التي اصبح اجترارها مؤونة الاطاريح والبحوث الجامعية والدراسات في تناولها مواضيع لم يكن في وارد عناية واهتمام الفلسفة الكلاسيكية القديمة بها كالجنس والهوية والتواصل والمهمّشين بالحياة كالمجانين والمصّحات.و من مواضيع اهتمامات الفلسفة اليوم مفهوم حقوق الانسان، صدام الحضارات وحرب الثقافات، ظاهرة الارهاب، نهاية التاريخ التواصل بين المجتمعات، الحاسوب والانترنيت، والفضاء العمومي للنقاش(هابرماس)، نظرية العدالة والدول المارقة (جون راولز)، البيئة المعاصرة والعدالة المناخية وغيرها. كل هذه المواضيع وغيرها العديد التي تشغل الفلسفة المعاصرة لا يربطها مع كلاسيكيات الفلسفة القديمة اي رابط يعتد الاخذ به، وغريبة جدا على اهتمامات الفلسفة القديمة بشكل قاطع.

قبل مغادرتنا هذه الجزئية من البحث نشير الى ان بيكون شن حملة شعواء على الفلسفة باسم وجوب افشاء قيم العقل والعلم، ويعتبر بيكون رائد الفلسفة التحليلية الإنكليزية التي تطورت على ايدي ديفيد هيوم وجورج موروجون لوك وأخيرا برتراندرسل، كما ان الفيلسوف كلود برنار هو الاخر اراد انشاء فلسفة تطبيقية جديدة لا نظرية، وامكن له استبعاد الميتافيزيقيا عن العلم.

في الختام يمكننا القول ان الفلسفة من ارقى المظاهر الحضارية الانسانية ومستقبلها سيدوم مادام الانسان تسكنه تساؤلات لم يتمكن الى اليوم اعطاء اجوبة شافية عنها.

(إنتهى)

 

حاوره: ا. مراد غريبي

المثقف – مرايا فكرية

14 – 11 – 2021م

.................

1- جون روجرز سيرل: فيلسوف أمريكي ولد عام 1932 ويشغل الآن درجة أستاذ فخري في فلسفة العقل واللغة، وأستاذ طلبة الدراسات العليا في جامعة بيركلي – كالفورنيا، معروف على نطاق واسع في مساهماته في فلسفة اللغة والعقل والفلسفة الاجتماعية، بدأ التدريس في جامعة بيركلي عام 1959..

 

2916 علي اليوسف ومراد غريبيخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة من مرايا فكرية مع الباحث الفلسفي المفكر الأستاذ علي محمد اليوسف، وحوار شامل أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول الراهن الفلسفي، فأهلا وسهلا بهما:

المحور الخامس: الزمن والفلسفة

س78: أ. مراد غريبي: كيف ترون فهم افلاطون للزمان وبماذا يختلف عنه أرسطو، وايهما أقرب الى التصور الفلسفي المقبول حاليا في تاريخ الفلسفة؟

ج78: أ. علي محمد اليوسف: باعتقادي فهم افلاطون للزمن هو فهم التحقيب الارضي التاريخي الذي يخضع فيه افلاطون إدراكنا الزمن بدلالة وقائع التاريخ ولم يكن مخطئا بفهمه الفلسفي هذا، لكنه أهمل استحالة إدراك الزمن تجريديا من غير دلالة تعالقه بالمكان (الطبيعة) لذا هو ابتعد بحديثه عن الزمان الكوني الفضائي (space) الذي هو فيه الزمن ليس تحقيبا ينقسم الى ماض وحاضر ومستقبل ارضي. ميزة الزمان الكوني الذي لم يكن يدركه افلاطون أنه مطلق ازلي تجريدي ليس موضوعا يدركه العقل منفردا تجريديا، وهو ما ندركه بتعالقه مع قوانين فيزياء الكون. الزمن وسيلة إدراك وليس موضوعا للإدراك في كل الاحوال سواء أكان زمانا تحقيبيا ارضيا أو كان زمانا كونيا.

ارسطو أدرك الزمان الكوني الذي أهمله افلاطون لكنه هو الاخر اي ارسطو ادخلت مفاهيمه الفلسفية عن الزمن أوروبا في القرون الوسطى عندما اعتبر مركز الكون هو الارض وهي ثابتة لا تتحرك ما جعل كلا من كوبرنيكوس 1543م في ورطة تعارضه مع الكنيسة عندما قال الارض ليست مركزا للكون وانما الارض جرم كروي غير ثابت يتبع في حركته الدائرية ثبات الشمس ما جرّ الويلات على كل من جوردان برونو وغاليليو ونيوتن من بعده.

لذا أختصر رغم الاخطاء الفيزيائية التي أثبتها العلم على افكار ارسطو الفلسفية لاحقا نعتبر فهم ارسطو للزمن هو فهم أنضج من الفهم الافلاطوني في اعتبار ارسطو الزمن الارضي تحقيب يعرف بدلالة وقائع التاريخ، والفضاء الكوني مطلق ازلي لا يدركه العقل ماهويا لا تجريديا ولا بدلالة تعالقه مع قوانين الطبيعة الكونية التي أثبتها علماء الفيزياء من انشتاين ونزولا الى علماء الذرة. الزمان حقيقة كونية مطلقة نفهمه وسيلة دلالة لكنه لا يكون موضوعا يدركه العقل.

س79: أ. مراد غريبي: ذكرتم في كتاباتكم الفلسفية عن الدوائر الزمنية التطورية، وذكرتم ان القفزات النوعية في التاريخ لا تجاريها القفزات او الطفرات النوعية بالزمن، وهل تحقيب الزمن الى ماض وحاضر ومستقبل هو تعبير مجازي للزمن ام تعبير حقيقي له؟

ج79: أ. علي محمد اليوسف: سؤال مهم جدا، قبل بدء الاجابة عن السؤال اود التأكيد ان مفهوم القفزة النوعية او الطفرة النوعية في الزمن غير موجودة على الاطلاق كون الزمن مطلق كوني واحد لا يتقبل القسمة ولا التحقيب الا فقط كما في الزمن الارضي الذي هو تحقيب تاريخي بدلالة زمنية تلازمه . والزمن التحقيبي الارضي لا يفقد صفته الخصائصية الفريدة انه مطلق ازلي يحمل خواصا ارضية وكونية واحدة. ولا يدركه العقل تجريديا لذا نجد تعريف سقراط كان في غاية الذكاء حين سئل ما هو الزمن قال: الزمن هو مقدار حركة جسم ما في الزمن، والزمن دلالة حركية للاشياء لكن الزمن ليس حركة ولا يخضع لإدراك عقلي كموضوع.

أما مسار التاريخ الذي يقوم على جدل دائري حلزوني صاعد هو مسار خطّي كونه محكوم بإلزام النقلات النوعية، التاريخ حسب التحليل المادي يسير خطيّا أفقيا في دوائر تعاقب ديالكتيكية لكن ليس بأسلوب إنعدام الطفرات النوعية فيه. وهذا هو الفرق الجوهري بين مفهوم تعاقب الدوائر في إعادة نفسها على أساس أن ما حدث سيحدث لاحقا في العود الابدي, وبين ديالكتيك الدائرة التي تتخللها الطفرات النوعية الكيفية المتقدمة دوما في ملاحقة التجديد الذي يندثر القديم خلفه. ليستحدث نفسه ثانية في الظاهرة الجديدة التي يحكمها الديالكتيك بقانون نفي النفي لها ايضا.

س80: أ. مراد غريبي: ما حقيقة الحاضر الوهمي للزمان؟

ج80: أ. علي محمد اليوسف: أفلاطون يفهم الزمان على أنه عود أبدي في التكرار الذي يخلو من التنوع الكيفي في طفرات نوعية، وميزة عبقرية افلاطون رغم إعتماده تعاقب الدوائر زمانيا إلا أنه لم يفهم الزمان مسارا أفقيا خطيّا جرى تقسيمه التحقيبي الى ماض وحاضر ومستقبل من أجل تيسير فهم الزمان كيف يعمل في تعالقه بنظام الطبيعة والاشياء وحركة القمر والارض والكواكب الاخرى. بإرتباطها فيزيائيا بحركة الارض حول نفسها وحول الشمس وحركة القمر، وفي تعاقب الليل والنهار والفصول الاربعة والسنة والشهور وغيرها من أمور.

افلاطون يوضّح فهمه للتحقيب الزماني أن الحاضر هو إفتراض وهمي خارج سلسلة التعاقب الزمني من الماضي الى المستقبل، والحاضر تحقيب مؤقت بضوء ماض متشّكل وجودا لا نفهمه إدراكيا بغير الحاضر، وبين مستقبل يندغم به الحاضر   حتميا إلزاميا زمانيا في بناء ملامح مستقبلي يسعى الانسان حضوره وتحققه. بمعنى كل ما يقوم به الانسان من إنجازات في حاضره هي بناء لمستقبل يرغب تحققه الحضوري. والحاضر الزمني لا يمكننا إدراكه كونه تغيير حركي مؤقت لا يتّسم بالثبات المقارن مع ثبات الماضي ولا يمتلك كينونة زمنية إستقلالية تفصله عن المستقبل. لذا إعتبر فلاسفة اليونان الحاضر نقطة ليست زمانية ينتقل عبرها تجسير الماضي الى المستقبل في تجاوز الحاضر كقطوعة زمنية لا نمتلك إدراكها.

من الخطأ بضوء هذا المعنى أن نفهم الحاضر حلقة وصل بين ماض انتهى وبين مستقبل يتشّكل منهما سوية أي يتشكل من ترابط الماضي مع الحاضر. الحاضر هو زمن وقتي منحل نحو ماض يجتذبه ومستقبل يجيرّه.

وبتعبير افلاطون (من الخطأ أن نستعمل الحاضر وصورة ما هو كائن، لما هو متغيّر متحّول من الماضي الى المستقبل)، فهو يعتبر الحاضر لحظة قصيرة جدا عابرة لذا لا يجب معاملتنا لحظة الحاضر المؤقتة كزمان تجسيري يربط الماضي بالمستقبل وهذه حقيقة لا غبار عليها من جنبة فهمنا الحاضر زمانا وليس تاريخا يلازمه الزمان..

والسبب في غمط الحاضر حضوره المستقل كتحقيب زماني غير مدرك زمانا رغم حقيقة كونه مدرك موضوعيا فيزيائيا لا يكون بدلالة إدراكه الحسّي المباشر كزمن بل بدلالة تحقيبه تجسير ربط الماضي كتاريخ بالمستقبل كسيرورة متشكلة تجديدا على الدوام بدلالة منجز الحاضر. الحقيقة التي سبق لي تكرارها في أكثر من مقال لي أن الزمان في تحقيبه الارضي كزمان مجرد عن تاريخانيته الى ماض وحاضر ومستقبل هو حدس يدرك بدلالة غيره من حركة أجسام يحتويها ويتمايز عنها بالمواصفات والكيفية. فنحن ندرك الزمن الماضي بدلالة وقائع ما يحتويه من تاريخ، وندرك المستقبل بدلالة سيرورته التاريخية ألمتشّكلة على الدوام وليس في زمانية مجردة نطلق عليها لفظة مستقبل زمني لا مضمون يحتويه.

هنا في تداخل بسيط نناقش به، افلاطون يعتبر ألحاضر وهما غير موجود زمانا من حيث أن ما يفعله الانسان في كل حركة من حركاته هي بنية مستقبل غير منظور وليس حاضرا غير منظور لا يمتلك زمانية سكونية كافيّة لبقائه كي يدركه العقل. وكذلك يصبح ماضيا حين يجري إندغامه كحاضر بالماضي لإستعادتنا إستذكاره. فاللغة مثلا التي يتكلمها الانسان هي لغة مستقبل زمانيّا وليست لغة حاضر غادر زمانيته وأصبحت تعبيرا عن ماض إنتهى لحظة الانتهاء من تعبير الجملة. لذا نجد افلاطون يعبّر عن هذا المعنى (الحاضر لحظة غير معقولة لأنها تفترض البقاء ولو أقصر مدة فيما ليس هي بكائن على الاطلاق) بمعنى الحاضر ليس بكائن يدرك زمانا على الإطلاق حسب تعبير افلاطون نصّا. وهنا لا يمكن تخطئة افلاطون بتعبيره هذا كونه يتعامل مع زمان حاضر تجريدي على صعيد التصور لا يحتوي تاريخ وقائعي.

الحاضر الزماني حسب تفسير افلاطون هو لحظة لا يعقلها العقل لتعّذر إدراكها، فهي بقاء مؤقت زائل لذا لا يكون الحاضر كائنا مدركا كمفهوم زماني. ولو أننا تماهينا مع افلاطون مع هذا التصور الزماني الميتافيزيقي الذي يبدو لنا صحيحا منطقيا، سوف نسقط في نفس الاستحالة الإدراكية في فهمنا للماضي، على ضوء فرضية أن الحاضر وهمي غير معقول وكذا نفس الحال مع المستقبل ما يجعل من تحقيب الزمان ماضيا وحاضرا ومستقبلا محض افتراضية عشوائية لا معنى لها سوى في أذهاننا فقط ولا تحمل مدلولاتها الادراكية العقلية القائمة خارج تحقيب زمني لها..

وهذا التحقيب العشوائي الزماني كقطوعات تحقيبية هي موضع شك لا يمكننا البرهنة المنطقية العقلية عليه. كون هذه السلسلة من التعاقبات الماضي والحاضر والمستقبل جميعها ترجع الى أصل المشكلة أن الزمان ليس موضوعا مدركا للعقل لا بالصفات الانفرادية ولا بالماهية...كما أن الزمان وحدة زمنية واحدة في عدم إدراكنا ماهية الزمن كموضوع مدرك فهو سرمدي أزلي لانهائي.. قطوعات الماضي والحاضر والمستقبل تعبيرات مجازية لزمن مجرد يستحيل إدراكه تجريدا منفردا دونما دلالة مكانية سواء من التاريخ أو الطبيعة.، لكن ألمدرك الحقيقي لنا أننا ندرك هذه القطوعات الثلاث ليست زمنية بل قطوعات تاريخية فقط  نعيشها في ماضيها وفي حاضرها وفي سيرورة مستقبلها.

س81: أ. مراد غريبي: ما علاقة النفس بالزمن؟ وهل هي ذاتها علاقة العقل بالزمن؟ وفي ايهما تجد الانحياز العلمي؟

ج81: أ. علي محمد اليوسف: أود الاشارة الى أن علاقة النفس بالزمن علاقة طبيعية لا يمكن الفصل بينهما، وطبيعة النفس متغير غير ثابت امام مطلق زمني ثابت لا يتغير، هذا ليس نجده على مستوى علم النفس في الادراك الشعوري واللاشعوري الدارج للزمن، وهو تعبير خاطئ صحيحه هو الشعور واللاشعور يكون في النفس وليس بالزمن. حقيقة الارباك الذي اثاره الفيلسوف العقلاني العلمي جاستون باشلار حول رومانسية المكان على أنها زمن استرجاعي إنما هو بالحقيقة تعبير مجازي عن الزمان فقد كان يقصد استرجاعات تذكر الامكنة وتاثيرها النفسي. الزمن تجريد دلالة فقط وعند استذكار الماضي انما نحن نستذكر انطباعات نفسية وليس انتقالات زمانية.

لتكن البداية من منطلق التساؤل هل يمكننا اسقاط رغائب النفس على السيرورة الحركية للزمن في الزاميه التنفيذ الاستجابي في تحقيق تلك الرغائب النفسية حتى لو حاولنا تطويع الزمن رضوخا في قبوله قطوعات النفس الساقطة عليه؟ لا نعتقد متاحا أن تكون هيمنة رغائب النفس على الزمن ممكنة التحقق. فالإسقاط الشيئي سواء كان ماديا أو موضوعا خياليا مستمدا من الذاكرة والمخيلة على الزمن يبقى يدور في حلقة هيولية مفرغة خارج مركزية الزمن المحتفظ بماهية نوعية مطلقة لا تجانس أي إسقاط مادي أو خيالي عليه.

وفي محاولة معالجة الفلسفة تطويعها الزمن لرغائب النفس هي نوع من التحليق الرومانسي (حلم يقظة) يجد في ركوب وامتطاء رغائب النفس ظهر الزمان ممكنا واردا. هذا الاسقاط الالزامي التطويعي يتوسط دائرتين دائرة النفس المنفتحة على الزمن إستذكاريا يقابلها دائرة الزمن المقفلة على نفسها ماهويا مطلقا المنفصلتين كلتاهما عن بعضهما ماهويا. فالفكر الاستذكاري ماهيته الادراك الخيالي, ودائرة الزمن المقفلة على نفسها ماهيتها المطلق غير المدرك عقليا.

من الممكن تصور أن تكون النفس زمانية ماضويا بدلالة تحقيب نفسي لازماني حقيقي لكن من المحال أن يكون الزمان مطيّة النفس في تداخل جوهري معها على صعيد المجانسة الماهوية النوعية لكليهما، ليبقى الزمن محتفظا في جوهره الماهوي المطلق في الانفصال التام عن النفس.

وتعليل هذا الالتواء القصدي إحتمال نجد تبريره في سبب لا يتوفر للإنسان صيغة اسلوبية بديلة عنه أن تعيش النفس الزمان الاستذكاري الماضي بما يحقق رغائبها من غير إسقاطها المباشر على الزمن خارج التجريد. بمعنى توضيحي زمن حوادث التاريخ الماضي هي ليست زمن التاريخ الاستذكاري له ونحن نعيش الحاضركمخيال للماضي.

في تعبير مقتصد جدا النفس هي إسقاط خيالي لحوادث تاريخية على زمان مطلق تعرف وتدرك تلك الاسقاطات بدلالته ولا يكون هو متداخلا بها منقادا لها. الزمان وعي حيادي لا يدرك ذاته ولا يدرك موضوعه بدلالة رجوعه الى ذاته. الزمان والطبيعة جوهران متلازمان ماهويا إنفصاليا لا يدركان علاقتهما بكل شيء يدركه عقل الانسان ولا يدركانه. ما يدركه العقل ليس بالضرورة يكون مدركا زمانيا أي مدركا زمانا خارج العقل، ولا يكون الزمن ايضا مدركا طبيعيا أي تدركه الطبيعة. هنا نجد مهما الإبانة التوضيحية أن ما يدركه الانسان زمانيا هو إدراك متزامن مع مكان حتما، لكن لا العقل يدرك المكان تجريدا من غير ملازمة زمانية له ولا الزمان يدرك ملازمة إدراك المكان مجردا مستقلا عن فاعلية العقل التي تحتوي الزمان والمكان معا.

س82: أ. مراد غريبي: نفهم مما ذكرتموه أن الزمان تجريد منفصل عن كل شيء مدرك سواء النفس او المادة او التحقيب الارضي او حتى الزمان الكوني وذلك بسبب الزمان لا يدرك العقل ماهيته اليس كذلك؟

ج82: أ. علي محمد اليوسف: بالضبط ما ذكرته. حين عبّرت في أسطر سابقة الزمان وعي حيادي لا يدرك ذاته ولا يدرك موضوعه إنما أردت تأكيد حقيقة أنه لا يوجد هناك إدراك زمكاني بدون إدراك العقل لمكان. ملازمة إدراك العقل زمكانيا هي خاصيّة عقلية لا يمتلكها الزمان منفردا كما لا يمتلكها المكان منفردا والأهم أنهما لا يمكن إدراكهما المتزامن زمكانيا بينهما إلا تحت سطوة العقل الادراكي فقط في تعالقهما المشترك.

أهم خاصية يمتلكها العقل ليس ماهية التفكير المجرد المنعزل ذاتيا كما ذهب له ديكارت، وإنما العقل يمتلك خاصّية الإدراك السابقة على خاصيّة توليد الافكار. لا ألادراك العقلي يتم بلا إدراك أولي شيئي أو موضوعي واقعي أو خيالي، ولا التفكير العقلي بمدركه كموضوع يتم من غير وجود مادة أو موضوع يكون هدفا قصديا للإدراك العقلي والتفكير فيه.

لكن تبقى المحصلة الزمن هو الزمن بخصائصه المنفردة التي لا يدركها العقل تجريديا كمطلق لا ماهية عقلية له يدركها العقل منفردة. والنفس هي النفس بخصائصها النوعية المتضادة كليّا مع الخاصية المطلقة للزمن. لا يمكن تحقيق محدودية الإدراك الشيئي بدلالة مطلق الزمان كخاصية نوعية. بل يمكن ذلك في إدراك ماهو محدود مكانا بدلالة ماهو ملازم له محدود زمانا ايضا. محدودية الزمان بدلالة محدودية مكانية ممكنة في تبادل الادوار من غير ما تداخل ماهوي جوهري بينهما، ولا علاقة جدلية تربطهما بل ارتباطهما هو من نوع التكامل الادراكي المعرفي للعقل فقط.2980 علي محمد اليوسف

س83: أ. مراد غريبي: يثير باشلار إشكالية أخرى "هل سينقذ المتواصل الزمني بتجريد الزمن كشكل قبلي؟ هل هذا المنهج والقول لباشلار يعني أننا على نحو ما نجوهر الزمن من تحت في فراغه وخلوّه خلافا للمنهج البرجسوني الذي يجوهر الزمان مع مرور الوقت من فوق في إمتلائه"؟

ج83: أ. علي محمد اليوسف: الزمان مطلق جوهري مجرد لا يدركه العقل لا بالصفات ولا بالماهية. وعبارة باشلار الزمن تجريد (قبلي) هي عبارة صحيحة تماما. جوهر الزمان كتجريد ماهوي سابق على جوهر الوجود كثبات مادي ومتغير بنفس الوقت. الزمان متغيّر ناتج عن حركة مكان او موجود او شيء سابق عليه. لكنه أي الزمان ليس حركة يمكن إدراكها مجردة عن المكان والاجسام والاشياء ولا يتغير وتغيراته التي نحدسها عقليا وندركها هي تغيرات مكانية يحتويها زمن ثابت لا يتغير...

الزمان جوهر ممتلئ لا ندرك إمتلائه ولا خلوّه. الزمان لا يكون خلوّا فارغا لا على صعيد التحقيب الزماني الارضي في إدراكنا موجودات الطبيعة بدلالة الزمان، ولا يكون الزمان فارغا خلوّا وهو يحتوي الكون اللانهائي ولا يحتويه الكون المادي في لانهائية الكون والمجرات، ولا يوجد قانون فيزيائي أرضي أو قانون فيزيائي على الصعيد الكوني لا يدخل فيه الزمان دلالة رمزية في معادلة علمية لا قيمة لها في إلغاء تجريد الزمان منها.

الزمان جوهر ثابت مخلوق لا يتعالق إمتلائه الافتراضي ولا خلوه بدلالة جوهرة غيره من الاشياء. لا يوجد هناك حتى على المستوى الميتافيزيقي إمتلاء زمني تحتاني يختلف أو يتكامل مع إختلاف إمتلاء زمني فوقاني. فيزيائية الزمان لا تقبل التجزئة على صعيد ماهيته الجوهرية الطلقة اللانهائية ازليا, لكنه يقبل التجزئة الافتراضية على صعيد تحقيبنا الزمان ارضيا لتوفير إمكانية ادراكنا ومعرفتنا تغيّرات الطبيعة ورصد حركة سيرورة الاشياء في العالم الارضي المحيط بنا في معرفتنا الوقت وضبط تغيرات المناخ.

الحقيقة التي تحكمنا هي أننا ندرك الموجودات مكانا بدلالة زمانيتها، في نفس وقت أننا ندرك محدودية الزمان كتحقيب وليس كمطلق بدلالة إدراكنا المكان وموجودات الطبيعة والوجود زمكانيا مشتركا متداخلا..

س84: أ. مراد غريبي: تناولت في احدى مقالاتك الفلسفية علاقة الزمن بالعدم، ما صحة هذه العلاقة وكيف يمكنك توضيحها؟

ج84: أ. علي محمد اليوسف: بضوء ما ذكرناه ربما يبرز تساؤل ما الفرق بين الزمن والعدم في حالتي الفراغ وفي حالة الامتلاء التي قال بها باشلار؟ إجابتنا تتحدد بالتالي:

الزمان يلتقي العدم في واحدية الامتلاء كليهما، فلا زمن بلا إمتلاء وجودي يحتويه ولا عدم بلا إمتلاء وجودي يفنى فيه. الزمان يحتوي الوجود كاملا، والعدم يزامن الوجود لإفنائه وليس ليحتويه فقط كما هو واقع الحال بالزمن فهو يحتوي الوجود ولكنه لا يفنيه وهذا هو الفرق الجوهري بين الزمان والعدم في تعالقهما بانطولوجيا الوجود.

الزمان يحتوي الوجود ادراكا لمعرفته، والعدم يلازم الوجود لإفنائه بالموت. لذا من أفدح الأخطاء على صعيد الفلسفة أن نعتبر الزمن مكافئا (العدم) بعلاقتهما المتباينة بالوجود، فعلاقة الزمن بالوجود هي علاقة إدراك توكيدي للوجود، بينما تكون علاقة العدم بالجود إفنائيا له. لا شيء يمكننا الدلالة على أنه يمتلك استقلالية موجودية خارج ملازمته الوجود لإفنائه وليس لتوكيده الادراكي كوجود. ومن الاخطاء الاكثر فداحة فلسفية ايضا هي إعتبارنا إمتلاء الزمان يشابه ويكافئ إمتلاء العدم. العدم لا يكون ممتلئا أبدا في جميع الحالات. فالعدم ليس فراغا احتوائيا ليمتلئ. العدم مصطلح فلسفي غير وجودي يدرك بدلالة إفنائه الاشياء والكائنات الحيّة.

الزمان والعدم كلاهما يلتقيان بخاصية أنهما لا يدركان كجوهرين متمايزين مختلفين بمعيارية الفراغ والامتلاء، ولا يمكن إدراكنا زمانا تحقيبيا ارضيا ولا كونيا فارغا بمعنى الزمان لا يتوسط إمتلائين، ونفس الشيء ينطبق على العدم في إستحالة توسيطه كفراغ لوجودين أحدهما سابق عليه والآخر لاحق عليه.

س85: أ. مراد غريبي: هل الزمان قبلي كما يشير له باشلار "ارتقاب مجرى الزمان مكتوب في الذاكرة وقبلية الزمان لا تظهر إلا لاحقا كضرورة منطقية "؟

ج85: أ. علي محمد اليوسف: قبل الدخول في مناقشة باشلار اود تثبيت ما يلي:

- الزمان جوهر كيفي ثابت لا يمكن التلاعب في ماهيته غير المدركة للإنسان. بمعنى الزمان جوهر غير متعالق مع رغبة الانسان النفسية مطلقا، ولا يوجد هناك قدرة انسانية يمكنها التحكم بالزمان في أي شكل من الاشكال بسبب إنعدام المجانسة الماهوية بين الزمان وبين كل شيء موجود يتعالق مع الزمان إدراكيا بدلالته فقط.

- الزمان جوهر غير ديالكتيكي وهذه حقيقته الانفصالية المطلقة عن الاشياء خارج علاقته إدراك الاشياء وليس التداخل الجدلي الديالكتيكي معها. الزمن تجريد يلازم مدركاتنا لكنه لا يكون جزءا تكوينيا منها.

- الزمان وحدة كليّة وجوهر ماهوي مطلق تجريديا لا يمكن تجزئة الزمان ولا تحديده ويقول ارسطو في عبارة رائعة (لا يمكننا حد الزمان بزمان) فأنت عندما تريد محدودية زمانية يتوجب عليك أن يتوفر لديك زمان آخر يمتلك ماهية زمانية مغايرة أخرى تحّد بها زمانا لا يشاركه المجانسة الماهوية النوعية وهو محال فالزمن جوهر واحد في مجانسة ماهوية واحدة. وما يحكم العالم والانسان والطبيعة والكون زمان واحد يمتلك كيفية ماهوية واحدة لا تنقسم على نفسها ولا تتجزأ ولا يمكن حدها بحدود.

س86: أ. مراد غريبي: قلت وردت في عبارة ارسطو (الرائعة) ان الزمان لا يحده زمان, فهل ترى إمكانية حد الزمان بالمادة؟

ج86: أ. علي محمد اليوسف: السؤال هل من الممكن حد الزمان بالمادة؟

كتحقيب أرضي وليس كمطلق ازلي زماني؟ ايضا هنا الجواب في منتهى الإحراج. الزمان يدرك بحسب مقدار حركة الاجسام داخله على الارض. لذا فالزمان من خواصه أنه يتمدد ويتقلص وهو ما ذهب له انشتاين في النسبية العامة 1915. كما هي خاصيّة المادة لكن من غير فقدانه لماهيته الزمانية المطلقة الكلية الواحدة التي لا يمكننا ادراكها بغير دلالة حركة جسم يحتويه الزمان. فالزمان الفضائي الكوني ندركه بدلالة جسم منطلق لنفترض صاروخا، بكتلة وحجم معينين وبسرعة الانطلاق وكذلك كوابح الاحتكاك بالفضاء.

إننا نستطيع تحديد الزمان بحركة الاجسام داخله في توازن ماهوي جوهري لهما متصلان في دلالة أحدهما ندرك الآخر، ولكنهما منفصلان بالخصائص الذاتية المختلفة بين الزمان والاجسام التي يحتويها. لا الجسم يفقد خصائصه في حركته داخل الزمان ولا الزمان يفقد خصائصه الماهوية كزمن لا يمكن إدراكه إلا بدلالة حركة غيره ماديا.

الزمان قبلي على الإدراك بعدي على الوجود، علما أن الوحدة الزمانية لماهيّة الزمان لا تتغير في الحالتين. كون الزمان جوهر لا يقبل التجزئة والانقسام لا على نفسه ولا بعلاقته بموجود مدرك بحركته داخل الزمن.

المشكلة الميتافيزيقية التي أثارها سبينوزا هي في إعتباره الطبيعة مخلوق قبلي على بعدية الزمان، فالوجود والطبيعة أولا والزمان ثانيا. سبينوزا من المدهش حقا إنطلاقه تحت تأثير لاهوتي أن الخالق خلق المكان والمقصود بها الطبيعة بنظام ثابت في قوانينه الفيزيائية التي تحكمه، والطبيعة بنظامها هذا هي التي أسبغت على عشوائية الزمان نظامه. لذا إعتبر سبينوزا إدراكنا الوجود والزمان إنما يتم بدلالة ازلية الجوهر الاعجازي بنظامه الذي هو الله.

لما كان الانسان يدرك ويحّس الزمان بخلاف الحيوان الذي لا يدرك ذاته ولا يدرك نظام الطبيعة والأهم أنه لا يدرك الزمان. لذا نجد الحيوان متكيّفا إنقياديا سلبيا ذاتيا مع الطبيعة في إدامة حياته يعيش ليأكل، في حين العلاقة التكيّفية عند الانسان مع الطبيعة لا تقوم على الانقياد لها من دون وعي منها. فالطبيعة لا تعقل نفسها من جهة ولا تعقل وجود الانسان من جهة أخرى. بخلاف العقل يدرك ذاته والطبيعة معا.

س87: أ. مراد غريبي: يعبر برجسون قائلا " أن امتلاء المادة للزمان هو الاكثر كثافة من إمتلاء المادة للمكان، وما تزال المادة تملأ الزمان بشكل مؤكد أكثر مما تملأ المادة المكان".

ج87: أ. علي محمد اليوسف: من المعروف جيدا أن كل إمتلاء مكاني هو في نفس اللحظة من الحين والوقت يكون إمتلاءا زمانيا، وإدراك الإمتلاء لا يخضع لتعاقب تسلسلي في الأسبقية لتعذر إمكانية معرفة فصل إمتلاء المكان بمعزل عن إمتلاء الزمان. إدراك أي شيء لا يتم وفق تراتيبية أسبقية بين إدراك المكان عن إدراك الزمان. وعندما يفصل برجسون الادراك في الإمتلاء بين المكان والزمان كلا على انفراد حسب مرجعية الإمتلاء، فهذا الفصل ميتافيزيقي وهمي تصعب البرهنة على حدوثه وإمكانية تحققه سوى في تصور فلسفي ميتافيزيقي غير علمي.

ومن البديهيات التي لا تحتاج نقاشا هي حضور المادة زمانيا في إحتواء الزمان الطبيعة أكثر كثافة من محدودية المكان في إحتوائه الامتلائي للاشياء. ولا ينتج عن كل هذه المداخلة البينية ما يستوجب الايهام أن برجسون وباشلار يناقشان قضية عالقة من مباحث الفلسفة جديرة بأهمية الامتلاء الزماني بالمقارنة مع الإمتلاء المكاني. فهما يتناقشان ميتافيزيقيا.

هل من المتاح تصور أن كلا من الزمان والمكان حيّزان فارغان لإستيعابهما إمتلاء المادة لهما.؟ المادة وجود زمكاني مدرك مستقلا ولا يحتاج إمتلاء فراغات زمانية أكثر منها إمتلاء فراغات مكانية. ما هو أبسط تعريف للمادة هي كل شيء يشغل حيّزا من الفراغ، والمقصود بالفراغ هنا الحيّز المحدود الذي يناسب موضعة المادة أو الشيء فيه بشكل ادراكي انطولوجي معيّن، لذا الفراغ المكاني لا يسبق المادة في موضعتها المكانية، وكذا المادة موجود مكاني يسبق إدراك الزمن له. لا يوجد وعائين فارغين زماني - مكاني لاستيعاب إمتلاء المادة بهما الا في تفكير باشلار الميتافيزيقي فيلسوف النزعة العقلانية العلمية.

س88: أ. مراد غريبي: كيف تفسرون لنا مقولة جاستون باشلار في محاججته النقاشية المتماهية مع برجسون حول اقتران فكرة التواصل الزمني بفكرة التعاقب؟

ج88: أ. علي محمد اليوسف: يؤكد باشلار في معرض محاججته النقاشية المتماهية مع برجسون إقتران فكرة (التواصل) بفكرة (التعاقب) وبنظري هو إقتران مجاني لا برهان عليه. يتجاوز دائما وفي كل مجال الاختبار الطبيعي والنفساني على حد سواء.

في كل أشكال الوعي الادراكي يكون الفكر تواصل تعاقبي مجاني طبيعي، بمعنى التواصل هو الطبيعي البدهي الذي لا يحتاج البرهنة على صدقيته الخاصية في التتابع. الوعي كما المحنا له سابقا هو سيرورة الفكر نحو هدف قصدي يرسمه الوعي والفكر في ملازمة من التواصل التعاقبي مع العالم.

الفكر هو مضمون الوعي الذي يأخذ شكل تعبير اللغة عن نفسه. ولا يمكن إعتبار الوعي الذاتي هو محطة إستراحة، يكون الفكر الملازم لها سيرورة فكرية قائمة لوحدها. السيرورة الفكرية هي مزامنة لكل أشكال الوعي. وليس من الممكن فرز تزامني في هذه السيرورة المتعالقة بينهما. زمن الفكر هو زمن الوعي الذي هو زمن إدراكي لكل موجود. وفي غياب الموجودية المادية للاشياء لا يبقى هناك وعيا فكريا يحققه تجريد الزمن.

ويثير باشلار إشكالية أخرى " هل سينقذ المتواصل الزمني بتجريد الزمن كشكل قبلي؟ أن هذا المنهج والقول لباشلار يعني أننا على نحو ما نجوهر الزمن من تحت في فراغه وخلوّه خلافا للمنهج البرجسوني الذي يجوهر الزمان مع مرور الوقت من فوق في إمتلائه".

الزمان مطلق جوهري مجرد لا يدركه العقل لا بالصفات ولا بالماهية. وعبارة باشلار الزمن تجريد (قبلي) هي عبارة صحيحة تماما. جوهر الزمان كتجريد ماهوي سابق على جوهر الوجود كثبات مادي. ولو ان فيلسوفا مثل اسبينوزا ينكر اسبقية الجوهر والزمان على الطبيعة.

الزمان جوهر ممتلئ لا ندرك إمتلائه ولانتأكد خلوّه. الزمان لا يكون خلوّا فارغا لا على صعيد التحقيب الزماني الارضي في إدراكنا موجودات الطبيعة بدلالة الزمان، ولا يكون الزمان فارغا خلوّا وهو يحتوي الكون اللانهائي ولا يحتويه الكون المادي، ولا يوجد قانون فيزيائي أرضي أو قانون فيزيائي على الصعيد الكوني لا يدخل فيه الزمان كمعادلة علمية فيزيائية لا قيمة لها في إلغاء تجريد الزمان منها.

الزمان جوهر ثابت مخلوق لا يتعالق إمتلائه الافتراضي ولا خلوه بدلالة جوهرة غيره من الاشياء. لا يوجد هناك حتى على المستوى الميتافيزيقي إمتلاء زمني تحتاني يختلف أو يتكامل مع إختلاف إمتلاء زمني فوقاني. فيزيائية الزمان لا تقبل التجزئة على صعيد ماهيته الجوهرية لكنه يقبل التجزئة الافتراضية على صعيد تحقيبنا الزمان ارضيا لتوفير إمكانية ادراكنا ومعرفتنا تغيّرات الطبيعة ورصد حركة سيرورة الاشياء في العالم الارضي المحيط بنا في معرفتنا الوقت وضبط تغيرات المناخ وتعاقب الوقت بدءا من الثانية وصولا للفصول الاربعة.

الحقيقة التي تحكمنا هي أننا ندرك الموجودات مكانا بدلالة زمانيتها، في نفس وقت أننا ندرك محدودية الزمان كتحقيب وليس كمطلق بدلالة إدراكنا المكان وموجودات الطبيعة والوجود زمكانيا مشتركا متداخلا..

س89: أ. مراد غريبي: هل الزمان قبلي على المكان (الطبيعة) ام هو بعدي عليها؟

ج89: أ. علي محمد اليوسف: الزمان جوهر كيفي ثابت لا يمكن التلاعب في ماهيته غير المدركة للإنسان. بمعنى الزمان جوهر غير متعالق مع رغبة الانسان كيف يريد أن يكون الزمان مطلقا، ولا يوجد هناك قدرة انسانية يمكنها التحكم بالزمان في أي شكل من الاشكال لسبب إنعدام المجانسة الماهوية بين الزمان وبين كل شيء موجود يتعالق مع الزمان إدراكيا فقط. الزمان جوهر لمطلق ازلي لا يدرك العقل ماهيته الحقيقية.

والزمان جوهر محايد في ملازمته الموجودات غير ديالكتيكي وهذه حقيقته الانفصالية المطلقة عن الاشياء خارج علاقته إدراك الاشياء وليس التداخل الجدلي الديالكتيكي معها.

الزمان وحدة كليّة وجوهر ماهوي مطلق تجريديا لا يمكن تجزئة الزمان ولا تحديده واكرر مقولة ارسطو في عبارة رائعة (لا يمكننا حد الزمان بزمان) فأنت عندما تريد محدودية زمانية يتوجب عليك أن يتوفر لديك زمان آخر يمتلك ماهية زمانية مغايرة أخرى تحّد بها زمانا لا يشاركه المجانسة الماهوية النوعية وهو محال فالزمن جوهر واحد في مجانسة ماهوية واحدة. وما يحكم العالم والانسان والطبيعة والكون زمان واحد يمتلك كيفية ماهوية واحدة لا تنقسم على نفسها ولا تتجزأ ولا يمكن حدها.

إننا نستطيع تحديد الزمان بحركة الاجسام داخله في توازن ماهوي جوهري لهما متصلان في دلالة أحدهما إدراك الآخر، ومنفصلان بالخصائص الذاتية المختلفة بين الزمان والاجسام التي يحتويها. لا الجسم يفقد خصائصه في حركته داخل الزمان ولا الزمان يفقد خصائصه الماهوية كزمن لا يمكن إدراكه إلا بدلالة حركة غيره ماديا. ارسطو ايضا كان رائعا في مقولته الاخرى الزمان هو مقدار (حركة) جسم لكنه ليس (حركة).

الزمان قبلي على الإدراك بعدي على الوجود، علما أن الوحدة الزمانية لماهيّة الزمان لا تتغير في الحالتين. كون الزمان جوهرا لا يقبل التجزئة والانقسام لا على نفسه ولا بعلاقته بموجود مدرك بحركته داخل الزمن.

المشكلة الميتافيزيقية التي أثارها سبينوزا هي في إعتباره الطبيعة مخلوق قبلي منظم على بعدية عشوائية الزمان غير المنظم، فالوجود أولا والزمان ثانيا وهذا مبدأ جوهر الوجودية.. سبينوزا من المدهش حقا إنطلاقه تحت تأثير لاهوتي أن الخالق خلق المكان والمقصود بها الطبيعة بنظام ثابت في قوانينه الفيزيائية التي تحكمه، والطبيعة بنظامها هذا هي التي أسبغت على عشوائية الزمان نظامه. لذا إعتبر سبينوزا إدراكنا الوجود والزمان إنما يتم بدلالة ازلية الجوهر الذي هو الله. اسبينوزا اعتبر الجوهر وحدة كلية مطلقة لا يمكن ادراكه كما هو الزمان مطلق وحدة كلية ازلية لا يمكن ادراكه.

لما كان الانسان يدرك ويحّس الزمان بخلاف الحيوان الذي لا يدرك ذاته ولا يدرك نظام الطبيعة والأهم أنه لا يدرك الزمان. لذا نجد الحيوان متكيّفا إنقياديا سلبيا ذاتيا مع الطبيعة في إدامة حياته يعيش ليأكل، في حين العلاقة التكيّفية عند الانسان مع الطبيعة لا تقوم على الانقياد لها من دون وعي منها. فالطبيعة لا تعقل نفسها من جهة ولا تعقل وجود الانسان من جهة أخرى.2916 علي اليوسف ومراد غريبي

س90: أ. مراد غريبي: جاستون باشلار فيلسوف توفيقي على صعيد تفكيره الفلسفي المتأخر المختلف عن بداياته الفلسفية العلمية في مؤلفاته الأولى، يسعى باشلار في مؤلفه (جدلية الزمن) الوصول الى دمج (الذات، النفس، الزمان) بتوليفة منطقية فلسفية يحاول فيها تطويع كل ما يمكننا تصوره واستذكاره نفسيا يكون صالحا لإدراك العقل له بما يلغي الحدود الفاصلة بين الذات والنفس والزمان أنطولوجيا - ميتافيزيقيا. ما تعليقكم على ذلك؟

ج90: أ. علي محمد اليوسف: حين يصبح الزمان عند باشلار موضعة ادراكية للذات معّبر عن تجلياتها النفسية الرومانسية المحدودة بحدود مواضيعها يكون حينها الزمان أصبح خارج مطلقه الميتافيزيقي ليكون مدركا محدودا يتمثّله العقل، وقتها ايضا لا نجد أدنى غرابة في إعتبار باشلار تأملات النفس حول ما يطلق عليه حتمية إندثار الانسان بالموت، التي عادة ما تنفر النفس من مواجهة هذه الحقيقة البايولوجية المرعبة من هول الصدمة عليها، كما ينفر الجواد من رؤيته جثة حصان فارق الحياة مطروحا ارضا على حد توصيف باشلار.

باشلار يتقبّل فكرة أن ينفصل الانسان عن ذاته خارج وعيه لذاته وموضوعه معا، لكنه من غير المتاح أمامه تقبله تصّور أن الزمن يقوده نحو حتمية الإندثار العدمي بإفنائه البايولوجي كاملا جسدا ونفسا وعقلا. الزمن لا يفني الانسان بل يلازمه طيلة حياته. الذي يفني الانسان هو الموت وليس الزمان.

عبارة باشلار بالسؤال تحمل الكثير من الملابسات في إمكانية الانسان الانفصال عن ذاته، حيث لا يمكن أن تكون حقيقة مقبولة إلا في حال توفر أكثر من إشتراطين لا يتوفران إلا في حال جعل وعي الذات وعيا ميتافيزيقيا لا تحده انطولوجيا الوجود الادراكي وهو محال للاستحالات الادراكية التالية:

- أن يتوقف العقل عن وعيه لذاته.

- أن يتوقف العقل عن التفكير التجريدي بموضوع مادي أو خيالي.

- أن يتوقف العقل عبر منظومته الحسيّة الادراكية عن وعي الوجود من حوله..

إن محاولة باشلار نقل الانسان من حتمية زمانية إندثاره بالموت الى واقعية التعامل مع الزمان كمحتوى تذكاري لمخزون رومانسي بالذاكرة إبتهاجي بالحياة التي لا نجدها في حاضرنا ولا في مستقبلنا بل في ماضينا فقط.

س91: أ. مراد غريبي: هل تجدون باشلار في كتابه (زمن الجدل) يؤمن بجدل يجمع مفردات النفس والمكان والزمان والوجود والعدم في توليفة واحدة قابلة للتحقق؟

ج91: أ. علي محمد اليوسف: ارى قضايا الفلسفة فضاء وافق غير محدود لكن تبقى العبرة في تحقق المحدودات منها. باشلار فيلسوف اراد تطويع الفلسفة وعلم النفس في تحققه جمالية المكان المؤثر بالفكر الاستذكاري الذي يرى روعة الماضي في رومانسية حلم اليقظة بالحاضر الذي يجده كئيبا.

حتى جمالية المكان القديم التي نتذوق استذكاراتها نفسيا بكل نشوة وغبطة وانتعاش رومانسي لذيذ إنما السبب في ذلك هو العودة للماضي كتاريخ بدلالة زمنه الماضي المتموضع فيه وليس العودة الى زمن ماض جديد نتعرف عليه لأول مرة تخلقه الرغبة النفسية في الاستذكار لحوادث الماضي. عبر إستذكارات المخيّلة في عبورها حاجز الحاضر المقلق المرعب نحو الماضي البهيج المفرح.

هنا ربما أستبق الامور القول أن العودة الاستذكارية نحو الماضي هي عودة (تاريخية) استذكارية وليست عودة (زمانية). لاحقا أوضّح هذه الاشكالية الفلسفية. الانسان أمام هذه الحالة في جعل ماهو مادي يتداخل مع ماهو ميتافيزيقي يدركهما العقل معا في تداخلهما إنما يكون دافعها هو إرادة الهروب الى أمام في محاولة خروج الانسان على حتمية مسار الزمان الانحداري الهابط به نحو الاندثار النهائي بالموت، في لجوئه إبتداع زمانا إستذكاريا تجريديا ليس مطلقا في وحدته الوجودية التي تختلط فيها الالام والاحزان في تذويبها بمصهر التفاؤل والامل بالسعادة الخادعة نفسيا. لذا يطلق باشلار على هذه الحالة النفسية التي تحاول النفس تطويع مسار التاريخ المتّعثر الى ما اسماه "سلسلة من القطوعات الزمانية" حسب تعبيره.

وفي حقيقتها هي قطوعات استذكارية نفسية لا علاقة إرتجاعية لها في ملازمة الزمان الحاضر لها نحو إستذكار زمن ماض وقع بحوادثه ووقائعه وليس رغبة إكتشاف الزمان الماضي كزمن خالص. هو غير الزمان الماضي الذي يحتوي تاريخية وقائع وأحداث جرت فيه فأصبحت جزءا من تاريخ ماض ثابت مدوّن زمانيا..

فالزمان لا يعود الى الوراء في مطلق التجريد كماهية غير مدركة بل يعود الى الوراء (الماضي) كتحقيب تاريخي غير تابع لزمن يقوده بل لزمن يسترشد به كتاريخ.

حين نغادر الزمن كمفهوم ميتافيزيقي مطلق ازلي لا يدرك مجردا إلا بدلالة حركة مكانية لأجسام يحتويها عندها يمكننا التسليم أن الزمان تسوده قطوعات هي في منطق علم الفيزياء عارية عن الصحة تماما. فالزمان التجريدي عن موضوعاته المكانية الادراكية لن يكون لمحدودية العقل قابلية إدراكه زمنا مجردا عن ملازمة أشيائه والتعريف بها. الزمن يجهله العقل ماهويا كما ولا يمكن للعقل جعل الزمن موضوعا تجريديا لإدراكه.

الشيء الأهم أن الزمان على الارض وفي الكون يمتلك خاصيّة ماهوية واحدة هي أنه وحدة من جوهر أزلي يحكمنا نحن والطبيعة ولا نقوى على إدراكه ومعرفته الا بدلالة غيره من حركة أجسام أو مواد تداخله في انفصالية ماهوية.

س92: أ. مراد غريبي: ما هو تأثير علاقة النفس والذات بالزمن؟ وما هو توضيحكم لقطوعات الزمن؟ هل هي قطوعات نفسية أم زمنية؟

ج92: أ. علي محمد اليوسف: من البديهيات التي نتمنى القفز من فوقها عبثا هي أن الارادة الانسانية ورغائب النفس لا تتأثر بمسار الزمن في مطلقيته الحتمية الحركية المتجهة دوما نحو الامام المستقبلي الذي هو إقتراب لا إرادي نسلكه في السير نحو الفناء وليس الحصول على التجديد في الحياة السعيدة بوفرة المتعة واللذة التي تزودنا بها المخيلة في إستذكار حوادث الماضي ونحن نتجه الى المستقبل..

الادراك النفسي العقلي يتوقف تماما أمام استحالة معرفة ماهية الزمن وكيفية إدراكها مجردة عن الحركة المادية للاشياء حتى لو تيّسر لنا ذلك على مستوى الصفات للزمان فقط. فصفات الزمان تعرف بدلالة غيره في مقدار حركة الاجسام فيه. والزمن وحدة قياس حركة الاجسام المادية داخله لكن الزمن ليس حركة مجرّدة نستطيع إدراكها لوحدها...

لذا فالزمان الذي تنتابه القطوعات المتعاقبة وحتى القفزات النوعية فيه إنما هي في حقيقتها تمّثل إنعكاسات نتائجية هي حاصل تفاعل جدلية وجودنا مع مدركاتنا المادية في الطبيعة والعالم الخارجي التي نتعايش معها وليست حصيلة فاعلية إرادة إنسانية أو رغبة نفسية ينفذّها الزمان إستجابة لنا. الزمان جوهر محايد مهمته الدلالة الادراكية العقلية لموجودات العالم فقط.

س93: أ. مراد غريبي: ذكرتم أن الزمن محايد، مهمته الدلالة الادراكية فهل يدخل الزمن بعلاقة جدلية مع مدركات العقل انطولوجيا؟

ج93: أ. علي محمد اليوسف: الزمان جوهر ماهوي محايد لا يحكمه الجدل الديالكتيكي بعلاقته بمدركاتنا الموجودية في عالمنا الطبيعي المادي. الزمان جوهر تكاملي معرفي مع المدرك المكاني وليس جدلا ديالكتيكيا معه. وحين نعتبر الزمان في تعسف خاطئ أنه جدلي ديالكتيكي في تداخله الإدراكي مع الاشياء والنفس والذات وغيرها فهو بالمحصلة هراء لا قيمة له، هذا الخطأ يعني أننا نجعل من الزمان مدركا متموضعا بالذات مجردا يعيه العقل تجريدا حتى من غير تعالقه بالمكان وهو كما مر بنا توضيحه محال التحقق.

إدراكنا المكان لا يكون مجردا عن زمانيته الإدراكية كما نتوهم، لذا إعتبر كانط ما ندركه مكانا هو ما ندركه زمانا بنفس الوقت، ولا إنفكاك يحكم الإدراكين المكاني والزماني. وهو الشيء الصحيح فلا وجود لإدراك مكاني مجردا عن زمانيته، كما لا وجود لإدراك زماني مجردا عن مكانيته في الموجودات والطبيعة من حولنا. ولا اسبقية تفرق بينهما.

الزمان في مساره الذي يبدو لنا مسارا مجرّدا من ماديته هو مسار متّعثر بمحتواه الوجودي المدرك ذاتيا، ما يجعله مستقلا متّحكما بنا لا نتحكم نحن به، رغم إعترافنا المسبق أن الزمان يتعامل مع المادة إدراكا محايدا وليس تداخلا تموضعيا تكوينيا ماديا أو مادي جدلي معها وكذا مع العديد من مسارات الحياة. علاقة الزمن بادراك الاشياء هي علاقة ابستمولوجية.

ولتوضيح هذه النقطة نقول مثلما يكون تموضع إدراك الذات للاشياء لا يفقدها إستقلاليتها عن مدركاتها، كذلك يكون معنا نفس الشيء حينما يتموضع الزمان إدراكيا في العديد من الامكنة فهو أي الزمان يبقى محتفظا بإنفصالية مستقلة عن مدركاته ولا يخسر في موضعته شيئا من تلك الخصائص التي يمتاز بها وحده. التموضع الزماني في الاشياء هو إدراك لها وليس تداخل إندماجي عضوي بها. ولا تداخل معرفي او جدلي معها.

لذا تكون إنعكاسات النفس الواعية تماما هي التي تضفي على إستقلالية الزمان المحايدة الكثير من الأحكام التي تشرعنها النفس هي وتحاول فرضها زمنيا. فمثلا الملل من طول وقت إنتظارنا لمجيء شخص ما في وقت محدد، ليست هي خاصّية زمانية سببية بل هي خاصية نفسية نستشعرها لا علاقة للزمان بها. تعبيرات النفس ليس سببها الزمن الذي تمر به ولا علاقة تربطها بالزمن خارج اولوية ارتباطها بالذات.

س94: أ. مراد غريبي: كيف تعامل فلاسفة اليونان القدماء مع التحقيب الزمني ماض وحاضر ومستقبل؟ ولماذا اعتبروا الزمن الحاضر وهما زائفا غير حقيقي كما سبق لك وذكرته؟

ج94: أ. علي محمد اليوسف: يذهب معظم فلاسفة اليونان القدماء منهم الرواقيين يتقدمهم هيراقليطس وبارمنيدس انهم يعتبرون الحاضر هو آنية لازمانية غير مدركة ولا وجود لها كتحقيب زماني يتوزعه الزمان الماضي والحاضر والمستقبل.

هذا الفهم قال به بارمنيدس وأيده افلاطون وارسطو أذ نجده يقول" الآن – يقصد لحظة الحاضر - هو نقطة ابتداء تغييرين متعاكسين، - يقصد بهما شد الماضي للحاضر لموضعته وتذويته به من جهة، وشد المستقبل المعاكس للماضي في محاولته تذويت الحاضر له وإدغامه به من جهة أخرى، علما أن الحاضر لا يحتاج البرهنة على أنه مستقبل حركي غير منظور في حاضر متحرك يحدس زمانا. – وذلك والكلام لبارمنيدس التغيير لا يصدر عن السكون. كما أن النقلة – يقصد النقلة الزمانية - لا تبدأ من الحركة التي لا تزال متحركة، وهذه الطبيعة الغريبة للآن (الحاضر) قائمة في الفترة ما بين الحركة والسكون لذا فهي خارجة عن كل زمان.

بداية طالما كانت الحركة والتغيير هما سمتا وصفتا كل موجود بالعالم منذ هيراقليطس، فأن حركة الحاضر غير المتعينة كقطوعة زمنية لا ادراكية، إنما تنسحب على كل شيء يحكمه التغيير وعدم السكون وفي المقدمة يكون دلالة الماضي بمقايسته بالحاضر الذي لا وجود زماني له فهو بفهم بارمنيدس الماضي حركة لازمنية يحكمها زمان متحرك وليست سكونا زمانيا مدركا، لأن حركة الماضي تعاكس المستقبل الذي يحاول تذويت الحاضر به.

وطالما النقلة الحركية لا تبدأ من حركة كما في تعبير بارمنيدس، فهذا يلزم عنه أن يكون الحاضر هو سكون يمكن ادراكه وهو إستنتاج لا يقبله العقل قبل الفلسفة بدلالة الزمان مفهوم كلّي لامتناهي ليس له صفات ادراكية مستقلة ثابتة ونسبية به وليس له ماهية يمكن ادراكها. والآنية الحاضرة إدراك زماني بدلالة حركة الاجسام والموجودات في الطبيعة وليس زمانا في معيار الادراك المادي المكاني الساكن لها..

لأن الحاضر قطوعة زمنية تحقيبية من زمن مطلق لانهائي لا تحده حدود ولا يتقبل التحقيب المحال زمانا في تحديده كمدرك لانهائي سرمدي ازلي. وهذا المعيار لا يستثني الماضي كزمان وليس انثروبولوجية تاريخية في الماضي ولا يستثني المستقبل بدلالة كونهما قطوعات زمنية وتحقيب تاريخي متحرك ايضا لا يمكن ادراكه كونه يتسم بالحركة التي لا يمكن رصدها وتعيينها بغير دلالة حركة جسم مادي يتحرك في الحاضر. هنا يتوجب علينا الانتباه في التفريق بين قولنا الماضي كتاريخ انثروبولوجي عاشه الانسان كزمن انتهى أصبح ثابتا فهو يتسم بالسكون أكثر من الحركة، بخلاف فهم أن يكون التاريخ زمانيا حركة لها تأثير مباشر في كل من الحاضر والمستقبل.

الماضي كزمن هو دلالة فهمنا الحاضر وفهمنا الماضي هو بدلالة الحاضر له. التحقيب الزماني ماض وحاضر ومستقبل هو دلالة إدراك الزمن الارضي وليس الزمان الكوني. الزمان الارضي المرتبط بحركة الاجسام وحركة الارض والقمر، يختلف عن الزمان الكوني باعتباره لا مدرك ازلي سرمدي ولا يقبل التجزئة والتحقيب كما هو الزمان الارضي.

وفي حال ذهبنا مع بارمنيدس اعتباره الحاضر الزماني لحظة تتوسط الحركة والسكون للماضي والمستقبل ولكنه أي الحاضر لا يمتلك حركة ولا سكونا ويتعذر رصده ادراكا زمانيا لذا فهو نقلة وهمية، فهذا يعني أن الحاضر وجود وهمي كلحظة تحقيب زماني زائلة، وأهم ميزة لقطوعات تحقيب الزمان هو أن الزمان كلية ازلية سرمدية جوهرية تحكم كل شيء بالوجود وهو غير مدرك لا بالصفات ولا بالماهية. أي أن زمان الماضي وزمان الحاضر وزمان المستقبل ثلاثتها تعبيرات عن قطوعات زمنية تحقيبية ارضية لا يمكن ادراكها كمفاهيم ولا كمواضيع مستقلة بدلالة عدم امكانية ادراكنا الزمان كمطلق ازلي ليس له حدود ولانهائي. باستثناء اننا ندرك هذه القطوعات الزمانية الارضية واختلافاتها بدلالة حركة الارض حول نفسها وحول الشمس وحركة القمر والكواكب الاخرى وقبل كل هذا حركة الاجسام والمدركات في الطبيعة وفي الحياة التي نعيشها التي بدلالتها جميعا ندرك الزمان في تحقيبه الزماني لا في تحقيبه الوقائعي تاريخيا كحوادث يلازمها زمن حدوثها الذي يجعل من حضورها الآني ماضيا ... الحقيقة التي تجعل الفلاسفة يعتبرون الحاضر وهم زماني غي موجود هو لأنه ماض ومستقبل ولا يمثل نفسه زمانا حاضرا يدرك لوحده. حركة التاريخ ماض لا يدرك بغير دلالة زمانية، في حين يكون الزمان يدرك من غير دلالة تاريخية تؤطره والسبب ان الزمان مفهوم مطلق والتاريخ مصطلح يدرك بوجوده التحقيبي زمانيا على الارض.

س95: أ. مراد غريبي: كيف ترون علاقة الذاكرة بالخيال والزمان؟

ج95: أ. علي محمد اليوسف: للإجابة على هذا التساؤل لا بد لنا من فك الاشتباك بين الذاكرة مع الخيال وعلاقة الاثنين مع الزمان:

1- الذاكرة هي مستودع ما تختزنه الذات من تجارب الحياة على شكل تراكم خبرة يصيبها النسيان.

2- الخيال ليس مصدره الذاكرة بل مصدره المخيلة التي تبتدع الخيال بلغة التعبير عنه تجريديا بالفكر واللغة.

الزمان في علاقته بكل من الذاكرة ومن الخيال أوضحه بالتالي:

الذاكرة هي وسيلة التعامل مع الزمن الماضي كإستذكارات لحقائق تاريخية حدثت فيه، واخذت صفة الثبات كوقائع تاريخية وليست زمنية، رغم استحالة الذاكرة استذكار وقائع التاريخ من دون ملازمة زمنية ادراكية محايدة لها. هناك فرق كبير بين زمن الذاكرة الذي هو استمرار تداعيات التذكر لأحداث الماضي, وبين الزمان التاريخي الذي حدثت فيه وقائع ذلك التاريخ الذي تحاول الذاكرة استحضاره من ماضيه التاريخي الى زمانيتها في الحاضر الذي تعيشه الذاكرة.

اذا تساءلنا لماذا يكون استذكار الذاكرة لتاريخ الماضي ناقصا ولا يتطابق تماما مع تداعيات الذاكرة؟ الجواب هو ان الذاكرة مخزن تراكم خبرة زمنية تتآكل يطالها النسيان. لذا ليس كافيا الاعتماد على الذاكرة في دراسة وقائع التاريخ زمانيا من غير الاعتماد على الكشوفات الاثرية والتنقيبات الحفرية ومقاربة معرفة زمن حدوث تلك الوقائع تماما. ومنذ زمن ليس بعيدا وجد المؤرخين (علما) في دراسة التاريخ و(علما) في دراسة الاديان وهكذا، أي أن النظريات تصنع التاريخ واللاهوت يصنع الاديان اصبحت منهجا منتهي زمن صلاحيته.

اما عن الخيال فهو زمانية مرتبطة بالمخيلة في استحضاره ولا علاقة موجودة بينه وبين الذاكرة. المخيلة متحررة تماما من سطوة الزمن عليها في تسييرها فعلاقة الزمن بالخيال علاقة محايدة. ومتى ما تموضعت الخيالات في فكر تعبيري تفصح عنه اللغة، تكون فاعلية الزمن عليه محكمة تماما. فالخيال هو تصورات يمتزج احيانا فيها الشعور باللاشعور في انتاجية يرغبها تفكير العقل. وفي تعبير دقيق لفرويد قوله: " اللاشعور لا يحتاج الزمن" لأن خاصية افكار اللاشعور لا يحدها الزمان العقلي. الذي ترتبط به المخيلة لكن ليس على حساب تحررها من سطوة الزمان العقلي عليها في حدّها وتعيين مسارها في تعبير اللغة عن الخيال. ربما تبدو العبارة غير محكمة حين نقول الخيال لا زماني لكن الحقيقة تؤكد ذلك.

س96: أ. مراد غريبي: ما صحة عبارة ارسطو أن الزمان ليس حركة، وما هو توضيحكم لعبارة ارسطو (الزمان لا يحده زمانا)؟

ج96: أ. علي محمد اليوسف: أعتقد استاذ مراد سبق لنا توضيح هذه المسالة ولأهميتها الاستثنائية التي اكدها سؤالك اعود لمراجعة التوضيح الذي يستحقه السؤال.

المعتقد الذي لم يفارق ارسطو هو في اعتباره الزمان هو مقدار حركة الشيء وليس الزمان حركة. يعود الى برهنة نظريته هذه بمقولته العبقرية (الزمان لا يحد بالزمان)، وهي مقولة صائبة صحيحة مئة بالمئة. ويذهب الى وجوب التفريق بين حركة الجسم وبين زمانية مقدار تلك الحركة، بقوله إن حركة الشيء داخل الزمان، هي سرعة بطيئة وسرعة سريعة وكلتاهما خارج الزمان الذي يحتوي الجسم او الشيء، معتبرا الزمان هو رتابة من الانتظام الثابت الذي لا يتغير، بينما يكون الجسم او الشيء داخله هو حركة لا منتظمة ولا تعاقبية رتيبة وبذا يرسي ارسطو مفهوم أن الزمن ليس ما يدركه العقل مستقلا بدلالة حركة الجسم التي سبق وقالها كون الزمان لا تدرك زمانيته بخلاف الاشياء التي ندرك زمانيتها بدلالة حركتها داخل الزمن.

بعبارة ثانية أوضح: اراد ارسطو القول أن الزمان ازلي سرمدي وهو كلي وحدة واحدة لا يمكن تجزئتها كمفهوم مطلق، ولا حتى كقطوعات زمنية تحقيبية هي صفات زمنية للاشياء المتحركة بلا انتظام وليست صفات ماهوية للزمن الثابت المنّظم. ما يبدو لنا أن الزمن متحرك غير ثابت سببه ملازمة الزمن حركة الاجسام المتغيرة على الدوام.

وفي تعبير المفكر عبد الرحمن بدوي لشرح ما أورده ارسطو نقلا عن المصدر الاجنبي يشير الى أن الزمان لا يكون زمانا الا في مجانسته الحركة، عندما يكون الزمن والحركة من جنس زمني واحد يحدهما ويجمعهما معا، وبذلك يعود ارسطو الى أصل مقولته الزمان يقاس بدلالة حركة الاجسام ولا يمتلك الزمان حركة ذاتية مستقلة يمكن ادراكها بغير دلالة حركة الاشياء والاجسام داخله. ويذهب ارسطو ابعد من هذا في مخالفته الرأي السائد فيزيائيا المكان يرتبط ادراكه بزمن يلازمه، ليستنتج أن الزمان الملازم للمكان، هو الذي يسير بدلالة المكان وحركته وليس العكس الزمان يقود حركة المكان الذي يعرف بدلالة الزمان.

يشرح ارسطو كيف (يكون الزمان ليس حركة، ولكنه لا يقوم الا بدلالة الحركة التي تتضمن مقدارا او عددا)، وقبل الانتقال لمناقشة العبارة نرى تفسير عبد الرحمن بدوي لها قوله (ثمة نوعين من العدد، عددا موضوعيا وهو للاشياء القابلة للعد، وعددا ذاتيا هو الفكرة التي يكونها العقل وبها يعد الاشياء القابلة للعد وهذا الاختلاف هو ما تقوم عليه الآنية). بمعنى هناك عد موضوعي والى جانبه ومعه يلازمه عد تجريدي بالفكر.

نتساءل هنا بدورنا:

هل الزمان الذي هو مقدار حركة الجسم، والذي هو ليس حركة ذاتية يختص بها يقاس بمقدار " كمي" أم بمقدار عددي؟ ارسطو نقل عنه بدوي ذهابه نحو الاختيار العددي. ولم يوضح لماذا وكيف يكون تمييز مقدار الحركة بالكم عنها الاختلاف بالعدد؟

هل الزمان يمتلك ذاتية عددية خاصة به، تقوم على دلالة عددية منفصلة عن عددية المكان في قياس حركته عدديا داخل الزمان الذي يحتويه؟

واضح يمكن تمرير الاختلاف بين العدد الموضوعي وبين العدد الذي هو فكرة مكتسبة يختزنها العقل تجريدا، لكن هذا التمايز، ما اوجه تعالقه بالزمن الآني الذي استنتجه بدوي؟ كيف يتم ربط العدد كفكرة او كموضوع بالآنية الزمانية؟ الاجابة لمجرد تدعيم نظرية أن الآنية لا تنقسم على نفسها لا بالكم ولا بالعدد.

س97: أ. مراد غريبي: هل الآن (الحاضر) بين التوسيط وعدم الانقسام الزماني، هو حاضر وهمي ام حقيقي لا يقبل القسمة؟

ج97: أ. علي محمد اليوسف: بحسب ارسطو الذي يذهب الى تحديد الآن او الحاضر بالمحددات التالية:

الآن ليس جزءا من كل لأن الجزء مقياس للكل، والكل لابد أن يكون مركبا من أجزاء، بخلاف الزمن ليس مركبا من آنات. الآن لا ينقسم لذا لا يتركب ما ينقسم مما لا ينقسم. الآن لا يوجد فيه حركة ولا سكون.

الآن بمعنى الحاضر هي جزء من الكل الزماني في المجانسة الكيفية الواحدة، ولو كانت الآن جزئية مغايرة الكيفية الزمانية فلا يمكنها التوسيط التجسيري بين حدين زمانيين هما الماضي والمستقبل. صحيح جدا أن الآنية هي زمن جزئي بسيط نقطة زائلة لكنها تحتفظ بماهية زمنية ليست متناقضة مع ماهية كلية الزمان الازلي غير المدرك. ثم لا يوجد ما يدعم أن الزمان كيفية غير قابلة الى تقسيم تحقيبي زماني مدرك ولا الى آنات لا نهائية. مقولة ارسطو الرائعة (الزمان لا يحدد بالزمان) مقولة النقص بها انها تتعامل مع الزمان الكوزمولوتي بمعنى تتعامل مع الزمان كمطلق كوني ازلي وفضاء سرمدي غير قابل للإدراك العقلي بمقياس ادراكنا الزمن الارضي بدلالة تاريخية. وليس كتحقيب ارضي ينقسم الى ماض وحاضر ومستقبل. وليس تعاملها مع الزمان الارضي المختلف عن الزمان الكوني. فالزمان السرمدي الكوني الازلي لا يقبل التجزئة لا بالدلالة ولا بالإدراك، فهو كلي لا يمكن الاستدلال بدلالة الجزء عليه في وقت لا يمكن تجزئة اي جزء منه. أما ان الزمان الارضي وهو ما لم يكن يقصده ارسطو فهو يقبل دلالة حدوده بتجزئته كتحقيب زماني ارضي وليس كوزمولوتي كوني. والتحقيب الزماني الارضي يبدأ بالثانية والدقيقة والساعة واليوم والاسبوع والليل والنهار والفصول الاربعة وهكذا.

من غير المقبول تمرير أن الآنية ليست جزءا ماهويا متجانسا مع زمان كلي سرمدي ازلي، مما يترتب على عدم المجانسة أنها ليست زمانا وأن تكون ماهية ليست زمانية وزجّها ومعالجتها على أنها توسيط لحظة انتقالية غير مدركة زمانيا، هذا غير وارد ولا صحيح. كما أن الانية لا تمتلك مجانسة الزمان خطأ ينسف كلية الوحدة التجانسية المطلقة للزمان. الزمان كمفهوم يعبر عن دلالة مطلقة لا يقبل التجزيء والتقسيم صحيحة جدا كما وردت في تعبير ارسطو العبقري (الزمن لا يحدد بالزمان) هو توكيد ارسطو لحقيقة الزمان كلية موحدة واحدة ازلية كمفهوم مطلق سرمدي وازلي لا يمتلك الانسان معرفة ماهيتها كما لا يعرف الية اشتغالها. ثم بهذه المقولة ميّز ارسطو بين مفهوم الزمن كمطلق لا يتجزأ، وبين مفهوم الزمن الارضي الذي يقبل القسمة والتحقيب بدلالة حركة الاجسام فيه وبدلالة حركة كواكب المجموعة الشمسية..

اما تعبير ارسطو نقلا عن بدوي بأن الان لا ينقسم وبذا لا يتركب ما ينقسم مما لا ينقسم, فهو يحمل تساؤل مررنا به اكثر من مرة هو اذا كانت الانية لا يتوزعها التوسيط التجسيري بين تحقيبين زمانيين هما الماضي والمستقبل من دون انقسام تجانسي زمني معهما فكيف يمكننا الاستدلال بان الآنية وهم غير موجود لأنه غير مدرك عقليا, في نفس وقت تجاهل ارسطو ومن بعده بدوي ان الآنية فيزيائيا كتحقيب زمني شغالة دائمية في مهمتها تجسير قطوعات الزمان التحقيبية على الارض حينما لا يكون الزمان مفهوما مطلقا لا يدركه العقل ولا تحد حدوده الازلية السرمدية. الشيء الذي ينهي اشكال عدم مجانسة الانية الحاضرة مع الزمان هو في التمييز بين الزمان الارضي باختلافه عن الزمان كمفهوم كوني مطلق لا يقبل المقايسة الاستدلالية به في قول عبارة ارسطو الزمن لا يحد بالزمان وهو يقصد الزمن كمفهوم مطلق غير مدرك.

ختاما علينا التنبيه أن آنية الحاضر هي استدلال لا ضير أن يكون وهميا بالقياس لمدركات العقل، لكنه موجود كدلالة افتراضية غير وهمية زمانيا بمنطوق علم الفيزياء، بدليل كثير من الظواهر وقوانين الطبيعة والحياة العامة التي تحكم الانسان هي قوانين غير مدركة عقليا مباشرة، لكن عدم ادراكها لا يترتب عليه نزع فيزيائيتها الشغالة الدائمة في تنظيمها حياة الانسان منها باستقلالية عنه. قوانين الفيزياء الطبيعية هي ليست قوانين العقل في ادراكه او في عدم ادراكه نظام العالم الخارجي من حولنا. فمثلا قولنا الآن ليست استدلالا لماضي ولا لمستقبل، ونزع صفتي الحركة والسكون عنها يحتاج اثبات برهاني فلسفيا، لكن الفيزياء العلمية وليس الفلسفة تجعلها موضوعا فيزيائيا قائما لا يحتاج البرهنة الفلسفية له.

انتهى ويتبع

 

حاوره: ا. مراد غريبي

المثقف – مرايا فكرية

7 – 11 – 2021م

 

2916 علي اليوسف ومراد غريبيخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة من مرايا فكرية مع الباحث الفلسفي المفكر الأستاذ علي محمد اليوسف، وحوار شامل أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول الراهن الفلسفي، فأهلا وسهلا بهما:


 المحور الرابع: فلسفة اللغة

س60: أ. مراد غريبي: ما هو رأي سارتر في فلسفة اللغة باعتبارها تحولا تصحيحيا في تاريخ الفلسفة؟ وماذا تقول انت بما قطعته فلسفة اللغة على طريق تصحيح مسار الفلسفة الخاطئ؟

ج60: أ. علي محمد اليوسف: ابدأ معك من رأي سارتر وهو راي مبتسر حيث كان في أواخر أيامه مصابا بالعمى. رفض سارتر تفسير تاريخ الفلسفة المليء بالأخطاء والمطبّات حسب فلاسفة البنيوية أن تكون بدايته التصحيحية تبدأ من وسيلة مراجعة وتصحيح معنى الدلالة اللغوية الخاطئة في قصور معنى حمولة الافصاح غير المسكوت عنه، ودعا الى أن كل فلسفة تطغى عليها فلسفة اللغة بالتعالق العضوي معها الناشئ من أحشائها هي وليد تابع من رحم تاريخ الفلسفة الام التي لا تقود فلسفة اللغة الفلسفات الاخرى أو تكون بديلا عنها.

قائلا ما معناه يمكن استنباط فلسفة لغوية خاصة من فلسفة الوجودية مثلا وهكذا مع باقي الفلسفات الاخرى. بمعنى أنه يمكن إستيلاد فلسفة لغة من كل فلسفة أم لها لا تحل محلها. ورأي سارتر يحتمل القول فلسفة اللغة هي وسيلة التفكير الفلسفي في التعبير عن رؤاها خارج معنى اللغة الطبيعي المحكوم بقواعد ونحو ومجاز واستعارة وبلاغة وغيره التي حاولت تدخل كل فلسفة في محاولة نسفها وتفجيرها تشظيّا من الداخل وهو ما لا ينكره دريدا مثلا ولا ينكره البرتو ايكو ولا عديدين من فلاسفة أمريكان استسهلوا لعبة اللغة في التفكير الفلسفي استبطانيا مغلقا على نفسه جاعلين من الفلسفة هامشا يدور في فلك اللغة حصرا...

في إجابة سارتر عن سؤال من ضمن اسئلة المقابلة المشار لها "هل خطر ببالكم وضع فلسفة للغة؟ فكانت إجابته " لا ينبغي على اللغة أن تدرس بداخل فلسفة ما – يقصد أن لكل فلسفة لغتها هي اداتها وصنيعتها اللغوية اذ الفلسفة تصنع لغتها ولا يمكن للغة خلق فلسفتها المتفردة مع أو بمعزل عن الفلسفة الام كما حاول بعض الفلاسفة وأخفقوا في مسعاهم – لا يمكن أن تشكل اساسا لفلسفة ما. أعتقد – والكلام لسارتر – أنه يمكننا استخلاص فلسفة لغة من فلسفتي الوجودية مثلا، ولا يمكن وجود فلسفة لغة يمكن فرضها عليها."

واعود الان الى وجهة نظري حول امكانية فلسفة اللغة حل معضلات تاريخ الفلسفة.

في البدء الذي لا يمكن الالتفاف عليه ومغادرته هو عدم قابلية اللغة فرض نفسها على قيادة فلسفة ما حسب تعبير سارتر، وكي نضع هذا الرأي الفلسفي لسارتر بموقعه الطبيعي الصحيح " انه لطالما كانت اللغة – وليس فلسفة اللغة – محط اهتمام الفلاسفة – منذ افلاطون - غير انها لم تصبح موضوعا مركزيا في الفلسفة الا في القرن العشرين، حيث كان الاتفاق كبيرا على أن الوسيلة الفضلى لحل مشاكل مختلف فروع الفلسفة إنما يكون ويتم عبر فحص معنى الدلالة اللغوية السليمة التي صيغت بها هذه المشاكل. هذا الاهتمام الذي أبداه الفلاسفة المعاصرين باللغة وازدياد الاعتماد على تحليلها اصطلح على تسميته بالتحول اللغوي.".

أولا: أرى وجوب التفريق بين اللغة وسيلة التعبير عن الأفكار في الادراك والتواصل كما في عصور الماضي التي سادت وبين فلسفة اللغة على انها نسق لغوي قائم بنظام داخلي منفرد من جهة اخرى كما ارادها لها فلاسفة اللغة في التحول اللغوي ومصطلح القراءة الجديدة الذي إعتمدته البنيوية لدى أقطاب فلاسفتها مثل فوكو و إلتوسير ودي سوسير في مراجعة قضايا الفلسفة التي إغتالت اللغة معنى دلالة قصدية الفكر فيها حسب دعاتها، بمعنى كان انبثاق التحول اللغوي وفلسفة اللغة بداية القرن العشرين هو وسيلة تصحيح اخطاء اللغة لغاية وقصدية مراجعة تصحيح تاريخ قضايا الفلسفة الزائف وهو ما لم يتحقق ولا تم بسبب تشظي فلاسفة اللغة وتوزعهم في مناحي وتيارات فلسفية بعيدة عن الهدف الذي نادى به فلاسفة التحول اللغوي في تصحيح مراوغة اللغة دفنها فائض المعنى المحظور التعبير عنه لسبب وآخر..

ثانيا: بعدما اصبحت فلسفة اللغة هي الفلسفة الاولى في تاريخ الفلسفة المعاصرة منذ النصف الثاني من القرن العشرين بعد إنصراف إهتمام فلاسفة البنيوية بمباحث ما بعد الحداثة تاركين فلسفة اللغة بعد أن أخذت مديات من التخوم الفلسفية المتطرفة التي جعلت منها هامشا في شكل مرتكز خال من محتواه... بعبارة اخرى فتحت البنيوية باب فلسفة اللغة ولم يعد بإمكانها السيطرة عليه ما جعلها تتجه نحو معالجة قضايا لا تشكل فلسفة اللغة بؤرة مركزية فيها مثل تاريخ الجنسانية واسقاط السرديات الايديلوجية كالماركسية في استهدافهم كتاب راس المال كما فعل شتراوس والتوسير ومن قبلهما سارتر. كما نقدوا بضراوة العقل وعلم النفس والانسان ذاته كمرتكز محوري استنفد من تاريخ الفلسفة العصور الطويلة.

ثالثا: ثمة التباس حصل في خلط اللغة كهوية انسانية بيولوجية تحكمها قواعد النشأة والتطور الانثروبولوجي وصولا الاستقرار الذي يحكمها في قواعد وضوابط نحوية خاصة تمّيز بنية وهيكلية كل لغة عن غيرها، وبين فلسفة اللغة كمعنى مفهومي تفلسفي يتداخل مع النسق البنيوي الخاص باللغة يتطفل على الفلسفة ويستخدمها أداة لنسفها داخليا عندما يكون الاهتمام باللغة تجريدا هو إغتيال مبرمج يجري تحت عنوان إنقاذ اللغة من إزدواجية المعنى في تضليلها الفلسفة.

س61: أ. مراد غريبي: ماهو برأيكم الخطأ الذي جعل فلسفة اللغة واقفة على رأسها بدلا من قدميها كما وصف ماركس إدانته لفلسفة هيجل المثالية في الديالكتيك؟

ج61: أ. علي محمد اليوسف: من الملاحظ أن عديدا لا يستهان به من الفلاسفة لم يعطوا أو ينتبهوا إعطائهم أهمية إستثنائية للغة كجنس هوياتي انثروبولوجي قبل تحوله الى تجنيس ادبي – ثقافي هووي في مباحث تاريخ الفلسفة، حاول ذلك سارتر وبرجسون الحائزين على جائزة نوبل بالأدب حين رفضها سارتر وقبلها برجسون وكلاهما وضع بعض قضاياه الفلسفية ضمن قوالب التجنيس الادبي وبخاصة سارتر في نصوصه المسرحية والروائية...

كما لم يعتبر عددا من الفلاسفة مفتاح حل المعضلات الفلسفية يقوم على تصحيح معنى اللغة القاصر في التعبير عن الافكار الفلسفية عبر تاريخها. والسبب نراه في إعتمادهم تفكير العقل المجرد كفيل بإيجاد لغته التعبيرية الخاصة به في إيصال المعنى الفلسفي. بمعنى فلاسفة ما قبل النصف الثاني من القرن العشرين لم يكونوا يبحثون تصحيح أخطاء تاريخ الفلسفة من خلال تقصّيهم أخطاء وسيلة التعبير اللغوية بل كانوا يتعاملون بالفكر المجرد السابق الاهمية على اللغة. فوجدوا حقيقة القصور في تفكير الفلاسفة وليس في لغتهم التعبيرية عن أفكارهم.

ولم يتم إبطال هذا الرأي الفلسفي الا بعد أن تحولت اللغة الى فلسفة قائمة بذاتها تمتلك مقومات ذاتية خاصة بها ونظام تعبير نسقي يلغي المقولة الكلاسيكية أن اللغة اداة التعبير عن الفكر. فهذه المقولة اصبحت غير مقبولة بعد أن أصبحت اللغة لها فلسفتها الخاصة بها بمعزل عن إنقيادها للفكر وهو بداية الثورة على الفلسفة من قبل البنيوية تحديدا.

صحيح اللغة هي غير الفكر في ناحيتي توليد المعنى وناحية التعبير عنه. ومقولة دي سوسير اللغة وعاء الفكر لا يلغي التمايز الانفصالي الواضح بينهما حتى مع الاخذ بتعبير اللغة والفكر وجهين لعملة واحدة لا يمكن الفصل بينهما، لكن هذا لا يلغي حقيقة الفكر هو ليس وجه اللغة الآخر فقط. وانما هما الفكر واللغة يتمايزان في فرق بنية هيكلية اللغة التصويرية عن بنية هيكلية الفكر كتجريد سردي لا يخضع لأحكام نظام وقواعد اللغة المستقلة. علما أن حقيقة الفكر هو تعبير اللغة عنها يبقى ثابتا.

رغم أن تفكير العقل هو تفكير صوري يتخذ شكل تعبيرات اللغة في كل تحولاتها من لغة صوت الى لغة منطوقة الى لغة كلام وحوار واخيرا الى لغة تعبير معرفي بالكتابة الابجدية والرموز والاشارات والمعادلات الرياضية وحتى على صعيد لغة الموسيقى في وضع النوتة الخاصة باللحن الموسيقي التي هي لغة تعبير صوتي رمزي إشاري صرف. وهنا بهذه الخاصيّة لا تكون اللغة هي الاصوات التي تشير عليها ابجديتها المرسومة كتابة. اللغة تفكير عقلي يتخذ قولبة محتوى التفكير في شكل.

طالما أن تفكير العقل هو تصور تمّثلي في تعبير اللغة سواء الصامت منها أو المفصح عنه بالصوت اللغوي الشكلي المكتوب أو الصوت التعبيري الخارج عن مصدره الحنجرة واللسان، لذا يكون تمايز الفكر عن اللغة ليس في إختلاف مصدرهما الواحد الصادران عنه العقل في سذاجة قولنا الفكر تفكير عقلي مجرد، واللغة إفصاح صوتي تعبيري هو من وظيفة اللسان والحنجرة. اللغة ليست هي الصوت الذي يتقدم الفكر بل هي المحتوى والشكل المعبّر عنهما في جميع الحالات..

 بل في تداخلهما التعبيري الموحد فالفكر هو تصور لغوي صامت وهو ما يتم إستبطانيا داخليا، وتكون أسبقية اللغة على الفكر في تلازمهما التعبير عن موجودات العالم الخارجي وهنا تكون اللغة صوتية غير صامتة. وتكون نتيجة تفكير العقل أن اللغة أصوات لغوية إشارية تعبيرية لمدلولات في حين تكون حقيقة الفكر أنه وعي إدراكي لغوي صامت.

س62: أ. مراد غريبي: فهمت من إجابتك عن السؤال السابق أنكم تميلون إلى تحميل فكر الفلاسفة تاريخ الفلسفة المليء بالأخطاء، أي هم يتحملون وزر أخطائها وليست اللغة في مراوغتها التعبير الصادق عن الفكر الفلسفي؟

ج62: أ. علي محمد اليوسف: عندما نقول فلسفة اللغة هي مفهوم البحث عن المعنى، هنا يتراجع الفكر أمام أسبقية اللغة عليه حيث يصبح مهمة اللغة (قولبة) الفكر قبل التعبير الافصاحي اللغوي عنه. كما أن إبطال مقولة لم تعد اللغة وسيلة التعبير عن الفكر تعطي ضمنيا توكيد ما تريد نفيه في حقيقة لا وجود لفكر بلا معنى لغوي.

وإذا ما إعتبرنا صحة مقولة "لم تعد اللغة وسيلة تعبير الفكر عن نفسه وهو نتاج عقلي"، فدحض هذا الافتراض الوهمي هو أن العقل لا يفكر بتجريد فكري لا يداخله تصورا لغويا في التعبير عن معنى. الفكر لغة العقل الصورة فيها تستبق لغة الصوت. فتفكير العقل هو ليس فكرا لوحده ولا لغة تصورية عن الأشياء لوحدها بل هو في تداخل الاثنين معا. التفكير هو صورة لغوية تتمثّل التعبير عن الأفكار. الفكر من غير إفصاح تعبير اللغة عنه هو صمت انعدمت فيه لغة النطق الصوتية وليست لغة الفكر الصامتة. الصمت الصوتي للغة لا يميت التفكير العقلي لغويا داخليا.

كما أن اعتبار اللغة هي سلوك من نوع خاص مميز هو الأكثر تعقيدا حسب التعبير الفلسفي الذي مررنا عليه، مقولة خاطئة لا يقل خطأها الاشتباكي المتداخل عن خطأ إسقاط التداخل الإشكالي الذي يجمع الفكر باللغة على أن هذه الأخيرة ليست أداة ووسيلة التعبير عن الفكر فقط. من المهم توضيح أن السلوك لا تحدده اللغة، وإنما يحدده الوعي القصدي الذي يعبر تفكير اللغة النابع ايضا من فعالية العقل الادراكية.

كان يتردد في بداية القرن العشرين سؤالا فلسفيا جداليا هل بالإمكان فصل اللغة عن الفكر؟ جدال نقاشي تم حسمه في أدبيات الفلسفة البنيوية بخاصة عند دي سوسير بتعبيره اللغة هي وعاء الفكر. بمعنى أن فصل تداخل شكل اللغة مع محتواها المضموني محال إدراكه عقليا. وفصل الإدراك عن اللغة محال معرفيا.

الإدراك من دون لغة تلازمه عبث لا يمكن تحققه في معنى دلالي في ألإفصاح التعبيري عن شيء أو موضوع، وتجريد اللغة عن تعبيرها التجريدي للأشياء هو محال أيضا فاللغة وجود يلازم كل موجود يدركه العقل في التعبير عنه. والعقل لا يدرك الأشياء والعالم وموجودات الطبيعة بغير وسيلة تعبير تلازم الفكر واللغة معا في دلالة لمعنى شيئي واحد.

إن وظيفة العقل التفكير بالمجردات الذهنية أرقى درجة منها التفكير في الموضوعات المادية التي يعقلها العقل كواقعات مادية شيئية ويدركها ظاهراتيا أو ماهويا.

فالعقل في ملازمته الخيال ورقابته على اللاشعور وتداعيات التصورات الذهنية تكون مهمته أصعب من مهمة العقل في تناوله الماديات والموجودات والاشياء في الطبيعة، لكيلا ينتج عن التفكير الخيالي الذهني المجرد أصوات وهذاءات تعبيرية لا تعطي الموضوع المفكّر به من موضوعات مادية أو مجردة إستحقاقها الوعوي الادراكي كما لا تعطي الهذاءات غير العقلية وعي الذات مصداقيتها.

يقول سارتر: (ان مسألة اللغة تسير جنبا الى جنب مع مسألة الجسم) وهي عبارة سليمة في توكيد بديهة بايولوجية فيزيائية، أن اللغة لا تفارق جسم الانسان العاقل الناطق بإعتبارها خاصية انسانية يتمايز بها الانسان ويحتازها لوحده من دون الكائنات الحية في الطبيعة. وفي نفس المقاربة التعبيرية يقول ميرلوبونتي (الكلمة ايماءة حقيقية لانها تتضمن معناها، وليست عشوائية او طبيعية).

بمعنى حسب اجتهادنا التعقيبي الكلمة وعي قصدي قبل أن تكون دلالة لغوية. والانسان في جنبة محورية جوهرية من كينونته الطبيعية هو أنه وجود عقلي لغوي ناطق. فالإنسان يفكر وهو يتكلم ويفّكر وهو صامت ويفّكر لا شعوريا وهو نائم، ويفكر وهو في حلم اليقظة، ويفكر وهو ماشيا لوحده أو مع مجموع أو منفردا منعزلا. وفي كل حالات الصمت التفكيرية يحتاج الانسان التعبير اللغوي التفكيري الصامت او الكلامي الصوتي الناطق عن بعض الاشياء والموضوعات، ويكتم أو يستعصي عليه التعبير عن بعضها لغويا، أو يتعذّر عليه الافصاح التواصلي في بعضها الاخر.

كما اعتبر فينجشتاين " الفلسفة كلها عبارة عن نقد معنى اللغة " وهذا التعبير لا يقصد به فينجشتاين نقد اللغة لا على صعيد النقد الادبي ولا على صعيد النقد النحوي الصرف او النقد الثقافي بل كان يقصد نقد اللغة بما هي حمولة (معنى) يحتويه النص كفائض قيمة يلاحقها المتلقي القارئ. وشن ميرلوبونتي هجوما قويا على سارتر في تبنيه معنى اللغة هي تعبير عن الافكار.2951 عل محمد اليوسف

س63: أ. مراد غريبي: هل الفكر أم اللغة هو وسيلة التعبير عن النظرة المادية أو النظرة المثالية للوجود؟ أم ليس هنالك فرق بين الفكر واللغة في التعبير عن الموجودات الواقعية والمثالية أو الخيالية على السواء؟ كما تذهب له علوم اللغة واللسانيات المعاصرة في الفلسفة.

ج63: أ. علي محمد اليوسف: لو سمحت لي أستاذ مراد يبدو لي التساؤل خال من تناقض فلسفي.. ولكن لنرى لماذا؟ لأن الفكر واللغة افصاحان متلازمان في التعبير عن وجود الأشياء المادية أو في التعبير عن وجودها الفكري التجريدي المثالي بواسطة التعبير اللغوي أو غير اللغوي..... كيف؟ فوجود الشيء أو الموضوع المستقل ماديا أو خياليا يعالج من قبل الذهن فكريا في العقل قبل الإفصاح عنه وجودا ماديا أو مثاليا بواسطة اللغة في العالم الخارجي.

الفكر المادي أو المثالي المعبّر عنهما باللغة في علاقتهما بالوجود لا يتم تفريقه في تعبير الفكر عنهما باللغة المجردة، فالوجود المستقل في الواقع لا تحدده اللغة كونه ماديا أو مثاليا أو اي شيء آخر بمقايسته باللغة كنظام دلالي يعطي معاني الاشياء في ملازمته التعبير عنها. يعبر ميرلوبونتي (ان الانسان كائن مفكر، والحقيقة ان الذي يغير مسار الانسانية انما هو الفكر.) واضح أن التأكيد هنا على فاعلية الفكر كمحتوى وليس فاعلية اللغة بمعنى شكل التعبير بل بمعنى محتوى اللغة هو حمولة فكرية قبل أن تكون شكلا لغويا.

وهنا يكون الفكر يمثل جوهر الوجود وماهيته، بينما يكون تعبير اللغة عنه اصواتا شفاهية او مكتوبة أو لغة اشارية غير منظورة في التعبير عن الجمال مثلا لا تمنح الوجود ماديته او مثاليته بل تكسبه صفاته الظاهراتية، أما الذي يمنح الوجود المادي جوهره هو الفكر، والوجود المثالي صوره الفكرية، في تمييز العقل بينهما إنما هو الفكر الناتج عن مصنع الحيوية والتخليق في العقل في إدراك الوجود واضفاء ماهيته وصفاته عليه قبل إعادته لعالم وجود الاشياء كردود أفعال إدراكية..

ولا يتم تفريق الفكر المادي أو المثالي بمقايسته بالوجود الطبيعي للأشياء وتفسيرها وفهمها لأن الوجود غير المدرك عقليا في استقلاليته في عالم الأشياء، هو غير الوجود الذي تم تخليقه وتصنيعه في تناول العقل له واعادته ثانية بتخليق فكري جديد الى واقع الاشياء. وليس باللغة المعبرّة عن الوجود فقط ينفرز عنها تباين الفكر المادي عن الفكر المثالي الا بعد الادراك العقلي لموضوع التفكير اولا، وفي تعبير اللغة عنه ثانيا. فالفكر يكتسب هويته وماهيته بعلاقته بالوجود المتبادل المتخارج معه، وليس باللغة التي تعّبر عن الوجود في ملازمة الفكر لها. فالفكر يكسب الوجود ماهيته، ويكتسب هو أي الفكر بالوجود هويته وصفاته.

والفكر واللغة في تلازمهما معا لا يستطيعان خلق وجود شيء واعطائه صفاته وعلّة وجوده في علاقة تعبيرهما عنه كوجود مجرّد، وانما الوجود يكتسب صفاته وماهيته في تعالقه مع الادراك العقلي له، قبل الفكر المعبّر عنه في تعالقه مع اللغة.

وجود الاشياء في نوع علاقتها مع التفكير العقلي لها، تسبق الفكر واللغة المعبّرة عنها لاحقا. فالعقل يستبق الفكر واللغة في تلازمهما وادراكهما للوجود. وهذا يخالف مثاليو فلاسفة نظرية المعرفة في تزمتّهم القول (ان فعل المعرفة لا يقوم في عملية إدراك الموضوع، بل في فعل خلق الموضوع، وان الوجود لا يوجد في ذاته، انما الفكر هو الذي ينشؤه). فهل يسبق الفكر أو اللغة أحدهما تراتيبيا في تعبيرهما عن الوظيفة الادراكية العقلية التناوبية للموضوع؟ وفي تعبيرهما عن وجوده المادي في اختلافه عن التفسير المثالي على مستوى افصاح اللغة في علاقتها بالاثنين كوجودين مختلفين المادي والمثالي؟

اننا في هذه الحالة نفهم ان الفكر المادي في تمايزه عن المثالي هو في أسبقية الفكر على اللغة على صعيد الادراك الوجودي للأشياء في الواقع عقليا (صمتا) من دون الافصاح عنه باللغة. بمعنى ان تخليق واعادة انتاجية الشيء المفكر به (جوّانيا) من قبل العقل الذي نقلته له الحواس، يكون حضور الفكر سابق على عطالة اللغة في فعالية التفكير، وتنقلب المعادلة في الاسبقية حين يتم توظيف العقل اللغة التعبير عن الشيء في وجوده الخارجي وبإدراكه المتعيّن الجديد.

وان بدت (اللغة والفكر) كليهما متلازمتان لا يمكن التفريق بين الفكرة واللغة المعبّرة عنها ادراكا، كما من المتعذّر إعطاء أسبقية لإحداهما على الاخرى في التعبير المختلف عن الوجود ماديا ام مثاليا.

فاللغة قرينة الفكر في عدم امكانية التفريق بينهما في تعبيرهما على الاشياء الموجودة في العالم الخارجي. والفكر يتعالق مع اللغة في فهم الاشياء وادراكها. واللغة لا وجود حقيقي لها في مفارقتها التعبير عن الفكر وكذا لا اهمية للفكر في الوجود خارج العقل في تعبير اللغة المتعذّر عنه. فاللغة لا تعبّر عن موجودات خالية من المعنى المضموني الفكري المدرك عقليا.

عليه يكون التمييز بين الفكر المادي عن الفكر المثالي لا يتم بمنطق اللغة المجردة او المفصحة عنهما كموضوعين مختلفين في التعبير اللغوي فقط، كما فعل هيجل في اعتباره الجدل او الديالكتيك المثالي يتم بالفكر المجرد وحده وليس في تعالقه المتخارج مع الواقع او الوجود الحقيقي المادي للأشياء.

س64: أ. مراد غريبي: هل تجد في فاعلية الإدراك العقلي أسبقية على تعبير الفكر واللغة عن أشياء العالم الخارجي وموضوعات الخيال الذاكراتي؟

ج64: أ. علي محمد اليوسف: أرى العقل وحده له الأسبقية في تحديد الوجود والفكر المتعالق معه ان يكون ماديا ام مثاليا. واللغة تكون في هذه الحالة وعاء الفكر في تحديد نوع الوجود المادي او المثالي المفصح عنه بتعبير اللغة وكلاهما مستمدان من تفكير العقل أي تفكير ردود الافعال الصادرة عن المخ عبر منظومة الجهاز العصبي الموجودة في خلايا قشرة الدماغ الادراكية. وبهذا يكون التمييز بين مادية الفكر أو مثاليته هو في علاقة الفكر كوعي نوعي عقلي يتم في الدماغ اولا في ادراكه وفهمه الوجود او الموضوع، يليه تعبير فكري لغوي نوعي مختلف يحدد علاقته بالوجود الواقعي للأشياء والظواهر المختلفة في الطبيعة ثانيا ان تكون مادية أم مثالية.

س65: أ. مراد غريبي: على ضوء ما ذكرتموه كيف يكون توضيحكم لاختلاف الفكر المادي عن الفكر المثالي حسب التفسير التقليدي الذي يرى أن الاختلاف يتم بنوعية الوعي في أسبقية المادة أو الوعي في أسبقية الفكر؟

ج65: أ. علي محمد اليوسف: الفهم المادي يذهب الى أن الفكر انعكاس لوجود الاشياء في ديناميكية متخارجة بين وجودها والفكر المدرك لها عقليا، بينما يرى الفكر المثالي ان لا وجود مستقل للأشياء سابق على الوعي بها صوريا في الذهن فقط. وان إدراك وجود الأشياء يتم في صورها التي يستلمها العقل عبر المدركات الحسية لها، ولا دور للغة أكثر من تحقيقها دلالة المعنى الفكري الصادر عن العقل المراد توصيله من غير ما نتصور ونعتقد خطأ أن اللغة هي التي تحدد الوجود المادي باختلافه عن المثالي او بالعكس. اللغة توصيف لفينوميلوجيا الفكر أي ظاهرياته كشكل ومحتوى في ايعاز من العقل، والفكر يمثّل جوهر الاشياء المعبّر عنها لغويا.

فوجود الأشياء الطبيعي المستقل خارج الادراك هو الذي يسبق نوعية الافكار المفسّرة له بوسيلة التعبير اللغوي. وان اللغة والفكر متلازمان اثناء ممارسة العقل او الدماغ فعاليته الحيوية التخليقية جوّانيا في معالجة أيّا من المواضيع التي تنقلها الحواس له ماديا او صوريا، وكذلك يقوم العقل بنفس الفعالية العقلية في تأمله تخييليا موضوعا ما لا وجود له في عالم الوقائع المادية والاشياء وانما في عالم الخيال الذي ابتدعته ذاكرة العقل نفسها.

وعن كليهما (التفكير المادي والتفكير المثالي) يعطي العقل نوعا من التفسير المتعّلق بتمايز فهم شخص عن غيره، في حال تنفيذ الفكر واللغة نوعية الفكرة العقلية المختلفة عن الشيء في تنوّع واختلاف تفسير العقل لها من شخص لآخر ان كان تفسيره وفهمه ماديا أم مثاليا حسب المنهج الذي هو في تفكيره مسبقا قبل معالجته مدركاته.

من المهم التأكيد الى ان اللغة والفكر هما وسيلة العقل في الافصاح عن تخليقه وجود الاشياء في العالم الخارجي من جديد. وليس للفكر او اللغة اي افصاح متداخل عما يقوم به العقل في ادراكه الوجود والاشياء في تفكيره الصامت. اننا لا نستطيع الحكم على ان خلايا الدماغ تفكر تجريديا صوريا ما لم نرى تعبير اللغة عن الاشياء. الصمت تفكير ربما لا يكون لغويا صوريا تجريديا الا بعدما نجد العقل يعبر عن مدركاته بصور يتمثلها تجريديا مصدرها الواقع أو الخيال. خير تدليل على هذا عندما يفصح المجنون عن صمته لغويا لا نفهم باي لغة صوتية كان يفكر وهو صامت.2916 علي اليوسف ومراد غريبي

س66: أ. مراد غريبي: هل برأيكم تكون ردود أفعال التفكير العقلي بمدركاته، يتم بتعبير اللغة والفكر، أم تجدون هناك لغة خاصة موحية تقترن بالتعبير اللغوي بحركات الجسد؟

ج66: أ. علي محمد اليوسف: ان اللغة والفكر فعاليتهما الحقيقية في التعبير عن الموجودات والاشياء في الواقع المادي خارج العقل بعد تخليقها بالذهن وإعطاء تفسيره في وجودها المستقل في العالم الخارجي.

ان تفكير العقل بموضوع مادي موجود في العالم الخارجي، او بموضوع خيالي يبتدعه الخيال مادة لتفكير العقل داخليا، هما فعالية واحدة يقوم بها العقل وتحديدا الدماغ بمعزل عن تدخل اللغة والفكر الافصاحي لما يقوم به العقل من تخليق للفكر في دراسة موضوعه وعملية تخليقه من جديد.

ويبدو هنا ايضا اننا وقعنا في اشكال وتعقيد أعمق علينا توضيحه عندما نجد ان وسيلتي العقل في الادراك ومعاملته للاشياء لا تتم من غير اعتماد العقل للحواس وللفكر واللغة في ادراكه الشيء والتفكير به سواء كان التفكير داخليا (صمتا) على شكل حوار فكري داخل العقل، او افصاحا عنه في التعبير اللغوي في وجود الاشياء المادي في الواقع او المتخيّل كناتج عقلي قبل كل شيء.

والوجود المادي والوجود التخيّلي لا يختلفان في الماهية او الجوهر وحسب، وانما هما يختلفان بلغة التعبير عن كليهما، فالوجود المادي الواقعي في عالم الاشياء تعّبر عنه اللغة المنطوقة او المكتوبة، في حين ان الوجود الخيالي لا تعبّر عنه اللغة التداولية نطقا او كتابة كما في الوجود المادي فقط، بل في غيرها من وسائل التواصل ربما كانت لغة رسم لوحة او نحت تشكيلي في الفنون والجمال او غيرها من وسائل إكساب الموضوع المتخيّل حضوره الوجودي المدرك دونما الحاجة الى اللغة الصوتية الشفاهية او المكتوبة. وانما بلغة الابداع الخيالي الذي تكون فيه اللغة والفكر وجود مضمر في اللوحة او التشكيل الجمالي. فالتعبير الجمالي لا يحتاج اللغة التعبيرية الفكرية في التعبير عن وجوده المادي.

وإلا أصبح تساؤلنا كيف يفكّر العقل وما وسيلة التفكير التي يعتمدها؟ تقودنا الى طريق مسدود عند عدم الاقرار ان وسيلة العقل في التفكير وإدراك الاشياء لا يمكن ان تتم خارج فعالية العقل توظيفه الفكر – اللغة في إدراك وجود الاشياء خارج التفكير العقلي وليس بداخله. تعبير لغة الجسد بالحركات الايحائية الصامتة سواء كانت حركات ايروسية او حركات تعبيرية راقصة وحتى دينية مثل اليوغا او رقص الباليه او حركات تمثيلي لمشهد مسرحي موحي صامت هي لغة من نوع يخضع لتفكير العقل بالتوصيل ويعدم اللغة الصوتية في التواصل حين تصبح حركة عضو من الجسم كفيلة بايصال لغة ايمائية ايحائية.

س67: أ. مراد غريبي: كيف تفسر لنا تخارج العقل الجدلي مع الفكر واللغة؟

ج67: أ. علي محمد اليوسف: لا يمكننا تمييز الفكر عن اللغة داخل فعالية العقل في تخليق الافكار بالصمت التفكيري داخل العقل، وانما يتاح لنا ذلك في الوجود المستقل لإدراك الاشياء خارج العقل التي يصدر العقل والجهاز العصبي التعبير عن وجودها الفكري – اللغوي بعد تخليق العقل لها من جديد كناتج اجابته عما وصله عن طريق الحواس. فعالية العقل تنعدم نهائيا عند افتراضنا ان العقل يقوم بفعاليته الادراكية ومعالجته الموضوع المدرك عقليا بغير وسيلة تداخل الفكر مع اللغة (داخل) و(خارج) العقل. هنا قولنا مجازيا داخل وخارج العقل لا يوجد غير لغة تعبير واحدة لكن اين الاختلاف؟

 الاختلاف بمعنى داخل العقل يكون التفكير حوارا صامتا في تعطيل اللغة المنطوقة أو المكتوبة، وفي خارجه يكون وجود الاشياء المستقل في العالم الخارجي دونما وصاية العقل عليها، وتكون الموجودات من حصة ووصاية اللغة والفكر المعبّر عنها. وهذا يستلزم منا تبيان ما الفرق بين تفكير العقل صمتا داخليا، وتفكيره تعبيرا لغويا خارجيا وما المقصود به وما دور الفكر واللغة في تحديد معنى المفكّر به كموجود؟

س68: أ. مراد غريبي: كيف يفكر العقل داخليا وما هو موضوع ادراكه، وكيف يفكر العقل خارجيا وما هو موضوع ادراكه؟

ج68: أ. علي محمد اليوسف: للإجابة عن هذا التساؤل كيف يفكّر العقل داخليا، وكيف يفكّر خارجيا؟ اجد كي تكون فكرة الاجابة واضحة علينا التفريق مبدئيا بين امرين، الاول المثيرات التي تصدرها موجودات العالم الخارجي في استثارة الحواس نقلها ( الاحساسات) الصادرة منها على شكل (انطباعات) مخزنة مؤقتة بالذهن. هي تمثل اولى درجات تفكير العقل خارجيا في ادراكه العالم الخارجي.

الثاني ام المثيرات التي تصدر عن اجهزة الجسم الداخلية بايولوجيا مثل الاحساس بالألم او بالجوع او بالعطش وغيرها نسميها (الاحاسيس) الداخلية، وكذلك عندما تصدر مثل هذه الاحاسيس عن حاجة الجسم اشباعه حاجات غريزية مثل غريزة الحب ، ممارسة الجنس، الضمير، الوجدانات، العواطف بأنواعها، هنا يكون تفكير العقل داخليا استبطانيا وموضوعه الادراكي اشباع رغبات و غرائز الجسم الجوانية.

ثمة من يقول كيف يكون تفكير العقل بالنسبة للخيال في ابداعه موضوعات لا هي موجودات انطولوجية خارجية ولا هي اشباع غرائز وحاجات بيولوجية داخلية. فاين نضع هنا تفكير العقل لا خارجيا ولا داخليا؟؟ هنا يكون تفكير العقل مزيجا بين الشعور واللاشعور أي بين مزج الخيالات بالواقع في انتاج الابداعات الفنية والجمالية والرسومات والمنحوتات والاجناس الادبية مثل الشعر والقصة والرواية وغير ذلك. بالحقيقة أن العقل في كلا التفكيرين يتمّان في توافقهما والتقائهما في مصدر التفكير الواحد الذي هو الوجود المادي او الموضوع الخيالي، فلا يوجد عمل فكري في العقل لا يرتبط بموضوع مدرك حسيا او خياليا والا كان تفكيرا عقيما وهميا عدما لا علاقة للعقل به ولا للموضوع علاقة بالعقل المدرك له.

تفكير العقل داخليا يتم بوجود شيء مدرك محدد (موضوع) يكون مادة للتفكير تنقله الحواس ادراكيا للعقل، وقد تتعّطل مهمة الحواس هذه عندما نجد العقل يفكّر تخييلا وتخليقا عقليا بموضوع ذهني لا علاقة له بالمادة والمحيط الخارجي للاشياء كأن يفكر الانسان خياليا في اشياء من الطبيعة او يتخيّل اي شيء او اية فكرة مجردة غير متعينّة ادراكا ماديا وجوديا امامه في الطبيعة او في الانسان كغيرها بما لا يحصى من الاشياء بالعالم الخارجي من اشياء تنعش الذاكرة العقلية التفكير بها كمواضيع في الخيال ولا وجود واقعي مادي لها.

ولا تقوم الحواس المادية ولا من مهامها نقل موضوع التأمل الخيالي الى الدماغ وانما مخيلة الانسان وذاكرته تستذكره في الذهن خيالا مجردا وتجعل منه موضوعا للتفكير. يلي ذلك ان العقل قد يعبّر لغويا عنه بعد تخليقه الجديد له، او بغير تعبير اللغة عن موضوع التفكير الخيالي وكذلك عن التفكير الواقعي.

اذن في البدء علينا الاقرار الآلي الثابت انه لا يمكن للعقل الانساني ممارسة التفكير ما لم يكن هناك موضوعا واقعيا او خياليا يصبح مادة او موضوعا لتفكير العقل. وقلنا ان الحواس ليس من مهامها ولا من قدراتها نقلها موضوعا خياليا هو من ابتداع المخيّلة والذاكرة الذهنية للعقل ولا دور للحواس به. وان العقل من قدراته الذاتية انه يفكر خياليا بموضوع لم تقم الحواس او احداها بنقله له.

س69: أ. مراد غريبي: هل يوجد منطق فلسفي غير علمي يوضح لنا كيف تتم آلية تفكير العقل أو المخ في التعبير عن مدركاته الخارجية ومواضيعه الداخلية؟

ج69: أ. علي محمد اليوسف: هنا يأتي تساؤل أهم ان وسيلة التفكير العقلي للشيء المدرك داخل العقل تتم بماذا أو بأي كيفية؟ وما هي آلية التفكير العقلي بالموضوع؟ لحد الان تمّكن العلم من معرفة كيف تعمل حاسة البصر العين في رؤيتها الأشياء، وكذا مع حاسة السمع او الذوق او اللمس، اما كيف يعقل الدماغ نفسه ذاتيا بالتفكير الصامت، كما ويعقل موضوعاته أيضا، وفق أية الية يتم الادراك العقلي فهو غير معلوم علميا أكثر مما تزودنا به الفلسفة وليس تخصص علم طب الدماغ والاعصاب على حد علمي في الذهاب الى تخصيص مناطق ارسال الخلايا العصبية الذبذبات الكهربائية التي بضوئها تتحدد وظائف المناطق العصبية المسؤولة عن معرفة عمل الجهاز العصبي.

فالعلم يوّضح كيف ان آلية التفكير العقلي تنحصر في موضوع مدرك حسيّا وعقليا عن طريق الجهاز العصبي المرتبط بملايين الخلايا الدماغية التي تتناوب الادراك في عملية معقدة من اختصاص طب علم الدماغ والجملة العصبية وهو مجال لا تعلمه وتعمل به الفلسفة ولا باستطاعتها الخروج منه بنتيجة يرضاها العقل والطب العلمي.

اما في توضيح الفلسفة فهو حين يعقل الانسان ذاته تفكيرا ماديا ام خياليا فهو يحتاج حتما لمادة او موضوع يدركه واقعيا او خياليا كما ذكرنا سابقا لا يخرج عن وصاية العقل في حال انعدام واسطة التعبير الفكري – اللغوي عنه وبه. اي بمعنى ان التفكير العقلي لا يدرك الانسان الآخر ماهيته خارج العقل الا في حالة التعبير الفكري – اللغوي عنه خارج وصاية العقل عليه حين يكون تموضعا فكريا في الواقع المادي لوجود الاشياء.

فاذا اراد العقل وجوب التعبير عن موضوعه المفكّر به للعالم الخارجي المستقبل له، توّسل لذلك الفكر – اللغة. وإذا لم يشأ ذلك فانه اي العقل يجعل من موضوعه تفكيرا داخليا صامتا غير متاح ادراكه من غيره الذي هو (أنا) الفرد العاقل المفكر من نوعه (الانسان الاخر) بمعنى ان الفكرة واللغة المعبّر بها صمتا عقليا تنعدم في التأثير وفي الحضور في كيفية نقل تفكير مصنع الحيوية التخليقية التي يقوم بها العقل.

فاللغة والفكر لا يحضران سوّية الا في محاولة تنفيذ ايعازات مصنع الحيوية العقلية بالإخبار الادراكي العقلي عن موضوع جرى التفكير به عقليا واكتملت مهمة اعادته من العقل الى عالم الاشياء كفكر جديد بلغة جديدة وليس كوجود سابق مستقل في عالم الاشياء. متمثلا في تنفيذ اللغة او غير اللغة ايعاز العقل في اعادة الموضوع المفكّر به من العقل الى امكانية ادراكه في العالم الخارجي في توّسله اللغة التي هي الفكر ولا فرق بينهما في التعريف المادي او التجريدي بالموضوع في وجوده المستقل في عالم الموجودات الخارجي. الوجود الادراكي المستقل هو وجود فكري لغوي كما هو وجود مادي مستقل في عالم الاشياء ايضا.

س70: أ. مراد غريبي: التساؤل الآن كيف تكون اللغة هي الفكر المعبّر عنه حسب ما تذهب له جميع نظريات علم اللغة واللسانيات المعاصرة، ولماذا يعجز إدراك العقل للاشياء التفريق بينهما أي التفريق بين الفكر واللغة. إذا كانا يحملان مدلولين متباينين مختلفين في تعبيرهما عن الموضوع الواحد بأكثر من إدراك وتأويل واحد؟

ج70: أ. علي محمد اليوسف: هنا اللغة والفكر الملازم لها في التعبير ليس بمقدورهما تفسير وجود الاشياء بمعزل أحدهما عن الاخر اي بمعزل اللغة عن الفكر، او الفكر عن اللغة لأنه يكون ذلك استحالة ادراكية تعجيزية للعقل. في امتناع الفكر واللغة التعبير عما يرغب العقل التعبير عنه وجودا مدركا.

ان في عجز الفلسفة الخروج عن نظرياتها المفترضة شبه الثابتة ان الفكر هو اللغة المعبّرة عنه، او ان اللغة هي وعاء الفكر، او ان اللغة هي بيت الوجود. وأن اللغة مبتدأ ومنتهى ادراك وجود الاشياء في العالم الخارجي.

جميع هذه التعبيرات الفلسفية تفهم اللغة على انها فعالية ادراكية عقلية في تحديد الفكرة او الموضوع في تموضعهما خارجيا كي يتم إدراك الشيء ومعرفته من قبل الآخرين من الذوات العقلية المدركة وهو صحيح الى حد كبير ولا يتوفر مجال إدحاضه في الاحتكام للعقل في ادراكه الوجود.

في هذه الحالة حين تكون اللغة هي تعبير عن فكرة متموضعة داخل او خارج العقل، يستحيل الفصل بين اللغة والفكرة او الموضوع المعّبر عنه بهما. فبهما (الفكر واللغة) اصبح التفكير الذهني العقلي موضوعا و متعيّنا وجودا في العالم الخارجي بعد تخليقه عقليا، وفي هذا يكون تفكير العقل خارجيا او بالأحرى من اجل فهم الوجود الخارجي للاشياء المستقلة.

حين نقول تفكير العقل الداخلي المقصود به هو التفكير الصامت، أما تفكير العقل خارجيا فهو عندما يجري تعبير اللغة عن موضوع تفكير العقل واقعيا ماديا. وبالواقع ان هذا التفريق في تفكير العقل داخليا صمتا وخارجيا بوسيلة اللغة، انما هما في الاصل تفكير واحد للعقل في موضوع محدد مشترك يتميّز به بمعزل عن كل موجود مادي او متخيل آخر. اي ان العقل واللغة والفكر يجمعهم (وحدة الموضوع) المدرك في زمن واحد. وهكذا هي الحال في تناول اي موضوع او شيء من العالم الخارجي. ان إدراك العقل للاشياء الواردة له عن طريق الحواس بما لا يحصى في تنوعها وتوقيتاتها الزمنية، لا يعقلها العقل دفعة واحدة، ويعطي الدماغ ردود الافعال الانعكاسية الارادية وغير الارادية لها بعشوائية من دون تراتبية يعتمدها العقل.

ذهبنا الى استحالة فصل اللغة عن الفكر في حالة افصاح العقل عن فهمه وتعّينه لموجود او شيء ما في العالم الخارجي. وليس في التفكير الصامت داخليا للعقل.

نذّكر ان علم اللغة واللسانيات تعتبر اللغة والفكر هما وجهين لعملة واحدة ولا تفريق بينهما كما ذكرنا سابقا، فاللغة هي الفكر المعبّر عنه حسب ريكور و فنجشتين ودي سوسير و جومسكي وجميع فلاسفة وعلماء اللغة. باعتبار ان اللغة هي فعالية العقل في تعيين إدراكاته للموجودات والاشياء الخارجية.

س71: أ. مراد غريبي: كل هذا التداخل الذي ذكرتموه بين تداخل الفكر واللغة والعقل، الا اننا نجد هناك من الفلاسفة من يجيز فصل اللغة عن الفكر او فصلها عن خاصية العقل الادراكية ما تعليقكم على ذلك؟

ج71: أ. علي محمد اليوسف: كي أكون واضحا معك استاذ مراد اقول اننا نجازف بالمباشر قولنا انه يمكننا فصل الفكر عن اللغة عندما يكون تفكير العقل صمتا داخليا في التفكير بوجود شيء مادي او خيالي لا يحتاج لغة التعبير عنه بل يحتاج الفكر وحده لأنه وسيلة تفكير العقل المعقدة الوحيدة في تخليقه لموضوعه بوسيلة الفكر لوحدها دونما اللغة، ويكون صمتا داخليا متخيّلا ايضا في تفكير العقل لموضوعه كوجود غير مادي، اي وجود خيالي لا يرتبط وغير ملزم التعبير اللغوي عنه بعد تخليق العقل له. لكن هذا الراي مغرق بخطئه من حيث يتجاوز بديهة ادراكية ان الفكر هو تصور لغوي، أي لا يوجد فكر مجردا عن شكل لغة التعبير عنه. حتى العقل حينما يفكر يعتمد تجريد صور اللغة في التعبير عن الفكر.

للتوضيح أكثر، التفكير المادي الصامت هو في معالجته موضوع واقعي او شيء ما بالتفكير المجرد كمتعيّن موجود في العالم الخارجي، اما في تفكير الصمت (الخيالي) غير المعبّر عنه باللغة الصوتية او ابجدية كتابية فهو الهام تخييلي في انتاج العقل موضوعا يدرك خارجيا بلغة جمالية خاصة في حالة من الكمون خلف فهم الوجود الجمالي في لوحة او منظر طبيعي، لم يكن ادراكه متيّسرا قبل افصاح العقل له وتخليقه جماليا، كما في خيال انتاج لوحة فنية او قطعة نحتية او اي ضرب من ضروب التشكيل ومعالجات علم الجمال الذي من المتاح الممكن التعبير عنه بغير لغة الكلام او لغة الكتابة. لكنما تبقى الحقيقة الماثلة المتعذر تجاوزها انه حتى اللون باللوحة هو لغة غير ابجدية.2952 عل محمد اليوسف

س72: أ. مراد غريبي: بعد كل الذي ذكرتموه هل تجدون امكانية فصل الفكر عن اللغة على صعيد الفلسفة ام لا؟

ج72: أ. علي محمد اليوسف: انا مع محال فصل الفكر عن اللغة حتى على صعيد الايهام الفلسفي في تمرير بعض القضايا المتعالقة. ما نحاول المراوغة بتمريره دائما ما تصدمنا حقيقة عدم امكانية فصل الفكر عن اللغة لانهما دلالة معنى واحد.

نأتي الآن الى معالجة أصل امكانية فصل الفكر عن اللغة، على انها استحالة ادراكية في فهم الاشياء والمواضيع في حال وجودها في العالم الخارجي في استقلالية عن الانسان سواء كانت مواضيع تناولها العقل بالإدراك واعادها باللغة والفكر ثانية الى عالم الواقع من جديد بعد تخليقها، او لم يدركها في وجودها المستقل التي ايضا تستطيع الحواس واللغة التعبير عنها.

يبقى عندنا ان التفكير العقلي الصامت ماديا او خياليا فأن آلية العقل في التفكير تستطيع فصل اللغة عن الفكر طالما هما حاضران ذهنيا في لحظات زمنية واثناء التفكير بموضوع ما، اي حينما يفكر العقل صمتا فهو يفكّر بالفكر ذاته كوسيط بموضوع الفكر الذي نقلته الحواس المدركة للاشياء او في موضوع ابتدعه الخيال ايضا يحتاج العقل الفكر كوسيط في تخليقه واعادته الى عالم الاشياء باللغة المعّبرة عنه. وليس باللغة خارج موضوعه في التفكير الصامت. اللغة في تفكير العقل الصامت لا اهمية ولا وجود لها يتاح ادراكه من غير الشخص الذي يفكر بموضوعه عقليا ويبقى الفكر وحده وسيلة العقل في التفكير وتخليقه مواضيع الخيال العقلية.

وطالما كانت اللغة والتفكير معطّلان كوظيفة نقل ما يقترحه العقل عليهما نقله الى العالم الخارجي، اي بقاء العقل يفكر ذاتيا صمتا بمعزل عن نقل ما يفكر به لغويا، فان العقل وسيلة تفكيره الفكر ذاته فقط ولا يحتاج اللغة الا على انها جزء من الفكر وملازمة له خارج الدماغ او العقل في وجود الأشياء، وتفكير العقل وتخليقه لموضوعه، فلا يدرك خارجيا من غيره الا بواسطة اللغة فقط الناقلة للفكر من داخل العقل(الدماغ) الى واقع الوجود في عالم الاشياء.

وعندما يتجسد ويتعين الموضوع في عالم الاشياء الخارجي بالتعبير عنه لغويا او بأية وسيلة تعبير غير اللغة الصوتية او المكتوبة، فهنا لا يصبح فصل الفكر عن اللغة ذات اهمية كبيرة، ولكن تبقى اللغة في اثناء عملية تفكير العقل (صمتا) في مرتبة ثانوية بعد الفكر في مقارنتها بأولويتها في التعبير عن الوجودات الخارجية في العالم الخارجي والطبيعة خارج هيمنة إدراك الحس والعقل لها بعد تخليقها بالمخ، عندما تكون اللغة جزءا لا ينفصل عن موضوعها الذي عبّرت عنه في عالم الاشياء والموجودات.

بمعنى توضيحي ان اللغة لا تستمد فعاليتها داخل تفكير العقل الصامت جوّانيا بموضوعه مع ذاته المستقليّن كليهما عن العالم الخارجي، وانما تستمد اللغة اقصى فاعليتها في التعبير عن الاشياء في وجودها الخارجي المستقل خارج وعي العقل لها في زمنية محددة تلزم عقلا مفكرا واحدا في موضوع واحد، هو غير مدرك وجودا لغويا لدى غيره من عقول تختلف في ادراكها وتفكيرها والتعبير ربما في نفس الموضوع.

وحتى في هذه الحالة فالفكر وتعبير اللغة يبقيان قاصرين عن التعبير عن الموجودات المستقلة من دون إدراك العقل لها وتحديده نوعية الفكر ونوعية اللغة المعبّرة عنها. ويكون وعي الذات هي كينونة متشّكلة من الوجود المدرك، بالمحسوسات، ومن العقل، وايضا من الفكر واللغة.

لذا عندما يكون تفكير العقل صمتا جوّانيا، يصبح التفكير بالشيء سابق على لغة التعبير عنه خارجيا. فالموضوع المفكّر به صمتا غير لغوي يبقى حبيس وصاية العقل في التفكير به قبل اهمية انشغال العقل في التعبير اللغوي عنه.

ان اللغة اثناء وزمنية تفكير العقل بموضوعه صمتا داخليا، تكون ملازمة لعملية تفكير العقل ذاتيا، لكنها لا تتقدم تفكير العقل. فليس كل تفكير داخل العقل صمتا يلزم حضور اللغة معه إفصاحيا لكنه يلزم حضور التفكير. فالعقل بلا تفكير لا قيمة له، لكن العقل بتفكيره بمقدوره تفعيل حضوره بلا لغة تعبير غير ملزمة لنقل تفكير العقل.

فقد نادى سارتر اننا يتوجب علينا مغادرة (انا أفكر)، وطلب هوسرل بقصدية كموضوع مفكر به، واخيرا هيدجر الذي نادى بان لا وجود لذات من غير ديناميكية فاعلة تمتاز بها. بل واضاف بأكثر وضوحا انه لا وجود لذات بلا عالم، والانا لا تحقق وجودها منعزلة لانها اولا واخيرا هي وجود – في – عالم.

س73: أ. مراد غريبي: كيف تفسر إعجاز الدماغ بالتفكير؟

ج73: أ. علي محمد اليوسف: كنت ذكرت في مقالات منشورة لي ، ان عمل الدماغ في فهم الوجود وتخليقه ثانية له، لا يتم وفق عشوائية اعتباطية، ولتوضيح ذلك في هذه الاسطر من الإجابة بتلخيص شديد: من البديهيات العلمية في علم الفسلجة (علم دراسة الوظائف العضوية لدى الكائن الحي، الانسان على وجه التحديد في الطب البشري)، هو استحالة تفكير الانسان في صورتي حدثين اثنين في وقت واحد، في لحظة واحدة، في ومضة واحدة، يمكن لأي انسان اجراء التجربة على نفسه سيجد انه يفشل حتما.

مجموع الافكار الادراكية الصورية او الحسّية او الحدسّية الواصلة الى الدماغ عن طريق الحواس الخمسة في الجهاز العصبي والراجعة منه الصادرة عنه كردود افعال انعكاسية، لا يتعامل الدماغ معها بعشوائية غير منظّمة ولا من غير تراتيبية في الاسبقية. بل يعمل الدماغ والجهاز العصبي مع الافكار الواردة له من الحواس في انتقائية وفي تراتيبية معقدة النظام، هي خاصية الانسان الذكي في تعالق وظيفتي المحسوسات او المدركات مع وظائف الشبكة العنكبوتية للأعصاب الناقلة للإحساسات بالأشياء، في الاستقبال الوارد له، والراجعة الصادرة منه الى الواقع في وجود الاشياء والفكر المعّبر عنها في ظاهرياتها وفي جواهرها.

الاستجابة الادراكية الحسية التي هي رد فعل الجهاز العصبي الارادي او غير الارادي المستقبل منه او الراجع المتصل بالدماغ بما تنقله اليه الحواس الخمسة، ويمكننا اضافة حاسة سادسة هي حاسة الحدس او التنبؤ والتخاطر.

فالذي يرد الدماغ عن طريق الحواس من مدركات ينقلها الجهاز العصبي في تيار فائق السرعة غير المنظورة ولا المتوقعة من المحسوسات في العالم الخارجي الى العقلي المدرك في سطح القشرة الدماغية التي تحتوي على ملايين الخلايا العصبية، لترسل بعدها بعض هذه الخلايا العصبية في الدماغ والجهاز العصبي ردود الافعال المناسبة لما يتوجب على الانسان معرفته او القيام به، وتكون ردود الافعال كاستجابة لإيعازات الدماغ في ومضة زمنية لا يتعدى الجزء الالف من الثانية. (أجهل تحديد زمن الومضة الانتقالية من الدماغ بواسطة الجهاز العصبي علميا بضوء معرفتي سرعة انتقال الضوء المقدّرة علميا افتراضيا هي ثلاثمائة ألف كيلو متر /ثانية).

ماهو مهم عدم استطاعة الدماغ إعطاء ردود الافعال الانعكاسية سواءا منها الإرادية او اللاإرادية لحدثين اثنين في ومضة كهرومغناطيسية او ومضة واحدة في جزء جزء جزء من الثانية الواحدة يستلمها الدماغ بواسطة الجهاز العصبي وينقلها الى احساسات الانسان ثانية، ومن الثابت علميا وطبيا ان جميع الاستجابات الانعكاسية الصادرة عن الدماغ تجاه الحواس لا تنطلق من (فص) مخّي واحد موجود في قشرة الدماغ الامامية. الذي يحتوي ملايين الخلايا العصبية المسؤولة عما يرده ويصله عن طريق الحواس. مع هذا ليس بمقدور (المخ) ان يرسل ايعازين اثنين في لحظة واحدة او ومضة واحدة، بمعنى ان الدماغ وتحديدا المخ والجهاز العصبي المرتبط به ينشغل بالاستجابة لردود افعال الحواس تباعا تراتيبيا تجاه المحسوسات ووجود الاشياء التي سبق للدماغ وان أدركها عن طريق نقل الحواس الموصلة للمدركات الحسّية الى الدماغ واعادة ردود الافعال الصادرة عنه بشأنها.

مثال ذلك حين يجرّب احدنا وضع يده في ماء مغلي حار جدا ، ويستخدم في نفس اللحظة اليد الاخرى في وضع شيء ما بفمه ليتذوقه نجد ان الدماغ يعجز عن اعطاء استجابتين كردين فعلين انعكاسيين للاثنين معاً في ومضة واحدة بل يجب ان يكون لاحدهما في رد الفعل الانعكاسي الصادر عن الدماغ والجهاز العصبي أسبقية تراتيبية زمنية على رد فعل الدماغ بالنسبة لرد الفعل على الآخر الثانوي المدرك حتى لو كان الفارق بين الاستجابتين لا يتجاوز جزءاً من الف من الثانية، وحتى لو كانت ردود الافعال الصادرة عن الدماغ من نوع ردود الافعال الانعكاسية اللاإرادية.

ومثال آخر حين تسمع اغنية من المسجّل بجانبك وانت تقرأ في صحيفة او كتاب عندها يستحيل على الفكر الذهني المتلقي في الدماغ فهم مفردات الاغنية واستيعاب معانيها في نفس لحظة تصفّحك الصحيفة ومحاولتك فهم ما تقرأ.

الشيء المعجز ليس فقط ان هذه العمليات العصبية التي تجري ما بين الحواس والجهاز العصبي الناقل ادراكات الاشياء استرجاعيا تناوبيا الى الدماغ مع فعل الادراك للشيء او تصوره في الذهن، انها تجري هذه العملية في اقل من جزء جزء جزء من الثانية، وربما بأسرع من سرعة الضوء. وانما (الاعجاز) الاهم هو في اختيار الدماغ لأسبقية ردود الافعال الواردة اليه عن طريق الحواس في النوعية والاهمية التي تقي الانسان من المخاطر واعادتها للإنسان المدرك في حدثين وضع اليد بالماء المغلي والاخرى وضع شيء بالفم لتذوقه. وهكذا في تعامل الحواس والمخ مع آلاف الادراكات الحسية الواردة له، وايعازات الدماغ الاجابة الدقيقة المطلوبة منه عليها.

ولو اننا عدنا للمثل الذي اوردناه في ايّهما أفضل في اسبقية الاستجابة الدماغية في الرد الانعكاسي عليه!؟ سحب اليد من الماء المغلي ام فحص حاسة التذوق للشيء الذي وضع بالفم!؟ نجد ان إيعاز الدماغ بضرورة سحب اليد من الماء المغلي يسبق إيعاز الدماغ في إعطاء الاستجابة لنوعية تذوق الشيء باللسان.

في هذا المثال التجريبي نلاحظ تأكيد الدماغ على نوعية وأهمية الاستجابة الانعكاسية اللاإرادية لعدد من المدركات الحسية المنقولة له بواسطة الجهاز العصبي عن مصدر الحواس وترتيب الدماغ لنوعيتها وأهميتها.

في أسبقية الاستجابة يكمن فيها لغز تفضيلي إعجازي في وقاية الإنسان من المخاطر وتجنبّها، ليس سهلا على العلم الطبي تفسيره وعلم دراسة فسلجة الدماغ والجملة العصبية تحديدا الإجابة عليه على قدر فهمي اذ ربما العلم وصل إلى تعليل كل هذه الأمور التي أتحدث عنها كإعجازات للعقل والجهاز العصبي المرتبط به وهي كذلك برأيي في مقدرة علم الدماغ وفسلجة وظائف الجهاز العصبي تفسيرها أم لا!!.

الإعجاز التفضيلي في الاستجابات الانعكاسية للإيعازات الصادرة عن الدماغ الإرادية منها أو غير الإرادية تتوخى وقاية الإنسان وسلامته من الخطر الذي قد يسببه وضع اليد في الماء المغلي وتأخر سحبها، مع إرجاء بقية ردود الأفعال الانعكاسية الثانوية التأثير على سلامة الإنسان ووقايته من الخطر إذا ما تلازم حضورها مترافقا مع الأفعال المحدّقة الخطر بالإنسان .

س74: أ. مراد غريبي: نريد الحديث عن موقف فلاسفة التحليلية المنطقية من فلسفة اللغة. وكيف حصلت الاختلافات بينهم؟

ج74: أ. علي محمد اليوسف: في الوقت الذي ذهب فيه فينجشتين في الوضعية المنطقية مجموعة فييّنا، التي جرى تعديلها لاحقا فلسفيا إلى التحليلية المنطقية الانجليزية بزعامة بيرتراند راسل، وجورج مور، وايتهيد، فلاسفة جامعة اكسفورد والتي انضم لها كل من كارناب، فينجشتين الذي كان أستاذا للفلسفة في جامعة كامبريدج.

كان لفينجشتين رأيه الخاص في اعتباره اللغة منطق قوانينه قبلية مستقلة عن التجربة لكنها أيضا تحصيل حاصل أنها لا تعني شيئا. ولا تدل على شيء في التجربة. فما قوانين المنطق إلا قواعد نحوية تنّظم تنظيما ميّسرا بفضاءات التجربة الحسّية. وأضاف أن المنطق يتكوّن من قواعد تركيبية أي تنّظم تركيبا وهذه القواعد تستخرج من مبادئ تم اختيارها بطريقة تحكميّة. ورأيي الشخصي ألخصه بالتالي:

كل ما هو قبلي معرفي تجريدي مستقل عن التجربة الإدراكية لا معنى له ولا يعبّر عن مدرك حقيقي مادي ولا عن موضوع خيالي.

أصحاب الوضعية المنطقية الجدد وجدوا إمكانية التحدّث عن اللغة بوسيلة إستخدام لغة ثانية أطلقوا عليها "لغة اللغة" والتفلسف ما هو إلا شرح معنى لغوي بمعنى لغوي آخر. لغة شارحة بعدية للغة قبلية سابقة عليها في ملاحقة فائض المعنى.

اللغة هي إحساس نسقي منّظم لا علاقة له بالإدراك الشيئي حسب فلسفة اللغة ونظرية المعنى، وإحساس اللغة يكون إحساسا زائفا حينما لا يكون تعبيرا لمعنى واضح الدلالة حسب المناطقة.

 بحسب المناطقة الجدد لا فرق بين زيف الإحساسات حينما تكون تعبيرا لغويا لا معنى له. ولا يمكن التحقق من صدقيته، لذا يبقى الإحساس موضع شك.

العديد من المباحث المفاهيمية لا ينطبق عليها المنهج التجريبي النقدي الذي تنادي به الوضعية الجديدة. فكل شيء بمفهوم العلم هو موضع شك، يتطلب تبيان جوانب الإدانة فيه وتصويب أخطائه.

س75: أ. مراد غريبي: كيف أراد كارناب في انشقاقه عن المنطقية التحليلية الانجليزية ربط فلسفة اللغة بالعلم. وهل أخفقت التحليلية الانجليزية في تحقيق أهدافها؟

ج75: أ. علي محمد اليوسف: يميز رودولف كارناب (1891-1970) بين عدة وظائف للغة إما أن تدل على معنى أو تعبّر عن رغبات وعواطف، ومن واجب الفلسفة حسب المنطقية الوضعية أن تحصر نفسها في تحليل لغة العلم باستخدام المناهج المنطقية التي أساسها الرياضيات، وما عدا هذه المهام فاللغة تبقى مبحثا ميتافيزيقيا لا معنى له، وخارج ميدان مباحث الطبيعة. وأدان كارناب فلاسفة اللغة الذين يضعون قيودا على الإستعمالات اللغوية، بدل الاهتمام بتجديد الشروط التي تطابق اللغة معناها.

هذه المهام للغة التي لخصّها كارناب لا تقول جديدا ما عدا يجب أن تقوم الفلسفة على تحليل لغة العلم بمنطق الرياضيات كما أسس له فريجة وتبّناه بيرتراند راسل ومن قبله دي سوسير، فليس سهلا أن تكون الفلسفة تابعة للعلم بمجرد أنها تمتلك منطقا منهجيا تحليليا للعلم. وهذا لا ينفي بل يؤكد حقيقة تاريخ الفلسفة لم تكن تابعة للعلم تقتفي آثاره بل كانت توازيه على الدوام وتتداخل معه في نطاق ضّيق.

العلوم الطبيعية قاطبة وليس فقط العلوم الانسانية تقوم على مبدأ إستقلالية منطق تجريدي إشاري علاماتي من المعادلات الرياضية لا يخضع الى نقد لغوي عادي سردي كما يجري في لغة نقد سرديات الأدب والايدولوجيا وعلم الاجتماع والأديان التي أطلقت عليها ما بعد الحداثة السرديات الكبرى..     

وأدان ريشنباغ وهو من فلاسفة الوضعية توّجه كارناب وأشياعه قائلا: أنهم يخطئون حين يحاولون البحث عن يقين مطلق، حيث ليس هناك من بديل، وإنما مجرد احتمال. ومّيز ريشنباغ بين التحقق التكنولوجي في عصر ما، والتحقق الفيزيائي الذي لا يتعارض مع قوانين الطبيعة.

انتهى كارناب في أخريات تطوره الفلسفي الفكري الى أنه يجب التوّصل الى تعريفات دقيقة للمفاهيم الأساسية التي يستخدمها العلم في إطار لغة صورية تماما.

كما انتهى جورج مور على العكس من لغة المنطق ضرورة العودة إلى لغة الناس العاديين الجارية المتحاورة معتبرا ذلك الشرط الأساسي للتحليل العلمي الصحيح. وربط التحليل الفلسفي بكل من الإدراك العام أو الإدراك الفطري.

يذهب بيركلي وهو من فلاسفة القرن الثامن عشر ولم يكن عضوا في حلقة اكسفورد التحليلية أنه يمكننا تحديد المقصود بوجود" دون اللجوء إلى أدوات لغوية، وجود الشيء هو وجود إدراكه الشيئي. كما اعتبر أفلاطون الوقائع المعنيّة هي أفكار أي هي كيانات مختلفة تماما عن كيانات العالم المحسوس. وعن أرسطو قوله: الإنسان لا يمكنه التحدث إلا إذا تحدّث عن شيء ما مسّبق بذهنه. وأضاف التعبير عن الوجود ليس فقط أن تقول ماهو موجود، وإنما أن تقول أي نوع من الوجود تقصده. وعن بارمنيدس مقولته الوجود موجود، وعدم الوجود غير موجود، فأنت لا يمكنك إدراك شيء أنت تخلق وجوده بتفكيرك وتدركه بإحساسك.

س76: أ. مراد غريبي: كيف ترون علاقة اللغة بالإدراك والخيال؟

ج76: أ. علي محمد اليوسف: الوجود المادي للأشياء والمخيال بموضوعات الذاكرة إستبطانيا تكون سابقة على إدراكها المادي خارجيا، وخياليا استبطانيا داخليا.. وسابقة على تعبير الفكر واللغة عنهما في كلا المنحيين. لا تفكير ولا لغة ولا إدراك خارج فاعلية العقل.

السؤال بماذا يختلف ما هو موجود مادي، عما هو غير موجود مادي بالنسبة للفكر واللغة؟ الفرق هو في تعبير اللغة فقط بين ماهو موجود مادي خارجي وبين ماهو خيالي تصوّري داخلي. إدراك الوجود لا يتم بغير دلالة عقلية له، لذا يكون الوجود مصدر إدراك العقل، ولا يكون إدراك العقل هو مصدر تحقق موجود مادي لن يتحقق الا بالذهن فقط في مرجعية العقل. لا يمكننا معرفة موجود بغير دلالة تعبيرية لغوية عنه. إدراك الشيء هو أن تتصوره بالفكر واللغة.

حتى الحواس لا تنقل الإحساسات عن الأشياء بغير تعالق ما تنقله في تصوّر وتمثّل لغوي. الموجود المادي هو موضوع لتعبير اللغة وتفكير العقل، عندما نقول الموجود المادي هو لغة تجريد انطولوجي لذلك الموجود. وحينما نقول الموجود المادي هو لغة متموضعة في الأشياء والمواضيع التي يدركها العقل، وإدراك الشيء المادي حسيّا هو إدراكه لغويا، كما وإدراك الموضوع الخيالي هو إدراك وتعبير لغوي مجرد ايضا.. جميعها فعاليات تجري داخل منظومة العقل الادراكية.

أمّا حين نقول مع أفلاطون الموجودات ومدركات العقل هي أفكار فهو صحيح تماما لا يحتاج أدنى نقاش، فاللغة والفكر المعبّران عن موجود متعّين أنطولوجيا، يكون دليل قاطع أن الموجودات سابقة على إدراك العقل لها وتعبير اللغة والفكر عنها. وهو تعبير منهجي مادي. أما الوجه الآخر المقابل في هذا الطرح فهو يقوم على أن الموجود هو لغة مستقلة في التعبير عن دلالة الموجود ماديا، فالتعبير لغويا عن شيء أو عن موضوع من الخيال لا وجود مادي له بالواقع، فتكون اللغة تفكير لغوي تجريدي صرف لا علاقة تربطه بالموضوع المعّبر عنه سوى جدل علاقة التأثير بالمؤثر على صعيد الفكر فقط.

جدل علاقة التأثير والمؤثر بين الموضوع في وجوده المادي وتفكير العقل وتعبير اللغة عنه، هو بالمحصلة يقود الى تطوير الفكر المتعالق مع موضوعه، وتسريع التطور المادي لموضوع الفكر بقدراته الذاتية وليس بقدرات التفكير الذهني به.. جدلية الفكر بالمادة تبقى جدلية غير حقيقية، وسبب ذلك هو إنعدام المجانسة النوعية بين الموجود المادي وتفكير العقل عنه. فالوجود مادي وتفكير العقل هو تجريد لغوي. جدل تناقض الاضداد لا تتم الا داخل مادة او موضوع يحمل المجانسة التكوينية الواحدة في داخله بين سالب وموجب تنبثق عنه الظاهرة المستحدثة الجديدة التي هي بدورها تحمل جدل تناقضها الداخلي ايضا.

س77: أ. مراد غريبي: نريد ختم هذه المحور بفهمكم الفلسفي للماهية أو الجوهر؟

ج77: أ. علي محمد اليوسف: يقول أحد تلامذة السفسطائي جورجياس والذي أصبح من تلامذة سقراط فيما بعد قوله " أنا لا يمكنني أن أحدد ماهية الشيء، وإنما يمكنني فقط أن أحدد بعض الخصائص التي يمتلكها هذا الشيء، وهناك ما هو أسوأ من ذلك فأنا لا يمكنني القول عن شيء محدد ما ليس هو عليه ولا حتى أن أقول عنه غير موجود."

ما يقصده تلميذ جورجياس لا يمكننا تحديد ماهيّة الشيء، إنما كان وضع بذلك بذرة فلسفية في حقل فلسفي نقاشي دام قرونا طويلة، وتناول كانط وهيجل وفلاسفة الماركسية وفلاسفة الوجودية جميعا تلك المقولة. وهؤلاء أكدّوا عدم إمكانية إدراك ماهية الشيء بل المتاح إدراكه هو الصفات الخارجية له فقط...

فلاسفة الماركسية لم يعيروا إهتماما كبيرا لهذه الاشكالية الفلسفية، بل إكتفوا بمعرفة صفات الشيء تغني عن معرفة ماهيته أو جوهره، بإستثناء سارتر قوله:

لا يشترط أن يكون لكل موجود أو شيء جوهرا علينا التفتيش عنه وملاحقته. فالماهية وعلاقتها بالصفات للشيء أو الموجود المادي الواحد، من غير الانسان كانت محط إختلاف ونقاش دائم.

ذهب سارتر في تفرّد عن فلاسفة الوجودية الذين ارادوا ترك القضّية معلقة لا حل لها. أن الانسان هو الكائن الوحيد الذي يمكننا تأكيد ماهيته. ماهيّة الانسان ليست موضوعا أو معطى مجّاني يتعالق مع الانسان في وجوده الطبيعي، بل الماهية عملية تصنيع ذاتي يقوم بها الانسان ذاته. جوهر أو ماهيّة الانسان عملية سيرورة دائمية من البناءات التراكمية والخبرات المكتسبة للإنسان.

إختلاف الوجود بإختلاف موجوداته التي يحتويها وتشّكل مضمونه. لذا تكون نوعية الوجود وإدراكه تتم بدلالة موجوداته. فالوجود مفهوم لا يحده غير موجوده الذي يحتويه. كل موجود يستمد معناه من محتواه النوعي.

عبارة انستيسين تلميذ جورجياس الملغمة قوله: "لا يمكنني القول عن شيء محدد هو ما ليس به ولا حتى أقول عنه غير موجود"، فهو أراد بذلك أن الحواس تخطيء الإدراك في الإحساسات، وتكون عاملا أوليا في تضليلها العقل.

 الشيء الثاني أن تعبير اللغة هو الآخر قاصر عن الإحاطة في التعبير عن مدركاتها الموضوعية بتمامها. فهل تعبير اللغة عن إدراك الشيء هو تعبير حقيقي عنه أم هو مجرد صورة فوتغرافية خارجية فقط لما تلتقطه الحواس؟

انتهى ويتبع

 

حاوره: ا. مراد غريبي

المثقف – مرايا فكرية

2 – 11 – 2021م

 

2916 علي اليوسف ومراد غريبيخاص بالمثقف: الحلقة الثالثة من مرايا فكرية مع الباحث الفلسفي المفكر الأستاذ علي محمد اليوسف، وحوار شامل أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول الراهن الفلسفي، فأهلا وسهلا بهما:


 المحور الثالث: الفلسفة، العقل واللغة والجدل

س43: أ. مراد غريبي: تذهب بعض التيارات الفلسفية المثالية نحو مقولة (مالا يدركه العقل غير موجود) ما تعليقكم على ذلك؟

ج43: أ. علي محمد اليوسف: طبعا العقل هو إدراك الوجود الانطولوجي خارجيا، وإدراك المواضيع الناتجة عن المخيلة الذاكراتية، اي بتوضيح أكثر فان العقل لا يدرك الاشياء المتعينة ماديا وحسب انما هو يدرك الموضوعات الفكرية المجردة ايضا. وكل إدراك عقلي هو تصور لغوي تجريدي للأشياء والموضوعات. العقل في ادراكاته يذهب نحو مدركاته بوعي قصدي، بمعنى العقل لا يدرك ما لا معنى ولا ضرورة له، الشيء الثاني ان العقل يدرك الاشياء لحاجة ادراكية تلازمه لا تتوقف عند مرحلة الادراك بل تتعداها الى مرحلة معرفة لماذا يدرك العقل الاشياء؟ وليس المهم معرفتنا كيف يدركها؟ أما حول مالا يدركه العقل غير موجود فهي مقولة ساذجة في نكرانها عدة امور هي ان الموجودات تكون مستقلة الوجود سواء أدركها عقل شخص او عدة اشخاص ام لم يدركوها، الشيء الثاني إدراك الشيء لا يعني معرفته، فالإدراك معرفة بدئية من مراحل المعرفة. فالوجود موجود فما لا تدركه انت يدركه غيرك.

س44: أ. مراد غريبي: هل برأيكم اضاف تجريد التفكيكية وتأويلية بول ريكور والبنيوية الى حد ما عجز عنه تجريد الفلسفة؟ وهل استطاعت فلسفة اللغة اضافة آفاق جديدة لمراجع تصحيح اخطاء اللغة في تاريخ الفلسفة؟

ج44: أ. علي محمد اليوسف: ربما اكون احادي النظرة في اعطاء تعقيب فلسفي لكني ارى في فلسفة اللغة التفكيكية تجريدا فارغ المحتوى ومبحث فلسفي خال من أية مسألة جديرة بالبحث، لأنها تقوم على تقويض النص والمعنى في عملية تشتيت ذهني وتفكيك نص وخطاب اللغة بلا جدوى وانه لا شيء خارج النص من حيث هو تفكيك تجريدي لغوي مقطوع الصلة نهائيا عن الانسان والحياة في حالة دائمية من الهدم والتقويض اللانهائي لخطاب اللغة.

كما أن الفلسفة البنيوية حسب جياني فاتيمو فيلسوف العدمية تضع في أسبقية اهتماماتها بنية اللغة (النص) فقط بما هو نص مكتوب مدوّن، ولا أهمية عندها للمتلقي ولا تعير اهتماما للمستقبل الانساني.

وأمام هذا الافلاس الفلسفي في التفكيكية وفي البنيوية الى حد ما يذهب جورج مور قائلا: (أن التحليل الفلسفي للغة ليس هدفا في ذاته، بقدر ما هو وسيلة لتوضيح افكارنا وتصوراتنا وقضايانا، والنظرية الفلسفية تقاس قيمتها بقدر اتساقها مع معتقدات الرجل العادي، فاذا جاءت النظرية متنافرة مع هذه المعتقدات حكمنا عليها بالإفلاس.) نقلا عن ابراهيم طلبة سلكها.

وفي نفس المنحى ذهب فنجشتين انه (يتوجب على الفلاسفة العودة الى اللغة العادية والاستخدام المألوف لها). بعيدا عن تفكيك نحوي وبلاغي في اللغة كمبحث لغوي نصّي تجريدي يخص قضايا الادب بما هو تجنيس ادبي وليس بماهو مبحث منتج في إثراء مباحث الفلسفة.

رغم الاهمية الفلسفية الكبيرة لآراء بول ريكور الا أن منهجه اللغوي في التأويلية (الهورمنوطيقا) رسخ قناعة خاطئة مفادها ان النسق النظامي الذي يحكم اللغة داخليا يتيح لنا اريحية القول ان لا علاقة تربط البنية النسقية للغة مع نظم الانساق التي تحكم الحياة خارج نسق منظومة اللغة الداخلية. وان اللغة لم تعد تتوقف الحاجة لها عند وسيلة التداول او التعبير عن الوجود في موجوداته وعلاقتها ببعضها. وان النسق اللغوي في نظام اللغة يوازي ولا يتقاطع مع الانساق التي تحكم الواقع والحياة وهذا برأيي تطرف في منحى فلسفة اللغة ليس في محله.

س45: أ. مراد غريبي: كيف تفسر لنا الادراك الزمكاني للوجود؟

ج45: أ. علي محمد اليوسف: ثبات الاشياء وموجودات الطبيعة نسبي مكانا وزمانا على الدوام وليس كما ذهب له كانط أن ثبات الأشياء هو السمة اليقينية المستمدة من ادراكنا لها بثبات كل من الزمان والمكان في اسبقيتهما على الوجود، وبخلاف كانط أن ثبات الزمان في أدراكه ثبات الاشياء في وجودها الظاهري الحسّي أنما هو أي الزمان يدخل في علاقة جدلية في تغييره الاشياء دون أن يتغير، كما أنه يساعد العقل على الادراك من دون أن يدرك الزمان بذاته، بل كل ما نعرفه عن الزمان انه حدس نتلمسه في ظواهر نتائجه في الاستدلال على وجود الاشياء بعد تخليق العقل لها وليس في اختراع وجودها.

ان إدراك وجود الاشياء في العالم الخارجي مكانيا – زمانيا، أنما هو في حقيقته ادراك زماني واحد فقط، فلا يمكننا أدراك الشيء مكانا من غير زمن ولا نستطيع ادراك الاشياء زمانا من غير وجود مكاني متعيّن لها انطولوجيا، لكننا ندرك الاشياء زمنيا في تفكيرنا الخيالي الذهني لموضوعات تستحدثها الذاكرة مادة لتفكير العقل، وهي أي موضوعات الخيال ليست محددة وجودا مكانا في العالم الخارجي لكننا ندركها من خلال تناول التفكير بها زمانيا تجريدا بمعزل عن تحققها انطولوجيا بالواقع وهذا يسري على جميع الاجناس الادبية التي تجعل من المخيلة ذاكرة واقعية.

2938 علي محمد اليوسفس46: أ. مراد غريبي: هل الديالكتيك الماركسي كان افتعالا تبريريا في إرغام التاريخ على أن يسير وفق حتمية تطورية لا يحيد عنها؟

ج46: أ. علي محمد اليوسف: الديالكتيك في المادية التاريخية قانون يحكم المادة والتاريخ والطبيعة، لكنه ليس حتمية غائية في تحديد المراحل التاريخية التي يصلها ماركسيا بالضرورة. فالديالكتيك الذي يحكم المادة والوجود والتاريخ يشتغل على مسارات تحكم المادة وكل ظواهر الحياة بما لا حصر له،والتاريخ ومساره التطوري أحداها، فالديالكتيك قانون يعمل في الطبيعة مستقلا عن الانسان ورغائبه، وليس قانونا وضعيا من أجل الفلسفة او تفسير تطور التاريخ ماديا مراحليا كما ذهبت له الماركسية عندما اجرت التحقيب التاريخي من عصر المشاعية فعصر الصيد والالتقاط وعصر الزراعة وهكذا وصولا الى المرحلة الامبريالية التي هي قمة الراسمالية.، فقد يعمل الديالكتيك في بلورة معطيات جديدة في الوجود والحياة ليس التاريخ من ضمنها كمرتكز محوري كما تعدمه المادية التاريخية، وأخيرا الديالكتيك ليس قانونا وضعيا أوجده واخترعوه فلاسفة مثل هيجل وفيورباخ وماركس وانما هو قانون يعمل في مجال الطبيعة بمجملها قبل وبعد اكتشافه فلسفيا.

بالحقيقة كان لدي وجهة نظر اشرت لها في احدى مقالاتي ان قانون وحدة وصراع الاضداد في الديالكتيك لا يتم خارج ما أطلقت عليه (المجانسة النوعية) بمعنى لكي يحصل الجدل الافتراضي بين قطبي تناقض لا يحكمه تضاد السلب مع الايجاب في انتاجية واستحداث الظاهرة الجديدة فقط، وانما يحكم قطبي التضاد المجانسة النوعية الواحدة، فمثلا نجد من المحال ان تفترض جدلا يقوم بين زيت وماء. والسبب هو عدم وجود المجانسة النوعية بينهما التي هي تشابه الجوهر والصفات بينهما، فالماء من حيث الماهية والصفات تختلف عن الصفات والماهية للزيت، لذا انعدام المجانسة النوعية ماهويا بينهما لا يمنحهما جدلا ديالكتيكيا ينتج عنه ظاهرة مستحدثة جديدة.

من جانب آخر طالما أن قوانين الجدل تقوم على تناقض لا يلازمه تجربة تطبيقية ملموسة فهو يبقى احتمال افتراضي من الجائز جدا عدم محكومية تطور المادة والتاريخ لتلك القوانين الافتراضية على صعيد الايديولوجيا السياسية والفلسفة معا. افتعال هيجل للجدل على مستوى الفكر كان خاطئا ليس بسبب انه لم يأخذ بالمنهج المادي بل لأنه اساس الخطأ الذي اورثه للماركسية في افتراض وهمي غير خاضع لتجربة التحقق من حصوله. بمعنى لم يكن هيجل يتصور أن ديالكتيك الفكر هو ناتج ديالكتيك حاصل في الواقع. وبرر ذلك قوله طبيعة العقل جدلية بمعنى لا يقاطع جدل الواقع في حال حصول تحققه.

س47: أ. مراد غريبي: كيف توضح آلية منظومة مدركات العقل للأشياء والعالم الخارجي؟

ج47: أ. علي محمد اليوسف: الحواس تدرك وجود الاشياء في العالم الخارجي صوريا بالفكر، وليس صوريا باللغة قبل الفكر، وإدراك الشيء بالفكر لا يشبه تعبير اللغة خارجيا عنه، واللغة في تعبيرها عن وجود الاشياء تكون أولويتها سابقة على الفكر، فإدراك الاشياء بالفكر ذهنيا هو أدراك صامت لغويا، والصمت لغة حوارية كامنة بالذهن غير مفصح عنها بالكلام او الكتابة، في حين يكون تعبير اللغة عن الاشياء في وجودها الخارجي (صاءتا) صوتيا سواء أكان ذلك كلاما شفاهيا او تعبيرا لغويا مكتوبا. انا هنا لا ارغب مجاوزة حقيقة علمية أن الفكر جوهره لغة. بمعنى الفكر في صمته هو تفكير لغوي صوري ايضا.

ويسبق الفكر الصامت في الذهن ادراكنا الاشياء والتعبير اللغوي عنها داخل العقل وليس خارج العقل، وأولوية التفكير العقلي في الذهن يسبق تعبير اللغة عن الموجودات خارجيا، على العكس من أن اللغة تسبق الفكر في التفكير خارج العقل فقط وليس داخله، اللغة تعبير والفكر محتوى وكلاهما متلازمان، وجود الاشياء في العالم الخارجي تكون فيه الاولوية للتعبير عنه باللغة التي تعبر عن الاشياء كناتج تخليق عقلي فكري لها.

صمت الفكر في ادراكه العقلي لوجود الاشياء وأن كان يلتقي مع صمت اللغة في حالتي الادراك العقلي ذهنيا، وفي التقائهما في الافصاح اللغوي – الفكري التعبيري عن وجود الاشياء، لكنما يبقى أدراك الفكر للشيء لا يطابق ولا يشابه تعبير اللغة عنه. وبذا لا يستطيع الفكر الذي هو نتاج عقلي كما هي اللغة أيضا، أن يتطابق مع اللغة في الافصاح عن المعنى، ويبقى الفكر متخلفا عن اللغة في عجزه أيجاد حقيقته الوجودية في منافسة اللغة له في التعبير عن الموجودات والاشياء. وتبقى عبقرية اللغة سابقة على تخليق الفكر العقلي في محاولته التعبير عن الوجود بملازمته اللغة او بمفارقته لها كما في حال انشغال الفكر في حدسه وتنظيمه إدراك ما تفرضه الذاكرة التخييلية من موضوعات مستمدة خياليا من الذاكرة ولا علاقة للحواس في أي دور بنقل مواضيع الخيال الى العقل، فالمدركات الحسّية وظيفتها هي فقط نقل معطيات وجود الاشياء في ظواهرها بالعالم الخارجي وليس مواضيع الخيال التي مصدرها العقلي الادراكي لها هو الذاكرة فقط.

وبهذه الحالة تتراجع اللغة المنطوقة او المكتوبة الى مراتب متأخرة امام فاعلية العقل والفكر معالجتهما مواضيع الخيال في الذاكرة والذهن. وتكتسب اللغة أهميتها المتمايزة عن الفكر في التعبير عن تخليق العقل لمواضيع الخيال أمّا في محتوى وشكل لغة ادبية او فنية او جمالية حال خروج اللغة عن وصاية العقل عليها داخل الذهن المفكّر، وتنتهي وصاية العقل على الفكر واللغة بعد تعبيرهما عن الاشياء في العالم الخارجي. لأن اللغة والفكر يصبحان جزءا متداخلا مع وجود الاشياء في التعبير عنها خارجيا، بعد ان كانا (الفكر واللغة) جزءا من التفكير داخل العقل. خلق عوالم ادبية أو فنية يتراجع فيها الادراك الشعوري على حساب تفعيل اللاشعور الخيالي.

س48: أ. مراد غريبي: هل انت مع كانط في نظريته الفلسفية على ان الانسان مزود بالفطرة بقالبي الزمان والمكان في تمكين العقل من الادراك؟

ج48: أ. علي محمد اليوسف: تضمن كتاب كانط (نقد العقل المحض) الزمان والمكان معطيان قبليان في العقل سابقان على وجود الاشياء وهما وسيلتا أدراك تلك الاشياء، ومن دون هذا الافتراض لا يمكن للعقل والذات أدراك الاشياء في وجودها الخارجي، وجواهر وظواهر الاشياء لا تدرك من غير ثباتها في تجانسها مع ثبات الزمان والمكان في الذهن، كما أن ثبات الاشياء يتناسب طرديا توافقيا ادراكيا مع الزمان في ثباته، وبهذا يكون كانط أعفى العقل من مهمة اثباته ماهيات وجواهر الاشياء في وجودها بذاتها أو حتى في ظاهرياتها المتغيرة كصفات على الدوام وباستمرار، واعطى الثبات المكاني والادراك الزماني المجانس لثبات الاشياء مكانيا اولوية على العقل. وفي هذا التناقض يصبح عدم اعتراف الفلسفات المثالية بالعقل والوجود خارج إدراك الفكر مقبولا دوغمائيا في المثالية، علما أن الفكر هو نتاج عقلي وليس نتاجا مكتسبا في أدراكه وتفسيره للأشياء وفي هذا مأزق الفلسفة المثالية انكارها وجود العقل في تأكيدها على اسبقية الفكر على المادة الذي هو نتاج لصيق بالعقل. ونجد من المهم التنبيه أن العقل لا يفرز الأفكار وظائفيا، لكنه هو منتج الافكار في عملية تخارج التفكير العقلي مع وجود الاشياء إدراكا معرفيا تخارجيا وليس هناك من فكر لا يسبقه وجود او موضوع.

رغم وجودية كيركارد التي اصبحت مادية لاحقا على أيدي هايدجر وسارتر، الا أنه يذهب نحو مثالية لا تختلف عن المثالية التي يذهب فلاسفتها جميعا أنه لا وجود للأشياء ولا العالم الخارجي الا في الوجود الصوري الادراكي لها في الفكر فقط لا غير، وأن النسق الفلسفي يحتوي ويقرر ماهيات الاشياء والوجود من خلال الفكر المنطقي المجرد المنعزل عن العالم المادي، وذهب كريكارد نحو وجود غير مادي وغير ميتافيزيقي أيضا بالتبشير بعالم الوجدانات والاخلاق والعواطف الايمانية، معتبرا أن الوجود الانساني تابعا للنسق الفلسفي لا خالقا لوجوده من خلاله. وفي هذا يخرج كريكارد عن وجوديته المادية واستبدالها بوجودية إيمانية دينية صوفية مثالية.

س49: أ. مراد غريبي: ما حقيقة التطاحن الفلسفي في الوضعية المنطقية التحليلية الانجليزية التي أدت بها نحو الانشقاقات واودت بها الى الانحلال والتفكك التام دونما تحقيقها لأهدافها المعلنة عنها؟

ج49: أ. علي محمد اليوسف: أعتقد السؤال يقصد حلقة اكسفورد الانجليزية. ذهب تطرف برتراند رسل ومعه جورج مور وايتهيد نوعا ما، فيما أطلقوا عليه الواقعية التحليلية المنطقية الجديدة الانجليزية حصرا، في إعلائهم من شأن معطيات ومدركات الحواس أهمية كبيرة وصلت براسل اعتباره تلك المعطيات الحسية هي العقل بمعناه التجريبي العلمي، وليس اللوغوس بمعناه الفلسفي الذي هو نتاج المعرفة بمختلف مباحثها وتنوعاتها. واعتبر راسل تكوين العقل العلمي يقوم على أولوية معطيات الحواس بخلاف أن المعرفة الفلسفية لا تنتج لنا سوى مناهج ونظريات في التفكير الذي لا يقود الوصول الى عقل تجريبي علمي. إنه من الواضح أن راسل اراد أن تكون الفلسفة علما تجريبيا يقودها العلم ولا تقوده هي. ومبحث فلسفة اللغة كان حاضرا في تيار الفلسفة التحليلية بشرط اعتمادها الرياضيات والمنطق تحديدا.

 راسل وايتهيد كلاهما عالمان رياضيان، وأرادا عمل توليفة فلسفية تحليلية منطقية قوامها الرياضيات والمنطق وتحليل معنى اللغة. ووصل الحد براسل أن اوصى فينجشتين في جعل رسالته التي أشرف عليها راسل تقوم على تأصيل المنحى اللغوي بمنطق الرياضيات كما سبق اوصى فريجة بذلك. وحين عجزت وصاية راسل تحقيق مبتغاها فما كان من اعضاء حلقة اكسفورد الا الانفضاض عن راسل وايتهيد اللذين بقيا متمسكين بأهمية جعل منطق اللغة يجاري منطق الرياضيات. فانشق جورج مور ومعه فينجشتين في تغليبهما منطق تحليل اللغة التجريبية يبتعد عن تعقيدات منطق الرياضيات وطالبا بالعودة الى ضرورة توظيف لغة الحياة اليومية التي تعيشها الناس أن تكون لغة فلسفة المستقبل وبخلافه تسير الفلسفة نحو حتفها.

س50: أ. مراد غريبي: ما حقيقة الخلاف بين ديفيد هيوم وراسل؟

ج50: أ. علي محمد اليوسف: ديفيد هيوم ذهب نحو علم النفس معتبرا أن ليس هناك معرفة مباشرة (للأنا)، بالمعنى الفلسفي الذي نفهمه أنه وعي الذات، وإنما الموجود هو النفس البشرية وليس الذات التي يشكك هيوم بوجودها، معتبرا النفس هي (حزمة من الافكار) المستمدة من معطيات الحواس، وقام بتطوير فكرته هذه في كتابه (تحليل العقل) الذي لم يكتف به نكرانه الذات الانسانية بل ذهب أبعد من ذلك قوله (لا يوجد شيء اسمه المادة كما ولا يوجد شيء اسمه العقل). وبتعبير فلسفي يعتبر هيوم (أن ما يمّيز ماهو نفسي هو ذاتيته، وهذه الذاتية تعني ماديا تجميع معطيات الحواس وتركزّها في مكان واحد هو الدماغ).

لكن من المهم أن راسل ينكر على هيوم (وجود نفسي على هيئة جوهر قائم بذاته) ومع ذلك فهو يقر لهيوم (ان الظواهر النفسية أكثر حقيقية من المادة لأننا لا نتوصل للمادة بادراك مباشر لها مطلقا). وانما على شكل انطباعات حسية وهو ما يدعو له هيوم. ولإجراء مقارنة توضيحية بين هيوم وراسل:

1- من وجهة نظر هيوم وراسل أنه لا يسبق الوجود الانساني ولا الوجود الطبيعي قاطبة الافكار المستمدة من معطيات الادراك الحسي للأشياء في وجودها المادي المستقل الذي ينكران ادراكنا له بغير احساسات الحواس فقط، كما لا يوجد هناك عقل مستقبل لمجموع معطيات الحواس بما أطلقا عليه حزمة الافكار وتنظيمها عقليا، وإنما الموجود هو حزمة الافكار ليست المستمدة عن وجود الاشياء السابق عليها في العالم الخارجي بل حزمة الافكار في الدماغ التي بضوئها نستدل على وجود الاشياء من عدمه. ضاربين عرض الحائط حقيقة أنه لا وجود لفكر لا يتقدم عليه ويسبقه وجود.

2- من وجهة أخرى نجد أن هيوم وراسل اللذين يدعوان اعتماد العقل الفلسفي تجريبيا كما في العلوم الطبيعية والرياضيات، يتوسلان اللوغوس فلسفيا في تدعيم دعوتهم الى جعله مبحثا عقليا تحليليا علميا خارج مختبرات العلوم، وليس العكس المطلوب في اعتماد معطيات العلوم الطبيعية في الوصول الى قناعات فلسفية تأخذ من العلم تجريبيته التحليلية بما ينتشل مباحث الفلسفة من الدوران في فلك معرفة الوجود بوسائل تجريدية تستبعد العلم التحليلي والتجريبي. باختصار العبارة الموجزة أن محاولة جعل مباحث الفلسفة (علما) لا يتم الا بمنطق العلم الذي لا يلغي قدرات العقل العلمي البرهنة عليه فلسفيا. أما محاولة ان تكون الفلسفة علما يقود غيره من العلوم الطبيعية فمسألة ليس سهلا تمريرها.

س51: أ. مراد غريبي: ماذا يعني لك الحلول الصوفي بالذات الالهية؟

ج51: أ. علي محمد اليوسف: الانسان كينونة وجودية تمتلك وجودها الظاهراتي والعقلي وماهيتها التي هي مجموع صفاتها وكيفياتها كإنسان، تجعل منه هوية جوهرية ماهوية مستقلة. وفي هذه الخاصية يتأكد استحالة الاتحاد غير القابل للتسوية بين الوجود في ذاته، والوجود من أجل ذاته، أي بين الخالق الالهي والمخلوق الانساني كما تدّعيه الصوفية في تغاير (كيفيتين) أحداهما روحانية لا يدركها الانسان هي الخالق، والاخرى مادية تتمايز ذاتيا مع غيرها بقوانين الطبيعة زمكانيا وهي الانسان، ولا تلتقي كيفية الانسان المادية الا مع كيفيات مادية تتجانس معها في كل او بعض الصفات والماهيات. أما الحلول الصوفي على مستوى من(النورانية) الالهية التي لا يستطيع العقل إدراكها فهي من المحالات في التحقق، إعدام الشعور في التجربة الصوفية لدى الانسان لا يمنحه انتقالة نورانية خارج واقعيته المادية. لا يجب تكافؤ محدودية عقل الانسان بلا نهائية الذات الالهية التي لا يمكن الالتقاء بها.

س52: أ. مراد غريبي: هل تجد فضاءا مشتركا يجمع الفلسفة بالشعر وما علاقة الخيال بتعبير اللغة؟

ج52: أ. علي محمد اليوسف: لغة الخيال هي قسمة مشتركة بين الفلسفة والشعر، باختلاف ان لغة الفلسفة تخضع لسطوة العقل المنطقي في لجم الخيال ان يكون تهويميا، بينما الشعر يعيش ويخضع لمرجعية تنظيم اللغة وتنظيم خيال اللاشعور جماليا فنيا أيضا بعد برودة عاطفة الشعر وبرودة تهويم اللاشعور العقلي في تدوين النص مسموعا او مكتوبا او جماليا ممثلا في نص شعري او في لوحة فنية وفي جميع انواع التشكيل الفني التي تكون اللغة فيها في حالة كمون يستنطقها المتلقي المشاهد.

عبقرية اللغة في الشعر أو في الرسم سابقة على عبقرية الفكر الذي تعبّر عنه، رغم أن انتاجية العقل للفكر سابق على انتاجية الذات للغة، وكلاهما حوار غير معلن لشيء واحد، ويفترقان (اللغة والفكر) عن الخيال العقلي، والتمايز الدلالي بينها أيضا، متى ما اصبحت الفكرة واقعا ماديا معبرا عنه لغويا يدركه الاخرون في عالم الاشياء. الانسان ذات وموضوع يتبادلان الادراك بالتناوب. فالإنسان يدرك الموضوع في وعيه العقلي او الخيالي. والانسان يدرك ذاته بذاته عقليا ايضا. والموضوع لا يشترط ان يدرك ذاته الا بشرط علاقته بمن يدركه وهو الانسان، إذا كان وعي الذات ووعي الموضوع من نفس النوع. بمعنى أن يدرك الانسان ذات غيره من البشر لا ذات غيره من الكائنات في الطبيعة والعالم الخارجي. فهنا لا يكون الادراك بين الذات والموضوع متبادلا، بمعنى أن الانسان في هذه الحالة يدرك موضوعه، لكن موضوعه لا يدرك الانسان ولا وعيه به كموضوع. بمختصر العبارة ماهية أو جوهر الانسان موضوعا ذاتيا يدركه صاحبه فقط، ولا يدرك انسان ماهية او جوهر انسان آخر من نوعه.2939 علي محمد اليوسف

س53: أ. مراد غريبي: فلسفة العقل بدأها ديكارت إشكالية وتناولها كلا من فيلسوف العقل الأسكتلندي ديفيد هيوم لتستقر بين الامريكي ريتشارد رورتي وجلبرت رايل الانجليزي هل لك توضيح بعض جوانب هذه الاشكالية؟

ج53: أ. علي محمد اليوسف: أبدأ بعبارة غريبة متشددة كان بدأها ديفيد هيوم قوله لا وجود لشيء يدعى عقل، ليتلقفها بعده الفيلسوف جلبرت رايل في مقولته لا وجود لما يسمى عقلا ابدا. بحسب الفيلسوف الامريكي المعاصر ريتشارد رورتي 1931- 2007 يختلف ما هو عقلي عما هو فيزيائي، وهذا الاختلاف كان بدأه ديكارت في تقسيمه العقل نفسه الى فيزيائي مرة والى غير فيزيائي تارة أخرى، فالعقلي ويقصد به الانسان هو ما يعقل ذاته ويعقل موجودات العالم الخارجي، ولا يشترط أن يكون الفيزيائي (المادي) يمتلك هذه الصفة الاعجازية الادراكية التي يمتلكها العقل في ماهية انه جوهر مفكر فقط.. إذا جاز لنا التوضيح أكثر فالعقل بمعنى المخ مسؤول عن جسم الانسان، اما العقل غير العضوي بايولوجيا فهو تجريد لغوي ماهيته التفكير في ادراكه العالم الخارجي.

الطبيعة بكل موجوداتها وتكويناتها لا تمتلك ميزات العقل الانساني في وعيها لذاتها ولا وعيها بعض تكويناتها المتعايشة معها ولا وعيها بعض القوانين الفيزيائية التي تحكمها، فالطبيعة تدرك بموجوداتها عقليا بالإنسان كوعي والموجودات الاخرى من الكائنات التي تمتلك عقلا كالحيوانات التي يكون ادراكها الطبيعة محدودا جدا بالقياس لإدراك عقل الانسان الذكي في وعيه المستقبل.

وبعض كائنات الطبيعة كالحيوانات تمتلك عقلا لكنه يختلف عن عقل الانسان بصفات عديدة وهي تتجاوز ملكة العقل الانساني في وعي ذاته وموجودات الطبيعة من غير نوعه، وعقل الانسان عقل ذكي على مستوى إحساسه بالزمن، وكذلك عقل الانسان يمتلك ابتكارا واختراعا هو لغة تجمع النوع الواحد من جنسه. وجميع هذه الصفات وغيرها هي عقل الانسان في جوهره المادي. وليس في جوهره اللافيزيائي الذي حدده ديكارت العقل جوهر خالد بعد فناء الجسم ماهيته التفكير فقط في التعبير عن الوجود واكتساب المعرفة.

ولم يكن ديكارت يشغله أكثر من أن يكون العقل كتكوين فيزيائي بيولوجي أو غير فيزيائي لا بيولوجي منفصل عن الجسم، بحسب حاجته التعبير عما يحققه العقل من اهداف يضعها ديكارت قبل وجودها الواقعي ورغبة الادراك العقلي لها.

وبقدر اهتمامه الذي كان يحاول فيه التوفيق التلفيقي بين وظيفة العقل المنفصلة عن الجسم كجوهر ماهيته توليد الافكار لطرح وجهة نظره التي يقرن بها العقل مع النفس كجوهرين غير فيزيائيين خالدين في انعزالهما عن الجسم، وأراد ديكارت بذلك المراوغة في تحييد العقل عن التداخل المتقاطع مع لاهوت الدين بنفس أهميته ألا يتقاطع العقل كفلسفة مع العلم.

 لم يكن ديكارت الفيلسوف الوحيد الذي لا يميز بين العقل العضوي الفيزيائي الذي هو المخ بتكويناته، وبين العقل لوغوس ماهيته التفكير الذي اسماه غير فيزيائي لأنه لا يدرك بغير دلالة غيره من موضوعات، وهنا العقل المقصود غير الفيزيائي اللامادي هو نوس nose   تقتصر ماهيته على التفكير وتوليد الافكار المجردة التي لا وصاية للجسم عليها لكن وصاية العقل العضوي يبقى ساري المفعول عليها.. كون تجريد خلق الافكار الذهنية لا تأخذ مصداقية معناها من غير وصاية العقل العضوي عليها.

صحيح أن التفكير واللغة هما موضوعان تجريديان لكنهما عاجزان عن التفكير واختراع اللغة في التعبير عن الاشياء من دون وصاية دماغ الانسان العقلي عليهما. وبغير هذا الترابط لا يبقى هناك معنى لتفكير ولا يبقى هناك معنى للغة من دون وصاية العقل عليهما. فمصدر التفكير ليس اللغة وإنما هو العقل. فالتفكير توسيط بين العقل واللغة.

نفهم من التفريق الذي طرحه ريتشارد رورتي بين الفيزيائي والعقلي أنه أراد أسقاط هيمنة مبحث الابستمولوجيا المعرفة كأولوية اهتمام العقل بها باعتبارها الفلسفة الاولى التي اشغلت فلاسفة القرن السابع عشر معتبرين مهمة الفلسفة تفسير كيف يمكننا الحصول على المعرفة، وخلاف ديكارت ليس في عدم نكرانه وبإصرار عنيد ان مهمة العقل والفلسفة تزويدنا بالمعارف لكنه  أراد تحييد العقل من المساس بما يراه الدين صحيحا حتى لو عارضه العقل برؤاه... العقل في تمسكه بالأبستمولوجيا كهدف ومبحث فلسفي سابق على كل ما يشغل اهتمامات الفلاسفة في عصره وما قبله.

ولم يكن ديكارت يجرؤ البوح العلني أن وسيلة تحقيق وتحصيل المعرفة في عصره لا يكون بغير توسيط العقل ليس كتجريد لغوي غير فيزيائي وإنما كجوهر فيزيائي يتعالق بموجود تكوين بايولوجيا جسم الانسان بالحياة والفناء.

والسبب في الفرق بين ديكارت ورورتي هو المدة الزمنية التي تقارب ثلاثة قرون تفصل بينهما في اختلاف فلسفتيهما في مراكمة مفاهيم فلسفية جديدة.. في مقدمتها التحول اللغوي وفلسفة اللغة.

فديكارت الذي قال إن مهمة الفلسفة المركزية الاولى هي تحصيل المعرفة أبستمولوجيا، جاء رورتي معتبرا فلسفة العقل واللغة هي ما يتوجب العناية والاهتمام بهما في القرن العشرين والعقدين اللذين تلاه. ولم يبق تلك الاهمية لخدعة ديكارت حين أضل الفلسفة بمفهوم الابستمولوجيا الفلسفة الاولى منذ القرن السابع عشر بحسب إدانة فلاسفة اللغة لديكارت.

فكلاهما ديكارت ورورتي لا يختلفان بأن ماهو فيزيائي هو الذي تنطبق عليه قوانين الادراكات المادية، والعقلي هو الذي يدرك كل ماهو فيزيائي بالفكر المجرد الذي لا يسعى تحقيق وجوده الفيزيائي المادي على حساب التفريط بأهمية تحولات فلسفة العقل من فلسفة تعنى بمركزية تحصيل المعرفة، الى فلسفة عقلية تقوم على تفسير العالم بفلسفة اللغة وليس بقوانين تأتي من خارج نظامها اللغوي الخاص المستقل بها كبنية نسقية لا ترتبط بالعالم الخارجي.

ما فعله رورتي فلسفيا على مستوى كبير من الأهمية التي كانت آراؤه التأويلية نسخة كاربونية محسنة لما قام به بول ريكور والتي انا ادينها وهي:

1) إلغائه مركزية العقل كمصدر للمعرفة،

2) اعتباره نظام فلسفة اللغة هو نظام التوازي مع الواقع لا يقاطعه ولا يحاول التداخل التفسيري معه.

3) اللغة نظام لا تحكمه القوانين التي تحكم العالم الخارجي، فاللغة نظام مستقل داخل منظومة قواعده في النحو والاستعارة والمجاز وفائض المعنى في معرفته تفسير العالم بسلطة اللغة ذاتها وليس بسلطة قوانين الطبيعة الثابتة منها والوضعية ايضا التي اخترعها الانسان معرفيا علميا.. وبهذا غادرت اللغة خاصية التعبير التجريدي عن الاشياء الى خاصية امتلاكها نسقا بنيويا مستقلا بها وحدها.

في التحول اللغوي الذي أرسى فلاسفة اللغة والتحول اللغوي ونظرية المعنى مفاهيمه الفلسفية بالقرن العشرين لم تبق هناك حاجة بعد استنفاد العقل لمزاياه الموروثة التي أسقطتها عنه فلسفة ما بعد الحداثة بتنوعاتها الفلسفية بدءا من البنيوية والتفكيكية والتأويلية والعدمية والعبثية، الى وجوب الابتعاد عن قياس فاعلية العقل بعلاقته التواشجية الجدلية عبر القرون مع الواقع المادي... حينما كان الفرد هو مركز استقطاب دوران الفلسفة هو الانسان كذات وكينونة وماهية وصفات في العصور التي حكمت الفلسفة منذ ما قبل سقراط والى نهاية القرن السابع عشر عصر فلسفة ديكارت العلمية.. التي لم تفارق قدسية الذات الانسانية لكنها أي الديكارتية فتحت أبواب الفلسفة على العلم بتكامل مع فرانسيس بيكون.

س54: أ. مراد غريبي: يوجد عبارة تنسب لديكارت من فزعه الشديد من رجال الدين (يسلم من يعش بالظل) وهرب الى هولندا متخفيا حتى أواخر أيام حياته، ما حقيقة الموقف التلفيقي الذي ابتغاه ديكارت في محاولته زواج اللاهوت بالدين زواجا كاثوليكيا؟

ج54: أ. علي محمد اليوسف: في عصر ديكارت حاولت الفلسفة الاهتمام بالمعرفة (الابستمولوجيا) في تقريبها الشديد من دعم العلم وتحصيل المعرفة الإبستمولوجية باشتراط مهادنة رجال الدين وتحييد اللاهوت والكنيسة لأقصى درجات التحفظ من الاصطدام المباشر بهم.

أي أراد ديكارت تلفيق جمع متضادين هما العلم واللاهوت الكنسي اللذين لا تربطهما علاقة جدلية معرفية، ولا تربطهما علاقة عقلية سوسيولوجية هي بمصطلح اليوم (علمانية) تفصل شؤون الحياة ومنجزات العلم من سطوة رجال الدين الذين استفحل امرهم جدا في عصر ديكارت. ولم يجرؤ ديكارت التصريح بوجوب فصل شؤون الحياة وتجارب العلم عن وصاية رجال الدين واللاهوت ليس لأن مصطلح العلمانية لم يكن معروفا عصر ذاك وإنما من ثبات الاتهام بالزندقة والهرطقة وملاحقة ما يسمى لجان التفتيش سيئة الصيت التي تطال كل من يجرؤ التطاول على وصاية لاهوت الدين وما يقوله رجال الدين على تجاوز حرمة فصل العلم عن وصاية تعاليم رجال الكنيسة ولم يكن دقة المصطلح (العلمانية) واردا الذي كان تبلوره النهائي تم في عام 1905 في فرنسا كتشريع قانوني ملزم بعد رسوخ مفاهيم الثورة الفرنسية 1789...

هذا التضاد بين العلم والدين اراد ديكارت حسمه بالتلفيق والدوران حول المشكلة دونما المساس بتغيير أي شيء بين القطبين المتنافسين أكثر من انحيازه نحو العلم بمهادنة رجال اللاهوت الديني، وقلبت الكنيسة المعادلة في تغليب أهمية مركزية الدين كفلسفة اولى بدلا من العلم والمعرفة مبحث (الابستمولوجيا) الذي ساد الفلسفة طيلة مدة القرون الوسطي الاوربية، الى وقت مجيء عصر الانوار الذي سبقته النهضة والاصلاح الديني في وجوب إعطاء ما لله لله وما لقيصر لقيصر، بمعنى فصل الدين عن العلم وحياة الانسان وحريته الاعتقادية بما يجده ملائما له بحياته. وهكذا بقي المتضادان لا نقل متعايشان بل بقيا في استقلالية أحدهما بعيدا عن التدخل بشؤون الاخر واستقر هذا الاتفاق المعلن الى يومنا هذا بالتوافق بين الطرفين.. مع دخول عصر الحرية والمساواة والانتخابات وحقوق الانسان في مغادرة جحيم القرون الوسطى الاوربية وسلطة لجان التفتيش بوحشيتها المروّعة.

س55: أ. مراد غريبي: ماذا بقي من العقل الفلسفي اليوم بعد ثورة المعلوماتية التي تسيدها العلم التجريبي من جهة، وهيمنة فلسفة اللغة على مباحث الفلسفة جميعها بلا استثناء؟

ج55: أ. علي محمد اليوسف: أصبح العقل اليوم لا يستمد مقوماته المادية بمعيارية المقايسة التداخلية مع الواقع المادي ولا مع الانسان كعالم مستقل بذاته كهوية ماهوية كان قائما وأنهار كقيمة عليا بتقادم تراجع هيمنة المعرفة عن ملازمتها له، لذا أصبح في فلسفة العقل واللغة اليوم الانسان والابستمولوجيا والعقل من مخلفات الميتافيزيقا التي خرجت عليها فلسفة ما بعد الحداثة، أكثرها تطرفا فلسفة دريدا التفكيكية بضراوة شديدة غير معهودة سابقا على معاداة العقل والذات والابستمولوجيا ليس في سبق يحسب لها بل في موروث مقتبس افادت منه جاءت به فلسفة اللغة التي تبلورت بشكل تنظيري فلسفي على ايادي اقطاب البنيوية فريجة ودي سوسير و شتراوس ومن بعدهما حلقتي فيّنا واكسفورد في التحليلية والمنطقية الوضعية وصولا تشعبات فلسفة اللغة الى تيارات متنوعة لا يمكن حصر فلاسفتها ورؤاهم المستمدة جميعا من الفلسفة الأم الاولى فلسفة اللغة والمعنى التي هيمنت كفلسفة اولى بلا منازع منذ منتصف القرن العشرين.

 وأصبح يراد المطلوب من فلسفة اللغة اليوم التحرر من تداخلها مع فلسفة العقل الخالصة في تمجيدها وتبنيها النزعة العلمية التي بدأها بيكون وديكارت في تكريسهما لها على وجوب أن تكون المعرفة هي جوهر تلاقي العقل مع العلم الطبيعي. وذهب ديكارت الى نوع من الموائمة التي تجعل العقل في تكامله المعرفي مع العلم والدين تلفيقية ساذجة. على العكس تماما مع ما حصل في فلسفة العقل واللغة اليوم في ابتعادها عن تعالقها مع العلم وكل من الابستمولوجيا والدين. واشتغلوا على فلسفة العقل التي لا توازي فقط المعرفة بل التقاطع معها كما في اقطاب فلاسفة التأويلية، في تحقيق مهادنة التوافق مع اللغة في تياراتها المتعددة التي يحتويها التحول اللغوي وفي نظرية فائض المعنى الذي تدخّره اللغة على الدوام في تعدد القراءات الجديدة وتأويل النص في البحث عما وراء الكلمات في غير المباح عنه. كما اعتمدها رولان بارت، فوكو، وسوسير في البنيوية وعمق هذا التوجه بعدهما بول ريكور في التأويلية (الهورمنطيقا)، لتجد فلسفة اللغة كبنية تجريدية لا علاقة لها بالعقل والانسان اوج الاهتمام بها في تفكيكية جاك دريدا.

العقل في فلسفة اللغة اليوم تراجع الى ضرورة الاكتفاء الذاتي القائم على ترابطه الفيزيائي بالجسم، ولم يعد تنطبق عليه مقولة ديكارت التي فقدت بريقها العقل جوهر لا فيزيائي ماهيته التفكير وحتميته الخلود في ملازمته خلود النفس. هذا التفريق الذي كان تطرق له ديكارت بتردد خجول بين أن يكون العقل لا فيزيائي أكثر منه فيزيائيا ما ترتب عليه انتشار مقولة ديكارت أن وسيلتنا الوحيدة في معرفة أنفسنا والعالم والطبيعة من حولنا هو العقل الذي لا يقاطع ولا يتداخل مع ما هو ديني. وكان الفارق الزمني بينه وبين التقائه بفلسفة فرانسيس بيكون لا يتجاوز بضعة عقود في توجههما تتويج العقل أثمن قيمة في معرفتنا العالم وتحقيق تقدمنا العلمي فيه. ودام هذا الاعتقاد الفلسفي راسخا قرونا طويلة الى أن كنسته تماما فلسفة العقل ونظرية التحول اللغوي وفائض المعنى في الفضاء الرحب الذي فتحته ما بعد الحداثة أن من حقك أن تقول كل شيء ولكن ليس من حقك مصادرة أي شيء لغيرك هو حر في امتلاكه أو الايمان به يخالفك الرأي فيه ...

هذه الارضية مهدت لريتشارد رورتي وعديدين من فلاسفة أمريكان مثل جومسكي، سيرل، كواين، وسيلارز، وسانتيانا وغيرهم من اقطاب فلسفة اللغة ونظرية المعنى والتحول اللغوي الى تنحيتهم العقل مصدرا للمعرفة، بدلا من المعرفة التائهة التي باتت تبحث عن وسيلة التعبير عن ذاتيتها في تغييب سندها الصلب العقل الذي أسقطته ما بعد الحداثة معتبرة إياه ميتافيزيقا تجاوزها الزمن من منزلة الاحتكام والمرجعية التي يقاس الصواب والحقيقي بمعيارها..

س56: أ. مراد غريبي: أين مكانة فلسفة اللغة من العقل؟

ج56: أ. علي محمد اليوسف: من المثير للاستغراب اننا إذا ما تماشينا مع نظرية إعدام العقل وسيلة معرفية يمكن الوثوق بها، فإننا بقصد نعيه ندركه أو بقصد لا نعيه ولا ندركه نضع (العلم) في قفص الاتهام بتهمة تضليله العقل، أو تضليل العقل للعلم لا فرق... وبهذا نجد أقصر السبل في مصادرة العقل واستهدافه في استبعاده وانفكاكه عن الابستمولوجيا التي أخلت موقعها كفلسفة أولى لازمت العقل قرونا طويلة، وكذلك استبعاد العقل عن تعالقه بكل ما هو واقعي في تعطيلهما معا وظيفة كل منهما الاخر.

لم تكن فلسفة العقل واللغة تقوم على مكنة وقدرة العقل فهم العالم الذي وصل قبل نهايته الى طريق مسدود في ما بعد الحداثة، لذا نجد فلسفة اللغة اعتمدت العقل بما لا يفقده آخر معاقله في التجريد في وقت لا يكون العقل ينتزع من اللغة طوباويتها التي تدور حول مركزية تأويل النص اللغوي في تعدد القراءات التي يتمحور دورانها حول خاصية اللغة في ملاحقة فائض المعنى الذي تدّخره اللغة بما هي لغة قبل انهمامها أن تكون اللغة وسيلة العقل في فهم العالم وتفسيره والتعبير عنه. وهذه الميزة اللغوية النظامية تفتقدها صرامة العقل الذي يرى الواقع بعيدا جدا عن اهتمامات الفلسفة اللغوية المعاصرة.. وبقي تجريد اللغة في فلسفة اللغة هو عملية التفكير اللاعقلي في تنحية واستبعاد الواقع عن تعبيرات اللغة عنه بما هو معرفة وليس بما هو وجود. بمعنى على خلاف أن تجريد اللغة هو تعبير العقل عن الواقع نجد فلسفة اللغة رأت في تجريد اللغة الاهتمام بنظام نسقي خاص بها بعيدا عن أي التزام آخر، ولو استطاعت فلسفة اللغة الغاء التوظيف التواصلي كخاصية سوسيولوجية لغوية لما قصّرت المطالبة به في القفز من فوقه في إعدامها تعالق اللغة بالواقع الاجتماعي على الخصوص. وعديد من فلاسفة اللغة ذهبوا بهذا المعنى في استهجانهم أن تكون اللغة توسيط فهم الواقع التواصلي والتداخل به. على حساب بحث اللغة تأسيس نظام لغوي خاص بها بعيدا عن الواقع الاجتماعي والطبيعي. ولعل بول ريكور وفلاسفة المنهج التأويلي بعده ومن عاصروه ذهبوا هذا المذهب المتطرف.

س57: أ. مراد غريبي: قرأت أنكم لا تؤمنون بوجود جدل تاريخي يحكم المادية التاريخية لا ماركسيا ولا هيجليا، كيف توضح لنا هذه الانتقالة الفكرية لديكم؟

ج57: أ. علي محمد اليوسف: نعم في الفترة الاخيرة كان لي رأيا مفاده كلا المنهجين الجدل المثالي والجدل الماركسي لا يمتلكان التحققات العلمية التجريبية الحادث حصولها على صعيدي المادة والتاريخ أو التحققات غير الفلسفية من عدم حدوثها. فالحتمية الضرورة هي تصورات نظرية فلسفية وأحكام تلزم التاريخ بها كقانون وهي ليست من حركة التاريخ بشيء. ليس مهما بنظري البحث عن هل التطور الذي يحكم الحياة البشرية موزّعة على تطور الظواهر المادية وتطور مسار التاريخ تتم في منهج مثالي إعتمده هيجل أو منهج مادي إعتمده ماركس بقدر أهمية الجواب على التساؤل: هل الجدل حقيقة قائمة تاريخيا حصلت وتحصل أم هي أوهام نظرية ابتدعتها ايديولوجيا اليسار والفلسفتين المثالية والمادية على السواء؟

من المسائل العديدة الواجب الوقوف عندها هي كيف نجزم حصول الجدل بقوانينه الديالكتيكية الثابتة التي قادت التطور التاريخي عبر العصور، خير مثال يعزز أن قوانين الجدل تبقى تقديرات نظرية تتطلب منهج التحقق الحصولي المادي لها هو أن الرأسمالية تطورت ووصلت مرحلة العولمة في نهاية التاريخ ولم تعتبر الجدل سوى منهج غير واقعي وهمي يهم المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفييتي القديم.

وليس معنى هذا النفي الاختلافي المتضاد أن النظام الرأسمالي يمتلك نظرية منهجية للتاريخ قادت الى مراحل الديمقراطية الليبرالية وتحسين ظروف العمل حيث كانت تنبؤات هربرت ماركوزا وغيره من فلاسفة أنه لم يعد هناك تنازع مصالح طبقات بالنظم الرأسمالية تتصارع بين مصالح الطبقة العمالية وطبقة الرأسماليين بعد تحديد الاجور وساعات العمل وتامين الضمان الصحي والتقاعد للعمال والشغيلة وغيرها من مكاسب وامتيازات اذابت جبل الجليد الفاصل بين الطبقات الكادحة المحرومة من الحياة الكريمة والطبقات الرأسمالية التي تمتلك كل رفاهية الحياة وتوريثها لأبنائها من بعدها.

س58: أ. مراد غريبي: كيف ترى التطور التاريخي خارج مفهوم الجدل المثالي والجدل المادي؟ هل التناقض الجدلي وهم حقيقة فلسفية فقط كما عبرت عن ذلك؟

ج58: أ. علي محمد اليوسف: ما ارغب تأكيده هنا أن التاريخ مجموعة من المتلاحقات العشوائية القائمة على الفعل ورد الفعل وأن التاريخ لا يتقبل منهجا يستوعبه في توالي الصدف الطارئة غير المتوقعة التي تحرف مساره بما لا يستطيع المنهج إحتوائه ومعالجته. وقبل طرح تفاصيل وجهة نظري أن التاريخ غير غائي ولا يستوعبه منهج ولا تحكمه ضرورة نظرية أمهّد قليلا بالتالي بعد أسطر.

يرى هيجل أن الواقع في حقيقته الوجودية (جدليا) لأن العقل نفسه الذي يدركه ذو طبيعة جدلية – هنا يقصد هيجل بالعقل هو الفكر - بخلافه ارجع ماركس جدلية الفكر الى جدلية الواقع الذي نعيش فيه.. هذا الخطأ الذي وقع به هيجل إعتباره جدل الواقع قائم لأن العقل ذاته ذو طبيعة جدلية فهو أخذ بسببية هيوم على صعيد جدل الفكر في تجريديته غير الانفصالية عن جدل الواقع. الشيء الاكثر اهمية في خطأ هيجل أن جدل الواقع لا يداخل جدل الفكر. وهذا ما شكل ركيزة غاية بالأهمية إعتمدها ماركس إعتباره الجدل يتم بموضوعية واقعية مستقلة لا علاقة لها برغائب الانسان ولا قدرة لجدل الفكر تسيير جدل الواقع ولا جدل التاريخ.

بمعنى في حال تسليمنا أن الجدل قانون طبيعي يحكم المادة والتاريخ بمعزل عن وعي الانسان به وعن إدراكه تطبيقيا وليس تنظيرا ايديولوجيا – فلسفيا.

لتوضيح هذا الاختلاف الذي تم وصفه بالاختلاف المنهجي المثالي بالضد من المنهج المادي حول الجدل أو الديالكتيك يرى هيجل فيه أن الوجود الواقعي – الاجتماعي إنما يستمد (وجوده) من الذات المدركة له الذات العارفة. هذا منتهى التطرف المثالي ليس في إنكاره الوجود خارج إدراك العقل وانما إنكاره لأي نوع من ديالكتيك جدلي يحصل خارج تفكير الانسان لا في المادة ولا في مسار التاريخ.

خطأ هيجل في هذا التعبير هو في خلطه بين إدراك الشيء في موجوديته الطبيعية المستقلة عن إدراك موجوديته الجدلية مع الذات التي تدركه وبغير ذلك أي بغير وجود الذات المدركة لا يكون هناك للأشياء وجودا مستقلا سواء أدركته الذات أم لم تدركه حسب مثالية هيجل ومن بعده. الوجود الشيئي بالواقع لا يحدده الادراك العقلي له.

الذات لا تدخل جدلا ديالكتيكيا مع الواقع بسبب انتفاء المجانسة النوعية بينهما، وحتى لو قلنا أن الفكر يدخل بجدل ديالكتيكي مع المادة فهذا لا يغّير من حقيقة الامر شيئا في إنعدام المجانسة النوعية مع المادة في وحدة الماهية والصفات بينهما. أي ماهية وصفات الفكر لا تلتقي في مجانسة نوعية ماهية وصفات المادة وهذا بحد ذاته سببا كافيا أن الفكر لا يدخل في جدل ديالكتيكي لينتج لنا ظاهرة مستحدثة جديدة تسمى المركب الثالث. الحقيقة أن علاقة الفكر بالمادة علاقة تكامل معرفي تخارجي يتوسطهما التأثير المتبادل بينهما. الفكر يؤثر بتطور المادة، والمادة تؤثر بتطور الفكر ايضا. وليس هناك علاقة جدلية تربطهما ببعض.

من هذا الخطأ الفلسفي الذي إعتبره ماركس مثاليا لا حقيقة له في الواقع الذي يراه ماركس وجودا موضوعيا مستقلا ولا يستمد موجوديته من ادراكية الذات له. وإذا ما ترجمت هذه المقولة اسقاطيا على حركة التطور التاريخي، نجد ماركس محقا قوله "وعي الانسان لا يخلق الواقع، بل الواقع يصنع الوعي".

ويعتبر بعض الفلاسفة والمفكرين ان مقولة ماركس تلك كانت ثورة لا تقل اهمية وتأثيرا عن ثورات كل من سقراط، بيكون، هيجل. ومن السخرية أن نجد المثاليين ينكرون هذه الحقيقة قولهم لا وجود مادي خارجي لا يدركه العقل. الملاحظة التي برأيي تم غفلها أن ماركس لم يقل وعي الانسان يخلق جدل الواقع. فالجدل في حال التحقق من حدوثه على صعيدي المادة والتاريخ فهو جدل وقانون طبيعي يعمل بمعزل عن وعي الانسان له وبمعزل عن تلبية رغائبه. كما أن عبارة هيجل الجدل الديالكتيكي حاصل لأن طبيعة العقل جدلية، فهي عبارة لا معنى لها أكبر من خطأ الفكر يصنع الواقع ويوجده.

س59: أ. مراد غريبي: في ختام هذا المحور، ماهو مجمل رأيكم فيما تطرقتم له بالإجابة عن الاسئلة السابقة حول مفهومكم ان الجدل ليس قانونا طبيعيا يحكم المادة والتاريخ ويعمل بمعزل عن ارادة الانسان كما تذهب له الماركسية؟

ج59: أ. علي محمد اليوسف: أجمل رأيي بالتالي:

أصبح اليوم مراجعة دراسة كيف تطور التاريخ ليس مهما، اسبقية المادة على الفكر أو بالعكس؟ بل الاهم مراجعتنا هل جدل المادية التاريخية هو التفسير العلمي الوحيد الذي نادت به الماركسية صحيحا؟ لا توجد براهين ثبوتية لا على صعيد المادة ولا على صعيد التطور التاريخي تثبت لنا أن قوانين المادية التاريخية الكلاسيكية الثلاث التي وضعها ماركس وانجلز (قانون وحدة وصراع الاضداد، وقانون تحول الكم الى كيفيات، والثالث قانون نفي النفي) هي قوانين جدل اكتسب علميته بالتجربة الميدانية الحقيقية اجتماعيا تاريخيا وعلى ارض الواقع بالحياة التي نعيشها وعاشها آخرون من قبلنا على مر العصور. ربما تكون حقيقة تحول التراكم الكمي الى تراكم نوعي صحيحا لكنه لا يكون ولا يمتلك بمفرده إحداث جدل على مستوى التاريخ يمكن التحقق منه، انما تصح هذه التحولات من كمية الى كيفية أن تكون واحدة من قوانين الطبيعة التي يدركها الانسان بمفهوم السبب والنتيجة وحدوثها يحصل ليس في توليد جدلي بل في توليد (سببي).

الجدل المثالي او المادي على السواء الذي بحسب المنادين به والادعياء له والذي بضوئه نعرف تطورات المادة وتطورات التاريخ لا يقوم على اساس من تناقض نوعي تجانسي في الماهية والصفات يجمعهما داخل الظاهرة الواحدة. فانت لكي تجد جدلا ديالكتيكيا يجمع بين الفكر والمادة في تعالقهما التخارجي لا بد من اشتراكهما في مجانسة نوعية واحدة تشمل وحدة الماهية مع وحدة الصفات لكليهما في تعالق جدلي يجمع نقيضين متضادين ينتج عنهما استحداث الظاهرة الجديدة أو ما يسمى المركب الثالث.

فالواقع بكل موجوداته وتنوعاته الذي يشكل مصدرا للوعي يمتلك مجانسة نوعية في كل ظاهرة فيه تختلف عن غيرها بعيدا عن مدركات الفكر لهذا التناقض الداخلي في وحدة المجانسة النوعية. وهذه المجانسة النوعية المشتركة بين متضادين تجمعهما ظاهرة واحدة يصبح حصول جدل داخلي فيها مستقل عن وعي الانسان له وادراكه واردا حتى في حال عدم إدراك الحصول الميداني جدليا من قبل الانسان.

بمعنى كل ظاهرة لكي يحصل جدلا داخلها منفردة لوحدها لا بد أن تمتلك النقيضين المتضادين فيها مجانسة نوعية واحدة التي هي الماهية والصفات التي تجمعهما في وحدة كليّة، وعندما لا يمتلك الواقع بظواهره المجانسة النوعية في داخل ظواهره لا يحصل جدلا داخلها بمعزل عن الفكر أو بتداخل تخارجي للفكر معه.

الشيء الذي أراه مهما ألا نقع في خطأ إعتبار الجدل في المادة مرادفا لا فرق بينه وبين إعتبار علاقة الفكر بالمادة علاقة (معرفية) تكاملية وليست جدلا ديالكتيكيا يقود بالحتم استحداث ظاهرة جديدة أو مركب ثالث.

ليس مهما صحة أو عدم صحة مقولة هيجل أن الوجود ذاتي يستمد موجوديته من الذات المدركة أو العارفة. التي رغم وصمها بالمثالية الفكرية الا انها تشير الى منهج (مادي) في حقيقتها. وبغير هذه العلاقة التي اشار لها هيجل لا يبقى معنى للواقع أن يكون مؤثرا بالوعي، ولا معنى للوعي أن يكون نتاجا للواقع حسب ماركس. هنا نجد هيجل يؤكد على أن الوجود هو إدراك ذاتي لذات عارفة وهو منطق فلسفي سليم لا علاقة ترابطية له مع الجدل الواقعي الموضوعي الذي يجري كقانون طبيعي خارج إدراك الذات لحصوله.. علاقة الذات مع مدركاتها المادية علاقة تخارجية تكاملية معرفية بينهما وليست علاقة جدلية.

عندما يرى ماركس العكس من ذلك أن الوعي هو ناتج إدراك الواقع المادي الذي نعيشه في اسبقيته على تفكيرنا، فهذا ليس معناه ضرورة ربط المادة بالفكر على مستوى تناقض جدلي يجمعهما يقود لناتج حصول متغيرات جديدة وإنما هنا الاختلاف بين هيجل وماركس على مستوى (وعي) و(معرفي) للواقع وليس على مستوى الجدل بينهما.

الجدل المزعوم بين الواقع والفكر هو وهم غير قائم للأسباب الآتية:

الواقع والفكر ليسا قطبي تناقض تجمعهما مجانسة نوعية ماهوية واحدة تدخلهما في تناقض جدلي بمعزل عن ارادة الانسان. فالجدل في حال اثباته قانونا طبيعيا ثابتا كمثل قوانين الطبيعة الاخرى فهو يعمل باستقلالية تامة عن ارادة الانسان وإدراك الذات. وحضور العوامل الموضوعية كعامل مساعد في عملية جدل ديالكتيكي هي الاخرى تكون فاعليتها ليست مستمدة من رغبة انسانية سابقة عليها بل من حاجة جدلية تتطلبها.

قوانين الجدل في حال جرت البرهنة عليها على صعيدي المادة والتاريخ. عندها تصبح وقائعا يتم الجدل فيها خارج ارادة الانسان، ولا معنى لتخارج الوعي المعرفي مع الواقع في خلق الجدل. حينما يعبر هيجل " الجدل وعي ذاتي " فهو كان يرغب خلق جدل فكري غير متأكد من إمكانية حصوله ماديا أو تاريخيا. لتوضيح سبب رجحان مثالية تفكير هيجل أن الجدل يحصل بالفكر فهو ربما كان يدرك أو لا يدرك هيجل أن الفكر لا يجانس المادة بالماهية والصفات كي يرتبطان بعلاقة جدلية وليس بعلاقة تخارج تكاملية معرفية.

الجدل يتسم بحقيقتين اثنتين هما أنه يحصل خارج الادراك الذاتي له، وأنه لا يحتاج الذات الانسانية في استكماله عملية الجدل في داخله لإنتاج مركب ثالث أو ظاهرة جديدة.

لذا إدانة هيجل أن الفكر أو الوعي ليس بمقدوره تغيير الحقائق المادية على الارض هي في حقيقتها صحيحة تمثل قمة المادية وليس المثالية. وهي لا تعطي الجدل جواز مرور حينما لا تعتبره أي الجدل قائما حينما يكون هناك للذات إمكانية إدراك الاشياء والموجودات في العالم الخارجي.

لا يوجد مؤشر برهاني حقيقي تجريبي واقعي مدّعم برهانيا أن هناك جدلا يجري داخل ظواهر وقائع العالم الخارجي بغية وجوب تطورها، كما وليس هناك ما يدلل تجريبيا قاطعا، أن يكون هناك جدلا طبقيا يحكم التاريخ، وليس هناك علاقة جدلية تربط الفكر بالمادة أو بالتاريخ طالما الجدل قانونا طبيعيا موضوعيا يجري بمعزل عن الارادة الانسانية، وأن الجدل هو أحد القوانين العلمية والتاريخية المكتشفة بالطبيعة وليست المخترعة تنظيرا فلسفيا. والاهم انها لا يمكن إدراك حصولها فلم يعد كافيا القول ان تناقض مصالح طبقة العمال والشغيلة تدخل في صراع جدلي تناقضي مع طبقة المالكين الرأسماليين تنتج عنه ظاهرة ثالثة جديدة مستحدثة متطورة.

كما المحت سابقا مقولة هيجل التي مررنا عليها " الجدل وعي ذاتي" يمنحنا برهانا حقيقيا أن الجدل هو وهم افتراضي يحكمه التنظير الفلسفي، وهو ليس قانونا طبيعيا مثل بقية قوانين الطبيعة التي اكتشفها الانسان وبنى علها ثوابت علمية بعد تأكده من حصولها في الطبيعة وفي الكوني، وهذا مالا ينطبق على الجدل الذي بني عليه ماركس وانجلز تطورات التاريخ البشري بشكل إعتسافي لأنه كانت التنظيرات الفلسفية سابقة على قانون الجدل الموجود على صعيد الفكر فقط  كما قال هيجل وليس على صعيد تطور التاريخ الانثروبولوجي المادي كما اراد ماركس.

-يتبع-   

 

حاوره: ا. مراد غريبي

المثقف – مرايا فكرية

26 – 10 – 2021م

 

2916 علي اليوسف ومراد غريبيخاص بالمثقف: الحلقة الثانية من مرايا فكرية مع الباحث الفلسفي المفكر الأستاذ علي محمد اليوسف، وحوار شامل  أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول الراهن الفلسفي، فأهلا وسهلا بهما:


المحور الثاني: الفلسفة والدين

س17: ا. مراد غريبي: ما هو رأيكم في اهم بوادر الاهتمامات الفلسفية بنشوء الأديان، وانت تناولت أفكار فيورباخ حول هذا الموضوع، نود تلخيصها لنا. وهل لا زالت الاسبقية الراجحة في الايمان الديني للفلسفة أم للاهوت؟ وهل كان للطبيعة دور ديني قامت به؟

ج17: ا. علي محمد اليوسف: بداية أود التنبيه هنا الى أن افكار فيورباخ في كتابه أصل الدين هي قراءة فلسفية تعتمد الطبيعة والذات في منهج تصوفي تأملي، وما هو مستجد حديثا ظهور علم متخصص في نشأة وتطور الاديان يدعى (علم الأديان) وهو علم لا يأخذ:

- باجتهادات التفلسف في نشأة الاديان،

- ولا بمدونات اللاهوت الذي لا تسعف ادعاءاته اكتشافات آثارية واركيولوجيا التاريخ،

- ولا الايمان بالمعجزات الدينية.

 لكن مع هذا تبقى آراء فيورباخ الفلسفية حول نشوء الاديان تمتلك من الاثارة الشيء الكثير الذي لا يتوفر عليه علم الاديان باعتباره علما لا يقوم على نظريات تجريدية غير تجريبية ولا على فلسفات أو تنظيرات غير مدعمة بإسنادات اركيولوجية وتنقيبات حفرية.

الفلسفة تقول ما تعجز عنه بقية الاجناس الفكرية قوله أو التعبير عنه لكنها ليست علما طبيعيا خاضعا للتجربة..                     

س18: ا. مراد غريبي: إذن ماذا عن الطبيعة ونزعة التدّين البدائي؟

ج18: ا. علي محمد اليوسف: يقول أحد الفلاسفة المعاصرين في معرض حديثه عن تعالق الدين واللغة عند الفيلسوف بروديكوس (إن الانسان البدائي والذي بدا له أن كثيرا من الظواهر الطبيعية معادية له، ومع ذلك كان معجبا جدا بالهبات التي تزوده بها الطبيعة لتسهيل حياته ورفاهيته). وفي تعبير ظريف ليوربيدوس: أنه يتوجب على الارض أن تثمر شيئا لإطعام قطيعي سواء اكانت الطبيعة راضية أن تفعل ذلك أم لا.

هذه الطبيعة المادية في مجموع تكويناتها وتنوعاتها الارضية، لم تكن طبيعة جامدة (روحيا) بمعنى الثبات والسكون الفيزيقي الذي يعدم تساؤلات ما وراءها، تساؤلات الانسان الكائن النوعي في ذكائه المتفرد به عن باقي المخلوقات والكائنات، (عقليا - روحيا) خياليا تأمليا ميتافيزيقيا فيما وراء ظواهر الطبيعة المادية.

يقول فيورباخ (ان مصير الانسان هو ارادته وتفكيره، وبمجرد ان يتخطى المرحلة البدائية، ويصبح كائنا يقرر مصيره على اسس وقوانين تتسم بالحكمة والعقل، عندئذ تظهر له الطبيعة والعالم كشيء يعتمد على فكره وارادته وتأثره بهما). وبحسب فيورباخ: حين يرتقي الانسان بفكره وإرادته فوق الطبيعة، فانه يصبح خارقا للطبيعة، ويصبح الاله ايضا خارقا للطبيعة. هنا يتوجب التنبيه ان لا الخالق الغيبي في السماء، ولا الاله الانساني مجسدا بالإنسان نفسه في محاولته تسيّد الطبيعة، يستطيع خرق قوانين الطبيعة لتلبية رغائب الانسان، ماعدا ما جاء كمعجزات منسوبة للأنبياء لتدعيم ايمان الناس بهم. اما الانسان العادي الذي لا يمتلك معجزة او معجزات فانه سيكون محكوما بقوانين الطبيعة في الزمان والمكان ولا يقوى على خرقها منذ بدء الخليقة والى اليوم.

وليس بمقدور الطبيعة خرق قوانينها ايضا من أجل تلبية حاجات الانسان أبضا، فهي من جهة لا تعي ذاتها ومن جهة اخرى لا تعي وجود الانسان المتمايز عنها، لكن بمقدور الانسان منفردا خرق قوانين الطبيعة من اجل رغائبه واشباع حاجاته وملذاته، إذا ما توفرت له صفات الالوهية كما خلعها عليه فيورباخ من خلال علوّه واعلائه الانسان على الطبيعة وتنصيبه الها عليها. وهذا لا يتم الا في وعي الانسان لذاته كائنا مميّزا عن كائنات الطبيعة الاخرى من حوله، وكونه جزءا من الطبيعة متمايز عنها متعاليا عليها لا أن ينقاد لها بل هو يقودها.

 إن انتقال الانسان من الحالة الحيوانية الانقيادية للطبيعة، هو انتقال نوعي مفارق عن علاقة تكيّف وانقياد الحيوان لها، فحين يعلو الانسان فوق الطبيعة، فبماذا؟ وكيف؟ فهو يعلو عليها بخاصيتي الذكاء النوعي والتخيّل اللتين لا يمتلكهما الحيوان في علاقته المتكيّفة مع الطبيعة المهادنة لها. وبهذا يتسيّد الانسان الطبيعة، ويكون تعامله معها غير متكيّف سلبيا انقياديا لها كما عند الحيوان، لذا نجد الانسان في علاقة رأسية احتدامية متصارعة مع الطبيعة.

وبهذا النوع من العلاقة نجد الانسان يعلو على الطبيعة ولا تعلو هي عليه، رغم ضآلة وجوده الكياني وقدراته المحدودة امام لا محدودية الطبيعة في متخيّله الارضي لها وفي امتلاكها من موجودات حياتية منوعة لا حصر لها مذهلة في نسقها المنظم.

س19: ا. مراد غريبي: أي أنه بعد مراحل تاريخية، اخترع الإنسان اللغة أو حقق تميزه النهائي على الطبيعة؟

ج19: ا. علي محمد اليوسف: أكيد، بل لمن المهم ان الانسان في مراحل تاريخية متقدمة في وجوده الانثروبولوجي تمكن من اختراع اللغة في اعتلائه ظهر الطبيعة. فأصبح الانسان متمايزا عن الطبيعة في كونه يعي ذاته ويعي الموجودات في الطبيعة من حوله، وكونه كائنا مفكرا لا تجاريه الطبيعة به أيضا، وكونه اي الانسان متمايزا عن الطبيعة بالخيال الذي تفتقده الطبيعة والكائنات الاخرى من حيوان ونبات وجماد، والصفة المتمايزة الاخيرة للانسان والتي لا تمتلكها الطبيعة وكل موجوداتها انه كائن ناطق يتواصل مع غيره باللغة واحساسه بالزمن كتجريد لا يفهمه المعدوم لدى الحيوان الذي يستطيع إدراك الزمن المتحكم بتغيرات الطبيعة.

وأكثر مما ذكرناه فان فيورباخ يصف الآلهة والتوحيد الديني قائلا ما معناه، أن التأليه أو التوحيد لإنسانية الطبيعة الالهية بمعنى انتساب الطبيعة للإنسان، وليس انتسابه هو وتبعيته لها. انما ينبعان فقط من ربط الانسان الطبيعة بذاته، لأن الطبيعة تخضع نفسها للانسان دون ارادة ولا وعي منها، بعكس الحيوان الذي ينقاد للطبيعة من دون وعيه بها أو هي تعيه، كما أن الطبيعة غير ملزمة، ولا تعي أهمية تنفيذها لرغائب الانسان وتلبية احتياجاته منها، كما وليس  بمقدور الطبيعة خرق قوانينها التي تحكم الوجود الطبيعي رغما عنها أودون دراية منها، وفي استقلالية عن الانسان، من اجل تحقيق ما يحتاجه الانسان منها كما اشرنا سابقا، لسبب يجهله الانسان كما تجهله  الطبيعة أيضا، الانسان يعيش الطبيعة من اجل تلبية غذائه وادامة بقائه دونما وعي منها، وكذا الحال مع الحيوان في علاقته بالطبيعة.

 ان الانسان البدائي القديم لم يدرك أن الطبيعة تختلف عنه جوهريا في انها لا تعي ذاتها ولا تعي وجود وظواهر الاشياء من حولها بخلاف الانسان عن الطبيعة في وعي الانسان ذاته ووعيه المحيط والموجودات من حوله في تساؤل سببي ودهشة.

ومن منطلق تجاهل الجدل الحاصل في أن الطبيعة خالقة لنفسها وقوانينها على وفق الانتخاب الطبيعي الدارويني والتطور البيولوجي والأنثروبولوجي للانسان والطبيعة، أو اعتمدنا المنحى الايماني الديني أن الله هو خالق الطبيعة ومنظّم قوانينها بإحكام لا تدركه الطبيعة ذاتها ولا الانسان أيضا، فالطبيعة تبقى (أم) الانسان في رضاعته منها، وكذلك ام الحيوان والكائنات الاخرى في تامين بقائها وتوفيرها الغذاء والبيئة في ادامتها بقاء الانسان والكائنات الاخرى وحمايتها لهم من الانقراض.

نجد من المهم التذكير بان الطبيعة التي تنتج وتسود قوانينها التي تحكمها هي والانسان معا، لكن الطبيعة لا تصنع تلك القوانين في إدراك اهميتها للانسان واشباع رغائبه واحتياجاته، أي أن قوانين الطبيعة التي تعمل بمعزل عن ارادة الانسان في توفيرها وسائل بقائه وتلبية احتياجاته المعيشية له وللحيوانات معه كافة، هي ايضا لا دخل لعدم وعي الطبيعة بها أو بصنعها ووجودها، تلك القوانين الثابتة التي تحكم الانسان والطبيعة وحتى الكوني ايضا.

وفي الوقت الذي يندهش الانسان بالطبيعة، في تساؤله من اوجدها وكيف؟ فالطبيعة لا تمتلك جوابها لانها لا تعي كيف وجدت ومن اوجدها. كما ان الانسان لا يقوى حل لغز حياته هو في وجوده الارضي في تعايشه مع الطبيعة والكائنات الاخرى منذ بدء الخليقة والى يومنا هذا.

س20: ا. مراد غريبي: الدكتور علي اليوسف، هناك مقولة لفيورباخ (فإن الآلهة قادرة على فعل ما يرغب الانسان، بمعنى انها تطيع وتلبّي قوانين (قلب) الانسان وليس عقله، فعلاقة الانسان بروحه، تعادل علاقة الآلهة بالعالم المحسوس).ماذا يقصد بلحاظ النزعة الدينية لدى الإنسان؟

ج20: ا. علي محمد اليوسف: هذه العبارة مشبّعة برؤى ميتافيزيقية ولا تقول أكثر من ان الانسان مبتدأ ومنتهى الدين، فكلتا العلاقتين علاقة الانسان بروحه، وعلاقة الانسان بالآلهة هي علاقة افتراضية خيالية معدومة التحقق ولا فارق بين العلاقتين لان مصدر خلقهما هو الانسان فقط في وعيه ذاته والطبيعة من حوله. وبالتالي هي علاقة الانسان مع نفسه فقط ولا وجود لآلهة تعلو الانسان الا تلك التي وضعها الانسان في موقع الاله المقدس المعبود في علاقة خياله بالطبيعة حسب فلسفة فيورباخ.

وتأكيدا لما ذهبنا له من جهة ثانية فعلاقة الانسان بروحه علاقة وجدانية ذاتية نفسية لا وجود حسّي او ادراكي مادي عقلي لها، لذا هي تعادل علاقة الآلهة الافتراضية بالمحسوسات والماديات والطبيعة والعالم التي ايضا هي غير موجودة سوى في مخيّلة وتفكير الانسان فقط. فالانسان يعبد ما يتخيّله هو فقط حسب حاجته الروحية او المادية، ويؤمن بمعبوده بروحه المجردة وليس بعقله في كل ما يصنعه له خياله.

إذا ما علمنا أن فيورباخ فيلسوف وشاعر أيضا، أدركنا مدى قدرته الفكرية وقابليته الساحرة على تطويع لغة الفلسفة بألفاظ تعبيرية شفافة موحية تتوارى خلفها المعاني. فقد وضع فيورباخ نزعة التدين عند الانسان مستودعها (القلب) وليس العقل ولا تزال هذه الحقيقة النظرية مسّلم بها دينيا في جميع لاهوت وثيولوجيا الاديان والاساطير والفلسفة.،

فالعقل بمدلولاته الادراكية والحسّية والخيالية الذهنية، لا يتوسّله الانسان في محاولة الاستدلال المنطقي ولا الحسي التجريبي في اشباعه نزعة التدّين عنده، وانما يستعمل عقله في التساؤل التأملي التجريدي الخيالي في ترسيخ ايمانه الغيبي فقط، ولا زالت هذه الفرضية تغلب على تديّن أكثر الموحدين لله، ان الايمان الديني مصدره القلب وعجز العقل في الاستدلال على تثبيت الايمان الروحاني ببراهين عقلية او سببية عليّة.

فالانسان يعمل عقله حسّيا وخياليا بعكس الحيوان الذي يدرك الطبيعة عقليا محدودة جدا، وحسّيا مباشرا في تامين الطبيعة ما يحتاجه في غذائه فقط، ولا يمتلك الحيوان قابلية ولا قدرة إعمال العقل خياليا تجريديا حتى في واقع حال تعطيل اللغة عنده..

لذا الانسان يمتاز عن الحيوان بانه كائن ديني او متديّن كونه كائن عقلي مفكر وكائن خيالي في وقت واحد. اي هنا الانسان يدرك مفهوم الزمن والمكان من خلال اعمال مخيلته في التفكير الخيالي في استقرائه بعض ملامح مستقبله.

لنمعن النظر جيدا في العبارة التالية لفيورباخ: (إن الانسان يفعل من خلال الله، ما يفعله الله حقيقة بنفسه) ص96 من كتاب اصل الدين لفيورباخ، هذه العبارة المكتنزة فلسفيا لا تحمل اكثر من تأويل اوحد وحيد يمثل معنى، كان بدأه فيورباخ في بداية كتابه اصل الدين، من أن الآلهة مصنّعة خياليا من قبل الانسان، وليس هناك من وجود الهي من غير تأمل الانسان وإعمال عقله الخيالي في ما وراء الطبيعة، وايمانه بتخليق ما كان قد ابتدعه خياله انطولوجيا، في تحميل معبوده جميع الصفات الذاتية التي يخلعها الانسان عليه، على إلهه المصنوع خيالا ميتافيزيقيا من قبله.

ان عبارة فيورباخ هذه في تأويلها بمنهجية علوم اللغة في المسكوت عنه الذي يتخّفى فائض المعنى فيها دائما خلف المفردات اللغوية، تلخيصها يكون بأن الاله والانسان هما وجود انطولوجي واحد هو الانسان فقط في معايشة خياله في علاقته بكل من الطبيعة والميتافيزيقيا. ولا يختلفان الا بأهمية الخيال الانساني في البحث عن الامان الروحي في الدين في حين لا تحتاج الآلهة ذلك.

إن جميع المصادر البحثية في نشأة الدين تذهب الى بداياته حتى مراحل الوثنية قبل الاديان السماوية تشير الى الشرق العراق السومري والبابلي ومصر الفرعونية والهند والصين وفلسطين، ثم انتقلت الاديان الوثنية والميثولوجية والاسطورية والسحرية الى بلاد اليونان والرومان والقرطاجيون والفينيقيين الى ما قبل ظهور اليهودية والمسيحية عن طريق فتوحات الاسكندر المقدوني للشرق حوالي 320 قبل الميلاد.

فعلى لسان هيرودوتس يذكر فيورباخ في كتابه أصل الدين (انه في الشرق يقلل الانسان من قيمة نفسه الى مستوى الحيوان كي يثبت ولاءه الديني، ما عند الاغريق والرومان فأن تأكيد الانسان لكرامته تضعه في مصاف الآلهة). ص100 من كتاب أصل الدين.

طبعا في هذا مغالطة آرية عنصرية عرقية، اذ الى وقت ليس ببعيد تاريخيا فأن الاغريق كانوا يضّحون بالأطفال قرابين للآلهة زيوس او جوبتير كما كان يفعل (آخيل) او غيره من وثنيي الارباب ولم تكن تحسب تلك حيوانية دينية، بعدها بزمن ايضا ليس ببعيد كانت قبائل الفايكينغ تضحي بالقرابين الآدمية ارضاءا للإله ايتش. وأخلاقهم اليوم من أرقى وفي مقدمة دول العالم حضاريا الذين هم شعوب الدول الاسكندنافية الذي يعتبر نموذج الحياة الإنسانية عندهم ارقى نموذج حضاري وصله الانسان على امتداد تاريخه.

س21: ا. مراد غريبي: لماذا رفضت الماركسية طروحات فيورباخ حول الصوفية التأملية في الدين وعارضتها بشدة رغم انها فلسفة تمتلك نزعة مادية تتجاوب مع الماركسية في جدل الديالكتيك؟

ج21: ا. علي محمد اليوسف: لا يمكن لأحد نكران أن المعارف والفلسفات وحتى العلوم الإنسانية، هي تراكم معرفي وحضاري تاريخي محكوم بالكم والكيف، في تقادم زمني لا يلغي تماما جهد السابقين على اللاحقين تاريخيا، مهما اعتور وشاب تلك المسيرة من النقد والمراجعة والحذف والتفسير والتفنيد.،. إلخ، كما يتعذر ولادة معارف علمية أو فلسفية من فراغ سابق عليهما.

طبعا من المتوقع جدا أن يكون فيورباخ المادي المنشق عن هيجل، وينحى نحو اشكالية علاقة الدين بالإنسان وان كانت علاقة ميتافيزيقية وليست مادية فهي كانت من صنع الانسان وحده. حاربت الماركسية ممثلة بماركس وانجلز صوفية فيورباخ التأملية الدينية نتيجة الفهم الخاطئ الذي تحمل فيورباخ وزره عندما نسبت الماركسية له اعتبار انثروبولوجيا التطور الانساني في مراحل تاريخية ماضية سحيقة كان مبعثه اهمية الدين في تطور تاريخية الوجود الانساني وليس كما تريد الماركسية اثباته ان الاساس المادي لأنثروبولوجيا الانسان هو صراع التفاوت الطبقي الاقتصادي والاجتماعي الذي حكم التاريخ في مختلف العصور والازمان بما أطلقت عليه الماركسية المادية التاريخية.

س22: ا. مراد غريبي: كتبتم عدة مقالات عن مذهب وحدة الوجود في الصوفية والفلسفة لدى اسبينوزا بالذات هل يمكن توضيح علاقة هذا المبدأ بكل من الدين والفلسفة؟ ومن يحدد فهم الانسان الايماني الجوهر أم معجزات اللاهوت الديني؟ وما هو الفرق بين مذهب وحدة الوجود عند هيجل وسبينوزا؟

ج22: ا. علي محمد اليوسف: مذهب وحدة الوجود لا تنحصر مداولته فلسفيا فقط بعيدا عن الأديان حيث لا يخلو دين من الاديان في العالم قديما وحديثا من مذهب وحدة الوجود والفرق الصوفية التي تدين به. ومذهب وحدة الوجود مبحثا إشكاليا على صعيدي الاديان والفلسفة على السواء. وتختلف معالجته في تداخله بين الدين والفلسفة، ونتطرق بهذه الاجابة الى مفهوم وحدة الوجود في فلسفتي اسبينوزا المثالية وهيجل ألتأملية المادية. مذهب وحدة الوجود عند اسبينوزا يشبه الى حد كبير وحدة الوجود عند هيجل.. وأكثر مما يشبه وحدة الوجود عند الهنود المايا، ويقرّ هيجل على أن اسبينوزا كان محّقا الى حد ما عندما تصّور المطلق جوهرا واحدا، لكن المطلق بالفهم الفلسفي الهيجلي أبعد ما يكون عن فهمه أنه جوهر إلهي كما هو في فلسفة اسبينوزا. لذا نجد هيجل يؤكد، وجوب معاملة الجوهر "ذاتا" وليس هناك شيء بالمطلق لا يكون عقليا، من الممكن معرفته وتصوره عقليا...

وحدة الوجود عند اسبينوزا حين يلتقي مع فهم هيجل، فهذا مؤشر على وجود إختلاف جوهري كبير بينهما يصل مرحلة التضاد. أهمها بداية أن أسبينوزا يفهم وحدة الوجود فلسفيا بمرجعية لاهوت الإيمان الديني بالخالق خارج الإيمان بالمعجزات، في حين يعمد هيجل فهم وحدة الوجود من منطلق فلسفي مادي على صعيد الفكر لا ديني يقوم على وحدة الادراك الكليّة العقلية في نزعة واقعية مثالية ليست ميتافيزيقية.

اسبينوزا يرى بالمطلق الأزلي الشامل الإلهي جوهرا لا يمكن إدراكه فهو خالق غير مخلوق، دلالته ندرك الجواهر الاخرى في الطبيعة والاشياء. بينما نجد النزعة العقلية لدى هيجل تذهب خلاف اسبينوزا أن الله والطبيعة والانسان والميتافيزيقا تقوم على فكرة مطلقة واحدة عقلية لا دينية تجد أنه لا يوجد شيء حتى الروح لا يطالها الإدراك العقلي. فكرة المطلق الهيجلية تجدها تمّثل مدركات موجودات الواقع في كل شيء يدركه العقل.

مفهوم الجوهر يختلف تماما بين الفيلسوفين، فنجد هيجل متناقضا مهزوزا في فهمه الجوهر الذي يقصده اسبينوزا ولا يؤمن به، حيث يقول هيجل: اسبينوزا على حق في إعتباره المطلق هو جوهر لا يمكن إدراكه، ليعود ينقض قوله هذا أن المطلق لا يلتقي الجوهر وهو خال من جوهر لا يدركه العقل. تناقض هيجل يتعدّى هنا مفهوم الجوهر في الوجود الى الفكرة المطلقة التي يطال فيها العقل كل شيء. هيجل يرى المطلق هو الواقع الذي يدركه العقل. مطلق وحدة الوجود عند هيجل هو مطلق إدراك العقل لكل شيء يكون موضوعا لتفكير العقل به. الفكرة المطلقة عند هيجل لا يمكن تحديدها فهي الوجود والصيرورة وهي الكيف وهي الماهية وهي الطبيعة والفكرة الشاملة.

هيجل لا يؤمن بجوهر مثالي غير عيني غير مدرك لا على مستوى الطبيعة ولا على مستوى المطلق الكوني الالهي. لذا يدعو الى معاملة الجوهر "ذاتا" يمكن حدّها وإدراكها العقلي المباشر في التعامل معها، هو خلاف صميمي بالإجهاز على فكرة اسبينوزا وجود جوهر كليّ شامل متكامل نعرف الوجود كاملا بدلالته. حينما نعامل الجوهر) ذاتا) كما يرغب هيجل نعامله كمدرك عقل، يمكن تذويته بالموجودات التي ندركها على أنها صفات خارجية هي ماهيّة لا يحتجب جوهرا وراءها، وهذا ينطبق على الحيوان والنبات والجمادات التي تكون جواهرها هي صفاتها الخارجية المدركة في ملازمة وجودها الواقعي. لذا يوجد من يعتبر كائنات الطبيعة ما عدا الانسان جواهرها الماهوية تسبق وجودها في الطبيعة وعلاقة الانسان بها أحدهم اسبينوزا. بخلاف الانسان وجوده المادي يسبق ماهيته كما رسّخت ذلك الفلسفة الوجودية الحديثة. نستدرك أن معظم الفلسفات المعاصرة والحديثة تذهب الى أن جميع كائنات الطبيعية هي بلا ماهية ولا جوهر خفي، وصفاتها الخارجية المدركة هي ماهيتها وجوهرها ايضا. وهو ما اؤكد صحته بقناعتي.

إعتبار الجوهر ذاتا كما يدعو هيجل يعني يمكن إدراك جواهر كل الاشياء عقليا حسّيا كصفات خارجية للموجودات، وإذا سحبنا هذا التصور التذويتي في تشييء الخالق الجوهر المطلق (ذاتا) عندها يتاح للعقل إدراكه وينسف معنى التصور الديني الاسبينوزي أن الجوهر لا يدرك عقليا بل يحدس بمخلوقاته وموجودات الطبيعة. والجوهر عند اسبينوزا هو سبب الموجودات وليس نتائج محتوياتها. ولا يدرك الجوهر الإلهي بدلالة موجوداته بخلاف ما يعتقده العديد من الفلاسفة.

اسبينوزا يعتبر الجوهر الانساني سابقا على الوجود الشيئي بخلاف الفلسفة الوجودية تماما، بمعنى ما عدا الانسان الذي لا يمكننا معرفة جوهره من ناتج ومحصلة إدراكنا لصفاته الخارجية، وجود الانسان سابق على ماهيته وجوهره الذي هو تصنيع ارادة ذاتية خاصّة بالإنسان في حين نجد الحيوان والنبات والجمادات لها صفات فقط خالية من إحتجاب جوهر داخلها، وماهيتها كصفات وسائلية للانسان تسبق وجودها الانطولوجي. كل شيء تحتويه الطبيعة ما عدا الانسان هي موجودات لا تمتلك جوهرا.

نجد من المهم توضيح أن هيجل لا يأخذ مذهب وحدة الوجود وسيلة الكشف عن شك يفقد برهان الوصول لإيمان ديني، بوجود الخالق كجوهر نعرفه بدلالة الاعجاز التنظيمي في موجودات الطبيعة، فالفكرة المطلقة عنده هي الكلّي الشمولي الادراكي، وهي كل الواقع والكوني الذي في قدرة العقل إدراكه. ليس للبرهان على وجود مطلق كوني إلهي لا يدركه العقل حسب مفهوم اسبينوزا، وهو خالق الطبيعة وقوانينها الثابتة التي تحكمها بكافة تكويناتها من ضمنها الانسان.

هيجل لا يؤمن بميتافيزيقا خارج الطبيعة والمطلق الكوني رغم نزعته الفلسفية المثالية التأملية. لكنه يبقى ماديا.  ولا يوجد ما هو خارج قدرة العقل على إدراكه. والطبيعة والكوني حسب هيجل أنهما القوانين التي تحكمها ويدركها العقل كونه جزء من الفكرة المطلقة إن لم يكن هو كل تلك الفكرة.

س23: ا. مراد غريبي: وماذا عن عبارة سارتر "جوهر الإنسان الحقيقي بلا جوهر"؟

ج23: ا. علي محمد اليوسف: جميل جدا، هذه العبارة لسارتر (جوهر الانسان الحقيقي أنه بلا جوهر) وقفت عندها متأملا من السهل جدا أن نحسم خطأ العبارة بمصادرتها من نهايتها، ونقع نحن أيضا بالخطأ مع سارتر، أن الانسان لا جوهر له في حين هو يمتلك جوهرا قيد التكوين والتصنيع مدى الحياة حسب فلسفة سارتر الوجودية نفسه. وكي نناقش العبارة نقول الانسان يمتلك كينونة وجوهرا، لكن متى يكون الانسان فاقدا جوهره ومتى يكون مالكا له؟

هذا يتوقف على المرحلة العمرية للانسان ويتوقف على موقفه النفسي الصحّي، فالطفل يولد موجودا بلا ماهيّة ولا جوهر، والجوهر الانساني في جميع المراحل العمرية هو عملية تصنيع ماهوي تلازم الانسان منذ الولادة والى الممات. أما المجنون فيكون يمتلك وجودا لا جوهر حقيقي طبيعي سوّي له.

تصنيع الجوهر عند الانسان يقوم على ركائز:

* الأولى: أنه يعي ذاته عقليا طبيعيا كموجود في عالم،

* الثانية: يعي مدركاته الخارجية بنوع من المسؤولية التي تتطلب قدرة على إمتلاك الحرية في إتخاذه القرار الصائب.

* الجوهر الانساني ماهيّة يشّكلها الوعي الذاتي والمحيطي الطبيعي وتتجلى في صورة سلوك مجتمعي هادف بالحياة.

عبارة سارتر (جوهر الانسان الحقيقي انه بلا جوهر) هي تعارض وجهة نظره ان الانسان يصنع ماهيته وجوهره بقواه الذاتي المستمدة من خبراته التراكمية المكتسبة من الحياة طيلة سني عمره من الولادة وحتى الممات. لكن كيف لنا تمرير هذا التناقض ان الانسان لا يمتلك جوهرا حقيقيا، سبق لي في مقالة منشورة لا يحضرني عنوانها عللت العبارة صحيحة إذا ما اخذت ضمن اشتراطين اثنين، الاول ان الجوهر حسب فلسفة سارتر تصنيع ذاتي يلازم الانسان سني عمره إذن الجوهر هو ليس معطى يمكن الاستدلال عليه بل هو سيرورة من الانتقالات والتحولات في حياة الانسان الاستبطانية الداخلية لذا لا يمكننا الحكم على جوهر لا يتسم بالثبات معرفيا. السبب الثاني وايضا بدلالة فلسفة سارتر الانسان نزوة طارئة لم يكن هناك حاجة لوجودها لذا فالإنسان في كلتا الحالتين بجوهر وبلا جوهر هو وجود لا معنى له.

س24: ا. مراد غريبي: هذا أستاذ علي، يحتاج إلى توضيح أكثر، إذا ممكن تقديم أمثلة؟

ج24: ا. علي محمد اليوسف: بالرحب والسعة أستاذ مراد... الوجودية تؤمن أن الانسان موجود طبيعي نوعي قبل أن يكون جوهرا خفي، فالإنسان يوجد أولا وبعدها تتشكل ماهيته أو جوهره ذاتيا حسب مؤهلاته وقدراته وإمكاناته الفردية ومميزاته الخاصة به كفرد. يمتلك الانسان جوهرا ماديا مكتسبا مصدره الحياة التي يعيشها وتجاربه وخبراته ومميزاته الثقافية والسلوكية في تكوينه لشخصيته. بمعنى الانسان يصنع جوهره بقواه وإمكاناته الذاتية.

الانسان كائن نوعي موجود بالطبيعة جزء منها متمايز عنها بصفات العقل والذكاء والوعي بالذات والمحيط، إمتلاكه لغة تواصلية معرفية، شعوره بالزمن، والخيال، إدراكه أن الطبيعة تحكمها قوانين طبيعية عامة ثابتة، كما أن الانسان يعي حاجته للطبيعة ولا تعي الطبيعة حاجتها للانسان. وغير ذلك مما تفتقده الطبيعة ويمتلكه الانسان مثل الوعي، المخيّلة، العواطف، الضمير، الأخلاق، الأحاسيس، والمشاعر الخ. أصبحت لدينا مقولة سارتر أن" جوهر الانسان الحقيقي بلا جوهر" صحيحة، تحمل إمكانية تخطئتها كما مر بنا توضيحه.

مثال: هل الحيوان يمتلك جوهرا؟ أم لا يمتلك جوهرا وكيف؟ الحيوان لا يمتلك جوهرا متمايزا عن صفاته الخارجية لا في داخله ولا في سلوكه خارج صفاته، والقول في منطق وحدة الوجود حسب فلسفة اسبينوزا أن جميع الكائنات في الطبيعة من ضمنها الانسان تمتلك جواهر مستمدة من جوهر مطلق خالق لها غير مخلوق وهو فوق إدراك العقل، جواهر يستطيع الانسان إدراكها في مخلوقاته ولا يستطيع إدراكها في خالقها الجوهر الكلي المهيمن عليها، هي نوع من المنهج الذي يصادر برهان تحققه. بمعنى النظام الطبيعي الإعجازي في قوانين الطبيعة الثابتة، يمتلك من القدرة والإمكانية ما هو فوق عقلي، وهذا النظام الإعجازي بالطبيعة لا يعني إمتلاك مكوناته لجوهر دفين موزّعا عليها يشير لوجود خالق عظيم ولا يشير لإثبات وجود موجودات لوجودها في الطبيعة كمظهر وجوهر متكاملين.. هذا التكامل من قبيل الحدس الايماني لا أكثر، إذ هل من المتاح لإدراك عقل الانسان إدراك جواهر الاشياء خارج صفاتها في موجوداتها؟

 الجواب: لا يمكن ذلك لأن تلك الموجودات والكائنات عدا الانسان بلا جواهر خارج صفاتها.

للتوضيح أكثر، الحيوان الذي هو أعلى مرتبة بيولوجية من النباتات والجمادات، فهو موجود بلا جوهر ولا ماهية. لماذا وكيف؟

الحيوان لا يعي ذاته ولا يدرك الطبيعة ويفتقد اللغة وشعوره بالزمن من حوله إلا على نطاق ضيق جدا يتحدد في إشباعه لغرائزه الاكل والتكاثر ودفع الاخطار المحدقة عنه وعن نوعه. الطبيعة هي التي تعطي الحيوان صفاته الخارجية التي هي مجموع كينونته المنفردة كحيوان.

الحيوان لا يمتلك ميزات إنفرادية نوعية كما هي عند الانسان مثل الذكاء العقلي، الوعي الذاتي، إمتلاك اللغة، الإحساس بالزمن وغيرها من صفات.

الحيوان يكتسب صفاته الخارجية من خلال إذعانه المتكيّف بما تمليه عليه الطبيعة من غير إرادتها ولا وعي منها. عدم وعي العلاقة الحيوانية – الطبيعية من كليهما المشّكلين لها هو سبب إمتلاك الحيوان قدرات التكيّف الطبيعي البيئي كي يبقى حيا. وأنثروبولوجيا تاريخ الحيوان تؤشر لنا إنقراض العديد من السلالات البشرية والحيوانية على السواء لفقدانها قدرة التكيّف مع ظواهر طبيعية شديدة القسوة مثل الانهيارات الجليدية والفيضانات، والزلازل، البراكين، وقلة الغذاء وهكذا. التكيّف الطبيعي يمتلكه الانسان والحيوان على السواء لكن بإختلافات جوهرية هامة. إذن علاقة التكّيف الحيواني بالطبيعة يجري بين قطبين هما الطبيعة والحيوان وكلاهما لا يتبادلان الوعي الادراكي بهذه العلاقة بينهما. فالطبيعة لا تدرك معنى تكّيف الحيوان في استمرار بقائه، ولا الحيوان يدرك أن تكيّفه مع الطبيعة لا تعيه الطبيعة ولا تدركه.2916 علي اليوسف ومراد غريبي

س25: ا. مراد غريبي: هل ينطبق ما ذكرته عن الجوهر على النبات والجماد؟

ج25: ا. علي محمد اليوسف: نعم كذا نفس الحال يتكرر مع النباتات في علاقتها بالطبيعة فكلاهما لا يتبادلان الادراك المشترك بينهما. وليس مهما تفتيش الانسان عن جوهر يمتلكه النبات أكثر من إعتبار الانسان للنبات وسيلة الطبيعة في توفير إحتياجاته من الغذاء.

أما الجمّاد الطبيعي غير المصنوع وجوده في الطبيعة من قبل الانسان فلا جوهر له خارج صفاته. وتختلف عن الجمادات التي يصنعها الانسان فهي لسد رغبته بالحاجة لها في تأمين خدمته. فالقلم يحمل ماهية إستخدامه من قبل الانسان قبل تحقق وجوده المادي كقلم، وكذا مع جهاز التلفاز أو مع أي شيء آخر مادي يصنعه الانسان لسد حاجته له، فهو يمتلك ماهية وجوهر وجوده بذهن الانسان صانعه قبل إمتلاك وجوده المادي حينما يكون فكرة صناعية في تفكير الانسان حاجته لها أن يقوم بصنعها فهو يعرف ماهيتها الإستعمالية قبل وجودها المصنوع.

س26: ا. مراد غريبي: نجد أنفسنا أستاذ علي، أمام مفترق طرق بخصوص الجوهر بين تجريد عن المادية من جهة ومادية عقلية من جهة أخرى، وهذا في العمق جدل بين الدين والفلسفة حول ماهية الجوهر، أليس كذلك؟ 

ج26: ا. علي محمد اليوسف: ممتاز، يمكننا إستخلاص أن مفهوم الجوهر في وحدة الوجود الذي يفهمه اسبينوزا وسيلة ميتافيزيقية لتدعيم إيمان ديني بوجود الخالق، ويفهمه هيجل مطلق متعيّن في هيمنة العقل على كل شيء يمكن إدراكه لا وجود له انطولوجيا هو فوق متعال عقلي يدركه العقل ولا يدرك هو العقل؟ فكرة المطلق عند هيجل إدراك عقلي، وفكرة الجوهر لا إدراك عقلي يطاله.  كلا المفهومين فكرة المطلق الذي لا يفهم بدلالة الجوهر، ولا الجوهر يقبل الاستدلال العاجز التعريف به. يصبح معنا كلا المفهومين الفكرة المطلقة والجوهر تجريدان فلسفيان عاجزان عن الوصول للمادة واحتوائها كوجود.

هل يمكننا التساؤل أن خلع توصيف المادية العقلية على مطلق الفكرة الادراكية عند هيجل ينفي الجوهر كتجريد اسبينوزي غير موجود ولا يمكن البرهنة على إثبات هذا الوجود؟ كونه بالمعيار الهيجلي مطلق خارج ذاته، لذا وجدنا مطالبة هيجل معاملة الجوهر كذات أو ذاتيا أي بمعنى الجوهر الإلهي في تذويته بخلاف اسبينوزا يصبح قابلا للإدراك العقلي. ويعود هيجل رد الاعتبار الذي أجهز عليه اسبينوزا الى الرجوع للمقولة التي كانت متداولة فلسفيا لعصور طويلة أن الجوهر يعرف بدلالة الوجود المادي، وليس كما عكس اسبينوزا المعادلة أن الوجود يعرف ويدرك بدلالة الجوهر الذي لا يمكن إدراكه خارج التسليم الايماني الغيبي الاسبينوزي في وجود الطبيعة قبل السماء. لازال الفلاسفة يتغاضون عن التفسير الاسبينوزي حول أن الجوهر مطلق كوني يحتوي كل شيء في الكون، كون هذا التفسير الاسبينوزي يستند الى مرجعية دينية ميتافيزيقية لا تأخذ بها الفلسفة. فالفلسفة ترغب معرفة الجوهر ليس وسيلة إثبات برهاني حدسي ديني، بل بوصفه مبحثا فلسفيا معرفيا قائما بضرورة حسم الجدل النقاشي له.. يذكر بعض المعنيين بتاريخ الفلسفة الى أن هيجل كان يردد دائما مقولة اسبينوزا (كل تحديد هو سلب) بمعنى كل تحديد لمواصفات شيء مدرك شيئيا يسلبه صفاته الايجابية الأخرى، فالتحديد الشيئي هو مدرك متعيّن الصفات، ولا يمكن للفكر المجرد إضافة مواصفات انتزعها التحديد له. تحديد الشيء بمواصفات معينة يعني غلق الإمكانات التجديدية له وجعله كينونة مقفلة.

من الغريب أن نجد كلما أوغل اسبينوزا وشيلنغ في تأكيدهما المطلق هو إدراك عقلي مجرد، بمعنى هوية بلا مضمون في حين يصر هيجل أن المطلق أكثر الاشياء عقلانية إذ يعتبر المطلق محتوى أدراكيا عقليا وليس وسيلة إدراك معرفي بدلالته. يفهم هيجل المطلق أنه يستوعب مدركاته، في تكوينه العضوي الاحتوائي بلا تفريق بين ما هو مادي عما هو تجريدي غير مادي.

المطلق عند كل من اسبينوزا وشيلينغ هو جوهر كلي مجرد عن ماديته، فالجوهر عندهما محض هوية مجردة لا تحتوي المادة، وتعرف كل الاشياء المادية بدلالة هذا الجوهر الكلي الالهي غير المدرك.  وينكر هيجل المطلق هو دلالة بلا مضمون بل هو عيني يحتوي الواقع بكل شيء، ولا يحتويه شيء، وأنكر مقولة شيلنغ "المرء لا يمكن أن يكون أكثر من موجود " أي موجود لا يمتلك جوهرا. وهذه نظرة تجريدية تنزع من الانسان جوهر انسانيته التي تميزه عن باقي مكونات ومخلوقات الطبيعة التي هي فعلا موجودات لا جوهر لها في بقاء الانسان كينونة وجوهر.

س27: ا. مراد غريبي: كيف نفهم رابطة وعي الذات في التجربة الصوفية؟

ج27: ا. علي محمد اليوسف: بداية لابد من طرح التساؤل التالي:

- هل يختلف الادراك الحسي الطبيعي للاشياء عن الادراك الصوفي النفسي لها؟ وللإجابة عليه نرى وجوب التفريق بين المدخلات التالية:

- الطبيعة في صوفية الاديان التوحيدية تأتي في مرحلة متأخرة لاحقة ثانوية على مركزية التقرب من الخالق (الله) فيما يسمى الحلول أو التواصل الصوفي. بخلافه نجد الطبيعة تحتل مركزا محوريا في المذاهب الصوفية الوثنية بخاصة صوفية الزن البوذية التي لا تتطلع نحو السماء بل دائما يكون نظرها على الطبيعة الروحانية في الاشياء وليست الطبيعة بمفهومها المادي.

- فمرتكز الحلول الصوفي في الاديان التوحيدية هو تسامي الذاتية في إعتلائها العالم الخارجي بالانفصال عنه ومحاولة البحث عبر مدارج العرفان والاحوال عن خالق هذا العالم والاقتراب الذاتي منه. وفي طموح لاحق أكثر تسعى تحقيق ما يسمى الحلول الصوفي الاتحادي بالذات الالهية.

بينما مرتكز الحلول في الصوفية البوذية هو الطبيعة بما تمتلكه من كائنات وموجودات كل منها يمتلك خصائص تكاملية مع إدراك البوذي الصوفي الذاتي لها. من خلال التقمّص الصوفي بها ومن خلالها فلكي تعرف حقيقة تأثير الزهرة على النفس وعلاقتك بها عليك أن تكون أنت الزهرة كذات وتمارس من خلالها الدور الصوفي في الطبيعة معا في تبادل متداخل لاشعوري حسّيا مع موضوع الطبيعة المختار..

الادراك الطبيعي للاشياء هو في إنتظام إلانطباعات التي مصدرها الاحساسات الناقلة لاستشعارات الحواس الى الذهن ومن ثم الى الدماغ. هنا الادراك الاحادي الجانب الذي تمتلكه الذات الانسانية والذي لا تمتلكه الخواص الخارجية للاشياء يكون إدراكا (خارجيا) في العلاقة بينهما. بمعنى إدراك الذات الانسانية لمدركاتها خارجيا لا يموضع الذات في موضوع إدراكها حتى لو كان على صعيد تجريد اللغة التصوري الادراكي للاشياء.

إدراك الشيء حسيّا وليس صوفيا لا تعني معرفته ولا تعني الموضعة التكوينية فيه، في مذهب الزن الصوفي البوذي أن تدرك الشيء يعني أن تكونه أنت هو.

والذات خارج التصوف البوذي تدرك حقيقتها في عدم المجانسة النوعية مع موضوعها في الجوهر والماهية. بما يبقي العلاقة الذاتية الصوفية وغير الصوفية بالأشياء علاقة انفصالية ويختلفان في عدم المجانسة النوعية بينهما. (نقصد في عدم المجانسة النوعية بين الذات والموضوع هو الاختلاف بالماهية أو الجوهر وأحيانا الصفات).

بخلاف صوفية الزن التي ترى معرفة الذات الحقيقية تتم في التموضع بالموجودات في العالم الخارجي وفي كائنات الطبيعة في تداخل تكاملي معها وليس في إدراك مادي خارجي يكون فيه كلا الجانبين الصوفي والشيء لا يلتقيان في مجانسة نوعية ماهوية كيفية واحدة.. هنا التقمّص الصوفي البوذي بالأشياء والطبيعة هو تموضع تكويني مع مدركاته.

وهذا النوع من التموضع يبقى مختلفا تجريديا في علاقة الادراك الانساني لموجودات الطبيعية التي يمارسها الشخص العادي لمعرفة عالمه الخارجي. أي يبقى تموضع الادراك الخارجي للأشياء محتفظا بذاتيته الانسانية المنفصلة عن موضوع ادراكها.

هل هذا يقودنا الى إستنتاج خاطئ أن مذهب وحدة الوجود في الصوفية يتطابق تماما مع الحلول الزن الصوفي التقمصّي في الكائنات والاشياء؟

 مذهب وحدة الوجود يرى حقيقة المعبود في الاعجاز الطبيعي بالأشياء، أنها تتمركز حول (الجوهر) المستمد من جوهر الخالق وكلاهما جوهر الذات الالهية الازلية وجوهر الذات المتموضعة في الاشياء كلاهما مدلولان لا يدركان عقليا لا في إتحادهما المزعوم ولا في انفصالهما القائم إفتراضا، ونقول انفصالا إفتراضيا عندما نصطدم بحقيقة تساؤل أين برهان إثبات موجودية جواهر الاشياء فيها بدلالة الجوهر الازلي الخالق لها في توزيعها على موجودات ومخلوقات الطبيعة؟ لا يمكن الجزم القاطع أن وراء كل صفات خارجية لشيء هناك جوهر يحتجب وراءها لا نتمكن من إدراكه. كما أن علاقة صوفية مبدأ وحدة الوجود بالطبيعة هو علاقة الذات انفصاليا خارجيا عنها. وهو ما لا تأخذ به صوفية الزن في حلول الذات في ابسط الاشياء الموجودة بالطبيعة وتقمص التعبير في إدراك الذات لمدركها بحيث يغدو الموضوع هو الذات ولا تفريق بينهما.

س28: ا. مراد غريبي: بناءا على ما تقدم اذن، جاز لنا تمرير الذات هو الموضوع في الصوفية ولا فرق بينهما، وعليه: ما الفرق بين الذات والموضوع ادراكيا طبيعيا وليس حلولا صوفيا؟

ج28: ا. علي محمد اليوسف: الفرق يكون في لغة التعبير فقط في إختلاف الحالتين فلغة التعبير الصوفي الذاتي عن الموضوع ليس هو نفسه تعبير اللغة التجريدية المنفصلة عن موضوعها والمنفصلة عن التعبير عنه.

وتبقى مسافة الانفصال بين الموجودات بدلالة جوهرها بعيدا جدا عن الفهم الصوفي في الزن الذي يرى إدراك حقيقة الاشياء في الطبيعة هو إدراك حقيقة الذات المدركة لها من خلال التموضع في تقمصها الوجودي في صفات الاشياء الطبيعية الخارجية. بمعنى هنا ذات الانسان الصوفي البوذي تصبح هي ذات الشيء الموجود في الطبيعة الذي يتقمصه الصوفي. أن تريد معرفة شيء بالطبيعة صوفيا كما في الزن عليك أن تكون ذلك الشيء هو وتتكلم عنه كهوية تمثلك لا هوية تمثّل موضوع الحلول الصوفي..

اسبينوزا في مذهب وحدة الوجود – وقد اشرت لذلك في أكثر من مقال لي - يناقض جميع الفلسفات السابقة عليه واللاحقة عليه أن الجوهر يسبق الوجود والكينونة وبدلالة أسبقية الجوهر نفهم ثانوية الوجود. هذا الفهم ينسف الوجودية من جذورها في إيمانها بأن الوجود أو الكينونة تسبق الجوهر فيها لدى الانسان، والجوهر أو الماهية هو ليس معطى يكافئ الوجود بل الجوهر لاحق على اسبقية الوجود وبدلالة الوجود نفهم وجود الجوهر.

علما أنه منذ كانط في كتابه نقد العقل المحض وفلسفة الفينامينالوجيا (الظاهراتية) عند هوسرل وتبعتهما الوجودية خاصة عند سارتر وحتى الماركسية كفلسفة وليس ايديولوجيا اقتصاد سياسي ماركسي لم يحسموا مسألة أن تكون الموجودات بذاتها تحمل جوهرا يختلف عن الصفات الخارجية لها. باستثناء سارتر الذي قال الانسان يمتلك صفاتا خارجية هي غير جوهره الذي لا يمكننا إدراكه. ولي تفصيلات شرحت توضيحي لذلك في مقالات لي منشورة عن الماهية والجوهر. ولعل عبارة سارتر (حقيقة جوهر الانسان أنه بلا جوهر) التي مررنا بتوضيحها جعلت من مفهوم سارتر لجوهر الانسان مثل بندول الساعة الذي يؤشر الوقت في الدلالة عليه لا في معرفته ما هو.

أما الإدراك في صوفية الزن البوذية هو إدراك تداخلي غير إنفصالي متموضع تكوينيا داخليا بالأشياء ولا يترابط معها خارجيا بإنفصال تجريدي عنها. بمعنى صوفية الزن لا تعتبر هناك حواجز انفصالية تجعل من ذات الانسان خارج موجودات الطبيعة وإنما تعتبر الذات الانسانية جزءا من الطبيعة يعرف بدلالتها الوعي الادراكي للاشياء في حقيقتها وليس في معرفة الصفات الخارجية لها..

الادراك التموضعي في الصوفية البوذية زن في موجودات الطبيعة تموضع احساس تبادلي في الشعور النفسي أن الشيء المدرك ذاتيا هو الذات الانسانية في تموضعها المادي فيه وليس موضوعها الذي تتحدث عنه. هنا الذات الصوفية لا تجد حضورها الحقيقي بمعزل عن تموضعها الطبيعي في شيء.

بمعنى إدراك الشيء هو أن تكون أنت ذلك الشيء المدرك. في حين نحن ندرك الاشياء والطبيعة بمنظومة الاحساسات التي تبدأ بالحواس وتنتهي بالدماغ في نوع من التجريد التصوري الخارجي المنفصل ادراكيا عن موضوعات ادراكنا الاشياء في وجودها الانطولوجي المادي الخارجي المستقل. في الزن الصوفية الذات هي الموضوع وبالعكس ايضا في إنعدام خاصيتي الانفصال الاتحادي بينهما أولا، وفي إنعدام خاصية التفريق والاختلاف في لغة التعبير الصوفي بين الذات وموضوعها ثانيا..

س29: ا. مراد غريبي: الأستاذ علي اليوسف، بعدما تناولتم موضوع الإدراك لدى صوفية الزن البوذية، هناك سؤال مهم هل فعلا البوذية تعادي العلم؟!

ج29: ا. علي محمد اليوسف: صوفية الزن البوذية تذهب الى أن المعرفة الحقيقية للاشياء في وجودها الطبيعي ليس هو الحقيقة العلمية التي تحققها التجربة، بل الوجود الطبيعي يمنح الانسان طاقة صوفية فنية جمالية استيعابية في التلقي تجعل من المدركات المتحققة علميا طارئا على طبيعة تفكير الانسان الصافي النقي حيث تكون الآلة المصنوعة في العلم تفكيرا بديلا عن الانسان وعملا تطبيقيا يغني الانسان عن صرف طاقته الجسمانية ويعوّده الكسل والخمول والحركة الفاعلة بدل ما تقوم به الآلة وتعفيه من القيام بماهي تفعله له.. هنا تكون الآلة هي النموذج المصنوع للاستغناء عن الانسان كوجود فاعل يقود الآلة ولا تقوده هي.

البوذية تعلم جيدا معاداتها العلم خسارة ما بعدها خسارة أفدح منها لذا عّبرت عن رؤية فلسفية مغايرة تهادن جوهر العلم وتعاديه في تصنيعه الآلة التي سلبت الانسان مزاياه الحيوية في العمل والارادة والخلق الذاتي والطبيعية والنزوع الفطري في اهمية العواطف الوجدانات الروحية في الحياة وغيرها.

س30: ا. مراد غريبي: هل يمكننا القول أن العلاقة بين الإنسان و الطبيعة في صوفية الزن البوذية تتسم بالغموض المعرفي؟

ج30: ا. علي محمد اليوسف: اللاوعي في زن هو الغامض والمجهول بلا شك. ولذا فهو غير علمي أو قبل علمي، ولكن هذا لا يعني أنه بعيد عن متناول وعينا أو شيء لا علاقة لنا به.". اللاوعي حسب صوفية زن هو تداعيات اللاشعور الذي لا تتمكن الوسائل العلمية " تجارب علم النفس" وليس تجارب العلوم الطبيعية المختبرية. التمكن من تحديده فاللاوعي هو مرحلة (قبلية) علمية لكنه في حقيقته في متناول ادراكاتنا الطبيعة والاشياء بصورة سليمة طبيعية وليست صورة تداعيات لاشعورية غير منضبطة. لذا اللاوعي في الزن "هو التدريب تدريبا خاصا لمعرفة الوعي " مثال ذلك "الطبيعة تشق طريقها غير واعية بذاتها ثم يخرج الانسان الواعي منها". اللاوعي في زن هو الفطرة الطبيعية في دخول عالم المادة بوسائل الادراك الشعوري الذي يجعل من اللاوعي متراجعا أمام الوعي به. أما أن يكون اللاوعي هو قبل علمي كونه يصبح لدى الصوفي لا تحققه التجربة العلمية بل تحققه النفس الشعورية. وهذا الفهم لجميع حقائق علم النفس الفرويدي وتوابعه الاجتهادية لا يشير أبعد من تكرار تأكيد ما ذهبت الصوفية له، فاللاوعي تجريد لا يتحقق بوسائل علمية بالنسبة للصوفية لذا هو قبل علمي بمعنى استباق الفطرة الطبيعية فيه على علمية التجربة في معرفته. في جميع المذاهب الصوفية تقاس اهمية الانسان بمعرفته الطبيعية بالفطرية واللاشعورية وتبتعد جدا عن تحويل فهم الانسان للطبيعة يتحتم أن لا يتم بغير تصنيعها من قبله وحسب أهوائه وأمزجته.

والتصور العلمي الساذج هذا لمجرد إثبات حقيقة الانسان هو يقود الطبيعة ولا تقوده هي ولا سيطرة لها عليه. هذا التصور العلمي ساذج في تحديده علاقة الانسان بالطبيعة أنها لا زالت معركة انتصار الاقوى بينهما والحقيقة التي يتجاهلها الانسان العلمي الذي يؤمن بتصنيع الطبيعة كل الطبيعة من اجل خدمة الانسان انجزت لنا الاختلال البيئي والاحتباس الحراري ودرجة ارتفاع حرارة الارض. ان الانسان في جميع مراحل تطوره التاريخي الانثروبولوجي كان منقادا للطبيعة غير قائد لها لأن كل اشكال الحياة في الطبيعة هي علاقة التكيّف معها من أجل إدامة بقائه هو وليس من أجل بقاء الطبيعة على حساب وجوده الافضل.

س31: ا. مراد غريبي: إذن حسب ما تقدم نجد أنفسنا أمام قفزة صوفية، أليس كذلك؟

ج31: ا. علي محمد اليوسف: من المرجح أن أول من استخدم تعبير القفزة النوعية في المجهول الايماني الديني هو سورين كيركجورد حين إعتبر الانتقالة الايمانية الدينية بالخالق تبدأ بقفزة التخلص من صرامة العقل الواقعي المادي الى دخول معترك الايمان القلبي بما يحتويه من تكوينات مثل العاطفة، الضمير، حب الخير، والاخلاق وغيرها، ومن ثم تبلور مفهوم القفزة النوعية التطورية في تطبيقها على المسار التاريخي حيث أكد كيركارد أن المسار التاريخي بلا قفزات نوعية – اطلقت عليها الماركسية الطفرات النوعية – لا يمكنه التطور النوعي في الانتقال من حالة الى حالة اخرى متقدمة عليها ما لم تتخلل مساره التقليدي طفرات تنقله من حالة اعتيادية رتيبة الى حالة اخرى نوعية متقدمة تطوريا عليها. بالحقيقة اراد كيركجورد الرد على مثالية هيجل ومادية ماركس، في اعتبارهما الطفرة النوعية لا تتم الا وفق جدل ديالكتيكي تاريخي.

ما يحسب لهذا السبق لسورين كيركجورد أنه جاء متقدما على الفهم الهيجلي المثالي القريب منه جدا على صعيد التاريخ، ومتقدما ايضا على الفهم الماركسي الذي جعل ماركس من القفزة النوعية في مسار التاريخ تتم ماديا على ارض الواقع وليس على صعيد الايمان الديني القلبي المثالي الذي قال به سورين كيركجورد. ولقى صدى كبيرا لدى فيورباخ.

صوفية الزن البوذية تحاول تطبيق مفردة القفزة التطورية النوعية التي اورثتها للوجودية والماركسية في تفسيرهما التطور التاريخي. كان لسورين كيركارد قصب السبق ردا على هيجل والماركسية القول بالقفزة النوعية وبالتأكيد لم يستقيها كيركارد عن الصوفية البوذية وإن كانت المطابقة معها واردة تماما.

سورين كيركارد يعتبر رائد مخترع الجدل الديالكتيكي المثالي الديني بعد هيجل. وحينما اراد هيجل تطبيق الديالكتيك لم يأخذ بأهمية الطفرة النوعية التي تحكم المادة والتاريخ كما فعل ماركس ومعه انجلز بل أخذ ما أطلق عليه الفكرة المطلقة العقلية. بعدها أنضج ماركس مفهوم الطفرة النوعية في الجدل المادي والتاريخي، حيث جرى تخليصها من النزعة المثالية. أكد كل من ماركس وانجلز أن القفزة النوعية في المادة وفي التاريخ إنما تتم داخل جدل نسقي يجمع بين متضادين توحدهما المجانسة الماهوية الواحدة.

عندما ننظر مفهوم القفزة في اللاوعي الصوفي البوذي (زن) نجدها قفزة ضمن تجانس نوعي يرتبط بفهم الوعي على صعيد تفسير علم النفس المتحرر من ميتافيزيقا الاديان التوحيدية من جهة، والمتحرر من أحكام المنهج المادي الجدلي من جهة اخرى. فهو نوع من النقلة النفسية التي لا تربطها علاقة مع مفهوم القفزة النوعية لا عند سورين كريكارد، ولا النقلة المادية كما هي عند ماركس.

لو نحن حاولنا المقاربة بين مفهوم القفزة الايمانية لدى كيركارد ونقلة صوفية الزن نجدهما متطابقان تماما رغم الاختلاف الديني بينهما. وتجمعهما المجانسة النوعية الواحدة على صعيد الماهية التي هي ان صح التعبير القفزة من عالم اللادين الى عالم جوهر الدين في الايمان بالله. حتى وإن وجدنا القفزة النوعية تخرجها عن الانتظام النسقي الخاص بالدين.

س32: ا. مراد غريبي: ماذا عن ماهية الإنسان في صوفية زن البوذية؟

ج32: ا. علي محمد اليوسف: حسب مفهوم صوفية الزن فالإنسان موجود (فني) يدرك الطبيعة ويحتويها بطاقته الابداعية الفنية التي تتكامل مع اعجاز الطبيعة الفني الجمالي. الانسان ليس موجودا ملقى لا يعرف حقيقة نفسه ولا يعرف حقيقة مصيره، كما ولا يعرف كيف يعيش الحياة بدون ملازمة تأنيب هاجس التعاسة الذي يلازمه طيلة سني حياته. فالانسان مزودا بكل الطاقات والامكانات التي تمكنه من جعل حياته وعلاقته بالطبيعة لوحة فنية تنبض بالحياة والجمال والتفاؤل.

الوجود الفني بالحياة في مذهب صوفية الزن ليس معناه ان يكون كل انسان متخصصا في انتاجية نوع من الفنون التي ينجزها اصحاب المؤهلات الفنية من موسيقى ورقص وغناء ورسم ونحت وادب.. الزن ترى في الجمال والفن اسلوبا يعيش الانسان الحياة بعيدا عن التعاسة ولازمة منغصات الحياة له. ولا يتم ذلك الا بالعودة الى الطبيعة واستلهام المعاني الروحية منها وحدها.

س33: ا. مراد غريبي: نعود مرة اخرى لتأثير فيورباخ في تناوله الفلسفي نشأة الدين وكتابه أصل الدين يعتبر مرجعا مهما بهذا المجال، فما هي قراءتكم له؟ هل كان فيورباخ موفقا في فلسفته الدينية ام كانت مجرد هجوم فلسفي على اللاهوت الديني المسيحي؟

ج33: ا. علي محمد اليوسف: فويرباخ كما معلوم أبرز فيلسوف انشّق مع آخرين من تلامذة هيجل وأطلقوا على أنفسهم الشبان اليساريين الهيجليين، منهم ماركس وانجلز وباور وشتيرنر وشتراوس وغيرهم. وربما يكون أهم انجاز فلسفي تركه فويرباخ هو كتبه الثلاث (أصل الدين) و (جوهر الدين او المسيحية) و(جوهر الايمان) في محاولته تثبيت نزعته الدينية الالحادية وشرح فلسفته في نشأة الدين عن الطبيعة واغتراب الانسان.

الا ان هناك من يذهب الى أن فيورباخ لم يكن ملحدا مثل برديائيف وجون لويس اذ يقول عنه هذا الأخير: إن فيورباخ كان رجلا متديّنا الى أبعد الحدود، ومن ثم فان ماديته مختلفة تماما عن أية مادية سابقة عليه، فهو لا يحقّر الدين وانما يرى الله اسقاطا لحالة الانسان البائسة.

عمد فويرباخ أن يجعل من الطبيعة منشأ الدين، وينصّب الانسان (الها) بها ومن خلالها وعليها، فهو جعل الانسان يقدّس ويؤله الطبيعة بتأملاته الخيالية والميتافيزيقية المحدودة إدراكيا عقليا، وأن يعتبر (الانسان ) دون وعي منه، الطبيعة بكل ما تمتلكه من ظواهر وهيئات وتنوعات جغرافية وبيئية وتضاريس وانهار وجبال وحيوانات ما هي الا (الاله) الذي يحتاجه روحيا وماديا ايضا في تعليل اسباب وجوده او المساعدة في ايجاد حلول لجميع المشكلات التي تعترضه والظواهر والموجودات الاخرى في الطبيعة التي تجاوره وتحيط به ويتعايش معها من حيوان ونبات.

جعل فيورباخ من الطبيعة والانسان والله، إلها واحدا هو الانسان، ليس على وفق مشابهات فلاسفة وحدة الوجود الصوفية، إلها متسيّدا الطبيعة من جهة، وشبحا إلهيا لإله متعالي لا في ما وراء الطبيعة لا يدركه لكنه يحتاجه، ليقوده الى الاذعان بما يخلع عليه من ذاته، صفات يتمناها في احتياجاته وحياته، إله يقوم بالرضوخ له وتقديسه وعبادته والخوف من غضبه، ذلكم هو الاله المتخيّل إنسانيا وجوديا في الطبيعة وليس خارجها، يرتبط الانسان بآلهته بعلاقة روحية غير واعية ومدركة يجسّدها ارتباطه الروحي بالطبيعة وليس ارتباطه الروحي الى ما وراء الطبيعة، فهذه العلاقة الميتافيزيقية التعبدية لم يكن يبلغها الانسان آنذاك الا بعد مراحل تاريخية طويلة،انبثقت لاحقا في الديانة السحرية والطوطمية والميثولوجية والاسطورية ومن ثم في مراحل لاحقة الأديان الوثنية التي قادت البشرية الى الأديان التوحيدية.

وفي معرض دفاعه انه لم يكن يدعو الى أن الانسان هو (إله) من غير أسبقية الطبيعة عليه يقول فيورباخ:(ولكن الرأي عندي ان الكائن الذي هو شرط مسبّق للإنسان انما هو الطبيعة، وان كينونة الطبيعة بالنسبة لي، الكينونة الازلية التي لا أول لها، انها الكائن الاول في الزمان وليس في المرتبة، فهي الكائن الفيزيقي وليس الاخلاقي) نقلا عن كتابه أصل الدين.

ويؤكد فويرباخ (ان الطبيعة هي الموضوع الاصلي للدين، كما يبرهن على ذلك تاريخ كل الديانات والأمم، فالتأكيد بان الدين فطري بالنسبة للانسان زائف إذا تطابق مع الثيولوجي، ويكون صحيحا تماما إذا كان الدين هو الشعور – شعور الانسان – بالتبعية الذي يدرك فيه انه لا يستطيع الوجود بدون كائن اخر مختلف عنه في كيفياته وصفاته، وإذا فهمنا الدين هكذا، فان الطبيعة للانسان ضرورة النور للعين والهواء للرئتين، والطعام للمعدة، باختصار الانسان كائن يعتمد على الطبيعة) .

ان تعلق فيورباخ بالطبيعة والانسان يكاد يكون عصابا مرضيا عنده، ان لم يكن هو اعلى إفصاحات التدّين التصوفي العميق، وصفات النقاء الروحي التي لا يمكن ان يتصّف بها فيلسوف عرف عنه إلحاده، ففي رسالة ارسلها الى والده عام 1824 بعد هجره دراسة اللاهوت كتب فيها (لقد هجرت اللاهوت ليس عبثا، او استهتارا، او كرها، ولكن لأنه لا يشبعني ولا يعطيني ما أحتاج اليه ولا أستطيع الاستغناء عنه، أود أن أضم الطبيعة الى قلبي، تلك التي يرتد عن اعماقها رجال اللاهوت الجبناء).

الطبيعة الارضية الحسّية الحيّة التي وجد الانسان نفسه مقذوفا بها كوجود من غير ارادته مع باقي المخلوقات والمكونات الطبيعية والحياتية النباتية والحيوانية والجمادية، وسط اشكال وظاهرات متنوعة، اشجار ونباتات وجبال عملاقة وصخور وانهار وبيئة متنوعة وغير ذلك. وكان محتّما ومحكوما على الانسان ان يتكيّف ويتعايش مع هذه الطبيعة شاء أم أبى، ويتماشى مع مراحل تطورها التاريخي، محاولا فهم صفاتها وقوانينها وكيفية التعامل والتكيّف والتعايش معها.

كتب فويرباخ في كتابه جوهر الدين:( الاعتماد الحيواني على الطبيعة – يقصد اعتماد الانسان والحيوان على السواء – هو اعتماد غير واع – يقصد سطحي عفوي – لكن بارتفاعه الى الوعي التخييلي – يقصد عند الانسان فقط -وعند التفكير فيه والاعتراف به يصبح دينا) .

وبالعودة لمناقشة وتوضيح عبارة فيورباخ حول النزعة الاعتمادية الحيوانية على الطبيعة من قبل الانسان والحيوان، ان علاقة الرضوخ والاذعان الانساني للطبيعة وان التقت مع النزعة الاذعانية في صفتها (الحيوانية) كما هي عند الحيوان، الا انها تختلف عند الانسان في الكيف عن الحيوان اي في نوعيتها على مستوين نناقشهما اشار فيورباخ لاحدهما تلميحا فلسفيا ضمنيا، ما معناه ان كلا الاذعانين عند الانسان والحيوان للطبيعة غير ادراكي غير معقلن، لكن حين يتحوّل الى وعي ذاتي مفارق عند الانسان المتحرر من هيمنة الطبيعة، فان ذلك الوعي الخيالي يصبح(دينا) إنسانيا لا يعيه ولا يفتقد أهميته الحيوان.

ومن جهة ثانية من جانبنا نؤكد ان (حيوانية) الاذعان في علاقة اعتماد الانسان والحيوان على الطبيعة في تأمين احتياجاتهما للغذاء والبقاء والحياة، وان اختلفت الوسائل بين الانسان والحيوان، فهي علاقة انسانية مفارقة عن مثيلتها في اذعان الانسان للطبيعة، مقارنة بالحيوان، ففي الوقت الذي يكون الحيوان في اعتماده الطبيعة لتأمين احتياجاته، نجده يرتبط في علاقة تكيّف سلبي بالطبيعة انه يعيش ليأكل فقط، ويهادن الظواهر الطبيعية ولا يرغب من الطبيعة بأكثر من تأمين الطعام له وادامة حياته. بينما نجد تكيّف الانسان مع الطبيعة، ومؤانسته بها انها توّفر له احتياجات العيش والحياة كما هي توفرها للحيوان، لكن بفارق واختلاف جوهري كبير جدا، فرغبة الانسان تفارق الحيوان بما نطلق عليه التكيّف الايجابي غير المنقاد للطبيعة، بمعنى ان الانسان لا يكتفي من الطبيعة بتأمين حاجاته الاساسية لإدامة حياته وتامين الغذاء له وحسب، وانما يرغب السيطرة على الطبيعة وقيادته لها لا كما تقود هي الحيوان من دون وعي مدرك لكليهما اذ ان الوعي المتبادل بين الطبيعة والحيوان لا وجود له، فالطبيعة والحيوان لا يدركان عقليا ميزة يمتلكها الانسان وحده انه يعي ذاته ويعي الحيوان ويعي الطبيعة وجميع المخلوقات بوعي ذكي ومعقلن......عند هذا التمفصّل الجوهري المفارق الذي تجاوزه فيورباخ ضمنا أم عمدا، وعلاقته الارتباطية الوثيقة بنشأة الدين نأتي لتوضيحه اكثر أهمله فيورباخ.

في التمفصّل الذي ذكرناه ينتهي دور الطبيعة ان تكون كما اشار واعتمده فيورباخ، هي الملهمة للإنسان روحيا، ومصدر وحيد لنشأة الدين عند الانسان. وفي توضيح مقارن بسيط نجد الانسان يشترك مع الحيوان في امتلاك (العقل) في وعي ذاتيته الإنسانية كجنس باختلاف جوهري ونوعي كبير، هو ان عقل الحيوان يفتقد خاصيتين يحتاجهما ويتمايز بهما عقل الانسان من دون الحيوان، هما خاصيتي (الذكاء والخيال) مضافا لهما في مراحل متقدمة من وجوده قدرته على اختراع الانسان لغة التخاطب مع غيره من البشر كنوع مفارق لحياة الحيوان.

وطبعا نحن لا نقصد بالعقل هنا امتلاك الانسان ملكة الادراك والتفكير العقلاني التي ايضا لا يمتلكها الحيوان، وانما قصدنا العقل المحسوس العجينة الرمادية المتكوّنة من المخ والمخيخ والنخاع المستطيل، هذه الكتلة العجينية موجودة في جمجمتي كل من الانسان والحيوان لكن باختلافات جعلت من الانسان نوعا متفردا بخصائص لا يمتلكها أي كائن على الارض. وبهذه الخاصية الانسانية كان الانسان (دينيا) دون سائر المخلوقات كما هو اجتماعيا في العيش المشترك في استخدامه اللغة بأشكالها البسيطة.

معلوم بما لا يحتاج منا التوكيد أن عقل وتفكير الحيوان في تكيّفه السلبي مع الطبيعة التي يدركها(حسّيا) فقط، في وقت نجد وجود الانسان في الطبيعة على وفق علاقة اصطراعية احتدامية في سعي الانسان والى وقتنا الحاضر هاجسه الكبير هو كيفية تطويع الطبيعة والسيطرة عليها، ومؤخرا في عصور العلم والحضارة، اخذ الانسان يسعى لاكتشاف القوانين الطبيعية من اجل رفاهيته وراحته وسعادته. وبقي تكيّف الحيوان الطوعي مع الطبيعة، في بقائه حيوانا غير مفكّر ولا عقلانيّ ولا خيالّيّ ولا متأمل ولا ديني ولا ناطق.

أما كون الانسان متأملا عقلانيا ذكيا خياليا فهذا جعله كائنا دينيا متفرّدا، يمتلك الصفات التي تؤهله التفكير الخيالي خارج ابعاد الطبيعة، وهذا الوعي الخيالي يرتفع به مرتبة أعلى من الطبيعة، فهو غير متكيّف معها بما تمليه عليه، بل هو في علاقة احتدامية غير منقادة معها، في بحثه الدؤوب عن خالق يمتلك صفات الطبيعة جميعها، كائن يمتلك قدرات اعجازية غير منظورة تملي عليه وجوب الانقياد له، وليس للطبيعة ذات القدرات المحدودة العاجزة في منع الحوادث والاخطار والبراكين والزلازل والموت وغيرها، صفات يتمناها أن تكون غيره يمتلكها  لتجعل منه كائنا يتوّسله في حياته التي يرغبها اكثر أمانا واكثر طمأنينة بعيدة عن الخوف الذي يتهدد وجوده، حياة في أسمى معانيها وصفاتها.

س34: ا. مراد غريبي: هل هناك تأثير لفويرباخ على ماركس؟

ج34: ا. علي محمد اليوسف: لقّب فويرباخ بانه صاحب منهج فلسفي مادي تصوفي او تأملي ذاتي، (البعض ينعت فويرباخ فيلسوف الذات فهو عالج موضوعة اغتراب الذات فلسفيا في سبق فلسفي يحسب له ) ومن الماركسيين المحدثين الذين ينكرون التأثير المادي لفويرباخ على ماركس، بنفس معيار انكارهم الجدل الهيجلي على اعتباره هو الآخر مثاليا تجريديا تأمليا، واقفا على رأسه بدلا من قدميه، علما ان جميع دارسي وباحثي الماركسية يذهبون الى أن المادية الفويرباخية والجدل او الديالكتيك الهيجلي كانتا دعامتا الديالكتيكية المادية، والجدل المادي التاريخي اللذين اعتمدهما ماركس في صياغته قوانين تطور المادة والتاريخ، بعد تخليصه مادية فويرباخ من تصوّفها التأملي الديني، وتخليص الجدل الهيجلي من مثاليته المقلوبة.

المهم أن هذا ليس موضوعنا، لكن لا يمكن لأحد نكران أن المعارف والفلسفات وحتى العلوم الإنسانية، هي تراكم معرفي وحضاري تاريخي محكوم بالكم والكيف، في تقادم زمني لا يلغي تماما جهد السابقين على اللاحقين تاريخيا، مهما اعتور وشاب تلك المسيرة من النقد والمراجعة والحذف والتفسير والتفنيد.. الخ

كما يتعذر ولادة معارف علمية أو فلسفية من فراغ سابق عليهما.

يقول ماركس في عبارته المتعالقة مع فويرباخ:(ان الدين باق معنا، في بقاء الاسباب التي أدّت الى نشوئه). لا نجانب الصواب حين نرد وننسب التقاء ماركس وفويرباخ في نشأة المسألة الدينية لديهما في اشتراكهما ليس في طبيعة (الحادهما) وحسب، وانما في طبيعة نسبة مصدر الدين ومنبع وسبب نشوئه الى الطبيعة ذاتها والانسان ذاته ايضا. معتبرين الدين من صنع الانسان وصنع الطبيعة معا. اذ يقول فيورباخ بهذا المعنى (ان عبادة الله تعتمد على عبادة الانسان لنفسه).

س35: ا. مراد غريبي: طيب، ماذا عن التدين لدى فويرباخ؟

ج35: ا. علي محمد اليوسف: حسب فويرباخ أخذ الانسان يخلع على الطبيعة، بعضا من خصائصه الذاتية، ليصل بعدها خطوة او مرحلة متقدمة في(تأليه) اغترابه عن الطبيعة، متصوّرا أن قدراتها وما تمتلكه الطبيعة من صفات لا يمتلكها هو تجعله بالضرورة يجعل منها كائنا يفوقه بالقدرة والمكانة، ويستوجب عليه تقديسه واعتباره(الها) له يعبده ويعمل بجميع الوسائل كسب مرضاته ووقايته من الحاق ضرره(العفوي) المقصود به في كل خوارق العواصف والزلازل والفيضانات وهكذا في كل ما يهدد حياته ووجوده. هنا بدأ الانسان يفهم ان الطبيعة الإله، تمتلك وتستطيع فعل كل ما يعجز عنه تفكيره ان يفعله ويعمله، في وجوده المادي الحسّي والروحي على السواء.

ان تفسير فويرباخ (ألوهية) الطبيعة المتخيّلة والمصنّعة انسانيا ذاتيا، هو ان (الانسان وضع اسمى خصائصه الانسانية، ماهيته، او جوهره في الطبيعة فقدسّها، ثم خلع عليها صفات وقدرات الالوهية في تجريدها من عينيتها اي واقعيتها المادية، ومن ثم رفعها الى السماء، وسماها(الله) بلغات مختلفة وكيفيات مختلفة ورموز مختلفة وخصائص مختلفة وهيئات مختلفة.)

واضح ان منشأ الدين لدى فويرباخ هو الطبيعة، ويعتبر الانسان الديني هنا، انما يتعامل مع (الطبيعة – الدين) من خلال ذاته، كذات عقلانية مدركة للطبيعة والمحيط وتعي اغترابها عنهما معا (اغتراب ذاتي واغتراب عن الطبيعة). وبالتالي فان (إله) الانسان لا يعكس سوى حالته فقط، ذاتيته، وجوهره المتفرد الخاص به وحده دون غيره من الكائنات.

تأسيسا على ما ذكرناه يعتبر فويرباخ الطبيعة المبتدأ الاول والمنتهى الاخير لفهم نشوء الدين، لذا تكون تبعية الانسان لحاجة التديّن، هي لا شعوره الدفين بتبعيته للطبيعة التي لا يستطيع تصوّر الحياة من دونها وما توفره له من اسباب العيش والبقاء.

من المعلوم جيدا ان جدل الانسان مع الطبيعة يقوم على جوهر ومرتكز (أنسنة) الانسان لها، ومحاولته السيطرة على بعض تجليّاتها وتسخيرها لمنفعته، أو محاولة اكتشاف بعض قوانينها الطبيعية التي تعمل بمعزل عن رغباته ووجوده ومحاولته الاستفادة منها في تمشية حياته والتكيّف مع الطبيعة.

 فالانسان الذي يصطدم بالقدرة الكلية للطبيعة، والاحتدام معها، يسقط على الطبيعة رغبة الانتصار عليها وتحقيق رغباته واحتياجاته منها، والانسان لا يتكيّف مع الطبيعة تكّيفا سلبيا معها كما يفعل الحيوان، بل يكون تكيّفه مع الطبيعة بمقدار استجابتها تحقيق ما يرغبه منها وتمنحه له وتديم بقاؤه في الحياة.

بالمقابل الجدلي المناقض للانسان نجده في سعي الطبيعة، تطبيع الانسان على التكيّف معها في مقابل محاولته هو أنسنتها، في افتراض واقعي علمي ان جدل التناقض في قطبيه الانسان والطبيعة لا يعيان ادراكيا تضادهما الجدلي ولا حتى النتائج المتولدة منه والمفصحة عنه. الجدل والتضاد بينهما في قانون الماركسية وحدة وصراع الاضداد الذي يحكم المادة والتاريخ والوجود عامة.

انه من المفهوم جيدا ان جدل الانسان في محاولته أنسنة الطبيعة يقوم على خاصيتين يمتلكهما الانسان وتفتقدهما الطبيعة وهما عاملي (الذكاء واللغة)، لذا بالإمكان ترجيح جدل التضاد بين الانسان والطبيعة في صالح الانسان وليس الطبيعة وهو ما ثبت انثروبولوجيا وعلميا في التطور التاريخي والحضاري للانسان. ثم اضيفت للانسان قدرات اضافية لا تجاريه فيها الطبيعة مثل انتصاب القامة واستعمال اليد بمساعدة إصبع الابهام الذي لا تمتلكه سائر الحيوانات، وفي مرحلة متقدمة جدا اخترع الانسان اللغة مع دخوله عصر الزراعة، عصر صنع الحضارة الانسانية. (عصر الزراعة سبعة الاف سنة قبل الميلاد، وعصر اختراع الكتابة بحدود (2200 – 2300) ق. م.

نعود لنكمل مع فيورباخ (إذا كان الانسان يؤمن بكائن مختلف مستقل عنه، والذي ليست له طبيعة بشرية، وليست له صفات بشرية، فان ذلك الكائن ليس شيئا سوى الطبيعة في الحقيقة، وان كل الاسماء التي يمنحها هذا الانسان لكائن متخيّل ما هي في الاصل الا سمات الطبيعة ذاتها).

ويمضي قائلا في تأليهه الطبيعة (انه اذا كان الله بنظر اللاهوتيين عبارة عن كائن خالد لا يفنى، فانه لا يوجد في الحقيقة كائن خالد سوى الطبيعة، حيث يموت جيل ويعقبه جيل آخر، في حين نجد أن الارض، الشمس، الماء خالدين الى الابد) كما يرى فويرباخ أن جوهر الدين هو جوهر الانسان، وماهية الدين هي ماهية الانسان نفسه، وبهذا المعنى فان فويرباخ بحسب الاستاذ الباحث جاد الكريم الجباعي (لا يؤسس للإلحاد، بل يؤسس الدين برده الى اصله(الانسان) وعلة وسبب نشوء الدين هو اغتراب الانسان الذاتي واغترابه عن الطبيعة معا).

وبهذا الفهم الاغترابي الادماجي المركّب حسب فويرباخ يصبح كلا من الانسان والطبيعة والاله المصنّع خياليا ميتافيزيقيا (الها واحدا) متمثلا في محورية ومركزية الانسان وليس الطبيعة ولا إله ما وراء الطبيعة.

من الواضح ان فويرباخ جعل قدم واسبقية الوهية الطبيعة متقدمة على الوهية الانسان لئلا يقع في التفسير المثالي الذي تحاشاه وهو ان الطبيعة الالهية والاله الميتافيزيقي كلاهما من صنع الانسان، وبهذا المنطق المثالي الذي تحاشاه فويرباخ يكون أبقى الطبيعة وجودا ماديا بمعزل عن كل وجميع رغائب الانسان وذهب الى ان الطبيعة منشأ الدين وليس الدين من صنع وخلق الانسان المحض. متجاهلا ان حقيقة التفسير العقلي المنطقي بغض النظر عن ماديته او مثاليته يذهب الى ان الطبيعة وحدها لا تستطيع صنع دينها بنفسها لولا توّسل الانسان بها وقيادته هو للطبيعة وليس العكس. عندها يصبح التفسير المثالي او المادي في ان الدين لم تصنعه الطبيعة بقواها الذاتية لولا توّسل الانسان بها واعتماده لها مقبولا صحيحا، وبالتالي يبطل قول فويرباخ ان الطبيعة مصدر ومنشأ الدين. وفي تحاشي فويرباخ عدم الانزلاق بهذا الفخ لجأ الى القول ان الانسان خلق تدينه من الطبيعة ولم تفرض الطبيعة دينها ان صح التعبير هي عليه. اي ان فويرباخ وقع في مأزق المراوحة بين التفكير المادي الذي يتبناه ويحمله من جانب، وبين الفهم المثالي الذي لا يقر فويرباخ الاخذ به من جانب اخر.

فقد عمد الانسان تأليه الطبيعة التي يجهل خلقها ومن أوجدها، لذا فقد اعتبرت الطبيعة منذ تلك الحقب التاريخية السحيقة والى يومنا هذا ميراثا للانسان تخدم وجوده الارضي لا ينازعه بها أحد منذ انقراض الديناصورات والماموث وغيرها من الكائنات التي كانت تهدد وجوده بالانقراض.

وسواء ورث الانسان الارض هبة من الخالق ام كنزا وجده مصادفة هيأته له ارادة اخرى مجهولة خفيّة في التطور البيولوجي والكوسمولوجي، فهو وجد نفسه حاكما متحّكما في الكثير من امورها الغامضة او الواضحة ليكون سيّد الطبيعة.

وحسب فويرباخ فان الانسان خلع على الطبيعة من صفاته رغبة منه في حل الغاز وجوده، ونضيف تماشيا مع تصور فويرباخ انه لما كانت الطبيعة عاجزة عن حمل رسالة الالوهية بما يلبي رغبات الانسان ويبعث الطمأنينة بنفسه، فهي لا تجترح المعجزات ولا تجيب على اسئلة عقل الانسان المحيّرة ووجوده النوعي، فأن الانسان لم يمتلك سوى الارتداد الى ذاته في تصنيعه الطبيعة (الها)، الى مرحلة لم يكن يعيها جيدا انه بإمكانه ان يكون هو(الها) للطبيعة والمخلوقات الأخرى معه.

وهو ما نجده متحققا في مراحل تاريخية متطورة حضاريا من وجود البشرية في اعلان الانسان نفسه (الها) وحتى ليس نبيا، في الاساطير والميثولوجيا، وحتى الى عصور متقدمة معاصرة جدا في اعلان امبراطور الحبشة (اثيوبيا) هيلاسلاسي نفسه(الها) مخلصّا يعبد بحسب المعتقد الديني في (الراستفارية) عند بعض القبائل الاثيوبية غير المسيحية.

بالحقيقة لم يكن يدرك الانسان ان من خصائص الاله اجتراح المعجزات عصر ذاك، لذا كانت الوهية الانسان لا ارادية ولا عقلانية، سواء اكانت الطبيعة الها أم لم تكن، او اكان الانسان مخلوقا عبدا ام الها مرسلا ام غير مرسل.

ولأن الانسان بحسب فويرباخ (كائن غير ميتافيزيقي فان تفكيره الميتافيزيقي (نقض) بمعنى السلب النفي، لفن التفكير كأنه سلب مطلق، والطبيعة له ليست الا المقابل العقلي له)

(والكائن الذي يوجد في الفكر بالنسبة للمفكر، هو الجوهر الحقيقي، ومع هذا فانه يكون واضحا بذاته له، والكائن الذي لا يوجد في الفكر لا يمكن ان يكون جوهرا صحيحا)

كما ان الذي لا يعطيه لنا الفكر بفعل التفكير كناتج تفكيري وفهم الذي هو الموضوع المادي المدرك لذاته، أو الكائن المدرك وجوده خياليا (روحيا) عندها يكون المخيال إلغاءا افتراضيا مطلوبا لإدراك وجود الطبيعة ماديا. التي يرغب الانسان اعطاءها صفة المتعالي والمقدس والالوهية، على حساب الغاء فاعلية العقل الحسي في تحقق وجود الأشياء، على وفق قصدية روحانية دائمة التصادم والتضاد، في عجز الانسان والطبيعة معا اي الخالق الطبيعة والمخلوق الانسان العبد كليهما وجدا عجز اثبات ان الطبيعة تمتلك سمات الالوهية والمقدس في اجتراح المعجزات وتحقيق اماني العبد الانسان في درء الاخطار المحدقة به وحمايته. هذه السمات لم تكن الطبيعة تمتلكها أولا، ولا هي (الطبيعة) ارغمت الانسان خلعها عليها، وتصنيع الانسان إلهه منها وعبادته لها على وفق ما يطلبه ويتمناه لا وفق ما ترغبه الطبيعة، فهي لم تكن ولن تكون مستقبلا بحاجة الى انسان روحي يستمد تدينه من الطبيعة.

وفي مقولة هيجل (الدين هو أعلى صورة من صور التعبير عن الوعي الذاتي) نستطيع فهم ان ذاتية الانسان هي التي جعلت من الطبيعة الها افتراضيا هو من صنع خيال الذات الانسانية في ايجاد وسيلة تخلع عليها صفات الالوهية، ويعبدها الانسان فلا يجد غير الصفات التي تتفرد بها الطبيعة، أو الصفات المشتركة بينهما، ويصنع من الطبيعة الها ماهو الا ذاته هو، التي خلعها على الطبيعة. تم هذا بواقع تفسير خيالي افتراضي ان الطبيعة قادرة ان تعطي كل متطلبات معيشة الانسان، وبالتالي فهي تستحق التأليه الذي يحتاجه الانسان روحيا في فزعه من الموت والفناء.

س36: ا. مراد غريبي: كيف ترى مستقبل التديّن الاسلامي السياسي ومأزق العصر؟ هل تستطيع الفلسفة لعب دور الوسيط المقبول بين التدين الاسلامي والمعاصرة. خاصة ان التضاد بينهما هو على صعيد الايديولوجيا.

ج36: ا. علي محمد اليوسف: إن منهجية الدراسات الاصلاحية المعرفية والفلسفية، في نقد وتقويم الانحرافات الطارئة في الفكر الديني، من وجهة نظر معاصرة حداثية، وحاجة الانسان للتديّن، مداميك وأسس وضعت الظاهرة الدينية على محّك المراجعة النقدية المسؤولة، بعد أن أصبح خطر ايديولوجيا التديّن الاسلامي المتطرف تحديدا، المعتاشة على الدين وبه ومن خلاله، تهدد الوجود الحضاري في العالم العربي.

أصبحت المجتمعات العربية الاسلامية تجرّها منظومات التراث المتحفي - الماضوي التي فقدت غالبية مؤثراتها وبريقها بالمعيار الثقافي المعاصر، وفي تعطيلها الجوانب المشرقة التراثية أن تلعب دورها في التعايش والتلاقي مع الآخر ثقافيا، وتيار الجذب الثاني ممثلا بالمعاصرة التي يوجب حضورها سريان الحياة التمدينية، وتطورّها وتقدمها باستمرار، وهذه المعاصرة بدلا من تعطيلها سابقا جرى تغييبها اليوم قسرا وبالإكراه الايديولوجي الديني السياسي.

في جنبة أخرى نجد اليوم من يسعى الى تجذير الخلافات الدينية مذهبيا داخل البيت الاسلامي، في الرجوع الى إحياء وبعث جوانب من التراث الاسلامي، بكتابة تاريخ منازعات دينية طائفية مذهبية، في مسعى تصويب مسار تاريخي مذهبي على حساب مسار مذهبي آخر، بعيدا عن معالجة اشكالية الدين كإسلام في تقاطع غالبية مفرداته الفقهية والتشريعية مع العصر. نحن بحاجة اليوم الى معالجة قضايا الاسلام الديني، ليس كمذاهب طائفية متناحرة متطرّفة، بل في حل اشكالية فكر الفقه الدين الاسلامي وتقاطعه مع ثقافة وحضارة العالم اليوم.

ولم يعد مهمّا اليوم ما نكتبه سواء بمكابرة زائفة أم بقصدية مؤمنة، الا بمقدار ما تقربّنا تلك الكتابات الدينية من ردم هوّة السقوط والتراجع الثقافي والحضاري للمجتمعات العربية -  الاسلامية في عالم اليوم، وليس بمستطاع الطائفية أن تنقذ الاسلام من جموده وتعطيل حركته، بمحاصرته وتجييره للطائفة الغارقة بالتزّمت والتطرّف بعيدا عن الاسلام كدين شامل يضم طوائف واجتهادات وثقافات واقليات واثنيات منوّعة، الأولى ايجاد مشتركات التعايش فيما بينها بدءا، وتعايشها السلمي التنويري مع بقية الديانات التي تعايش الاسلام معها عبر التاريخ، كي يكون بمقدورنا محاورة ثقافة الحاضر عالميا من منطلق اسلام جامع، وليس اسلام طوائف متفرقة واحترابات دينية مع غير المسلمين . أن في إصلاح الطائفة والاثنية مقدّمة سليمة وصحيحة لإصلاح الفكر الديني الاسلامي.

هذه التوطئة وجدتها ضرورية قبل الدخول في بسط فقرات هذه الاجابة في معالجتها مجتزءات متعالقة مع الفكر الديني وليس مع الدين، كانت أغفلتها أو تناولتها بأكثر رصانة المناهج النقدية الشمولية في سعيها طرح معالجات إصلاح الفكر الوضعي الديني، وحاولت كتابة تاريخ ديني مغاير للمتوارث السائد المعطّل الوجود والفاعلية الحياتية، عندما يكون موروث الفكر الديني يعيش الماضي والحاضر والمستقبل على حساب هامشية الوجود العربي – الاسلامي في عالم اليوم.

حاولت في مقالات لي بسط اجتزاءات منها التديّن حاجة ملازمة للوجود الانساني، ومفردة اخرى العودة بالدين لتوكيد فردانيته التدينية العفوية الصادقة، وليس مجتمعيته التعبوية المنحرفة ايديولوجيا، كما وضعت مفردة عصرنة الدين بين الاستحالة والتحقق، كذلك مفردة خلق عوالم ويوتوبيات دينية ودنيوية، خيالية ومتحققة، كما وتطرّقت لآفة الفكر الديني في أدلجة الدين، جميعها مفردات بحاجة الى تناول مستفيض، لا يفيها حقها مثل هذا الحوار، لكن حسبي أني اضعها تحت نظر ويد التناول من غيري.

س37: ا. مراد غريبي: هل (التديّن) حاجة ازليّة مفطور عليها الانسان؟

ج37: ا. علي محمد اليوسف: المراحل الخرافية والسحرية والميثولوجية والاسطورية التي مرت على الانسان في ابتداعه واختراعه (التديّن)،أتت وجاءت متسّقة مع التفكير البدائي-البدئي العقلاني غير الساذج، في حاجة الانسان للتديّن، متجاوزا متطلباته البيولوجية الضرورية الأخرى بعد تطمينها وتأمينها، والانتقال الى تساؤله في معنى وجوده بين هذه الكائنات المحيطة به في الطبيعة.(ومن هنا نستطيع أن نفهم أن الطاقة الروحية التي يمتلكها الانسان دون غيره من الكائنات،هي طاقة انسانية بالأساس، لكنها متأرجحة بين الشأن البشري الأرضي من جهة، وبين التوق الى المطلق من جهة أخرى، وخاصة الإلمام بعوالم ماورائية مفترضة.) كما يعبر الباحث نبيل بن عبد اللطيف.

جوهر تلك النزعة العقلانية في استحضار حاجة الانسان التاريخية للتدّين، لا تنخلع عليها السذاجة توصيفا، لأن عقلانيتها الايمانية الغيبية، تتطابق مع نفس الارتباطات والمنطلقات الدينية الايمانية في وقتنا الحاضر. من حيث الالتقاء على أهمية حضور آلهة، تعطي وتوهب، تجازي وتعاقب، تمنع وتثيب، تجترح المعجزات، غير محدودة القدرات، خارقة، تلغي حواجز الزمان والمكان. ذات القدرات الالهية الاسطورية نفسها التي قرأنا عنها، والى وقت ليس بعيدا جدا في عمر الشعوب كما هي عند الاغريق في اساطيرهم وقبلها في الديانات الوثنية في مصر وبلاد الرافدين.

قد لا يكون التصور الإلهي وقتذاك في تلك الحقب السحيقة، مشابها لما حصل لا حقا من تطور انساني في ابتداعه تنويعات أكثر اتساقا وقبولا في مسار تطور التديّن الايماني الغيبي. لكنما الجامع هو جوهر التدّين الإلهي في الاعتقاد بوجود الخالق.

س38: ا. مراد غريبي: لماذا لم يكن الدين ظاهرة مفارقة لوجود الانسان؟

ج38: ا. علي محمد اليوسف: بالعودة الى المنظومة الفرويدية كما يدعو الباحث نبيل بن عبد اللطيف (نجد الحاجة الى الاعتقاد، هي حاجة نفسية بالأساس تنبع من محاولة الانسان الاجابة عن سؤال مركزي، لطالما أرهق تفكيره، هو ما الهدف من الحياة؟).

وبحسب كانط (العقل الانساني فريد من نوعه، أنه يطرح في جانب من جوانب معارفه، أسئلة لا يمكنه الاجابة عنها البتّة، فهو يطرحها لأنها نابعة من طبيعته ذاتها لكنه يبقى عاجزا عن الالمام بها بسبب انها تتجاوز قدراته البشرية).

الانسان في عديد من ظواهر الحياة التي لا يجد لها تفسيرا منطقيا شافيا، يتنازعه مؤثران اثنان هما (الارادة والقدرة)، الارادة عند الانسان في تطلعه الميتافيزيقي، الذي هو رؤية استباقية استشرافية مصدرها الخيال غير المحدود بطموحات معرفية معينة دون غيرها. والعقل يقود الانسان الى سلسلة من التساؤلات معظمها محرج، وامتحان لقدرات الانسان المحدودة في فهم وتفسير الحقائق والظواهر الطبيعية وغير الطبيعية المحيطة به.

عليه يكون الدين في حياة الانسان حقيقة إيمانية ميتافيزيقية بما وراء الطبيعة، ملازمة غير مفارقة للوجود الانساني، طالما هناك توالد وتوليد مستمر لتساؤلات يتعّذر الاجابة عليها بالقدرات العقلية للانسان ويفرضها الايمان الغيبي كمسلمّات تريحه نفسيا.

كما اشرنا سابقا أن العديد من الظواهر الحياتية والطبيعية المحيطة بالإنسان، هي ظواهر وحقائق كانت وستبقى مستعصية الحل مع الانسان، تلازمه عبر الاجيال، ويصعب النفاذ الى جوهرها، واستكناه ماهيتها وتحليلها بوسائل العلم او المنطق الفكري والفلسفي، او حتى بأسلوب الاستدلال العرفاني التصوفي الذي يتخطاهما – اسلوبا العلم والمنطق – ورغم هذا التقدم العلمي الهائل الذي نعيشه ونشهده،في ضروب الحياة المعاصرة، كان تقدم العلم ولا يزال موازيا لبقاء الدين خارج حيّز اهتماماته واشتغالاته، وقطع العلم شأوا متقدما جدا في فك الكثير من مغاليق وشفرات الوجود وألغاز الحياة المحيّرة، فلا زالت قدرات الانسان العقلانية والمنهجية محدودة وقاصرة في مواجهة مشكلات وتعقيدات الوجود الميتافيزيقي للانسان، والسير ضمن نسبية الامكانات في سبر أغوار الظاهرة الدينية الملازمة للانسان، التي ترسبّت في اعماق الوجدان الثقافي والاجتماعي والسلوكي على مر الاجيال .

أن محاولة فتح مغاليق المطلق الديني هو (إرادة وعجز) هو ارادة طموحة بلا حدود عندما يجد الانسان نوعا من الراحة والسكينة النفسية، وتقاعس وعجز وتراجع في أشغال الذهن بتساؤلات صعبة عصّية على التفسير والاقتناع لكنها تتلبسّه لا يمكنه الفكاك منها كما لا يمكنه مجاوزتها.

فإرادة الانسان وأمنياته في تحقيق غير الذي بالإمكان تحقيقه والوصول اليه، يجده مجسّدا في قدرات وصفات الخالق والإيفاء بتحقيقه وتطمينه، والانسان يرتاح أنه يدفع بجميع متطلباته المحمّلة بالأمنيات والتي يفتقد حضورها الارضي، ويجدها متحققة في أماني اعتقادية انها ممكنة التحقيق في طي الغيب التعويضي المتخّيل لحياة ما بعد الموت. وفي هذه الحالة يتراجع عجز الانسان المتشكك الاقتناعي في عدم امكانية تحقيق الامل الأرضي، الى رضى نفسي تسليمي في دفع واحالة جميع حرماناته الارضية الى مطلق إلهي يضطلع تأمين تلك الحاجات.

س39: ا. مراد غريبي: ماذا عن النقد الديني أو لنقل الجدل حول نقد الدين؟

ج39: ا. علي محمد اليوسف: الدين في قدسيته وتعالي ثوابته، جعل من ارتباط النقد الدنيوي – الانسانوي له، استحالة تحريمية، وممارسة مقموعة لا معنى لها في حضور تابوهات تحريم قاطعة مستمّدة من صفات المقدّس، التي تجعل المساس بأي مفردة دينية هي المساس بصفات المطلق الالهي المعصومة العظيمة بلا حدود، في امتلاكها قدرة وارادة الحياة والافناء، ومحاسبة الفرد بالعذاب والثواب.

امام هذه المعضلة وغيرها نجد أن التديّن في تحريمه النقد عمد اخراج العلاقة الايمانية بين الخالق والمخلوق من فردانيتها السوّية الصحيحة المحكومة بالثنائية التعّبدية الايمانية، ومن شخصانيتها في أن الدين هو علاقة روحانية تربط الانسان بخالقه فقط، تخص الانسان (النوع) وليس الانسان المجتمعي الفاني، التي جرى اخراجها وحرفها الى/نحو العلاقة الايديولوجية السياسية والتعبدية التي تسوق المجموع المنقاد بإسم الدين. بمختصر العبارة أن التديّن الاسلامي السياسي بات اليوم أقصر الطرق للهروب من تساؤلات العقل في تغييب الحداثة المجتمعية والحضارة التاريخية.

 ان العلاقة الدينية الفردانية في انتظامها بالخالق روحيا، هي العلاقة التعبدّية الصحيحة والسليمة، قبل تحريفها ونقلها الى فضاء المجتمع المعبأ بأيديولوجيا ألدين السياسي، التي أخذت دور الوسيط والوصي على إيمان الفرد وعلاقته بالخالق. وبذلك تمت مصادرة وتغييب شكل او المعنى التعبّدي الديني الذي يخرج على وصاية ورقابة وسلطة ايديولوجيا الدين. وكذلك مصادرة أدنى حد وحق في النقد الديني. حين يراد فهم او توضيح او فك شفرات بعض الممارسات المصاحبة للطقوس الدينية، واجتهادات تفسيرات الفكر الديني، التي تجابه بالتحريم القاطع المقترن بإنزال العقاب الصارم، وفي الإحالة الى مرجعيات كهنوتية باسم المطلق الذي تنعدم امامها المساءلة النقدية او الانتقادية في أبسط صورها ومعانيها.

الايديولوجيا الوضعية السياسية الدينية الاسلامية تستمد مقوّمات حضورها الديني وتأثيرها وانتشارها، من الإحتماء بالمجتمعي المضّلل والمعبأ بأيديولوجيا التسليم الدوغمائي المطلق، وفي تكريس المهيمن الغيبي المسّطّح في قصور فهم الدين فهما صحيحا يجاري متطلبات وروح العصر.

إن في العقلانية النقدية -إن حق لنا التعبير- لبعض المظاهر والسلوكيات والممارسات الدينية المنحرفة، نصطدم بالمباشر بجدار المطلقات الدينية وحرمة وعصمة نقدها، كما نصطدم أيضا بالإحتمائية النفاقية الكاذبة مجتمعيا المساقة والمعبأة بهستيريا ايديولوجيا الدين السياسي. فتكون هذه الحماية الكاذبة المنافقة للدين جمعت ما بين حماية الدين التعبوي المؤدلج مجتمعيا، والاحتماء بعصمة الروحي المطلق في تجريم وتحريم أن يمسّه أي نقد او انتقاد، في ادانة سلوكيات منحرفة في الفكر الديني السياسي. لذلك نجد بقاء وتطاول البقاء لثوابت ومطلقات الفكر الديني راسخة ومتجّذّرة في حمّى التحريم وتحت جبروته القمعي، تسير بالتوازي مع سريان وتبدّل وتغيّر الحياة والعصور من حولنا، التي تضع الانسان في صلب التساؤل الدائمي بلا جدوى، وتملي عليه عقم المراجعة النقدية ولا معناها وانعدام جدواها.

س40: ا. مراد غريبي: تطرقتم في العديد من المقالات لاتجاه ما يعرف بــــ "عصرنة الدين"، ما المقصود بهذا وما مدى تحققه؟؟

ج40: ا. علي محمد اليوسف: اشكالية الديني المقّدس مع الارضي المدّنس، أصبحت اليوم هي اشكالية التقاطع أيّهما يقود الآخر، ولمن تكون الأرجحية في الاعتماد أو الانقياد؟!

إنها اشكالية التقاطع المفروض بقوة وسطوة الحياة المدنية والمتحضّرة، وإن المأزق الذي يتقاذف الانسان العربي المسلم يتمثل اليوم في مواجهته اشكالية الديني في الحياة، في تساؤل اصبح اكثر مشروعية، هو كيف يستطيع هذا الانسان أن يجد او يبتدع في الدين ( معاصرة ) لا تتقاطع مع ( ثوابت ) الديني السماوي والفكر الوضعي الديني معا ؟، وهذا الاخير الفكر الوضعي المؤدلج يمانع وبشّدة وبمختلف الطرق أن يخلي دوره في وصايته على الدين، أمام رغبة الانسان العربي المسلم سعيه جعل المعاصرة الدنيوية ( دينا ) آخر في الحياة، او مرادفا لدين المقدس المطلق يعيش معه ويوازيه .

إشكالية الروحاني الديني مع الارضي الدنيوي الذي تفرضه الحياة المعاصرة، في الانسان الذي يرغب فهم الدين عصريا هو بالضرورة الحتمية سيكون في مواجهة المتديّن المتطرف الذي يشهر سيفه على الدوام وفي كل الاحوال وبأبشع صور الهمجية والاجرام والتخلف، في محاسبة كل من يجرؤ على التساؤل او الاستدلال لمعاني معرفية تخص انحرافات الدين المسيّس. وأن كل ممارسة تحمل صبغة الاسلام الديني يجب أن تخرج من تحت عباءة وهيمنة النص الوضعي المتطرف لأيديولوجيا الدين السياسي، وفي الاجهاز على كل تطلع يروم جعل الدين خارج مجرى التقاطع مع مجرى الحياة المعاصرة.

وأقصر الطرق لجعل الدين ثوابت انتقامية جاهزة، تستمد منها وتتخلّق عنها ايديولوجيات سياسية متطرفة وغير متطرّفة، هو في ممارسة عصمة ما يراد أن يساق ويساس به المجتمع، على وفق مسّلمات خرافية متخلفة متقاطعة دينيا مع روحية العصر وتحديث المجتمعات العربية الاسلامية.

من هنا نجد استحالة الجمع بين الرغبة في عصرنة الفكر الديني الى جانب عصرنة الحياة، وأن هذا التقاطع سيستمر لاستحالة خروج روحية العصر وتوقفها عن مسارها الطبيعي في التقدم الى الأمام، امام استحالة اخرى تتوازى معها وتقاطعها ممثلة في ثبات وتخلف الفكر الديني الوضعي المؤدلج سياسيا.

س41: ا. مراد غريبي: لكن هناك أيضا عنوان التبشير الديني بعوالم فوق المعقول الارضي، كيف يمكن فهمه؟

ج41: ا. علي محمد اليوسف: إن التبشير الديني بجنّة وعالم سعادة وحياة ما بعد الموت، يلبّي جميع الاماني المكبوتة عند الانسان في حياته الأرضية، والتي حرم منها والاستمتاع بها، وفي إشهاره التعذيب الجسدي والنفسي على الذات في نبذه طموحات ورغبات النفس الامّارة بالسوء، التي جعلت من الانسان العربي المسلم، كينونة وجودية طارئة خالية من أية قيمة انسانية فاعلة بالحياة، سيجدها متحققة في نيله ثواب الآخرة، وان يكن تحقيق هذه الاماني المغيبّة تشي بتعويض نفسي مخاتل ومنفصم.

إن مصدر اختلاق يوتوبيات سماوية، وأخرى أرضية هو الانسان وحده لا غيره، وتأتي توصيفات الدين لأجواء وسعادة تلك العوالم اليوتوبية تعويضا عن بؤس وشقاء الانسان بالحياة، وتعميقا استلابيا لأي قيمة ارضية تعطي الحياة معنى ان تعاش أمام طموح الحصول على جنان الخلد في السماء الذي لا يمكن تحقيقها الا في إعدام حياة الارض. ولا يقتصر التبشير بعوالم السعادة في السماء لما بعد الحياة على الارض دينيا فقط، بل هناك تبشير خلق يوتوبيات سعادة ارضية مصدرها الانسان ايضا، كما سعت له المفاهيم والعقائد (الاشتراكية)، في محاولتها إنزال جنة السماء الى/فوق الارض. أو خلق عالم يوتوبي آخر على الارض بمنطلقات دينية ايضا، لا علاقة له بيوم القيامة ولا بحياة اخرى بعد الممات، كما تبشّر به الديانة البوذية والوثنيات وتسعى تحقيقه على الارض.

كما أشرنا سابقا أن العالمين الافتراضيين، جنة السماء ويوتوبيات الارض بدايتهما ونهايتهما هو طموح الانسان على الارض والتخلص من شقاء الحياة، وحيرته في الوجود والبحث عن معنى الحياة. لكن يبقى الفرق جوهريا بين جنّة الدين في السماء، ويوتوبيا الحياة على الارض، في تطمين حاجة الانسان للسعادة والراحة.

الأبدية، فأمام استحالة تحقيق الانسان حلم السماء على الأرض، بوسائل ايمانية معجزة، يصار الأمر في بحث امكانية تحقق جنّة الانسان على الارض بقدرات انسانية وجهود واضحة ليست غيبية، ولا خارج تصورات الأرضي، وتفكير وفعالية الانسان العقلية، وقدراته العملية. والعديد من يوتوبيات الارض التي اخترعها الانسان وسعى إليها، لا تخرج عن مديات الامكان في التحقق ولو جزئيا. فرق آخر يمكننا ذكره بين جنّة السماء ويوتوبيا الأرض، إن الايمان الغيبي في جنّة السماء بعد الممات، تشلّ القدرات الممكنة للانسان جسديا وروحيا وتقعده عن العمل المنتج الجاد في نيل الحياة السعيدة على الارض واعتبارها نعمة زائلة وخادعة تصرف الانسان عن طموحه في السعادة الابدية التي تنتظره في السماء.

س42: ا. مراد غريبي: في ذات النسق سؤالي من جديد ماذا عن أدلجة الدين؟

ج42: ا. علي محمد اليوسف: الدين في قدسيته المتعالية و ثوابته المستمدة من وحدانية الخالق وقدراته غير المحدودة، التي وردتنا عبر الرسل والانبياء وقصصهم واحاديثهم وتصرفاتهم وكتبهم السماوية المنزلة عليهم بالوحي او الإلهام، وما تحمله من تشويهات طارئة عليها، ومبالغ فيها، كل ذلك جعل من الافكار الدينية المتعالقة معها بشروحات واضافات وتفسيرات غائية، تكريسا لظاهرة دينية متناسلة الحضور الزائف عبر الاجيال.

هذا الموروث الديني الكبير له دعاته ومريدوه ومفسّروه وشارحوه، ويتنازع هذا الموروث تيّاران، احدهما اراد نقل جميع التفسيرات والاجتهادات الدينية بما يعمّق الايمان الغيبي،بأن الدين علاقة (فردانية) روحية تربط بين الخالق وعبده ولا تحتاج الى وسائط بينهما من مجتهدين ودعاة ورجال دين،وحكام اوصياء على الدين مستبدين طغاة،الا فيما يُشكِل ويلتبس على المتديّن في مسائل تحتاج الى فتوى وتشريع يسّهل أمر الناس في دنياهم كالزواج والميراث وقضايا الاحوال المدنية .هذا التيار ومنذ اعلان الخلافة الراشدية كان يروم تغليب الاجتهاد الديني في الحياة على (الدولتي)الحاكم - السلطة للحياة . يقابله بالضد منه من يجدون في الدين نظام حكم ينقاد الديني وراءه في الحياة، ويسخّره لمقتضيات وضرورات الحكم الانتفاعية، بمعنى ان الأولوية للحكم الذي يسحب وراءه الدين كتزكية وتعبئة له، الذي يستمد مشروعيته ومقبوليته من فكر الدين والاجتهاد في تفسيراته المتعددة حسب مقتضيات الحال وضرورات الحكم، بل حسب مقتضيات الحاكم المستبد الواحد فقط لا غيره، الذي يقطع رؤوس معارضيه بسيف الافتاء الديني في اباحة وتمرير كل عمل يريد تنفيذه الحاكم في رعيّته، وتحت شعار مانع قاطع انه لادين في معصية الحاكم.

هذا الشكل المنحرف من الحكم بإسم الدين جرى تداوله عبر عصور طويلة من ظهور الاسلام، الى ان استقر به المقام اليوم في انشاء احزاب سياسية دينية تحمل ايديولوجيا الدين الذي تستمد حضورها الحاكم من مصدر السياسة تقود الدين، ولا يقود الدين السياسة لا في الحكم ولا في الحياة.

أصبحت تلك القراءات المنحرفة للدين تكريسا لنوازع الانتفاع الدنيوي في تسويق نفسها كإيديولوجيات دينية تحتمي بإرهاب الدين، الذي تفهمه وتفسّره حسب مصالحها، لا حسب مصالح الناس في الدين والحياة، وبحسب رفاهيتها في تسويق وافشاء التخلف والفقر والحرمان للناس باسم الدين. لا بحسب حاجة الناس لدين الحق والعدل والمساواة.

كيف يكون الدين حاجة مجتمعية مؤدلجة في حين هو في جوهره حاجة فردانية ايمانية فطرية؟!

ذلك تم ويتم بنقل الدين من طقوس عبادية تربط المتعبّد بالخالق الى جعل الدين ايديولوجيا سياسية مجتمعية بضوئها وبها يصار الى تحديد مصير الانسان على الارض قبل السماء. ولكي يكون الدين عامل اسعاد ايماني للمجتمع في الحياة، يجب ان يصار إعادته الى فاعليته الفطرية الاولى، كونه تفسيرا للحياة وموقفا ايجابيا سلوكيا واخلاقيا منها، من قبل الفرد المتديّن وليس من قبل اجماع الجماعة المخدوعة والمضّللة بمقتضى ايديولوجيا الدين.

إن مجتمعية التعبئة الدينية في ايديولوجيا التديّن المسيّس التي انشأتها مرجعيات تمدّها بأسباب البقاء، عملت على تخريب العلاقة الصحيحة في معادلة ثنائية الخالق والمخلوق، وأخرجت الدين من فضاء الفطرة الايمانية الاصيلة الى مفاصل الحياة التي تجعل من الدين وسيلة حكم لحكام يمتهنون السياسة والافساد في الارض.

  يتبع

 

حاوره: الأستاذ مراد غريبي

المثقف - مرايا حوارية

 22 - 10 - 2021

 

 

 

حاوره: الأستاذ مراد غريبي

المثقف - مرايا حوارية

 22 - 10 - 2021

 

 

2916 علي اليوسف ومراد غريبيخاص: المثقف: تستضيف المثقف الباحث الفلسفي المفكر الأستاذ علي محمد اليوسف ضمن مرايا فكرية، وحوار شامل أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول الراهن الفلسفي، فأهلا وسهلا بهما:


 المحور الأول: التفكر الفلسفي عند الدكتور اليوسف: التشكل، المعنى، الفكر واللغة

س1: ا. مراد غريبي: من يكون الدكتور علي محمد اليوسف؟ كيف كانت بداياتكم مع المعرفة عموما والفلسفة تحديدا؟ وما هو تعريفكم للفلسفة؟

ج: أ. علي محمد اليوسف: باحث ومؤلف فلسفي مواليد مدينة الموصل 1944..

* عضو المجمع الفلسفي العربي.

* عضو الاتحاد العام للادباء والكتاب العراقيين .

* عملت في السلك الدبلوماسي لمدة ثلاث سنوات معاون مستشار ثقافي بلندن 1986- 1990

* عملت في التعليم لمدة 31 عاما قبل التقاعد الوظيفي عام 1995

* نشرت عددا كبيرا من البحوث والدراسات والمقالات في معظم الصحف والمجلات العراقية والعربية منذ عام 1972

* نشرت عددا من البحوث الفلسفية في مجلة دراسات فلسفية /بيت الحكمة بغداد ومجلة مدارك ومجلة فكر السعودية، ومجلات وصحف عربية أخرى كما نشرت سلسلة مقالات فلسفية في صحيفة الزمان بلندن وصحيفة الديار اللندنية.

* انشر حاليا على موقع المثقف العربي الالكتروني في سدني وموقع كوة الفلسفي في المغرب وموقع الحوار المتمدن وموقع فلسفة الجزائري .وموقع النور في السويد.وموقع فيلوبريس في المغرب، وموقع المجلة الثقافية الجزائرية. اضافة لتفرغي في الكتابة والتاليف الفلسفي.

حائز على:

* تكريم مؤسسة المثقف العربي في سدني بدرع الابداع للعام 2018 كافضل باحث فلسفي.

* تكريم موقع كوة المغربي عام 2020 عضو هيئة تحرير الموقع.

* لقب دكتوراه فخرية بالفلسفة من اكثر من موقع فلسفي الكتروني. .

نتاجي الفكري والفلسفي:

* مؤلفاتي الفلسفية تجاوزت 24 مؤلفا في الفكر والفلسفة صادرة في بغداد وعمان وبيروت.

* اعتبر نفسي مفكرا فلسفيا بالنظر إلى منجزي الفلسفي التحليلي والنقدي المتواضع

 مؤلفاتي:

* كتاب فلسفة الاغتراب في طبعتين الأولى عن دار الشؤون العامة ببغداد عام 2011، والثانية طبعة دار الموسوعات العربية في بيروت عام 2013. ويصدر قريبا طبعة ثالثة عن دار غيداء عمان الأردن .

* الحداثة إشكالية التوصيل والتلقي، دار الشؤون الثقافية ببغداد عام 2013 بمناسبة بغداد عاصمة الثقافة العربية ودار روافد ببيروت نفس العام.

* استقصاءات في الفكر العربي والفلسفة/ دار دجلة بعمان عام 2014.

* العولمة بضوء نهاية التاريخ وبروز ظاهرة الإرهاب/ دار دجلة بعمان 2015.

* جهات أربع: مقاربة في وحدة النص/دار دجلة بعمان 2010

* ميتافيزيقا الموت والوجود/ دار مؤسسة الانتشار العربي بيروت 2014.

* إشكالية الثقافي العربي/مغايرة التجاوز والتجديد/دار جرير بعمان 2015.

* مناظرات نقدية في الفلسفة والفكر دار غيداء 2016

* آراء ومفاهيم ممنوعة من الصرف، صدر عن دار غيداء 2017.

* الكلمات ومحمولات المعنى/ دار غيداء2019.

* افكار وشذرات فلسفية /دار غيداء/2019.

* نقد الفلسفة الغربية المعاصرة دار غيداء 2019

* العقل والوجود في الفكر واللغة. دار غيداء 2019

* قضايا فلسفية في المنهج المادي الجدلي دار غيداء 2019.

* مناظرات نقدية في الفلسفة والفكر دار غيداء 2020.

* قراءة نقدية في مباحث فلسفية غربية معاصرة عن دار غيداء 2020 يصدر قريبا عن دار غيداء بالاردن ايضا.

* مأزق التحول اللغوي في الفلسفة المعاصرة دار غيداء 2021

* تحت الطبع:الزمان والفلسفة /الدين والفلسفة /فلسفة الاغتراب طبعة ثالثة/ الفلسفة الغربية المعاصرة .. رؤية نقدية.

مارست النشر في الصحف العراقية والعربية منذ سبعينيات القرن الماضي، وانتقالتي الثقافية النوعية كانت نحو الفلسفة تحديدا في عام 2004 حين اصدرت كتابي فلسفة الاغتراب طبعة محدودة على نطاق مدينة الموصل ونشر بعدها بطبعتين الاولى عام 2011، عن دار الشؤون الثقافية ببغداد والطبعة الثانية عن دار الموسوعات العربية في بيروت عام 2013، ويصدر طبعة ثالثة عن دار غيداء بالاردن قريبا.

حيث إنتقالاتي هذه، لم تأت حصيلة دراسة اكاديمية، بل جاءت نتيجة تراكم خبرة ثقافية متنوعة مارستها كتابة ونشر لما يزيد على اربعين عاما، اذ كتبت مجموعة شعرية بعنوان (توهج العشق .. احتضار الكلمات) وكتبت في متنوعات الاجناس الادبية في القصة القصيرة والنقد وفي الثقافة عموما فكانت الحصيلة صدور كتابي (جهات اربع .. مقاربة في وحدة النص) صدر عن دار دجلة في عمان عام 2010.

استطيع اختصر لماذا تحوّلت حصيلة مجهوداتي في النشر والتاليف الادبي والثقافي عموما لتستقر في الفلسفة:

- الاولى أصبح عندي نفسيا ميلا شديدا نحو الفلسفة يؤمن لي هاجسي المدفون في اعماق تجربتي الادبية والصحفية المتواضعة التي وجدتها لا تلبي ما يعتمل في دواخلي النفسية الفكرية من ميل كبير نحو الفلسفة. حيث نضجت تماما عندي في منشوراتي ومؤلفاتي الفلسفية بعد عام 2015 تحديدا.إذ كانت كتاباتي ومؤلفاتي مزيجا من الادب والفكر تتخللها مطارحات فلسفية.

- الثاني اني لم اكتب مقالا واحدا بالفلسفة متاثرا بالنمط التقليدي الاكاديمي والمترجم في نسخ اجتزاءات من تاريخ الفلسفة تعنى بفيلسوف معيّن بشكل حرفي اكاديمي استعراضي يعتمد مرجعية ومصدر تاريخ الفلسفة في متراكمه الاستنساخي الثابت المعاد والمكرر، كما وردنا في قناعة خاطئة على أن تاريخ الفلسفة لا يحتمل النقد النوعي في التصحيح أو الاضافة بل إعتماد النسخ الاستعراضي المشبع بالتمجيد المجاني.وكان السائد أن تاريخ الفلسفة هو من القدسية التي مرتكزها الثابت إعادات وتكرارات لسير ذاتية تخص حياة ومنجزات فلاسفة قدامى ومحدثين منسوخة اعمالهم في الترجمة الحرفية اشبعت تناولا فلسفيا عند عشرات من الاكاديمين العرب العاملين على ترجمة قضايا الفلسفة الغربية في غياب منهج النقد من جهة والشعور بعدم الندّية المتكافئة مع آراء اولئك الفلاسفة بالحوار الموضوعي فلسفيا.

- بخلاف هذا المعنى والتوجه مارست الكتابة الفلسفية (نقدا) منهجيا عن يقين ثابت لافكار كبار فلاسفة غربيين وجدت في ثنايا مقالاتهم وكتبهم الفلسفية ثغرات خاطئة لا يمكن التسليم والاخذ بها وتمريرها كمسلمات دون مراجعة نقدية صارمة لعيوبها المستترة خلف اسم وفخامة وسمعة الفيلسوف فقط في غض النظر على صعيد مناقشة افكاره. واترك مسالة التوفيق والنجاح في مسعاي النقدي الفلسفي في كتاباتي ومؤلفاتي للقراء والمتخصصين في الفلسفة.

- من الجدير الذي اود التنويه عنه اني كنت في مسعاي المنهج النقدي الفلسفي وهو مشروع بدئي عربي متواضع صائبا في تقديري سبقني به غيري، أن تاريخ الفلسفة الغربية قديمها وحديثها مليء بالمغالطات والاخطاء القاتلة وميتافيزيقا الافكار ومقولات فلسفية وهمية سفسطائية لا قيمة حقيقية لها تقوم على مرتكز مخادعة التفكير الفلسفي ذاته وليس مغالطة معنى اللغة في التعبير عنه.

- اذ كانت البداية الحقيقية في نظرية التحول اللغوي ومتابعة فائض المعنى اللغوي علي يد فيلسوف البنيوية دي سوسير عام 1905 ليعقبها بعد ذلك فينجشتين وفلاسفة البنيوية وعلماء اللغة تلتها الوضعية المنطقية حلقة فينا اعقبتها تاويلية بول ريكور وتفكيكية جاك دريدا ليستقر مقام فلسفة اللغة التي اصبحت الفلسفة الاولى في تاريخ الفلسفة الحديث منتصف القرن العشرين بعد تنحية ابستمولوجية فلسفة ديكارت كفلسفة اولى جانبا والتي استمرت قرونا طويلة. وبعد استلام فلاسفة وعلماء اللغة الاميركان راية فلسفة اللغة من الفرنسيين والالمان والانكليز حلقة اكسفورد في فلسسفة اللغة التحليلية الوضعية بزعامة براتراند رسل، جورج مور، كارناب. فينجشتين وغيرهم.

خلاصة كل هذا التطور في تاريخ الفلسفة كان هاجسه تاكيد حقيقة أن تاريخ الفلسفة معظمه كان افكارا وهمية سببها المباشر الاول عدم دقة فهم تعبير اللغة في تناول قضايا فلسفية مفتعلة لا قيمة حقيقية لها، ولم يتم التنبيه الى معالجة اخطائها الفادحة الا في وقت متاخر مع ظهور فلسفة اللغة والتحول اللغوي في نظرية المعنى. ولي في عدة مقالات منشورة وموزعة في ثنايا مؤلفاتي رأيا توضيحيا في معنى التحول اللغوي وفلسفة اللغة والى ماذا اوصلت تاريخ الفلسفة ربما يتاح لي عرضه لاحقا.

 س2: ا. مراد غريبي: بحكم تبحركم في اغوار التراث الفلسفي ومديات الفلسفة الحديثة والمعاصرة هل لديكم تعريف خاص بكم للفلسفة؟

ج2: أ. علي محمد اليوسف: أقولها بأمانة وصراحة أني في كل كتاباتي المنشورة ومؤلفاتي لم اكن سوى طالب معرفة فلسفية لا زلت امارس رغبتي هذه من منطلق استزادة الاطلاع على مباحث فلسفية اجنبية غربية تحديدا، ولم أبلغ مستوى التبحر في أغوار التراث الفلسفي الذي لا يسعني استيعاب النزر اليسير منه بما يحتويه من متراكم خبراتي فلسفي تاريخي لا يمتلك رغم ضخامته تزكية الصواب المليء بالحشو الزائد.

أستطيع القول في نقاط:

* أن انتقالاتي في الكتابة الفلسفية التي لا تتمحور في غالبية مؤلفاتي في منحى فلسفي واحد تعطي إنطباعا لا أنكره على نفسي وبعض الاساتذة الباحثين في المجال الفلسفي اني استطعت تجاوز حاجز الكتابة التخصصية في موضوع فلسفي معين واحد.

* منهجي الفلسفي الذي إعتمدته بكتاباتي تحكمه الضوابط المنهجية التالية التي لم أحد أو أتراجع عنها:

- عدم التزامي المنهج الاكاديمي الذي يعتوره إستنزاف مجهود الباحث في تغطية سطحية التناول الإستعراضي (مرجعية ثبت هوامش المصادر والمراجع) باللغات الاجنبية في التناول الفلسفي الذي يعتمد الترجمة الحرفية وبتقديس مسرف لما يقوله الفلاسفة الغربيون على أنه يمّثل حقائق الامور. الفلسفة أكاديميا في التدريس والتلقي عند الطلبة في الجامعات العربية من أسوأ أخطائها أنها غيّبت الحس النقدي الممنهج على حساب ترسيخ إعتياد الحفظ والاستظهاراليقيني الساذج بعيدا عن الرؤية المنهجية النقدية.

- عمدت الابتعاد التام الكامل عن كتابة العروض الهامشية لافكار فلسفية وردتنا بهالة من المكابرة الفارغة التي أسبغناها عليها، في إهمالنا أهمية ممارسة النقد الفلسفي وبذر نواته لدى طلبة الفلسفة واساتذتها اننا لا يجب ان نتهيب اسم الفيلسوف في اعدام حقنا المكتسب ضرورة ممارسة منهجية النقد في دراساتنا الفلسفية. واستطيع القول بكل ثقة وامانة اني لم اكتب مقالة فلسفية واحدة لم امارس فيها منهج النقد الفلسفي في مقارعة الحجة بالحجة من منطلق التكافؤ الفكري لا من منطلق مشاعرالاحساس كما يروج له البعض ويمارسه من عتبة الادنى بالنسبة لفلاسفة غربيين. ولم أقرأ لفيلسوف غربي أجنبي لم يلازمني في افكاره هاجس النقد في بعضها رغم كل إعجابي به كفيلسوف صاحب نظرية فلسفية خاصة به..

س3: ا. مراد غريبي: سعادة الدكتور اليوسف استسمحكم: العديد من القراء لكم يطرحون سؤالا على جانب من الوجاهة:

- لماذا كانت كل كتاباتك ومؤلفاتك هي عن الفلسفة الغربية فقط، ولم تتناول الفلسفة العربية الاسلامية كما فعل العديد من المفكرين العرب الكبار بهذا المجال؟

ج3: أ. علي محمد اليوسف: أستطيع تثبيت وجهة نظري حول هذا التساؤل بالتالي:

1- لا أمتلك التخصص الاكاديمي الفلسفي في الفلسفة العربية والاسلامية التي تطغى عليها مركزية مراجعة التراث في تدوير منطقي لا يخرج الا نادرا قليلا في تناول قضايا فكرية فلسفية مالم تكن متوازية مع تطويعها لفقه الاجتهادات الدينية الاسلامية.

وهذا مؤشر جوهري أن الباحث في الفلسفة العربية الاسلامية لا يمتلك حرية النقد المنهجي الموضوعي الا وهو مغترب يعيش في بلاد المهجر. طبعا يوجد استثناءات معاصرة مارسها استثنائيا مفكري المغرب العربي في مرحلتي القرون الوسطى الاوربية وفي مرحلة الفلسفة المعاصرة التي تقوم على ثنائية اصطراع التراث والحداثة التي لم تنتج لنا مشروعا فلسفيا بل انتجت لنا صراعات فكرية على مستوى النخب الفكرية الفلسفية..

2- ما يطلق عليه فلسفة عربية اسلامية تمتلك هويتها المستقلة ومشروعها الفلسفي الخاص بها لا وجود لها لا قديما ولا حديثا ماعدا استثناءات وردت في التماعات فلسفية كانت ضمن عروض افكار الفلاسفة الغربيين. اذا كان المقصود بالفلسفة العربية الاسلامية هي الفلسفة التي سادت منذ القرن الحادي عشر الميلادي فهي ليست فلسفة معرفية وانما هي فلسفة كتابة هوامش وتوثيق تدويني قامت بمهمة الحفاظ على ماوردنا مترجما عن الفلسفة الغربية اليونانية القديمة وبعضا من فلاسفة فارس والصين والهند، وهي الفلسفة التي إخطت لها مسار الترجمة عربيا قديما منذ القرن الرابع الهجري وما تلاه في حكم الخلافة الاسلامية في العصر العباسي وتحديدا زمن خلافة المامون الذي فتح مغاليق الاحتجاب عن الفلسفات الاجنبية السائدة آنذاك في الصين وبلاد فارس واليونان في تاسيس بيت الحكمة وتشجيعه الترجمة العربية لانجازات اجنبية فلسفية وادبية وثقافية عموما..

أما أن نقصد بالفلسفة العربية الاسلامية التي أنتجت لنا ابو حيان التوحيدي والفارابي وابن سينا وابن باجة وابن طفيل وابن خلدون وابن رشد..

أ. مراد غريي: استسمحكم الدكتور والغزالي كذلك

... فقد كانوا اصحاب مشروع فلسفي لم يكتمل وانتكس بسقوط غرناطة وانتهاء الوجود الاسلامي في الاندلس 2 يناير /كانون الثاني 1492 ميلادية الموافق 897 هجرية. وظهور بوادر خلاص اوربا من عصور تخلف القرون الوسطى وبداية اكتشاف القارة الامريكية. اضافة الى بروز خلاف مستحكم اشار له الفيلسوفين محمد عابد الجابري ومحمد اركون وبعض مفكري وفلاسفة المغرب العربي المعاصرين بين العقل المشرقي المستقيل الذي كان حجر عثرة في ترسيخ الجمود ومحاربة الاجتهاد الفكري الثقافي عموما الذي إمتاز به العقل المغربي العربي الخلاق القائم على موروث حضارة الاندلس اكثر من اعتماده الموروث الفلسفي المشرقي الذي غلبت عليه نزعة التصوف الديني والاشتغال الفقهي الاسلامي..

3- لعلي لا اكون متجنيا متنكرا لميراثنا التاريخي بمجمله هو اننا لم نجد على مدى عصورنا أن قام بعض مفكرينا وفلاسفتنا باكثر من محاولة تطويع الفكر الفلسفي اليوناني المترجم المنقول الى سجنه خلف قضبان المنع والتحريم وعدم التقاطع مع مفردة فقهية اسلامية واحدة باسم تغليب مفردة الفلسفة على فقه الدين. فكان ما نطلق عليها فلسفة عربية اسلامية لا تستطيع امتلاك حرية الاجتهاد الفلسفي من جهة كما ولا تمتلك امكانية الخروج على نوع من توفيقية مخاتلة تلفيقية مهادنة مع الدين تستطيع تسمية الاشياء بمسمياتها الحقيقية، فبقيت اسيرة شروحات غير خلاقة ولا مبدعة في مجال تحقيق هوية فلسفية عربية اسلامية خاصة. واذا سمحنا لانفسنا المقارنة بين الفلاسفة المسلمين المحافظين وبين فلاسفة الصوفية المنكوبين الذين تمت تصفيتهم ببشاعة رهيبة لادركنا جيدا لماذا تسّيد منطق الجمود وغلبته منطق وفلسفة التجديد والانفتاح عند الفلاسفة العرب الذين حاولوا التوفيقية التلفيقية بمداهنة سطوة الفقه الاسلامي مدعومة من الحاكم مع العروض الفلسفية. وغالبا ما كان الاجتهاد الفلسفي العربي الاسلامي يحتجب خلف مرويات من القص الذي تتسيده لغة الالغاز والايهام في إعتماد اللغة على لسان الحيوانات.2916 علي اليوسف ومراد غريبي

س4: ا. مراد غريبي: جميل جدا سعادة الدكتور اليوسف، وماذا عن تعريفكم الخاص للفلسفة؟

ج4: أ. علي محمد اليوسف: أود قبل تعريفي لها الاشارة الى عدم وجود تعريف يكون مصطلحا جامعا متفقا عليه. من حيث تعريفات الفلسفة هي من الكثرة بعدد تعريفات الفلاسفة الذين يعرّف كل واحد فيهم الفلسفة بضوء مرجعية تفلسفه هو لا مرجعية غيره في حب الحكمة منذ القرن السادس اليوناني قبل الميلاد. وكي لا اثقل واطيل على القاريء في ضرب العديد من الاستشهادات المختلفة بلا حدود حول تعريف الفلسفة اقول تعريف الفلسفة بالنسبة لي الذي أرجو ان اكون موفقا به: الفلسفة تعبير منطقي لغوي تجريدي يحاول فهم الحياة بشكل مغاير تماما عن فهم المجموع لها وليس من مهام الفلسفة تغيير حياة الناس، لأنها تجريد غير خاضع للتطبيق بالحياة كما ذهب له كلا من ماركس وراسل على السواء رغم مادية الاول ومثالية الثاني.

س5: ا. مراد غريبي: رائع جدا، طيب دكتورنا العزيز، أي المناهج الفلسفية استقطبتكم ولماذا؟

ج5: أ. علي محمد اليوسف: قبل الجواب المباشر عن التساؤل الذي ساورده لاحقا اود الاستطراد قليلا حول مفهوم المنهج الفلسفي.

- هل المنهج ضرورة معرفية تلازم الباحث بالتفكير ومعالجته لقضية أو مشكلة هي قيد الطرح والمناقشة والتجاذب التنظيري المختلف بشأنها؟

- ما المقصود بمنهج البحث؟

- هل منهج البحث في العلوم الانسانية هو نفسه منهج البحث العلمي الطبيعي؟ وهل كليهما يصلحان كمنهج فلسفي؟

- هل منهج التفكير يقي الباحث ويجنبه الانزلاق نحو/في التشتت التفكيري المليء بالاحتمالات ووجهات النظر المتباينة المختلفة التي تعتورها الاخطاء وتفتقد معيارية المرجع اليقين؟

حينها تكون المادة البحثية أو القضية التي يتم تناولها المعرفي والنقاشي تفتقد الرؤية التفكيرية الممنهجة في رغبة الوصول الى تثبيت حقائق مرسومة سلفا في ذهن الباحث ولا يحققها له غير منهج تناولها التفكيري. كي تخلص قراءة كل نقد لا منهجي من الضياع الفكري المشتت في ثنايا الموضوع المراد بلوغ حقائقه اليقينية.

من ناحية التعريف:

* كل منهج تفكيري هو وعي قصدي عقلي في الوصول لهدف مرسوم سلفا في الفكر قبل أعتماد وسيلية المنهج القائم على قواعد وضوابط وأحكام خارجية تحضر كقوالب أحتواء التفكير العقلي لا يحيد عنها التوزيع المعرفي الممنهج كما هو في قانون وحدة الاواني المستطرقة الفيزيائية...

بمعنى أحكام وقواعد التفكير لا يمكنها الخروج على ما هو معد سلفا لها من قوالب تحتويها في تطويعها لما يراد صبّه فيها من قضايا باسم المنهج الفلسفي كما اراد ذلك ديكارت.

تاريخيا:

منهج التفكير الفلسفي كان مطروحا ومارسه غالبية فلاسفة اليونان قبل سقراط وبعده وصلنا في أبرز قطبين كانت افكارهما تتسم بالمنهجية الاستقرائية والاستنباطية التي تقود الى قناعات لم تكن خارج تفكير الفيلسوف الوصول لها، كما هو حال إختلاف منهج افلاطون عن ارسطو من حيث الاطار العام وليس من حيث التفاصيل التي يكمن فيها الانزلاق الاختلافي نحو اللامنهج كقالب يمتلك محددات صارمة في الاحتواء.

فقد تكون الاطر العامة هي الغالبة في تحديد منهج التفكير ولا تمتلك التفاصيل غير الاجتهاد البحثي الانطباعي الفردي الذي ربما يكون لا ينسجم بالتبعية المنهجية مع الاطار العام للمنهج البحثي.

المنهج الذي يعتبره الباحثون الفلاسفة هو مجموعة القواعد والاحكام والاساليب التي تقود الوصول الى حقيقة الشيء هي محددات خارجية منهجية في اطارها العام لكنها لا نجدها تدخل تفاصيل المبحث قيد الدراسة المنهجية. لذا يكون المنهج اطارا عاما فقط وتغلب على معظم التفاصيل الداخلية الاجتهاد الفكري للباحث ورؤيته النقدية الانطباعية الخاصة به لا بموضوعية المنهج..

لا يوجد منهج يحكم الموضوع أو قضية البحث في مجمل اطارها العام مع تلازم محتواها.

ديكارت والمنهج:

أول من أثار أهمية المنهج في مبحث الفلسفة الحديثة على أساس يقوم على الشك الذي يقود الى الحقيقة الصائبة اليقين هو ديكارت في القرن السابع عشر في كتابه: (مقال في المنهج) الذي أصبح ايقونة فلسفية في عصره وفيما تلا عصره ايضا وفيه يجيب ديكارت على سؤال مالمقصود بالمنهج قوله:

"المنهج جملة قواعد مؤكدة، تعصم الالتزام بها ومراعاتها ذهن الباحث من الوقوع في الخطأ، وتمكنه من بلوغ اليقين في جميع ما يرغب معرفته دون أن يستنفد قواه في جهود ضائعة ".

 ربما سبقه بهذا التوجه بيكون في كتابه الاورجانون عام 1600م، والفرق بين الاثنين هو أحدهما:

- ديكارت كان يبحث عن المنهج التفكيري الفلسفي العلمي على نطاق منطق الفكر التجريدي في المعرفة.

- وبيكون كان يضع عتبات المنهج التجريبي العلمي في فهم الحياة بواقعيتها.

رؤيتي حول المنهج:

بالنسبة لي أجد في المنهج أنه: أسلوب تفكير عقلي في فهم الحياة، وهذا المنظور قائما على أن قوانين العقل تعلو قوانين الطبيعة في ثباتها وتصنع قوانين الحياة في تطورها. لذا لا اجد هناك مثالية بالمنهج كما مارسه الفلاسفة المثاليين الذين يفهمون المنهج كما ارساه ديكارت بالفلسفة على انه وسيلتنا في اكتساب المعرفة المجردة. بمعزل عن مهمة تغيير الحياة التي نحياها. اعتمدت في كتاباتي المنهج المادي الجدلي بمفهومه الابستمولوجي وليس بمفهومه الايديولوجي العقائدي ممثلا بالماركسية. هذا الفرق كنت على دراية الفرز فيه عندما هجر ماركس الفلسفة حين نال شهادة الكتوراه بالفلسفة عام 1881 عندما وجد استحالة تحويل منهج التفكير الفلسفي تجريديا القيام مقام ما كان يسعى تحقيقه في البحث عن ايديولوجيا سياسية تتولى تغير واقع التفاوت الطبقي في الاقتصاد السائد مجتمعيا فهجر الفلسفة وكرس معظم حياته في كتابة رأس المال معتمدا مرجعية الاقتصاد السياسي وليس تجريد نظريات الفلسفة. بخلافه تماما كان بريتراندرسل مؤمنا ايمانا راسخا انه ليس من مهام الفلسفة تغيير الحياة ولا حتى الانتفاع منها حين وصف الفلسفة البراجماتية الذرائعية الامريكية انها فلسفة نذلة خسيسة تسعى تحقيق المنفعة.

وفي وصولي الى قناعة لا يمكن تغييرها في حقيقة الفلسفة تجريد منطقي متماسك مستقل في بناه الفكرية عن معالجة قضايا الحياة كما تفعل ايديولوجيا السياسة وتجارب العلوم الطبيعية التطبيقية اتخذت من المنهج المادي الجدلي وسيلة تفكير في فهم قضايا الفلسفة بما هي فلسفة وليست بما هو ليس منها ان تكون علما تجريبيا أو أيديولوجيا سياسية وهو ما يلمسه واضحا القاريء في بعض كتاباتي.

س6: ا. مراد غريبي: هل الفلسفة غايتها انتاج علوم الطبيعة والانسان والكون ام ماذا؟

ج6: أ. علي محمد اليوسف: يقول ويل ديورانت في كتابه المرجع قصة الفلسفة (أن العالم نظام لكنه ليس موجودا في العالم نفسه، بل الفكر الذي عرف العالم وأدركه هو المنّظم لهذا العالم، وأن قوانين الفكر هي قوانين الاشياء) ونجد أهمية مناقشة رأي ويل ديورانت بضوء أن هيجل يعتبر أيضا (قوانين الطبيعة هي قوانين العقل التنظيمية، وقوانين المنطق وقوانين الطبيعة شيء واحد).

ربما تبدو مصادرة فكرية متسرعة غير لائقة أن لا نعتبر فكر الانسان لم ينّظم عالم الطبيعة الا في قوانينها المكتشفة له علميا فقط، وأنه نظّم عالم الاشياء المدركة من حوله لكن تم ويتم ذلك في تأكيدنا حقيقتين أثنتين:

 الأولى: أن عالم الاشياء لم يكن قبل أدراك الانسان له غير موجود بأية صورة أو شكل من أشكال الوجود المنظّم سواء أكان ذلك الوجود السابق منظما بقوانين ثابتة كما هي الطبيعة أم تحكمه قوانين عشوائية متغيرة موضوعيا في تداخلها مع أدراكات الانسان لها وتعديل وجودها كما في عالم صنع الانسان لحياته في كل مناحيها بعلاقته بظواهرالطبيعة ومواضيعها، بمعنى أن وجود عالم الاشياء سابق على أدراك الانسان له، وتنظيم الانسان لوجود عالم الاشياء هو الحافز الاساس لإدراكه تلك الموجودات، والعامل الأهم أنه ينظم مدركاته للاشياء التي هي بالنتيجة تنظيم حياته ووجوده، والفكر الانساني لا يعمل في فراغ وجودي مادي أوفي فراغ غير موضوعي متخيّل من الذاكرة ولا في فراغ تجريدي ذهني يلغي مؤثرات علمية ثابتة ومعرفية عديدة في فهم وبناء الحياة الانسانية...

فالفكر نتاج عقلي لا يعمل بغياب موضوع تفكيره، بل الفكر قوة مادية يكتسب ماديته من الجدل المتخارج مع موضوعه.. والفكر من غير موضوع مدرك له غير موجود في نظام العقل في وعيه الاشياء، أي لا يعي أدراك ومعرفة الموجودات،لأن غياب موضوع الادراك يعني غياب وجوده المادي أو المتخيّل الذي يعطي الافكار نظامها الادراكي المقبول المتسق بين موضوع الادراك وإدراكية الانسان العقلي له ..

 الثانية: في إشتراط توفرها في الفكر لكي يكون فاعلا منتجا، أنه لا وجود لشيء بظواهر وماهية أي متعيّن في شكل ومحتوى مادي يدركه الانسان في الطبيعة وعالم الاشياء انطولوجيا لا يتمتع بنوع من القوانين التي تحكم علاقته الذاتية الخاصة به كجوهر وصفات، مع العلاقة الادراكية بالانسان كفعالية فكرية تنظم وجود الاشياء وتعمل التعريف بها وإكسابها تخليقا وجوديا مستحدثا، وأن ما يخلعه الفكرالانساني من معارف في تعديله تلك القوانين في عالم الاشياء أنما هي قوانين إدراكية فكرية لم تكن موجودة قبل ملازمة الاشياء للفكرالانساني لها الذي يريد فهمها وتفسيرها وتنظيمها،.. وليست قابلية الفكر الانساني إنشاء قوانين تخليقية بغية إيجاده كائنا او شيئا آخر جديدا لم يكن موجودا كما يرّوج له فلاسفة المثالية...الفكر لا ينتج عوالم الاشياء ماديا في وجودها الطبيعي من لا شيء متعيّن يسبق وجوده تفكيرالانسان المنظّم به....وعالم الاشياء والموجودات في الطبيعة هو عالم مادي رغم أن وسيلة تخليقه وبنائه المعرفي تقوم بالفكر واللغة التعبيرية المجردة التي تعتبر بمثابة المنهج والدليل الذي يقود الانسان الاهتداء به كنظريات وقوانين في تغيير عوالم الاشياء وفي مدركات الطبيعة معا..

 إن نظام العالم الطبيعي الخام ونظام العالم الانساني المخترع المصنوع كيفيا متمايزا ومبتكرا في قوانينه في تلازمهما معا عرف بهما الانسان كيف ينظّم أفكار أدراكاته بما يفيده منها في عالم تفاعله الادراكي مع عوالم الاشياء من حوله، كما أن الانسان في تخليقه لعالمه الانساني المتطور علميا ومعرفيا وعلى مختلف الصعد والنواحي وفي كافة المجالات لم يستمد تقدمه الا بمفارقته (وهم) فرضية أن قوانين الفكر التي يبتكرها ويخترعها الانسان تسعى في حقيقتها المطابقة مع قوانين الاشياء بما يقعد تطور وتبديل وجود الاشياء المحكومة بقوانين ذاتية وموضوعية ثابتة قبل محاولة الانسان تغييرها من جهة، كما أن مطابقة الافكار لموجودات الاشياء والقوانين التي تحكمها ليس رغبة الاكتفاء بمعرفتها دون أرادة تغييرها وتبديلها،وبغير ذلك نجعل من الفكر مثاليا أبتذاليا ساكنا في علاقته بواقع الاشياء في وجودها المادي الساكن أيضا في الطبيعة، وبذلك لا يتم تبديل الواقع بالفكر، ولا تطوير الفكر بعلاقته الجدلية بتغيرات وتحولات الواقع....

الفكر الذي يعمل على تطوير واقع الاشياء إنما هو الآخر يتطور في مجاراته تطورات الواقع ومجاوزتها في تعاليه عليها باستمرار...الحقيقة المادية أن الواقع يخلق تفكير الانسان لكن تغيير الواقع تقع على مسؤولية وعاتق الانسان وليس مسؤولية تجريد الفكر.

وفي الفرضية الخاطئة التي تقود الى نتيجة خطأ أيضا هو في أعتبار عملية أدراك الانسان الاشياء هو في سعيه مطابقة قوانينه المستحدثة مع قوانين الاشياء في وجودها قبل إدراكها وهو إفتراض وهمي غير حقيقي ولا يمكن الانسان فهم وتنظيم عوالمه الحياتية بهذا التنميط من التفكيرالسلبي مع إدراكاته لعوالم الاشياء في وجودها الطبيعي.. بل أن تداخل الاشياء المدركة مع الفكر في جدل ثنائي متبادل يكسبهما كلاهما التغيير والتطور وبغير هذا الفهم معناه نفي أن يكون هناك فائدة من وعي الانسان لموجودات الطبيعة وأستحداث رؤيته وقوانينه لها..

النتيجة التي يحرزها الفكر بالنهاية من هذه العملية هو أن تكون قوانين الفكر هي قوانين الاشياء في الواقع... بمعنى أصبح ما نمتلكه عن الاشياء من افكار نتيجة مدركاتنا لها هو وحده الذي يعطي وجودها الحضور الواقعي في حياتنا...

في عالم الاشياء التي جرى اختراع وسائل تغييرها وخلقها المتجدد من قبله...

عن جدلية العلاقة بين الفكر والواقع

لا يوجد علاقة جدلية بين الواقع المادي والفكر كما هو متداول في ادبيات النزعات المادية الفلسفية، بل علاقة الفكر مع الواقع هي علاقة تكامل تخارجي معرفي بينهما فقط.

كما لا تمتلك الاشياء قوانينها الخاصة التي تقود الفكر الانساني بها وتجرّه وراءها، بل العكس من ذلك الفكر في إدراكاته الاشياء وعالمه الانساني الواقعي هو الذي يقود تبديل وتغيير الاشياء وقوانين وجودها قبل تدّخل إرادة الانسان في وجوب تغييرها نحو الافضل بالنسبة له وليس بالنسبة للاشياء في محيطه الادراكي، الاشياء وموجودات العالم الخارجي لا قيمة حقيقية لها ولا وجود مؤثر من غير إمتلاك فكر الانسان لها وإيجادها متخلقّة ثانية في نمط متجدد من التخليق التطوري المستمر لها على الدوام من قبل الارادة الانسانية...

س7: ا. مراد غريبي عفوا، أستاذنا الفاضل دكتور علي اليوسف، ما علاقة الفكر بالواقع المادي للاشياء؟

ج7: أ. علي محمد اليوسف: وجود الاشياء في الطبيعة كان وسيبقى وجودا ناقصا ومبهما غير واضح يستهدي بما يخلعه عليه الفكر الانساني من تخليق لا يمثل أستجابة ورغبة العقل الانساني مطابقة نظام الاشياء في وجودها مع مبتكراته الفكرية في تخليقها وتنظيمها مجددا، بل في سعي الفكر الانساني تعديل وتغيير تلك القوانين بما يجعل الفكر الانساني يصنع قوانين عوالم الاشياء من جديد، ولا يسعى التطابق معها في معرفتها وتفسيرها فقط...

من المهم التأكيد أن الفكر الانساني هنا لا يتعامل مع قوانين الطبيعة وموجوداتها ومكوناتها غير المكتشفة والمدركة من قبله،وليس كل ما يعرفه الانسان من قوانين الطبيعة الثابتة المكتشفة يصار الى تغييرها لمجرد التغيير في إثبات قابلية الفكر الانساني التطورية والتغييرية...

فهناك قوانين مكتشفة في الطبيعة جاهزة في تنظيمها وإتقانها لتوضع في خدمة الانسان من غير الدخول في مهمة تخريبها بإسم تخليقها وتجديدها..

مثلا: ما أهمية أن يقوم الانسان بمحاولة يائسة بائسة في عجزه تغييره نظام الجاذبية؟؟

هنا لابد لنا من توضيح إلتباس قد يقع فيه البعض حول علاقة الفكر بالواقع المادي للاشياء... أننا نسلّم بحقيقة أن الفكر إنعكاس للوجود السابق عليه دوما، لكن الفكر لا يدخل مع أدراكه الموجودات بعلاقة ميكانيكية ساكنة تكون الغلبة فيها والارجحية لموجودات الاشياء الواقعية قيادتها هي للفكر في توجيهها له كما تذهب الفلسفات المثالية، بل الفكر في إدراكه الموجودات يدخل معها في جدل متبادل تخليقي تكون الكلمة النهائية فيها للفكر وليس للوجود الذي أصبح غيره الوجود بعدما جرى تخليقه فكريا،من هذا التوضيح نفهم أن الوجود لا يقود الفكر بل الفكر هو الذي يدرك الوجود ويقوده ويعمل على تخليقه في تجديد متطور على الدوام.. الوجود حافز مدرك لانتاجية الفكر، لكنه – الوجود - يعجز عن إنتاج قوانين جديدة غير ثابتة فيه بمعزل عن قيادة الفكرله..

 والفكر يخلق نظام الاشياء التي ليس لها قوانين منتظمة خاصة بها أو لا تمتلك تلك الموجودات حضورا وجوديا فاعلا قبل إدراك الفكر الانساني التخليقي لها، ومن دون إدراكات العقل وإبتكاره قوانين غيرموجودة وغير محدودة في تشكيل وبناء عوالمه لا يكون هناك قوانين للاشياء يجدها الانسان مطابقة ومتجاوزة في وقت واحد لما أصبح يمتلكه عنها ليس ليتطابق معها بل من أجل تغييرها....

لذا نجد أن إمتلاك الانسان لقوانينه الخاصة به لا يمكنها أن تكون من وحي نظام الاشياء فقط التي يسعى الفكر الانساني عدم المطابقة معها أو أن ما يمتلكه الانسان من قوانين مبتكرة هي مستمدة من محاولته السعي مطابقتها مع قوانين الاشياء في فهمها فقط دونما تطويرها وتغييرها....

إختراع الانسان لقوانينه الخاصة في تشكيل عوالمه في الحياة التي هي دوما مجاوزة مستمرة لما يحكم قوانين الاشياء من جمود وثبات قلق في وجودها يثير رغبة الانسان أنتشالها من حالة إهمال منسي في الطبيعة الى حالة وجود متطور يعيش وجوده الحقيقي في عالم الانسان ...

ومما ضروري الإشارة له:

 أن الفكر لا يعامل جميع مواضيعه الادراكية في عالم الطبيعة والاشياء في أهمية واحدة، بل يختار وينتقي منها ما هو ضروري له بارتباطه به في تسهيل بناء حياته ومستلزمات حاجته وبقائه..كما أشرنا سابقا الوجود مصدر يلهم الفكر قوانين تخليقه، لكن الوجود يعجز أن يخلق قوانين مستحدثة جديدة يجاري بها الفكر أو يقوده بها كما هي أمكانات العقل القيام بذلك ...

لا خلاف حول حقيقة أن نظام الطبيعة في قوانينها الثابتة التي تعمل باستقلالية عن الانسان هي حقيقة مسّلم بها، وإذا نحن اعتبرنا نظام العالم الانساني المتغير في علاقته بالطبيعة مستمّدا من نظام الطبيعة الثابت فقط نكون وقعنا في خطأ ساذج، فقوانين الطبيعة الجزئية جدا هي واحدة من نظام القوانين التي تحكم الفضاء الكوني الذي يجهله الانسان كجهله معرفة قوانين الطبيعة في ذاتها غير المكتشفة...

وقوانين الطبيعة الثابتة كجوهر ذاتي غير مدرك، هي قوانين تحكم نظام الطبيعة نفسها فقط ولا يلزم من ذلك تعميم ذلك الثبات الماهوي الذاتي الغامض في قوانين الطبيعة على تشكيل نظام العالم الانساني المتغير باستمرار بمعزل عن مؤثرات الطبيعة وقوانينها غير المكتشفة...

والعالم المصنوع إنسانيا ولم تساهم الطبيعة بصنعه مباشرة يكون متغيرا بمتواليات مستمرة من التبديل.. ويبقى نظام الطبيعة نظاما مستقلا الى حد ما عن النظام الكوني في علاقته بالانسان، فهو قريب من عوالم الانسان المصنوعة لأنه في تماس مباشر مع الانسان في تكوين عالمه الذي يعتبر الطبيعة جزء منه وهي أقرب في أنتمائها للانسان عنه في أنتمائها كوكبيا لمنظومة الفضاء الكوني الذي تضيع الطبيعة الارضية فيه ذرة رمل في صحراء..

س8: ا. مراد غريبي: اذا تقصدون دكتور اليوسف أن قيمة الطبيعة أو وجود الأشياء من قيمة وجود الإنسان، ماذا عن قوانين كل من الطبيعة وعالم الإنسان؟

ج8: أ. علي محمد اليوسف: أكيد حضور الطبيعة بهذه الاهمية الاستثنائية لوجود وحياة الانسان لم تكن شيئا من دون إهتمام الانسان بها أنها جزء من عالم كوني بعيد لا متناهي سديمي لا متلاشي لا قيمة حقيقية للطبيعة الارضية المأهولة فيه، لا كما هي في حيوية وأهمية إنتسابها للانسان وإنتسابه لها وتكاملهم تكامل الأم بوليدها التي رعته وأنشاته بفضلها عليه وتأمينها له مقومات أدامة حياته من الانقراض والفناء وحمايتها له من غير أرادة واعية مسّبقة منها في درء الاخطار التي كانت محدقة به ....

 ومن غير الصحيح التفكير في وجوب مطابقة قوانين التناوب المتطابق أو المنّظم بين عالم الطبيعة وعالم الانسان المصنوع تدريجيا، أن تكون هذه المطابقة الفرضية الخاطئة سبب فهمنا صنع العالم الانساني وعلاقته بالطبيعة...

ولا يمكن خلط قوانين الطبيعة في وجوب تطابقها مع قوانين العالم فلكل منهما قوانينه الخاصة به التي يمتاز بها عدا قوانين الطبيعة المكتشفة في تداخلها مع عالم الانسان المصنوع بفضل تكامله معها، أول هذه الاختلافات بينهما أن قوانين الطبيعة كما ذكرنا ثابتة غير عاقلة مكتفية بذاتها بمعزل عن تدخلات الانسان بها..

 أما قوانين العالم الانساني فهي متغيرة متطورة باستمرار، الطبيعة مخلوق ومعطى فطري لا يعقل ذاته ولا محيطه ولا الاشياء الداخلة في مكوّناته.. أما العالم الانساني فهو تشكيل من الافكارالتوليدية المصنّعة والبناءات المتجددة باستمرار بوسائل عقل الانسان في أبداعاته بلا حدود، قوانين الطبيعة ثابتة لا تعقل نفسها بينما قوانين العالم الانساني إدراكية تعقل ذاتها وتعرف أهمية السعي نحو تحقيق أهدافها المتغيرة المتجددة دوما..ومثلما لا يعي الانسان مدركات قوانين الطبيعة غير المكتشفة التي تعبر عن ماهيتها الذاتية كونها ثابتة وتحكم وجود الانسان بعاملي الزمان والمكان اللذان لا تدرك الطبيعة أنها تحكم الانسان بهما لا أراديا وتتسيده...

يقابل هذا أن جميع قوانين الانسان المصنوعة تتحكم بالكثير مما هو في الطبيعة وتتسيدها دونما وعي منها، وفي الوقت الذي يدرك الانسان أن قوانين الطبيعة تحكمه ولا يستطيع منعها، فإنها أي الطبيعة لا تدرك أن الانسان يتسّيدها بخلق قوانين عوالمه العلمية التكنولوجية المتطورة بمعزل عن الطبيعة كما هي تفعل معه وتحكمه بعاملي الزمان والمكان من غير وعي ولا أدراك له..

تطابق قوانين الاشياء المدركة مع قوانين المنطق والفكرالمجرد عنها هو تطابق إفتعالي خاطيء متخيّل غير حقيقي على صعيد الفكر..

عندما يستمد الانسان كل تجاربه المعرفية الساكنة غير المنتجة بما أصبح يعرفه عنها لا بما يجهله فيها، ونجد المفارقة بينهما أمام حقيقة أن الطبيعة في قوانينها وقوانين الاشياء المتعالقة معها، لا تكون المصدر الوحيد في تشكيل معارف الانسان الحديثة في وضع قوانينه الخاصة به.. الطبيعة توقفت عن إلهام الانسان صنع عوالمه الخاصة به في الحياة في موازاة معرفته الطبيعة التي تراجعت أهميتها عما كانت عليه في الماضي نتيجة التقدم العلمي التكنولوجي الهائل الذي أحرزه الانسان ما جعله مغتربا عن الطبيعة متجاوزا لها في قوانينها المحدودة بالنسبة لما أصبح يمتلكه الانسان الحضاري اليوم من قوانين مخترعة علميا من قبله جعلت الطبيعة تفقد الكثير من وسائل تحجيم الوجود الانساني في أعتماده عليها كما في سابق عصور ما قبل التقدم العلمي والتكنولوجي..

كما أننا في الوقت الذي كنا نجد عجز العقل الانساني العبث في قوانين الطبيعة البشرية الثابتة غير المكتشفة له، لجأ اليوم الى استثناءه التلاعب العلمي في توجيه تركيزه على طبيعته البيولوجية الفيزيائية ذاتيا كمخلوق لا ينتسب للطبيعة كطفل رضيع بعدما شبّ في وصوله مرحلة النضج، متجّها بأنظاره نحو العلم فيما يخص فيزياء وكيمياء قوانين الوراثة وعلم الاجّنة في محاولة فك شفرات العلم للجينات والاستنساخ الخلوي للكائن الحي وغيرذلك في ميادين عديدة هائلة للعلوم في محاولة لا تشكل أهتماما مصيريا له كناتج عرضي لابحاثه العلمية في أن يتوصل معرفة أسرار وقوانين الطبيعة المحجوبة عنه معرفتها...ما عدا هذا والقليل الجزئي المحدود في مجالات أخرى، لا يمكن القول أن قوانين العقل التي تنشيء العالم بأستمرار هي على حساب خرق دائم لقوانين الطبيعة المستقلة في ثباتها وكفايتها الذاتية لنفسها في المفارقة عن قوانين العالم الانساني المصنّع علميا التي يجري أبتكارها وأختراعها المستمرين، وأمام تزايد أختراع الانسان لقوانينه العلمية المتطورة جدا أصبحت الطبيعة وقوانينها المحدودة أمامه لا تمثل هدفا يسعى الانسان لأختراقه اليوم في صرف أهتمامه عن نزعات تطويرأمكاناته العلمية في بناء عالمه الانساني الذي يشيدّه باستمرار...

الطبيعة منذ العصور البدائية الاولى لا تدرك ولا تفهم أو تعقل أنها وجدت من أجل خدمة وبقاء الانسان ولا يستطيع الانسان الجزم بذلك اليوم أيضا، ونستطيع القول أن هذه المرحلة البدائية في علاقة الانسان بالطبيعة تضاءلت وتجاوزها الانسان في تقدمه العلمي الصناعي الهائل الذي جعل أمكانات الطبيعة التي كان الانسان يقف أمامها مندهشا ومستلبا في تقزيم الطبيعة له، أصبحت اليوم محدودة ألتأثير لا تجلب ذلك الاهتمام الكارزمي الحيوي الباهر التي كانت تتمتع به الطبيعة في أستلابها دهشة الانسان بها في مراحل لم يكن تقدمه العلمي الحضاري يؤهله مثل ذلك الاستغناء عن أهمية الطبيعة غير المحدودة في حياة الانسان وأستمرارها، لكن الانسان لازال يدرك أنه جزء من الطبيعة في وجوده وأعتماده عليها في تأمين بقائه من الانقراض ليس في أعتماده الطبيعة مادة خام تمده بأسباب البقاء في توفير ما يحتاجه من غذاء وجمال وراحة بال ووجود وغيرها.. فقد نجح الانسان في تصنيع عالمه بمعزل تام عما تمتلكه الطبيعة من إمكانات جردها الانسان منها وأصبح تقزيمها الانسان متراجعا أكثر من حقيقة بائنة واضحة...

قوانين العالم التي يبتدعها الانسان في تخليقه عالمه وتشييده بأستمرار، هي قوانين مبتكرة متغيرة لا تطابق قوانين الطبيعة الثابتة المحدودة التي لا يدركها الانسان الى الوقت الحاضر فهي على ضآلتها تشكل جزءا من نظام كوني معقد مجهول، ولا تتداخل قوانين الانسان مع الطبيعة الا مع الظاهر المكتشف منها في حال الحاجة الضرورية لها والتكامل الانساني بما يمتلكه من وسائل علمية مبتكرة معها، والعقل الانساني قدرات غير محدودة في أبتداعه القوانين الخاصة به التي تجعله يسّخر ما بقي تمتلكه الطبيعة ولم يكتشفه ويسخّره الانسان بعد لمصالحه... ولا يؤمن هو للطبيعة ما يجده مساسا لانانيته وحب سيطرته الغريزي عليها في تخريبه جوانب مهمة فيها يجد أنه لم يمتلكها كاملا بعد في سعيه تجريد الطبيعة من كل ماتجعله تابعا لها بعد أن نزع منها زمام المبادأة في تقدمه العلمي الهائل...

س9: ا. مراد غريبي: إذن يمكننا القول المفارقة في العقل، ماذا عن العقل الإنساني؟

ج9: أ. علي محمد اليوسف: من غير صفة إن عقل الانسان في أفكاره الديناميكية المتطورة باستمرار وفي خلقه قوانين الاشياء في عالمه الخاص التكنولوجي العلمي الكبير، لا يكون بغير مفارقته الجوهرية قوانين الطبيعة في ثباتها وليس في السعي للتطابق معها لا في الثبات ولا في الحركة في حلقات غيرمكتشفة لا يشغل الانسان أهتمامه معرفتها..

 العقل البشري عقل منتج لا يكف عن الحركة والتجديد والتطور، لذا نجده ينتج قوانينه الخاصة به في مجالات العلم والمعرفة والفلسفة والرياضيات والطب والمعمار وغيرها بما لا يحصى من معارف كلها لا تتداخل في تطابق مسّبق مع قوانين الطبيعة ولا في تبعية معها، وإنما تتمايز عنها بإختلاف خلاق لا يقاطع الطبيعة في جفاء بل يتجاوزها بالمهادنة الناعمة بعد أن خدمته طويلا....

لم تعد الطبيعة اليوم ملهمة الانسان في كل شيء كما في سابق العصور، والانسان يخلق قوانينه الخاصة به في مختلف مجالات الحياة من غير تداخل مع الطبيعة ألا في النادر اليسير فقط...

العقل الانساني عقل مبدع يعلو قوانين الطبيعة التي كانت في الماضي تستعبده رغما عنه في حاجته الضرورية لها، وتصنيعه لمدركاته الطبيعية علميا وحضاريا تقوم على أبتكاره قوانين خاصة في تنظيمه الحياة والعالم وبما تفتقده الطبيعة في قوانينها الثابتة غير المتغيرة ذاتيا ولا موضوعيا بقدر الاخلال ببعض قوانينها من قبل الانسان بما يحسب عليه أنه تخريب الطبيعة وليس بناء الحياة في مشاركة بين الطبيعة والانسان...

السبب بذلك فيما نرى ان الانسان العلمي وتطوره التكنولوجي والصناعي الهائل، أفقد الطبيعة أن تكون ندّا مكافئا لوجود الانسان المنفصل عنها تقريبا في تأمين أحتياجاته.. الطبيعة التي بدأت تشيخ في إنحسار قدراتها العظيمة التي كان الانسان يقدسها ويعبدها في عصور بدائيته الحيوانية من وجوده في علاقته الوثيقة بها، لم تعد تمتلك الطبيعة اليوم ما يعجز الانسان أمامها سوى أنها مصدر الجمال الحقيقي في وجوده المقفر بالحياة، الذي بغير تمتع الانسان بهذا الاعجاز المنظم الذي يلازم الطبيعة، يعود الانسان الى بدائية مسطّحة لا ترى من العالم غير الوجود الآلي الصناعي المتطور الذي هو ورشة عمل مقفلة على أنسان تكنولوجي صناعي فقد أهتمامه المثمر الروحي والوجداني العاطفي الذي يستمده من الطبيعة في ميزات الحب والجمال المذهل والتنظيم العفوي الفطري المعجز فيها..

أهم ميزة مكتسبة لقوانين الانسان المخترعة في تنظيم عالمه اليوم، هو في تعاليها على قوانين الطبيعة..

 إن العقل الانساني يعي ويعقل ذاته في نفس وقت يعي الطبيعة وعالم الاشياء، وفي وقت كنا نجد فيه الطبيعة صماء عمياء لاتعي ذاتها ولا تدرك موضوعاتها ولا قوانينها التي تحكم الانسان بها،ولا الانسان كموجود يشاركها الوجود... أوصلتنا هذه العلاقة المتمايزة بين الانسان والطبيعة الى الحقيقة التي بدأ يدركها الانسان مؤخرا أن الطبيعة تركت الانسان بوعي تام منها وجوب تركه يبحث عن وسائل فنائه الحتمي بنفسه وبإرادة مسّبقة هستيرية منه....

 قد يساء الفهم أن الانسان في تخليقه عوالمه التصنيعية الخاصة بحياته التي أفقدته توازنه، ويفتقد بها الروح التنظيمية المسالمة التي تمتلكها الطبيعة في أعجاز وجودي لا يماثله شيء مخلوق من قبل الانسان..

مما يعمّق لديه الشعور الاغترابي بأنه يصنّع عوالمه الانتحارية في التسابق النووي،، وامتلاكه عوالم تخريبية في مثل تهديد الوجود الانساني بسبب زيادة حرارة الارض وخطرتصنيع الحروب التي لا يمكن الحفاظ والتكهن على أن لا تخرج عن السيطرة عليها وتكون كارثية في أفنائها الوجود الانساني على الارض، هذا ما يتلاعب به الانسان في موت تدريجي بطيء لكنه حتمي النتائج الكارثية بالتأكيد..

الانسان يستهلك ما ينتجه من وسائل سعادة وأرتياح وبهجة مؤقتة في الحياة، ليس على حساب الطبيعة التي لم تعد تمتلك ما تخسره عدا جمالها وتنظيمها الرائع في تقزيمها الانسان السوبر صناعي وحسب، وأنما على حساب أستهلاك الانسان أسباب إدامة تأمين بقائه في وجوده على الارض أمام الفناء الحتمي القادم في وجوده بالطبيعة التي يشكل أنتحار الانسان فناءه وأنفجارها معه أيضا....

س10: ا. مراد غريبي: عندما نتحدث عن الفلسفة نتفكر فهم الوجود والانسان والطبيعة والله ان صح التعبير. هل اشتغالكم على الفلسفة كان مؤطرا لتامين مستقبل في الثقافة والدين والتاريخ والعلوم؟

 ج10: أ. علي محمد اليوسف: في محكومية الفضاء الواسع للإجابة عن هذا التساؤل الشمولي اود تثبيت بعض النقاط على الطريق منها:

1- جزء من التساؤل وردت الاجابة عنه في السؤال السابق.

2- بالرغم من خاصية الشمولية الجامعة للفلسفة في مناقشة كل قضية تهم الانسان في وجوده وعلاقته بالطبيعة والكوني الا ان الفلسفة تجريد يتكلم عن كل شيء ولا يعطي حلا لأي شيء. الفلسفة في جوهرها هي خلق مفاهيم كما يصفها جيل ديلوز.كما من مهام الفلسفة خلق تساؤلات لم تتوفر عليها مباحث الفلسفة سابقا.

3- لا نتوقع من ملازمة تجريد الفلسفة لها إن كانت سابقا تتوفر على فتح آفاق شمولية في ميادين وتخصصات تخص قضايا الدين والسيسيولوجيا والعلوم التي تشعبت فيها الاختصاصات التي اصبحت الفلسفة تابعة تلاحق تداخلها مع تلك المفاهيم التي حققتها ميادين الحياة في وقت كانت الفلسفة عاجزة عن اختراع تلك الافاق المعرفية الجديدة. حاولت الفلسفة جعل مباحثها تأخذ منحى الرياضيات وفشلت او منحى التداخل مع التخصصات العلمي وكانت النتيجة التقاطع مع العلم في الاقرار باسبقيته قيادة وصنع الحياة قبل الفلسفة.

4- قضايا الفلسفة كانت تدور حول مركزية الانسان في علاقته بالله والطبيعة والتاريخ والثقافة. وكانت المهمة صعبة فلسفيا لدى ديكارت، ليتبعه بالاخفاق فيورباخ حينما اراد خلق توليفة متداخلة تجمع الاله والطبيعة والانسان في اعتماده مركزية الانسان لكنه خرج بنتيجة ان الانسان خلق معبوده في مرجعية الطبيعة. وبذلك اراد نسف اللاهوت الديني اليهودي والمسيحي فلقي معارضة شديدة ليس من رجال الدين فقط بل من ماركس وانجاز ايضا.

الفلسفة مرت بانعطافة جوهرية استمرت قرونا طويلة على يد ديكارت بان مهمة الفلسفة الاولى هو تزويدنا بالمعرفة رغم ان كوجيتو ديكارت كان اعطى الانسان مركزية لم يكن من السهل مجاوزتها هو ان الذات الانسانية ادراك لاهمية الانسان انه عقل مفكر بكل شيء تجريديا. بمعنى ديكارت كان ارسى الفهم الفلسفي المثالي رغم محاولته العقيمة في خلق توليفة تجمع بين الله والانسان والعلم والطبيعة فكانت تلك امنية اكبر من حجم فلسفة ديكارت. تجريبية ديكارت لا ترقى الى تجريبية بيكون وهولباخ في فهمهما ان التجربة العلمية وسيلة حل معضلة انفصام التجريد الفلسفي عن الحياة بواقعيتها. ورغم ادعاء جون لوك وديفيد هيوم وباركلي انهم اعتمدوا ما كان قال به بيكون قبلهما الا انهما غرقا في مستنقع المثالية الوضعية المنطقية التي رأت تغيير الحياة يتم بالتفكير العقلي القائم على الاستدلال بالحس فقط ووجود العالم الخارجي يحدده الاحساس العقلي الذهني الذي قوامه الفكر.

الانعطافة التاريخية الثانية في تاريخ الفلسفة كانت على يد فلاسفة البنيوية التي ركنت الانسان وانكرت العقل والمعرفة والتاريخ وتمردت على المنجزات العلمية تماهيا بما عرف في مرحلة ما بعد الحداثة.

هنا البنيوية فتحت بابا واسعا اطلقت عليه نظرية التحول اللغوي التي ارسى بدايتها كلا من فريجة ودي سوسير بتفاوت فلسفي كبير بينهما، فريجة أقر بوجوب جعل فلسفة اللغة تقوم على اساس مزاوجة المنطق والرياضيات وتبنى هذا الطرح بحماس شديد بيرتراندراسل في ريادته للفلسفة التحليلية المنطقية الانجليزية التي انضم لها كلا من جورج مور وفينجشتين وكارناب وعالم الرياضيات وايتهيد الذي كان اقربهم الى بيرتراند رسل.

الشيء الجدير الاشارة له انه بمقدار ما كانت فلسفة اللغة ونظرية فائض المعنى هي الفلسفة الاولى التي قادت جميع المدارس والتيارات الفلسفية منذ منتصف القرن العشرين الا انها اي فلسفة اللغة هي البؤرة المركزية الطاردة وراء كل الانشقاقات الفلسفية التي قادت في معظمها خلق فلسفات جديدة لها تاثيرها القوي في معالجتها اشكاليات فلسفية مستعصية موروثة من جهة، والدخول في طرق مواضيع لم تكن الفلسفة عبر تاريخها مهتمة بها. خاصة لدى فلاسفة البنيوية فوكو وشراوس والتوسير وجان لاكان ورولان بارت وغيرهم. اعقبهم بول ريكور في التاويلية وجاك دريدا في التفكيكية.

 س11: ا. مراد غريبي: هل لكم توضيح العلاقة الاشكالية التي تجمع المادة والادراك واللغة من الناحية الفلسفية التي يداخلها علم وظائف الدماغ احيانا؟

ج11: أ. علي محمد اليوسف: بعد تنحية الإبستمولوجيا كفلسفة اولى منذ عصر ديكارت في القرن السابع عشر تربعت فلسفة اللغة عرش الفلسفة الاولى منذ منتصف القرن العشرين ولا زالت فلسفة اللغة تثير اشكاليات فلسفية مثل علاقة فلسفة العقل بالادراك،الذهن،الذاكرة، الوعي، الماهية، وغيرها من امور متداخلة فلسفيا تصل حد الارباك في غالب الاحيان.

الادراك واللغة

(من الممكن الاستغناء عن اللغة للوصول الى الانطولوجيا) مقولة سفسطائية

خطأ هذا التعبيرالفلسفي السفسطائي يكمن في محاولة أستبدال وسيلة اللغة الادراكية التجريدية ب (الادراك ) المباشر الحسي الانطولوجي الاستبطاني المجرد من اللغة وهو محال أن نجد ادراكا مجردا عن لغته فالادراك هو تفكيرحسي لغوي تصوري وليس مجرد أحساسات لا تمتلك صوريتها اللغوية التجريدية... وهذا الاتجاه الفلسفي بمقدار ما يحمله من أدانة واضحة الا أن فلاسفة الوضعية المنطقية التجريبية حلقتي فيّنا وحلقة اكسفورد التحليلية أخذا كليهما بهذا الاحتمال.

ويحمل هذا التعويل الخاطيء مقدما على أن أدراك الاشياء في وجودها الانطولوجي حسيا داخليا يعني أن تلك الادراكات الحسية هي لغة تعبير تواصلي لا تعتمد وسيلية اللغة في أدراكها الاشياء، وهو خطأ لا يمكن تمريره فالادراك الحسي هو لغة تصورية تمثلية ايضا لا تختلف عن أصل أية لغة تواصل كان تعلمها الشخص الذي يحمل ادراكه الطبيعي، الادراك الانطولوجي لغة تصورية تجريدية لا تخرج على أبجدية اللغة التواصلية العادية. بعبارة توضيحية أكثر الادراك ليس بمقدرته أختراع لغة ادراك خاصة به تختلف في بنيتها التركيبية نحويا وبلاغيا وقواعد هي غير نمط وشكل لغة التعبير العادية التي يتحدث بها مجتمع معين أو أمة معينة..الادراك الحسي أو الادراك الخيالي هو لغة تصورية تمثل تفكير العقل بموضوع، وكذا الوعي هو تمثل ادراكي لغوي في تعبيره عن تفكير العقل.

وأدراك الحواس ماديا لا يمكن ترجمته الى أحساس مفهوم المعنى والدلالة من غير لغة تحتويه وتعبّر عنه... أذ لا يمكن تحقيق أدراكا حسّيا عن شيء لا يحمل لغة أدراكه التجريدية معه، كل أدراك حسّي عن شيء وكل أدراك غير حسي خيالي عن موضوع لا يمكننا فهمه من غير تلازم تعبير اللغة عنهما خارجيا أو استبطانيا صامتا.. حتى تموضع اللغة بالاشياء المادية هي تعبيرات تصورية حسية مجردة في التعبير عن تلك الاشياء صادرة عن العقل في معرفتها الاشياء كموجودات انطولوجية.

الادراك الحسي يبقى لغة صمت لا يستطيع الافصاح عن نفسه من غير توسيل تعبير اللغة التواصلية الاعتيادية.. بالمختصرالمفيد الادراك لغة خرساء صماء موجودة بالذهن ولا يمكن تحققها بالواقع كلاما وتعبيرا من غير وسيلية اللغة الافصاح عنها. لذا يكون من المشكوك به إمتلاك الادراكات الحسية مصداقية تعبيرية عن الانطولوجيا بمعزل عن اللغة التواصلية أكثر مما تستطيع التعبير عنه. وكلا التعبيرين لغة الادراك الصمت ولغة الافصاح الصوت هما لغة واحدة لا أنفكاك بينهما، من حيث ترابطهما الابجدي في تكوين الكلمات الصوتية والجمل.

التفكير الحسّي الملازم لادراكات الاشياء المادية في حال لا يمكنه ارسال أحساسات الحواس الى الذهن لغويا تصوريا فلا معنى يبقى للادراك كحلقة في منظومة العقل الفكرية التجريدية، لانعدام آلية التوصيل المنتظم داخل منظومة العقل الادراكية.

ولا معنى يستطيع الوعي ادراكه الاشياء من غير لغة ايضا، أي حينما لا تتمكن اللغة أن تستوعب الادراك الحسي والوعي بالاشياء فلا يبقى هناك أي وجود خارج الذهن لهما.. كما والاحساسات هي لغة تعبير العقل عن مدركاته في ردود الافعال الانعكاسية الصادرة عن الدماغ.

فاذا كانت فكرة الادراك عن شيء هي تعبير لغوي مجردا فكيف يكون الادراك بلا لغة تلازمه يمكننا الاستغناء عنها في أدراكنا المحسوسات الانطولوجية؟ وكيف يتشّكل الوعي بالاشياء بدون لغة تلازمه؟؟وكيف تنطبع المدركات الحسية بالذهن بغير تعبير لغوي يلازمها؟ الاحساسات والادراكات والوعي ثلاث حلقات في منظومة العقل الادراكية هي في حقيقتها لغة تعبيرتجريدي واحد ولا تحمل هذه الحلقات التجريدية أفصاحاتها عن مدركاتها لمواضيع العالمين الداخلي (الاحاسيس) والخارجي (الاحساسات) الا بتعبير اللغة التواصلي الدارجة مجتمعيا..الادراك بتعريف كواين له هو وجود الشيء المستقل انطولوجيا.. لكنه غير المنفصل عن الادراك به بوسيلة تعبير اللغة عليه يكون الادراك لغة التعبير عن الشيء.. استقلالية الادراك في وجود الشيء المستقل هو ادراك لغوي له عن طريق الحس.، وانطولوجيا الاشياء كموجودات في العالم الخارجي لا يمكن أدراكها حسيا عقليا بغير لغة تعبير تجريدي عنها. .

أننا لا نستطيع إغفال حقيقة أن الاحساس بشيء ليس لغة استبطان معرفية له فقط، وكل موجود يدرك حسّيا يصبح بالنتيجة الملازمة له لغويا هو لغة أدراكية تجريدية سليمة غير أعتباطية خالية من المعنى. فالموجود الشيئي والوعي به، وانطباعه الصوري بالذهن هو تجريد لغوي يقبل تمرير معناه ادراك العقل له، والفكرالمتعالق مع الوعي فيما يعنيه، جميعها تجليّات ادراكية تقوم على تصوير لغوي يتمثل مواضيع الادراك، ويشمل هذا حتى الادراك العقلي غير المريض الذي لا يتوّسل اللغة في التعبيرعن تلك المدركات بل في التعبيرغير الانفصامي الصامت عنها. الصمت غير المريض لغة تفكير لا تختلف عن لغة التواصل العادية سوى بفارق الصوت المفهوم في تعبير اللغة عنه.

كان يتردد في بداية القرن العشرين سؤالا فلسفيا جداليا هل بالامكان فصل اللغة عن الفكر؟ جدال نقاشي تم حسمه في ادبيات الفلسفة البنيوية بخاصة عند دي سوسير بتعبيره اللغة هي وعاء الفكر. بمعنى أن فصل تداخل شكل اللغة مع محتواها المضموني محال ادراكيا عقليا. وفصل الادراك عن اللغة محال معرفيا. الادراك من دون لغة تلازمه عبث لا يمكن تحققه في معنى دلالي في الافصاح التعبيري عن شيء أو موضوع، وتجريد اللغة عن تعبيرها التجريدي للاشياء هو محال ايضا فاللغة وجود يلازم كل موجود يدركه العقل. والعقل لا يدرك الاشياء والعالم وموجودات الطبيعة بغير وسيلة تعبير تلازم الفكر واللغة معا في دلالة لمعنى واحد.

وتجريد اللغة في تعبيرها عن المادة تصبح كيانا لا ماديا ايضا رغم تعالقها التجريدي الانفصالي في تعبيرها عن الاشياء المادية. لا نستطيع فهم الشيء من غير أدراك حسي لغوي له، كما لا يمكننا فهم لغة لا تعبر عن شيء يمكن أدراكه ومعرفته. لا يمكننا فهم العالم بصورة سليمة مقبولة عقليا من غير تعبير اللغة عن مدركاتنا لموجودات العالم من حولنا. العقل في ماهيته غير البيولوجية هو (لغة) تعبير عن المعنى فقط بتعبير قدامى فلاسفة اليونان (لوغوس)...ومحال أن نجد اللغة موجودا انطولوجيا ماديا خال من تعالق لغة تجريده معه التي هي ادراكه. اللغة اصوات دلالية منتظمة في التعبير عن المادي الادراكي بينما تكون الموجودات المادية ليست لغة تواصل صوتي بل لغة ادراك صمت تفكيري. تموضع اللغة في تكوين الاشياء المادية تبقى لغة تجريد ملازمة لوجود المادة.

أما قضية أمكانية فصل اللغة عن الادراك كما يذهب له السفسطائيون والمناطقة من بعدهم فهو وهم فلسفي لا يمكن البرهنة على تحققه، اذا ما علمنا أن الادراك أستبطانيا داخليا أو ادراكا حسّيا خارجيا للاشياء والموجودات هو (لغة) في الحالتين ولا يوجد أدراك من غير لغة تحتويه كفكر تجريدي. لكن في فرق جوهري أن لغة الادراك الجوّانية هي لغة صمت فكري أما لغة التعبير الحسي عن موجودات العالم الخارجي تكون من نوع اللغة التواصلية المجتمعية كلاما أو كتابة.

لا يمكن تعويض الادراك المجرد عن اللغة القيام بمهمة اللغة والاستغناء عنها. من حيث أن حقيقة الادراك الحسّي للاشياء في وجودها الانطولوجي هو (لغة) اولا واخيرا، ولا توجد آلية تحقيق ادراك انطولوجي مفهوم له معنى في الاستغناء عن تعبير اللغة الصوري التجريدي. ادراك الشيء هو لغة صامتة استبطانية تحمل معها الفكر، وبغير هذه الآلية لا يتوفر للعقل تحقيق ادراكات للاشياء ذات معنى.

وفي حال انتقالنا الى مرحلة متقدمة أن ادراك الاشياء خارجيا هو ادراك حسّي مصدره الحواس، فهل تستطيع الحواس مع الادراك ايصال الاحساسات الى الجهاز العصبي والمنظومة العقلية على وفق آلية الاستغناء عن اللغة في ادراك موجودات الانطولوجيا الموزعة على الاشياء؟ الجواب المباشر كلا من حيث الاحساسات هي ترجمة لغوية مستمدة من الحواس، والاحساسات التي تربط ما تدركه الحواس بالجهاز العصبي تكون هي ايضا لغة صورية تجريدية منتظمة وليست تداعيات من الاحساسات العشوائية التي تفتقد حمولتها النظامية في المعنى المطلوب الدال من غير نسق وبنية لغوية تنتظمها. جوهر العقل الاسمى ماهيته التفكير حسب ديكارت. وكل تفكير عقلي صامت داخليا أو معبرا عنه خارجيا هو لغة مجردة.

س12: ا. مراد غريبي: ما توضيحكم الفلسفي حول اشكالية علاقة الفكر واللغة؟

ج12: أ. علي محمد اليوسف: رغم أني عالجت مثل هذه العلاقة التي تربط الفكر باللغة في مرات عديدة توزعتها كتاباتي ومقالاتي العديدة ألا أنني أرتأيت تثبيت ومناقشة أقتباس جدير بالتوقف عنده مفاده كانط والمثالية الالمانية لا تهتم باللغة، وأنما بالفكر، وقد جاء هذا التعبير الكانطي في كتابه الشهير الموسوم (نقد العقل المحض) فهو يعتبر علاقة اللغة بالفكر علاقة أعتباطية وبالتالي لا يمكن الاستناد الى أستنتاج الشروط الضرورية التي يمكن أن يكون هناك للفكر موضوعا فيها."

امام هذه المقولة المنسوبة لكانط نضع التعقيبات التوضيحية التالية:

- لا يمكن الجزم القاطع أن علاقة الفكر باللغة علاقة أعتباطية غير منتظمة، فالفكر تفكير لغوي تجريدي بموضوع مادي أو خيالي، ولا يمكن تاكيد أعتباطية التفكير أنه بلا معنى لعدم امكانية اللغة التعبير خارج الخلاص من الفرضية التي تذهب الى أن علاقة ترابطية الفكر باللغة أعتباطية غير منتظمة لا يعول عليها في استنتاج شروط ضرورية يمكن من خلالها تاكيد أن هناك للفكر موضوعاته المستقلة عن اللغة حسب عبارة كانط.

- أن الفكر هو تفكير العقل المتقدم بالاسبقية على لغة التعبير، عليه لا يمتلك الفكر موضوعاته المجردة من تعبير اللغة عنها. واذا افترضنا أعتباطية الفكر حالة تلازم الادراك والتفكير العقلي، فأن اللغة لا تتأثر بهذه الصفة كون اللغة لا تعمل في فراغ أعتباطي غير منتظم ادراكيا لمواضيعها التي هي مواضيع تفكير العقل بها، كما لا تعمل اللغة خارج التعبير عن معنى متحقق بالفكر سلفا بمعزل عنها.

- اللغة لا يمكن أدراكها عندما لا تكون دلالة ادراكية مستمدة من شيء موجود واقعيا سابقا عليها. أو موضوعا أستنفد تفكير العقل به واعطى ردود الافعال الانعكاسية الاستجابية عنه. ويحتاج أفصاح اللغة التعبيرعنه خارجيا. الادراك لا يكتفي بالفكر المجرد عن لغته كون الادراك هو تفكير لغوي لا يمكن فصل الفكر عن اللغة فيه.

- الحقيقة التي لا يمكن مجاوزتها بسهولة هي أن الفكر هو أدراك متعيّن بدلالة لغوية عن معنى، وكذلك تعبير اللغة هي ادراك متعين بدلالة الفكر، ولا يمكننا التعبير عن فكر لا تلازمه بالضرورة لغة تعبير عنه.. نظام التفكير باللغة يطوّع لغة التعبيرالتداولية عنه..

- ليس من مهام اللغة التي ترتبط حسب عبارة كانط بعلاقة أعتباطية بالفكر أن تقوم هي تنظيم وتخليص الفكر من الاعتباطية التي تلازمه. بل تنظيم نسق الادراكات الواصلة الى الدماغ تصبح مهمة تنظيمها تقع على عاتق العقل وليس على عاتق اللغة. فالعقل مضمون تفكيري واللغة وسيلته في التعبير عن تلك المضامين.. اللغة تعبير أكتسب محتواه من مرجعية تفكير العقل ولا تمتلك اللغة أمكانية تنظيم مدركات العقل بمعزل عن العقل نفسه.

س13: ا. مراد غريبي: هل تعتبرون الفكر نتاج بيولوجي صادر عن الدماغ، أم صادرا عن الذهن كما هو متداول؟

ج13: أ. علي محمد اليوسف: يقسم بعض الفلاسفة الفكر بإعتباره خاصية انسانوية يتفرد بها الانسان الى عنصرين هما ميزتين تطبعان الفكر من ناحية خاصيته الانسانية، الاولى هي مضمون الفكر، والثانية هي نشاط الفكر نفسه. من الامور التي نفهم بها خاصية الفكر التعبيرية من خلال تعالقه البيولوجي بكل من العقل من جهة، وارتباطه بتعبير اللغة من جهة اخرى. رغم حقيقتهما أنهما علاقة واحدة لا يمكن الفصل بينهما. فالفكر كمضمون هو نتاج حصيلة تفكيرية يبتدعها العقل تفكيرا بموضوع، وهذا النوع من التفكير العقلي هو (ملكة) انفرادية يحوزها العقل البشري. والصفة الثانية الملازمة للفكر أنه نوع من الفعالية الحيوية الديناميكية، بمعنى الفكر هو خاصية تفكيرية قصدية ملزمة التعبير عن نفسها، يعني الفكر هو سلوك أجرائي معرفي بالحياة لا يتسم بالحيادية. يطرح بعض الفلاسفة سؤالا غريبا بضوء علاقة الفكر المزدوجة بين العقل بيولوجيا وبين لغة التعبير عنه تجريديا " هل من الممكن التفكير من دون لغة؟ أم نتقبل الحقيقة التي تقول أنه بدون الفكر لا توجد لغة؟ ومن خلال الفلسفة وعلم النفس تم التوصل الى فكرتين، الاولى تذهب الى أن الفكر الحقيقي غير لغوي وهذه المقولة تبناها هنري برجسون . والثانية أن الفكر هو لغة ليس الا "

للتعقيب حول هذه التساؤلات الالتباسية الجدالية:

- لا يمكن التفكير بدون لغة صورية، ليس فقط بتسليم الاستناد الى حقيقة الفكر هو لغة ادراكية تفكيرية صامتة، بل اذا جاز لنا فصل الفكر عن اللغة باعتباره ادراكا صامتا، فيكون معنا تفكير الادراك بمواضيعه لا يقوم على غير علائقية ترابطية بين الادراك الفكري باللغة، ولا يمكننا التفكير المنظم في معنى عن شيء من دون لغة تصّورية. الادراك الحسّي هو صمت لغوي من التفكير لا يخرج عن أستحالة تفكيره وأستيعابه أحساسات الاشياء والتعبير عنها كمدركات حسّية بغيرتعبيرات اللغة تجريديا عنها.

- الشيء الثاني في عدم أمكانية فصل اللغة عن الفكر لا بالتفكير الادراكي العقلي الصامت ولا بالتفكير اللغوي المنطوق أو المكتوب. يأتي من كون الادراك هو تفكير عقلي معبّرا عنه باللغة. بمعنى اللغة هي أفصاح وتعبير لادراك العقل.

- حين يعتبر برجسون أن الفكر الحقيقي هو غير لغوي نفهم منه هو لا يقصد آلية التفكير التي هي آلية لغوية بامتياز لا يمكن العبور من فوقها وتجاوزها، فالفكر حقيقته القصدية بالمعنى تؤخذ من لغة تعبيره عن الاشياء . والفكر من دون وعاء لغوي يستوعبه لا يتحقق من غير شكل اللغة التي تحتويه. أما كيف يكون الفكر اكثر مصداقية حقيقية من اللغة حسب عبارة برجسون، فتمريرها الحذرالمشكوك به أنما يأتي من أعتباره الادراك العقلي للاشياء يمتلك لغة تجانس الادراك الحقيقي في صمت التفكير وليس في تعبير اللغة الافصاحية الخارجية عن المعنى المضموني للادراك. لذا فالفكر هو لغة لا أكثر وما يتعالق بالفكر مثل الوعي والذهن والذاكرة جميعها تفكير لغوي موزع في اشكال من التجليات المتنوعة أدراكيا كتجريدات مصدرها العقل.

- كما أن الذين يرون للفكر طبيعة تختلف عن طبيعة المادة فهذا لا يغير من حقيقة الفكر ولا اللغة انهما تجريدان غير ماديان ولا حسيان، وطبيعتهما التجريدية تختلف عن طبيعة المادة كموجود متعين انطولوجيا أمر مفروغ منه ولا يتقبل التداخل بينهما، فالفكر الذي يعبر عن المادة لا يصبح في لغة التعبير عنها جزءا ماديا تكوينيا منها بل يبقى الفكر تجريدا لغويا تصوريا عن المادة...كما هو تجريد اللغة في تعبيرها عن الموجودات بالعالم الخارجي. وليس هناك من قيمة جادة يحملها تعبير برجسون( كل تعبير لغوي هو تشويه للفكر). هذا التعبير يناقض مقبولية القول أن اللغة قدرة أستيعابية محدودة لا تستطيع التعبير الكامل عن محتوى الفكر.والا تكون عبارة برجسون تقفل أمامنا حقيقة أن تكون طبيعة أفكارنا هي تحقق لغوي وبغير ذلك لا يبقى تشويها للفكر لا نجده في تعبير اللغة عنه.

س14: ا. مراد غريبي: عذرا دكتورنا الفاضل، سؤال ضمن السياق، هل اللغة مادة أم تجريد؟

ج14: أ. علي محمد اليوسف: ذهبنا في أسطر سابقة أن الفكر واللغة جوهران متلازمان يشتركان بصفة التجريد فكيف لنا تبرير هذا التناقض مع القول الذي يقول" اللغة على وجه الخصوص هي مادية (اصوات) يمكن التعرف عليها لذاتها من حيث أنها حقيقة مادية " .

مادية اللغة نفهمها بدلالة تعبيرها عن المادة ولا يمكن أدراكنا لغة التجريد كاصوات مادية مكتفية بذاتها مصدرها اللغة وليست منها مستقلة عنها، كونها خاصية مادية حسب العبارة. المادة كمحسوس متعين حسيا يدركه العقل لا يتحدد بالصوت اللغوي المعّبر عنه، بل تتحدد المادة بوجودها الانطولوجي كمتعين يدرك ويحس بصفاته الثلاث الطول والعرض والارتفاع، وأضاف انشتاين له البعد الرابع الزمن.

الصوت فيزيائيا لا يمكننا تحديده ماديا بصفات مادية معروفة ذكرناها، واللغة كصوت ذي دلالة تعبيرية عن معنى قصدي، هي تجريد في تعبيرها عن اشياء وليست مادة بذاتها، ولا تكون اللغة هنا جزءا من مادة مدركة حسّيا بل تكون جزءا من لغة تجريد ادراكي للمادة. وتجسيد اللغة للفكر في التعبير عن معناه المضموني لا يجعل من كليهما اللغة والفكر مادة باكتسابهما صفة تجريد الصوت مدركا بذاته وهو خطأ لعدم أمكانية أدراكنا الصوت مجردا عن دلالته المادية.

الفكر لا تحتويه المادة بمقدار ما تحتويه لغة التجريد في تعبيرها عن المادة. وفي حال تاكيد صوابية خطأ مقولة برجسون أن تكون اللغة خاصية مادية بالصوت المدرك لوحده فهذا يقودنا التسليم لخطأ أكبر منه تجاوزناه هو صحة أمكانية جواز التفكير من دون لغة. فالمادة لا تدرك مادة أخرى تجانسها الخواص التعريفية ماديا من غير تداخل تفكير اللغة التجريدي التوسيط بينهما. عليه اللغة كاصوات تعبيرية عن معنى مادي مقصود هي تجريد مادي وليست مادة مدركة لوحدها. تجريد اللغة عن تعبيرها عن موضوع مدرك عقليا يفقدها خاصية التعبير كاصوات وأبجدية مكتوبة تعبيرية. وتنتفي عنها حينذاك صفة اللغة التي هي خاصية تعبير فكري تجريدي عن المادة والاشياء.

التسليم بمقولة اللغة مادة بدلالة الصوت، عندها يصبح لا غرابة أن نجد اللغة كما يعبّرعنها أحد الفلاسفة "هي تعبير كلّي يقوم مقام الواقع بكامله.". تماشيا مع هذا التعبير الافتراضي الخاطيء لا يمكننا معرفة الواقع في حقيقته المادية عندما نحاول التعبيرعنه بمادة لغوية، وليس لغة مادية وهو ما يعني أمكانية أن تعي المادة غيرها من الماديات الاخرى ليس بدلالة تجريد اللغة بل بدلالة لغة المادة الموهومة التي أصبحت هي ميزة المادة ذاتها. وهذا أمر ليس محالا على صعيد الادراك العقلي وحسب وأنما محال على صعيد الغاء خاصية التجريد اللغوي عن مدركاته التعبيرية التي هي في حقيقتها مدركات عقلية.

لا يسعنا التعبير عن هذا المأزق أكثر من قولنا أننا يمكننا التعبير عن اللغة بلغة أخرى تجانسها الماهية والصفات النحوية، لكننا لا نستطيع فهم الواقع المادي الذي تموضعت اللغة فيه تكوينيا بتعبير لغة لم يعد يمتلكها العقل ولا يستطيع تصنيعها بل يمتلكها الواقع المادي في محاولته فهم العقل وليس العكس فهم العقل للواقع.

أن الحقيقة التي يراد العبور من فوقها أن اللغة تبقى تجريد تعبيري، والمادة تبقى واقعا لادراك هذا التجريد اللغوي، واللغة المتموضعة بالاشياء هي لغة تجريد يحتويها الموجود المادي انطولوجيا لكنه يبقى تجريد اللغة غريبا عن المادة كتجريد لغوي معبّراعن المادة لكنه لا يحمل خصائصها.

مشروع اللغة الكليّة المصنوعة آليا التي نادى بها العديد من الفلاسفة والعلماء والمفكرين في القرن التاسع عشر أعتبرها دستوت تراسي من فظائع الاخطاء التي وقعت بها الفلسفة في محاولة بعضهم تربيع الدائرة أن يكون لها أربعة اضلاع.

س15: ا. مراد غريبي: هل تجدون دكتور، أن هناك خصائص مشتركة تجمع كلا من الفكر واللغة؟

ج: أ. علي محمد اليوسف: يذهب بعض الفلاسفة الى الدخول قسرا في افتراضات فلسفية لا معنى لها في صرف الجهود لمناقشتها مثل" اننا في حال اقرارنا اللغة هي الفكر، يصبح معنا امكانية الاستنتاج أن علاقة الفكر باللغة هي علاقة مادية تقوم على وجود فرق أختلاف بين طبيعة الفكر عن طبيعة اللغة "5 في سطور سابقة ناقشنا خطأ أعتبار اللغة مادة تدركها وتعبر عنها لغة اخرى، وهذا الامر محال فاذا نحن خلعنا صفة المادة على شيئ نكون أعطيناه امكانية ادراكه تجريديا بلغة، وهو ما لا ينطبق على ان تكون اللغة مادة ميزتها الاصوات ندركها بلغة أخرى ميزتها صوتية ايضا.

والآن نناقش الاختلاف بين طبيعتي الفكر واللغة، وأول ما يتبادر للتفكير هو مالمقصود تحديدا بأختلاف طبيعة الفكر عن طبيعة اللغة وبماذا؟ لم نعثرعلى أجابة على طرح مثل هذه الاشكالية الفلسفية.

اذا أقررنا حقيقة أن الفكر واللغة هما شكل ومحتوى كلاهما يتسمان بالتجريد أحدهما بدلالة الاخرفي أدراك العقل لهما، عندها لا يصبح واردا مناقشة أمتلاك الفكر طبيعة لا تجانسها طبيعة اللغة. كون العقل يدرك تنظيم الفكر بدلالة تجريد اللغة الصوري، ولا يدرك العقل اللغة بتجريد فكري.

لذا تكون طبيعة حمولة تفكير العقل هي طبيعة لغوية تجريدية. وأن يكون الفكر يمتلك طبيعة غير طبيعة اللغة هي محض تلاعب لغوي وهمي لا يقوم على منطق فلسفي مقبول..والادراك يتبع نفس الآلية التي تتبعها الحواس في أدراكها مواضيع الموجودات المادية في نقل الانطباعات عن موجودات العالم الخارجي الى الذهن.

عندما نقول للفكر خاصية مادية (مادة) بخلاف خاصية اللغة كتجريد لا مادي، معنى ذلك أصبح متاحا لنا أن نعي الفكر بلا لغة أصوات مسموعة أو مكتوبة. لكن كيف نثبت أمكانية فصل الفكرعن اللغة؟ ثم ماهي الآلية التي تجعلنا ندرك الفكربطبيعته المادية في حال امكانية انفصاله عن تعبير اللغة التجريدي عنه؟ أدراك اللغة للمادة هو أدراك تجريدي وأدراك مواضيع المخيلة المجردة ايضا يكون بنفس آلية أدراك اللغة التجريدية للمادة. الفكر انعكاس لوجود مادي محسوس، وهذه الخاصية لا يمتلكها الفكر كونه تجريد لغوي وليس وجودا انطولوجيا ماديا تدركه الحواس قبل اللغة.

س16: ا. مراد غريبي: ما تعليقكم دكتور علي، على الدعوات الفلسفية إلى إنابة لغة الذكاء الاصطناعي -الآلة- على لغة الانسان؟

ج16: أ. علي محمد اليوسف: الاطروحة الفلسفية التي عرضناها حول امتلاك كلا من الفكر واللغة طبيعة خاصة مختلفة احداها عن الاخرى، واعتبروا اللغة مادة لأنها باختصار هي أصوات. جعل بعض الفلاسفة يلجئون لحلم تصنيع آلة حاسوب تقوم مقام اللغة عند الانسان باعتبارها ملكة وخاصية لا يمكن استنساخها وتحاكي التواصل بين البشر،.

الا أن هذه الفرضية الطموحة المتفائلة لقيت معارضة قوية من فلاسفة بينوا عقم مثل هذا التوجه، واضعين بعض أعتراضاتهم الفلسفية بما يلي:

- الآلة التي تنوب عن لغة الانسان لا يمكنها التعبير الصحيح عن مجمل المسائل المتعلقة بالاخلاق والنفس والضمير والعواطف والاخلاص والالتزام بالوعود والاستقامة والنزاهة وغير ذلك عديد، وهذه لا يتوفر على تلبيتها الحاسوب المبرمج بتقنية عالية من استنساخ لغة الانسان.

- ورد منذ القرن السابع عشر على لسان ديكارت ما يدحض آلية تصنيع اللغة قوله "طيور العقعق والببغاء تستطيع التلفظ بكلمات وحتى عبارات مثلنا نحن البشر لكنها لا تستطيع ان تعي ما تقوله وتلفظه" .

- طرح ايضا بعض الفلاسفة تساؤلا" لماذا لا يستطيع الحاسوب ان يحاكي بالضبط السلوك الانساني عند البشر؟

 أجاب بعض الفلاسفة عن هذا التساؤل قولهم عجز الآلة، ممثلا في عدم أمتلاكها (وعيا قصديا) بهديه وعلى ضوئه يتمكن الانسان السيطرة على سلوكه الذي يرسمه له الوعي القصدي كملكة يتفرد بها الانسان، والوعي القصدي دعى له برينتانو ليعقبه هوسرل وهيدجر وليتسلم الراية منهم الفلاسفة الاميركان مثل سيلارز وجون سيرل وريتشارد رورتي وسانتيانا وغيرهم.

- أدان العديد من فلاسفة اللغة والعقل في مقدمتهم فلاسفة السلوكية اللغوية الاميريكية مقولة فيلسوف وعالم اللغات نعوم جومسكي حين أجاز في مصطلحه (الابداعية التوليدية) إمكانية توليد الجمل اللغوية الابتكارية عند الانسان بما لا يمكن حصره، لكنه التقى مع فلاسفة السلوكية الاميركان أن الآلة لا تنوب عن الانسان في قابلية الابتكار التوليدي اللغوي.

- " اقترح جومسكي منذ خمسينيات القرن الماضي في اعتماده اللغة تمتلك عنصرا بيولوجيا مركوزا في دماغ الانسان، وأننا ننطوي وراثيا على حاسة الكلام، وأننا مبرمجون وراثيا لنتكلم بدلا من التقليد من ثقافتنا وبيئتنا، وكلامنا يرتكز على مخطط وصفة أنطبعت فينا منذ الولادة"، هنا جومسكي ينهي أي أجتهاد فلسفي حول امكانية استنساخ وظيفة اللغة آليا في حاسوب متطور.

- من المسائل التي رفضها فلاسفة السلوكية استنساخ اللغة آليا بالحاسوب هو ما طرحه جون سيرل وهو فيلسوف العقل واللغة وأحد أبرز المتبنين للوعي القصدي، أن توليدية الابتكاراللغوي التي نسبها جومسكي لملكة الانسان الفطرية الوراثية، لا يمكن استنساخها في الحاسوب ابسطها عدم امكانية تحكم الحاسوب بالعبارات والجمل التي تكتفي بايصال المعنى المطلوب. وضرب لذلك مثلا أن الحواسيب يمكنها تركيب جملة (أنا أعدك) لكنها لا تفهم ما يترتب على العبارة من تنفيذ تطبيق هذا الكلام كمحاورة قصدية ذات معنى.

 

حاوره: الأستاذ مراد غريبي

المثقف - مرايا حوارية

 19 - 10 - 2021

 

 

 

 

 

 

2875 مراد وصادقخاص: المثقف: تستضيف الاستاذ الدكتور صادق السامرائي ضمن مرايا فكرية، وحوار شامل أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول الراهن الفكري والثقافي، فأهلا وسهلا بهما:


 مفتتح:

لا مناص أن أهم دور للثقافة والنقد ينعكس فيما يثيره من تفكير لدى الإنسان، وما يدفعه به لاكتشاف قدراته ومؤهلاته، ويمنحه الثقة بالذات، والطموح للإسهام والإنجاز والإبداع.

وحين نرى مثقفا يتجاوز همومه الذاتية، ويفكر في الشأن العام لوطنه وأمته والإنسانية، ويتصدى لقضايا المجتمع العربي، فإن ذلك ناتج عن مستوى راق بلغه من الوعي الثقافي والنباهة العلمية ميّزته عن غيره، ضيفنا في مرايا فكرية أنموذج مشرق لفئة من المثقفين والمفكرين المتميزين في مجتمعهم، هو استاذي العزيز المبجل وصديقي الفاضل الدكتور صادق السامرائي، فقد عرفته منذ إنطلاقة صحيفة المثقف، متابعا لكل كتاباته وقارئا مولعا بأفكاره الحية، يتوقد حماسًا وإخلاصًا لخدمة الإنسان والمجتمع العربيين، طاردا للأفكار الميتة والقاتلة والأوهام والأحلام العبثية التي جذبت معظم الكتاب التائهين عن تشخيص الداء ومنهج الدواء، متواضعا في كل تفاصيل حرفه وفكرته ونقده ومقارباته، علم من أعلام القلم التنويري في صحيفة المثقف يعكس روح المسؤولية وأفق الوعي والنشاط الثقافي،ينحت بإتقان لقارئه ماهية المعنى وخبرة التجديد وتجربة النقد في مسار العبور من النظر إلى المسؤوليات المهمة، والقيام بأدوار إنسان الحضارة.

اسأل الله أن ينفع حوارنا القادم مع سعادته، القراء الكرام، كما نفع بمقالاته وجهوده الثقافية، وأن يديمه ذخرا للأمة العربية والاسلامية وبخاصة الشباب منها ويوفقه للمزيد من الفكر المعتبر والرأي المستنير والنقد المختبرخدمة للإنسان والمجتمع في المجال العربي والإسلامي.

نص الحوار:

س1: ا. مراد غريبي: مَن يكون صادق السامرائي المفكر والناقد والأديب؟

ج1: د. صادق السامرائي: شكرا لدعوتكم للحوار ولصحيفة المثقف العزيزة، التي رافقتها منذ إنطلاقتها، وتحياتي للأخ الأستاذ ماجد الغرباوي الذي يبذل جهودا تنويرية متميزة، لتوعية أبناء الأمة وأخذهم إلى فضاءات العصر الرحيب.

صادق السامرائي طبيب مختص بالأمراض النفسية، حاصل على شهادتي البورد العراقي والبورد الأمريكي ، وأظنه الطبيب الوحيد الذي يحمل الشهادتين معا.

وقد كرمته الشبكة العربية للطب النفسي والعلوم النفسية سنة (2010)، التي تضم أطباء النفس العرب والتخصصات النفسية الأخرى، بلقب (الراسخون في العلم)، وهي شهادة تقديرية معنوية ذات قيمة، ونشرت له أكثر من عشرة كتب رقمية تتناول هموم الأمة .

س2: ا. مراد غريبي: من خلال الكتابات التي تنشرها، هناك نظرة مخصوصة للعلوم الإنسانية والإجتماعية ودورها في الإنطلاق الحضاري؟

ج2: د. صادق السامرائي: العلوم الإنسانية والإجتماعية ليست من إختصاصي، وما أكتبه يتناول ظواهر وملاحظات معوّقة لإرادة الأمة في التحقق والنماء، وعندما أسبر أغوارها، تتوارد الأسباب التي تشارك في مؤازرتها وترسيخها، ولهذا يكون الإقتراب من زوايا متنوعة، وفقا للمعارف المتواجدة في أرشيف ذاكرتي.

س3: ا. مراد غريبي: دراساتك تنطلق من المجتمع نحو الآفاق النفسية والسيسيولوجية والتأريخية؟

ج3: د. صادق السامرائي: المجتمع كينونة نفسية في وعاء بيئي فوق مواقد ذات ديناميكيات إجتماعية متوالدة، ومؤثرات تأريخية متوطنة فيه وفاعلة في برمجة العقل الجمعي، فلكي نكتب عنه، يتوجب الإحاطة بما يعتريه ويكون فيه من الآليات والتفاعلات السلوكية، وفقا لمعادلاتها وعناصرها الداخلة فيها.

س4: ا. مراد غريبي: ما علاقة علم النفس المعاصر بشتى أنساقه في شخصيتك كمفكر وأديب ومثقف حر؟

ج4: د. صادق السامرائي: أرجو أن تسمح بإغتنام الفرصة لتوضيح إشكالية شائعة تتلخص في الخلط بين الطب النفسي والعلوم النفسية، الطبيب النفسي يجب أن يكون طبيبا أولا وبعدها يتخصص بالأمراض النفسية، ومختص العلوم النفسية، يدرس علم النفس ونظرياته أكاديميا وتطبيقيا أحيانا للتعرف على السلوك والشخصية، وأقدِّر المختصين بالعلوم النفسية وأتمنى لهم المساهمة الأكبر في تنوير الأجيال.

ففريقي العلاجي – على سبيل المثال – يضم مختصا بالعلوم النفسية والإجتماعية والدوائية والعلاجية الأخرى .

وقد درستُ العلوم النفسية وتعرفتُ على نظرياتها البارزة والمؤثرة، كما قرأت في مرحلة الإعدادية وبإمعان ترجمات الأستاذ (جورج طرابيشي) الرائعة لكتابات فرويد، ولازلت أقرأ وبتواصل يومي مستجدات العلوم النفسية،  وربما يكون لها تأثير على رؤيتي وإقترابي من الظواهر التي أتناولها، لكني أفصل بين الإختصاص والكتابة، لأن نشاط الكتابة بدأ مبكرا ومارسته قبل الإختصاص بسنوات طويلة.

فشخصيتي كطبيب غيرها عندما أكتب، ومن الصعب الخلط بين الحالتين، الطب قد يرفد الكتابة بمعطيات إنسانية ويعمّق الوعي ودلالات الكلمة.

س5: ا. مراد غريبي:  هل ما نلاحظه في حضور العلوم الإنسانية والإجتماعية وفلسفة التأريخ والأدب والببلوغرافيا والفنون وتأريخ العلوم السياسية والقانون وسير العلماء والفلاسفة والأدباء هو صحيح أم يجب أن نعدله؟

ج5: د. صادق السامرائي: الحاضر يجب أن يكون فاعلا ومتفاعلا، فهل هي كذلك؟

هناك قاسم مشترك عجيب في ما ذكرته، خلاصته التخندق في "لماذا"، وقد كتبتُ عددا من المقالات بهذا الشأن، فالإنصفاد في "لماذا"، يمنح راحة البال والوهم بأنهم وضعوا الإصبع على الجرح، وكفى، فياليتهم يشخصون ولا يعالجون، لكنهم يزيدون الجرح نزيفا، وهذا حال الأمة منذ منتصف القرن التاسع عشر.

هل أوجدوا حلا لمشكلة واحدة، أم أنهم عضّلوا مشاكلها من أولها إلى آخرها؟!!

فعلى سبيل المثال – درست الفلسفة مبكرا وأتواصل بقراءاتي الفلسفية، ويدهشني كثرة الفلاسفة العرب وغياب القدرة على صناعة الرؤية الحضارية المعاصرة، وأكثرهم ينتهي إلى تعليل الأشياء بأسباب نفسية، ولهذا إقترحت قبل وباء كورونا عقد مؤتمر يضم الفلاسفة وأطباء النفس والمختصون بالعلوم النفسية، لمد الجسور الفكرية والتفاعلية اللازمة لبناء رؤية صالحة للحاضر والمستقبل.

والقاسم المشترك الآخر، هو العجز عن التفاعل مع الواقع بديناميكيات معاصرة، تساهم في إنبثاق الطاقات الكامنة، وتأهيلها لصياغة الصيرورات اللائقة بجوهر الأمة، ومخزونها الإبداعي الحضاري الإنساني.

أما التعديل المطلوب فهو أن نستوعب إرادة "كيف"، فسؤال "كيف نتقدم" لايزال غائبا، ويخشى منه الذين تفضلت بذكرهم، ويتلذذون بالإجابة على سؤال: "لماذا تأخرنا"، فهذا هو شغلهم الشاغل، والجواب ضمير مستتر تقديره ما يشاؤونه من الإستنتاجات العبثية الخالية من إرادة الحياة!!

س6: ا. مراد غريبي: هل أن المثقف الحر هو الذي يفرض نمط التفكير والنقد والمساءلة أم أن النفساني هو مّن يحاول إسقاط نظريات العلم المعاصرة على إخفاقات الواقع وإنتكاسات التأريخ وهواجس المستقبل؟

ج6: د. صادق السامرائي: لابد من توضيح المسميات، لأن الأمة تعيش في محنة المصطلحات التي تشوش وعيها، وتزعزع كيانها.

ما هو المثقف الحر: هو الغير مرتبط بأية جهة مهما كان نوعها، ورسالته الحقيقة ، ولا يخشى فيها لومة لائم، أي أن يكون جريئا في إعمال عقله.

نمط التفكير: قالب التفكير وشكله، والنمطية متوارثة وفاعلة بسلبية مروعة في مجتمعاتنا.

النقد: أن تقيّم الحالة بعيون المنهجية الموضوعية والصدق بعيدا عن المديح والمجاملات ؟

المساءلة: مفردة أقرب للقانون منها للفكر والأدب، والمعنى هنا التساؤل أو طرح الأسئلة.

النفساني: المهتم بالعلوم النفسية.

فالمثقف الحر يتناول الحالة ويشرحها بأدواته التي يجيد إستعمالها، ويخلص إلى نتائج وفقا لما لديه من معلومات ومهارات، وعلى العقول الأخرى أن تستخلص منها ما تراه مناسبا، أو غير ذلك.

وبخصوص النقد فأنه روح الإبداع لكنه غائب أو جامد، وخامد في طيات اللامبالاة.

أما الإسقاط فيشير إلى حالتين، الأولى كآلية دفاعية أولية بدائية ترفع رايات "هوَّ"، والثانية كسلوك مهيمن على المفكرين وخصوصا الذين درسوا في الجامعات الأجنبية، فيأتون بنظريات الآخرين ويطبقونها على مجتمعاتنا، بغض النظر عن منابعها وحيثياتها، ويحسبونها صحيحة، وبموجبها يتناولون حالات ما وجدت لأجلها.

والأمثلة عديدة كما في علم الإجتماع وغيره، فتراهم يبررون السلوكيات بنظريات أجنبية، وما إستطاعوا إبتكار نظرية ذات قيمة ودور في ترميم خرائب الحياة الإجتماعية العربية.

بل يميلون إلى التفسير، ويحسبون ما هو قائم تحصيل حاصل، وكفى الله المؤمنين شر القتال، ويؤكدون على أن هذا واجبهم وحسب.

أما النفساني فهو الذي عليه أن يجتهد للتعبير عن " إعرف نفسك"، والمختصون في العلوم النفسية يحاولون ذلك، لكنهم لم يتوصلوا إلى رؤية ذات قيمة إستنهاضية وتنويرية، تصنع تيارا حضاريا متوافقا مع جوهر الأمة، وأظنهم سيمسكون ببوصلة الإشراق المعرفي الإدراكي مستقبلا، وسيشحذون طاقات الأمة بالهمم الواثقة بذاتها وموضوعها، وسينشرون علم النفس الإيجابي، فالوعي النفسي ضرورة ديمقراطية معاصرة.2875 مراد وصادق

س7: ا. مراد غريبي: هل أن الأنثروبولوجيا الثقافية في خياراتكم كطبيب نفسي السبب لتخصيصكم عدد غير قليل من المقالات المتعلقة أساسا بالظاهرة السلوكية للمجتمعات العربية؟

ج7: د. صادق السامرائي: الأنثروبولوجي: علم الإنسان.

قراءاتي متواصلة ومتنوعة وسريعة ومكثفة، أقرأ في كافة الموضوعات، وأحاول أن أستخلص منها فكرة ومعنى، وكتابي المفضل هو الإنسان، فكل إنسان يبدو ككتاب علي أن أعرف أبجدياته، وأجيد قراءة ما مكتوب فيه!!

وهذه الفكرة راودتني منذ كنت طالبا في الكلية الطبية، وتعمقت وتطورت بعد أن تخصصت بالطب النفسي، فتجدني أتصفح الكتب البشرية وأتمتع بتأمل صفحاتها، والإنتهال من معينها الحيوي الفياض.

وهذه الرؤية إنتقلت إلى المجتمع، فأخذت أقرأه ككتاب متجدد الطبعات أحاول أن أفك رموز ما فيه.

س8: ا. مراد غريبي:  من خلال إثرائكم للحقل الثقافي عبر ملاحقة إرهاصات الواقع . لماذا برأيكم، السياسي هو من يوجه المشاغل العلمية ، وليس الإشتغال المعرفي على الواقع بحرية وتثوير علمي؟

ج8: د. صادق السامرائي:  دوما يطاردني سؤال: هل عندنا سياسة، وهل لدينا ساسة؟!!

ولا أدري لماذا يكون الجواب بالنفي، فيلغي الكتابة عمّا غير موجود!!

وإذا إفترضنا العكس، فالسياسي الجاهل يريد عقلا عاطلا، والسياسي العالم يريد عقلا فاعلا، والمثل في تأريخنا الخليفة المأمون، كان عالما فإزدهرت في عصره العلوم وتنوَّرت العقول وفعلت وتفاعلت.

في مجتمعاتنا المرهونة بالكرسي القابض على مصير المواطنين، النشاط يجب أن يخدمه، وإلا سيمحقه!!

وكل ذي عقل منكوب، والمحابي الخانع التابع مرغوب ومطلوب، والجهل وسيلة للإستمرار بالحكم، وتأمين السلطة وإستلاب حقوق الآخرين.

أما العلم فمن أخطر ما يواجه أي سلطان مهما كانت درجته، ولهذا تجد الأمية تتعزز وتتطور، ولا يريد أي مهيمن على عدد من الناس أن يعلمهم ولو مبادئ القراءة والكتابة، ولن تجد في مراكز العبادة بأنواعها نشاط علمي ثقافي ينوّر العقول، لأنه من البدع المحرمات والمآثم والموبقات!!

والحقيقة مجتمعاتنا ليست جاهلة وإنما ترزخ تحت سنابك التجهيل والإستلاب.

وإذا رأينا أن السياسي هو الذي يوجه النشاطات العلمية عندما تخدمه، فلأنه يريد التفاعل مع المجتمع، أما النخب المعرفية فتعيش في صوامع رؤاها وتصوراتها المنقطعة عن الواقع، وتجيد الرهبنة المعرفية، ولا تنقل العلم إلى عمل، ولهذا كلما إزداد عدد العلماء يترنح المجتمع في قيعان الوجيع، فطاقات الأمة العلمية هائلة، وتبحث عن منافذ تؤهلها للتعبير عن إرادتها، ولا تجد مَن يستثمرها في مشاريع نافعة.

س9: ا. مراد غريبي: هناك كلمات متداولة في كتاباتكم المتنوعة وهي ذات مفاهيم مفصلية ؟

ج9: د. صادق السامرائي: الكلمة ذات قيمة ودلالة ومعنى، وتأثير في العقل والنفس والروح، ومن غير المعقول أن تتناول موضوعا، ولا تكون دقيقا في مفرداته لتدل على جوهره وفحواه.

لكل موضوع معجميته، كما لكل قصيدة معجميتها الخاصة بها، والمتصلة بالمعنى والفكرة.

ولكل فكرة دوائر مفردات، وأفلاك عبارات، وما ينقصنا فقدان قدرات التعبير عن الفكرة بالكلمات، لخواء المعجمية الذاتية والجمعية.

فالكلمات التي أستعملها أختارها بدقة، وأحاول أن أجعلها قادرة على حمل المعنى المقصود، وليس من السهل أن تتمكن من هذه المهارة التعبيرية، ولازلتُ أكدح لبلوغها.

ولابد من الإشارة إلى أن محنة النظرية والتطبيق، سببها فقدان قدرات التعبير عن النظرية بكلمات وافية يستوعبها المواطن، ولهذا فشلت نظريات الأحزاب برمتها، فما أن يتكلم قادتها حتى تكتشف خواء مفرداتهم وضعف عباراتهم، على النقيض من قادة الأمة القدماء الذين كانوا يجيدون فنون اللغة والخطابة.

س10: ا. مراد غريبي: ماذا عن فلسفة النص لديكم، ولمن الكتابة، وأيهما اصعب الكتابة أو القراءة في هذا الزمن الإفتراضي؟

ج10: د. صادق السامرائي: هذه أسئلة في سؤال!!

النص يجب أن يلتزم بتقنيات الكتابة، ويكون سهلا واضحا وممتعا فكريا ونفسيا، وليتساءل كاتبه قبل أن يبدأ الكتابة، لماذا يكتب، ولمن يكتب، وهل يستحق ما يكتبه القراءة؟

فالكتابة الإبداعية خدّاعة توهم الكاتب بأنه قدّم أصيلا وفريدا، فتنفخه بمشاعر وأحاسيس كاذبة، فتراه ينطلق بنصه غافلا هفواته، وإن أشرتَ إلى خطل ما تثور ثائرته ويحسبكَ عدواً لدوداً.

بينما المطلوب من المبدع أن يكون ناقدا لنصه، ومحاولا التعلم منه ليتطور ويأتي بما هو أفضل.

والكتابة للقارئ، فإذا عجز الكاتب عن ذلك فمن الأفضل أن لا يكتب، فنسبة مما يُنشر يبدو وكأن الكاتب قد كتب لنفسه!!

القراءة أصعب من الكتابة، لأنها تتصل بعوامل متعددة ومُبرمجة للعقول وفقا لأجندات معينة، فبعض الكتابات المسوَّقة ذات غايات مؤسفة، تحاول تعزيز الركائز السلوكية اللازمة لتحقيق مآرب ما.

وبشيوع المفاهيم الغابرة المدمرة للواقع البشري، أصيبَت القراءة بفاجعة حضارية مروعة.

والكتابة ربما صارت بلا شأن، فالكل يكتب ويرى أنه كاتب، قبل أشهر إتصلت بي طالبة في الثانوية تثني على كتاباتي، وتقول بأنها تكتب فشجعتها وقلت لها عليكِ بالقراءة وممارسة الكتابة اليومية حتى يتمرن قلمكِ ويتطور أسلوبكِ، وإذا بها لا تستحسن نصيحيتي، فهي كاتبة، وربما صدَقتْ وكنتُ من الجاهلين!!

لأننا نعيش فترة إنتقالية ما بين أجيال القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين، بين الورقي والرقمي، وفي عصر السرعة الذي يتطلب القراءة السريعة، وهنا يبرز التحدي الذي تغفله أجيال القرن الماضي، وهو كيف نكتب ما يُقرأ بسرعة؟!!

س11: ا. مراد غريبي:  أين القارئ في معادلة الكاتب والنص؟

ج11: د. صادق السامرائي: كقارئ أتصفح المواقع بين فترة وأخرى، لأقرأ مقالا أو نصا، وأجدني في محنة وحيرة، فلا أعثر إلا على نص واحد أو إثنين، تشدني للقراءة، فأكثرها تطردك من أول عبارة!!

وعندما أتساءل كيف بالقارئ الآخر الذي يريد أن يقرأ، ويحاول التمتع بالقراءة، أكتشف سبب العزوف عن القراءة، وفشل الأقلام في صناعة التيار الثقافي القادر على التغيير.

مَن ينشر قد لا يعنيه القارئ، بل أن النص الذي يكتبه ربما لا يدري ماذا وضع فيه، ما يعرفه أنه أطلق العنان لقلمه ليملأ السطور بالمنثور المهجور، ولأنه حشاها بالكلمات توهم بأنه كتب!!

وبهذه الأساليب يسعى مَن يكتب لإلغاء القارئ!!

س12: ا. مراد غريبي: على أي أسس تبلورت قصة الكتابة لديكم؟

ج12: د. صادق السامرائي:  لا تستغرب إذا قلت، أن الكتابة مَرض، أو سلوك إدماني، أحد الزملاء شكوتُ له هذا المرض فسماه "المرض النبيل"، فأسُسها مَرضية إدمانية بحتة!!

هذا المرض أصابني منذ كنت في الصف الرابع الإبتدائي، عندما طلب المعلم منا أن نكتب موضوعا إنشائيا في دفتر ذي عشرين ورقة، وجئت في درس الإنشاء وقد ملأتُ صفحات الدفتر بقصة طويلة، أي كتبت أربعين صفحة، قرأها، وأعطاني درجة كاملة وما علق بشيئ، إلا أنه أخذ يستدعيني أمام السبورة في حصة الإنشاء، ويطلب مني قراءة ما كتبت!!

وصرتُ أنشر في النشرات المدرسية ، ثم تطور النشاط في المرحلة المتوسطة والإعدادية، وأمضيت زمنا أكتب القصة القصيرة، وبعدها الرواية، ووجدتني مع الشعر الذي أتردد في نشره رغم دراستي المكثفة عنه، وقد أمضيت سنوات أكتبه ولا أنشره، أما الكتابة اليومية فأنها لازمتني منذ ذلك الوقت، ولعدم وجود التوجيه والرعاية، وهيمنة إرادة القهر والممنوع، أصابنا التيهان والضياع، وعندما أسأل نفسي لماذا لا أتوقف عن الكتابة، أتناول القلم وأكتب، كالمدمن على الخمر، وهو يردد وذات نفسه :  

 " دع عنك لومي فإن اللوم إغراء...وداوني بالتي كانت هي الداء"!!

فما أنشره يساوي نسبة ضئيلة مما أكتبه، وتعريفي للكتابة وضع الأفكار في أوعية الكلمات، ولكي تكتب يجب أن تقرأ، وقد نصحني أحد المثقفين الكبار المعروفين منذ البداية بقوله : " إقرأ ثم إقرأ ثم إقرأ ...حتى تمتلئ لكي تكتب"!!

س13: ا. مراد غريبي: هناك مصطلحات وعبارات أساسية ومركزية في مقالات الدكتور صادق السامرائي، أحيانا بإيحاء وأخرى بصراحة، أقصد مسائل "الأهواء المعقلنة"، "الأدمغة الملوثة والمدرعة والمبرمجة"، "العقل المقتول"، " الرؤوس المبرمجة" و"النخبة الرهينة والخيبة " وما هنالك من معجم مصطلحي خاص بالدكتور السامرائي، والذي يعكس قراءات وتحليلات عبر عدة مستويات أساسية ؛ هي العلمي والثقافي، والاجتماعي، والسياسي، والتاريخي، والديني/ الروحي.

ونحسبها مترابطة عندكم، هل من توضيح ما المقصود بأنماط التفكير التي فككتموها في عدة مقالات؟

ج13: د. صادق السامرائي: التصدي للظواهر بأنواعها، ينجم عنه إكتشاف الآليات الفاعلة فيها، ولكل ظاهرة ديناميكية تكوِّنها وتدِيمها وتعززها، والتصدي لها يستوجب الإحاطة بعناصرها المؤدية لترسيخها، والهدف من سبر أغوارها وتقليب صفحاتها، الوصول إلى جوهرها الذي يستدعي التفاعل العلاجي القويم.

فالإبحار في أعماق الظاهرة المساهمة في صناعة الواقع المُعاش، يوصلنا إلى جمع المشتركات في وعاء، يشير إلى أسباب العلة ومستلزمات إستئصالها، فتكون الصورة واضحة، والإقتراب منها أنفع وأكثر إنتاجية، لتحقيق إعادة تركيب مناهج تفكيرنا، وعصرنتها.

ولهذا يكون عنوان المقالة مصطلح توضحه في فقراتها، وتلقي الأضواء على معانيه ومضامينه، وما يشير إليه ويدعو لإتخاذه، وآليات الإقتراب منه.

وكل مُسمى يقود المقالة المكتوبة يشير إلى شكل من أشكال التفكير الفاعلة في مجتمعاتنا، فما يدور ليس نمطا دماغيا واحدا، وإنما عدة أدمغة بلمساتها المستقلة عن غيرها، فطرق التفكير السريعة قليلة، والواقع يزدحم بطرق التفكير الفرعية، وفي هذا يكمن مربط فرس وجودنا، الغير قادر للوصول إلى طرق الدنيا السريعة المتسارعة المتجددة التقنيات، وعلينا أن نوجه طاقاتنا العقلية نحوها.

طرق التفكير السريعة: آليات التفكير الجامعة الواسعة الإستيعاب والكوكبية النظر.

طرق التفكير الفرعية: العمه في الأنفاق المظلمة والزوايا الحادة الخانقة.

س 14: ا. مراد غريبي: ما المقصود بمسألة جدلية الوعي والقوة الحضارية؟

ج14: د. صادق السامرائي: هذا سؤال فلسفي بحت، فدعني أفكك معاني مفرداته.

 الجدل: طريقة في المناقشة والإستدلال، تبادل الحجج بين طرفين دفاعا عن وجهة نظر معينة، أو تبادل وجهات نظر حول قضيتين، ومنه الديالكتيك وما يتصل بهذه المفاهيم من رؤى ومنطلقات تعتمدها الفلسفة.

الوعي: الفهم وسلامة الإدراك، شعور الكائن الحي بما في نفسه وما يحيط به، ونفسيا للوعي مستويات معروفة.

القوة: ضد الضعف، وتعني القدرة، ولها تعريفات فيزيائية، وهي طبيعية وحيوية وعقلية، ومبعث النشاط والحركة.

الحضارة: "الكل المركب الذي يجمع بداخله جميع المعتقدات والقيم، والتقاليد والقوانين والمعلومات والفنون، وأي عادات أو سلوكيات أو إمكانات يمكن أن يحصل عليها فرد ما في مجتمع ما"، وبإختصار هي التمدن، عكس البداوة.

وعليه فالوعي درجات، وتفاعل درجاته المتباينة يساهم بولادة وعي جديد، يحقق تحولات متجددة في الواقع الذي يتأثر به.

ووفقا لذلك فأن الحوارات المتنوعة ضرورية، لتفعيل العقول وإعمالها، للإنتقال بآفاق الوعي الجماهيري إلى مستويات معاصرة ذات قيمة تواكبية أصيلة.

فالمجتمعات المتنافرة أضعف من المتحاورة، فالأخيرة تزداد قوة وإقتدارا، والأولى تتهاوى في معاقل الخسران والهوان.

س 15: ا. مراد غريبي: لديكم تجربة أدبية خاصة وفريدة، هل الشعر والنثر عندكم إبحار في متاهات المسرح الثقافي العربي؟؟

ج 15: د. صادق السامرائي: الكتابة بدأت نثرية وتبين أنها شعرية، فالمقالة قد تتحول إلى قصيدة والعكس صحيح، بل كنت أخلط بين المقالة والقصيدة، فكانت المقالات تمزج بين الشعر والنثر، وبعد أن حاولت المعالجة، وجدتني تحت تأثير هذا البحر أو ذاك دون غيره، وفي بعض النصوص تختلط البحور، وأحيانا أجدني أكتب على إيقاع لا وجود له في علم العروض.

لم أتعلم الشعر لأكتبه، بل إكتشفت صدفة أن ما أكتبه شعر!!

والفكرة هي التي تحدد طبيعة وأسلوب ومفردات المكتوب، فقد تبدو بمقال، قصة، رواية، حكاية، خاطرة، عبارة، أو بيت واحد أو أكثر.

يتملكني بين آونة وأخرى بحر من البحور، حتى أن كلامي مع الآخرين يأتي على أوزانه، بل وخطواتي ربما تتقيد بإيقاعاته، وإذا كتبت قلمي لا يتوقف فتتجاوز القصيدة المئة بيت، وتعلمت مع الزمن أن ألجم جماحه، وأوقفه عند حده، ولهذا معظم القصائد أحاول أن أمنعها من تجاوز الثلاثين بيتا.

أكتب يوميا، وأحيانا في كل يوم قصيدة، وعدد من المقالات، وما أنشره يساوي نسبة ضئيلة مما أكتبه، وهذا ما أعنيه بمرض الكتابة، ولدي أرشيف يزدحم باللامنشور.

والبلية الكبرى عندما تتحول الثقافة إلى عشق، ومتعة روحية وفكرية، ولذة عقلية ذات أحاسيس إشراقية، وإدراكات نورانية ساطعة خلابة في أروقة النفس، وفضاءات الأعماق العلوية.

وإذا سمحتَ لي أن أذكر شيئا عن الشعر، فما كل موزون بشعر، ولا كل منثور كشعر، النص يجب أن يكتسب مواصفات خاصة ترقى به إلى مقام الشعر، ولهذا فالنسبة العظمى مما في دواوين الشعراء، هو نظم، وقليلٌ فيه الشعر، فالنظم سهل، لكن الشعر صعب، ولهذا لا تجد رائعة شعرية ذات قيمة وأثر، إلا فيما ندر.

الشعر الحقيقي المنثور أصعب من الشعر العمودي، لأنه بحاجة لقدرة إدراكية موسوعية لشد أواصر الأفكارببعضها، ضمن إيقاع مؤثر في مشاعر وأحاسيس ومدارك القارئ.

ولكي تكتب شعرا حقيقيا يجب أن تتمكن من تذويب المشاعر والأفكار والمفردات في كيان متجانس بليغ.

س 16: ا. مراد غريبي: ناقشتم إشكالات ومشكلات وسلوكيات وتطلعات وإستشرافات عديدة تتعلق بالديمقراطية، كيف يقرأ الدكتور السامرائي مفهوم الديمقراطية في جل تمثلاته الإنشائية والتطبيقية والازماتية والسلوكية والأخلاقية: غربيا، عربيا - إسلاميا؟

ج 16: د. صادق السامرائي: نشرت على صفحات المثقف منذ بداية إنطلاقها، سلسلة حلقات عن الديمقراطية بعنوان "لسان الديمقراطية"، وعشرات المقالات التي تتناولها من كافة الزوايا، ولا زلت كلما برقت فكرة جديدة متصلة بها أكتبها.

الديمقراطية تتلخص بتوفير البيئة القادرة على إطلاق الطاقات الجماهيرية وإستثمارها لتأمين المصالح الوطنية، ومن ضروراتها الأساسية قوة القانون وهيبة الدستور، فإذا إنتفى الدستور الوطني الصالح للمجتمع، وغاب القانون فلا وجود لها.

وتعني إعلاء قيمة الإنسان وإحترام حقوقه، فعندما نعترف بوجود إنسان له حقوقه المصانة، يمكننا الكلام عن الديمقراطية.

البشرية لم تعرف التعبير العملي عن حكم الشعب إلا في التأريخ القريب، وحاولت أن ترتقي إلى جوهر الفكرة في القرن العشرين، فبذلت التضحيات الجسام، ولا تزال المسيرة الديمقراطية في الدنيا ليست على ما يرام.

وهي بحاجة إلى بنية تحتية، نفسية، سلوكية، فكرية، ثقافية، روحية، وطنية، زراعية، عمرانية، صناعية، صحية، وإبتكارية وغيرها، تؤهل المواطن للتعبير عن قدراته، وإحساسه بقيمته ودوره في بناء الحياة الحرة الكريمة.

س 17: ا. مراد غريبي: أكثر ظاهرة شدتني في تحليلكم لها كونها ترتبط بالإنسان والدين والثقافة والدولة والمقدس والمدنس، هي ظاهرة التطرف الإنساني والديني، كيف تتكون سكرة التطرف بنظركم؟

ج 17: الدكتور صادق السامرائي: التطرف سلوك مُصنّع في مختبرات البرمجة الدماغية، الهادفة لإتلاف الشعوب والمجتمعات وتفتيتها، فأي شخص يمكن تحويله إلى متطرف، بآليات بسيطة ومكررة ترسخ في دماغه ما يُراد له أن يؤديه، فتراه كالدمية المتحركة عن بعد أو قرب، يندفع نحو هدفه بطاقة إنفعالية متأججة، فد تقضي عليه وعلى مَن حوله، وهو في غفلة وسكرة إنفعالية هوجاء، لا تسمح لعقله باليقظة ولو للحظات.

والتطرف له علاقة بطبيعة الدماغ، هذا العضو الذي يمكن تصنيعه وبرمجته ليكون مستعبدا لصاحبه ومهيمنا على وجوده، ويأخذه إلى مبتغاه وهو مذعن خانع كالروبوت. ويمكن أن تستحدث فيه دوائر عُصيبية مترابطة ذات قدرات حركية فائقة، بإقران أي سلوك مرغوب بأجيج عاطفي مصطنع، وبتكراره تهيمن تلك الدائرة العُصيبة المُستحدثة، وتستحوذ على بقية أجزاء الدماغ وتسخره لمنطلقاتها، وما تمليه عليه.

وكل عقيدة أيا كان نوعها، لديها مهاراتها التطرفية، فأصحاب العقائد متطرفون بإنغلاقيتهم وتوهمهم بأنهم العارفون، والقابضون على الحقيقة المطلقة (التي لا يدرون ما هيتها لأنها تكون غيبية دوما)، وبتكاثر ما هو عقائدي يتنامى التطرف، خصوصا عندما يقرن بأحداث دامية وقاسية.

وتلعب الحركات المؤدينة دورها الفتاك في نشر التطرف والإستثمار فيه، لأنه أداتها الأقوى للتعبير عن مشاريع غنائمها، وتبرير ما تقوم به من آثام وخطايا، تحت خيمة المقهورية والمظلومية المسوّقة للنيل من جوهر الحياة.

وهذه الحركات تكون سهلة الإستخدام من قبل الطامعين بالبلدان والمجتمعات، ويمكن إيهامها بتعزيز إرادتها ومراميها.

ومن جانب آخر، فالتطرف ظاهرة قائمة في أي مكان وزمان، ووفقا لمنحنى الإنتشار الطبيعي، فإن نسبة (2.5%) من أي حالة تكون متطرفة بإتجاهين حميد وخبيث.

ولا يخلو مجتمع، حزب، مذهب، دين، أو ما شئت من الحالات البشرية من التطرف، وإذا أخذت (1000) شخص، ستجد (25) منهم متطرفا حميدا ( النوابغ من العقول المبدعة) ويتم ملاحقتهم لمحقهم في بعض المجتمعات المنكوبة، و(25) منهم متطرفا خبيثا (المجرمون وسفاكوا الدماء وأمثالهم)، يتحقق التركيز عليهم والإستثمار فيهم في تلك المجتمعات الخائبة، بتقويتهم وإمدادهم بالسلاح والعتاد، وتعزيز سيطرتهم على مقدرات الحياة.

الوجود في جوهره متطرف، والأرض كينونة متطرفة!!

المشكلة ليست في التطرف وإنما في الإستثمار فيه، فلكي تقضي على أي حالة عليك أن توظف عناصرها المتطرفة الخبيثة لتقوم بدورها الهدام فيها.

والمتطرفون دينيا يتناسب توظيفهم وإستثمارهم مع درجة حرمانهم، وعندما يتذوقون طعم الدنيا فأنهم سيتغيرون، ولا يخربونها للفوز بالآخرة، لأنهم سيكونون أشد حرصا على حياتهم!!

فأطعمهم عسل الدنيا وبعدها تكلم عن التطرف!!

س 18: ا. مراد غريبي: ماذا هناك بين سطوة التخلف والتيه الثقافي عند العرب والمسلمين في فهم الدين والحضارة ؟

ج 18: الدكتور صادق السامرائي: العرب متناحرون لا متخلفون، ويستنزفون طاقاتهم في نشاطات خسرانية وعبثية، ولا تستغرب إذا قلت لا يوجد فهم عربي واضح وجامع للدين، ولو كان الفهم موجودا، لما فعل المسلم العربي بالمسلم العربي ما فعل.

المفروض أن العرب أعرف المسلمين بالإسلام، لكن الواقع يشير إلى أنهم أجهل المسلمين بالإسلام!!

قد يبدو كلاما غريبا، لكن لو سألتَ أي عربي عن بعض معاني الكلمات في القرآن، لغضب وإتهمك بأنك تنتقص من شأنه، ولن يقر لك بعدم معرفته!!

ومصطلح (رجل الدين) لا وجود له في تأريخ الإسلام، إنه مسمى مصطنع لتضليل العامة بأن فلان يعرف بالدين.

ولا يوجد فرد عارف بالدين، لأنك لو دخلت مكتبة تراثية، لأصابك الذهول من كثرة الموسوعات والكتب التي تبحث في شؤون الدين، ولا يمكن لفرد مهما توهمنا أن يلم بمعرفة قليلة حقيقية عن الدين، ولهذا أكثرهم يميلون إلى القول الذي يتصورونه ويختلقونه، وبذلك يفترون على الدين، وبتكرار هذه السلوكيات يتغير معنى الدين.

وتجد يعض ذلك حتى في كتب التفاسير، فالدين صار بحاجة إلى جمهرة علماء تفاعل عقولها في أية مسألة لتستخرج أصوب ما يمكنها من الجواب عليها.

فلا يصح القول بالفرد العارف بالدين، فهذا الزمان قد إنتهى، ففي زمن الفيضان المعرفي والمعلوماتي، تصاغر دور الفرد العارف بكل شيئ، فالدماغ البشري لا يستوعب ذلك، فهو محدود القدرات، وكلما تقدمت المعارف تعددت التخصصات.

أما فيما يخص الحضارة العربية، فأن الشعور بالدونية والتبعية وفقدان القيمة والدور قد ترسخ في الوعي الجمعي، حتى صار العربي ضد ذاته وموضوعه، ومن ألد أعداء هويته.

وقد أسهمت النخب المعرفية في نشر المفردات السلبية والرؤى الإنهزامية، والتصورات الإنكسارية، والمناهج الإنتكاسية، التي أوهمت الأجيال بأنها عاجزة، وعليها أن تستلطف دور العالة على غيرها.

والتجهيل الحضاري يمضي بكثافة هجوميية غير مسبوقة، لإقتلاع جذور الأمة، وإطلاق أجيالها في متاهات اللاجدوى والإبهام.

فالمواطن في مجتمعاتنا لا يعرف مدينته ولا يدرك عمقها الإنساني، وفي أمية مروعة عن دور الأسلاف في وضع المنطلقات الحضارية للبشرية، ويعيش متوهما بأن الآخر هو الأقدر الذي لا يمكنه أن يكون مثله.

فنحن أجهل الأمم بتأريخنا الحقيقي، ويتملكنا التأريخ الوهمي الخيالي الذي لا يُعتبَر منه لأنه سراب رؤى!!

س 19: ا. مراد غريبي: للتاريخ مرويات تحتاج لمساءلة وتحرير من منطق الاستبداد والعاجية والطائفية، كيف يتحقق ذلك برأيكم؟

ج 19: الدكتور صادق السامرائي: فهم التأريخ يعتمد على كيف نقترب منه، بعلمية منهجية أم بحكمية مسبقة، وآراء راسخة تبحث عما يبررها، التأريخ حمّال أوجه، ومعظمه مكتوب في غير أوانه، ويمثل رؤى مَن دوّنه.

الكثير منه كان بضاعة يجني أصحابها منها مالا، بل يعتاشون عليها، فيكتبون بضاعة تُشترى، ولا يطرحون ما هو كاسد أو لا يُشترى.

فنسبة كبيرة من الذين كتبوا التأريخ، حشوه بالأكاذيب والتصورات الخالية من الأدلة، والأرصدة الواقعية، وتنافي الطبع البشري والقدرات الآدمية.

إنهم يخرجون الشخص المكتوب عنه من بشريته، ويرفعونه درجات فوق المخلوقات، ويوهمون الناس بأنه قريب من الإله أو سليله، مثلما فعل إنسان الحضارات القديمة، فلكي تفرض سلطتك على الآخرين لا بد أن تتميز عنهم بإنتسابك لما هو غيبي ومقدس!!

ولهذا فالحاجة ملحة إلى الجرأة في طرح الأسئلة وتقييم المدوَّن الوارد إلينا، وفقا للمنهج العلمي والتمحيص العقلي، فهناك قصص ومرويات لا يمكن قبولها عقليا، وأكثرها كالأساطير الخرافية، فتجدنا أمام شخص خائف مرعوب من المحيطين به، ومصيره مرهون بالآخرين، وقد قدموه على أنه صاحب القول الفصل في كل أمر، والملهم الذي تنحني له الرقاب، وما هو كذلك على الإطلاق، ومَن يطلع على ما وردنا في كتب التأريخ، يستغرب من قبول المنقول، وعدم تنقيته من الأضاليل والإفتراءات والتخيلات التجارية، شعرا ونثرا.

س 20: ا. مراد غريبي: قراءتكم لمفهوم الإسلام ذات عمق ابستيمي، بحيث لكم مقاربات من خلال ثنائيات مفاهيمية للإسلام، تعكس رؤية إنسانية مختلفة عن رؤى العديد من المفكرين، هل الإسلام رهينة فهم رجعي أو سطو فقهي أم مشكلة ثقافة؟؟؟

ج 20: الدكتور صادق السامرائي: ابستيمي: (المعرفة والعلم).

الإسلام دين ربما يكون مجهولا في بعض مجتمعاتنا، والسائد دين مصطنع ومستورد يُسمى جزافا إسلام!!

فما يشير إلى معنى الإسلام كسلوك أصبح نادرا؟!

لقد تم إختصار الدين بتأدية الفروض وحسب، أما الدين العمل والمعاملة، فأشبه بالخيال.

ولهذا تجد المسلم عدو المسلم في كثير من الأحيان، مما جعل الآخر يرى، لكي تقضي على المسلمين زوّدهم بالسلاح، فأنهم سيتنافسون على قتل بعضهم البعض!!

فالإسلام ما عاد دينا واحدا، بل أديانا متنافرة لها مسمياتها، وكل منها يدّعي أنه الإسلام الصحيح، وغيره زنديق وكافر وعدو الإسلام، وبقتله يتقرب القاتل إلى ربه ويدخل جنات نعيمه الغناء.

الدين بتفرعاته أضحى بضاعة تجارية لها تجارها ومسوقيها وأسواقها، ويزداد ترويج بضاعته بتنامي التجهيل، فتجار الدين يرون أنهم يعرفون، والذين حولهم من الجاهلين، فعليهم بالسمع والطاعة، وبهذا يصنعون مجتمعات التبعية والخنوع، ويصادرون العقل، ويمنعونه من العمل، فالسؤال حرام، والتفكير من الخطايا والآثام.

س21: ا. مراد غريبي: هناك البراغماتية والأخلاق، كانط يطرح فهم مثالي للأخلاق بعيدا عن المنفعة، هذا عند فيلسوف الأخلاق، ماذا عن نظرة الأديان حول الأخلاق وتحديدا الأخلاق بين الإسلام والمسلمين؟؟

ج21: الدكتور صادق السامرائي:

البراغماتية: (النفعية، المصلحية \ أو معيار الأفكار الناجحة بقيمة نتائجها العملية)

طرحتُ عدة مفاهيم بهذا الخصوص في مقالات منشورة ومنها الدين المصلحة، فالتأريخ يحدثنا عن المعنى الحقيقي للدين، الذي يترجمه سلوك البشر عبر الأجيال المتعاقبة.

والإرتقاء إلى مرتبة القيم والخلاق والوعي الروحي والفكري والإنساني، يحتاج إلى كدح ومكابدة على عدة مستويات، لا يتمكن منها إلا القليل من الناس، ويأتي في مقدمتهم الأنبياء والأولياء والصالحون، الذين يبرهنون بسلوكهم المتواصل عن جوهرهم المتحرر من جذب التراب، وإنتصارهم على أمّارة السوء التي فيهم.

ما يدور في واقعنا، أن الدين تحول إلى مطية لتأمين مصالح فردية وجماعية وفئوية وطائفية، فالسلوك لا يعبّر عن الدين، وإنما عن الغايات والمرامي المبرقعة بدين.

فأين الدين فيما يجري في بعض المجتمعات التي جثمت على صدرها أحزاب الدين؟

الدين إرادة نابعة من الذات الفردية، فالذي لا توجد عنده تلك الطاقة اللازمة للتفاعل الأكمل مع الدين، لن تقدر ان تفرض عليه الدين، ومن هنا جاءت " لا إكراه في الدين".

أما عندما تكون بوصلة المصلحة هي الفاعلة، فلا تتحدث عن الدين، بل عن فقه الجماعة المتمترسة في خنادق رؤاها وتصوراتها القاضية بإستعبادها للآخرين.

الأمة لا يمكنها أن تلتقي بجوهرها الحضاري، إذا بقيت مرهونة بالدين كمطية لتأمين مصالح الكراسي وفقهائها المضللين.

س22: ا. مراد غريبي: في سياق هذا الواقع العربي المهترئ، حيث تبدّلت المفاهيم والقيم، نختم بالتساؤل التالي: كيف نستعيد حيويتنا من جديد، أستاذي وصديقي المفكر د. صادق السامرائي ؟

ج 22: د. صادق السامرائي: الواقع العربي ليس مهترئا (باليا)، فهذه توصيفات سلبية يُراد لها أن تنتشر وتترسخ في الأذهان، وتتسيد على الوعي الجمعي.

الواقع العربي يمر بمرحلة وضعته عاريا أمام نفسه، وفيه أجيال وافدة صاعدة ذات مستويات معرفية وإدراكية معاصرة، أخذت تشق دروبها وتبني أسس إنطلاقها نحو غدٍ يليق بها.

ما يحصل في واقع الأمة، حصل في مجتمعات الدنيا قبلها، وأقرب مثل، دول أوربا، التي خاضت إنهيارات شاملة على جميع المستويات، وإنبثقت أقوى وأقدر.

وكذلك الأمة ستكون أقوى وذات إرادة حضارية معاصرة تدعو للإفتخار، وإن ذلك لقريب ولا يكلفها إلا جيلين أو أكثر.

فالأمة أكثر تقدما مما كانت عليه فبل بضعة عقود، وهذه العواصف ستزول بعد أن تلد الطاقات الكفيلة بصناعة إرادتها المعبرة عنها، فعلينا أن نتحرر من المفاهيم السلبية ونتمسك بالإيجابية.

فهل يجوز وصف دول أوربا - في النصف الأول من القرن العشرين - بالمهترئة؟!!

وعن إستعادة الأمة لحيويتها، فهي حية ونشطة، وأبناؤها في غير مواطنهم يشاركون الدنيا بمسيرتها الإبداعية على كافة الأصعدة.

والتحدي الأكبر أن الأمة تتحسس من العلم وتنكره، والعديد من القابضين على مصيرها بإسم الدين، يعتبرون العلم بدعة سيئة، لأنه يزعزع مكانتهم ويحرمهم من غنائمهم.

فيحسبون البشر أرقاما، وهم الأصفياء الصالحون الأنقياء المدّعون بدين.

والعجيب كلما زاد عددهم في المجتمع، تنامى الفساد وإنحطت القيم والأخلاق، ويبدو أن ذلك من مشاريعهم التي تريدها نوازعهم المطمورة الفاعلة في دنياهم الخفية.

وإلا كيف تفسر بزيادة أدعياء الدين يتنامى الفساد والخراب والدمار والأمية؟!

المنهج العلمي ما ينقصنا وغيابه يدمرنا.

الدول العربية تصرف نسبة كبيرة من عائدات النفط على السلاح والحركات التي ترفع رايات الدين وفقا لرؤاها، وتتردد في الإنفاق على البحث العلمي، وميزانياتها هي الأقل بين دول العالم، فماذا نتوقعها أن تجني من هذا السلوك الخائب المرير!!

ومعظم المفكرين العرب لا يركزون على البحث العلمي ومناهج العلم، ويمعنون بنبش الغابرات وتعليل الآتيات بالماضيات، ويتحركون في دائرة مفرغة لا منافذ فيها، ولا مخارج لحياة وأمل بمستقبل مجيد.

وختاما شكرا على هذا التفاعل المعرفي الجريئ المقدام، الذي علينا أن نكرره لنزعزع أركان الركود والجمود والخمول، القابض على أنفاس أمة ذات قدرات فياضة بالأصيل المعاصر الفريد.

فأمتنا حية، ومنها علينا أن نستمد إرادة الحياة، وطاقات الصيرورة والتكوّن الخلاّق، وستعيد ترتيب آليات وجودها، وستنتصر على أزماتها، وستخرح منها بعافية وصحة جيدة.

تحية لكم ولصحيفة المثقف التنويرية الغراء.

د-صادق السامرائي

إنتهى

 

 

 

2760 وطفة ومرادخاص بالمثقف: الحلقة الأخيرة من مرايا فكرية مع المفكر والأكاديمي الدكتور علي أسعد وطفة، وحوار شامل  أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول التربية وعلوم الاجتماع، فأهلا وسهلا بهما:


 س12: ا. مراد غريبي: ماذا عن مفهوم الثقافة والجدليات المتنوعة حوله في مجال الغرب ولدى العرب والمسلمين خاصة؟

ج12: د. علي أسعد وطفة: عندما نتحدث عن الثقافة فنحن نتحدث عن الحياة الإنسانية في أوسع معانيها ودلالاتها ويشمل هذا المفهوم مختلف الصيغ الواعية والمحتملة لعلاقة الإنسان بالإنسان وعلاقة الإنسان بالطبيعية والكون. وهذا يعني أن مفهوم الثقافة مفهوم كوني شامل يشتمل في ذاته على كل أنماط التفكير والسلوك والتفاعل بين بني الإنسان وبينهم وبين الكون الذي يحتضنهم. وما أريد قوله إن مفهوم الثقافة مفهوم شائك شديد التعقيد يمتلك تضاريس معقدة وهضاب متكسرة وأعماق سحيقة يصعب ضبطها والسيطرة عليها ذهنيا ومعرفيا.

وإذا كان مفهوم الثقافة يغطي مختلف مناشط الحياة والوجود فمن الصعب حقيقة أن نقدم تعريفا جامعا مانعا للثقافة. فالثقافة مضاف يرتهن بما يضاف إليه، كأن نقول: الثقافة الدينية، الثقافة السياسية، الثقافة التربوية، الثقافة الحضرية، ثقافة الريف، ثقافة المدينة، ثقافة العامة، ثقافة الخاص، الثقافة الأخلاقية، الثقافة البيئية... الخ. هذا وتبين الأعمال الواسعة في مجال الأنتروبولوجيا البنائية إلى أي درجة يتسم مفهوم الثقافة culture بالتنوع والتعقيد، فالمجتمعات الإنسانية تتنوع بتنوع ثقافاتها، ويعبر هذا التعدد الثقافي عن وجوه متعددة للحياة الإنسانية حيث يرتبط تعددها بتعدد اللغات والعقائد والأديان والأخلاق والقيم الإنسانية.

ويعد مفهوم الثقافة Culture من أكثر المفاهيم تداولاً وشيوعاً، ومن أكثرها غموضاً وتعقيداً. وهو المفهوم الذي أعيا جهود الباحثين الذين حاولوا تعريفه وتحديد ملامحه. لقد وقع كلكهون Kluckhon على مئة وستين تعريفاً للثقافة، وذلك منذ عدة عقود. ولفظة ثقافة Culture قديمة في اللغة الفرنسية؛ إذ ظهرت في القرن الثاني عشر، للدلالة على فعل العبادة، وبدأت تشير إلى فعل حراثة أرض وزراعتها في القرن السادس عشر.

ولكن هذه الكلمة بدأت تأخذ أبعاداً اجتماعية، وتكتسب مضامين ثقافية، منذ بداية القرن الثامن عشر. ويعد تعريف تايلور Tylor للثقافة، في كتابه الثقافة البدائية Culture primitive عام 1874، من أكثر تعاريف الثقافة شيوعاً وتواتراً في أدبيات الثقافة المعاصرة، وقوام ذلك التعريف أن الثقافة: " كل يشتمل على المعارف والعقائد والفنون والأخلاق والقوانين والعادات والتقاليد والاتجاهات والاستعدادات التي يكتسبها الفرد بوصفه عضواً في الجماعة». ويجمع الباحثون على أن التعريف الذي قدمه تايلور يشتمل على عنصري البساطة والشمولية. وتظهر هذه البساطة وتلك الشمولية عند كيلباتريك Kilbatrik الذي يعرّف الثقافة بأنها: «كل ما صنعته يد الإنسان وعقله من أشياء ومظاهر في البيئة الاجتماعية ".

ويشكل هذا المفهوم محورا للتناظر الأيديولوجي في الثقافة الغربية ويتمثل ذلك في نسق من التعريفات الأخلاقية والرمزية والأنثروبولوجية، وتعبر هذه التعريفات عن توجهات فكرية وفلسفية وأيديولوجية متنوعة بتنوع التيارات الفكرية التي نعرفها في الغرب. ودعنا نستعرض بعضا من التعريفات الكلاسيكية المهمة في الثقافة الغربية. ويمكن القول إن تعريف كانط يعدّ من أبرز التعريفات الإنسانية، حيث يعرفها: “أنها مجموعة من الغايات الكبرى التي يمكن للإنسان تحقيقها بصورة حرة وتلقائية، انطلاقاً من طبيعته العقلانية، وبهذا تكون الثقافة في نظر كانط أعلى ما يمكن للطبيعة أن ترقى إليه".

ولقد شكّلت نماذج التعريفات الشمولية الواسعة ينبوعاً للتعريفات التي تميل إلى الدقة والتخصص، وتنزع إلى التركيز على جوانب بنائية، أو وظيفية أو نفسية في مفهوم الثقافة الواسع. ومن هذه التعريفات يبرز تعريف كلكهون C. Klukhohn الذي يركز على الجانب السلوكي في الثقافة؛ إذ يعرفها بأنها: "طرق الحياة المختلفة التي توصل إليها الإنسان عبر تاريخه الطويل، والتي تشكّل وسائل إرشاد موجهة لسلوك الأفراد الإنسانيين في المجتمع".

وتبرز القيمة التخصصية لتعريف كلكهون في إبراز جوانب معقدة في تعريفه للثقافة، حيث يؤكد على الجوانب الصريحة أو الضمنية في الثقافة، وعلى أنها أسلوب حياة، كما يعطي أهمية للجانب التعليمي والإرشادي في بنية الثقافة.

ويتصدر تعريف لنتون Ralph Linton التعريفات المهمة للثقافة، وهو الذي يعرّف الثقافة بأنها «ذلك التشكيل أو الصيغة من السلوك المكتسب ونتائجه، حيث يتقاسم أفراد المجتمع عناصره المكونة ويتناقلونها في إطار مجتمع محدد «فالثقافة في تعريف لنتون ليست مجموعة من المعارف فحسب، بل تشتمل على القيم وطرق الحياة، والتفكير الخاص بأفراد المجتمع كافة.

وتؤكد بعض محاولات تعريف الثقافة على القيمة الرمزية للثقافة، ومن هذه التعريفات تعريف وسلزنك (1964) الذي يقول: إن الثقافة «هي كل شيء يتم إنتاجه عن طريق الخبرة الرمزية المشتركة وله القدرة على مساندتها» ويركز هذا التعريف، كما هو واضح، على أهمية الجانب الرمزي في الثقافة وخاصة اللغة وإشارات الرمزية، التي ينفرد بها الإنسان مقارنة بالكائنات الحية أخرى. ولا بد لنا من أجل تحديد مفهوم الثقافة أن نستطلع الحدود المتداخلة لهذا المفهوم مع بعض المفاهيم الأخرى كالحضارة، والطبيعة، والمجتمع.

ومما لا شك فيه أن مفهوم الثقافة يشكل مجالا حيويا للتداول الفكري والتناظر المستمر بين المفكرين منذ عهود طويلة حتى اليوم ، وفي كل مرحلة يأخذ مفهوم الثقافة تشكلات وصيغا جديدة حيث تدور المناظرات اليوم حول مفهوم الثقافة فيما بعد الحداثة وما بعد العولمة ، وهذا كله يؤكد أن مفهوم الثقافة مفهوم متحرك دينامي مستمر في النمو والتطور مع تطور المجتمعات الإنسانية . ولا يمكن  القبض على ناصيته هذا المفهوم إلا جزئيا ضمن أحد مربعاته اللامتناهية التي تتقاطع مع تقاطع الزمان والمكان والأحداث التاريخية. وباختصار أقول: إن الثقافة هي وضعية من التفاعل العميق بين الوعي الإنساني والسلوك وبعبارة أدق هي محاولة الإنسان في التكيف مع العالم الذي يوجد فيه بكل الوسائل والإمكانيات المتاحة له بوصفه فردا أو جماعة.

وفيما يتعلق بالشق الثاني من السؤال المتمثل في جدل الثقافة عند العرب والمسلمين نقول: إن مفهوم الثقافة بصيغته الأنثروبولوجية مفهوم غربي وهو مفهوم غربي حديث كما أشرنا ولد في القرن الثاني عشر ثم اتخذ هيئته في القرن التاسع عشر. وضمن هذه الصيغة نقول بأنه إذا كان مفهوم الثقافة حديثا نسبيا في الفكر الغربي،  فإن هذا المفهوم حديث جدا في الحالة العربية الإسلامية. فالمفهوم الأنثروبولوجي لم يعرف أبدا في الفكر العربي الإسلامي. وهذا يعني أن مفهوم الثقافة في العربية هو ترجمة لكلمة الثقافة باللغة الفرنسية أو الإنكليزية.

وقد عرف العرب كلمة الثقافة كلفظة أصيلة عريقة في اللغة العربية وتعني صقل النفس والمنطق والفطانة، وجاء في القاموس المحيط عن الثقافة: ثقف ثقفا وثقافة، صار حاذقا خفيفا فطنا، وثقفه تثقيفا سواه، وهي تعني تثقيف الرمح، أي تسويته وتقويمه. واستعملت الثقافة في العصر الحديث للدلالة على الرقي الفكري والأدبي والاجتماعي للأفراد والجماعات. وأصل كلمة الثقافة في العربية مستمدة من الفعل الثلاثي( ثقف) بضم القاف وكسرها. وتأخذ معانٍ عديدة منها: الفطنة والذكاء والتهذيب وضبط العلم وسرعة التعلم، ويقال قديماً: غلام ثقف أي ذو فطنة، ثابت المعرفة فيما يحتاج إليه، وكانت تستخدم للدلالة عل اسم آلة الثقّافة التي كانت تستخدم لتسوية اعوجاج الرماح والسيوف قديماً. ويُقال ثقف الشَّيء إذا حذقه، ومنه يُقال هذا رجلٌ ثقف أو امرأةٌ ثقفة.

 فالثقافة في اللغة العربية أساسا هي الحذق والتمكن، وثقف الرمح أي قومّه وسواه، ويستعار بها للبشر فيكون الشخص مهذباً ومتعلماً ومتمكناَ من العلوم والفنون والآداب.

ويقال إن أول من استعمل مصطلح ثقافة ليقابل به لفظة culture في العصر الحديث هو سلامة موسى. وقد بدأ المفكرون العرب لاحقا يستخدمون هذا المفهوم بدلالته الأنتروبولوجية التي عرفناها عند تايلور وغيره من المفكرين الغربيين. وهذا يعني أن مفهوم الثقافة مفهوم غربي المنشأ والهوية وقد استخدم هذا المفهوم لاحقا في ثقافتنا العربية ووظف في تناول مختلف القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وأصبح فيما بعد مفهوما مركزيا من المفاهيم التي توظف في العلوم الإنسانية في المجتمعات الغربية والعربية أيضا.

وإذا كان سؤالكم يوحي بفكرة الطابع الإبداعي للفكر العربي في مجال الثقافة نقول بأن مفهوم الثقافة بقي ضمن أطره الغربية ولا نعرف حتى اليوم بوجود أي نظرية ثقافية عميقة مخصصة للظاهرة الثقافية بوصفها مفهوما في الثقافة العربية، ومما لا شك فيه أن المثقفين العرب قد أسهموا إسهاما كبيرا من خلال المفكرين التنويريين أمثال الجابري وأركون وصادق العظم ولطفي السيد وطه حسين وطيب تيزيني وغيرهم كثير في توظيف هذا المفهوم الغربي توظيفا إبداعيا. وما يمكن قوله أيضا أنه ليس من الضرورة التجديد أو اختراع نظرية جديدة في معانيه فالمفهوم قد استقر أنثروبولوجيا إلى حدّ كبير ولم تعد هناك برأينا ضرورة لتناول المفهوم ضمن مرمى التجديد. فالمفهوم أصبح مركزيا وأساسيا ومعتمدا كأداة للتحليل الثقافي في مختلف الاتجاهات والصيغ الأدبية والعلمية والسوسيولوجية. وقد استفاد المفكرون العرب ووظفوه أروع توظيف في تحليل المظاهر الثقافية للحياة العربية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

س13: ا. مراد غريبي: هل الثقافة بتنوعها بين الشعوب والأمم تعكس صراع هووي أم المأزق خارج مجال الثقافة؟

ج13: د. علي أسعد وطفة: دعنا نبسط الإجابة عن السؤال: الثقافة هي ترجمة لمعتقدات شعب وسلوكه. وبعبارة ابسط هي منظومة السلوك التي يتبناها في تكيفه مع العالم. فالثقافة تصورات وقيم وعادات ومفاهيم وطقوس تساعد الإنسان على التكيف مع ذاته وفي مجتمعه ومع الوسط الطبيعي الذي يعيش فيه. ومما لا شك فيه كما أشرنا في التعريف أن الثقافة ظاهرة متغيرة بتغير الزمان والمكان والأحداث. ولا يمكن التطابق بين ثقافة شخصين أبدا كما أنه لا يمكن التماثل المطلق بين جماعتين في داخل مجموعة بشرية واحدة. وهذا يعني أن الثقافة مبنية على أقصى درجة من التنوع بين الشعوب والبلدان والأمم. وهذا كله يعني أن هذا التنوع الثقافي ضروري وحيوي ومصيري ومستمر في بني الإنسان. وبناء على ذلك نقول بأن الصراع بين الأمم والشعوب ليس صراعا ناجما عن الاختلاف في الهوية بل على خلاف ذلك يمكن لهذا الاختلاف أن يكون مصدرا للتفاعل والتكامل بين الشعوب والأمم. وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالي:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّاخَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚإِنَّأَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ".

وبناء على هذه الرؤية يمكن القول إن الاختلاف في الهوية لا يفسد للود قضية بين الشعوب. وإنما ما نحسبه صراعا "هوويا "(= الصفة للهوية) ناجم عن عوامل أخرى وهي عوامل أيديولوجية داخل بعض الثقافات التي تنمي اتجاهات عدوانية ضد الأمم والشعوب الأخرى مثل النزعات القومية والعرقية والشوفينية وهي إيديولوجيات مرفوضة اليوم ثقافيا والمجتمعات الإنسانية تتبني اليوم ثقافات تسامحية تواصلية إنسانية بصورة مستمرة ودائمة. وهناك عوامل أخرى سياسية واجتماعية واستعمارية وتوسعية تسعى إلى تأجيج مثل هذا الصراع الذي يبدو صراعا "هوياتيا" في مظهره ولكنه صراع أبعد بكثير من أن يكون على الهوية. والسؤال ببساطة ما ضير الإنسان في الاختلاف بين الناس فالاختلاف قانون وسنة طبيعية وفي الأديان سنة إلهية. ولذا حري بنا أن نعزو هذا الصراع إلى عوامل أخرى غير الانتماء والهوية وأن نحيله إلى مصادر عدوانية تنشأ بفعل ميل بعض الأيديولوجيات الممتدة إلى الحضور التوسعي على حساب الشعوب الأخرى.

وكي نكون على درجة أعلى من الموضوعية، نقول إن الإنسان (مجتمعات وأفراد) ميّال بطبيعته إلى السيطرة نزّاع إلى الهيمنة الثقافية، وهذا الأمر نجده حاضرا ربما في كل الممارسات السياسية والاستعمارية حيث يحاول الغازي أن يفرض ثقافته وميوله وتوجهاته على ضحايا غزوه واستعماره. وعلى هذا المبدأ يشتد الصراع الثقافي بين الثقافات في مجال النزوع إلى الامتداد والتوسع والشمول بحثا عن القوة والسيطرة والهيمنة ،  ويتجلى ذلك  الأمر في مختلف مراحل التاريخ ولاسيما التاريخ الاستعماري للشرق والغرب.

 2760 وطفة ومراد

س14: ا. مراد غريبي: كيف يمكننا وعي التنوع الثقافي كمؤشر حضاري وماذا عن الأحاديات الفكرية وأمراء الحقيقة المطلقة؟

ج14: د. علي أسعد وطفة: دائما ما نردد في حياتنا الثقافية قولا مأثورا مفاده الإنسان عدو ما يجهل. وغالبا ما يكمن في طبيعة البشر الخوف من الغرباء. وتلك هي غريزة متأصلة في طبيعية البشر والكائنات الأخرى. فعلى نحو فطري تهرب الحيوانات عندما تشاهد إنسانا ما يمر بجانبها، والطفل الصغير غالبا ما يخشى الغرباء ويتخوف منهم، وغالبا ما نخاف من كل تكوين بشري أو حيواني آخر نجهله. ففيما نجهل قد يكمن الخطر ويسكن التهديد الذي يضع محك الحياة على الخطر. ويبدو أن هذه الغريزة تأخذ بعدا اجتماعيا وإنسانيا. فأغلب الشعوب كانت تتهيب الجماعات الغريبة التي لا تعرفها. وتقوم هذه الفرضية الاجتماعية على منطلق الأمن الاجتماعي القائم على القرابة والتجانس مثل الأقرباء بيولوجيا أو ثقافيا: الأم والأب، أفراد الأسرة والأخوة، الأعمام الأخوال، العائلة الممتدة، جماعة القبيلة، الجماعات الثقافية. فمثل هذه الجماعات يجد فيها الفرد أمنه لأنه ينتمي إليها وتشكل حدود الوطن الرحم الذي يعيش فيه. وعلى خلاف ذلك فإن الأباعد قد يشكلون خطرا لأنه لا توجد روابط أخلاقية ثقافية دموية مع هؤلاء.

 ومن هنا تنبع أهمية وعي التنوع وضرورته حضاريا وثقافيا، وهذا يعني انه عندما يتم التعارف الثقافي بين الشعوب والأمم فإن مثل هذا التعارف يؤدي إلى تقليص مشاعر الخوف والقلق ومن ثم سيؤدي تدرجيا إلى تنمية مشاعر المحبة والإخاء بين الشعوب. ومن هنا تكتسب عملية التفاعل الثقافي بين الأمم والشعوب دورا حضاريا في ترسيخ مشاعر المودة والسلام والتعاون والإخاء الإنساني.

 ومع الأسف فإن تنمية مشاعر الحقد والكراهية والتعصب تنبع من ثقافة التعصب والكراهية التي تنمو في نفوس الضعفاء الذين لا يستطيعون فهم هذا التنوع والتعدد. ومع الأسف هذه الجماعات المتطرفة تنمو اليوم تحت تأثير الثقافات العرقية والعنصرية المتطرفة التي نجد لها جذورا في التاريخ الثقافي للإنسانية. ومع الأسف تطل علينا هذه الجماعات المخيفة بأمراء التوحش الذي يستسيغون سفك الدماء والقضاء على الآخر تحت دواع فكرية منحرفة وضيقة. ومثال هذا التوجه الجماعات النازية والفاشية وجماعات التعصب العرقي والديني التي تقوم على مبدأ الكراهية والعنف ضد الآخر الإنساني. ومع الأسف الشديد تعرضت جماعات كثيرة عبر التاريخ للإبادة العرقية وبصورة مخيفة ومرعبة ومتوحشة كما حدث للهنود الحمر في الأمريكيتين، وهناك جماعات عرقية ودينية كثيرة تعرضت للإبادة من قبل الجماعات المتطرفة والمتوحشة.  ومما لا شك فيه أن هذا السلوك المتوحش يقوم على أفكار وحشية مخيفة تبرر السلوك الهمجي الإبادي للجماعات الأخرى. فعلى سبيل المثال غالبا ما يعتمد المتطرفون الإسلاميون والمسيحيون والهندوس واليهود على نصوص مقدمة تستبيح دماء الآخر وكيانه ووجوده. وما زال العالم الإسلامي عالقا بين أنياب هذه الجماعات التي تنتشر في سوريا والعراق وليبيا مثل داعش والقاعدة والنصرة وغيرها كثير.

ومما لاشك فيه أن أمراء الحقيقة المطلقة قوم يبحثون علن السلطة والقوة والثروة في عالمنا المتوحش وسبيلهم إلى ذلك الفكر المتطرف الهمجي الذي يقوم على الذبح والقتل والإبادة.. ومثل هؤلاء يحملون في رؤوسهم أطنانا من المتفجرات الثقافية قبل أن يقوموا بعمليات القتل والفتك والتطهير ضد الآخر الإنساني. ويحق لنا في هذا السياق أن نبحث في المنشأ الثقافي والفكري ولاسيما في الأرومات التربوية التي أسهمت في تشكيل هذه العقول الهمجية المتطرفة ونقول بالتأكيد إن البيئة الثقافية والتربوية التي احتضنتهم مسؤولة إلى حد كبير عن هذا التوحش والهمجية التي تأصلت في كيانهم وهويتهم الوجودية.

س15: ا. مراد غريبي: بالنسبة لمفهوم الثقافة عربيا وإسلاميا لايزال محل إشكال وغامض نوعا ما، رغم كل محاولات التعريف والضبط المفاهيمي إلا أن غالبيتها كانت ردود أفعال لمطارحات الغربية أو مقاربات لما عرف بتبيئة المفاهيم والمناهج، هل بنظركم مفهوم الثقافة عربيا وإسلاميا لصيق بالتراث الحضاري أو التاريخ الاستعماري؟

ج15: د. علي أسعد وطفة: ومما لا شك فيه أنني تعرضت لهذا الأمر في إجابتي على السؤال الأول إذ بينت بأن مفهوم الثقافة مفهوم غربي في جوهره، وهو مفهوم حديث حتى في الثقافة الغربية نفسها. وقد رأيت أيضا أن هذا المفهوم قد تم ضبطه وتعييره عربيا وأصبح أداة مفاهيمية أساسية وصميمية في الفكر العربي الإسلامي. وهو مفهوم مهم وخطير ولا يمكن الاستغناء عنه في تناول الظواهر الثقافية العربية. وإذا شئنا استخدام عبارة التبيئة الثقافية فمما لا شك فيه أن المفهوم قد فرض نفسه في مختلف العلوم الإنسانية عربيا وعالميا. ولا أعتقد أن المفكرين العرب مطالبين بالعمل على التنظير في المفهوم إلا بقدر ما يقتضيه واقع التطور وذلك في مجال البحث والاستقصاء الفكري في مجال الظواهر المجتمعية العربية. ومما لا شك فيه أن هذا المفهوم قد أصبح صميميا في مختلف العلوم الإنسانية العربية والأجنبية ولا يمكن اليوم بعد هذا التراكم الهائل في توظيفاته الفكرية في عالم الفكر والثقافة العربية أن يكون لها بديل أو نظير. ومن الملفت أيضا أن كلمة ثقافة أصبحت صميمية في نسيج الفكر الثقافي العربي، في صميم العقليات الثقافية العربية، وضمن هذه الرؤية فإن التساؤل عن مشروعية هذا المفهوم أصبح من الماضي.

وفي الشق الثاني من سؤالكم الكريم: هل بنظركم مفهوم الثقافة عربيا وإسلاميا لصيق بالتراث الحضاري أو التاريخ الاستعماري؟ لا نفضل استخدام مفهوم الالتصاق، بل نقول إن مفهوم الثقافة كما ذكرنا حضر فعليا في القرن الثامن عشر وتزامن مع الفترة الاستعمارية. ولكن انتشار المفهوم ربما يعود لعوامل التواصل الثقافي والترجمات عن العلوم الإنسانية. وباختصار نقول أيضا إن المفهوم " الثقافة" هو أداة لتحليل الظواهر الاجتماعية في مختلف التكوينات الاجتماعي بغض النظر عن مآلاته السياسية والاجتماعية وهو ليس أكثر من مفهوم وحاله حال مئات المفاهيم الأداتية التي تستخدم في تحليل الظواهر الاجتماعية والسلوكية في العالم. مفهوم الثقافة مفهوم يقابل السلوك الإنساني وهو مشروع في عملية الاستخدام. وهنا أيضا: أرى بأن إضافة سمات استعمارية أو غير ذلك على المفهوم ليس أمرا موضوعيا ومشروعا. ولكن من جهة أخرى أقول بأن توظيف الدراسات الثقافية في مآلاتها المختلفة قد يحمل دلالات أيديولوجية مختلفة. وهذا يعني بنظرنا أن مفهوم الثقافة ليس أكثر من أداة للفهم للتحليل للدراسة والبحث والتقصي. وهذا يعفينا من توليف منسوجات أيديولوجية حوله. فالخلاف الفكري بين الشرق والغرب قد يكون قائما ونشطا ضمن تيارات فكرية وثقافية متعددة تتمثل في التيارات الأيديولوجية الكبرى، ومهما يكن الأمر فإننا على الصعيد الفكري ما زلنا في حالة قصور ناجمة عن قصور الإبداع الفكري والحضاري وهذا يضعنا خارج سياق الصراع الفكري الندي مع الغرب الذي يبدع فكريا وإنسانيا وتكنولوجيا ونحن في الطرف الآخر من هذا الأمر نستهلك ونعيد الإنتاج ونجتر ونترجم ونصارع كالثور الهائج أحيانا لا يعرف أكثر من الشريط الأحمر الذي يحمله مصارع الثيران. فالصراع إذا كان بين شرق وغرب يجب أن يكون نديا وفي غياب الندية المطلوبة يتحول الصراع إلى تمرد وعصيان أو يتحول إلى تبعية وهيجان ثقافي.

س16: ا. مراد غريبي: هناك محاولات جادة في ربط التنمية بالثقافة وضمن مشروع التنمية الثقافية لكن أليس بمستوى أدق الأولى بحث التربية وعلاقتها بالثقافة، ثم التنمية تحصيل حاصل أم الأمر أعمق من ذلك مرتبط بمناهج الدراسات الإنسانية-الثقافية الفقيرة في عالمنا العربي والإسلامي؟

ج16: د. علي أسعد وطفة: هذا السؤال مركب جدا وينطوي في ذاته على أربعة أسئلة أساسية: وهي علاقة الثقافة بالتربية أولا، ومن ثم علاقة الثقافة بالتنمية ثانيا، ومن ثم علاقة التربية بالتنمية، ورابعا العلاقة الكلية التي تجمع بين التربية والثقافة والتنمية والعلوم الإنسانية. وخامسا وأخيرا يمكن أن ننظر بعد ذلك إلى علاقة الدراسات الإنسانية بالثقافة في منطقتنا العربية.

أولا - دعنا بداية نبحث في علاقة الثقافة بالتربية، ومن الواضح تماما أن العلاقة صميمية وجودية لا ينفصم عراها بينهما.  إذ يوجد بين التربية والثقافة وشائج علاقة فريدة في طبيعة العلاقة بين الظواهر والأشياء، وتأخذ هذه العلاقة طابعاً وجودياً؛ حيث لا تكون الثقافة من غير تربية، ولا تكون التربية من غير ثقافة. فالتربية بمناهجها ومضامينها وتجلياتها ظاهرة ثقافية بالضرورة، ومن ثمّ فإنّ الثقافة لا يمكن أن تكون خارج دائرة التربية من حيث الوظيفة والهوية، فوظيفة الثقافة وظيفة تربوية، كما أن وظيفة التربية وظيفة ثقافية بالدرجة الأولى. ومثل هذه العلاقة تعلن عن نفسها بوضوح في مختلف مداخل العلاقة بين الثقافة والتربية. فالتربية تنقل الثقافة وتحييها، ومن غير التربية تضمحل الثقافة وتتلاشى، وكذلك الحال في الثقافة التي لا تكون إلا بقدرتها على التأثير في الأفراد؛ حيث يأخذ التأثير فيهم طابعاً تربوياً بالطبيعة والضرورة.

وعلى الرغم من هذا التداخل البنيوي والحيوي بين الثقافة والتربية يمكن التمييز بينهما على صورة المؤسسات والتشكيلات؛ فالتربية تُعْرَف بمؤسساتها (أسرة، مدرسة، جامعة، وزارة، جماعة، أقران، وسيلة، إعلام)، والثقافة تُعْرف بتنظيمات القيم والمؤسسات التي تعمل على تنميتها مثل (المتاحف، المكتبات، الوزارات، الفنون، العلوم). ومع أهمية هذا التمايز فإنّ كلاً منهما يؤدي دور الآخر، ولا يستطيع أن ينفصل عنه.

وفي هذا السياق يمكن القول: إن الثقافة أكثر شمولاً من التربية؛ لأن الثقافة تمثل مادة التربية وجوهرها، ومن ثمّ فإنّ الثقافة تشكّل الإطار العام للتربية، حيث تحدد الثقافة العامة للمجتمع أبعادها ووظيفتها ومضمونها. وعلى هذا النحو يمكن القول: إن الثقافة تشكّل إحدى أهم ركائز العملية التربوية وأكثرها أهميةً، ومن ثم فإن النظام الثقافي للمجتمع كان وما يزال يشكّل أحد أبرز أصول العملية التربوية وأكثرها تأثيراً. ومن هنا تأتي أهمية التعريف بالثقافة ومناحيها واتجاهاتها ومضامينها بوصفها نسقاً أصولياً للتربية التي تغتذي من معين الثقافة، وتنهل من ينابيعها. ويترتب على هذه الضرورة الأصولية أن نتأمل في مختلف تجليات الثقافة ومفاهيمها ودلالاتها كي يستقيم لنا فهم الدور الحيوي الذي تؤديه الثقافة في التربية، ودور التربية في تأصيل الثقافة وتوطينها في العقول والنفوس والسلوك الاجتماعي لأفراد المجتمع. ويتضح لنا في هذا السياق أن العلاقة بين الثقافة والتربية ليست علاقة ميكانيكية، بل هي علاقة وجودية تفاعليه قائمة على تبادل التأثير والفعل حيث يؤدي كل منهما دور المنتج الحيوي للآخر في نسق علاقات جدلية متنامية بصورة أزليةً.

ثانيا - وإذا كنا قد وفقنا في البحث عن وشائج العلاقة بين الثقافة والتربية في الشق الأول من السؤال، دعنا الآن ننتقل للشق الثاني وهو العلاقة بين التنمية والثقافة. ونقول هنا إذا كانت العلاقة بين الثقافة والتربية صميمية فإن العلاقة بين التنمية والثقافة علاقة وجودية وخطرة وهذا يؤكد وجود حلقة مفرغة من التأثير بين الثقافة والتنمية والتربية بمعنى التأثير الاندماجي الذي لا يقف عند حدّ ضمن لزوجة يتداخل فيه ما هو تربوي بما هو ثقافي وتنموي. وأيا كان مفهوم التنمية الذي تريده: التنمية البشرية أو التنمية الثقافية أو التنمية الإنسانية أو التنمية على الاستدامة، أو حتى التنمية الاقتصادية وهي مفاهيم متداخلة، ولكل منها حقل خاص به. ومهما يكن الأمر فإن الثقافة هي الفاعل الحقيقي في تحقيق التنمية. فالتنمية سلوك إنساني إزاء الإنسان والطبيعية أو بين الإنسان والوسط الذي يعيش فيه وهذا الوسط يتميز بجناحيه الاجتماعي والثقافي. والسلوك هو حصاد فعل ثقافي محدد. فالسلوك عبارة عن ترجمة عملية للتصورات الذهنية المنبثقة عن ثقافة ما فالفرد في أيّ مجتمع مغمور بتراث ثقافي يتجاوزه وهو التراث الثقافي للحضارة التي ينتمي إليها. وهو من خلال هذا التراث يدرك العالم ويحكم عليه. ومما لا شك فيه أن هذه التصورات هي التي تحكم سلوكنا تجاه البيئة والطبيعية وهذا يعني أن جوهر التنمية الإنسانية والتنمية المستدامة يكمن في الثقافة ومن غير الثقافة التنموية لا يمكن أن نتحدث عن تنمية بدون ثقافة. وهناك اليوم فرع من الثقافة يدور حول الثقافة التنموية وفيها منظومة معقدة من المفاهيم والتصورات التي تتعلق بالعلاقة بين الإنسان والتنمية. وباختصار الثقافة التنموية تمارس دورها في توعية الناس بالأوضاع البيئية التنموية والكيفيات التي يحافظ فيها الإنسان على مبدأ الاستدامة والتنمية الإنسانية.

ثالثا - وضحنا أن العلاقة بين التنمية والثقافة جوهرية وجودية حيوية، وهذا يقودنا من جديد إلى بحث العلاقة بين التربية والتنمية عبر الثقافة التنموية. فالثقافة التنموية لا تتشكل في الفراغ بل تتشكل وتنمو في منبتها التربوي، فالتربية بمؤسساتها المختلفة معنية بإنتاج الثقافة التنموية. ومن هنا فإنه يتوجب على التربية أن تقوم بإنتاج وعي ثقافي تنموي بصورة مستمرة في الأجيال. وقضية العلاقة بين التربية والتنمية مهمة جدا اليوم وتعتمد مختلف البلدان برامج تربوية تنموية مستمرة في المدرسة والمؤسسات التربوية لمواجهة التحديات التنموية المعاصرة.

رابعا – في إطار الرؤية الشمولية للعلاقة بين الثقافة والتنمية والتربية نقول بأن هذه العلاقة علاقة جدلية عميقة الأبعاد، وهي علاقة ديالكتيكية دائرية بين هذه المكونات الثلاثة إذ كل منها يؤثر في الآخر وينتجه. فالتنمية رهن التربية التنموية والثقافة التنموية نتاج للتربية، والتربية قد تكون نتاجا لثقافة تنموية وباختصار التربية يمكنها أن تكون أصلا في إنتاج ثقافة تنموية أو سلوك تنموي.

خامسا وفيما يتعلق بالشطر الأخير من السؤال نقول إن مناهج الدراسات الإنسانية-الثقافية تتميز بضحالتها في عالمنا العربي ولا أستطيع أن أقول في العالم الإسلامي فهناك دول في العالم ألإسلامي تحقق تقدما كبيرا في مجال الإنتاج الفكري الثقافي والتنموي.

أما نحن في العالم العربي فنعاني من حالة ضعف كبير في وتائر البحث العلمي بصورة عامة ونعاني من قصور كبير في مجال التنظير الفكري وهذه الحالة تعبر عن حالة التخلف الشاملة التي تعيشها مجتمعاتنا العربية فنحن لا في العير ولا في النفير كما يقول العرب. فحالة التخلف شاملة عميقة علميا واقتصاديا وسياسيا واجتماعيا. ونحن فوق ذلك كله نعيش خارج ثقافة التنمية وتنمية الثقافة.

س17: ا. مراد غريبي: الحقل الثقافي يعتبر قطب الرحى في المشاريع التغييرية والحضارية للأمم لتأثيره العميق في مسارات وأنساق وآفاق قضايا الوعي والتجديد والإصلاح والتنمية المستدامة، وابسط قراءة أو مقاربة لراهن العرب والمسلمين توحي بحاجة ماسة لتصحيح الثقافة العربية والإسلامية وتنقية مصادرها وضبط مدياتها وتطوير أدواتها أو تجديدها، ترى ماذا عن راهن ثقافتنا ومن أين نبدأ في الإجابة عن إشكاليات الثقافة وحل مشكلاتها المتراكمة منذ قرون كما أقر ذلك المرحوم مالك بن نبي؟

ج17: د. علي أسعد وطفة: المشكلة يا سيدي أننا نعاني من التخلف الثقافي ضمن أنساق التخلف الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وهذا التخلف تقره جميع البحوث والدراسات الجارية في الميدان الثقافي العربي. ونحن أيضا نعاني من غياب مظفر لكل المشاريع التنموية والاقتصادية والاجتماعية. وكما أسلفنا في الشطر الأول من هذا الحوار نحن بلدان تعاني من مطلق الاستبداد والفساد والقهر والتسلط في جميع مظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية. وغني عن البيان أن الثقافة العربية بمعناها الأنثروبولوجي تعيش حالة تخلف ظلامية فالعقل العربي منكوب بالغيبيات والمطلقات والأوهام والأساطير. وثقافتنا بصورة عامة تقع قبل التاريخ وخارجه. لاحظ القيم الطائفية والعنصرية والتسلطية والتعصبية والهستيرية التي تسيطر في مختلف نواحي الثقافة العربية وأقصد بها هنا تحديدا الذهنية العربية أو العقلية العربية.

 والأخطر من ذلك كله أن التخلف الثقافي يمتلك القدرة على الحضور والاستمرار، فهناك قوى سياسية واجتماعية جبارة تعمل وبصورة مستمرة على ترسيخ هذا التخلف من خلال الإعلام والمؤسسات الثقافة الفاعلة في المجتمع. ومما لا شك فيه أن الأنظمة السياسية العربية الحاكمة ترسخ هذا التخلف الثقافي وتسعى إليه لأنه يشكل الأساس الأيديولوجي لاستمرار هذه الأنظمة بالوجود والمحافظة على هيمنتها السياسية. فالوعي الثقافي يشكل قوة هائلة ضد التسلط والاستبداد وهذا ما تخشاه هذه الأنظمة التي تتحالف مع المؤسسات الدينية في إنتاج التخلف الثقافي والاجتماعي في مجتمعاتنا.

والسؤال كيف يتم تصحيح ثقافة التخلف سؤال مفارق للحقيقة! يجب استبداله بسؤال كيف يمكن القضاء على التخلف الثقافي الذي يمثل حالة أصيلة في مجتمعاتنا. ومما لا شك فيه أن التخلف الثقافي أمر موجود في كل المجتمعات والبلدان فهناك تخلف ثقافي في البلدان المتقدمة في بعض شرائح المجتمع. ولكن في الحالة العربية فنحن لا نعاني من التخلف الثقافي بل من ثقافة التخلف وشتان ما بين ثقافة التخلف وتخلف الثقافة. فالتخلف الثقافي يمكن ردمه وتطويره ويمكن هدمه. وهذا يستحيل في ثقافة التخلف لأنه تخلف صميمي وجودي أصيل في الثقافة القائمة، وثقافتنا السائدة في مجتمعاتنا هي مع الأسف ثقافة تخلف، وهنا تكمن المشكلة الكبرى في وضعيتنا الثقافية،  وهذا يعني أن الإصلاح الثقافي غير ممكن ولا يمكن أن يحقق أي تقدم. ولذا فإن ما نحتاجه هو ثورة ثقافية جذرية حاسمة تدمر كل البنى الثقافية القائمة على الوهم والأساطير من أجل ثقافة عقلانية خلاقة قادرة على النهوض بمجتمعاتنا وحضارتنا من جديد.

والسؤال الذي يطرح نفسه كيف السبيل إلى هذه الثورة وهل هي ممكنة؟ نقول إنها ليست مستحيلة وهي رهينة بأوضاع سياسية وتاريخية ممكنة كما حدث يوما في الصين (الثورة الثقافية) وكما حدث في كثير من البلدان التي خرجت من عمق التخلف ونهجت نهجا حضاريا مثل ماليزيا وسنغافورة والنمور الآسيوية. ومع ذلك نقول إنه حتى اليوم لا يوجد في الأفق ما يبشر بمثل هذه الثورة الثقافية المحتملة في أي من البلدان العربية. وما يؤسف له أن التخلف الثقافي والاجتماعي يزداد صلابة وتبلورا وحضورا وكثافة في معظم المجتمعات العربية المعاصرة.

س18: ا. مراد غريبي: بعد الثقافة، لابد من تفكيك ماهية المثقف ودوره ووظائفه، هل عربيا هناك صور للمثقف خاصة أو عضوية كما أراد البعض تبيئته وفق رؤية غرامشي أم لانزال نفتقد المثقف عربيا وإسلاميا؟

ج18: د. علي أسعد وطفة: إذا كنا نفتقر إلى الثقافة الحقيقية وإذا كانت ثقافتنا ثقافة التخلف، فمما لا شك فيه أن مثقفنا سيكون بالضرورة مثقف التخلف وليس المثقف المتخلف ثقافيا. وحال المثقف حال الثقافة،  فالمثقف الذي يعاني من قصور ثقافي يمكن له أن يطور نفسه ويتطور ويطور أدواته الثقافية. ولكن إذا كان المثقف متخلفا وجوديا في جوهره، بمعنى إذا كان التخلف صميميا في البنية الذهنية للمثقف فتلك كارثة. ومع الأسف معظم مثقفينا يعانون من إشكالية المثقف المتخلف بمعنى الحضور الصميمي للتخلف في تشكيله الثقافي.

 وتبين الوقائع والأحداث والسير الثقافية للمثقفين العرب بأن معظمهم يفتقر إلى جوهر الثقافة الحقيقية. وأن ما حصلوه من شهادات وما دبجوه من أعمال مضيئة لم يمكنهم من الخروج من الذات المتخلفة التي تحكم وجودهم وذهنياتهم. لقد برهنت الأحداث الجارية وأخص ما يسمى بالثورات الربيعية العربية أن أغلب المثقفين حتى اللامعين منهم قد انحدروا إلى الدرك الأسفل من العماء الثقافي فانتكسوا وارتدوا إلى الحالة الغريزية للثقافة الطائفية والعنصرية والإقليمية. ومعظم المفكرين الذي تألقوا ماركسيا وليبراليا سقطوا في مستنقع الطائفية والعنصرية في سوريا ولبنان والعراق وليبيا واليمن. وهذا يدل على أن الجوهر الثقافي لهؤلاء المثقفين كان وما زال يعاني من عيب مسجل في الماهية الثقافية وفي الأرومة الفكرية، وكان أغلب ما كتبوه وما سجلوه لم يكن أكثر من تلميع فكري يسقط في أي زوبعة غبار تهب هنا أو هناك. وهنا يجوز القول بأن ليس كل ما يلمع ذهبا. فهناك عدد كبير من أساطين المفكرين العرب السوريين والعراقيين سقطوا واستمروا في السقوط في مستنقعات الوهم والتطرف والدونية والعنصرية والطائفية.

أقولها وأنا ربما على درجة كبيرة من اليقين بأن المثقف العضوي المفكر الحر المفكر الأصيل المرتبط بقضاياه الوطنية والمؤمن برسالته الثقافية غائب وغائب وغائب في ثقافتنا العربية. وأن المثقف العربي إذا جازت عليه تسمية المثقف لا يعدو أن يكون مثقفا هشا سطحيا طائفيا في أعماقه متعصبا في تكوينه بعيدا عن كل شكل من أشكال الأصالة الفكرية، محكوما بالظواهر الخرافية والطائفية والعنصرية والقبلية في أعمق أعماقه وفي أصلب تكويناته . وقد يبدو المثقفون العرب متألقين عندما يكتبون وينظرون ولكن هذا كله لا يمكنه أن يضعهم في خانة المفكرين العضويين وفقا لمفهوم غرامشي أو ماركس. ومما لا شك فيه أن هناك من يتلمس طريقه ويحاول أن يكون فاعلا في الثقافة منفعلا بها متأصلا فيها متأصلة فيه ولكنهم قلة قليلة لا تنفع في معركة الحضارة والتحضر.

والأخطر من ذلك كله هي الظاهرة الانتهازية السياسية لدى المثقف العربي الذي وظف نفسه في عملية تمجيد الأنظمة السياسية الاستبدادية. ففي كل بلد عربي هناك عشرات الألوف من المثقفين الصغار والكبار من إعلاميين ورجال دين وأساتذة جامعات الذين باعوا أنفسهم للشيطان فعقدوا تحالفا وحشيا مع الطغاة وشكلوا لهم حصنا ثقافيا منيعا ينافح عن وجودهم ضامنا استمرارهم واستمرار طغيانهم في الساحة الثقافية والسياسية في العالم العربي. فنحن في عصر المحن ضمن دورة زمنية تراجيدية يغيب فيها العقل وتنتفض فيها الغرائز. يغيب المنطق وتنطلق الانفعالات، فنحن نعيش اليوم في زمن يغيّب فيه العقل، وتدك الثقافة الحقيقية، وتنتشر الفوضى الأخلاقية في زمن أصبح أسفل الأشياء عاليها وأتفه الأمور في قمة التألق والحضور. عصر انطلقت فيه المذهبية المجنونة والطائفية الحمقاء، ولا أحد يستطيع أن يقف في وجه التيار، على خلاف ذلك تقف جموع كبيرة كثيرة من المثقفين المزيفين والمفكرين المزعومين ورجال الإعلام ورجال الثقافة والفكر الذين يؤججون النار ويقذفون كل القيم في جحيم الانحدار الطائفي والتصدع المذهبي.

س19: ا. مراد غريبي: هل بين المثقف والنقد ترابط وتلازم، بحيث كل ناقد مثقف أم لابد من التخصص في مجال النقد الثقافي؟

ج19: د. علي أسعد وطفة: للتعبير عن العلاقة الإيجابية بين "المثقف" وقضايا المجتمع ظهرت مصطلحات كثيرة جدا لكنها تدور جميعها في فلك واحد وحول جوهر واحد يتمثل في اهتمام "المثقف" بقضايا المجتمع ونضاله من أجل إحقاق الحق وتجسيد العدل الإنساني ومناشدة الخير والجمال. ومن هذه الكلمات نجد: "المثقف" العضوي، "المثقف" الملتزم، "المثقف" النقدي، "المثقف" الرسولي، "المثقف" الريادي، "المثقف" الطليعي، "المثقف" الناقد، "المثقف" المشاكس، "المثقف" الوطني، "المثقف" الإنساني. وجميع هذه الكلمات تدل في جوهر الأمر على معنى واحد يتمثل في دور "المثقف" ووظيفته في مواجهة مختلف التحديات والقضايا والمشكلات والأوضاع التي يواجهها المجتمع الذي يعيش فيه. ومن الواضح أن هذه الكلمات الدالة على المثقف النقدي تقف على نقيض الكلمات الدالة على المفكر التأملي أو المفكر العاجي أو المفكر الذي يعيش في عالمه الخاص بعيدا عن الحياة وهمومها ومشاكلها. فالمفكر كما يرى كثير من المفكرين يجب أن يمارس وظيفة اجتماعية في نقد مختلف التحديات والمشكلات التي يواجهها المجتمع. وعلى هذا الأساس يمكن القول إن "المثقف" الذي يدير ظهره للمجتمع لن يكون جديرا بتسمية المثقف الحقيقي، وبالتالي فإن "المثقف" هو ذاك الذي لا يرضى أن يكون شاهدًا على الحدث بل فاعلاً إيجابيا متمرسا في قضاياه وأحداثه، ولا يكون فاعلا إلا عندما يكون أنموذجا للمثقف العضوي حسب توصيف غرامشي، أو أنموذجا للمثقف الشجاع حسب جوليان بندا Julien Benda، أو حتى نموذجا للمثقف الفطين التفكير الواضح الرؤية عند الجابري، والملتزم عن بورديو Pierre Bourdieu، أو مثالا للوعي الشقي حسب هيغل Hugle. وفي مقابل هذه الكلمات التي تعبر عن "المثقف الرسولي النقدي" ظهرت كلمات أخرى للإشارة إلى المثقفين السلبيين ومنهم: مثقف السلطة، وفقهاء السلطان، والمثقف الطائفي، والمثقف التقليدي، والمثقف الأيديولوجي، والمثقف السطحي.

عدد كبير جدا من المفكرين تناولوا قضايا "المثقف" وارتباطه العضوي الملتزم بقضايا المجتمع. ومن أجل الكشف عن طبيعة العلاقة بين "المثقف" والمجتمع أو ما يسمى بالعلاقة الصميمية سنستعرض بعض التيارات الأساسية التي تتمثل في منظور كل من سارتر، وغرامشي، وإدوارد سعيد، والجابري، آملين أن تتضح صوة "المثقف" العضوي الملتزم النقدي المشاكس في مرآة أعمالهم وتصوراتهم النقدية حول دور "المثقف" ووضعية الالتزام الثقافي بقضايا المجتمع وهمومه. وهنا أيضا يجب علينا ألا نغفل أهمية التيارات والاتجاهات الفكرية في هذا الميدان التي لا نستطيع المرور عليها جميعا فهناك محاولات فكرية كثيرة بذلها علماء ومفكرون لا يقلون أهمية، وقد استطاع بعضها أن ينفلت من مركزية الدوران في فلك غرامشي وسارتر وإدوار سعيد.

س20: ا. مراد غريبي: ماذا عن الدين والثقافة؟ وكيف يكون المثقف مزاحما للفقيه في مقاربة دور الدين في الحياة والعكس إسهام الفقيه في المجال الثقافي؟

ج20: د. علي أسعد وطفة: مما لا شك فيه أن العلاقة جوهرية بين الدين والثقافة ويشكل الدين تاريخيا أحد أبرز المعالم الثقافية في العالم القديم والعالم المعاصر. فالأديان تحمل إلى البشر منظومات من المعتقدات المقدسة التي تقدم صيغة وجودية للعلاقة بين الإنسان والميتافيزيقيا بين الإنسان والله وهي في نسق هذه العلاقة استطاعت أن ترسم حدود العلاقة بين الإنسان والإنسان وبين الإنسان والكون الذي يعيش فيه. وهذا يعني أن الثقافة الدينية غالبا ما تكون ثقافة شمولية. وما يميز الثقافة الدينية عن الثقافة المدنية أن الثقافة الدينية تقوم على المطلقات والمقدسات وتقدم لنا الحقيقة كاملة لا انتقاص فيها وتقدم إجابات قطعية نهائية كلية مقدسة عن كل المسائل التي يمكن للإنسان أن يطرحها في مسألة الوجود والعدم، الحياة والموت وكل القضايا الدنيوية والسماوية. ومثل هذا الأمر يؤدي إلى عزلة فكرية للإنسان الذي لا يجد لعقله مكانا في الوجود فكل الأمور واضحة ولا يحتاج للتفكير أبدا في هذا الوجود بل يحتاج إلى العمل والاعتقاد بمقتضيات العقيدة الدينية.

ونلاحظ تاريخيا بأن تاريخ الحضارات القديمة كان محكوما بالثقافات الدينية ،البوذية في الهند، الكونفوشيوسية في الصين، الفرعونية في مصر، الآلهة المتعددة الوثنية في أثينا، المسيحية في أوروبا في العصر الوسيط، الثقافة الإسلامية في البلدان العربية والإسلامية.

وهذه الأديان كانت تسود وتهيمين بصورة مطلقة حتى القرن الثامن عشر في أوروبا التي بدأت بثورتها على التقاليد الدينية الكنسية واستطاعت ثقافة التنوير والحداثة أن تنهض في أوروبا ضمن حركات فكرية جبارة، استطاعت فيما بعد أن تنتصر على التقاليد الكنسية وأن تؤسس لثقافة علمانية مدنية ينفصل فيها الدين عن السياسة وإلى تشكيل ثقافات عقلانية تعتمد على العقل وليس على المطلقات الدينية.

في مجتمعاتنا ما زالت الثقافة الدينية هي التي تهيمن وتسود بكل معطياتها التقليدية، وضمن هذه الوضعية يجد المثقف نفسه متحركا في أفلاك هذه الثقافة ومعطياتها، وهذا يعني أن الثقافة ثقافة دينية والمثقف مثقف ديني أو متدين وثقافته هي رديف للثقافة الدينية إلا فيما ندر. واعتقد أن مثقفنا لا يزاحم الفقهاء بل يدور في فلكهم في الغالب ويؤكد مزاعمهم. ونحن في الأغلب الأعم لا يوجد لدينا مثقفون علمانيون يتبنون الثقافة العقلانية. فأفضل ما يكون عليه المثقف أن يكون عقلانيا ضمن الثقافة الدينية، وهنا أحيانا يحدث الصراع. هناك مثقفون قلة يتخذون من خطوات ابن رشد وابن باجة وابن طفيل منهجا لهم في التفكير ولكن ضمن الخط الديني وضمن الولاء للمقدسات الدينية. ومع أهمية التيار العقلاني فإن أمثال هؤلاء المثقفين العقلانيين يعانون الأمرين في التعبير عن ذواتهم وحضورهم.

ومما لا شك فيه أن الفقيه هو الذي يسيطر بالمطلق على الساحة الثقافية في عالمنا العربي أما المثقف العقلاني فيجد نفسه في دائرة الإهمال والإقصاء والتهجير والتكفير في أحيان كثيرة عندما يطرح فكرا حرا عقلانيا. وهذا لا يعني أن الدين هو الذي يحارب هؤلاء المفكرين بل نمط التدين العقائدي والمذهبي الذي يرجح التعصب والتسلط. ومما لا شك فيه كما تعرفون أن تحالفا شيطانيا فاوستياً قد تمّ بين المؤسسات الدينية والأنظمة الديكتاتورية الحاكمة ولذا فإن الفقيه يوجد في عقد تحالف شرعي مع الطاغية وهنا تكمن المشكلة الكبرى إذ لا يمكن للمفكر العضوي أو المثقف العقلاني أن يجد أي مساحة للحركة والنشاط في دائرة هذا التحالف الفاوستي الخطير.

س21: ا. مراد غريبي: لماذا التركيز على انفجار الهويات داخل الثقافة الواحدة وكيف يمكن للتجديد الثقافي على أساس النقد العلمي لتحقيق تسامح وتعايش الهويات ضمن الثقافة الإنسانية أو الدينية الواحدة؟

ج21: د. علي أسعد وطفة: انفجار الهويات الصغرى الطائفية والعرقية والقومية والإقليمية ناجم عن غياب الثقافة العقلانية وغياب المثقف أيضا. فالثقافات الدينية المذهبية تغذي هذه الهويات المرضية وأيضا تقوم المؤسسات السياسية الحاكمة بعملية دعم ومساندة وتغذية لمثل هذه النعرات الطائفية والمذهبية والدينية والعرقية.

من الطبيعي أنه يصعب مقاومة هذا الانفجار لأنه يوظف في خدمة القوى السياسية والحزبية الحاكمة ويعزز فرص وجودها وهيمنتها اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا. ومن المؤكد أن إطفاء جمرة هذه الانفجارات "الهووية (= نسبة إلى الهوية) يحتاج إلى ثقافة تسامحية إلى ثقافة تربوية يتضافر فيها الإعلام والسياسة والمجتمع. وفي كل الأحوال نقول بأن المجتمعات العربية لن تنهض إلا على أساس مشروع اجتماعي كبير يبدا سياسيا ليتلاحم مع مختلف المشاريع النهضوية والاقتصادية والاجتماعية. ولا يمكن لأي حلول جزئية أن تكون قادرة على إصلاح المجتمع أو تطوير الثقافة فيه على نحو عقلاني وإنساني. 

أشكرك صديقي المفدى المهندس مراد غريبي على هذه الأسئلة الجميلة وأحييكم وأشكركم، وأرجو أن تكون مداخلتي مفيدة ومناسبة لأسئلتكم الكريمة.

 

حاوره: الأستاذ مراد غريبي

مرايا فكرية – مؤسسة المثقف

 

 

2760 وطفة ومرادخاص بالمثقف: الحلقة الثانية من مرايا فكرية مع المفكر والأكاديمي الدكتور علي أسعد وطفة، وحوار شامل  أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول التربية وعلوم الاجتماع، فأهلا وسهلا بهما:


 س7: أ. مراد غريبي: الظاهرة التربوية متنوعة و حاضرة في كل ميادين الحياة؛ في الشارع، والأسرة، والمسجد، والمدرسة، الملاعب، الأسواق، فضاءات الترفيه ومختلف المنظمات، والمؤسسات، ووسائل الإعلام و الاتصال، و(الإنترنت)، وبين الأفراد والجماعات،... إلخ، مما يوحي بضرورة استقلالية كل علم من العلوم التربوية، حتى تتحقق السيطرة العلمية على موضوع كل نسق معرفي منها، دون تحييدها عن بعضها البعض واستثمارها لصياغة رؤية فلسفية متماسكة ضمن نسق ما يعبر عنه بفلسفة التربية؟

ج7: د. علي أسعد وطفة: أشكركم مرة أخرى على هذا السؤال الحيوي حول استقلالية العلوم التربوية وتكاملها. أقول بداية مع بداية نشأة العلوم وولادتها (منذ بداية القرن السادس عشر) كانت هذه العلوم تبحث عن هويتها واستقلالها وضمن هذا السياق كان العلم الوليد يطور نفسه ويغوص في أعماق ذاته ليضرب جذوره في أرض العلم ويبرهن عن وجوده. وكما تعرفون كانت الفلسفة بداية تمثل الأرومة الحقيقية لمختلف العلوم الطبيعية والفيزيائية. ومع تطور المعرفة بدأت هذه العلوم رحلة استقلالها بدءا من القرن السادس عشر الذي سجل فيه على يد كوبرنيكوس استقلال علم الفلك، وتتابع مع الزمن استقلال العلوم الطبيعية حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر حيث بدأت العلوم الإنسانية بالتوالد ومنها العلوم التربوية.

ومما لا شك فيه أن استقلال العلم يؤدي وظيفة حيوية في استكشاف أبعد ما يمكن استكشافه في المجال العلمي للعلم نفسه. ولكن يؤخذ على الاستقلال العلمي والاستمرار فيه أنه قد يؤدي إلى التصلب والجمود والانفصال عن السياق المعرفي للعلم فيفقد العلم تألقه وحضوره المعرفي وقدرته على الابتكار في مجاله الخاص. ومن أجل تجنب هذا التلبد والتقوقع داخل النطاق المعرفي الواحد أوجد كل علم لنفسه فلسفة توازيه وتعمل على تحقيق التوازن بين التخصص العلمي الدقيق وقدرة هذا العالم على أن يتواصل مع العالم الخارجي دون تصلب أو جمود. ومن هنا ظهر لكل علم فلسفة مثل: فلسفة التاريخ، فلسفة العلوم، فلسفة الفيزياء، فلسفة الحق والقانون، فلسفة التربية...الخ. وكما أشرنا تتمثل وظيفة هذه الفلسفات في حماية هذه الفروع العلمية من حالة الجمود والانكفاء والتكلس، وتحقيق الانسجام والتكامل بين العلم المعني والعلوم الأخرى وما بين العلم والآفاق البعيدة للكون الذي ينتمي فيه.

وفي فترة لاحقة نشأت ضرورة ما يسمى بالعلوم البينية، وهي العلوم التي تبحث في مجالين علميين مترابطين مثل الفيزياء النووية، البيئة والتنمية وفي مجال العلوم التربوية مثل: علم الاجتماع التربوي، وفلسفة التربية والأنثروبولوجيا التربوية، وسياسات التربية، والتربية المقارنة، وعلم الاجتماع المدرسي. ومن الطبعي أن نشأة هذه العلوم البينية تدل بصورة قاطعة على أهمية التعاون والتفاعل بين العلوم في معالجة الظواهر الطبيعية والاجتماعية. وهذا يدلنا على أن العلم أي فرع علمي عندما يبلغ أشده وينمو ويحظى باستقلاله وكماله يستطيع أن يخرج من دائرة الهوس بالاستقلال إلى دائرة التعاون والتفاعل والتكامل مع العلوم الأخرى. وهذا يعني أنه يوجد لكل علم مساران أساسيان أحدهما عمودي يتعلق بالتخصص الدقيق وآخر أفقي يتعلق بقدرته العلم نفسه على التعاون مع العلوم الأخرى في مجال الفهم والاكتشاف والتفسير. وهذا التعاون تقتضيه شمولية الظواهر الكونية وعمقها وتعدد مظاهرها الطبيعية. فأي ظاهرة في الطبيعة تمتلك تكوينات مختلف في ذاتها، وهذه التكوينات تأخذ طابعا فيزيائيا وكيميائيا ورياضيا ولذاك فإن فهم أي ظاهرة لا يتم بشكل واضح إلا بتكامل العلوم الذي يقدم فرصة أفضل لفهم ظاهرة ما في الكون.

ويبدو أن الظاهرة الاجتماعية أو التربوية أشدّ تعقيدا من الظواهر الفيزيائية والطبيعية، ومن هنا يبدو لنا أن صيغة التكامل بين العلوم التربوية أكثر أهمية وخطورة وضرورة من الظواهر الفيزيائية نفسها. وقد فرض هذا التعقيد في الظاهرة التربوية حضورا مكثفا للعلوم البينية التي تتناولها وتبحث فيها وتعمل على تطويرها. فالتربية هي من أكثر الظواهر الاجتماعية تعقيدا ولذا فإن أكثر علوم التربية هي علوم بينية متكاملة ومتفاعلة جزئيا وكليا. ومن هذا المنطلق نجد أن المتخصص في مجال التربية يجب أن يكون موسوعيا ليتمكن فعليا من امتلاك القدرة على فهم الظاهرة التربوية، وأن أغلب المقررات في أصول التربية هي مقررات بينية بالضرورة. وهذا يعني أن التكامل بين العلوم أصبح ضرورة قصوى بالنسبة إلى التربية وغيرها من العلوم.

وهنا يجب علينا أن نؤكد أنه لا يوجد أي تناقض بين التخصص في العلم والتعمق فيه إذ يستطيع العلماء الغوص في معاني العلم دون أن يمنعهم ذلك من الخوض في العلوم الأخرى وتحقيق التكامل بين تصوراتهم العلمية في ضوء التفاعل العلمي مع العلوم الأخرى. ومن هذا المنطلق فإن العلم عليه أن يأخذ بمساريه التخصص والتعمق فيه ومن ثم العمل على تحقيق التكامل بين التخصص والعلوم الأخرى. وهذا لا يضير بل يساعد دائما على الانطلاق في العلم والتحليق في المعرفة. وهذا ما نلاحظه اليوم إذ يوجد هناك تكامل عميق بين هذه العلوم وفيما بينها وبين المحيط الحيوي والاجتماعي الذي توجد فيه.

فالتربية ظاهرة كلية وهي تنطوي بين جوانحها على مختلف مظاهر الوجود ولهذا اقتضى الأمر تعمقا في العلوم واستقلال لها وتكاملا بينها. ونقول في هذا السياق أيضا إن العلوم التربوية تقع في منطقة التجاذب والتقاطب بين مطلبين: مطلب الاستقلال والهوية، ومطلب التكامل مع العلوم الأخرى. وهنا يجب علينا أن نحقق هذا التكامل فلا يكون الاستقلال العلمي انفصالا ولا يكون التكامل بين العلوم ذوبانا في العلوم الأخرى.

وهذا المطلب المزدوج يجب أن يتحقق أيضا في شخص المعلم والأستاذ الجامعي فيجب على الأستاذ الجامعي ألا يغور في الاختصاص إلى حد الغياب والتغييب، وألا يتلاشى خارج دائرة الاختصاص إلى حدّ الذوبان. وهذا يعني في النهاية أن التعمق في الاختصاص يجب أن يتكامل مع التفقه في الاختصاصات الأخرى القريبة والرديفة. وهذا يشكل ما نسميه بالثقافة العلمية التي تجعل من الطالب قادرا على مواجهة الحياة علميا ومعرفيا وإنسانيا.

نقول إن الاستغراق في التخصص العلمي ضمن ما نسميه بالاستقلال العلمي أمر خطير ونتائجه قد تكون كارثية في العلوم التربوية، ويجب علينا أن نحذر من تدريس العلوم التربوية بوصفها كيانات منفصلة يغيب فيها التكامل. ومثل هذا الأمر يهدد العلم ذاته والدارسين فيه إذ يجب أن تنكبَّ الجهود لإيجاد التكامل المنشود بين التفرعات المختلفة. فالتربية لا يمكن أن تكون ألا مشروعا إنسانيا منفتحا على ذاته وعلى المحيط الذي توجد فيه. ويقينا تأخذ المعرفة التربوية صيرورة نماء مستمرٍّ وهي تتدفق فيضا يتجاوز أسوار الجامعات والمؤسسات العلمية.

باختصار، الاستقلال في العلم لا يعني الانفصال والتفاعل لا يعني الذوبان. ومن هنا يجب على العلوم بعامة والعلوم التربوية بخاصة أن تجمع بين الأمرين وتنطلق بقوة هذين الجناحين لترسخ معرفة حقيقية وصميمية في دائرة التفاعل والتكامل الإنساني المنشود.

س8: أ. مراد غريبي: حديثنا عن علوم التربية يعني فلسفة و أدب و ثقافة و دين و تاريخ و علوم حديثة، بحكم تخصصكم في مجال التربية و علم الاجتماع التربوي، ماذا عن علوم التربية عربيا، هل حاله حال المجالات العلمية الأخرى حبيسة الفلسفات و النظريات الغربية أم هناك محاولات جادة في الاستقلال و الإصلاح و التجديد؟ وهل استفاد العرب من النماذج التربوية الغربية ومناهجها ونظرياتها أم مجرد محاولات تبيئة واستنساخ؟

ج8: د. علي أسعد وطفة: أولا بالنسبة إلى علوم التربية عربيا أقول إننا ما زلنا ندور في فلك المعطيات الغربية في مجال هذه العلوم، وهذه العلوم لم تأخذ بصمتها العربية حتى اليوم. فالعلوم التي ندرسها ونجترها هي تكوينات غربية الهوى والهوية ولا يوجد إسهام عربي حقيقي في هذا المجال حتى اليوم. فالبصمة الإبداعية العربية غائبة كليا في مجال العلوم التربوية كما في غيرها. ومع الأسف أننا ما زلنا نعيش حالة هذه العلوم في الزمن الأول الذي نشأت فيها، أي في النصف الأول من القرن العشرين. وما زلنا نجتر بعض الترجمات العربية للكتب الأجنبية التي صدرت في بداية القرن الماضي. فالغرب يتقدم وهذه العلوم تحقق تطورات كثيرة مذهلة، ولكننا لا نواكب حتى ما يدور في عالم المعرفة الغربي من إبداعات وطفرات إبداعية في مجال العلوم التربوية، وبقينا في حالة الاجترار العلمي الساذج لمنتجات الغرب الفكرية التي أصبحت من مخلفات الحضارة الغربية. ويعود ذلك إلى ضعف حركة الترجمة والتواصل الفعلي بين أساتذة الجامعات والمعرفة الغربية. لقد قام الرعيل الأول من المفكرين العرب أو أساتذة الجامعات بترجمة بعض الأعمال الرئيسية إلى العربية، ولكن هذه الحركة توقفت كليا في النصف الثاني من القرن الماضي. ومن الطبيعي أن نقوم نحن أساتذة الجامعة بتعليم هذه العلوم بطريقة فجة وتلقينية دون أي حركة إبداعية ودون أي تواصل ابتكاري مع المصادر العلمية المتقدمة في الغرب والشرق في آن واحد. ومن المؤسف أيضا أن الأكاديميين العرب يغرقون في داخل هذه الاختصاصات العلمية ويعيشون في شرانقها ويتناقلونها بصورة شكلية ساذجة.

ومع الأسف لا يوجد هناك أي بوادر للتجديد أو الإصلاح كما تفضلتم، ويندر أن نرى أكاديميا عربيا قد وصل إلى مستوى العالمية في مجال الإنتاج الفكري -التربوي أو غيره من الاختصاصات العلمية. فنحن نعيش حالة تصحر فكري وثقافي مخيفة ويكاد تعليمنا لا يتجاوز حدود التلقين الجامد لبعض العلوم والمعارف في عقول طلبتنا دون أن يكون فيها هذا الثراء الفكري المطلوب للحركة النهضوية في العلم والمعرفة.

س9: أ. مراد غريبي: وماذا عن أسلمة علوم التربية ومدى واقعيتها بحكم العقل العملي الخاص بسياقات العلوم المعاصرة؟؟

ج9: د. علي أسعد وطفة: يا صديقي أرى أن العلم يفقد صفته العلمية عندما نضفي عليه طابعا دينيا، وأعتقد أن تديين العلم يعبر عن حالة ضعف وعجز وقصور حضاري. فالتديين هو ردة فعل إزاء النقص الذي نستشعر إزاء الحضارة الغريبة المتقدمة. فالعلم لا يتدين والدين لا يتعلمن. فالدين يعتمد في جوهره على الإيمان في حين يعتمد العلم على التجربة المنفصلة عن أي إيمان كان. فموضوعية العلم تضعه خارج العقائد وبعيدا عن الأيديولوجيات الدينية. وهذا يعني أن تديين العلم يشكل محاولة يائسة لتدمير العلم نفسه فالعلم المتدين خواء وفراغ، وهو بتدينه يفقد أهم شرط من شروطه الموضوعية. فالعلم منهج يبحث في الطبيعة والكون بغض النظر عن الأيديولوجيات والأديان والعقائد. وهناك تناقض كبير في منهجية الدين ومنهجية العلم؛ فالأول يقوم على المسلمات والمطلقات أما الثاني فيقوم على التجارب والمعقولات وشتان بين الأمرين. وهذا يعني أن العلم لا يمكن أن يكون دينا كما أن الدين لا يمكن أن يكون علما. فالدين بحث في المطلقات والعلم بحث في النسبيات والمتغيرات. العلم يغير ويتغير في حين أن الدين يعتمد مبدأ اليقين والثبات.

لا يمكننا على سبيل المثال أن نتحدث عن فيزياء إسلامية وأخرى مسيحية وثالثة يهودية أو بوذية. فالفيزياء بحث في الطبيعة الكونية وقوانينها واحدة هنا وهناك لأنها تبحث في كون واحد وموضوع واحد. وأعتقد أن أسلمة العلوم كما أشرت هي محاولة يائسة لتفريغ العلوم من طاقتها العلمية. ومن الغريب أن تديين العلم ظاهرة إسلامية أقصد أننا نحن المسلمين من يريد أسلمتها ولا يوجد تاريخيا تدين العلم مسيحيا أو يهوديا أو بوذيا. فالعلم لا وطن له ولا عرق ولا دين العلم علم والدين دين والخلط بينهما لا يكون إلا تعبيرا عن العجز والقصور؛ لأن الدين يفقد جوهره عندما نريده أن يكون علما عمليا وكذلك العلم يفقد جوهره عندما نجعله تحت سلطة العقيدية والإيمان. فكل اكتشاف علمي في أي مكان أو زمان هو اكتشاف يتجاوز حدود الزمان والمكان والأديان والعقائد والأيديولوجيات. وكل اختراع يصبح ملكا للإنسانية دون تمييز بين عرق أو دين أو جنس. وقد يمكننا أن نتحدث عن العلم ضمن دوائر جغرافية كأن نقول تطور الفيزياء في فرنسا في القرن الثامن عشر أو التاسع عشر. مع أن أي تطور هو تطور إنساني.

فالعلوم تطورت وتخاصبت عبر الزمن وعبر الحضارات وكل إنجاز علمي حدث في أي مكان كان يشكل مقدمة للتطور في مكان آخر من العالم. فاكتشاف الذرة وتفجيرها لم يكن أكثر من تطور فكرة ذرية في العصر اليوناني القديم. فكل خطوة من خطوات العلم ما هي إلا تطور وتطوير للخطوات السابقة. فما أنجزه المسلمون في عصرهم الذهبي لا تنفصل نتائجه عما نراه اليوم من تطور في العلوم والفنون. وهذا يعني أن العلوم ظاهرة إنسانية فوق الأيديولوجيات والعرقيات والمذاهب والأديان.

ويجب علينا نحن العرب المسلمين أن نلج إلى بوابات العلم بصورته العالمية وألا ننغلق على أنفسنا ضمن مسارات أيديولوجية ودينية قد تضيق مساحتها قليلا أو كثيرا عن الفضاء الواسع للعلم الذي ينطلق في مجال الكون ليتجاوز حدود المجموعة الشمسية. فلا يمكن أن نتحدث عن فيزياء نووية إسلامية وأخرى مسيحية، فالذرة وقوانينها ومفاعلاتها واحدة هنا وهناك. والقنبلة الذرية الباكستانية لا تختلف في أسسها العلمية عن القنبلة الذرية الهندية. فلا هذه إسلامية ولا تلك هندوسية أو مسيحية. وعلى هذا الأساس فإن الدعوة إلى تديين العلم دعوة إلى الخلف وإلى الجمود والهزيمة والانكسار. وهذا ينطبق تماما على العلوم التربوية إذ لا يمكن أن نتحدث عن إحصاء تربوي إسلامي أو علم اجتماع تربوي إسلامي. وهذا النوع من الأسلمة يعني في النهاية القطيعة مع حركة الحضارة الإنسانية التي تميل إلى التكامل والتفاعل الحضاري على إيقاع إنساني واحد. وإذا كانت الأسلمة فكرة حقيقية فإن مثل هذه الأسلمة إذا افترضنا أنها ممكنة تتطلب تجاوز الحضارة الغربية واحتواءها والانطلاق منها إلى بناء حضارة جديدة تقوم على الإبداع والابتكار والتجاوز، وعندها يمكن الحديث عن أسلمة وتعريب للحضارة الإنسانية.

2760 وطفة ومراد

س10: أ. مراد غريبي: هل يمكننا القول تخلفنا عن صياغة فلسفة تربوية بمعنى عدم وعينا بعد، ماذا نريد من العملية التربوية؟ ولأية أهداف؟ وما خصائص وصفات المدرس والتلميذ والمدرسة؟ وكيف نبلور مناهج تربوية تتناسب وتطلعنا الحضاري وعلى ضوء ثقافتنا العربية الصحيحة والسليمة؟ كلها أسئلة محورية في الفعل التربوي بعيدًا عن بعض النزعات والخلفيات الإيديولوجية..

ج10: د. علي أسعد وطفة: سيدي الفاضل، المسألة لا تكمن في فلسفة تربوية ممكنة بل في تخلف حضاري عميق وشامل في مختلف المستويات والأبعاد. من نحن؟ إذا كنت تقصد العرب فنحن أشلاء ممزقة في 22 دولة ويزيد والحبل على الجرار؟ دول فقدت كل مقومات الحضارة والوجود، مثل: اليمن وسوريا والعراق ولبنان وفلسطين المغتصبة وليبيا والصومال... والقائمة تطول. عن أي فلسفة تريدنا أن نتحدث يا سدي!؟ واسمح لي أن أعبر عن وضعيتنا العربية في سياق إحصائي بلغة الأرقام في تقرير القمة العالمية للحكومات في دبي في عام 2017:

- 57 مليون عربي لا يعرفون القراءة والكتابة.

- 13.5 مليون طفل عربي لم يلتحقوا بالمدارس هذا العام.

- 30مليون عربي يعيشون تحت خط الفقر.

 - 1 تريليون دولار كلفة الفساد في المنطقة العربية.

- 5 دول عربية في قائمة الدول العشر الأكثر فساداً في العالم.

- العالم العربي يمثل 5% من سكان العالم إلا أنه يعاني 45% من الهجمات الإرهابية عالمياً.

- 75 % من اللاجئين في العالم عرب!

- 68 %من وفيات الحروب عالمياً عرب!

- 20 ألف كتاب فقط ينتجها العالم العربي سنوياً، أي أقل من دولة مثل رومانيا.

- 410 مليون عربي لديهم 2,900 براءة اختراع فقط، فيما لدى الكوريين الجنوبيين فقط 20,201 براءة اختراع.

- من عام 2011 حتى 2017 تم تشريد 14 مليون عربي.

- من عام 2011 حتى 2017 خسائر بشرية تصل إلى 1.4 مليون قتيل وجريح عربي.

- من عام 2011 حتى 2017 تم تدمير بنية تحتية بقيمة 460 مليار دولار.

- من عام 2011 حتى العام الحالي خسائر في الناتج المحلي العربي بقيمة 300 مليار دولار.

في ضوء هذه الظروف المأساوية لا أعتقد أنه يجدر بنا أن نتحدث عن أهداف تربوية أو فلسفات تربوية. فالفلسفات لا تكون إلا في سياق تاريخي واجتماعي متحضر ومتقدم. المجتمعات العربية محكومة بالحديد والديكتاتوريات والنار ومع هذه الديكتاتوريات وهذا التخلف يستحيل علينا أن نقع على فلسفات تربوية حقيقية. فمدارسنا ومؤسساتنا التربوية هي في أفضل حالاتها معسكرات للتدجين والترويض والتهجين، وجامعاتنا معسكرات للأنظمة السياسية تنتج وتعيد إنتاج التخلف الاجتماعي وتكريس كل مظاهر القهر والسلبية والاستلاب والاغتراب في حياتنا الاجتماعية والثقافية.

مع هذا التخلف الثقافي والأخلاقي والإنساني والاقتصادي الشامل الذي يضرب في العمق لا تحدثني عن أهداف تربوية أو أنظمة تربوية. فمجتمعاتنا يا صديقي تعاني من التخلف والتجزئة والاستبداد والتبعية ولا يوجد ربما دولة واحدة خارج هذه الصورة كليا أو جزئيا. فكيف نتحدث عن أهداف تربوية وفلسفات إنسانية وقيم أخلاقية. الحالة مأساوية وبائسة، فالدول العربية تحتاج إلى معجزات إلهية معجزات وليست معجزة كي تستطيع أن تبدأ خطوتها الأولى، لأن مظاهر الجهل والتخلف والاستبداد قد تكاثفت وتصلبت حتى أصبحت حصونا لا يمكن كسرها أو دكها أو تدميرها. إنها حصون التخلف الهائلة التي تصغر معها أسوار الصين.

 س11: أ. مراد غريبي: بنظركم ماهي الأسس السوسيوثقافية القادرة على خلق سياق فلسفي عربي من شأنه إبداع نسق علمي تربوي خاص و استراتيجي؟

 ج11: د. علي أسعد وطفة: سيدي الفاضل،  أثبتت تجارب الأمم أن نهضة الأمم لا تكون إلا بإحداث ثورة فكرية على صورة زلزال هائل مدمر يسقط أوابد التخلف وأركانه، إذ لا بد من إعصار كاسح لتحطيم أساطير الذهنية التقليدية وإسقاط أوابدها وهدم مطلقاتها الثقافية المغلقة من أجل الانتقال إلى بناء حضارة تواكب مستجدات العقل والعلم والمعرفة بأكثر مظاهرها الإنسانية تقدما وحيوية. فالنقلة الحضارية تحتاج إلى عقلية متحفزة منطلقة تتجاوز في قدرتها كل رواسب الثقافة التقليدية بأساطيرها وخرافاتها وأوهامها.

إن أخطر ما يمكن لمخططات التنمية في البلدان العربية أن تواجهه يتمثل في عطالة العقل التقليدي بأختامه السحرية وجموده المستطير وانغلاقه على موانع التنمية ومضادات التقدم والنهضة. فالعقل المتخلف مبني على مبدأ التصلب والممانعة لكل أشكال التنوير والعقلانية في مختلف أوجه الحياة الإنسانية. وهو يمتلك في ذاته مطلقات ومقدسات وأوهاما أسطورية قادرة بميزاتها السحرية الهائلة على مقاومة كل إشعاعات التنوير وإضاءات العقل المنفتح وكل أشكال القيم الحضارية والإنسانية.

فالثقافات التقليدية المتحجرة الصماء التي تخيم على وجودنا تمتلك في ذاتها القدرة التلقائية الهائلة على دفع ورفض ونبذ المؤثرات الثقافية الجديدة التي لا تتوافق مع بنيتها الأسطورية، وهي فوق ذاك كله قادرة في حالة التصادم مع المؤثرات الثقافية الجديدة على احتواء هذا الجديد بطريقة تكلسية تصلبية، أي بمعنى أنها قادرة على احتواء هذه المؤثرات الثقافية الجديدة وتفريغها من مضمونها العقلاني وتحويلها إلى أبنية صلبة متحجرة تزيد من متانة التخلف وعنفوانه الأسطوري.

ويستطيع هذا البناء الثقافي المتحجر أن يستقطب كل ما هو جديد بطريقة الاحتواء والانصهار والتجميد. وهذا يعني أن الثقافة العربية التقليدية تستطيع بقدرتها الهائلة احتواء معطيات العلم والقيم الحضارية ضمن حركة الصهر والتذويب والتبريد لتحولها إلى قيم جديدة تغذي القديم وتزيد في مناعته وصلابته. فنحن اليوم نعيش هذه الفعالية الثقافية الهائلة في مدار ثقافتنا حيث يوظف العلم ومنتجاته جميعها بطريقة أسطورية، فيتم تحويل معطياته إلى قوة تعزز ما هو قديم بما هو جديد كاستخدام المعارف العلمية الجديدة في تأصيل المفاهيم الأسطورية والعقائد التقليدية الجامدة المهووسة بأساطيرها.

ونحن نستطيع اليوم أن نرى بوضوح كبير أن الثقافة التقليدية تجاوزت أدواتها القديمة في صد الجديد ورده ودفعه وتبنت أدواتها الجديدة باحتواء الجديد وتحويله إلى قديم متجدد متصلب. وهذا يعني أن الثقافة التقليدية استطاعت أن تغني جمودها وتصلبها بتحويل العطاءات العلمية والفكرية إلى أساطير تقليدية جديدة تتجه إلى زيادة درجة الجمود والعطالة في الذهنية التقليدية. وليس أدل على ذلك من استخدام أكثر وسائل الحضارة تقدما في نشر وتعزيز وترسيخ الجمود الصارم للثقافة التقليدية. ومن هنا يمكن الإشارة إلى توظيف وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي كقوة جبارة في ترسيخ ودعم وتعزيز ونشر الثقافة التقليدية بأكثر قيمها شذوذا وانحرافا. ولا يخفى على الناظر اليوم الكيفية التي يتم بها توظيف نتائج العلم الحديث في الفيزياء والكيمياء والرياضيات من أجل تعزيز عقائد تقليدية أسطورية مضادة للعلم والمعرفة في بنيتها ووظيفتها.

وضمن هذه الرؤية يمكن القول بأن سدنة الثقافة التقليدية استطاعوا على نحو متميز توظيف معطيات العلم ومنجزاته في تأصيل المنظومات الفكرية والذهنية المضادة للفكر والعقل والمنطق والتنوير. فرجال الدين يستخدمون اليوم الرياضيات والفيزياء والفلك في رسم حدود الأرض والسماء ويرسمون بالخرائط مكان الجنة والنار في قلب الفضاء ويرسمون أبعاد وإحداثيات حركات الملائكة ويعملون على قياسها بذبذبات الضوء وومضات المغناطيس والكهرباء.

وفي هذه الدائرة يمكن القول بأن التواصل والتصادم بين الثقافة التقليدية والعقل الحديث لم يؤديا في مجتمعاتنا إلى هدم القديم وسقوطه بقدر ما استطاعت الثقافة التقليدية أن تزداد قوة وتصلبا وممانعة وحضورا وامتدادا وتوسعا.

ومن المذهل أن ترى على مدّ البصر طبقات من المثقفين والمفكرين والمتخصصين في المجالات العلمية وهم يفكرون بطريقة تقليدية تماما لا تختلف عن الطريقة التي يفكر بها فلاحو القرون الوسطى فيما يتعلق بنظرتهم إلى الكون والحياة والوجود. وهؤلاء في مدار الساعة لا يجدون أي تناقض فيما تعلموه من علوم حديثة وبين الطريقة التقليدية التي تشكلوا على منوالها في النظرة إلى الوجود والكون والحياة. واستطاع هؤلاء المتعلمون والعلماء في مجال اختصاصاتهم تحقيق توافق مطلق بين العلم والمعرفة والميتافيزياء وبين منظومات القيم التقليدية التي تقوم على مرتكزات المقدس والخرافة. ومن المدهش حقا أن نجد العراف والمنجم ورجل الدين يستخدم معطيات العلم الحديث في تفسير وتحليل معطيات الكون في تعزيز ترهاته وطقوسه، مثل عملية انتقال الأرواح بسرعة الضوء واستخدام المعادلات في قياس حركة الملائكة في السماء واستخدام دلالات الثقوب السوداء في السماء وحركات الكواكب ودورانها والجاذبية في تفسير وتحليل العقائد.

هذا التطور الجديد الذي شهدته الثقافة التقليدية يعد طورا جديدا من أطوار التفاعل مع حضارة العصر، فالثقافة التقليدية استطاعت أن تتجاوز طور التصادم والتصدع والانهيار في مواجهة العلوم الحديثة والفكر الحديث إلى طور الاحتواء والتكيف والامتداد والتفاعل البرغماتي في تحويل العلم وقضاياه إلى نماذج للتفكير السحري ووسائل لتعزيز الفهم الأسطوري للكون والوجود والحياة.

وهكذا تطالعنا الحياة الثقافية بنماذج أسطورية لأساتذة جامعات وعلماء عادوا من الغرب وهم يحملون أعلى الشهادات العلمية في الطب والهندسة والفلسفة والكيمياء، ولكنهم في مسار حياتهم المهنية لا ينفكون يكرسون ثم يكثفون نمطا من التفكير الأسطوري المتشبع بالأوهام والمتكسر بالخرافات في عقلية الأجيال الجديدة. وفي الجعبة مئات الحوادث والشواهد حول هذه المسألة أحدثها أستاذ جامعي عائد من الإيفاد قضى في الجامعات الأمريكية عقدا من الزمن ثم عاد ليلقي أول محاضرة له لطلبة في طريقة إخراج الجن والشياطين من بدن الإنسان. والبقية تأتي.

 فالصلابة التي تميزت بها ثقافتنا التقليدية جعلتها غير قابلة للاختراق الحضاري، وصدام هذه الثقافة مع الحضارة الغربية لم يضعفها بل زادها قوة وتصلبا وانكفاء. ولم تستطع علوم الغرب وفنونه وعقلانيته أن تكسر هذا الجمود في الثقافة التقليدية التي استطاعت أن تصد وترد كل معطيات العلم في مجال الحياة والثقافة والإعلام والاقتصاد والنظرة إلى الكون، وبقي الإنسان العربي غارقا في متاهاتها مأسورا بسحر خرافاتها وأساطيرها. وهذا يعني أن الاختراق الثقافي للعقلية التقليدية أشبه بالمستحيل نتيجة لما رسخ في بنية هذه الثقافة من تصلب في الفكر وجمود في العقائد والعادات.

 كانت الفلسفة وما زالت صرخة إنسانية نبيلة تدعو الإنسان إلى المكاشفة النقدية والخروج من صمت التقاليد الجامدة إلى تحطيم أوهام الإنسان ومطلقاته الجامدة.. . إنها دعوة إلى حرية العقل ونبل التفكير ورفض لكل أشكال التعنت والتصلب الفكري بمختلف أشكاله وتجلياته، بل هي دعوة حقة إلى رفض المطلقات والمسلمات والمقدسات التي تمنع الفكر من الحرية والانطلاق. إنها إعلان صريح وامض بالشوق إلى المعرفة في أكثر تجلياتها العقلية شموخا وتنويرا. وهذا يعني أن الفلسفة كانت رفضا لكل المسلمات القائمة على التقاليد الجامدة والرؤى السحرية الأسطورية للوجود والكون.. إنها ثورة على كل ما تعلمه الإنسان من موثوقات ويقينيات غارقة في المقدسات الزائفة وتائهة في التقاليد الفكرية المضادة للعقل والمنطق.

والفلسفة هي رفض للحقائق المطلقة وانفتاح على الحقيقة الإنسانية المتجددة التي ترى في الحقيقة واقعا نسبيا متحركا في غمرة التفاعل الحقيقي بين أطوار الزمان والمكان.. . فالحقيقة متغير وهي دائمة التغير ولا شيء يقف على الثبات غير حقيقة التغير ذاته المنفتح على كل أشكال الحقيقة وماهياتها ضمن صيرورة أبدية لا تنتهي بمجال ولا تقف عن حدود وثوقية معلنة.

 يجري الاعتقاد اليوم أن الوصفة السحرية للتقدم تكمن في نقل المعارف والعلوم والتقانة إلى المؤسسات التعليمية، وأن تعليم العلوم والمعارف العلمية واستخدام أفضل الأساليب التربوية في التعليم يمكنها أن تحقق النهضة والتقدم الحضاري على نحو تلقائي، ولكن التجارب التاريخية تعلمنا أن تكاثف الجامعات وتعاظم المؤسسات التربوية ونقل المعارف والتكنولوجيا لم يفض قط إلى بناء الحضارة وإحياء التقدم في المجتمعات المتخلفة. وأن كل هذا الركام من المعارف والتقانات لم ولن ينفع ما لم تحدث ثورة فكرية ثقافة شاملة تكسر اليقينيات وأنماط التفكير التقليدية المضادة للتطور والتقدم. فالعلوم والمعارف ليست أصلا في الحضارة بقدر ما هي نتيجة لانتفاضة العقل على تقاليد الجمود الفكري والتخلف الثقافي لدى الشعوب. ومن أجل مزيد من الوضوح نقول إن العصب الحقيقي للتقدم يكون في تطوير العقليات من عقليات جامدة ملجومة بالمقدسات والمطلقات المضادة للإنسان والحضارة إلى عقليات منفتحة على العقل والتساؤل والنسبية والإبداع والتفاؤل.

ولا يمكن لأي معارف علمية أن تحدث دويا في الواقع وتغييرا حضاريا ما لم تتساوق مع نمط جديد من العقل الحر والعقلية المتمردة على أوابد اليقينيات الماضوية المنفتحة على التساؤل والتمرد والإبداع والرفض والإيمان بسلطة العقل القائم على النسبية المفارق للمطلقات المعادي للمقدسات واليقينيات الخارقة. العلوم والمعارف والتقانات لا تزيد العقل المغلق إلا انغلاقا ولا تضفي على الثقافة التقليدية سوى تصلب وجمود وجنوح نحو اليقينيات المجافية للعقل والعقلانية.

 

حاوره: الأستاذ الباحث مراد غريبي

صحيفة المثقف

7 - 9 - 2012

 

 

2760 وطفة ومرادخاص: المثقف تستضيف المفكر والأكاديمي الدكتور علي أسعد وطفة ضمن مرايا فكرية، وحوار شامل  أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول التربية وعلوم الاجتماع، فأهلا وسهلا بهما:

مراد غريبي: يأتي هذا الحوار في حلقات ضمن سلسلة مرايا حوارية  حول آفاق  الفكر التجديدي وأبعاده  عبر تفكيك إشكالات ومشكلات مفاهيم كالتربية والثقافة والهوية والتنمية وأدوار المثقف في البحث عن المنهجية الدقيقة للنهوض بالوعي الحضاري لدى إنساننا العربي. وسنحاول من خلال هذا الحوار مع الأكاديمي والمهتم بالشأن التربوي والمعرفي والثقافي الحضاري الدكتور علي أسعد وطفة مناقشة العناصر الهامة للتربية والثقافة والهوية ومسؤولية المثقف كحاجة لقراءة متجددة  ومقاربة موضوعية على ضوء معطيات العلم والواقع بحسب نتاجات فعل النقد والتحرير والتنوير في إعادة فهم التجديد وتحديد مفاهيمه الأساسية ودوره، متجاوزين التفسير الواحد والرؤية الوحيدة وتوسيعا  لنطاق الوعي وتغيير النهج وتطوير التصور والخطاب والعمل بما يغني التطلع ويرفد القيمة ويرسخ القناعة بأن النهضة إرادة وعي وجد واجتهاد وإحسان وسداد..

س1: مراد غريبي: السيد الدكتور علي أسعد وطفة، كيف يقدم شخصه الكريم لقارئ صحيفة المثقف؟

ج1: د. علي أسعد وطفة: يسرني في بداية هذا الحوار أن أوجه الشكر والتقدير إلى الأستاذ الكبير المبدع ماجد الغرباوي رئيس تحرير المثقف الذي كرس نفسه على مدى عقود لخدمة الفكر والثقافة في العالم العربي عبر "المثقف" ومن خلال عطاياه الفكرية المتمثلة بأعماله الجليلة في مجال الفكر والثقافة العربية. كما أنني أتوجه بالشكر إليكم شخصيا على تكريمكم لنا بالدعوة إلى هذا الحوار الفكري حول التربية والثقافة والعلوم في عالمنا العربي المعاصر، وأرجو لهذا الحوار أن يكون مفيدا ومثمرا للقراء المهتمين بقضايا التربية العربية بهمومها وشجونها، كما أرجو أن يواكب الرسالة الثقافية لمقام سلسلتكم العليّة "مرايا حوارية ".

مما لا شك فيه أن سؤال الهوية على الرغم من البساطة التي ينطوي عليها يتميز بدرجة عالية من التعقيد والصعوبة، وذلك عندما نأخذ بعين الاعتبار البعد الفلسفي الذي ينطوي عليها.

وسؤالكم الكريم: كيف تقدم نفسك لقراء المثقف؟ سؤال ثقافي يتجاوز حدود التعريفات البسيطة التي تتعلق بمكان الولادة والاسم والجنسية ومكان الإقامة وحالة الزواج، لأن مثل هذه الحدود لا يمكنها أن تشكل مطلبا من مطالب الحوار الثقافي المناسب لمقام مجلتكم الثقافية العامرة. ولعمري فإن هذا السؤال يدور في فلكه الثقافي رغم طرحه الأولي البسيط، وقد ينطوي بذاته على اختبار ثقافي نأمل أن ننجح فيه. وعندما نريد تجاوز الصيغة البسيطة لسؤال الهوية والانتقال إلى صيغته الثقافية، فإن شعورا بالقلق والحيرة يتملكنا، لأنه لا يوجد هناك ما هو أصعب من أن يخضع المرء ذاته للفحص والتقويم، وهذا الأمر يتضمن مخاطرة في تقديم الذات على نحو موضوعي، لأن المشاعر الذاتية قد تشكل قوة ضاغطة تدفعنا إلى تقديم صورة مغايرة عن الذات لا نريدها لأنفسنا أو لغيرنا. ومما لا شك فيه أن سؤال الهوية هنا يضعنا في مواجهة صعبة، وذلك لأن تقديم الذات وصوغ الهوية الذاتية، أي: تلك التي يراها الإنسان متجسدة في ذاته ومتبلورة في أعماقه – أمر ينطوي على صعوبة وتعقيد كبير.

وفي هذه المواجهة مع الذات ضمن مطلب تقديم صورة الذات إلى الآخر، يجد الإنسان نفسه مطالبا بالتفكير ملياً، وكأنها المرة الأولى التي يبحث فيها في هويته الذاتية وفي قدرته على صوغها ضمن مطلب محدد يتمثل ربما فيما يريد أن يكونه في وعي الآخرين. فالهوية قد تأخذ طابع تماثل أو صيغة تمييز، وقد تجمع بينهما في آن واحد. وغالبا ما يبحث المرء عن الصيغة التي يُعرف بها ويتميز بها عن الآخر، وهنا تكمن المعضلة الكبرى في تحديد تخوم هذا التمايز وفي حضور هذا التجانس في الآن الواحد. فما يحسبه المرء تجانسا في الهوية والانتماء قد يكون عين التماثل الجامع بين كثيرين من البشر، وقد يؤدي هذ التجانس إلى تغييب حدود الهوية ويغلق منافذها. ومن أجل الخروج من هذا المأزق سأحاول أن أتجاهل حدود التمايز والتجانس كليهما، وانطلق لأقدم نفسي على نحو ثقافي واقعي شعوري ضمن حدود المشاعر والأحاسيس التي تتملكني والتي أشعر بأنني أنطوي عليها.

وهذا التعريف الذي أقصده يتمثل في الهوية الفكرية التي تشكلني وأتشكل بها، فلست مأخوذا بشعور الانتماء إلى سوريا الحبيبة في كلية الآداب بجامعة دمشق، أو حاملا لشهادة الدكتوراه من جامعة كان الفرنسية، وعائدا للعمل مدرسا ثم أستاذا في جامعة دمشق، ومن بعدها جامعة الكويت، فتلك هي مقدمة بسيطة لا تعرّف بالهوية الثقافية التي أشعر بها وتمتلك كياني. فالهوية التي أبحث عنها وأشعر بها تتجاوز هذه الحدود المكانية الزمانية الجامدة، لأن الحدود الحقيقية للإنسان بوصفه كائنا غائيا لا تكون إلا في أحضان هذا الكوكب بأبعاده الكونية. فالإنسان عندما تضعه أقداره في هذا الكون العظيم يتلقفه المجتمع ويرسم له حدود هويته ووجوده فيفرض عليه دون إرادته أن يعتنق مذاهب وأديانا وأفكارا وتصورات ويتشبع بثقافات جاهزة التكوين. وفي هذا كله تغييب للهوية الفردية التي بها يكون فردا لا جمعا أو وعيا يتفرد بذاته وينطلق إلى الحياة ليراها بمنظوره الخاص ورؤيته المفردة.

لذا يقال بأن الإنسان لحظة ولادته يفرض عليه أن يعتنق دينا وينتسب إلى مذهب ديني وأن يكتسب اسما وجنسيه وهوية مكانية، وأن عليه فيما بعد أن يدافع حتى الموت عن معتقداته ودينه وأفكاره وتصوراته واسمه، وهي أمور فرضت عليه ولم يختر أيا منها، وهنا تكمن كارثة ما نسميه التطبيع بالهوية أو التخلق القدري بمعنى أن يكون القدر نفسه هو الصانع للهوية والوجود، وهذه الهوية القدرية لا يمكن أن تكون الهوية الحقيقية التي نبحث عنها ونرنو إليها ونسعى إلى تمثلها.

فالهوية الحقيقية للإنسان تبدأ عندما يستطيع أن يخرج من هذه الدوائر المفروضة عليه؛ أي عندما يضعها موضع التساؤل ويخضعها للنقد والبحث والفحص والرفض والقبول، أي : عندما ينفتح الإنسان على صورة العالم الذي ينتمي إليه ويبحث فيه مستكشفا جماله مستلهما معانيه، وعندها نستطيع القول في هذه اللحظات بأن الإنسان قد بدأ بتشكيل هويته الذاتية على صورة جديدة تنتظم في رؤيته الفلسفية للعلاقة بين الأنا والعالم أو بين الكينونة الخاصة والوجود العام ؛ أي : عندما يستطيع المرء أن يخرج من الشرانق التي تشكل فيها والقوالب التي ارتسم في أعماقها، وهو الخروج الذي يجعله قادرا على صوغ هويته وتشكيل كينونته الوجودية في ضوء تفاعله مع العالم وذلك الكون الذي يعيش فيه. وأعني أن الهوية لا تتشكل عمليا إلا في دائرة التفاعل الإنساني الخلاق في أحضان الكون الذي ننتمي إليه.

ومن هنا أقول إن سؤال الهوية التقليدية، أي: سؤال الشرانق والنماذج لا يعنيني ولا يشكل هويتي الحقيقية التي أريد. وفي هذا المسار لا بد لي العمل على تفكيك الانتماءات القدرية بما تنطوي عليه من التصورات الانطباعية التي تركتها الثقافة الزائفة في أعماقي، ومع تحطيم هذه النماذج يراودني اليوم شعور عميق وشامل ورصين بأنني: كائن لا اسم له ينتمي إلى هذا الكون ويسعى في مناكبه بحثا عن الأمن الروحي والسلام الداخلي. وهويتي التي أريد أن أتقدم بها إلى قارئكم الكريم لا تعدو أن تكون سعيا إلى استكشاف المكان الذي يرتقي إليه شغفي في هذا الكون العظيم، فهويتي التي أريدها تكمن في هذا التفاعل الذهني المستمر مع مكونات هذا العالم الذي نعيش فيه، بكل ما ينطوي عليه من قيم وجمال ومعان وثقافات وديانات وأخلاق. وهذا التفاعل الذهني الدائم مع عناصر الكون والحياة، ما زال يشكلني ويشكل هويتي التي لاتزال قيد الصيرورة والتشكل، لأنها هوية متغيرة متحركة، لا تعرف صيغ الجمود والتصلب الثبات، وكأنني في كل يوم على حال جديدة، وهذا يمثل حالة الخروج من الدوائر المغلقة الضيقة للإحساس بالوجود والشعور بالهوية انفتاحا على العالم في خضم رؤية شمولية إنسانية خلاقة تحقيقا للبعد الإنساني في الشخصية وتأكيدا لجوهر الإنسان الحقيقي.

فالإنسان ضمن هذه الدائرة الجديدة لا يكون في جوهره أكثر من عقل وعاطفة إنسانية وغريزة بقاء أو حياة، والهوية الإنسانية لا تكون إلا بتحقيق التوازن بين عقل منفتح خلاق وبين عاطفة إنسانية جياشة مفعمة بالحب عميقة الشعور إحساسا بالكون، كذلك لا يكون إلا بغريزة متوثبة إلى الحياة فيها كثير من خصائص الجموح والجنون. والهوية الإنسانية الحقة الأصيلة لا تكون إلا في العمل على تحقيق هذا التفتح الذهني للعقل، وإزكاء هذا التوهج العاطفي الممكن بين الإنسان والطبيعة، وفي كبح جماح هذه الغرائز المتوحشة كي تبقى في حدود العقل ومشروعية العقلانية وسلام الإحساس المتوقد بوهج الجمال وتألق الضمير.

وهنا، وضمن هذا المعادلة أرى نفسي ساعيا إلى أن أكون كائنا عاقلا متوهجا بالحب الإنساني للوجود والإنسان، متأملا في معاني هذا الوجود مستوحيا عظمته وجماله، وفي كل هذا أقول إنني هكذا أرى نفسي وتلك هي هويتي: إنسان في طريق الإنجاز، وتلك هي الصورة التي أريد أن يراني فيها قارئكم الكريم.

فعقليتنا الثقافية يا سيدي قائمة على مبدأ الانشطار الوجودي.. أي: الانفصام إلى ثنائيات قبيحة الهيئة والمضمون، فكل مقولة أو فكر أو رأي أو حتى شعر أو نص أدبي يفسر في ثقافتنا أو في ثقافة المثقفين بروح أيديولوجية انشطارية شيطانية على وجه الإطلاق.. مؤمن أو كافر -- علماني أو إسلامي..أسود أو أبيض.. وعلى أساس هذا المرتكز الانشطاري يتم تفسير العالم: مع أو ضد!!! عدو أو صديق --- إذ لا وجود للحدود الوسطى.. لا وجود للتنوع والتعدد.. وتلك هي ثقافة التضاد والتنافر والانشطار.. وهذا يعني ذهنية التفكك والانحلال إذ لا توجد منطقة وسطى ما بين الجنة والنار كما يقول نزار قباني.

ومن منطلق الخروج على هذه العقليات الوحشية أعرف نفسي بما يلي: ليبرالي مؤمن بالله والإنسانية.. عربي أحب ثقافة الغرب الحضارية وإنجازاته الفكرية.. مسلم أحب بوذا ومالتوس وعلي وابن سينا وعمر وابن رشد وغيلان الدمشقي.. أعشق أدب الجاهلية وشعرها.. أحب الغرب وأكره سياساته.. أحترم أعدائي وأحب أصدقائي.. أعشق ابن عربي وأموت عشقا في ماركس وغاليلو وروسو.. أحب الجمال في الأساطير الأولى والأخيرة.. مؤمن أحترم كل المقدسات والأديان.. أرفض المذاهب والمذهبيات --- أحتقر الأيديولوجيا والأيديولوجيات - أشعر بالانتماء إلى الكوكب وأغرق في حب الطبيعة.. وفي هذه التضاريس الشيء الكثير.. فلم العجب.. إذ لست ثنائيا ولا يمكن تصنيفي أبدا ضمن هذه الدوائر الانكسارية الصفراء، فأنا لا أصنف بين حدين ففي كياني طبقات كثيرة وكيانات متكسرة.. وانتماءات متنوعة.. فأنا كائن شديد التعقيد.. وألمس ذلك في نفسي.. فأنا أكون وسأكون خارج دائرة هذه الانكسارات التصنيفية البائدة.

وفي تفسير ما أريد قوله إنه يجب على الإنسان أن يكون صيرورة إنسانية تبحث عن ماهيتها في منارات العقل والعقلانية وتستكشف ذاتها في معاصم الرؤية الأخلاقية للكون المتوهجة بنبل المحبة للطبيعة والإنسان. وهذه هي الصورة التي أرى فيها نفسي وأريد أن أكون فقط كائنا مفيدا للكون لا يفسد في الطبيعة ويكون نفعه للإنسان والطبيعة أكثر من ضرره، وشوقه للمعرفة لا يمكن أن يتوقف.

س2: مراد غريبي: كل المصلحين والفلاسفة وعلماء الدين وغيرهم والمجددين يؤكدون على أهمية التربية في أي مشروع نهضوي، ماذا تعني التربية لغويا وإنسانيا وثقافيا؟

ج2: د. علي أسعد وطفة: لا أعتقد يا سيدي أننا في مقام التقديم لتعريفات عادية ساذجة للتربية وفق تشكلاتها اللغوية البسيطة. دعنا نلامس أغوار هذا التعريف بالقول: إن الإنسان صيرورة تربوية وإنه لا يكون إنسانا إلا بالتربية، فالإنسان كيان بيولوجي عقلي عاطفي متحرك دائما يتشكل في دائرة البحث عن الوجود والماهية. وهذا التعريف للتربية يماثل سؤال الهوية. فالتربية وفقا هذا التصور تسعى كي تمنح الإنسان هويته الخاصة؛ أن تحقق ماهيته وجوهره الإنساني.

نقول في تعريفنا لمفهوم التربية إن الإنسان هو الكائن الوحيد في مملكة الكائنات الحية الذي لا يمتلك برنامجا وراثيا بيولوجيا للتكيف والوجود. وهو فوق ذلك كله يكون أضعف الكائنات الحية وأقلها قدرة عند الميلاد. ويمكن القول بأنه يولد مجردا تقريبا من إمكانات الوجود والبقاء والاستمرار. فهو يستطيع بصعوبة أن يأخذ ثدي أمه عند الولادة ويكون واهيا عندما يأخذ رضعته الأولى، وهو كما نعرف جميعا لا يستطيع المشي أو الانتقال أو الكلام أو التمييز بين الأشياء. إنها حالة من الضعف المطلق الذي يعرف به الإنسان في طفولته. وما يحتاجه أبدا هو برنامج تربوي جديد يسجل له إمكانية الحركة والانطلاق والتكيف. وهذا يعني أن على التربية أن تأخذ بيده على اكتساب ما يمكن أن نطلق عليه السجل العصبي الثقافي للإنسان الذي يترامى في مناحي الحياة الاجتماعية للمجتمع. فالإنسان يحتاج أن يدرب لمدة عامين كي يكتسب القدرة على المشي ويكون قادرا على ضبط حاجاته البيولوجية، ويحتاج إلى ثلاثة أعوام ليطلق عباراته الأولى وإلى عشرين عاما اليوم كي يستطيع الاستقلال ومواصلة الحياة بناء على إمكاناته. وهو في كل مراحل حياته اللاحقة يحتاج إلى عامل التدريب والتربية والتعلم من أجل أن يكتسب هذه المهارات والقدرات التي تساعده على التكيف. وبعبارة أخرى يحتاج الإنسان إلى برنامج تربوي كامل على مدى الحياة ليستطيع التكيف مع متطلبات حياته الاجتماعية.

والإنسان وفقا لهذه الصيغة صيرورة تربوية وهذا ما يؤكده الفيلسوف الألماني كانط Kant في عبارته المشهورة التي يقول فيها: "إن الإنسان لا يصبح إنسانا إلا بالتربية وهو ليس أكثر مما جعلته التربية: وفي هذا الاتجاه يذهب عالم النفس الفرنسي هنري بييرون Henrie Piéron مؤكدا القدرة الكلية للتربية حيث يقول: "إن الطفل مرشح لأن يكون إنسانا وهو ليس أكثر من مرشح للارتقاء إلى هذا المستوى، وهو بالتالي لا يعدو أن يكون غير وجود بالقوة لإرث النوع الإنساني، ومن ثم فإن الانتقال به من صورة القوه إلى صورة الفعل، من وجود إنساني بالقوة، إلى وجود إنساني بالفعل، أمر مرهون بالفعل التربوي. فالإنسان ليس معطى يندفع إلى الوجود بصورة نهائية، إنه كيان ينمو ويتطور في سياق تفاعلات عميقة وشاملة بين قطبي الوجود المتمثلين في الشروط البيولوجية من جهة وفي الشروط الاجتماعية من جهة أخرى. ويجد هذا القول صداه عند المفكر الفرنسي أوليفيه ربول إذ يقول "لا يولد الإنسان إنسانا: إنها نقطة تجمع عليها العلوم الإنسانية كلها، ولا شيء من جوهر الإنسان أي اللغة والفكر والمشاعر والفن والأخلاق (..) قد انتقل إلى الإنسان عن طريق الوراثة، إنها عناصر تكتسب بالتربية والتربية وحدها". وهذا يقتضي أن التربية جوهر إنساني ومن غيرها يفقد الإنسان خاصته الإنسانية.

تأخذ التربية عند المثاليين صيغة "جهد إنساني يهدف إلى هزيمة الشر وكمال العقل". كانت التربية بالنسبة لسقراط "هي صياغة النفس الإنسانية وطبعها على الحق والخير والجمال وتحقيق مجتمع أفضل "وهي بالنسبة لأفلاطون "معرفة الخير وتنمية هذه المعرفة وطبع النفس الإنسانية على الحق والخير والجمال". ويعرف أفلاطون التربية بقوله "التربية هي إعطاء الجسم والنفس كل جمال وكمال ممكن ".

ويرى أنصار النزعة الطبيعية في التربية أن التربية هي الحياة وأنها سعي مستمر لتفجير الطاقات الطبيعية الحيوية في الإنسان. والتربية هي هذه التي تؤصل في الإنسان الانطلاقات الطبيعية لوجوده وحركته. ومن هذا المنطلق يرى كانط أن الإنسان حر وخاضع للحتمية في آن واحد، فهو حر إلى الحد الذي يعد فيه روحا، وهو خاضع للحتمية إلى الحد الذي يكون فيه جسدا خاضعا للقانون الطبيعي. وهدف التربية عنده "أن تنمي عند الكائن كل ما يستطيعه من كمال "وهو كمال يفهمه كانط فهما أخلاقيا أكثر منه فيزيائيا. ويعرفها بأنها "عملية تكون وبناء للإنسان" وذلك لأنه لا يمكن للإنسان أن يصير إنسانا إلا بالتربية، إنه ما تصنع منه التربية "وإن غاية التربية هي تربية كائن يمتلك الحرية ويحافظ على كينونته الإنسانية الذاتية ".

يعرف المربي السويسري جوهان هنريك بستالوتزي التربية بأنها "النمو المتناسق لكل قوى الفرد النفسية ". فالتربية عند بستالوتزي هي عملية النمو لجميع قوى الإنسان وملكاته نموا طبيعيا. والمربي كما يعتقد بستالوتزي ليس هو الذي يغرس قوى جديدة في الإنسان أو ينفخ فيه روح الحياة، بل تكمن مهمته الأساسية في إزالة القوى الخارجية التي تقف في طريق النمو الطبيعي عند الفرد. وهذه القوى يجب أن تستمد جوهر وجودها من القوى الداخلية..

لقد أبدى دوركهايم انتقادات أصيلة لمفهوم التربية التقليدي الذي يركز على الجانب الفردي في التربية، وهو المفهوم الذي تبناه أسلافه، والذي نجده عند كانط وهيربارت  Herbart، وستيوارت ميل Stuart Mill وسبنسر Spencer. وعلى خلاف أسلافه جميعا ينظر دوركهايم إلى التربية بوصفها "شيئا اجتماعيا بالدرجة الأولى ". وانطلاقا من ذلك، يعرفها بأنها "تنشئة اجتماعية تمارسها الأجيال السابقة على الأجيال اللاحقة ". وفي سياق آخر انطلاقا من ملاحظة الوقائع ودراسة الأنظمة وتحليل البنى المعرفية يعرف دوركهايم التربية بأنها "الفعل الذي تمارسه الأجيال الراشدة على الأجيال التي لم ترشد بعد وذلك من أجل الحياة الاجتماعية ". ويكمن هدف التربية في تنمية الجوانب الفيزيائية، والعقلية، والأخلاقية عند الأطفال وتطويرها، وذلك على النحو الذي يحدده المجتمع السياسي بوصفه كلا متكاملا، ووفقا للصورة التي يعلنها الوسط الاجتماعي الخاص الذي ينتمي إليه الأطفال. وباختصار شديد "التربية عملية تنشئة اجتماعية منهجية للجيل الجديد ".

ولكن التربية بالمعنى الحصري الدقيق تشكل منظومة العمليات والفعاليات التي توظف في تحقيق الكمال الإنساني للطفل عبر تنمية مختلف القوى والقدرات والقابليات الإنسانية الكامنة فيه إلى أعلى حدّ ممكن. وتهدف التربية كما يقول ستيوارت ميل إلى تنمية مختلف القدرات والقابليات المضمرة في الإنسان من أجل أن يحقق أعلى درجة من درجات تكامله وكماله الإنساني المتجذر في ذاته. وفي حقيقة الأمر فإن الإنسان يحقق ذاته تربويا ليس بقوة الأشخاص والمربين الذين يحيطون به بل بتأثير مختلف الظروف والأحوال والقوة التي تحيط به وتشكله إنسانيا وأخلاقيا: القوانين والأعراف والتقاليد وظروف الحياة المتنوعة. وعندما يشب الطفل عن الطوق يقوم هو ذاتيا بتربية نفسه وتطويرها نحو الأفضل الممكن على مدى الحياة، لأن الإنسان يتميز بقابليته التربوية المستمرة وينزع إلى النمو المستمر نحو الأفضل من المهد إلى اللحد.

وتأسيسا على مختلف النظريات التي استعرضنا تصوراتها حول مفهوم التربية يمكننا القول بأن التربية صيغة تفاعل خلاق بين الإنسان والمجتمع الذي يعيش فيه بين الإنسان والبيئة الطبيعية التي ينشأ فيها، والإنسان لا يكون إلا نتاجا حقيقيا لهذا التفاعل الذي ما إن يكون صحيحا حتى يبلغ الإنسان غايته في عملية النضج الحضاري والإنساني. ويمكنني القول خارج دائرة التعريفات الكلاسيكية التي أعطيت للتربية بأن التربية صيغة تفاعل وجودي بين الإنسان والكون بين الإنسان وعناصر الوجود بين الإنسان والبيئة بكل ما تنطوي عليه من عناصر فيزيائية وثقافية وإنسانية.

2760 وطفة ومراد

س3: مراد غريبي: على أي أساس تطرح أهمية التربية لمستقبل المجتمعات؟

ج3: د. علي أسعد وطفة: وكيف لا تكون التربية مهمة وهي التي تصوغ المجتمع وترسم هويته وتحافظ على وجوده وتراثه. وهل يمكن لنا أن نتصور مجتمعا لا توجد فيه أنظمة تربوية؟ دعنا نتصور ذلك ولو للحظة؟ ماذا ستكون عليه حالة هذا المجتمع؟ إذ لا يمكن للإنسان أن يكتسب هويته وثقافته إلا من خلال التربية التي يتلقاه. وهذا يعني أن التربية نسق وجودي بالنسبة للإنسان والمجتمع. وفوق ذلك كله لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض حضاريا أو ثقافيا من غير تربية فاعلة نشطة تفجر القوى الكامنة في المجتمع أدبا وفنا وفلسفة وإبداعا وابتكارا. فالتربية في مختلف دلالاتها وسيلة لاستخراج وتنمية الطاقات الكامنة في أفراد المجتمع. وتلك هي اللحظة التي ينمي فيها المجتمع قوته وإرادته وحضارته.

فالتربية قبل كل شيء معنية بتحقيق السلام والعدالة الإنسانية والتكافل المجتمعي. ومن غير التربية يتحول الإنسان إلى حالة وحشية ويحل الدمار وتندلع الفتن في المجتمع. وكما عرفنا التربية سابقا فإن الإنسان من غير التربية يفقد جوهره الإنساني الذي لا يكون إلا بالتربية ومن خلالها، عدا أن التربية هي التي تمكن الإنسان من التكيف في الحياة ومعها ومن خلالها، وهي التي تزودنا بالقدرة على إنتاج الحياة والوجود مأكلا وملبسا وتفاعلا مع البيئة والطبيعة والإنسان.

فالتريبة معنية بعملية الاستثمار في رأس المال البشري، ورأس المال البشري هو أعظم الثراء بالنسبة للمجتمعات المعاصرة. فقوة المجتمعات اليوم تقاس برأسمالها البشري الاجتماعي أو بالقدرة على الاستثمار في البشر الذين يشكلون مصدر كل الثراء والقوة والحضارة.

ويبين آدم سميث Adam Smith في مؤلفه الشهير ثروة الأمم The Wealth of Nations الذي نشر سنة 1776، أهمية التربية والتعليم كعنصر فعال وحيوي لتحقيق استقرار المجتمع اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً. وينظر إلى التربية بوصفها استثماراً في رأس المال البشري، ويبيّن الإمكانات الهائلة للتعليم في إثراء اقتصاد الأمم وتقدمها. وتنطوي نظرية سميث هذه على فكرتين أساسيتين: تتمثل الأولى في دور التعليم وأهمّيته في تحديد مستوى دخل الفرد وإنتاجيته، وتتمثل الثانية في تأثير النظام التعليمي في النظام الاقتصادي للدولة. وفي هذا المقام تشير نتائج إحدى الدراسات إلى أن «إنتاجية العامل الأمي ترتفع بنسبة 30 % بعد عام واحد من الدراسة الابتدائية، وحوالي 320 % بعد دراسة 13 عاما، وتصل إلى 600% بعد الدراسة الجامعية".

ويبين دونيزون Denison في هذا السياق أن 23% من نسبة النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة الأمريكية تعود إلى تأثير التعليم. ويؤكد معظم الاقتصاديين وعلماء التربية أن التعليم يسهم في النمو الاقتصادي. ويرى آدم سميث في هذا السياق أن الاستثمار في رأس المال البشري يعطي مردودا اقتصاديا يعادل عشرة أضعاف المردود الاقتصادي للاستثمار في رؤوس الأموال الجامدة. وهكذا يتضاءل دور رأس المال الطبيعي والمالي أمام الأهمية المتعاظمة لأشكال رأس المال الإنساني المتعددة، المتركزة في البشر، أفراداً ومؤسسات ومجتمعات، باعتبارها عماد التقدم الإنساني قرب نهاية القرن العشرين. ومن هنا ينبع الاهتمام الفائق بالتعليم حيث "يصنع" رأس المال الإنساني ويشّكل.

وهنا أيضا فإن التعليم والتربية يسهمان في عمليات الابتكار والإبداع، وحل المشكلات وتطوير المجتمعات والنهوض بها، وتحقيق السلام والتكامل الحيوي بين أفراد المجتمع. وهذا كله يعني في معرض الإجابة عن سؤالكم أن مستقبل الأمم يرتبط بمستويات التعليم فيها وأن المجتمعات التي تفتقر إلى التعليم الجيد هي مجتمعات لا مستقبل لها أبدا. ومن هنا تسارع الدول المعنية بالتطور إلى تطوير أنظمتها التربوية والإنفاق عليها بصورة فلكية.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن كثيرا من الدول المتقدمة لا تمتلك ثروات طبيعية أو ثراء ماديا ومع ذلك استطاعت هذه الدول أن تتوج نفسها على قمة الدول المتقدمة وذلك عن طريق الاستثمار تربويا في البشر، كما هو حال اليابان التي تفتقر كليا إلى الموارد الطبيعية ومع ذلك فقد استطاعت أن تجعل من رأس المال البشري قوة حضارية لا تضاهى.

ومن المهم في هذا السياق ألا تختزل المدرسة أو التعليم إلى بعده الاقتصادي المحض، فالتعليم يؤدي دورا ثقافيا خطيرا في حياة المجتمعات والأمم ويرسم مصيرها الحضاري في مجال الفن والأخلاق والجمال والثقافة وحقوق الإنسان. ويشكل النسق المعنوي الثقافي للتعليم والتربية المنصة الحقيقية التي ينطلق منها أي مجتمع نحو المستقبل بأبعاده الحضارية والإنسانية. وماذا نقول هنا، نقول إن قوة الأنظمة التعليمية وتماسكها تحدد الإيقاع الحضاري لتطور الشعوب والأمم والدول، إذ لا يمكن لنا أبدا أن نقع على دولة متقدمة من غير نظام تربوي متقدم.

س4: مراد غريبي: حديث "أدبيات التربية"، الذي يشمل؛ كل ما راكمه الفلاسفة، والأدباء، والمثقفون على اختلاف تخصصاتهم، عن التربية بمعناها الواسع، ورغبة في تأسيس خطاب علمي تربوي يتجاوز عموميات أدبيات التربية، شرع الباحثون في هذا المجال يتحدثون عن "علم التربية"، ثم مع تدخل عدة تخصصات علمية في مجال التربية أصبحنا نسمع عن علوم التربية" كيف عرفت دراسة الظاهرة التربوية هذا التطور؟ وماهي أهم النظريات الفاعلة في الاجتماع الإنساني المعاصر؟

ج4: د. علي أسعد وطفة: أشكرك على هذا السؤال الذي يطرح بذاته إشكالية منهجية كبرى تتعلق بالأطر المعرفية للتريبة. فتحديد موقع التربية ما بين العلم والنظرية والممارسة والعلوم الرديفة مسألة في غاية التعقيد والأهمية. وهذا السؤال يحتاج في حقيقة الأمر إلى بحث كامل مستقل وذلك نظرا للغموض الكبير الذي يشوب هذه المسألة. ومما لا شك فيه أن الارتباط يصيب الباحثين عندما يقاربون هذه المسألة المشابكة: هل التربية فن أم علم أم علوم أم نظرية أم فلسفة أم ممارسة فلسفية؟ وقد شكلت هذه القضية موضوعا متواترا تناوله المفكرون، أمثال: دوركهايم في كتابه التربية والمجتمع الذي كان لنا شرف ترجمته إلى العربية، وهربرت سبنسر في بريطانيا، وألكسندر داغيت في سويسرا، وهنري ماريون في فرنسا، وغاستون ميالاريه في فرنسا أيضا. ونؤكد على أن هذا التساؤل يدور في أذهان أغلب المفكرين التربويين المهتمين بالمسألة التربوية وبعضهم يتناولها بعمق في حين يتجاوزها كثير من المربين دون الاهتمام بأبعادها.

ولهذه المسألة برأينا بعد تاريخي يتعلق بنشأة التربية كعلم أو كفن أو كمنهجية للمؤسسات المعنية بالتربية والتعليم. فالتربية (éducation) في الأصل نشاط مستمر عبر التاريخ ففي كل المجتمعات نجد أنظمة تربوية وتعليمية تعتمد في تربية الناشئة والأجيال. ومثل هذه الأنظمة التربوية لا تعتمد الطرائق العلمية التي نعرفها اليوم منهجا في التدريس والتعليم. وغالبا ما كان التعليم في المجتمعات القديمة يتم على نحو عفوي يستجيب للخبرات التاريخية المتناقلة في هذا الميدان. لذا كان دائما يطلق على الفعالية التعليمية تسمية تربية أو تعليم. ولم يكن المعلم يحتاج إلى إعداد تربوي في تلك العصور لأن التعليم على مدى العصور القديمة كان يشكل نوعا من التعليم التلقيني – نقل المعلومات – وهذا لم يكن يحتاج إلى مهارات علمية متقدمة. ولذا كان الحديث عن علم للتريبة ممتنعا بمعنى لا ضرورة له ولا أمر يقتضيه.

وكما يرى دوركهايم فإن العلم – بسماته الحديثة – لا ينشأ إلا إذا اقتضت الحاجة حضوره وضرورته. وفي تلك العصور القديمة حتى نهاية القرن الثامن عشر لم يكن هناك أي حضور لما يمكن أن نسميه بعلم التربية أو علوم التربية. ولكن الحاجة إلى توليد هذا العلم أو تلك العلوم بدأت مع بداية الثورة الصناعية وانتشار التعليم ضمن أنظمة حكومية مترامية الأبعاد والأطراف.

لذا دعونا نستقرئ ولادة علم التربية تدريجيا. في البداية نقع على ما يسمى بالنظريات التربوية مثل النظرية الطبيعية التي دعا إليها كل من ابن طفيل الأندلسي وجان جاك روسو ومن بعده رواد المدرسة الطبيعية أمثال بستالوتزي وغيره من المربين، وعلى الأثر ظهرت نظريات كثيرة مثل البرغماتية والوجودية والواقعية والمثالية. وتمثل هذه النظريات توجهات فلسفية في مجال التربية والتعليم. ومن الواضح أن هذه النظريات لا تقوم على أسس علمية راسخة. وهي ليست علما بالتأكيد.

ومع بداية القرن التاسع عشر وتطور الأنظمة التعليمية واتساع التعليم وتعاظمه بدأت معالم البيداغوجيا التربوية بالظهور. والبيداغوجيا (Pédagogie) مصطلح إشكالي يشير إلى علم التربية وأحيانا نظرية التربية ومرة أخرى إلى التربية بوصفها علما وفنا في آن واحد. ولكن الأمر الثابت أن البيداغوجيا هي علم التربية وهو العلم الذي يباشر عملية النمو الانفعالي والتربوي عند الطفل ويبحث في أفضل السبل للعملية التربوية. وكما يتضح من لفظ الكلمة فإن كلمة بيداغوجيا مشتقة من كلمة "بيداغوغ " وهو العبد الذي كان يشرف على الأطفال في بلاد الإغريق القديمة.

والبيداغوجيا تعريب للكلمة الفرنسية Pédagogie وقد ترجمت إلى العربية بمعنى نظرية التربية أحيانا وعلم التربية أحيانا أخرى. ومن أجل تجاوز هذه الازدواجية تجري العادة على استخدام اللفظة الأجنبية "بيداغوجيا " وهو المفهوم الذي يحاول دوركهايم تحديده وتحديد معالم تجانسه وتمايزه مع علم التربية Science de l'éducation ومفهوم التربية Education.

وغالبا ما يتداخل مفهوما التربية Education والبيداغوجيا Pédagogie ومع ذلك فإن الفصل بينهما بدقة وعناية أمر تقتضيه الضرورة المنهجية. فالتربية Education تعني الفعل الذي يمارسه الآباء والمعلمون على الأطفال، وهو فعل يتميز بديمومته وعموميته. إذ لا توجد مرحلة ما في الحياة الاجتماعية، إذا لم نقل لحظة من لحظات الحياة اليومية، لا يتعرض فيها الأطفال لعملية الاتصال مع الراشدين ولتأثيرهم التربوي.

فالتأثير التربوي لا يحدث في إطار اللحظات القصيرة فحسب، التي يتواصل فيها الآباء والمعلمون بشكل واع مع صغارهم عن طريق التعليم، والذي ينقلون من خلاله لهؤلاء الأطفال حاصل خبراتهم الحياتية.  إذ توجد هناك تربية غير مقصودة عرضية تتميز بخاصة الديمومة والاستمرار. وهذا يعني أننا – نحن الكبار - نمثل نموذجا تربويا يتجلى في أحاديثنا وأفعالنا التي نقوم بها في إطار حياتنا الاجتماعية. وهو نموذج نؤثر من خلاله في عقول أطفالنا بشكل دائم.

فالممارسات التربوية هي شيء آخر غير البيداغوجيا التي تتجسد في إطار متكامل من النظريات والآراء والأفكار التربوية، كما تتجسد في وجهات نظر تدور حول التربية وهي شيء آخر يختلف عن الممارسة التربوية العملية. ويمكن لنا في هذا السياق تحديد مفهوم البيداغوجيا بشكل جيد عندما تتم مقابلته مع مفهوم الممارسة التربوية. فالتربية التي يعلن عنها رابليه Râblais، وهذه التي يبديها روسو Rousseau، والتي رسمها بستالوتزي هي نظريات تتعارض مع التربية الواقعية التي كانت سائدة في أيامهم. فالتربية Education موضوع يخضع لدراسة البيداغوجيا Pédagogie التي تتمثل في بعض اتجاهات التفكير الخاصة بالقضايا التربوية.

فعلم التربية Science de l'éducation يسعى إلى معرفة التربية Education، وهو لا يتداخل مع النشاط الانفعالي للمربي أو مع نظرية التربية Pédagogie الذي تقوم بتوجيه النشاط التربوي. فالتربية تشكل موضوعا لعلم التربية Science de l'éducation وهذا يعني أن علم التربية لا يسعى إلى تحقيق الغايات نفسها التي تسعى إليها التربية، بل وعلى خلاف ذلك، يقدم للتربية مختلف المعلومات والمعارف المناسبة لعملية التربية. وهنا لا يعترض دوركهايم أبدا في أن يشكل علم النفس ركيزة لعلم التربية بالمعنى الواسع للكلمة. إذ يمكن لعلم النفس، وحده، باستناده إلى البيولوجيا والطب أن يدرك لماذا يحتاج الطفل إلى التربية، وكأننا بدوركهايم يتنبأ بعلم النفس التربوي الذي سيتشكل لاحقا كعلم رديف للتربية وأصيل فيها.

لقد حدد دوركهايم علم التربية Science de l'éducation على نحو بالغ الوضوح، بأنه علم اجتماعي. إن ما يعنيه دوركهايم بالبيداغوجيا ليس نشاطا تربويا أو علما تأمليا بل ما يعنيه بالبيداغوجيا هو تأثير الجانب الثاني التأمل في الجانب الأول النشاط، وهذا يعني أن المهمة الأساسية للتأمل الفكري تكون في عملية البحث، التي تجري في إطار معطيات علم النفس وعلم الاجتماع، عن المبادئ الأساسية للسلوك الإنساني. وتأسيسا على ذلك نقول إنه عندما تكون لدينا، في واقع الأمر، معرفة جيدة بطبيعة الأشياء فإن فرص استخدامها بشكل فعال تكون أكبر على المستوى العلمي. وعندما يقوم المربي بمعالجة اهتمام الأطفال فإنه سيكون أكثر قدرة على التحكم، إذا كان يعرف بدقة طبيعة الطفل. وهذا يعني أيضا أن علم النفس يشتمل على إجراءات تطبيقية، وأن علم التربية يقوم بتشكيل القواعد والمبادئ الأساسية للعمل التربوي وتهيئتها.

ولكن علم التربية لم يكن قد تشكل فعليا في زمن دوركهايم وما زال حتى اليوم في صيغة مشروع يمكن تحقيقه. وهذا يعني أنه يمكن لفروع علم الاجتماع أن تأخذ على عاتقها مساعدة "البيداغوجيا" على تحديد هدفها وتوجيه مناهجها. ويمكن أيضا لعلم النفس أن يؤدي دورا بالغ الأهمية في تحديد تفاصيل العملية التربوية وتوجيه مساراتها. ويبدو لنا هنا أن البيداغوجيا أصبحت لاحقا وثيقة الصلة بعلم النفس ولاسيما بعلم النفس التربوي، وقد شكل الاتحاد بينهما أشبه ما يكون بعلم التربية الحديث الذي لم يكتمل بعد.

وقد أشار دوركهايم إلى هذه القضية بوضوح في القاموس التربوي لفرديناند بويسون إذ يقول بأن البيداغوجيا أصبحت علمًا للتعليم ولكن ما زال علما لم يكتمل بعد ويتعين بناؤه بالكامل كي يصبح "العلم الذي يجعل من الممكن معرفة ما يجب أن يكون التعليم وذلك لمعرفة طبيعة التعليم وتحديد الشروط التي يجب أن يعتمد عليها ورسم القوانين التربوية التي يتوجب أن يهتدي بها".

وكأن دوركهايم كان يتنبأ بالحديث عن علم أصول التدريس الذي نشأ واضحا بالاعتماد على معطيات علم النفس واستكشاف القوانين الفضل لعملية نقل المعلومات وتعليميها للطلبة. ومن هذا المنطلق يمكن تسمية علم أصول التدريس بعلم التربية ببساطة لأنه يحدد المعايير وأفضل السبل في توجيه العملية التعليمية. وهذا هو الأمر الذي أشار إليه هنري ماريون (1883)، خلال محاضرته الافتتاحية في جامعة السوربون في ندوة مخصصة لعلم أصول التدريس إذ يقول "هناك علم حيثما يوجد نظام مترابط ومتكامل من الحقائق والافتراضات الواقعية ووجود نسق متكامل من المفاهيم والتفسيرات الصحيحة التي يستند فيه إلى العقل والتجربة وتؤدي إلى نتائج إيجابية أثناء الممارسة والتطبيق "، وهذه هي الأصول التي يقوم عليها علم أصول التدريس أو ما يمكن تسميته بمناهج التدريس.

وعلينا الآن أن نأخذ بتطور التربية الحديث الذي ارتبط بتطور المناهج والطرائق والأصول، وضمن هذا السياق تآلفت مجموعة من العلوم التربوية التي تضافرت في مجال تأصيل العمل التربوي. في زمن دوركهايم كانت البيداغوجيا التي تطورت إلى علم التربية ممثلة في أصول التدريس، أما اليوم فيمكننا الحديث عن مجموعة متآزرة من العلوم التربوية – هذه المرة بصيغة الجمع – Sciences de l'éducation.

ووفقا لـجاستون ميالاريه تتكون علوم التربية من جميع التخصصات الأساسية التي نعرفها اليوم مثل: علم الاجتماع التربوي، وتاريخ التربية، واقتصاديات التعليم، وعلم النفس التربوي، والاثنولوجيا التربوية، والتربية المقارنة، وأصول التدريس، ومناهج البحث التربوي، وعلم الاجتماع المدرسي، والإدارة التربوية، وغيرها من العلوم التربوية. ويلاحظ في هذا السياق أن التربية تقوم على نسق من العلوم التربوية البينية المساندة التي أصبحت ضرورية وحاسمة في تطوير العملية التربوية. ويلاحظ في هذا السياق أن التربية ليست علما بالمعنى الدقيق للكلمة بل هي نشاط ضخم يعتمد على مجموعة من الأنساق العلمية المختلفة.

وبالعودة إلى زمن دوركهايم (نهاية القرن التاسع عشر)، كان الحديث يجري عن علم التربية " بيداغوجيا " الذي ارتبط بعلم النفس وهو العلم الوحيد الذي تم تأسيسه علميًا، ليكون قادرًا على تسليط الضوء على التعليم، من حيث نظريته وكذلك نظرية ممارسته. ولكن مع تطور العلوم الإنسانية وبعد فترات طويلة من التجارب المهمة والتطورات اللاحقة في الحقل التربوي تبين أنه يمكن التأسيس على عدد آخر من العلوم الإنسانية البينية كالتي أشرنا إليها آنفا.

وأخيرا وليس آخرا، تبين الممارسة التربوية لنا في كليات التربية أننا لا نقع أبدا على علم للتربية بل على عدة علوم وهي التي أشرنا إليها، وهذا الأمر يدل على أنه لا وجود لعلم التربية بالمفرد وأن التربية نسق معرفي يعتمد على عدة حقول متآزرة متكاملة في إضفاء الطابع العلمي على التربية بوصفها نشاطا وممارسة إنسانية.

س5: مراد غريبي: ماذا عن فلسفة التربية هل تندرج كنمط معرفي حديث ضمن علوم التربية أم أنها تظل مبحثا تأمليا تهتم بطرح الأسئلة الجوهرية والمقاصدية إن صح التعبير؟

ج5: د. علي أسعد وطفة: مما لا شك فيه أن الفلسفة تندرج ضمن الأنساق المعرفية للتربية ولا يمكن للتربية أن تنفصل عن الفلسفة إذ هي المعنية بتحديد التوجهات الغائية للحركة التربوية في مختلف نشاطاتها وفعالياتها. والفلسفة ليست ضرورية للتربية فحسب بل هي ضرورية لمختلف العلوم. ولهذا نمت في كل فرع علمي فلسفة رديفة تسانده وتوجه خطاه، مثل فلسفة العلوم وفلسفة التاريخ وفلسفة التربية وفلسفة القانون وفلسفة اللاهوت.. الخ. وإذا كانت الفلسفة ضرورية في كل علم فإنها تأخذ صيغة الضرورة القصوى في كل نسق تربوي. فالتربية نسق معرفي غائي، وهذه الغائية لا تتحقق إلا بشروط فلسفية محضة ولهذا كانت فلسفة التربية وثيقة الصلة بالتربية وعلومها، إذ تشكل منصة أساسية تعتمدها التربية في مختلف توجهاتها العملية. وقد تجلت الفلسفات التربوية في نظريات تربوية مهمة جدا مثل النزعة الطبيعية في التربية والبرغماتية والوجودية والمثالية والمادية وغير ذلك من النظريات التربوي التي تحمل طابعا فلسفيا في ثناياها وطواياها.

وإذا كانت كل فلسفة هي تعبيرا عن عصرها، فإن الفلسفة التربوية تفرض حضورها في أي فعالية تربوية. ومن هذا المنطلق كان ديوي يؤمن بدور الفلسفة في التعبير عن الواقع وفي تغييره. فالفلسفة يجب ألا تقف عند حدود تفسير العالم بل يجب أن تعمل على تغييره كما يرى ماركس. ومن ثم فإن كل فلسفة لا تؤدي إلى التغيير والفعل والتأثير هي فلسفة فارغة تفقد معناها وغايتها ودلالتها. ومن هذا المنطلق أراد ديوي لفلسفته أن تكون فاعلة ومؤثرة في الواقع، ومحركة للطموحات الإنسانية، وفاعلة في الثقافة وفي مجمل النشاطات الإنسانية الحيوية في عصره. ومن الأهمية بمكان الإشارة في هذا السياق إلى تأكيد ديوي على الدور التربوي للفلسفة، لأن الفلسفة هي منطلق التغيير والمواجهة والتحدي فخليق بها إذا أن تنحني لمعالجة القضايا التربوية التي تحتل مكان الصدارة في فلسفة ديوي، حيث كان يطابق بين الفلسفة والتربية، إذ يرى أن الفلسفة هي النظرية العامة للتربية، ومن ثم يجب على هذه الفلسفة التربوية الجديدة أن تكون مؤثرة فاعلة عملية ونشيطة في بناء نظام تربوي يستجيب لطموحات الأمة وغاياتها المجتمعية الكبرى.

وفي هذا السياق يعارض ديوي المفهوم الكلاسيكي القديم للفلسفة الذي يرى أن الفلسفة هي حب الحكمة والبحث عنها. فهذا التصور القديم للفلسفة ليس واردا في تصور ديوي؛ لأن الفلسفة أخذت اتجاها آخر في فلسفته يتمثل في معادلة الحياة التي تتمثل في " التطبيق البصير لما نعرفه في السلوك وأمور الحياة"، ومن ثم فإن الفلسفة الجديدة التي شيدها ديوي تبحث في الغايات والقيم والاتجاهات التي توجه النشاط الإنساني بمختلف تجلياته الاجتماعية. لقد بيّن ديوي وأكد في هذا الاتجاه أن الفلسفة الحقيقية هي التي تتصل بالحياة وتعمل على تنظيمها وتوجيهها، وهي في هذه الصورة ليست شيئا آخر سوى التربية كما يؤكد في مختلف مقولاته. أما الفلسفة التي تنفصل عن الحياة فإنها تفقد معناها وتصبح فلسفة لفظية فارغة جوفاء لا معنى لها، ولاسيما تلك التي تأخذ من القضايا الميتافيزيقية موضعا مركزيا لها. فالتربية في منظور ديوي هي الفلسفة، والفلسفة هي النظرية العامة للتربية، والتفلسف يجب عليه أن يدور حول التربية بوصفها أكثر الاهتمامات الإنسانية ارتباطا بالفلسفة ذاتها. ومن هذا المنطلق نقول: بأن العلاقة بين الفلسفة والتربية علاقة كينونة ووجود. وإذا كانت التربية في حقيقة الأمر سعيا إلى تكوين ميول عقلية ووجدانية نحو الطبيعية والإنسان نفسه، فإن الفلسفة ستكون بالضرورة هي النظرية العامة في التربية كما يرى ديوي.

وأخيرا نقول إن الفلسفة ليست علما وكذلك هو حال الفلسفة التربوية، ومع ذلك فإن التربية لا تستقيم أبدا من غير الارتكاز على قاعدة متينة من التصورات الفلسفية العميقة التي توجه مسارها وحركتها نحو الغايات الإنسانية التي يحدده التطور الإنسانية في كل مرحلة وعصر.

س6: مراد غريبي: هل يمكن أن تحدثنا عن واقع علوم التربية عربيا وهل سبق للحضارة الإسلامية أن عرفت هذا المجال العلمي؟

ج6: د. علي أسعد وطفة: لقد أشرنا فيما سبق إلى أن علوم التربية حديثة العهد وقد نشأت وتطورت في بدايات القرن العشرين. ولكن عندما نأخذ التربية كسياق حضاري نجد أن الحضارة الإسلامية قدمت نماذج فكرية فلسفية مهمة في تاريخ الحضارة والتربية. ونحن نعرف جميعا أن العقيدة الإسلامية تتدفق بالمعطيات التربوية الفلسفية التي تأخذ طابعا أخلاقيا متميزا. وقد تضمن القرآن الكريم إشارات وتنبيهات تربوية ألمعية في توجهاتها، وجاءت السيرة النبوية الكريمة مفعمة بمختلف التوجهات التربوية الإسلامية. ومن ثم شهدنا تطورا كبيرا في الفكر التربوي الإسلامي على يد مفكرين جهابذة مثل الغزالي صاحب كتاب "أيها الولد"، وابن طفيل الأندلسي في قصته المشهورة "حي بن يقظان" التي وصفت بأنها قصة في فلسفة وفلسفة في قصة تربوية.

بنظرنا يعد ابن طفيل الأندلسي مؤسس النظرية الطبيعية بلا منازع وهو سابق على جان جاك روسو في هذا التأسيس. وقد شهدت الحضارة الإسلامية أيضا منابت نظريات تربوية جمة ومفكرين ألمعيين في هذا الميدان أمثال ابن باجة وابن سحنون وابن خلدون والغزالي والشافعي وابن طفيل والغزالي والقابسي وابن الحارث المحاسبي وابن القيم وغيرهم كثير. وقد أشار عبد الأمير شمس الدين في موسوعته التربوية إلى أهم المربين في الفكر الإسلامي ومنهم من أشرنا أليه آنفا مثل: ابن سحنون والقابسي والزرجوني والغزالي وابن جماعة والعاملي، وأشار إلى الفلاسفة المربين ومنهم الكندي وابن سينا وابن طفيل، وقطاع الكتاب والأدب يمثلهم الجاحظ وابن المقفع، وقطاع الصوفية يمثلهم الكلاباذي والسراج والطوسي وأبو نعيم الأصفهاني وأبو طالب المكي..

(يتبع)

 

حاوره: مراد غريبي

خاص بالمثقف

30 - 8 - 2021م

 

 

karima nooresawiibrahimborshashnفي إطار الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة، وتزامنا مع ليلة الفلاسفة التي دأب المعهد الفرنسي منذ سنوات على تنظيمها، واحتفاء بالفلسفة التي تُعتبر أم العلوم كان لنا لقاء علمي مع الدكتور إبراهيم بورشاشن الباحث الأكاديمي الرصين والشاعر المتميز.

د. كريمة نور عيساوي: في مستهل هذا الحوار سنكون سعداء أن نستمع إليك وأنت تنقلنا إلى أولى خطواتك في فضاء الفلسفة الرحب؟

د. إبراهيم بورشاشن: شكرا للأستاذة المحترمة الدكتورة كريمة نور عيساوي على هذه الالتفاتة الطيبة، وعلى هذه الفرصة التي تتيحينها لي لتعريف الجمهور المثقف في بلادنا العربية والإسلامية، وربما في بلاد أخرى، على همومي الفلسفية والشعرية وعلى هذه المساهمات المتواضعة التي قدمتها لحد الآن، والتي لا أخفيك سيدتي أنها دون ما كنت أطمح إليه لولا ظروف وأسباب قد نأتي على ذكر بعض منها إذا سمحت بذلك.

أستاذة كريمة أذكر أن علاقتي بالفلسفة بدأت في قسم الباكالوريا حيث تعاقب علينا في تلك السنة ما بين سنتي 1975و 1976 أكثر من أستاذ نتيجة للظروف الصحية التي كانت تعاني منها أستاذتنا الرسمية، ولعله من حظي أن أتى للتعويض أستاذ كفء، كان في ذلك الوقت مجازا في علم النفس، وسيصبح فيما بعد أستاذا بالجامعة وهو الدكتور عنيمي الحاج. ولعل طريقة تدريسه وتفاعله الوجداني مع المادة حببت إلينا الفلسفة، أو بالنسبة إلي على الأقل، لأني أذكر أني كنت الوحيد في قسمي الذي اختار التسجيل بعد ذلك في شعبة الفلسفة في الجامعة، إذ أن كثيرا من أصدقائي المتميزين اختاروا شعبة الحقوق، وأصبحوا فيما بعد محامين وقضاة. أو اختاروا الشعبة الأدبية، والتحقوا من بعد بالجامعة للتدريس، لكن انفعالي القوي بمادة الفلسفة بلغ إلى درجة أني أذكر أنه في تلك السنة قرأت أول كتاب فلسفي، وهو جمهورية أفلاطون، وشعرت بفارق كبير في شخصيتي النقدية قبل قراءتها وبعد قرائتها، فكانت الدفعة القوية لي للتسجيل في شعبة الفلسفة في السنة الموالية. والحمد لله أني لم أجد أي اعتراض من أسرتي، ولم يكن أبي رحمه لله يتدخل في اختياراتنا العلمية وإن كان قبل ذلك حريصا على أن يكون الكتاب أفضل صاحب لنا، وقد بذل لذلك مجهودات كبرى أفلحت في الأخير، بأن أصبحت عاشقا للكتاب. وقد قرأت كثيرا من كتب الأدب.

د. كريمة نور عيساوي: ألا ترى معي بأنك ظللت في عمقك أديبا، وأن شعلة الإبداع ظلت متقدة بداخلك، على الرغم من اشتغالك بالفلسفة؟

د. إبراهيم بورشاشن: إذا كان الشباب في جيلي يعشق المتعة فقد كنت عاشقا للكتاب، قرأت كثيرا لطه حسين وعباس محمود العقاد و إبراهيم المازني وتوفيق الحكيم وأعمال نجيب محفوظ وقبله كتب محمد مندور ثم ميخائيل نعيمة وحفظت كثيرا من الشعر العربي القديم. كما أن الوالد رحمه الله كان حريصا علينا أن نحفظ كثيرا من القرآن الكريم... وقد كان كل ذلك يقودني إلى التخصص في الأدب لولا صدفة الباكالوريا، إذا صح القول. لذا لم أفاجأ كثيرا وأنا أدلف إلى الخمسين من عمري عندما أصابتني من جديد لعنة الأدب، إذا صح اعتبارها كذلك، فتوقفت لفترة عن الاشتغال الفلسفي، وكتبت في قصيدة النثر مجموعة من القصائد جمعتها من بعد في ثلاثة دوواين لحد الآن.

د. كريمة نور عيساوي: لنعد قليلا إلى الوراء، وتحديدا إلى فترة دراستك للفلسفة في الجامعة المغربية، هل بإمكانك أن تُقربنا من عوالمها كما عشتها آنذاك؟

د. إبراهيم بورشاشن: كان نظام تدريس الفلسفة يجمع بين الراغبين في الفلسفة وفي علم النفس وفي علم الاجتماع في سنتين مشتركتين ثم يتم التخصص في السنة الثالثة، وقد اخترت شعبة الفلسفة العامة التي كانت تدرس القول الفلسفي الخالص مع ثلة من الزملاء، وبعد حصولي على الإجازة، تابعت الدراسة في السلك الثالث لتحضير شهادة الدراسات المعمقة. وهو الأمر الذي أهلني لتسجيل في دبلوم الدراسات العليا، وإعداد بحث عن ابن طفيل، ثم بعد ذلك هيأت أطروحة للدّكتوراه عن ابن رشد. وقد درسنا على أيدي أساتذة كبار من المشرق ومن المغرب، فأذكر من المشرق على سبيل المثال الأستاذة فوقية محمود التي كانت تدرسنا الأخلاق، والأستاذ الحبيب الشاروني الذي درسنا ديكارت، ووليم جيمس بأوهامه، إلى جانب ميخائيل سعد الذي درسنا علم النفس المرضي، والأستاذ فؤاد كامل الذي كان يدرسنا فلسفة اللغة. ولا أنسى الباحث الكبير الدكتور حسن حنفي الذي درسنا في السلك الثالث علم الكلام. أما من المغرب فقد تلقينا هذا العلم من باحثين شباب

كانوا قد بدأوا مسارهم العلمي في الكلية بكثير من الجدية والمثابرة والعشق لتخصصاتهم، أمثال محمد وقيدي، وأحمد العلمي، ومحمد المصباحي، ومحمد سبيلا، وسعيد بنسعيد العلوي، و عبد الصمد الديالمي، و محمد ألوزاد، والأستاذ جمال الدين العلوي الذي فتح مسارا جديدا في الفلسفة، وكان له تأثير كبير على طلبته.

د. كريمة نور عيساوي: أستاذ بورشاشن أنتم تذكرون دائما المرحوم جمال الدين العلوي، وقد أهديتموه كتابكم الموسوم بــ"مع ابن طفيل في تجربته الفلسفيةّ، كما كتبتم عنه قصيدة في ديوانكم الأخير الذي اخترتم له عنوان "كنت نائما فانتبهت". هل يمكن أن تخبر عن سر هذه العلاقة؟

د. إبراهيم بورشاشن: يجب الاعتراف بأنك بهذا السؤال تحركين في قلبي أشجانا للرحيل المبكر لهذا الرجل، الذي لو قدر له أن يعمّر قليلا لكان للفلسفة شأن وأي شأن في بلدنا المغرب، بل وفي العالم العربي والإسلامي بأكمله. لقد اختطفت المنية الأستاذ جمال الدين العلوي، وهو لم يتجاوز بعدُ عقده الرابع، وكان عطاءه العلمي يسير في اتجاه تأسيس القول الفلسفي العربي الإسلامي، وذلك من خلال تقنية دراسة النصوص، يمكن القول إن المرحوم أسس للمدرسة الفاسية التي ستشتهر بالاهتمام الفيلولوجي، وهو الذي كان وراء تأسيس"مركز الدراسات الرشيدية" الذي تعاقب على رئاسته بعد المرحوم كل من الأساتذة محمد ألوزاد، وأحمد العلمي، وعز العرب لحكيم بناني، وقد أنتج المركز دراسات علمية مهمة بفضلها تم تحقيق عدة نصوص لابن باجة. كما ساهم المركز في تكوين باحثين أكفاء. لقد كان المرحوم، يضع بين أيدينا نصوص الفلاسفة المسلمين، ويحثُنا على معايشتها مباشرة دون الرجوع إلى أي مصدر آخر حتى نتعلم الإنصات إلى النصوص، وقراءة لغتها الفلسفية على الرغم من صعوبتها بالنسبة إلينا. مكنتنا هذه العلاقة بالنصوص الفلسفية من تنمية ملكاتنا الفلسفية والنقدية، وسمحت لنا أكثر من ذلك بتقديم قراءات ذاتية لبعض الإشكالات الفلسفية.

د. كريمة نور عيساوي: طيب، أستاذ بورشاشن، طالما أننا نؤرخ لمسارك الفلسفي. هلا حدثتنا عن عملك الأول حول ابن طفيل.

د. إيراهيم بورشاشن: ترجع علاقتي بابن طفيل إلى سنة الإجازة حيث أنجزت بحثا حول "فشل الفيلسوف" عند ابن طفيل، ثم بعد نيل شهادة استكمال الدروس، أكملت المسار الجامعي، وسجلت بحثي لنيل دبلوم الدراسات العليا حول "التجربة الفلسفية لابن طفيل"، وقد كان علي قبل أن أقرأ نص ابن طفيل الفلسفي الوحيد "قصة حي بن يقظان" أن أعمل أولا على تحقيقه، وفعلا حصلت على أربعة مخطوطات، وأنجزت نصا محققا تحقيقا أوليا، قبل أن أغوص في النص وأقدم قراءتي المقترحة.

د. كريمة نور عيساوي: لكن في نظرك ما علاقة التحقيق بموضوعك الفلسفي؟

د. إبراهيم بورشاشن: أنت تعلمين سيدتي أن كثيرا من النصوص الفلسفية المنشورة تعاني من كثير من الأخطاء، فضلا عن الهنات التي تلحقها من قبل نساخها، والتي لم يؤد الناشر دوره في تصحيحها. بل قد لا نستغرب من وجود نصوص سقطت منها فقرات كاملة مثلما هو حال القصة التي اتخذتها موضوعا لدراستي، فنشرة أحمد أمين تعاني من سقوط فقرة مهمة فيها، كما أن نشرات حي بن يقظان مليئة بالأخطاء، وهو ما عاينته في مقالة لي عن نشرات الرسالة، فكان لزاما علي أن أرجع إلى المخطوطات حتى لا أقع في خطأ يتعلق بقراءة كلمة أو فقرة فأخرج في التأويل عن المطلوب، وفعلا كان عمل تحقيق النص مفيدا لي، لأني عايشت النص عن كثب، واستطعت أن أقف من خلال ذلك عند بعض اللحظات المهمة في النص، كما استطعت أن أضبط تمفصلاته الكبرى، وقد ساعدني طول صحبتي مع النص أن أقدم دراسة من ثلاث محطات كبرى؛ فكانت محطة سياسية ـ ثقافية عالجت فيها علاقة ابن طفيل بزمانين؛ الزمن المرابطي، والزمن الموحدي. مع الوقوف عند بعض عوائق التفلسف في المجتمع الإسلامي، ومحطة وقفت فيها عند الأصول التي متح منها ابن طفيل نسقه الفلسفي، وبخاصة الرافد الباجي والسينوي والغزالي، وقد حاولت في دراسة حديثة وسمتها ب"ابن طفيل ومنتحلو الفلسفة في عصره" أن أقدم فرضيات حول مصادر أخرى للتجربة الفلسفية لابن طفيل، وفي المحطة الثالثة عالجت مسالة "التقريب الفلسفي" حيث تبينت من خلالها الطريقة التي انتهجها ابن طفيل لإيجاد وشائج القربي بين القول الفلسفي والقول الشرعي، وهو ما يبرز رغبة المسلمين في جعل المعرفة معرفة كونية، وهذه في اعتقادي من أهم الإسهامات التي قدمها المسلمون بين يدي الفكر الفلسفي

د. كريمة نور عيساوي: كيف ذلك؟ هل نطمع في مزيد من التوضيح؟

د. إبراهيم بورشاشن: طبعا، هذا الجهد الذي قام به الفلاسفة والمسلمون لبيان أن الحكمة الإغريقية كما وصلتهم لا تباين الحكمة الشرعية، كما نجد ذلك عند الكندي، وقد بينت ذلك في دراسة لي عن "الوحي والفلسفة عند الكندي"، وكما نجد عند ابن طفيل، وعند ابن رشد، هي درس في كونية الحقيقة لم يقم به سوى المسلمون كما انتبه إلى ذلك فتحي مسكيني، ففي الوقت الذي كان الإغريق يرى أن لا معرفة إلا معرفته وجد المسلمون في حكمة الإغريق ما يمكنه أن يتوافق ومعرفتهم وبالتالي لم يجدوا حرجا في التعامل مع هذه الحكمة سواء في آليتها المنطقية، التي لم يسلم حتى الفقهاء من تأثيراتها الكبرى عليهم، أو الطبيعية أو الميتافيزيقة، وإن كانوا أدخلوا عليها من إبداعاتهم وإنشاءاتهم ما يقربها من خصوصيتهم الثقافية أكثر، كما نجد في مفهوم "الحدوث المستمر" عند ابن رشد، أو مفهوم "الفيض" مثلا عند الفارابي. لكن ظلوا يرون الحقيقة عامة غير خاصة ولا حرج عندهم من اقتباسها من غيرهم سواء كانوا إغريقا أو هنودا أو فرس أو رومان أيضا. وانظري إذا شئت إلى تأويلات ابن رشد للقرآن الكريم سواء في كتابه "فصل المقال" أو في كتاب "تهافت التهافت"، سترين كيف كان الرجل مسكونا بالوحي وبهاجس الحكمة عند القدماء أيضا. وقد بينت ذلك في دراسة لي عن "الوحي والفلسفة عند ابن رشد"،

د. كريمة نور عيساوي: قل لي من فضلك أستاذ بورشاشن كتابك الأول عن ابن طفيل كان في الأصل رسالة جامعية قمت بنشرها. ما هي القيمة المضافة لكتابك الثاني الذي عنونته بـــــــ "هل نحن في حاجة إلى ابن طفيل؟"ّ.

د. إبراهيم بورشاشن: الكتاب الثاني هو تطوير لبعض قضايا الكتاب الأول، ومقالات أخرى تفتح المجال في البحث في رسالة حي بن يقظان سواء على مستوى هذا الاحتفاء العالمي بقصة حي بن يقظان، والبحث عن دلالاته، انطلاقا من نشرة الناربوني العبرية مرورا بنشرة بوكوك اللاتينية إلى غيرها من النشرات المترجمة إلى كثير من اللغات الأوروبية، أو على مستوى الأبحاث المعاصرة في "تاريخ النص"، أو مستوى استنطاق النص من خلال هذه الإشكالات التي يحبل بها، من مثل إشكال علاقة ابن طفيل ممن أسماهم "منتحلو الفلسفة" أو ممن شغلوا بالمضنون به على غير أهله وكانوا سبب كتابة النص أو على الأقل من دواعي الكتابة، أو على مستوى تحقيق النص نفسه، هذا النص الذي أعتقد أن نشرة علمية جديدة له يمكن أن تقدم للباحثين ورشة فلسفية مفتوحة للعمل العلمي. أو على مستوى علاقة العلم بالفلسفة في نص ابن طفيل. وأعتقد أنه يمكن لمساهمتي المتواضعة بشأن ابن طفيل أن تقدم ورشا علميا مفتوحا في قصة حي بن يقظان، وفي متن ابن طفيل الأدبي أيضا.

د. كريمة نور عيساوي: ماذا تقصد بالمتن الأدبي؟ وما علاقته بفلسفة ابن طفيل؟

د. إبراهيم بورشاشن: تعلمين سيدتي أن شعراءنا كلهم تقريبا اهتموا بالفلسفة والأدب معا، وبعضهم كان شاعرا مجيدا مثل ابن سينا وابن باجة وابن طفيل، وقد عبر فلاسفتنا عن هموم فلسفية بقول شعري جميل كما نلمس ذلك في عينية ابن سينا الشهيرة التي مطلعها:

هبطت إليك من المحل الأرفع *** ورقاء ذات تعزز وتمنع

بل إن فلاسفتنا توسلوا بالأسلوب القصصي في عرض قضايا فلسفية عميقة كما صنع ابن سينا في أقصوصته"حي بن يقظان" والتي دبجها بأسلوب رمزي مكثف حتى كادت أن تستعصي على الفهم، وقد اقتدى ابن طفيل بالشيخ الرئيس، وألف قصته"حي بن يقظان" لكن في أفق مغاير من حيث الأسلوب والمضمون. فحظيت بإقبال كبير لم تحظ به قصة ابن سينا. وأعتقد أن فهم الشخصية الأدبية مدخل أساس لفهم شخصيته الفلسفية لأن الشكل لا ينفصل عن المضمون، فلا شك أن الشكل الأدبي شكّل بل وطوّع المعاني الفلسفية التي فصل فيها القول ابن طفيل بأسلوب سردي في قصته الفلسفية. دون أن نغفل عن الذكر أن ابن طفيل توسّل بالقول الشعري في التعبير عن شخصيته طبيا فكتب أرجوزته الطبية الضخمة التي نأمل أن تُكتشف نسخة أخرى منها للاستفادة منها. لذا يمكني القول باطمئنان : إن الأدب مدخل إلى فهم الفلسفة عند ابن طفيل على الأقل.

د. كريمة نور عيساوي: الآن أدركنا سبب اهتمامكم بابن طفيل. فما قصّتكم أستاذ بورشاشن مع ابن رشد؟ وهل كانت نقلتكم من ابن طفيل إلى ابن رشد طبيعية أم شابها بعض التكلّف؟

د إبراهيم بورشاشن: ابن طفيل وابن رشد سيدتي، قصة صحبة. فابن رشد يسمي ابن طفيل صاحبه، ويذكره في كتاب "تلخيص الآثار العلوية" كما أن بينهما مراجعات في الطب ذكرها ابن أبي أصيبعة، وكما هو معروف فإن الذي قدم ابن رشد إلى الخليفة يوسف بن عبد المؤمن هو ابن طفيل، وتم تكليفه رسميا بالاشتغال على المتن الأرسطي شرحا وتنقيحا. إنها قصة جديرة بأن تكتب كتابة علمية رصينة عندما تكتشف هذه النصوص التي جمعت بين الصاحبين. وقد حاولنا فيما كتبناه أن نلمس ذلك لمسا خفيفا إلى درجة أننا افترضنا فرضيات بعيدة عندما طرحنا السؤال :"ماذا لو قرأ ابن رشد قصة ابن طفيل، أي موقف كان سيكون له منها؟" وقدمنا جملة فرضيات للإجابة، قد تقترب أو تبتعد عن المألوف، لكن نتمنى أن نكون فتحنا بابا من القول، ونرجو أن تتاح فرص علمية أنسب وأكمل لتفصيل القول أكثر.

د. كريمة نور عيساوي: إذن يمكن القول ونحن مطمئنون بأن نقلتك من ابن طفيل إلى ابن رشد كانت نقلة طبيعية؟

د. إبراهيم بورشاشن: أعتقد ذلك، وإن كان الإشكال الذي أرّقني مع ابن رشد مختلف، مع ابن طفيل كان الهم فيلولوجيا، وسوسيوـ ثقافي، لقد كان همّي ينحصر في وضع ابن طفيل في إطاره الحضاري، ووضع قصته في مكانها في تاريخ الفلسفة الإسلامية على الخصوص. أما مع ابن رشد فقد كان هاجسي يتمثل في البحث عن وحدة مفترضة بين متنه الفقهي ومتنه الفلسفي خاصة أن البعض شكك في شخصيته الفقهية وبعضهم أنكر عليه كتابا فقهيا كبيرا مثل "بداية المجتهد وكفاية المقتصد"، فكان هاجسي هو البحث في شخصية ابن رشد الفقهية والفلسفية لردم هذه الهوة التي وجدتها فيما بعد أنها هوة زائفة؛ ومن هنا كانت فرضيتي الأولى عن الأصول الفقهية لفعل التفلسف عند ابن رشد؛ فبحثت عن تولد العقلية النقدية عند ابن رشد من التراث الفقهي الذي كرع منه وبخاصة تراث جده، وافترضت أن هذه العقلية النقدية، والتي تتجلى بشكل كبير في كتابه في الفقه العالي مدخل أساس لتبلور شخصيته الفلسفية، فكان تراث ابن رشد الجد مع تراث أبي حامد الغزالي جسرين عبر منهما ابن رشد إلى الفلسفة بشكل طبيعي وآمن؛ فقد كان دور الغزالي حاسما في النّقلة الفلسفية عند ابن رشد كما حاولت بيان ذلك مستثمرا أطروحة كان جمال الدين العلوي رحمه الله قد بثها في العدد الثامن من مجلة كلية الآداب بفاس، وهي أطروحة أعادت تشكيل العلاقة بين الشارح الأكبر وحجة الإسلام. كما دفعت بفرضية أخرى تزعم أن الحياة الفلسفية لابن رشد تنطوي تحت جبته الفقهية وإن كان يرى أن الفيلسوف أفضل من الفقيه، بل هو في نظره أكمل الناس. وبالإضافة إلى ذلك افترضت أن مفهوم "الجمع" الذي يستخدمه الفقهاء من أجل لمّ شتات الأقاويل الشرعية المتعارضة قد استخدمه ابن رشد في الجمع بين أفلاطون وأرسطو، والجمع بين الأقاويل المتعارضة، وبين شخصيات علمية تبدو أقاويلها في الظاهر أقاويل متعارضة. كما أنني بحثت في المتن الرشدي فوجدت أن المفاهيم التي تلحم القول الفقهي والقول الفلسفي مفاهيم واحدة، وأن الطريقة الصّناعية التي يكتب بها هي طريقة واحدة في الفقه والفلسفة والطب على السواء.

وهكذا شكّلتُ أطروحة، أحسب أنها كانت متكاملة في وقتها على الأقل، تثبت وحدة المتن الرّشدي في الفلسفة والفقه والطّب على السواء.

د. كريمة نور عيساوي: ألا تعتقد أستاذ بورشاشن أن جمال الدين العلوي سبق أن نادى بوحدة المتن الرشدي؟

د إبراهيم بورشاشن: طبعا، أنا لا أنكر ذلك، وقد نوّهت بذلك في مقدّمة كتابي الذي صدر عن دار المدار الإسلامي بعنوان "الفقه والفلسفة في الخطاب الرشدي"، وإذا كان من فضل لهذا الكتاب فهو أنه استطاع أن يبرهن على هذه الأطروحة، وأن يفصل القول فيها بعد موت الأستاذ سنة 1992، مع العلم أني بدأت العمل في هذه الأطروحة بعد سنة 1996. أي بعد الانتهاء مباشرة من مناقشة رسالتي عن ابن طفيل. ولابد من القول إنه رغم أن مشاريعي الفلسفية الأولى كانت من وحي أستاذي جمال الدين العلوي، فإن المرحوم كان قد قضى، ولم يُكتب له أن يرى ثمرة أحد تلامذته التي أنضجتها مع الوقت من خلال تأملاتي في نصوص الفلسفة الإسلامية، وهذا التردد بين النظر الفقهي والنظر الفلسفي.

د. كريمة نور عيساوي: لكن كتابك الذي وسمته بــــ "هل نحن في حاجة إلى ابن رشد؟ّ عدت فيه مجددا إلى ابن رشد، هل قدمت جديدا في هذا الكتاب؟

د. إبراهيم بورشاشن: رغم أن الغرض من هذا الكتاب هو بيان أن ابن رشد يمكن أن يعاصرنا، وأن موته الذي ينادي به البعض هو مناداة غير تاريخية، فإن الكتاب يستعيد بعض القضايا التي سبق أن عالجتها في كتابي السابق عن ابن رشد، أردت إبرازها في مقالات مفردة للتنبيه على معاصرة ابن رشد لنا مثل قضية علاقة ابن رشد بالتصوف وعلاقته بالموسيقى مثلا، لكن الكتاب يضم أيضا دراسات جديدة من قبيل علاقة الوحي بالفلسفة عند ابن رشد، و دور الزمن في التأليف الرّشدي. إنني رمت في هذا الكتاب تقريب ابن رشد كما كان الغرض من كتابي "هل نحن في حاجة إلى ابن طفيل"والقصد الأكبر هو تحريك العقل العربي المسلم للنظر في قضايا الفلسفة الإسلامية بجهات من النظر مختلفة، وأكاد أجزم أن المتن الفلسفي العربي الإسلامي زاخر بكثير من القضايا الفلسفية البكر التي تحتاج لمن يفترعها ويخرج بها إلى العالم.

د. كريمة نور عيساوي: بعد أن طُفنا في رحاب الفلسفة الإسلامية، وإشكالاتها الكبرى سنُحلق في سماء الشعر ومتاهاته. حدثنا عن تجربتك الشعرية، وكيف ولجت عالم الشعر؟

د. إبراهيم بورشاشن: رغم أني بدأت أديبا وكان أول عمل أدبي كتبته أقصوصة صغيرة في سنتي الثانية من التعليم الثانوي بثانوية المولى إسماعيل بمكناس، دون أن أتجاوز العشرين من عمري، بل لعل أول عمل كتبته كان مسرحية شعرية بمناسبة احتفالات عيد العرش عندنا في إعدادية الأزهر بمكناس، أما الشعر في تجربتي الأولى فكان عبارة عن قصائد رومانسية نظمتها في مناسبات عاطفية مختلفة. ثم عندما دلفت إلى الجامعة انقطعت صلتي به. وما حصل بعد ذلك هو أني لما بلغت عقدي الخامس أصابني جني من وادي عبقر، وعدت إلى الأدب، وتحديدا إلى الشعر، وقد أثمرت هذه العودة لحد الآن ثلاثة دواوين شعرية ذات نفحة فلسفية ــ صوفية، كما لاحظ ذلك بعض الدارسين.

د. كريمة نور عيساوي: هل تتكرم أستاذ بورشاشن وتحدثنا عن كل ديوان على حدة؟

د. إبراهيم بورشاشن: أول ديوان أصدرته سنة 2011 كان عنوانه: "الطين المسجور" ورغم أن قصائد الديوان كتبت منذ 2006 تقريبا إلا أنها جاءت تحمل في طياتها بصمات الربيع العربي، وإن كان الديوان يحتوي على قصيدتين، على الأقل، كتبتا إبان موجة الاحتجاجات، وظهرت فيهما بعض أحداث تونس وليبيا واليمن والأحداث الأولى لسوريا. لكن روح الديوان المهيمنة هي روح الألم، ورفع الصوت ضد كل أنواع الاستبداد كما في قصيدتي "النيرونية" و"النحلة المغاضبة"، كما تجلى هذا الألم في قصيدتي "الغريب" وقصيدتي التي ناجيت فيها القلم، وغازلت فيها الحروف، وتشكل قصيدتي "الطين المسجور" قصيدة غريبة إذ هي في العمق قصيدة غزلية، لكنها في ظرفها التي نشرت فيه ظهرت لي كأنها نوع من النذير لانطلاق شرارة الربيع العربي، إذ تبدو وكأنها تتحدث عن حريق البوعزيزي لنفسه. وقد ذيلت الديوان ببعض قصائدي عن الحيوانات، وبخاصة قصيدتي "نعي عجماء" التي نعيت فيها جروا مات أمامي بعد أن دهسته دراجة نارية.

د. كريمة نور عيساوي: وماذا عن الديوان الثاني؟

د. إبراهيم بورشاشن: الديوان الثاني مختلف تماما، فديواني "إبحار في عيون الحوريات" أفردته لقصائدي التي كتبتها أيضا على طول الفترة الممتدة من 2006 إلى 2012.

د. كريمة نور عيساوي: ولم أفردت ديوانا للمرأة؟ هل ثمة أسباب ذاتية من وراء ذلك؟

د. إبراهيم بورشاشن: لم يكن هذا أيضا رأي الأستاذ الشاعر عبد الكريم الطبال الذي قدّم لي الديوان، لكني وجدت في هذا الجمع والإفراد مناسبة لي لإبراز علاقتي بالمرأة في مجموعة شعرية مفردة، وقد تنوعت وجوه المرأة في الديوان فاستحضرت صور زوجتي وابنتي و أصناف من النساء ممن صادفتهن إما مباشرة وإما عبر تقنيات التواصل الحديثة مثل قصيدتي "آجيا" التي كتبتها في سيدة مسيحية لبنانية، وقصيدتي "في عصمة الجبل" التي كتبتها في سيدة صوفية لبنانية، وقصيدتي "في غيابات الجب" التي كتبتها في شاعرة أردنية، وقصيدتي "عاشقة الحروف" التي كتبتها في شاعرة لبنانية، وهكذا و في كل مرة التقي فيها بسيدة أجد في شخصيتها ما يلهمني فأكتب فيها قصيدة مثلما هو الأمر في قصيدتي "سمفونية العين" التي كتبتها عن فنانة تشكيلية، وقصيدتي "مخيط الشفق" في خياطة، بل إنني أدرجت في هذا الديوان قصيدتي "عتاب إلى فاس" لأن فاس لم تخبرني عن زيارة الحبيب لها. طبعا من ألهمنني من نساء بلادي كثر، وعلى قدر كبير من الحساسية الجمالية، لا أستطيع الوفاء بحقها بالكلمات.

د. كريمة نور عيساوي: هل أصبحت المدينة عندك امرأة؟

د. إبراهيم بورشاشن: الشاعر ينشىء عالمه الخاص به، فيرى موضوعات العالم العادية بنظرة مختلفة. لكن الغريب أن قصائدي كلها عن المرأة تعتورها نفحة صوفية عميقة، ويغيب فيها التشبيب الجسدي الذي ينزع إليه بعض الشعراء. فنظرتي إلى المرأة يغلفها ضرب من المثالية كما في قصيدتي "عشق الروح" وقصيدتي "الشفاه المرسومة"، بل إن النفحة الصوفية تظهر قوية في قصيدتي "رماح العشق" و"سارقة الحب". وقد ختمت ديواني الجديد بقصيدتي "كنت نائما فانتبهت" بقصائد غزلية تمتح من أجواء ديوان "الإبحار".

د. كريمة نور عيساوي: إذن سنُبحر نحو ديوانك الجديد؟

د إبراهيم بورشاشن: ديواني الجديد، الذي اخترت له آخر جملة شعرية في القصيدة التي كتبتها رثاء لوالدي رحمه الله "كنت نائما فانتبهت"، قدمه لي عميد الأدب المغربي الدكتور عباس الجراري، وقرّضه الشاعر الدكتور حسن الأمراني. وقد اخترت أن أنوّع أشعار هذا الديوان، وقسمته إلى خمس مرايا إذا صحّ التعبير : مرآة سمّيتها "حميمية المكان" وخصصتها لقصائد تمدح المكان كما في قصيدتي عن مدينة زرهون، وبعضها فيه مدح مفارق إذا شئت، كما في قصيدتي عن مكناسة الزيتون، ومرآة أخرى سمّيتها "حميمية الروح" قدّمت فيها بعض القصائد ذات النفس الوجداني الصوفي، ومرآة أخرى سمّيتها "حميمية الصداقة" تترجمها قصائد تؤرخ لعلاقات صداقة، ثم مرآة سمّيتها "السّفسطائي الأخير" فيها قصائد تسلّط الضوء على بعض المفارقات التي تعتور العلاقات الإنسانية عندما تحضر السفسطة، أي القدرة الخطيرة على إبدال الحق باطلا والباطل حقا، وهي القدرة التي تعضدها سلطتا السلطة والمال، فيكون الإقناع أسهل، ثم أخيرا مرآة "الغَزَل المنقوض" التي تضم قصائد غزلية كما حدثتك قبل قليل.

د. كريمة نور عيساوي: لاحظت أستاذ بورشاشن وأنا أطالع كتاباتك، وأستمع إلى هذا الحوار الشيق معك ثراء في إصداراتك الفلسفية والشّعرية، وأودّ الآن أن اقترح عليكم السؤال الآتي: ما العلاقة التي تنسجونها بين القول الفلسفي والقول الشعري؟

د. إبراهيم بورشاشن: أولا شكرا على هذه الكلمة كلمة "ثراء" وإن كنت أرى أنّ الظّروف التّي مررت منها، والتي حالت دون التحاقي بالجامعة عطلت إنجاز بعض مشاريعي الفلسفية، ولعلّها هي التي اضطرتني إلى الذهاب إلى قلعة الشّعر، وهجران البحث العلمي لفترة من الزمن. أنا اعتبر نفسي أنّي قدمت إلى الشعر بالعرض، فانا لم أكن أفكر إلا في متابعة مشاريعي العلمية التي فتحتها لي أبحاثي في ابن طفيل وفي ابن رشد، لكن القانون المشؤوم الذي يمنع حاملي دكتوراه الدّولة من الالتحاق بالجامعة كسّر هذا المسار العلمي واضطرني إلى الشّعر.

د. كريمة نور عيساوي: لكن لم الشعر؟

د. إبراهيم بورشاشن: يذهب هيدجر إلى أنه عندما تصبح إمكانية التفلسف مستحيلة يبزغ الشعر ، فنحن نحتاج إلى ترتيب مقامنا على ظهر الأرض، عندما لا نستطيع ذلك فلسفيا نفعله شعرا، ومن هنا ارتباط الشعر بالكينونة كما أبرز ذلك هيدجر؛ فكأن الواقع أصبح يضيع مني فأنا أستعيده وأفكر فيه بالشعر، بل ربما الأفضل أن أقول أعيد بناء الواقع بالشعر، لأن الإبستمولوجيا علّمتنا أن الواقع غير معطى، وإنما هو يبنى، وفعلا بنيت عالما من الشعر حاولت فيه أن أجد المعنى لوجودي الذي كاد أن يضيع مني تحت ضغوطات الواقع وإكراهاته. فمجتمعاتنا لا تؤمن بالذاتية في علاقتها بأفرادها، إنها لا تفرق بين الجماعة والقطيع؛ فنحن مع الجماعة من حيث هي مؤسسات وضدّ الخلاف الممزق لبنية مجتمعاتنا، لكن ضد عقلية القطيع من حيث إنها نزوات فردية وأعراف لا تحترم كينونة الأفراد، ومن هنا تأتي غربة الشاعر والفيلسوف أيضا في مجتمع قاهر ولا يكاد يميز بينهما. ولعل من هنا أتت غربة ابن باجة في كتابه الفريد "تدبير المتوحد" وابن طفيل في قصته الفلسفية الفريدة "حي بن يقظان"، إن الفيلسوف كائن مبدع وكذا الشاعر يبدع، لكن لا إبداع إلا إذا كان الفضاء يحترم الفردية والذّاتية ويحمي حريات الأفراد.

د. كريمة نور عيساوي: إذن بالشعر أضفيت المعنى على وجودك؟ هل يعني أنك قبل الشعر لم يكن لوجودك معنى؟

د. إبراهيم بورشاشن: شكرا على هذا السؤال سيدتي، حقا يسهم الشعر في اكتشاف الذات بل وفي إبداعها، ولا أخفيك أن الفترة التي انكببت فيها على كتابة الشعر كانت فترة غوص عميق في الذات، كما كانت فترة انفتاح على المجتمع، كما لا أخفيك أن درجة تفاعلي عند كتابة القصيدة كانت قويّة لدرجة أنني عندما كنت أكتب قصيدة أشعر أحيانا بوهن شديد وعياء كبير. ولعل هذا التّفاعل العميق هو الذي جعلني أجدد ذاتي، وأعطى لأشعاري صدقها وقوتها الإيحائية وجدّة كثير من صورها كما تنبه إلى ذلك الدكتور حسن الأمراني.

د. كريمة نور عيساوي: أراك تتحدث عن علاقة الفلسفة بالشعر عندك دون أن تدخلنا إلى عالم دواوينك الثلاثة، وتقدم لنا أمثلة عن ذلك.

د. إبراهيم بورشاشن: عندما نكتب سيدتي، لا نعبر فقط بعقولنا بل يتدخل اللاوعي فيجد التعبير عنه في غفلة عنا، لذا فنحن نبدع بكل طاقاتنا العقلية والتخييلية وساعتها تتجسد هويتنا في ما نكتب، وكأن من يريد أن يعرف نفسه فلير نفسه في مرآة ما يكتب. عندما أرجع إلى ما أكتب أجدني أسير شخصية فلسفية إغريقية معها بدأت الفلسفة بالتحديد، أقصد شخصية سقراط، وقد كتبت في ديواني "الطين المسجور" قصيدتين عنه إحداهما سمّيتها "سقراط" استلهمت فيها إشادة سقراط بالعقل، والثانية "سؤال سقراط" استلهمت فيها شغف سقراط بالسؤال، وفي ديواني الأخير قصيدة أيضا عن سقراط، استلهمت فيها نظريته التي اشتهر بها ، أقصد :"اعرف نفسك بنفسك". لكن الدواوين كلها تعج بأسماء فلاسفة كثر من مثل ابن رشد، واستلهام قصة حي بن يقظان لابن طفيل، واستلهام حكاية موت ابن باجة بالباذنجانة المسمومة، واستلهام فكرة "العود الأبدي" لنيتشه، ومقولة هرقليطس في عدم إمكانية النزول إلى النّهر مرتين، وتجربة أفلوطين الذي خلع بدنه مرتين كما يقال، وتجربة السفسطائية في تاريخنا المعاصر، وكذا الرواقيين، كما استحضر اسم الخوارزمي، وكذلك موقف فيثاغوراس من أصل الوجود؛ عددا ونغما، وفي قصيدتي "جسد بلون التراب" تبدو أسماء لفلاسفة معاصرين من مثل ياسكال وديكارت وشوبنهور ودوبوفوار صديقة سارتر ، كما أن النفحة الفلسفية تظهر في بعض عناوين قصادئي من مثل "عشق الروح" و"عين الجمع"، كل هذا الزخم الفلسفي طبعا لا يفارقه الإحساس بالهوية العربية الإسلامية التي أنتمي إليها، كما يظهر في دواويني من استخدام للمفاهيم والتعابير القرآنية، وانفعالي الشديد بتجربة ابن حزم الأندلسي كما عرض لها في كتابه الفريد "طوق الحمامة"، وكلما ظهر اسم "الظاهري" في قصائدي فهو يشير إلى هذا التماهي بيني وبين الفقيه والشاعر الأندلسي ، وكأنني في دواويني أريد أن أعبر عن هوية منفتحة على البعد الإنساني، وأظن أن البعد الإنساني حاضر بقوة في نصوصي الشعرية وذلك للتحرر الكبير الذي كان يصاحبني في لحظة الإبداع. وحتى لا أثقل عليك سيدتي سأقف هنا، وإلا فإن القضايا الفلسفية والتي تثير في نظري إشكالات عميقة والتي أعرض لها بنفس شعري كثيف في دواويني كثيرة، وأزعم أنها تحتاج إلى دراسة مفردة.

د. كريمة نور عيساوي: أشكرك الأستاذ والشاعر المغربي إبراهيم بورشاشن على هذه الجلسة العلمية التي فتحت لنا فيها قلبك، وحدثتنا عن مسارك الفلسفي والشعري، وأترك لك كلمة أخيرة تختم بها هذا اللقاء الماتع معك.

د. إبراهيم بورشاشن: شكرا أستاذ كريمة على إتاحتك هذه الفرصة لي، فقط أحب القول إن حاجتنا اليوم إلى الفلسفة كما هي حاجتنا إلى الشعر حاجة حيوية وضرورية في عالم يفقد المعنى ويخلع عنه أثوابه الرمزية الجميلة، وأعتقد أن الدخول إلى العالمين الفلسفي والشعري يبدأ في ثقافتنا العربية من إعادة الاعتناء بالفلسفة الإسلامية من خلال رموزها الكبار الكندي والفارابي وابن سينا والغزالي وابن باجة وابن طفيل وابن رشد وغيرهم من الذين أثْرَوْا الحقل الفلسفي الإسلامي، وأيضا من خلال متنها الصّوفي الضّخم والذي يشكل ثروة رمزية كبيرة وخزّانا من الدّلالات، و كذا من خلال تلك المؤلّفات العلمية التي تركها من مارس العلم في حياتنا العربية الإسلامية من أمثال الخوارزمي وابن الهيثم وابن البنّا المراكشي وغيرهم من القامات العلمية التي قدّمت إسهامات كبرى في العلم العربي الإسلامي إن صح هذا التعبير. كما أنه يجب أن نعتني باللغة العربية وبالأدب العربي وإلا كيف نستطيع أن نفكر إذا لم نكن نمتلك ناصية الأدب الذي يمكّننا من التعبير عن أدقّ الأفكار وأعمق الأحاسيس. قراءة تراثنا الأدبي القديم وبخاصة الشّعري منه مدخل أساس من مداخل نهضتنا المعاصرة التي لن تبلغ كمالها أيضا إلا إذا انفتحت بوعي على مكتسبات العقل المعاصر في اللغات والفلسفة والعلم والفنون على السواء. وشكرا لك سيدتي.

 

 

 

 

.

 

 

 

 

salam alsamawimajed algarbawia"الحضارة الاسلامية قامت على العنف، والسيف وقطع الرؤوس، وقمع المعارضة، واقصائها. من يقرأ التاريخ يعجز عن احصاء عدد القتلى من المسلمين بسيوف المسلمين فضلا عن غيرهم. هذا هو الجانب المسكوت عنه في الحضارة الاسلامية، ونخشى مقاربته خوفا من الطعن بقداسته" .. ماجد الغرباوي

 

الاستاذ ماجد الغرباوي، كاتب وباحث، رئيس مؤسسة المثقف في سيدني استراليا، له مجموعة مؤلفات، يشغله همّ التجديد في الخطاب الديني، واصلاح مناهج التفكير لدى المسلمين. وقد اشتغل على موضوعات التسامح، والعنف، والحركات الاسلامية، وغيرها. كان لنا هذا اللقاء، فاهلا وسهلا به:

 

س1: سلام السماوي: لأنك تعيش في ظل حضارة غربية بعد ان عشت متنقلا بين أكثر من بلد اسلامي وعربي بحكم ظرفك السياسي، كيف تجد الفارق بين الحضارتين الغربية والاسلامية؟

ج1: ماجد الغرباوي:الفارق بين الحضارتين هو: ان الاولى استطاعت ان تصنع انسانا يعي ذاته ومسؤولياته .. يقبل بتداول السلطة سلميا، ويتعايش مع الآخر رغم اختلاف الثقافات والديانات .. يجيد لغة التفاهم، ويتمتع بحرية واسعة، في ظلها تتفجر ابداعاته على جميع المستويات، ويمارس طقوسه في ظل حرية دينية، ويعبر عن قناعاته بشفافية ضمن حرية الرأي والاعتقاد. كما نجح الغرب في استبعاد سلطة الكنيسة، والتحرر من ثقل التراث والماضي والعادات والتقاليد القبلية المكبلة، وارتكز الى العلم والتجربة.

اما نحن (في الشرق) فما زلنا نرفض الآخر ونصفه بالكافر و(النجس)، بما في ذلك الآخر الداخلي، اعني المسلم، الذي نختلف معه مذهبيا، فيجيز لنفسه ذبح اخيه، لا لشي سوى هذا الاختلاف البسيط. وحتى لو اعترفنا بالآخر نعترف به منّة وتفضلا، بينما الغرب يعتقد ان الآخر شريك في الحقيقة، فالاعتراف به حقيقي، كما هو الاعتراف بالذات.

الفرد هنا - وانت ايضا تعيش هذه الاجواء - يشعر بكينوننته، انه انسان له كامل الحقوق، ويمارس كل طقوسه وعاداته وتقاليده، ويصرح بكل قناعاته، ويفعل ما يشاء (حدوده القانون وحرية الآخرين). بينما يعاني الفرد هناك من القهر والكبت والحرمان.

الفرد هنا يتفجر ابداعا، بينما يُقمع هناك رغم كل ما لديه من قابليات، ربما لسبب بسيط هو الاختلاف سياسيا او دينيا او مذهبيا.

 

س2: سلام السماوي: في رأيك، هل تعتبر الحضارة الاسلامية الان ندا للحضارة الغربية، ولو في بعض جوانبها؟ ولماذا؟

ج2: ماجد الغرباوي: النديّة سيدي الكريم تحتاج الى تكافؤ بين الطرفين. او يكون الفارق الحضاري من الضآلة ما يسمح بالتناد بينهما. فهل تعتقد استاذ سلام ان واقع المسلمين الان يصلح ان يكون ندا للحضارة الغربية؟؟ لا احد يرى ذلك حتى المسلمين انفسهم. فمنذ الصدمة الحضارية وما زلنا عيال على الحضارة الغربية في كل شي. ونحن بدون الغرب كما يقول ادونيس صحراء وجمل. وعندما اقول لا ندية بينهما اعي جيدا ما اقول. نحن نحتاجهم في كل شي، ونفتقر لمنجزاتهم حتى النظريات في مجال العلوم الانسانية، بل وحياتنا الان تتوقف على تلك المنجزات خاصة العلمية منها، والغرب راهنا يستعمر الدول الاسلامية الا القليل من خلال حاجتها وافتقارها له. ولو قطع الغرب امداداته العلمية لتوقفت الحياة في كثير من الدول الاسلامية. الغرب هو المركز ونحن الهامش والاطراف ندور من حوله،وهذا ليس انسحاقا او شعورا بالدونية، انما هو واقع نعيشه كل يوم، فنحن لم نحقق نهضتنا ولم نتقدم ما فيه الكفاية بحيث نتخلص من تبعيتنا للحضارة الغربية، ونكون ندا لها. تصور حتى في المجال الأدبي نحن نقلدهم في تطورهم على مستوى الأداء والنظريات النقدية. غاية الأمر ان بعضا يحاول ان يجد جذورا اسلامية لها، كما بالنسبة لقصيدة النثر، وهذه احد عُقدنا لا نعترف بالخطأ ونجيد التبرير والبكاء على الاطلال. اذاً نحن مدعوون لاستكمال نهضتنا اولا ثم نطرح انفسنا للتناد مع الحضارات الاخرى.

 

التفاعل الحضاري

س3: سلام السماوي: انفتح المسلمون على العالم الخارجي، فحصل تفاعل حضاري بينهم. متى بدأ التفاعل الحضاري بين المسلمين وغيرهم، وما هي الطرق التي مهدت لذلك؟

ج3: ماجد الغرباوي: انفتاح المسلمين على غيرهم من الحضارات كان عن طريقين:

الأول: الترجمة: حيث ظهرت البوادر الاولى للترجمة في العصر الأموي على يد خالد بن يزيد الذي تخلى عن السلطة متفرغا للعلم والترجمة ورعايتهما، ثم تطورت في العصر العباسي، وكان عصرها الذهبي في زمن المأمون الذي أولى الترجمة عناية خاصة وأسس دار الحكمة، حيث تم نقل شطر كبير من تراث اليونان وبلاد فارس والهند. وكان اداته عدد من المترجمين ممن يجيد لغة ثانية الى جانب اللغة العربية، او بالواسطة عبر لغة ثالثة، كما حصل لقسم من التراث اليوناني. والترجمة تعد انفتاحا فكريا وثقافيا وادبيا على تراث وحضارة الشعوب الاخرى. بل اكثر من انفتاح حيث تفاعل المسملون مع ذلك التراث بشكل ما.

الطريق الثاني: الفتوحات الاسلامية، السلمية والحربية، حيث اطلع المسلمون على الواقع الحضاري والفكري لتلك الشعوب، التي تختلف عن العرب لغة وثقافة. فتأثروا به وأثروا فيه. فكان هناك تفاعل، انعكس على المنجزات الفكرية الاسلامية. سواء العلماء الذين دخلوا مع الفتوحات، او علماء تلك الشعوب ممن آمن بالرسالة الاسلامية، لكن ظلت ترسبات حضارته وتراثه الفكري تؤثر في رؤيته وتفاعله.

 

س4: سلام السماوي: هناك من يرى ان الخط البياني للحضارة الاسلامية لم يتراجع او يتوقف في اي زمن من الازمان، ولكن غيرها من الحضارات استغلت علماءها ومجدديها ومفكريها فتقدمت، بينما لم تفعل الدول الاسلامية ذلك فتخلفت؟ ماهي وجهة نظركم؟

ج4: ماجد الغرباوي: الواقع استاذ سلام يكذّب هذا القول، ولديك متسع من الوقت لتجرد كل ما يدور حولك، فهل تجد سوى منجزات غربية اصالة او تقليدا لها؟؟.

وحتى اذا كان هذا البعض يقصد الجانب الفكري والعلمي وليس المنجز العملي، فايضا الغرب ومنذ دشن نهضته، هو مصدر النظريات العلمية والفكرية وعلى جميع المستويات. انظر الى مناهج الجامعات والأكاديميات عندنا، كل ما لديها علم غربي، سواء العلوم الانسانية او التجريبة. بل حتى مناهج تفكيرنا غربية، وبات واضحا من لم يرتكز للنظريات الغربية في بحوثه ودرساته تبقى ناقصة، ومن لم يستفد من منجزهم التجريبي لا يمكن انجاز اي شي، لان الغرب يمسك بالتكنلوجيا، ثم جاءت ثورة المعلومات والتطور التكنلوجي، فجعلنا في اقصى الهامش.

لا انكر ان بعض الدول الاسلامية حققت نهضتها بالاستفادة من المنجز الغربي، ثم بناء حاضرة تفاعلية، كما بالنسبة الى ماليزيا، حيث تعد من الدول المتقدمة الان.

اذاً، من يدعي شيئا نطالبه بالدلليل لان الواقع يكذّبه .. الهوة سيدي الكريم من العمق عندما تطلع عليها الاجيال القادمة ستلعننا. لاننا تخلينا عن حضارتنا، وبتنا عيالا مستعمَرين من حيث نشعر او لانشعر، للغرب وحضارته.

 

س5: سلام السماوي: خلال العصور الأربعة الأولى لعب علماء المسلمين ومفكروهم دورا بارزا ومهما في تشييد حضارة اسلامية. وبعبارة أدق انتاج حضارة جديدة نافست الحضارات التي سبقتها وتفوقت عليها، امثال، الكندي، الفارابي، ابن سينا، ابن رشد، وغيرهم الكثير من المتكلمين والمفسرين والفقهاء والعلماء، فلماذا لم تظهر اسماء قوية في الوقت الحاضر؟ وإن وجدوا، فمن هم، وما مدى تأثيرهم؟

ج5: ماجد الغرباوي: لا شك ان علماء المسلمين في العصور الاربعة الاولى شييدوا حضارة اسلامية، وتقدموا في مجال العلوم النظرية والتجريببة، ولو كانت بشكلها الاولي البسيط، خاصة في مجال علوم الرياضيات، والطب، والكيمياء، والفلك، اضافة الى تخصصهم في مجال الفقة الذي هو صناعة اسلامية، غير مسبوقة، وبناء معالم فلسفة اسلامية، وكان وراء هذه الجهود شخصيات تركت اثرا واضحا في التاريخ. وقد ساعد على تراكم هذه المنجزات عدة عوامل، منها هامش الحرية، وتشيجع الحكومات، والدافع الذاتي، والحث الديني والقرآني. ثم في عصر النكوص تلاشت اغلب هذه الدوافع والمشجعات، فعاش المسلمون عصر السبات والتخلف. وبعد الصدمة الحضارية، واكتشاف العالم الغربي وما حققه في نهضته خاصة في المجالين العلمي والعسكري، افاق المسلمون من سباتهم، فطرحوا ما يسمى بسؤال النهضة: (لماذا تقدم الغرب وتخلف المسملون؟). ومنذ ذلك الحين وما زال المفكر والمثقف المسلم يعالج هذه المشكلة بحثا عن اسبابها. ورغم تشخيص الاساب عموما، لكن لم يحقق المسلمون نهضتهم المرتقبة.

اقصد بما تقدم، وجود حضارة ذات معالم اسلامية، يشار لها في مقابل الحضارات الآخرى، ولا اقصد الجهود الفردية، فبلا شك هناك جهود قيمة لعلمائنا ومفكرينا لكنها لم ترق لحد الان الى مستوى حضارة اسلامية ميزة. خاصة اذا اضفنا لها جهود المسلمين ممن يعيشون في الغرب وما اضافوا لتلك الحضارات من تراكمات علمية وانجازات تكنلوجية.

اذا هناك جهود لشخصيات اسلامية وعربية الا انها لم تشكل اساسا متماسكا لحضارة مستقلة في معالمها. اما لماذا لم نستكمل بناء حضارة ذات معالم اسلامية وعربية، فسنجيب عن ذلك من خلال تشخيص اسباب التخلف الحضاري في الاسئلة القادمة.

 

س6: سلام السماوي: فيما يخص الحضارتين الغربية والحضارة الاسلامية، مَن المتأثرة بالاخرى اولا، وما مدى هذا التأثير ثانيا؟

ج6: ماجد الغرباوي:الحضارة الاسلامية أقدم، ولها قدم السبق، وقد اقتاتت الحضارة الغربية على منجزاتها، من خلال ما ترجمه المستشرقون من علوم اسلامية، كانت الاساس لنهضتهم، وحضارتهم، اعترفوا او لم يعترفوا بذلك. بل ذهب بعض الباحثين ان الغرب بدأ بترجمة ونقل العلوم الاسلامية منذ القرن التاسع، عبر الاندلس. حيث كانت الرحلات من الغرب اليها متواصلة. وتؤكد الوثائق ان الغرب بنى حضارته ونهضته على علوم المسلمين. وظل كتاب القانون لابن سينا مثلا يدرس في جامعاتهم لا سيما الفرنسية الى وقت متأخر. لهذا كانت الصدمة هائلة عندما اكتشف المسلمون حجم التطور الغربي من خلال حملة نابليون بونابيرت على مصر. المستشرقون عادة ينكرون ذلك، ويعتبروا جذورهم ضاربة في الفكر اليوناني، وما دور المسملين الا الوسيط في الترجمة. وهذا خطأ باعتراف الموضوعيين منهم، حيث ان البصمات الاسلامية كانت واضحة على المنجزات العلمية والفكرية. ثم المنجز العلمي في مجال العلوم التجريبة هي منجزات اسلامية، كما في مجال الطب والفلك والكيمياء وغيرها. فالحضارة الغربية هي التي تأثرت بالحضارة الاسلامية، وارضيتها العلمية ابتُنيت في ضوء ما انجزه المسلمون ونقله المستشرقون لدولهم عن طريق الأندلس.

لكن ماذا ينفع هذا التفاخر والغرب الان يمسك بقبضة التقدم ويتحكم بنا من خلال افتقارنا لابسط منجزاته!!!!، يستفزنا ويستنزف قرواتنا ونحن لا حول لنا ولا قوة.

 

الفلسفة الاسلامية

س7: سلام السماوي: هناك من يرى ان الفكر الفلسفي الاسلامي نسخة من الفكر الفلسفي اليوناني، فماهو تعليقكم؟

ج7: ماجد الغرباوي: الفلسفة كما هو معروف تاريخيا يونانية النشأة، وهي ضاربة في قدم حضارتهم، وتعني في لغتهم: "محب الحكمة"، وقد انتقلت عبر الترجمة الى الحضارة الاسلامية، وتفاعل المسلمون مع مفهاهيمها ومقولاتها، وما زال المنطق الأرسطي يسود تفكير المسلمين، في مجال العلوم الدينية، رغم تخلي المدارس الفلسفية الحديثة عنه. لكن قبل انفتاح المسلمين على الحضارة اليونانية ومدرسة الاسكندرية والهند وفارس، سبقها تأسيس لعلم الكلام، على هامش جدل المسلمين حول مجموعة من المفاهيم والمقولات التي رافقت نشوء الفرق الكلامية على خلفية الصراع السياسي: كحقيقة الايمان، وصفات الله، والقضاء والقدر، وفاعل الكبيرة. فتمخض الجدل عن رؤى عقلية وكلامية .. ما اريد قوله ثمة ارضية واستعداد لتقبل الفكر العقلي والفلسفي والتفاعل معه لدى المسلمين حينما انفتحوا على الحضارة اليونانية، وهي أرضية مهدت لنشوء فلسفة ذات معالم اسلامية، بعد ان اعاد الفلاسفة المسلمون طرح ما يهمهم من قضايا عقائدية في ضوء المنطق ومقولات الفلسفة اليونانية، فاستفادوا من بعض الأدلة في مجال الإلهيات مثلا وطوروا اخرى. وبالتدرج تبلورت فلسفة اسلامية، هي خليط من الفلسفة اليونانية والفكر الاسلامي، وبهذا تم تشييد أسس فلسفة اسلامية على يد الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم. فالقول بان الفكر الفلسفي الاسلامي نسخة طبق الاصل من الفكر الفلسفي اليوناني فيه انكار لجهود الفلاسفة المسلمين، حيث طور هؤلاء مجموعة من المفاهيم والمقولات، خاصة في مجال الالهيات.

 

س8: سلام السماوي: اذاً هناك تاثير مباشر من العقل اليوناني في الحضارة الاسلامية، فما مدى هذا التاثير؟

ج8: ماجد الغرباوي: بلا شك هناك تأثير واضح للعقل اليوناني، ويكفي ان المنطق الأرسطي ما زال مؤثرا في العقل الاسلامي، خاصة الدراسات الاسلامية، بل وتأثر الفقه الاسلامي ايضا بالمنطق الأرسطي والفلسفة اليونانية، كما بالنسبة للاشكال الاربعة المعتمدة في الاستدلال، حتى ارتكز لها الفقه الاسلامي باسراف.

وفي مجالا الإلهيات، كمسألة الخالق وصفاته التي تصدى لها افلاطون، والنفس وهل هي ازلية، وغير ذلك، حيث تبنى الفلاسفة المسلمون من حيث يشعرون او لا يشعرون تصورات الفلاسفة اليونانين، وأدلتهم. والبعض الآخر استفاد من تلك الامكانيات العقلية لكن طوّر أدواته وأدلته وبراهينه. ولا ننسى ان المسملين اطلعوا على التراث الفلسفي ما قبل ارسطو وافلاطون، وما بعده، وبقوا على تماس معه، حتى فترات متأخرة.

وايضا تأثر المتكلمون المسلمون، عندما تخندقوا بمقولات المنطق الأرسطي للدفاع عن عقائدهم، وطرق جدله في القياس والاشكال الأربعة. فحجم تأثر المسلمين لا ينكر الا انهم بمرور الايام شيدوا معالم مدرسة فلسفية اسلامية، من خلال شروحهم للفلسفة اليونانية، او من خلال ما تولّد من تصورات وافكار جديدة، حتى ان الفكر الاسلامي الفلسفي بدأ يغزو الغرب عن طريق الترجمة، وخاصة فكر ابن رشد. فاصبح تفاعل بين الفكرين، بوتيرة تصاعدية.

فتأثير الفكر اليوناني بالفكر الاسلامي يمكن ملاحظته في مجال: اللهيات، والمنطق، والرياضايات من خلال ترجمة كتب بطليموس وغيره. والتصوف، كما بالنسبة لنظرية الفيض، وفكرة العقول العشرة التي طورها المسلمون. وكذلك تأثيره في مجالي علم الكلام والفقه الاسلاميين.

لكن يجب ان نؤكد ان التأثير لا يعني الفكر الاسلامي نسخة طبق الاصل، كما بينا في جواب متقدم، وانما تفاعل بين الطرفين، فمثلا الرؤية الاسلامية تختلف عن الرؤية اليونانية حول الخالق وصفاته. وهذا لا ينفي وجود منظومة افكار ومفاهيم يونانية كاملة، كما بالنسبة للمنطق الأرسطي. كذلك فكرة العقول العشرة، تم صياغته وفقا للتصورات الاسلامية.

 

العلاقة مع الغرب

س9: سلام السماوي: في وقتنا الحالي؟ هل يوجد صراع بين الحضارتين الغربية والاسلامية ام حوار؟ ماهي الأدله على ذلك في الحالتين؟ او بشكل اوضح ما هي طبيعة العلاقة بين الحضارتين الغربية والاسلامية، صراع أم حوار؟

ج9: ماجد الغرباوي: برأيي كان بالامكان ان يكون هناك حوار حضاري بين الحضارتين في ظل ثورة الاتصالات الكبيرة، غير ان سلوك المتطرفين الاسلاميين قلب المعادلة فخلق حالة توجس وخوف من الاسلام والمسلمين. قد تتفاقم مع امتداد الحركات التكفيرية، لكن لو استعاد المسلمون وعيهم وطوقوا هذه الحركات، ربما تساعد الاجواء مستقبلا على استئناف الحوار من خلا وسائل الاتصال الحديث، ومن خلال سلوك مغاير يعكس سماحة الاسلام وحبه للآخر.

نعود للسؤال: ماذا يمكن ان نسمي العلاقة بين الطرفين؟ هل هو صراع أم حوار؟ اقول ان الغرب مسكون بنظرية هانتغنتون في صراع الحضارات، وان نقاط اللقاء بين الطرفين ستكون نقاطا حمراء، وصراعا ثقافيا دمويا؟ لكن انا شخصيا ضد هذا التنبؤ الا في حالة تمادي المتطرفين الاسلاميين. الشعوب الغربية باتت تعي حجم تداعيات الحروب والصدامات، وقرارات الدول الغربية رغم انها قرارات مؤسساتية لكن تراعي مشاعر شعوبها وتوجهاتها. والشعوب ترفض الصدام.

 

س10: سلام السماوي: وهل تقبل الشعوب الغربية بالآخر، الذي هو نحن العرب والمسلمين؟

ج10: ماجد الغرباوي: للاسف لحد الان الأرضية غير مؤهلة لاحتضان الآخر، لا بالنسبة لهم ولا لنا. فهم يعتبروننا (أقصد الشعوب وليس الحكومات) شعوبا متخلفة تقتات عليهم في كل ما يحتاجون، وهم ارقى جنسا. هذا الشعور موجود لدى شريحة واسع منهم. ونحن ايضا ما زلنا نعتبر الاخر كافرا، ونفتي بنجاسته. وما زلنا نتحدث بلغة ارض الكفر وارض الاسلام. فثقافتنا الاسلامية بالنسبة للآخر طاردة، بسبب افرازات الدراسات الفقهية المتأثرة اساسا بالصراعات الداخلية، والقائمة على التكفير، واستباحة الدماء. نحن نعيش ويلات داخلية بسب هذا اللون من الفكر، فكيف نقبل بالآخر المختلف الذي نصفه بالكافر والنجس، ونحرم ذبائحة وطعامه والزواج منه الى غير ذلك، وعندك فقه الأقليات وطالعه. وانظر الى الحركات المتطرفة التي تتشبث بهذه الفتاوى، وتخر عليها صما وعميانا، رغم تقاطعها مع مبادئ وقيم الدين الحنفيف. بل ما نشاهده اليوم من ممارسات على ايدي ما يسمون بالدولة الاسلامية او (داعش)، من سبي النساء غير المسلمات، وقطع الرؤوس بما فيها الرؤوس المسلمة خير شاهد على ما نقول.

 

التطرف الديني

س11: سلام السماوي: هل هناك جذور لهذا الفهم المتطرف؟ ولماذا اعتاد المسلم على اشهار السيف على معارضيه؟

ج11: ماجد الغرباوي:للاسف نحن دائما نتفاخر بما أُنجز في العصور الأربعة الاولى في مجال العلوم، لكن ننسى، او هكذا أرادوا لنا ان ننسى، ان الحضارة الاسلامية قامت على العنف، والسيف وقطع الرؤوس، وقمع المعارضة، واقصائها. من يقرأ التاريخ يعجز عن احصاء عدد القتلى من المسلمين بسيوف المسلمين فضلا عن غيرهم. هذا هو الجانب المسكوت عنه في الحضارة الاسلامية، ونخشى مقاربته خوفا من الطعن بقداسته. كيف كان خليفة المسلمين يقترف هذا لولا فقهاء السلطان، ممن يشرعن تصرفاته وسلوكه، ويقمع باسم الدين كل صوت معارض. لقد اقترف الفقهاء جريمة كبرى عندما حولوا الصراعات السياسية الى صراعات دينية وباسم الدين، فكان يقتل المعارض لانه خروج على الدين وسلطته الشرعية.

انا أشرت بكتبي صريحا اني اتحفظ على جميع الفتوحات والاعمال العسكرية التي جرت باسم الدين وتحت لواء خليفة المسلمين، وبعنوان الجهاد في سبيل الله. الجهاد سيدي الكريم لم يعد فعليا بعد انتصار الاسلام ودخول الناس في دين الله أفواجا .. وما بعد الرسالة سوى دفاع عن النفس ورد العدوان وهذا لا يحتاج للقتال، لكن فقهاء السلطة عبأوا الناس للجهاد ارضاء لهوى الخليفة والسلطان.

 

س12: سلام السماوي: وهل هذا يصدق على الخفاء الاربعة؟

ج12: ماجد الغرباوي: ان اول خطأ ارتكبه الحاكم الاسلامي كان حروب الردة، بقيادة ابي بكر الصديق، حيث اعترض عليها عمر ابن الخطاب، وطالب بمعاقبة خالد بن الوليد. وشاح عنها وجه علي ابن ابي طالب. والقوم لم يرتدوا، وانما رفضوا خلافة ابي بكر التي لم تتم بطريقة سليمة، ولم يجمع عليها المسلمون، او كما قال عمر: انها فلتة، وخطأ حصل. فجمعوا زكاتهم ووزعوها على فقرائهم، ولم يسلموها للخليفة. فهم لم يرتدوا، ولم يتخلفوا عن اقامة الصلاة، وظلوا يشهدون ان لا اله الا الله حتى حينما قاتلهم جيش الخليفة. وهذا اول تأسيس للعدوان بعد رسول الله، واستمر الخلفاء ومن جاء بعدهم، ثم السلاطين، يستبيحون كل شي باسم الدين والاسلام. اما لماذا لم يفكر احدنا بحجم تداعيات ما يسمى بالفتوحات الاسلامية؟ ألم نفكر بحجم ما اقترف الخلفاء والولاة باسم الشرعية الدينية؟ الحجاج يقتل 120 الف من العراقيين. والعباسيون يقتلون 50 الف من الشاميين، وماذا عن معاوية، ويزيد الذي تجرأ على قتل ابن بنت رسول الله، الحسين بن علي. تاريخنا مأساة لا مثيل لها لانها جرت باسم العدالة والدين والتشريع. وما زال القتل يقطع رقابنا باسم الدين وتأسيا بسيرة الخلفاء والسلاطين للاسف الشديد.

 

القرآن والتطور الحضاري

س13: سلام السماوي: المعجز الالهي، القرآن الكريم، كتاب شامل وأساس الاسلام في تشريعاته ومبادئه وقيمه الأخلاقية. لو سألنا وقلنا ان هناك عوامل كثيرة ساهمت مساهمة فعالة في تطور الحضارة الاسلامية منها: وجود عقول نيرة تولت زمام الامور، والاحتكاك بالحضارات المجاورة، فما هو دور القرآن في تطور حضارة المسلمين؟

ج13: ماجد الغرباوي: هذا سؤال يحيلنا على تعريف الحضارة اولا. الحضارة في تصوري: (منجز بشري شيدته تفاعلات فكرية - مادية). وعندما نقول حضارة اسلامية نعني ما أنجزه المسملون من خلال تفاعلهم الفكري مع الجانب المادي. فالبعد الفكري أساس في أي حضارة، والحضارة تجسّد الفكر من خلال منجزها ومستوى تطورها على جميع أصعدة الحياة. والقرآن كما تعلم محور الفكر الاسلامي، ومرجعيته، فهو يدخل عنصرا أساسا في فكر المسلمين، من حيث وعيهم للحياة، ودورهم على الأرض. حيث قدم القرآن تصورات كافية، ورسم اهدافا مفتوحة، عززها بمحفزات مادية ومعنوية. فمثلا عندما يقول القرآن: (قل سيروا في الأرض فأنظروا ..). والمسير في الارض مع التفكر، يفتح افاقا واسعة لحركة العلم والمعرفة. وايضا الآيات المحفزة هي كثيرة: ألا يتفكرون، ألا يعقلون، ألا يتدبرون ..

او ما يعزز هذا المعنى حث الرسول على طلب العلم: (اطلب العلم من المهد الى اللحد) (اطلب العلم ولو كان في الصين).

او دور الانسان في الأرض كما يصفه القرآن، حينما يقول تعالى: (اني جاعل في الارض خليفة)، حيث تقدم الآية وعيا جديدا لدور الانسان، يرتكز على الاستخلاف والاعمار. او آيات العمل الصالح الملازم للايمان فانها كثيرة جدا، والعمل الصالح لا ينغلق على موضوع محدد، وانما ينفتح على كل عمل فيه صلاح للانسان، بهذا اندفع علماء المسلمين يطورون من ادواتهم، ويحققون منجزات كبيرة في مجال العلوم، منها تأسيسية، وفي أكثر من علم، حافزهم في ذلك طلب مرضاة الله تعالى، باعبتاره عملا صالحا، وهو هدف كبير بالنسبة للمؤمنين به. اذاً القرآن الكريم اوجد ارضية تدفع باتجاه بناء الحضارة وتطويرها، كما عمل القرآن على فتح آفاق نفسية وروحية تحفز على بناء الحضارة، من خلال نظريته ربط الدنيا بالآخرة.

 

س14: سلام السماوي: في حاضرنا تعتبر الامة الاسلامية ممزقة، ولا وجود للوحدة فيما بينهم كما هو معلوم، كذلك عدم وجود رموز اسلامية تعيد للامة الاسلامية وحدتها، هل القرآن الكريم برأيك قادر بمفرده على توحيد المسلمين، أم هناك شروط اخرى؟ وكيف؟

ج14: ماجد الغرباوي: السؤال عن قدرة القرآن في توحيد صفوف الأمة الاسلامية الممزقة، يعد سؤالا جوهريا ومهما. نكتفي بآيتين لنؤكد اهتمام القرآن بوحدة المسلمين حيث طرح مبدأ التمسك بحبل الله: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا).

وحذّر من تمزقهم وتنازعهم: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم).

اذاً وفقا للمنطق القرآني ان التمسك بحبل الله يضمن وحدة المسلمين، بينما التنازع يمزقهم. وهذا منطق لا يستقيم الا بشرطه، وشرطه هو التمسك وعدم التنازع. فالقرآن من حيث المبدأ قادر على تماسك الجماعة المسلمة، بمعنى انه قادر على تأسيس وعي كامل لمسألة وحدة المسلمين، من خلال حثه على الأخوة، والإيثار، والتسامح، والعطاء، الى آخره، وكلها عناصر تساهم في وحدتهم. وقوة هذا الطرح ما يقدمه القرآن من بديل: دنيوي – اخروي .. توفيق في الدنيا لمن يعمل صالحا ويعنى بجماعة المسلمين، وثواب آخروي، بدخولهم جنات عدن. اذا التمسك بحبل الله هو التمسك بقيم السماء ومبادئه الاخلاقية، وعندما يتخلى المسلمون عن ذلك يصيبهم الوهن.

وتمزق المسلمين دليل على عدم تمثلهم لخُلق القرآن وقيمه في العلاقة فيما بينهم، وبينهم وبين الآخر. المسلمون الآن لا يتمسكون بحبل القرآن بقدر تمسكهم بآهوائهم ومصالحهم الفئوية والطائفية والسياسية، حتى عمدوا الى تفسير النصوص لصالحها. فأفرغت من محتواها وفاعلياتها. وصارت تدعم هذا الطرف وتذم ذاك. وهذا حال المسلمين منذ وفاة الرسول والى يومنا هذا. والغريب ان الكل يُعلن انتماءه للدين، ويتلبس بلبوسه. والكل يتمسك بالقرآن، حتى وهو يذبح اخيه المسلم من الوريد الى الوريد، كما تفعل الحركات الاسلامية المتطرفة، التي شوّهت بسلوكها قيم الدين الحنيف، وقد اخطأت خطأ كبيرا عندما تأست بالخلفاء والسابقين بينما كان المفروض ان تعي القرآن وشروطه الموضوعية، ودور الزمان والمكان في الاحكام، فيكون رصيدها قرآني وليس سيرة الماضين.

اذاً لا بد من أمة تتمثل قيم السماء، ولا بد من مشروع عملي لوحدتهم، اذا كنت تقصد من السؤال الوحدة السياسية ايضا. وقد كان رمز الوحدة الاسلامية السيد جمال الدين الافغاني داعية بصدق لها، عندما طرح مشروع الوحدة الاسلامية، كأطار سياسي يمثل قوتهم. وجاء من بعده مصلحون آخرون دعوا للوحدة بين المسلمين ونبذ الخلافات، كما في مشروع التقريب بين المذاهب الاسلامية في القاهرة، وايضا في وقتنا الحاضر في ايران.

 

التخلف الحضاري واسبابه

س15: سلام السماوي: لكن ما الذي حصل فتمزقت وحدة المسلمين استاذ ماجد؟ ولماذا لم تثمر هذه الجهود عن وحدة حقيقية بينهم؟

ج15: ماجد الغرباوي: الذي حدث بنظري نتيجة طبيعية لسببين:

الاول: التنازع على السلطة بعد وفاة الرسول، مع عدم وجود مرجعية فكرية ودينية لتسوية النزاع، كان الشرارة الأولى لتمزقهم، فلا توجد آيات تحدد شكل السلطة وصفات الخليفة، بل لا توجد آيات تهتم بالشأن السياسي صراحة. ولا الرسول تحدث بما يسد هذه الثغرة، سوى روايات تروى قابلة للتأويل، ليس فيها صراحة كافية لحسم الخلاف السياسيي. فالخلافات السياسية ومن يتولى امامة المسلمين، وإن هدأت بين الخلفاء الأربعة، لكن في الظل بدأ يتبلور تيار معارضة، يمثل رؤية فكرية وعقائدية تختلف عن التيار السياسي الرسمي. ثم تحول الى ثورة في زمن عثمان، ليعلن عن نفسه صراحة من خلال موقف الامام الحسين وما تلته من ثورات وانتفاضات. وبالتالي ظهرت فرق ومذاهب متصارعة تعكس الصراع السياسي بلباس فكري وعقائدي. وصار الانقسام حول كل مفهوم يستمد روحه من ذلك النزاع السياسي. وهذا الوضع بلا شك يمزق الأمة.

والثاني: ان حبل الله الذي هو منظومة القيم والمفاهيم القرآنية، والذي حثنا الله ورسوله على التمسك بها، قد تأثر هو الآخر بالنزاعات السياسية واختلاف وجهات النظر التأويلية التي بدورها تراعي توجهات الجهات السياسية، اضافة الى مرونة النص التي تغري في تأويلات مختلفة، فساد الاستبداد السياسي، واختفى هامش الحرية، وصار قمع المعارضة سياسة تمسك بها كل الخلفاء في الدولتين الاموية والعباسية ومن جاء بعدهما. فتعمقت الخلافات، وزادت الهوة بين المسلمين.

 

س16: سلام السماوي: وهل هذه الاسباب كافية لتفسير تخلف المسملين عامة والعرب خاصة حتى في وقتنا الحاضر؟

ج16: ماجد الغرباوي: اذا اردنا التعرّف على الاسباب الحقيقية لتخلف المسلمين عامة والعرب خاصة الى يومنا هذا فيمكن الاشارة الى الأسباب التالية اضافة الى ما تقدم:

- الاستبداد السياسي، الذي يتصف باسلوبه القمعي من خلال مصادرة الحريات وقمع المعارض، وهما شرطا تطور اي بلد، حيث تتفجر العبقريات والابداعات في ظل الاجواء الحرة، وانت تعيش في الغرب وتشاهد مدى تأثير الحرية على تطور البلد في جميع الجوانب، خاصة السياسي. والمستبد كما تعلم يرفض المحاسبة، فيتصرف وكأنه المالك الحقيقي، وليس شخصا تنتهي صلاحياته بانتهاء مسؤولياته. كما ان المستبد يكافح لمنع وصول اي شخص منافس وكفوء للسلطة كي لا تفتضح اساليبه القمعية.

- الاستبداد الديني، حيث اصطف رجل الدين مع المستبد السياسي فراح يشرعن سياسته القمعية. ويمنحه شرعية في تصرفاته وسلوكه، فاصبح الظلم والاستبداد باسم الدين والتشريع، ولعل مثاله الواضح رجال الدين ممن اصطف مع خلفاء الدولة الأموية والعباسية، او سلاطين الدولة العثمانية وشاهات الدولة الصفوية، وتأثيرهم السلبي على حركة التحرر، حتى بقت الشعوب ما يقارب 1500عام تحت ربقة الاستبداد السياسي بفضل الاستبداد الديني. لهذا قالوا: ان الاستبداد الديني أخطر من السياسي، لانه باسم الدين والآله، والناس تصدّق ذلك بطيبتها وقلة وعيها. الاستبداد الديني يمنح قدسية للمستبد، ويحرّم الخروج على سلطته فيساهم في ترسيخها على حساب الشعب وتطلعاته.

- انعدام الوعي لدى الشعوب المسلمة عامة والعربية خاصة بفعل الاستبداد الديني، وانعدام فرص التعليم، الا لدى نخبة من المثقفين والمبدعين، ممن ساعدتهم الظروف الحياتية. وانعدام الوعي هو رهان الاستبدادين الديني والسياسي، ولولاه لما تمكن اي من الاستبدادين البقاء طويلا وما زال.

- الاستعمار: وما فعله في بلادنا، يعد عنصرا رابعا من اسباب تخلف المسلمين عامة والعرب خاصة، وللاسف لم نتحرر من سطوته الى يومنا هذا، حيث ما زال يمسك بقراراتنا السياسية والاقتصادية، لاننا لم نتحرر حقيقة، وبقينا نحتاجه في كل شي. فالاستعمار يستغل افتقارنا له، فكيف اذا كانت حاجاتنا له في كل شي؟؟؟ لهذا هو يفرض هيمنته بصورة مباشرة وغير مباشرة .. الجيوش المستعمرة خرجت من الاراضي الاسلامي، لكن الشعوب الاسلامية ظلت تلهث واراءهم.

- عدم الاعتراف بالآخر (خاصة الآخر الداخلي المسلم)، قد مزّق وحدة المسملين الحقيقية، فالاختلافات المذهبية توغلت في عمق الايمان الشخصي، فصار الآخر كافرا ونجسا، وحذرنا من التعامل معه، وحرمانه من الجنة والنعيم ورحمة الله. وهذا أخطر الأسباب لانه يخلق ثقافة عدوانية تنابذية، تدين الآخر الذي هو شريك في الوطن والدين والشعور، فكيف لا تتمزق وحدة المسملين؟.

- التقديس، ابتلى المسلمون والعرب خاصة بنزعة تقديسية باعدت بينهم وبين الحقائق، حتى استغرقت القداسة أتفه القضايا، فبحجة القداسة احجمنا عن النقد، الذي هو أساس تطور الشعوب، وبقى كل شي على ماهو عليه تقديسا للماضي والتراث وعادات وتقاليد الاجداد. انا لست ضد كل هذه الاشياء لكن ضدها عندما تكون عائقا للوعي والتطور، حينئذ ارفضها، وابالغ في نقدها كي تفسح المجال للعقل يمارس دوره ويتفتق ابداعه.

- التقليد، صفة آخرى ابتلى بها المسلمون .. الحاضر يقلّد الماضي في كل شي، فخبا الابداع، وقُمعت القابليات. والتقليد وليد شرعي لثقافة التقديس .. تقديس الماضي، وتقديس السلف، فما زلنا بعد الف وخمسمئة سنة نقلد السالف الصالح، ونستفتيهم بشؤوننا وحاجاتنا، وكأن الواقع لم يتغير. انا لست ضد السلف الصالح، ولكن لهم حياتهم وحاجاتهم وتطلعاتهم، ولنا حاجاتنا وتطلعاتنا وظروفنا، وعلينا ان نجتهد من اجل بلورة اجوبة شافية لكل متجدد في حياتنا.

 

حاوره: سلام السماوي

نشر في صحيفة بانوراما، سيدني – استراليا، العدد السنوي: 18-12-2014

majeda gathban4majed algarbawiaخاص بالمثقف: القسم الثاني من حوارنا مع الاستاذ ماجد الغرباوي، وهو كاتب، وباحث مستنير، امتازت بحوثه بنهج الاعتدال والايمان بالتغيير الكامل الذي يشمل المنظور المتجدد للقضايا والمسائل الاسلامية، واعادة قراءة النصوص القرآنية ضمن الأطر الزمانية والمكانية المتغيرة.

كان لنا مع هذا العقل المنفتح الحوار التالي، شاكرين صبره وسعة صدره، فأهلا وسهلا بك في باب مرايا في صحيفة المثقف:

 

 

الزواج غصبا

س23: د. ماجدة غضبان: أليس في تزويج الفتاة من رجل ميسور طمعا في ماله دون موافقتها شيءء من الزنا والدعارة؟

 

ج23: ماجد الغرباوي: لا بل هو زنا ودعارة واضحة، لان شرط العقد رضا الزوجة، وما لم يتحقق الرضا يكون العقد باطلا، والمضاجعة مع العقد الباطل زنا صريح. بل هناك اشكال مع عدم التصريح بالرضا بارادتها، وليس جبرا، او حياء. حتى الحياء لا يشفع في هذه المسألة .. يجب ان يكون الرضا صريحا وواضحا. وهذه مشكلة كثير من الزيجات للاسف الشديد. بل كلنا نعلم ان المرأة احيانا تصرح بعدم الرضا، فينوب غيرها بالتصريح بالرضا.

المرأة في مجتمعاتنا ما زالت تعاني تحت نير عادات وتقاليد أعان عليها الفقيه بتحجره وفهمه المبتسر للشريعة واحكامها. فالمجتهد يجيز زواج البنت بتسع سنوات!!، بينما الروايات لم تشترط العمر وانما ذكرت مصاديق لبلوغ المرأة، وبلوغها كما تعلمين يختلف من بيئة الى اخرى، ومن زمان ومكان الى اخر، لكنهم للاسف الشديد اجازوا الزواج بسن التاسعة، لكن الانصاف ان بعضهم اشترط البلوغ، بل اشترطوا الرشد، وبرأي ما لم تكن المرأة راشدة لا يجوز اجبارها على الزواج، فحينما تكون راشدة تمييز، وتتخذ قرار صائبا بارادتها. فغالبا ما يقع الظلم على البنت الصغيرة، وهو ظلم عظيم وجناية كبيرة، خاصة عندما تغرى بالمال وبريق الذهب والفضة، عندما يكون الزوج ثريا. ولا اشك ان الاهل واولياء الامور سيحاسبون حسابا عسيرا يوم القيامة، وستكون مسؤولية الفقيه أعظم امام الله عز وجل.

 

س24: د. ماجدة غضبان: ما موقف النصوص القرآنية من ذلك؟

ج24: ماجد الغرباوي: الشريعة واضحة في هذا الامر، وجميع الفقهاء ينصون على ذلك. لان العقد طرفان، ايجاب وقبول، وشروط العقد معلومة، العقل والارادة والرضا والقصد والايجاب والقبول. وعقوبة الزنا ايضا معروفة قرآنية، وهي عقوبة صارمة ورادعة. فمن زوج ابنته بدون رضاها، يعد زواجا باطلا. ولا يجوز للرجل مقاربتها لبطلان العقد، بل ويصدق زنا اذا ارتكبه، وحد الزنا معروف في القرآن الكريم. (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ..).

 

س25: د. ماجدة غضبان: وهل استمد التشريع المدني عقوبات منه؟

ج25: ماجد الغرباوي: لا شك ان التشريعات المدنية استفادت من التشريعات الدينية، بالاخص القوانين والتشريعات التي اعتمدت القرآن الكريم مصدرا من مصادر التشريع. علما ان كل قوانين الاحوال المدنية في الدول الاسلامية اعتبرت القرآن مرجعا قانونيا، لا تحيد عنه. وحرصت على مطابقة الشريعة، الا اذا لم تعتمد القرآن مرجعا قانونيا، وتكتفي بالتشريعات واللوائح المدنية .. واللوائح المدنية مثلها مثل التشريعات الدينية، تشجب هذا الفعل وترفض تزويج المرأة من دون رضاها، بل وتعاقب بشدة على ذلك بعد الحكم ببطلان العقد المبرم بينهما غصبا، وبدون رضا الزوجة.

 

المرأة والثقافة الجنسية

س26: د. ماجدة غضبان: ألا تجد في تغييب شهوة المرأة وتواريها خلف ما يخاطب به الرجل قد جعل من الرجل جاهلا دوما فيما يخص رغبة المرأة وقدراتها الجنسية التي تفوق الرجل فسلجيا وهرمونيا، وهذا ما جعل الرجل يظلم المرأة في فهمه لها كإنسان يشبهه ظلما تأريخيا؟

ج26: ماجد الغرباوي: لا شك عندما يتجاهل الرجل شهوة المرأة وحاجاتها الجسدية، ينعكس على الرجل وفهمه لها، بينما العكس صحيح لو كانت هناك ثقافة جنسية ومصارحة لا يشوبها الخجل، سيكتشف الرجل حينئذٍ قدراتها الجنسية وحاجاتها التي تفوق حاجاته كما تدعين.

وهذا الفهم سببه الوضع الاجتماعي .. العادات والتقاليد، وقيم العفاف الصارمة، وغياب الثقافة الجنسية، رغم ولع الرجل بالجنس. وقد تسبب في ظلم المرأة عندما يتجاهل حاجاتها الجنسية.

التوجيهات الدينية لا تقتصر على القرآن فهناك احاديث ومرويات كثيرة تحث الرجل على مراعاة حاجات المرأة، وهناك ابواب في كتب الفقه والاحاديث مختصة بهذا الجانب، كابواب معاشرة النساء، وغيرها، وفيها تفصيلات كثيرة. لكن الثقافة العامة للمجتمع العربي للاسف الشديد قاسية مع المرأة. بل ما زالت تنظر للمرأة وحاجاتها باحتقار شديد.

 

س27: د. ماجدة غضبان: ما هي عقوبة اغتصاب المرأة على فراش الزوجية ضمن نصوص القرآن؟

ج27: ماجد الغرباوي: عقوبة من يرتكب جريمة اغتصاب المرأة تصل حد القتل في الاسلام خاصة اذا كان المغتصب متزوجا، وهي جريمة بشعة، واعتداء صارخ، تشجبه كل القيم الانسانية والدينية. وحتى الزوج لا يحق له اغتصاب زوجته، وقوانين الغرب تعاقب على ذلك صراحة. اما في الاسلام فيدخل في عناوين اخرى، كالنشوز. اقصد لا يحق للزوج اتيان زوجته كرها وغصبا، وبشكل عام العملية الجنسية تحتاج الى مقدمات تتوقف على رغبة الطرفين، لكن للاسف بعض الازواج يصدق عليه عنوان الاغتصاب بسبب سلوكه الهمجي وعدم مراعاته لمشاعر الزوجه.

 

س28: د. ماجدة غضبان: وماذا عن عقوبة التقصير العاطفي والجنسي تجاه الزوجة؟

ج28: ماجد الغرباوي: لا يحق للرجل اهمال زوجته او التقصير معها شرعا، ومن يفعل ذلك يكون آثما ويدخل في حكم الرجل الناشز الذي رتبت له الشريعة الاسلامية احكاما خاصة. لكن للاسف تجد الفقهاء ينطقون باحكام بعيدة عن العدل والإنصاف، فيعطي للرجل حق هجران الزوجة سنة او عدة اشهر، ولا يفكر بما ستؤولُ له الأمور في هذه الحالة، ولا يهتم لمشاعر المرأة وهي تعيش الحرمان العاطفي والجنسي، انها ثقافة ذكورية وليست دينا. بينما تجد الرسول يولي العلاقات الحميمة اهمية خاصة ويحذر من اهمال الزوجة وعدم مراعاة مشاعرها فضلا عن هجرانها: يقول: (عن أنس بن مالك: أن الرسول –صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا جامع أحدكم أهله فليصدقها، فإذا قضى حاجته قبل أن تقضي حاجتها فلا يعجلها حتى تقضي حاجتها". انظري للفرق الهائل بين الرسول وفقهاء الدين ممن يفتون بجواز هجران المرأة!!!.

 

س29: د. ماجدة غضبان: ولِمَ تلعن الملائكة المرأة ان لم تمنح الرجل متعته ولا تلعن الرجل حين يهجرها مع مطالبة المجتمع لها بالالتزام بالعفة والشرف؟.

ج29: ماجد الغرباوي: قضية لعن الملائكة للمرأة دون الرجل، واضح فيها النفس الذكوري، من اجل ترويضها لعنجهية الرجل. والا فمقتضى العدل الالهي ان الرجل مدان ايضا في حالة قصّر مع زوجته بلا ادنى ريب، وهو مطالب بمعاشرتها بالمعروف والمتعارف في العلاقات الزوجية السليمة (وعاشروهن بالمعروف). بل هناك آيات تحثه وترغبه، وتصف له المرأة بانها سكن له .. تطمئن لها نفسه، وان العلاقة معها مودة ورحمة، وانها اساس التناسل بالتعبير القرآني "حرثكم". وهناك آيات كما في سورة النساء تحذر الرجل من التمادي في علاقته بالمرأة، وتضع له حدودا في حالات الخلاف، كلها تصب في صالح المرأة وحقوقها. وما موجود من روايات تعكس ثقافة ذلك الزمان ولا علاقة لها بالقرآن وقيمه ومبادئه، لان القرآن يتخذ من العدل أساسا في أحكامه.

 

س30: د. ماجدة غضبان: كلنا نعرف ان تقصير الزوج مع الزوجة جنسيا عادة ما يقابله صمت مطبق من قبل المرأة فلا قانون شرعي او مدني يجعلها تتجاوز حياءها وتصرح بانها تعاني من الحرمان الجنسي.

ج30: ماجدة الغرباوي: هنا تدان القيم والعادات والتقاليد، تدان الثقافة الضحلة التي تحرم المرأة حقها في الترافع امام القضاء في مثل هذه الحالات الانسانية. وعلى القضاء مدنيا او دينيا أدانة الرجل المقصّر في معاشرة زوجته، اضافة الى كونه آثما وعاصيا في تلبية حقوقها.

علينا جميعا السعي لترسيخ قيم وثقافة جديدة تحفظ للمرأة كامل حقوقها. وقلت في سؤال تقدم، هذه النظرة تختص بها الثقافة الشرق اوسطية، اما في الغرب المرأة لا تعاني مثل ذلك، وبامكانها مقاضاة الزوج فورا، او ربما هجرانه اذا لم تعاقبه.

 

المرأة وقوامة الرجل

س31: د. ماجدة غضبان: "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ" .. فما هي القوامة؟ وما شروطها؟

ج31: ماجد الغرباوي: قبل البدء ببيان معنى القوامة وشروطها، أقول: وبكل صراحه ما عاد هذا المنطق، أي منطق القوامة حسب تفسيرهم، مستساغا في ظل تطور حضاري واجتماعي، تشارك فيه المرأة الرجل في كل مناحي الحياة بما فيها المناصب القيادية، بل واثبتت جدارة فائقة، والأمثلة كثيرة جدا. المرأة الان في قلب الحياة .. تمتلك مقومات وجودها، وبامكانها مشاركة الرجل بجدارة في اي قرار يتخذه لصالح الاسرة. وبهذا ستنتفي القوامة حتى بمعنى المسؤولية، لانها ستكون مشتركة. بل الحقيقة ان كثيرا من الرجال لا يقدم على شيء ما لم يستشر زوجته (وإن كابر)، خاصة فيما يهم العائلة، وثمة قليل ممن يستبد في قراراته وتصرفاته ومسؤولياته. وهذا القليل هو المعني بالآية لانقاذ المرأة من مخالب سلطته، وتحديد مسؤولياته ضمن شروط وضوابط. فاذن الآية تتحدث عن واقع كانت فيه السيادة للرجل، وعن مجتمع ذكوري لا مكانة للمرأة فيه. وكان الرجل متمردا لا يتحمل مسؤولياته كاملة تجاه عائلته، بينما يفرض سيطرته وولايته عليها. ففي الآية الزام له بالنفقة، وتحديد صلاحياته ضمن شروط. وايضا، الآية ناظرة للمرأة في ذلك الوقت، وقد اختلفت حاليا من حيث وعيها لذاتها وللحياة ولمسؤولياتها ولدورها، فما عادت المرأة مطلقا موضوعا للاحكام الواردة فيها الا في حدود ضيقة، لأنها امرأة أخرى. فيبقى البحث فيها تاريخيا بغية التعّرف على مدى تطور وعي المجتمع، وما دام البحث تاريخيا فلا شك ان واقع ما قبل نزول النص يؤثر في فهمه. اذاً نحن امام نص تاريخي، وواقع كان قد نزل النص لأجله، لذا يجب قراءته وفهمه ضمن هذا الواقع.

نعود للآية: قوّامون، صيغة مبالغة، تعني القائمين بالأمر. وبعضهم فسر القوامة بالقيمومة، والولاية، والتسلط، بشكل يسلب المرأة حرية الاختيار، وجعل زمام أمورها بيد الأب والزوج (مهما تدنى مستواهّ!!!). وهناك من يرى قيمومة الرجل مطلقا حتى خارج اطار الزوجية، فيختص بالحكم والقضاء والسلطة والتصدي لشؤون المجتمع دونها. وهو منطق اقصائي بعيد عن روح القرآن. والرجل هنا يقدّم على أساس الأفضلية الذاتية. ويَروون في أسباب نزول الآية المتقدمة قصة غريبة، تجعل النبي يتراجع عن قرار قصاص لصالح امرأة، بناء على قيمومة الرجل وحقه في جلدها وصفعها. وهذا تفسير تعسفي للآية، وعدم تدبر في قراءتها.

الرواية تتقاطع مع أكثر من مبدأ قرآني، لثبات القصاص على المعتدي أيا كان، وليس هناك استثناء للزوج وغيره. و"ما عارض القرآن فاضربوا به عرض الجدار"، كما في الحديث. وهذه ضابطة مهمة. واما الأفضلية الذاتية للرجل على المرأة المدعى هنا، فليست ظاهرة في الآية. والقرينة غير صارفة للمعنى، لوجود قرائن خارجية تفسّر معنى الأفضلية. اذاً فهناك فضل لكليهما كل حسب دوره في الحياة، فكما ان للرجل فضلا لقدرته على ادارة شوؤن العائلة خارج المنزل باعتبار خصائصه الجسدية، كذلك المرأة لها فضل في تدبير شؤون العائلة داخل المنزل باعتبار صفات الأمومة ورحابة الصدر وقدرة على مداراة الاطفال. فالآية تقول فضلّنا بعضهم على بعض، ولم تحدد .. فالمسؤولية بما فضله، لكن هذا التفضيل لا ينفي فضلها في موارد اخرى. ويعضّد هذا الرأي ان التقوى هي ميزان التفاضل بين الناس قرآنيا: (إن أكرمكم عند الله اتقاكم). وفي الحديث: (لا فضل لعربي على أعجمي الا بالتقوى).

ثم لماذا تكون للرجل أفضلية مطلقة كما يعتقدون والشريعة تساوي بينهما في جميع العبادات والتكاليف، وفي الثواب والعقاب؟ اذاً لازم المساواة في التكاليف عدم وجود أفضلية ذاتية.

القوامة: وفقا للتفسير الصحيح تعني صلاحيات محددة ضمن مسؤولياته في الانفاق على عائلته ما دام قادرا على العمل وكسب الرزق خارج المنزل وهذا ما يفسره سياق الآية. وهي صلاحيات تفرضها مسؤوليته في ادارة شؤون العائلة في ضوء دخله وميزانيته، كالتدبير الاقتصادي مثلا، او فرض بعض الضوابط للعائلة عامة والمرأة خاصة. فالقوامة اذا صلاحيات ضمن مسؤولياته. وهي أمر طبيعي لكل من يتولى شأنا ماليا، ويكون مسؤولا عن الانفاق، وحتى المرأة عندما تكون مسؤولة عن شأنها المالي تتخذ بعض القرارات لتقنين عملها.

اما شرطا القوامة كما جاء في السؤال، فبعض يرى ان كلا الأمرين (بما فضل الله وبما أنفقوا) شرط فيها، كي تبقى قيمومة الرجل، حتى لو لم يتمكن اقتصاديا، لان الرجل يبقى رجلا بخصائصه الجسدية (اي كونه رجلا وهي انثى)، هكذا يعتقدون بناء على الأفضلية الذاتية. لكن القوامة بمعنى المسؤولية كما بيناه تنتفي مع انتفاء أحد الشرطين او كلاهما. فالرجل العاجز جسديا يعجز اقتصاديا فتسقط مسؤوليته وتنتفي صلاحياته. او بعبارة اخرى تنتفي قيمومته كما في التعبير القرآني. وايضا تسقط اذا عجز عن النفقة، مع عدم القول بالأفضلية الذاتية.

وبشكل أوضح للرجل صلاحية ادارة شؤون المنزلما دام ينفق، وهذا هو الشرط الأول، وما دام انفاقه من كسبه وتعبه بما فضله الله بقدراته الجسدية، وهذا هو الشرط الثاني. فاذا كان يعمل ويكسب ولا ينفق، فلا قيمومة له. واذا كان ينفق لا من كسبه، كما بالنسبة لكثير من الرجال في الدول الغربية ذات الضمان الاجتماعي، فهل له قيمومة، اي صلاحيات خاصة به؟؟؟ ظاهر الآية تجعل كلا الامرين شرطا، اي ينفق ونفقته من كسبه وعمله، فتنتفي صلاحياته وقيمومته مع انتفاء احدهما او كلاهما. "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ (وهي القدرة الجسدية للرجل كما يفسرها السياق). وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ (أي من اموالهم التي اكتسبوها بجهدهم). اما الأموال من غير كسبه لا يصدق انها أمواله، حتى مع التملك، لان الجهة التي منحته المال قادرة على سحبه، على العكس من المال المكتسب بجهده، فلا يحق لأحد مصادرته. ولاشك ان هذه وجهة نظر أخرى، (ويبقى هذا الرأي في حدود إثارة أولية).

ثمة ملاحظة، ان جو الآية يشعرك بانها تلزم الرجل بمسؤولياته لما يتوفر عليه من خصائص، وتدعوه لعدم التخلي عنها، وتمنحه بعض الصلاحية بناء على هذه المسؤولية، وهذا أمر طبيعي ، لكل مسؤولية صلاحيات . تقول له "لا تتخلَ عن مسؤولياتك في الانفاق، وانت مسؤول وقيم على هذا الأمر"، لان بعض الرجال يتخلى عن مسؤولياته ويترك العائلة في وضع محرج. اذاً فمن يتشبث بهذه الآية لاثبات ولاية الرجل على المرأة عليه التدبر أكثر فيها ضمن السياقات القرآنية، وليتأكد من مدى التزام الرجل بواجباته تجاه زوجته بدلا من البحث عن حدود سلطته وولايته بمعنى التسلط التعسفي. واما الروايات فلا تثبت حجيتها عندما تتعارض مع القرآن الكريم.

لكن للاسف الشديد هذه الروايات وإن لم تكن صحيحة سندا او دلالة، الا انها تعكس ثقافة ذلك الزمن، ورؤيتهم للعلاقة بين الرجل والمرأة، انها ثقافة متدنية، متوحشة، عدوانية. تضطهد المرأة شريكة حياة الرجل في جميع المجالات. وكأن المرأة ند وخصم وليس شريكا وحبيبا .. وليست زوجة واختا وبنتا، وانها نصف المجتمع وجوهره. والفقيه للاسف الشديد لم يعِ متطلبات العصر والزمان، ومناسبات الحكم وموضوعه، فتلبّس بثقافة ذلك الزمان نفسها في تفسيره وفهمه للآية. بعد ان تشبّع عقله بثقافة ذكورية تسلطية، فكيف لا يفسّر الآية وفقا لهذا المنطق؟

 

س32: د. ماجدة غضبان: كلمة قَوَّامُ التى أنزلت فى الآيات: النساء 34 و135 والمائده 8 والفرقان 67، لا تخرج عن معنى القائمين بالحق والعدل، إذ لا يمكن أن يكون معنى قوامين لله بمنزلة تسلطهم عليه، ما هو رأيك مع ورود نفس الكلمة بمعناها الواضح ولا لبس فيه، فمن يفسرها قائما بالعدل هنا، لا يمكن أن ينقضها بفرضية إمتلاك السلطة لمن هو قوام بأفضليته وهي التقوى عند الله لا غيرها، أي أن يكون الرجل عادلا مع المرأة بما قسمه الله له من تقواه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) (النساء:135).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة:8)

وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا ﴿٦٧) الفرقان

ج32: ماجد الغرباوي: القوامة لها أكثر من دلالة لغويا حسب موضعها في الآية. ففي الآية الأولى كما مر تعني: القيام بالأمر. وفي هاتين الآيتين تعني الرعاية والحفظ والتمسك. فتحثان على العدل والقسط بالقضاء والشهادة، كتجلٍ للتقوى.

نعم من حيث المبدأ اتفق معك في ما ذهبت اليه .. القوامة لا تعني الولاية والتسلط كما يقولون. انه فهم يتنافي مع العدل والمنطق القرآني. الله لا يحب الظلم، والاسلام يدعو للسلم والوئام، فكيف يعطي ولاية المرأة لرجل تعصف به الأهواء والرغبات؟ وهل هناك أشد من الانسان ظلما؟ ان الانسان "ظلوما جهولا".

القوامة صلاحيات تقتضيها مسؤولياته في الكسب وتوفير النفقة، من أجل تدبير ورعاية المنزل، وليس ظلما وسيادة. ومن باب أولى ان يكون عادلا ومنصفا، لا يظلم عياله وزوجته خاصة. فما دامت القوامة مسؤولية فهي تستبطن العدل. وبالتالي هل لغير العادل قيمومة على زوجته او على عياله من النساء؟. وربما هذا ما اردت قوله من خلال الاستشهاد بالآيات المتقدمة. والجواب: اذا قلنا ان القوامة مسؤولية وهي تستبطن العدالة، فغير العادل والظالم من الرجال تسقط قيمومتهم، ومن حق المرأة ان تتمرد على أوامره، ما دامت ظلما ضدها وضد عيالها .. القوامة قلنا صلاحيات للرجل ضمن مسؤولياته، ومعنى صلاحيات ان يتخذ قرارات من أجل تقنين موازنته المالية، ولصالح العائلة، وهذا يعني التزام المرأة بهذه القرارات ما دام صدورها ضمن صلاحياته وبحق، ومع عدم العدالة لا تبقى مصداقية لقراراته، لان شرطها صلاح الشأن العائلي، وهذا ينتفي مع الظلم وعدم العدل، اي تقويض لقيمومته. لا يحق للرجل ان يوظف صلاحياته وسلطته لاضطهاد الآخرين خاصة عياله وأهل بيته. الاسلام لم يفوضه بذلك اطلاقا. وأي تجاوز يحاسب عليه لو ارادت المرأة الترافع ضده للقضاء.

 

س33: د. ماجدة غضبان: بالنسبة لفضل الرجل على المرأة من ناحية التفوق العقلي فقد بطل، حيث أثبتت البحوث ان المرأة تفكر بطريقة الشبكة العنكبوتية، وتتمكن من إدارة أكثر من شأن في نفس الوقت، في حين يفكر الرجل بطريقة الصناديق، أي فصل الأفكار عن بعضها البعض، وبالتالي فهو معني بشأن واحد حتى ينجزه، وهذا طبيعي فالمرأة معدة فسيولوجيا للإعتناء بالآخرين كأم، حصيلة النتائج العلمية لنشاط المرأة الدماغي هو في تفوق بالغ على الرجل لأرتباط نشاطها العقلي بالعاطفة، هذا الإرتباط الذي يجعلها أكثر دقة بالإضافة الى إمتلاكها لذاكرة متقدة.

أما فيما يتعلق بالقوة الجسدية فلم تعد ذات شأن في عالم تحكمه الأزرار، ما هو رأيك بالمقارنة مع ما ذهب اليه الفقهاء في حساب أفضلية الرجل على أساس حمله للسلاح والمرأة تحمله وتقاتل، وقوته الجسدية التي لم يعد لها من مسوغ مع التقنيات، وقدراته العقلية التي دحضها التعليم وتفوق المرأة عمليا، وقيادته للأسرة التي باتت مشتركة لا يمكن له القيام بها وحده لجسامتها؟

ج33: ماجد الغرباوي: نعم، وهذا الكلام يعزز نفي الأفضلية الذاتية كما تقدم. وهو كلام صحيح، نعيشه حاليا بكل تجلياته، وامثلته باتت كثيرة خاصة في بلاد الغرب. لا اخفيك ان هذا الاشكال واجههم، فاضطروا للقول بان المقصود بالآية قيمومة جنس الرجال على جنس النساء، وليس كل رجل له قيمومة على كل امرأة، ونحن نشاهدها الان تتسلم ارفع المناصب والمسؤوليات. لكن هذا التعليل ايضا لا يستقيم ومعنى القوامة كما اتضح سلفا.

للاسف المنطق الذكوري يملي عليهم تفسيرات، تكون المرأة ضحيتها دائما، لذا مثلا قالوا كما تقدم ان قيمومة الرجل لا تسقط مع عدم قدرته على الانفاق، لانه سيكون قيما بما انه رجل فضله الله على المرأة!!!. وهذا لو صدق في زمن النزول، باعتباره مجتمعا ذكوريا فانه لا يصدق حاليا.

بتصوري ان الآية لها دلالات بليغة كثيرة منها اهتمام القرآن بالعائلة كأصغر وحدة في المجتمع، وفقا لرؤيته في بنائه. إذْ المعروف ان الاسلام يرى ان العائلة هي الوحدة الاساس في المجتمع وليس الفرد كما في الانظمة الاخرى، ولكنه ايضا لا يهمل الفرد وبناءه عقائديا ونفسيا من أجل نمو فرد صالح، باعتبار ان صلاح المجتمع من صلاح الفرد. لكن يركّز على العائلة ويتخوّف من انفراطها، وهذا المنطق جلي في عدد من الآيات التي أمرت الفرد باحترام الأبوين، بعد ان نظّمت علاقاته بجميع اقربائه. فآية: (فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما) مثلا تمنح ركيزتي العائلة وأساس تماسكها (الأبوين) مكانة مميزة، كل ذلك من أجل بناء عائلة يتماسك بتماسكها المجتمع. ومن هذا المنطلق تأتي آية توزيع المسؤولية بين الرجل والمرأة.

المجتمع الصالح سيدتي لايبنى بالتسلط والاستبداد والظلم، وانما بالتسامح والتعاون والمحبة والتفاهم والانسجام، فالآية بعيدة عما ذكروا وفقا لمنطق القرآن. اذاً ما تفضلت به صحيح. واليوم تلعب المرأة دورا كبيرا في المجتمعات الراقية، ولعل مثالا بسيطا قرأت وشاهدت فلما وثائقيا قبل ايام عن الطيارات الايرانيات، وهي دولة دينية متشددة، شاهدتها وهي تستقل طائرتها الحربية بحجابها الاسلامي، وتصوّب على الهدف بدقة .. وفقا للمنطق الذكوري هذا لا يصح، لانه يمنح المرأة مسؤولية اتخاذ قرار خطير، وهذا ليس من مهمتها!!!. وهذا ان دل عل شيءء فانما يدل على انفتاح العقل الديني، وتراجعه عن بعض الرؤى والمفاهيم القديمة. ولا شك ان الواقع هو الذي أجبرهم عليه.

 

س34: د. ماجدة غضبان: بنظرك استاذ ماجد على مَن تقع مسؤولية الفهم الخاطئ للنصوص القرآنية، وانت تعلم جيدا مكانتها في وعي الفرد والمجتمع؟

ج34: ماجد الغرباوي: ملاحظة مهمة، هناك فهم لا ينسجم مع تطور الحياة، ففتاواهم ما زالت تراوح في القرن الأول الهجري، وما زالت مواضيع الاحكام في نظر الفقهاء ثابته كما هي، بينما الواقع ينفي ذلك. اعتقد ان الفقهاء بحاجة ماسة للخروج من نفق التاريخ، وعليهم أن يعيشوا الواقع كما هو كي تكون فتاواهم وآراؤهم منسجمة مع الحياة والتطور العام على جميع المستويات. يبقى املاً، لكن هل يتحقق؟؟. المرأة ليست مجرد كائن تصب عليه الأحكام، انما هي كيان بشري، يتطور، فالمرأة الان غير المرأة في ذلك الزمان، والمرأة التي كانت موضوعا للحكم الشرعي آنذاك، لا تنطبق عليها ذات الشروط راهنا في أغلب الأحوال. فكلامك يعزز ما نقول.

والنص الديني يوجّه وعي الفرد والمجتمع، وما لم تقدم تفسيرات وقراءات في ظل الواقع، سوف يعاني الفرد في تخلفه، او يتمرد ويرفض كل ما يمت للدين من صلة، اذا شعر انه سبب معاناته وتخلفه. وللانصاف اقول: هناك فارق بين النص الديني والفكر الديني، وما بأيدينا فكر ديني يمثل وجهات نظر، واجتهادات لمفسرين وفقهاء. ويبقى النص الديني مفتوحا، وبالامكان تقديم قراءات اكثر نضوجا وانسجاما مع الواقع.

لا يمكن للفقيه ان يقدم قراءة منتجة راهنا بسبب المنهج في استنباط الاحكام الشرعية، ومنظومة الاصول والمبادئ التي اعتمدها في عملية الاستنباط، والتي تحولت الى قيود كبلت عقله وابداعه. وكذلك طريقة فهمه للعلاقة ما بين الروايات والقرآن. فمثلا وفقا لمنهجهم يمكن للرواية ان تقيد او تخصص الآية، وقد اثبت في كتبي قرآنياعدم صحة ذلك، يجب ان يحافظ القرآن على قيمه ومبادئه كي تكون فاعلة، ويجب عدم التضحية بها لصالح فهم مبتسر ، أو عصر معين .

سيدتي، رجل الدين هو المسؤول الاول، لانه يتحكم بوعي الناس، وانت تلاحظين كيف ينصاع الفرد في مجتمعنا لآرائه واقواله، ولا يناقش فيها مطلقا. انا لست ضد الاختصاص، لكن ضد اللعب على وعي الناس باسم الدين والاسلام، وضد تزييف الوعي. رجل الدين للاسف الشديد ما زال ينعت في كتب الفقه قاطبة الناس بما فيهم من طاقات علمية واكاديمية ينعتهم بالـعوام. ويسمي من يتابعه ويسترشد برأيه في فتاواه: (مقلّد)، بكل ما يعني هذا المصطلح البائس من تعسف واهانة، وسلب لارادة وحرية الناس، لان التقليد يعني بصراحة (تقريد) الفرد، القرد فقط من يقلد الآخرين لا عن وعي. وهم يشبهون الناس بالقرد دون اي وازع، والفرد ينصاع بارادته، ولا يسمح لنفسه مناقشة حتى الواضحات، وفقا لمبادئ القرآن. فالمسؤولية تقع على رجال الدين من جهة وعلى الناس المقلدين لهم من جهة ثانية. نحن نعيش واقعا مزريا، وتخلفا مقيتا. فكيف لا تظلم المرأة في مجتمعنا. تصدى رجل الدين ووضع احكاما لكل تصرفاتنا، وكأننا كأئنات بلا عقل، لكننا قبلنا كل شيء. بل تدخل حتى بكيفية قضاء حوائجنا، يا للمهزلة، ونحن ننصاع له، هل ندخل الرجل اليمنى قبل اليسرى ام العكس، وهل نجلس وساقنا مفتوحة الى جهة اليمين ام الشمال. انا استغرب ما دخل الكراهية والحرمة في هذه المسائل؟ لكن رجل الدين يريد ان يتحكم بنا. والا فان عدد المحرمات في القرآن محدودة، فمن اين جاء بهذا الكم الهائل من الاحكام؟؟؟ هل يريد ان يقول لنا: هناك احكام شرعية لكل حركاتنا وسكناتنا؟ اذا ما دور العقل، وما دور التجربة والذوق والمزاج في حياتنا؟. ام نبقى ننتظر الفقيه في كل شؤون حياتنا؟؟ العالم يتطور، ونحن ما زلنا ننتظر!!!

الفقيه عندما يفسر القوامة بالتسلط، ويسمح للرجل حتى جلد وضرب زوجته بناء على بعض الروايات الضعيفة، فهو يؤسس لمنطق ذكوري، بل يؤسس لواقع بائس باسم الدين والقرآن والاسلام، وهنا تكمن الخطورة، وهنا المأساة التي لا يلتفت لها احد، او لا يريد ان ينتبه لها احد. وهنا يكمن ايضا سر اشغال الناس بطقوس وعادات بعيدة عن الدين.

 

قوامة الرسول على زوجاته

س35: د. ماجدة غضبان: نعود لموضوع القوامة، اذا كان الإنفاق أحد شروط القوامة، فهل كان الرسول قوامّا على زوجه خديجة الكبرى وهي ذات مال لا يملكه هو، أم ان الحكم بالآية بعد نزولها ولا يشمل ما سبق؟

ج35: ماجد الغرباوي: السيدة خديجة زوجة الرسول توفيت ثلاث سنوات قبل هجرته للمدينة، وقيل قبل فرض الصلاة كفريضة على المسلمين، وسورة النساء مدنية، فلم تدركها.

ولو فرضنا جدلا ان الرسول غير قادر على الانفاق، يفترض انطباق الحكم عليه، لكن من من نسائه تتخلى عن حكمته ورعايته، والقرآن يخاطبه وأنك لعلى خُلق عظيم؟؟؟ كما ان الرسول مفترض الطاعة من زاوية أخرى باعتباره نبيا وقائدا، (اطيعوا الله واطيعوا الرسول)، (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا). فهذه الآيات تتقدم على غيرها.

 

س36: د. ماجدة غضبان: هذا إنزلاق ماهر خارج شرك الجواب، وهل يمكن لزوجات الرسول الإعتراف انه لم يكن مُرضيا لرغباتهن؟، أو انه لم يعدل؟ أو كان مقصرا على نحو ما، وللرجل العادي سلطة توازي قول الرسول: (لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)؟.

ج36: ماجد الغرباوي: د. ماجدة، لو ان نبيا ظهر وكان غير عادل، متعسفا مع عياله وزوجاته، هل سيؤمن به احد؟ .. يوما صاح اعرابي في المسجد بالنبي "أعدل يا محمد"، فقال له الرسول: ويلك اذا انا لم اعدل فمن يعدل؟ .. والقرآن يصفه بانه على خلق عظيم .. ثم وهذا الأهم لم تتسرب عن نسائه اي شكوى، حتى بعد وفاته .. والقرآن يخاطبه في آية آخرى: "وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ". وكيف لا يثقن برعايته، وهو المصطفى من قبل الله تعالى لتبليغ رسالته، ورعاية دينه؟. ثم سيرته محمودة منذ طفولته وقد ثبت التاريخ ذلك، فلم يسجل عليه ملاحظات تخدش عدالته.

 

س37: د. ماجدة غضبان: الصحراء تمجد الظالم القوي صاحب السطوة، وما حكم بنو أمية الناس الا بهذا كله، هذا ليس دليلا على عدالة النبي. مثلما القرآن كله ليس دليلا على خُلق النبي لمن هو غير مسلم، فالإستشهاد بكتاب يعتبر عماد الإسلام ليس داحضا لما هو عكسه الا لدى من هو مؤمن به، كيف تقنع من لا يؤمن بالقرآن أساسا وليس من أهل القرآن؟

ج37: ماجد الغرباوي: صحيح ان الصحراء تمجد القوي وتهابه، لكن النبي ليس سلطانا، وانما نبي يدعو الى وحدانية الله والى دين جديد يخالف معتقداتهم، وكان فردا، ثم انتشر الاسلام وصار قوة. ليس هناك اي دليل يؤكد ان النبي سلطان او ملك او رئيس ولم يدع ذلك مطلقا. حتى (وهذا شاهد تاريخي) عندما اوقف العباس عم النبي ابا سفيان ليشاهد جموع المسلمين وهي تدخل مكة، قال ابو سفيان: لقد أصبح ملك ابن اخيك عظيما، فرد العباس عليه، قال: انها النبوة وليس ملكا.

فاذا كنت تقصدين ان عدم وجود اي شكوى من نساء النبي دليل عظمة سطوته وليس عظمة خلقه، اقول ان ما بأيدينا من نصوص اساسية تؤكد انه ذو خلق عظيم، كما في الآية الكريمة، وكما هو المعروف عن سلوكه. وانت تحتاجين الى دليل يعزز ما تذهبين له. وقد ذكرت شواهد من أقواله تحث على مراعاة الزوجة والاهتمام بها.

النقطة الثانية كما جاء في السؤال: ان القرآن ليس حجة الا على من يؤمن به. هذا الكلام ايضا صحيح. واما كيف نقنعهم، فهذه مسألة اخرى، تعتمد على مدى موضوعيتهم، وبامكانهم حينئذ القيام بمسح تاريخي عبر المدونات التاريخية، والتأكد من كل شيء. اما اذا كان الآخر عدوانيا او منحازا او ايديولوجيا ذا موقف مسبق من الرسول ودعوته فسوف لن يقنعه اي شيء، ومثل هذا الشخص مستعد لارتكاب مغالطات فظيعة على حساب الموضوعية. وهذا لا شأن للبحث العلمي به اطلاقا.

 

س38: د. ماجدة غضبان: قوله: (ويلك، إذا أنا لم أعدل فمن يعدل)، هل تجدها حجة بليغة، أم تلويحا بعقوبة ان لم يصدقه؟

ج38: ماجد الغرباوي: لا ليس تلويحا بالعقوبة، إنما أراد النبي بكلامه ان يلفت انتباه القائل الى انه نبي مرسل من السماء، وشرط النبوة ان يكون النبي عادلا صادقا، والا كيف يتحمل مسؤولية الرسالة؟ وكيف يصدقه الناس؟. لهذا قال اذا انا لم اعدل فمن يعدل، وحقا ما يقول.

اما ان قوله (ويلك) كان تلويحا بالقوة، باعتبار ان كلمة ويل تستبطن ذلك، كما تقولين، فهذا غير صحيح، لان للقوة اساليبها، فبامكانه ان يدعو اصحابه فيأخذونه بجريرته، وهذا لم يحصل. محمد سيدتي نبي مسؤوليته اقناع الناس بعقيدته ورسالته، لهذا القرآن يخاطبه: (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك). فلا اجد اي تهديد في قول الرسول. بل في رواية خطبة الوداع انه سأل المسلمين اذا كان لاحد عليه حق، فقام رجل وقال انا يا رسول الله: لقد ضربتني يوما ما وانا اطالب بحقي، فقال له الرسول تعال، وهيأ له الاسباب كي يقتص منه، وبدلا من ضربه قبّل الرسول من بطنه وبكى ثم قال بأبي وامي انت يا رسول الله. وهذا الشيء لا يعمله سلطان او زعيم مطلقا كائنا من كان، الا اذا كان نبيا.

ثم كلمة (ويل) لا تعني هلكت دائما، بامكانك مراجعة المصادر اللغوية كالمفردات في غريب القرآن للراغب الصفهاني، حيث يقول: قد تستعمل (ويل) للتحسّر ، وقد تستعمل لمعانٍ أخرى حسب السياقات التي ترد فيها ..

 

القراءات الخاطئة للنص

س39: د. ماجدة غضبان: لي سؤال وانا اتابع معك نصوص القرآن الكريم: كيف يمكن التخلص من شراك القراءات الخاطئة، بل كيف يمكن التحرر من سطوة النص الديني ورجل الدين، ما دام هو المسؤول الاول عن تردي الوعي؟

ج39: ماجد الغرباوي: ايضا ملاحظة قيمة شكرا لك ولنباهتك. رغم انه موضوع مفصل ومعقد، لكن أوجز حسب مقتضى الحوار.

اولا: ان تتولى النخبة المثقفة اشاعة ثقافة النقد وبكل جرأة، وان لا تتهيب احدا، لكن بشرط ان يمتلك من يتصدى للنقد ادوات النقد، وان يكون ملما في الموضوع الذي يروم نقده.

ثانيا: تعرية الممارسات الخاطئة والمضللة، من اجل معرفة الحقيقة من قبل الناس جميعا، وان لا يكون التلبس بالدين حائلا دون ذلك.

ثالثا: توجيه الناس نحو الواعين والمنفتحين من العلماء والفقهاء والمفسرين، اذ لا تخلو الساحة منهم وفي كل زمان، ما دام الفرد في مجتمعاتنا مرتهنا في وعيه لرجل الدين، يوجهه ويوجه سلوكه.

رابعا: توجيه الناس لقراءة الكتابات النقدية، وهي كثيرة، وتعميق الثقة بها، من خلال ما تطرحه من ارقام وحقائق.

خامسا: تشجيع الناس على مناقشة رجل الدين فيما يطرحه على منابر المسلمين التصدي لآرائه وممارساته الخاطئة.

سادسا: اعتماد منهج نقدي في المناهج الدراسية على اختلاف مستوياتها العلمية ولا سيما فيما يتعلق بمادة الدين الاسلامي والتاريخ واعتماد تفسيرات تهتم بمتغيرات العصر، والتأكيد في هذه المناهج على إشاعة ثقافة السؤال والبحث عن أجوبة تعالج إشكاليات العصر ومصالح المسلمين بعيدا عن تحجر فكر الفقهاء وسكونية آرائهم .

majeda gathban4majed algarbawiaخاص بالمثقف (1): الاستاذ ماجد الغرباوي كاتب وباحث مستنير، امتازت بحوثه بنهج الاعتدال والايمان بالتغيير الكامل، الذي يشمل المنظور المتجدد للقضايا والمسائل الاسلامية، واعادة قراءة النصوص القرآنية ضمن الأطر الزمانية والمكانية المتغايرة.

كان لنا مع هذا العقل المتفتح الحوار التالي، شاكرين صبره وسعة صدره، فأهلا وسهلا بك في باب مرايا في صحيفة المثقف:

 المرأة في كتاب الله:

بين الذات الآلهية والتفسير البشري القاصر لآياته البينات.

 قبل الحوار

ماجد الغرباوي: ينبغي التنبيه في اول الحوار الى قضية مهمة، وهي: ثمة من يعتقد بمرجعية وقداسة القرآن مطلقا، في قبال من ينفي عنه ذلك. وبالتالي فزاوية النظر تؤثر في فهم النص بين التأويل والنقد. لكن الجميع يعتقد ان القرآن نص متعال في نسقه الكلي، بلاغيا او في بنائه النصي، او من خلال وسطيته وعقلائيته، او اخباراته التاريخية والعلمية، غرائبيته وتشريعاته، وأشيءاء اخرى كثيرة. وهذا ليس رأيا شخصيا. وعليه نحن نتعامل مع النص بما هو نص تاريخي، دون انحياز لأي من زاويتي النظر، سواء كان وحيا او تأليفا .. فهذا لا يهمنا حاليا، الا في سياق الأسئلة.

ثم ليست مهمتنا اقناع القارئ، لان الايمان شرط القناعة. انما يهمنا تحري الموضوعية في قراءة النص، ومدى صلاحية أحكامه في زمن الصدور، اما امتداداتها فهي خاضعة لشروطها التاريخية والموضوعية. وهذا منهج يتقاطع مع منهج من يعتقد ان الأحكام مطلقة في فعليتها، زمانا ومكانا، لانها أُخذت في نظره على نحو القضية الحقيقية. بينما فعلية الأحكام كما نعتقد تتوقف على فعلية موضوعاتها، ولا تكون كذلك الا بفعلية شروطها وقيودها كاملة. من هنا تأتي أهمية البحث التاريخي للنص، لانه يسلط الضوء على موضوع الحكم وخصوصياته. فكم من حكم شرعي بات لا موضوع له راهنا.

 

المرأة في كتاب الله

س1: د. ماجدة غضبان: هل خاطب الله سبحانه وتعالى المرأة كانثى في كتابه الحكيم؟ اين ذلك؟

ج1: ماجد الغرباوي: د. ماجدة، اسئلة طافحة بالمرارة، للاسف ما زالت المرأة تبحث عن انسانيتها وتأكيد ذاتها.. اسئلة تكشف قسوة المجتمعات .. وثقل الأغلال .. والمشكلة الأساس ليس في الأعراف والتقاليد فقط، وانما القراءات الخاطئة للنص الديني، المتمثلة بفتاوى الفقهاء وآرائهم القاصرة عن إدراك مقاصد الشريعة وغاياتها واهدافها. واحب ان انوه ان ما سأدلي به هنا يمثل رأيي الشخصي، وانا مسؤول عنه، سواء اتفق مع آراء الآخرين أم لا.

كما ان الأ جوبة جاءت وفقا للمنظور الديني بحكم الاسئلة المطروحة، للتعرّف على اشكاليات التشريع، في ظل تطور حضاري، تبدو فيه التشريعات الاسلامية متخلّفة قياسا بمكانة المرأة وحقوقها راهنا. وهذا يعني ان التفاعل مع الاجوبة يشترط ثقافة دينية اولا. اما الحديث عن التحرر الكامل، بعيدا عن التشريعات الدينية، أيا كانت، فمجاله غير هذا الحوار. لان الاجوبة هنا محكومة كما قلت بالاسئلة وطبيعة طرح د. ماجدة غضبان المشلب.

نعود للسؤال: هناك عدة مستويات لتعامل القرآن الكريم مع المرأة، منها، خطابه لها كانثى تشارك الرجل في تكوين المجتمع، انثى لم ينقص انسانيتها، ولم يعتد على شخصيتها، مثل:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). فالذكر والأنثى نواة النسيج الاجتماعي برمته. وجاء بلفظ الذكر والأنثى لأنهما الأساس في تكوين الشعوب والقبائل. وعندما رتّب الأحكام في نهاية الآية رتّبها على كليهما من غير تمايز: "التعارف" في الحياة الدنيا، و"الجزاء" في الآخرة على أساس التقوى. وهذا اللون من التعامل أوضح مصاديق المفهوم الانساني للذكر والأنثى. وتعضّد هذا المعنى مجموعة آخرى من الايات القرآنية:

(فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ).

فبعضكم من بعض تعني ألا أفضلية في الخلق بدءاً ، وهذا هو الأساس في التكافؤ الإنساني التام.

وايضا قوله تعالى:

(وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا.

(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ).

اذاً لم يُنقص القرآن من انسانية المرأة، لا في بداية الخلق، ولا في اليوم الآخر مرورا بالحياة الدنيا. من هنا نكتشف كذب الأساطير والحكايات والمرويات التراثية التي تنتقص انسانية المرأة، استنادا الى نصوص دينية منحولة. او تنسب لله عزوجل ما لم يصرّح به. أما نظرة المجتمع للمرأة فشيءء آخر، قد تقترب من الرؤية القرآنية او تجافيها، حسب الظروف الاجتماعية، والعادات والتقاليد، فلماذا دائما تحسب على الدين وهو براء منها؟

 

س2: ماجدة غضبان: وهل خاطب المرأة كأنسان في كتابه الحكيم؟

ج2: ماجد الغرباوي: بلا شك خاطب القرآن المرأة كانسان في:

- جميع الآيات التي خاطبت الانسان بما هو انسان فتشمل باطلاقها الرجل والمرأة، ولا تخصيص له دونها، وهي الآيات التي تتحدث عن الانسان بما هو انسان.

- وكذلك الآيات التي تخاطب الناس، وليس الناس سوى الرجال والنساء، بدليل الآية المتقدمة، انا جعلناكم شعوبا وقبائل.

- وكل الآيات التي تنص عليها كمؤمنة.

فليس هناك آية تسلب المرأة انسانيتها. والتفاوت في بعض آيات التشريع لا يعني نقصا في انسانيتها اطلاقا، خاصة عندما تقرأ الآيات ضمن سياقها وخلفيتها التاريخية والاجتماعية، بل ربما تعد ميزة وانصافا وتكريما لها. ولا أقصد (بهذا الكلام) التبرير، ولكن هذا ما أفهمه من سياق الآيات ضمن خلفياتها وما اكتنفها من ظروف، و