 مرايا فكرية

مراد غريبي يحاور المفكر والأكاديمي د. علي أسعد وطفة في مرايا فكرية (3)

2760 وطفة ومرادخاص بالمثقف: الحلقة الأخيرة من مرايا فكرية مع المفكر والأكاديمي الدكتور علي أسعد وطفة، وحوار شامل  أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول التربية وعلوم الاجتماع، فأهلا وسهلا بهما:


 س12: ا. مراد غريبي: ماذا عن مفهوم الثقافة والجدليات المتنوعة حوله في مجال الغرب ولدى العرب والمسلمين خاصة؟

ج12: د. علي أسعد وطفة: عندما نتحدث عن الثقافة فنحن نتحدث عن الحياة الإنسانية في أوسع معانيها ودلالاتها ويشمل هذا المفهوم مختلف الصيغ الواعية والمحتملة لعلاقة الإنسان بالإنسان وعلاقة الإنسان بالطبيعية والكون. وهذا يعني أن مفهوم الثقافة مفهوم كوني شامل يشتمل في ذاته على كل أنماط التفكير والسلوك والتفاعل بين بني الإنسان وبينهم وبين الكون الذي يحتضنهم. وما أريد قوله إن مفهوم الثقافة مفهوم شائك شديد التعقيد يمتلك تضاريس معقدة وهضاب متكسرة وأعماق سحيقة يصعب ضبطها والسيطرة عليها ذهنيا ومعرفيا.

وإذا كان مفهوم الثقافة يغطي مختلف مناشط الحياة والوجود فمن الصعب حقيقة أن نقدم تعريفا جامعا مانعا للثقافة. فالثقافة مضاف يرتهن بما يضاف إليه، كأن نقول: الثقافة الدينية، الثقافة السياسية، الثقافة التربوية، الثقافة الحضرية، ثقافة الريف، ثقافة المدينة، ثقافة العامة، ثقافة الخاص، الثقافة الأخلاقية، الثقافة البيئية... الخ. هذا وتبين الأعمال الواسعة في مجال الأنتروبولوجيا البنائية إلى أي درجة يتسم مفهوم الثقافة culture بالتنوع والتعقيد، فالمجتمعات الإنسانية تتنوع بتنوع ثقافاتها، ويعبر هذا التعدد الثقافي عن وجوه متعددة للحياة الإنسانية حيث يرتبط تعددها بتعدد اللغات والعقائد والأديان والأخلاق والقيم الإنسانية.

ويعد مفهوم الثقافة Culture من أكثر المفاهيم تداولاً وشيوعاً، ومن أكثرها غموضاً وتعقيداً. وهو المفهوم الذي أعيا جهود الباحثين الذين حاولوا تعريفه وتحديد ملامحه. لقد وقع كلكهون Kluckhon على مئة وستين تعريفاً للثقافة، وذلك منذ عدة عقود. ولفظة ثقافة Culture قديمة في اللغة الفرنسية؛ إذ ظهرت في القرن الثاني عشر، للدلالة على فعل العبادة، وبدأت تشير إلى فعل حراثة أرض وزراعتها في القرن السادس عشر.

ولكن هذه الكلمة بدأت تأخذ أبعاداً اجتماعية، وتكتسب مضامين ثقافية، منذ بداية القرن الثامن عشر. ويعد تعريف تايلور Tylor للثقافة، في كتابه الثقافة البدائية Culture primitive عام 1874، من أكثر تعاريف الثقافة شيوعاً وتواتراً في أدبيات الثقافة المعاصرة، وقوام ذلك التعريف أن الثقافة: " كل يشتمل على المعارف والعقائد والفنون والأخلاق والقوانين والعادات والتقاليد والاتجاهات والاستعدادات التي يكتسبها الفرد بوصفه عضواً في الجماعة». ويجمع الباحثون على أن التعريف الذي قدمه تايلور يشتمل على عنصري البساطة والشمولية. وتظهر هذه البساطة وتلك الشمولية عند كيلباتريك Kilbatrik الذي يعرّف الثقافة بأنها: «كل ما صنعته يد الإنسان وعقله من أشياء ومظاهر في البيئة الاجتماعية ".

ويشكل هذا المفهوم محورا للتناظر الأيديولوجي في الثقافة الغربية ويتمثل ذلك في نسق من التعريفات الأخلاقية والرمزية والأنثروبولوجية، وتعبر هذه التعريفات عن توجهات فكرية وفلسفية وأيديولوجية متنوعة بتنوع التيارات الفكرية التي نعرفها في الغرب. ودعنا نستعرض بعضا من التعريفات الكلاسيكية المهمة في الثقافة الغربية. ويمكن القول إن تعريف كانط يعدّ من أبرز التعريفات الإنسانية، حيث يعرفها: “أنها مجموعة من الغايات الكبرى التي يمكن للإنسان تحقيقها بصورة حرة وتلقائية، انطلاقاً من طبيعته العقلانية، وبهذا تكون الثقافة في نظر كانط أعلى ما يمكن للطبيعة أن ترقى إليه".

ولقد شكّلت نماذج التعريفات الشمولية الواسعة ينبوعاً للتعريفات التي تميل إلى الدقة والتخصص، وتنزع إلى التركيز على جوانب بنائية، أو وظيفية أو نفسية في مفهوم الثقافة الواسع. ومن هذه التعريفات يبرز تعريف كلكهون C. Klukhohn الذي يركز على الجانب السلوكي في الثقافة؛ إذ يعرفها بأنها: "طرق الحياة المختلفة التي توصل إليها الإنسان عبر تاريخه الطويل، والتي تشكّل وسائل إرشاد موجهة لسلوك الأفراد الإنسانيين في المجتمع".

وتبرز القيمة التخصصية لتعريف كلكهون في إبراز جوانب معقدة في تعريفه للثقافة، حيث يؤكد على الجوانب الصريحة أو الضمنية في الثقافة، وعلى أنها أسلوب حياة، كما يعطي أهمية للجانب التعليمي والإرشادي في بنية الثقافة.

ويتصدر تعريف لنتون Ralph Linton التعريفات المهمة للثقافة، وهو الذي يعرّف الثقافة بأنها «ذلك التشكيل أو الصيغة من السلوك المكتسب ونتائجه، حيث يتقاسم أفراد المجتمع عناصره المكونة ويتناقلونها في إطار مجتمع محدد «فالثقافة في تعريف لنتون ليست مجموعة من المعارف فحسب، بل تشتمل على القيم وطرق الحياة، والتفكير الخاص بأفراد المجتمع كافة.

وتؤكد بعض محاولات تعريف الثقافة على القيمة الرمزية للثقافة، ومن هذه التعريفات تعريف وسلزنك (1964) الذي يقول: إن الثقافة «هي كل شيء يتم إنتاجه عن طريق الخبرة الرمزية المشتركة وله القدرة على مساندتها» ويركز هذا التعريف، كما هو واضح، على أهمية الجانب الرمزي في الثقافة وخاصة اللغة وإشارات الرمزية، التي ينفرد بها الإنسان مقارنة بالكائنات الحية أخرى. ولا بد لنا من أجل تحديد مفهوم الثقافة أن نستطلع الحدود المتداخلة لهذا المفهوم مع بعض المفاهيم الأخرى كالحضارة، والطبيعة، والمجتمع.

ومما لا شك فيه أن مفهوم الثقافة يشكل مجالا حيويا للتداول الفكري والتناظر المستمر بين المفكرين منذ عهود طويلة حتى اليوم ، وفي كل مرحلة يأخذ مفهوم الثقافة تشكلات وصيغا جديدة حيث تدور المناظرات اليوم حول مفهوم الثقافة فيما بعد الحداثة وما بعد العولمة ، وهذا كله يؤكد أن مفهوم الثقافة مفهوم متحرك دينامي مستمر في النمو والتطور مع تطور المجتمعات الإنسانية . ولا يمكن  القبض على ناصيته هذا المفهوم إلا جزئيا ضمن أحد مربعاته اللامتناهية التي تتقاطع مع تقاطع الزمان والمكان والأحداث التاريخية. وباختصار أقول: إن الثقافة هي وضعية من التفاعل العميق بين الوعي الإنساني والسلوك وبعبارة أدق هي محاولة الإنسان في التكيف مع العالم الذي يوجد فيه بكل الوسائل والإمكانيات المتاحة له بوصفه فردا أو جماعة.

وفيما يتعلق بالشق الثاني من السؤال المتمثل في جدل الثقافة عند العرب والمسلمين نقول: إن مفهوم الثقافة بصيغته الأنثروبولوجية مفهوم غربي وهو مفهوم غربي حديث كما أشرنا ولد في القرن الثاني عشر ثم اتخذ هيئته في القرن التاسع عشر. وضمن هذه الصيغة نقول بأنه إذا كان مفهوم الثقافة حديثا نسبيا في الفكر الغربي،  فإن هذا المفهوم حديث جدا في الحالة العربية الإسلامية. فالمفهوم الأنثروبولوجي لم يعرف أبدا في الفكر العربي الإسلامي. وهذا يعني أن مفهوم الثقافة في العربية هو ترجمة لكلمة الثقافة باللغة الفرنسية أو الإنكليزية.

وقد عرف العرب كلمة الثقافة كلفظة أصيلة عريقة في اللغة العربية وتعني صقل النفس والمنطق والفطانة، وجاء في القاموس المحيط عن الثقافة: ثقف ثقفا وثقافة، صار حاذقا خفيفا فطنا، وثقفه تثقيفا سواه، وهي تعني تثقيف الرمح، أي تسويته وتقويمه. واستعملت الثقافة في العصر الحديث للدلالة على الرقي الفكري والأدبي والاجتماعي للأفراد والجماعات. وأصل كلمة الثقافة في العربية مستمدة من الفعل الثلاثي( ثقف) بضم القاف وكسرها. وتأخذ معانٍ عديدة منها: الفطنة والذكاء والتهذيب وضبط العلم وسرعة التعلم، ويقال قديماً: غلام ثقف أي ذو فطنة، ثابت المعرفة فيما يحتاج إليه، وكانت تستخدم للدلالة عل اسم آلة الثقّافة التي كانت تستخدم لتسوية اعوجاج الرماح والسيوف قديماً. ويُقال ثقف الشَّيء إذا حذقه، ومنه يُقال هذا رجلٌ ثقف أو امرأةٌ ثقفة.

 فالثقافة في اللغة العربية أساسا هي الحذق والتمكن، وثقف الرمح أي قومّه وسواه، ويستعار بها للبشر فيكون الشخص مهذباً ومتعلماً ومتمكناَ من العلوم والفنون والآداب.

ويقال إن أول من استعمل مصطلح ثقافة ليقابل به لفظة culture في العصر الحديث هو سلامة موسى. وقد بدأ المفكرون العرب لاحقا يستخدمون هذا المفهوم بدلالته الأنتروبولوجية التي عرفناها عند تايلور وغيره من المفكرين الغربيين. وهذا يعني أن مفهوم الثقافة مفهوم غربي المنشأ والهوية وقد استخدم هذا المفهوم لاحقا في ثقافتنا العربية ووظف في تناول مختلف القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وأصبح فيما بعد مفهوما مركزيا من المفاهيم التي توظف في العلوم الإنسانية في المجتمعات الغربية والعربية أيضا.

وإذا كان سؤالكم يوحي بفكرة الطابع الإبداعي للفكر العربي في مجال الثقافة نقول بأن مفهوم الثقافة بقي ضمن أطره الغربية ولا نعرف حتى اليوم بوجود أي نظرية ثقافية عميقة مخصصة للظاهرة الثقافية بوصفها مفهوما في الثقافة العربية، ومما لا شك فيه أن المثقفين العرب قد أسهموا إسهاما كبيرا من خلال المفكرين التنويريين أمثال الجابري وأركون وصادق العظم ولطفي السيد وطه حسين وطيب تيزيني وغيرهم كثير في توظيف هذا المفهوم الغربي توظيفا إبداعيا. وما يمكن قوله أيضا أنه ليس من الضرورة التجديد أو اختراع نظرية جديدة في معانيه فالمفهوم قد استقر أنثروبولوجيا إلى حدّ كبير ولم تعد هناك برأينا ضرورة لتناول المفهوم ضمن مرمى التجديد. فالمفهوم أصبح مركزيا وأساسيا ومعتمدا كأداة للتحليل الثقافي في مختلف الاتجاهات والصيغ الأدبية والعلمية والسوسيولوجية. وقد استفاد المفكرون العرب ووظفوه أروع توظيف في تحليل المظاهر الثقافية للحياة العربية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

س13: ا. مراد غريبي: هل الثقافة بتنوعها بين الشعوب والأمم تعكس صراع هووي أم المأزق خارج مجال الثقافة؟

ج13: د. علي أسعد وطفة: دعنا نبسط الإجابة عن السؤال: الثقافة هي ترجمة لمعتقدات شعب وسلوكه. وبعبارة ابسط هي منظومة السلوك التي يتبناها في تكيفه مع العالم. فالثقافة تصورات وقيم وعادات ومفاهيم وطقوس تساعد الإنسان على التكيف مع ذاته وفي مجتمعه ومع الوسط الطبيعي الذي يعيش فيه. ومما لا شك فيه كما أشرنا في التعريف أن الثقافة ظاهرة متغيرة بتغير الزمان والمكان والأحداث. ولا يمكن التطابق بين ثقافة شخصين أبدا كما أنه لا يمكن التماثل المطلق بين جماعتين في داخل مجموعة بشرية واحدة. وهذا يعني أن الثقافة مبنية على أقصى درجة من التنوع بين الشعوب والبلدان والأمم. وهذا كله يعني أن هذا التنوع الثقافي ضروري وحيوي ومصيري ومستمر في بني الإنسان. وبناء على ذلك نقول بأن الصراع بين الأمم والشعوب ليس صراعا ناجما عن الاختلاف في الهوية بل على خلاف ذلك يمكن لهذا الاختلاف أن يكون مصدرا للتفاعل والتكامل بين الشعوب والأمم. وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالي:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّاخَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚإِنَّأَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ".

وبناء على هذه الرؤية يمكن القول إن الاختلاف في الهوية لا يفسد للود قضية بين الشعوب. وإنما ما نحسبه صراعا "هوويا "(= الصفة للهوية) ناجم عن عوامل أخرى وهي عوامل أيديولوجية داخل بعض الثقافات التي تنمي اتجاهات عدوانية ضد الأمم والشعوب الأخرى مثل النزعات القومية والعرقية والشوفينية وهي إيديولوجيات مرفوضة اليوم ثقافيا والمجتمعات الإنسانية تتبني اليوم ثقافات تسامحية تواصلية إنسانية بصورة مستمرة ودائمة. وهناك عوامل أخرى سياسية واجتماعية واستعمارية وتوسعية تسعى إلى تأجيج مثل هذا الصراع الذي يبدو صراعا "هوياتيا" في مظهره ولكنه صراع أبعد بكثير من أن يكون على الهوية. والسؤال ببساطة ما ضير الإنسان في الاختلاف بين الناس فالاختلاف قانون وسنة طبيعية وفي الأديان سنة إلهية. ولذا حري بنا أن نعزو هذا الصراع إلى عوامل أخرى غير الانتماء والهوية وأن نحيله إلى مصادر عدوانية تنشأ بفعل ميل بعض الأيديولوجيات الممتدة إلى الحضور التوسعي على حساب الشعوب الأخرى.

وكي نكون على درجة أعلى من الموضوعية، نقول إن الإنسان (مجتمعات وأفراد) ميّال بطبيعته إلى السيطرة نزّاع إلى الهيمنة الثقافية، وهذا الأمر نجده حاضرا ربما في كل الممارسات السياسية والاستعمارية حيث يحاول الغازي أن يفرض ثقافته وميوله وتوجهاته على ضحايا غزوه واستعماره. وعلى هذا المبدأ يشتد الصراع الثقافي بين الثقافات في مجال النزوع إلى الامتداد والتوسع والشمول بحثا عن القوة والسيطرة والهيمنة ،  ويتجلى ذلك  الأمر في مختلف مراحل التاريخ ولاسيما التاريخ الاستعماري للشرق والغرب.

 2760 وطفة ومراد

س14: ا. مراد غريبي: كيف يمكننا وعي التنوع الثقافي كمؤشر حضاري وماذا عن الأحاديات الفكرية وأمراء الحقيقة المطلقة؟

ج14: د. علي أسعد وطفة: دائما ما نردد في حياتنا الثقافية قولا مأثورا مفاده الإنسان عدو ما يجهل. وغالبا ما يكمن في طبيعة البشر الخوف من الغرباء. وتلك هي غريزة متأصلة في طبيعية البشر والكائنات الأخرى. فعلى نحو فطري تهرب الحيوانات عندما تشاهد إنسانا ما يمر بجانبها، والطفل الصغير غالبا ما يخشى الغرباء ويتخوف منهم، وغالبا ما نخاف من كل تكوين بشري أو حيواني آخر نجهله. ففيما نجهل قد يكمن الخطر ويسكن التهديد الذي يضع محك الحياة على الخطر. ويبدو أن هذه الغريزة تأخذ بعدا اجتماعيا وإنسانيا. فأغلب الشعوب كانت تتهيب الجماعات الغريبة التي لا تعرفها. وتقوم هذه الفرضية الاجتماعية على منطلق الأمن الاجتماعي القائم على القرابة والتجانس مثل الأقرباء بيولوجيا أو ثقافيا: الأم والأب، أفراد الأسرة والأخوة، الأعمام الأخوال، العائلة الممتدة، جماعة القبيلة، الجماعات الثقافية. فمثل هذه الجماعات يجد فيها الفرد أمنه لأنه ينتمي إليها وتشكل حدود الوطن الرحم الذي يعيش فيه. وعلى خلاف ذلك فإن الأباعد قد يشكلون خطرا لأنه لا توجد روابط أخلاقية ثقافية دموية مع هؤلاء.

 ومن هنا تنبع أهمية وعي التنوع وضرورته حضاريا وثقافيا، وهذا يعني انه عندما يتم التعارف الثقافي بين الشعوب والأمم فإن مثل هذا التعارف يؤدي إلى تقليص مشاعر الخوف والقلق ومن ثم سيؤدي تدرجيا إلى تنمية مشاعر المحبة والإخاء بين الشعوب. ومن هنا تكتسب عملية التفاعل الثقافي بين الأمم والشعوب دورا حضاريا في ترسيخ مشاعر المودة والسلام والتعاون والإخاء الإنساني.

 ومع الأسف فإن تنمية مشاعر الحقد والكراهية والتعصب تنبع من ثقافة التعصب والكراهية التي تنمو في نفوس الضعفاء الذين لا يستطيعون فهم هذا التنوع والتعدد. ومع الأسف هذه الجماعات المتطرفة تنمو اليوم تحت تأثير الثقافات العرقية والعنصرية المتطرفة التي نجد لها جذورا في التاريخ الثقافي للإنسانية. ومع الأسف تطل علينا هذه الجماعات المخيفة بأمراء التوحش الذي يستسيغون سفك الدماء والقضاء على الآخر تحت دواع فكرية منحرفة وضيقة. ومثال هذا التوجه الجماعات النازية والفاشية وجماعات التعصب العرقي والديني التي تقوم على مبدأ الكراهية والعنف ضد الآخر الإنساني. ومع الأسف الشديد تعرضت جماعات كثيرة عبر التاريخ للإبادة العرقية وبصورة مخيفة ومرعبة ومتوحشة كما حدث للهنود الحمر في الأمريكيتين، وهناك جماعات عرقية ودينية كثيرة تعرضت للإبادة من قبل الجماعات المتطرفة والمتوحشة.  ومما لا شك فيه أن هذا السلوك المتوحش يقوم على أفكار وحشية مخيفة تبرر السلوك الهمجي الإبادي للجماعات الأخرى. فعلى سبيل المثال غالبا ما يعتمد المتطرفون الإسلاميون والمسيحيون والهندوس واليهود على نصوص مقدمة تستبيح دماء الآخر وكيانه ووجوده. وما زال العالم الإسلامي عالقا بين أنياب هذه الجماعات التي تنتشر في سوريا والعراق وليبيا مثل داعش والقاعدة والنصرة وغيرها كثير.

ومما لاشك فيه أن أمراء الحقيقة المطلقة قوم يبحثون علن السلطة والقوة والثروة في عالمنا المتوحش وسبيلهم إلى ذلك الفكر المتطرف الهمجي الذي يقوم على الذبح والقتل والإبادة.. ومثل هؤلاء يحملون في رؤوسهم أطنانا من المتفجرات الثقافية قبل أن يقوموا بعمليات القتل والفتك والتطهير ضد الآخر الإنساني. ويحق لنا في هذا السياق أن نبحث في المنشأ الثقافي والفكري ولاسيما في الأرومات التربوية التي أسهمت في تشكيل هذه العقول الهمجية المتطرفة ونقول بالتأكيد إن البيئة الثقافية والتربوية التي احتضنتهم مسؤولة إلى حد كبير عن هذا التوحش والهمجية التي تأصلت في كيانهم وهويتهم الوجودية.

س15: ا. مراد غريبي: بالنسبة لمفهوم الثقافة عربيا وإسلاميا لايزال محل إشكال وغامض نوعا ما، رغم كل محاولات التعريف والضبط المفاهيمي إلا أن غالبيتها كانت ردود أفعال لمطارحات الغربية أو مقاربات لما عرف بتبيئة المفاهيم والمناهج، هل بنظركم مفهوم الثقافة عربيا وإسلاميا لصيق بالتراث الحضاري أو التاريخ الاستعماري؟

ج15: د. علي أسعد وطفة: ومما لا شك فيه أنني تعرضت لهذا الأمر في إجابتي على السؤال الأول إذ بينت بأن مفهوم الثقافة مفهوم غربي في جوهره، وهو مفهوم حديث حتى في الثقافة الغربية نفسها. وقد رأيت أيضا أن هذا المفهوم قد تم ضبطه وتعييره عربيا وأصبح أداة مفاهيمية أساسية وصميمية في الفكر العربي الإسلامي. وهو مفهوم مهم وخطير ولا يمكن الاستغناء عنه في تناول الظواهر الثقافية العربية. وإذا شئنا استخدام عبارة التبيئة الثقافية فمما لا شك فيه أن المفهوم قد فرض نفسه في مختلف العلوم الإنسانية عربيا وعالميا. ولا أعتقد أن المفكرين العرب مطالبين بالعمل على التنظير في المفهوم إلا بقدر ما يقتضيه واقع التطور وذلك في مجال البحث والاستقصاء الفكري في مجال الظواهر المجتمعية العربية. ومما لا شك فيه أن هذا المفهوم قد أصبح صميميا في مختلف العلوم الإنسانية العربية والأجنبية ولا يمكن اليوم بعد هذا التراكم الهائل في توظيفاته الفكرية في عالم الفكر والثقافة العربية أن يكون لها بديل أو نظير. ومن الملفت أيضا أن كلمة ثقافة أصبحت صميمية في نسيج الفكر الثقافي العربي، في صميم العقليات الثقافية العربية، وضمن هذه الرؤية فإن التساؤل عن مشروعية هذا المفهوم أصبح من الماضي.

وفي الشق الثاني من سؤالكم الكريم: هل بنظركم مفهوم الثقافة عربيا وإسلاميا لصيق بالتراث الحضاري أو التاريخ الاستعماري؟ لا نفضل استخدام مفهوم الالتصاق، بل نقول إن مفهوم الثقافة كما ذكرنا حضر فعليا في القرن الثامن عشر وتزامن مع الفترة الاستعمارية. ولكن انتشار المفهوم ربما يعود لعوامل التواصل الثقافي والترجمات عن العلوم الإنسانية. وباختصار نقول أيضا إن المفهوم " الثقافة" هو أداة لتحليل الظواهر الاجتماعية في مختلف التكوينات الاجتماعي بغض النظر عن مآلاته السياسية والاجتماعية وهو ليس أكثر من مفهوم وحاله حال مئات المفاهيم الأداتية التي تستخدم في تحليل الظواهر الاجتماعية والسلوكية في العالم. مفهوم الثقافة مفهوم يقابل السلوك الإنساني وهو مشروع في عملية الاستخدام. وهنا أيضا: أرى بأن إضافة سمات استعمارية أو غير ذلك على المفهوم ليس أمرا موضوعيا ومشروعا. ولكن من جهة أخرى أقول بأن توظيف الدراسات الثقافية في مآلاتها المختلفة قد يحمل دلالات أيديولوجية مختلفة. وهذا يعني بنظرنا أن مفهوم الثقافة ليس أكثر من أداة للفهم للتحليل للدراسة والبحث والتقصي. وهذا يعفينا من توليف منسوجات أيديولوجية حوله. فالخلاف الفكري بين الشرق والغرب قد يكون قائما ونشطا ضمن تيارات فكرية وثقافية متعددة تتمثل في التيارات الأيديولوجية الكبرى، ومهما يكن الأمر فإننا على الصعيد الفكري ما زلنا في حالة قصور ناجمة عن قصور الإبداع الفكري والحضاري وهذا يضعنا خارج سياق الصراع الفكري الندي مع الغرب الذي يبدع فكريا وإنسانيا وتكنولوجيا ونحن في الطرف الآخر من هذا الأمر نستهلك ونعيد الإنتاج ونجتر ونترجم ونصارع كالثور الهائج أحيانا لا يعرف أكثر من الشريط الأحمر الذي يحمله مصارع الثيران. فالصراع إذا كان بين شرق وغرب يجب أن يكون نديا وفي غياب الندية المطلوبة يتحول الصراع إلى تمرد وعصيان أو يتحول إلى تبعية وهيجان ثقافي.

س16: ا. مراد غريبي: هناك محاولات جادة في ربط التنمية بالثقافة وضمن مشروع التنمية الثقافية لكن أليس بمستوى أدق الأولى بحث التربية وعلاقتها بالثقافة، ثم التنمية تحصيل حاصل أم الأمر أعمق من ذلك مرتبط بمناهج الدراسات الإنسانية-الثقافية الفقيرة في عالمنا العربي والإسلامي؟

ج16: د. علي أسعد وطفة: هذا السؤال مركب جدا وينطوي في ذاته على أربعة أسئلة أساسية: وهي علاقة الثقافة بالتربية أولا، ومن ثم علاقة الثقافة بالتنمية ثانيا، ومن ثم علاقة التربية بالتنمية، ورابعا العلاقة الكلية التي تجمع بين التربية والثقافة والتنمية والعلوم الإنسانية. وخامسا وأخيرا يمكن أن ننظر بعد ذلك إلى علاقة الدراسات الإنسانية بالثقافة في منطقتنا العربية.

أولا - دعنا بداية نبحث في علاقة الثقافة بالتربية، ومن الواضح تماما أن العلاقة صميمية وجودية لا ينفصم عراها بينهما.  إذ يوجد بين التربية والثقافة وشائج علاقة فريدة في طبيعة العلاقة بين الظواهر والأشياء، وتأخذ هذه العلاقة طابعاً وجودياً؛ حيث لا تكون الثقافة من غير تربية، ولا تكون التربية من غير ثقافة. فالتربية بمناهجها ومضامينها وتجلياتها ظاهرة ثقافية بالضرورة، ومن ثمّ فإنّ الثقافة لا يمكن أن تكون خارج دائرة التربية من حيث الوظيفة والهوية، فوظيفة الثقافة وظيفة تربوية، كما أن وظيفة التربية وظيفة ثقافية بالدرجة الأولى. ومثل هذه العلاقة تعلن عن نفسها بوضوح في مختلف مداخل العلاقة بين الثقافة والتربية. فالتربية تنقل الثقافة وتحييها، ومن غير التربية تضمحل الثقافة وتتلاشى، وكذلك الحال في الثقافة التي لا تكون إلا بقدرتها على التأثير في الأفراد؛ حيث يأخذ التأثير فيهم طابعاً تربوياً بالطبيعة والضرورة.

وعلى الرغم من هذا التداخل البنيوي والحيوي بين الثقافة والتربية يمكن التمييز بينهما على صورة المؤسسات والتشكيلات؛ فالتربية تُعْرَف بمؤسساتها (أسرة، مدرسة، جامعة، وزارة، جماعة، أقران، وسيلة، إعلام)، والثقافة تُعْرف بتنظيمات القيم والمؤسسات التي تعمل على تنميتها مثل (المتاحف، المكتبات، الوزارات، الفنون، العلوم). ومع أهمية هذا التمايز فإنّ كلاً منهما يؤدي دور الآخر، ولا يستطيع أن ينفصل عنه.

وفي هذا السياق يمكن القول: إن الثقافة أكثر شمولاً من التربية؛ لأن الثقافة تمثل مادة التربية وجوهرها، ومن ثمّ فإنّ الثقافة تشكّل الإطار العام للتربية، حيث تحدد الثقافة العامة للمجتمع أبعادها ووظيفتها ومضمونها. وعلى هذا النحو يمكن القول: إن الثقافة تشكّل إحدى أهم ركائز العملية التربوية وأكثرها أهميةً، ومن ثم فإن النظام الثقافي للمجتمع كان وما يزال يشكّل أحد أبرز أصول العملية التربوية وأكثرها تأثيراً. ومن هنا تأتي أهمية التعريف بالثقافة ومناحيها واتجاهاتها ومضامينها بوصفها نسقاً أصولياً للتربية التي تغتذي من معين الثقافة، وتنهل من ينابيعها. ويترتب على هذه الضرورة الأصولية أن نتأمل في مختلف تجليات الثقافة ومفاهيمها ودلالاتها كي يستقيم لنا فهم الدور الحيوي الذي تؤديه الثقافة في التربية، ودور التربية في تأصيل الثقافة وتوطينها في العقول والنفوس والسلوك الاجتماعي لأفراد المجتمع. ويتضح لنا في هذا السياق أن العلاقة بين الثقافة والتربية ليست علاقة ميكانيكية، بل هي علاقة وجودية تفاعليه قائمة على تبادل التأثير والفعل حيث يؤدي كل منهما دور المنتج الحيوي للآخر في نسق علاقات جدلية متنامية بصورة أزليةً.

ثانيا - وإذا كنا قد وفقنا في البحث عن وشائج العلاقة بين الثقافة والتربية في الشق الأول من السؤال، دعنا الآن ننتقل للشق الثاني وهو العلاقة بين التنمية والثقافة. ونقول هنا إذا كانت العلاقة بين الثقافة والتربية صميمية فإن العلاقة بين التنمية والثقافة علاقة وجودية وخطرة وهذا يؤكد وجود حلقة مفرغة من التأثير بين الثقافة والتنمية والتربية بمعنى التأثير الاندماجي الذي لا يقف عند حدّ ضمن لزوجة يتداخل فيه ما هو تربوي بما هو ثقافي وتنموي. وأيا كان مفهوم التنمية الذي تريده: التنمية البشرية أو التنمية الثقافية أو التنمية الإنسانية أو التنمية على الاستدامة، أو حتى التنمية الاقتصادية وهي مفاهيم متداخلة، ولكل منها حقل خاص به. ومهما يكن الأمر فإن الثقافة هي الفاعل الحقيقي في تحقيق التنمية. فالتنمية سلوك إنساني إزاء الإنسان والطبيعية أو بين الإنسان والوسط الذي يعيش فيه وهذا الوسط يتميز بجناحيه الاجتماعي والثقافي. والسلوك هو حصاد فعل ثقافي محدد. فالسلوك عبارة عن ترجمة عملية للتصورات الذهنية المنبثقة عن ثقافة ما فالفرد في أيّ مجتمع مغمور بتراث ثقافي يتجاوزه وهو التراث الثقافي للحضارة التي ينتمي إليها. وهو من خلال هذا التراث يدرك العالم ويحكم عليه. ومما لا شك فيه أن هذه التصورات هي التي تحكم سلوكنا تجاه البيئة والطبيعية وهذا يعني أن جوهر التنمية الإنسانية والتنمية المستدامة يكمن في الثقافة ومن غير الثقافة التنموية لا يمكن أن نتحدث عن تنمية بدون ثقافة. وهناك اليوم فرع من الثقافة يدور حول الثقافة التنموية وفيها منظومة معقدة من المفاهيم والتصورات التي تتعلق بالعلاقة بين الإنسان والتنمية. وباختصار الثقافة التنموية تمارس دورها في توعية الناس بالأوضاع البيئية التنموية والكيفيات التي يحافظ فيها الإنسان على مبدأ الاستدامة والتنمية الإنسانية.

ثالثا - وضحنا أن العلاقة بين التنمية والثقافة جوهرية وجودية حيوية، وهذا يقودنا من جديد إلى بحث العلاقة بين التربية والتنمية عبر الثقافة التنموية. فالثقافة التنموية لا تتشكل في الفراغ بل تتشكل وتنمو في منبتها التربوي، فالتربية بمؤسساتها المختلفة معنية بإنتاج الثقافة التنموية. ومن هنا فإنه يتوجب على التربية أن تقوم بإنتاج وعي ثقافي تنموي بصورة مستمرة في الأجيال. وقضية العلاقة بين التربية والتنمية مهمة جدا اليوم وتعتمد مختلف البلدان برامج تربوية تنموية مستمرة في المدرسة والمؤسسات التربوية لمواجهة التحديات التنموية المعاصرة.

رابعا – في إطار الرؤية الشمولية للعلاقة بين الثقافة والتنمية والتربية نقول بأن هذه العلاقة علاقة جدلية عميقة الأبعاد، وهي علاقة ديالكتيكية دائرية بين هذه المكونات الثلاثة إذ كل منها يؤثر في الآخر وينتجه. فالتنمية رهن التربية التنموية والثقافة التنموية نتاج للتربية، والتربية قد تكون نتاجا لثقافة تنموية وباختصار التربية يمكنها أن تكون أصلا في إنتاج ثقافة تنموية أو سلوك تنموي.

خامسا وفيما يتعلق بالشطر الأخير من السؤال نقول إن مناهج الدراسات الإنسانية-الثقافية تتميز بضحالتها في عالمنا العربي ولا أستطيع أن أقول في العالم الإسلامي فهناك دول في العالم ألإسلامي تحقق تقدما كبيرا في مجال الإنتاج الفكري الثقافي والتنموي.

أما نحن في العالم العربي فنعاني من حالة ضعف كبير في وتائر البحث العلمي بصورة عامة ونعاني من قصور كبير في مجال التنظير الفكري وهذه الحالة تعبر عن حالة التخلف الشاملة التي تعيشها مجتمعاتنا العربية فنحن لا في العير ولا في النفير كما يقول العرب. فحالة التخلف شاملة عميقة علميا واقتصاديا وسياسيا واجتماعيا. ونحن فوق ذلك كله نعيش خارج ثقافة التنمية وتنمية الثقافة.

س17: ا. مراد غريبي: الحقل الثقافي يعتبر قطب الرحى في المشاريع التغييرية والحضارية للأمم لتأثيره العميق في مسارات وأنساق وآفاق قضايا الوعي والتجديد والإصلاح والتنمية المستدامة، وابسط قراءة أو مقاربة لراهن العرب والمسلمين توحي بحاجة ماسة لتصحيح الثقافة العربية والإسلامية وتنقية مصادرها وضبط مدياتها وتطوير أدواتها أو تجديدها، ترى ماذا عن راهن ثقافتنا ومن أين نبدأ في الإجابة عن إشكاليات الثقافة وحل مشكلاتها المتراكمة منذ قرون كما أقر ذلك المرحوم مالك بن نبي؟

ج17: د. علي أسعد وطفة: المشكلة يا سيدي أننا نعاني من التخلف الثقافي ضمن أنساق التخلف الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وهذا التخلف تقره جميع البحوث والدراسات الجارية في الميدان الثقافي العربي. ونحن أيضا نعاني من غياب مظفر لكل المشاريع التنموية والاقتصادية والاجتماعية. وكما أسلفنا في الشطر الأول من هذا الحوار نحن بلدان تعاني من مطلق الاستبداد والفساد والقهر والتسلط في جميع مظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية. وغني عن البيان أن الثقافة العربية بمعناها الأنثروبولوجي تعيش حالة تخلف ظلامية فالعقل العربي منكوب بالغيبيات والمطلقات والأوهام والأساطير. وثقافتنا بصورة عامة تقع قبل التاريخ وخارجه. لاحظ القيم الطائفية والعنصرية والتسلطية والتعصبية والهستيرية التي تسيطر في مختلف نواحي الثقافة العربية وأقصد بها هنا تحديدا الذهنية العربية أو العقلية العربية.

 والأخطر من ذلك كله أن التخلف الثقافي يمتلك القدرة على الحضور والاستمرار، فهناك قوى سياسية واجتماعية جبارة تعمل وبصورة مستمرة على ترسيخ هذا التخلف من خلال الإعلام والمؤسسات الثقافة الفاعلة في المجتمع. ومما لا شك فيه أن الأنظمة السياسية العربية الحاكمة ترسخ هذا التخلف الثقافي وتسعى إليه لأنه يشكل الأساس الأيديولوجي لاستمرار هذه الأنظمة بالوجود والمحافظة على هيمنتها السياسية. فالوعي الثقافي يشكل قوة هائلة ضد التسلط والاستبداد وهذا ما تخشاه هذه الأنظمة التي تتحالف مع المؤسسات الدينية في إنتاج التخلف الثقافي والاجتماعي في مجتمعاتنا.

والسؤال كيف يتم تصحيح ثقافة التخلف سؤال مفارق للحقيقة! يجب استبداله بسؤال كيف يمكن القضاء على التخلف الثقافي الذي يمثل حالة أصيلة في مجتمعاتنا. ومما لا شك فيه أن التخلف الثقافي أمر موجود في كل المجتمعات والبلدان فهناك تخلف ثقافي في البلدان المتقدمة في بعض شرائح المجتمع. ولكن في الحالة العربية فنحن لا نعاني من التخلف الثقافي بل من ثقافة التخلف وشتان ما بين ثقافة التخلف وتخلف الثقافة. فالتخلف الثقافي يمكن ردمه وتطويره ويمكن هدمه. وهذا يستحيل في ثقافة التخلف لأنه تخلف صميمي وجودي أصيل في الثقافة القائمة، وثقافتنا السائدة في مجتمعاتنا هي مع الأسف ثقافة تخلف، وهنا تكمن المشكلة الكبرى في وضعيتنا الثقافية،  وهذا يعني أن الإصلاح الثقافي غير ممكن ولا يمكن أن يحقق أي تقدم. ولذا فإن ما نحتاجه هو ثورة ثقافية جذرية حاسمة تدمر كل البنى الثقافية القائمة على الوهم والأساطير من أجل ثقافة عقلانية خلاقة قادرة على النهوض بمجتمعاتنا وحضارتنا من جديد.

والسؤال الذي يطرح نفسه كيف السبيل إلى هذه الثورة وهل هي ممكنة؟ نقول إنها ليست مستحيلة وهي رهينة بأوضاع سياسية وتاريخية ممكنة كما حدث يوما في الصين (الثورة الثقافية) وكما حدث في كثير من البلدان التي خرجت من عمق التخلف ونهجت نهجا حضاريا مثل ماليزيا وسنغافورة والنمور الآسيوية. ومع ذلك نقول إنه حتى اليوم لا يوجد في الأفق ما يبشر بمثل هذه الثورة الثقافية المحتملة في أي من البلدان العربية. وما يؤسف له أن التخلف الثقافي والاجتماعي يزداد صلابة وتبلورا وحضورا وكثافة في معظم المجتمعات العربية المعاصرة.

س18: ا. مراد غريبي: بعد الثقافة، لابد من تفكيك ماهية المثقف ودوره ووظائفه، هل عربيا هناك صور للمثقف خاصة أو عضوية كما أراد البعض تبيئته وفق رؤية غرامشي أم لانزال نفتقد المثقف عربيا وإسلاميا؟

ج18: د. علي أسعد وطفة: إذا كنا نفتقر إلى الثقافة الحقيقية وإذا كانت ثقافتنا ثقافة التخلف، فمما لا شك فيه أن مثقفنا سيكون بالضرورة مثقف التخلف وليس المثقف المتخلف ثقافيا. وحال المثقف حال الثقافة،  فالمثقف الذي يعاني من قصور ثقافي يمكن له أن يطور نفسه ويتطور ويطور أدواته الثقافية. ولكن إذا كان المثقف متخلفا وجوديا في جوهره، بمعنى إذا كان التخلف صميميا في البنية الذهنية للمثقف فتلك كارثة. ومع الأسف معظم مثقفينا يعانون من إشكالية المثقف المتخلف بمعنى الحضور الصميمي للتخلف في تشكيله الثقافي.

 وتبين الوقائع والأحداث والسير الثقافية للمثقفين العرب بأن معظمهم يفتقر إلى جوهر الثقافة الحقيقية. وأن ما حصلوه من شهادات وما دبجوه من أعمال مضيئة لم يمكنهم من الخروج من الذات المتخلفة التي تحكم وجودهم وذهنياتهم. لقد برهنت الأحداث الجارية وأخص ما يسمى بالثورات الربيعية العربية أن أغلب المثقفين حتى اللامعين منهم قد انحدروا إلى الدرك الأسفل من العماء الثقافي فانتكسوا وارتدوا إلى الحالة الغريزية للثقافة الطائفية والعنصرية والإقليمية. ومعظم المفكرين الذي تألقوا ماركسيا وليبراليا سقطوا في مستنقع الطائفية والعنصرية في سوريا ولبنان والعراق وليبيا واليمن. وهذا يدل على أن الجوهر الثقافي لهؤلاء المثقفين كان وما زال يعاني من عيب مسجل في الماهية الثقافية وفي الأرومة الفكرية، وكان أغلب ما كتبوه وما سجلوه لم يكن أكثر من تلميع فكري يسقط في أي زوبعة غبار تهب هنا أو هناك. وهنا يجوز القول بأن ليس كل ما يلمع ذهبا. فهناك عدد كبير من أساطين المفكرين العرب السوريين والعراقيين سقطوا واستمروا في السقوط في مستنقعات الوهم والتطرف والدونية والعنصرية والطائفية.

أقولها وأنا ربما على درجة كبيرة من اليقين بأن المثقف العضوي المفكر الحر المفكر الأصيل المرتبط بقضاياه الوطنية والمؤمن برسالته الثقافية غائب وغائب وغائب في ثقافتنا العربية. وأن المثقف العربي إذا جازت عليه تسمية المثقف لا يعدو أن يكون مثقفا هشا سطحيا طائفيا في أعماقه متعصبا في تكوينه بعيدا عن كل شكل من أشكال الأصالة الفكرية، محكوما بالظواهر الخرافية والطائفية والعنصرية والقبلية في أعمق أعماقه وفي أصلب تكويناته . وقد يبدو المثقفون العرب متألقين عندما يكتبون وينظرون ولكن هذا كله لا يمكنه أن يضعهم في خانة المفكرين العضويين وفقا لمفهوم غرامشي أو ماركس. ومما لا شك فيه أن هناك من يتلمس طريقه ويحاول أن يكون فاعلا في الثقافة منفعلا بها متأصلا فيها متأصلة فيه ولكنهم قلة قليلة لا تنفع في معركة الحضارة والتحضر.

والأخطر من ذلك كله هي الظاهرة الانتهازية السياسية لدى المثقف العربي الذي وظف نفسه في عملية تمجيد الأنظمة السياسية الاستبدادية. ففي كل بلد عربي هناك عشرات الألوف من المثقفين الصغار والكبار من إعلاميين ورجال دين وأساتذة جامعات الذين باعوا أنفسهم للشيطان فعقدوا تحالفا وحشيا مع الطغاة وشكلوا لهم حصنا ثقافيا منيعا ينافح عن وجودهم ضامنا استمرارهم واستمرار طغيانهم في الساحة الثقافية والسياسية في العالم العربي. فنحن في عصر المحن ضمن دورة زمنية تراجيدية يغيب فيها العقل وتنتفض فيها الغرائز. يغيب المنطق وتنطلق الانفعالات، فنحن نعيش اليوم في زمن يغيّب فيه العقل، وتدك الثقافة الحقيقية، وتنتشر الفوضى الأخلاقية في زمن أصبح أسفل الأشياء عاليها وأتفه الأمور في قمة التألق والحضور. عصر انطلقت فيه المذهبية المجنونة والطائفية الحمقاء، ولا أحد يستطيع أن يقف في وجه التيار، على خلاف ذلك تقف جموع كبيرة كثيرة من المثقفين المزيفين والمفكرين المزعومين ورجال الإعلام ورجال الثقافة والفكر الذين يؤججون النار ويقذفون كل القيم في جحيم الانحدار الطائفي والتصدع المذهبي.

س19: ا. مراد غريبي: هل بين المثقف والنقد ترابط وتلازم، بحيث كل ناقد مثقف أم لابد من التخصص في مجال النقد الثقافي؟

ج19: د. علي أسعد وطفة: للتعبير عن العلاقة الإيجابية بين "المثقف" وقضايا المجتمع ظهرت مصطلحات كثيرة جدا لكنها تدور جميعها في فلك واحد وحول جوهر واحد يتمثل في اهتمام "المثقف" بقضايا المجتمع ونضاله من أجل إحقاق الحق وتجسيد العدل الإنساني ومناشدة الخير والجمال. ومن هذه الكلمات نجد: "المثقف" العضوي، "المثقف" الملتزم، "المثقف" النقدي، "المثقف" الرسولي، "المثقف" الريادي، "المثقف" الطليعي، "المثقف" الناقد، "المثقف" المشاكس، "المثقف" الوطني، "المثقف" الإنساني. وجميع هذه الكلمات تدل في جوهر الأمر على معنى واحد يتمثل في دور "المثقف" ووظيفته في مواجهة مختلف التحديات والقضايا والمشكلات والأوضاع التي يواجهها المجتمع الذي يعيش فيه. ومن الواضح أن هذه الكلمات الدالة على المثقف النقدي تقف على نقيض الكلمات الدالة على المفكر التأملي أو المفكر العاجي أو المفكر الذي يعيش في عالمه الخاص بعيدا عن الحياة وهمومها ومشاكلها. فالمفكر كما يرى كثير من المفكرين يجب أن يمارس وظيفة اجتماعية في نقد مختلف التحديات والمشكلات التي يواجهها المجتمع. وعلى هذا الأساس يمكن القول إن "المثقف" الذي يدير ظهره للمجتمع لن يكون جديرا بتسمية المثقف الحقيقي، وبالتالي فإن "المثقف" هو ذاك الذي لا يرضى أن يكون شاهدًا على الحدث بل فاعلاً إيجابيا متمرسا في قضاياه وأحداثه، ولا يكون فاعلا إلا عندما يكون أنموذجا للمثقف العضوي حسب توصيف غرامشي، أو أنموذجا للمثقف الشجاع حسب جوليان بندا Julien Benda، أو حتى نموذجا للمثقف الفطين التفكير الواضح الرؤية عند الجابري، والملتزم عن بورديو Pierre Bourdieu، أو مثالا للوعي الشقي حسب هيغل Hugle. وفي مقابل هذه الكلمات التي تعبر عن "المثقف الرسولي النقدي" ظهرت كلمات أخرى للإشارة إلى المثقفين السلبيين ومنهم: مثقف السلطة، وفقهاء السلطان، والمثقف الطائفي، والمثقف التقليدي، والمثقف الأيديولوجي، والمثقف السطحي.

عدد كبير جدا من المفكرين تناولوا قضايا "المثقف" وارتباطه العضوي الملتزم بقضايا المجتمع. ومن أجل الكشف عن طبيعة العلاقة بين "المثقف" والمجتمع أو ما يسمى بالعلاقة الصميمية سنستعرض بعض التيارات الأساسية التي تتمثل في منظور كل من سارتر، وغرامشي، وإدوارد سعيد، والجابري، آملين أن تتضح صوة "المثقف" العضوي الملتزم النقدي المشاكس في مرآة أعمالهم وتصوراتهم النقدية حول دور "المثقف" ووضعية الالتزام الثقافي بقضايا المجتمع وهمومه. وهنا أيضا يجب علينا ألا نغفل أهمية التيارات والاتجاهات الفكرية في هذا الميدان التي لا نستطيع المرور عليها جميعا فهناك محاولات فكرية كثيرة بذلها علماء ومفكرون لا يقلون أهمية، وقد استطاع بعضها أن ينفلت من مركزية الدوران في فلك غرامشي وسارتر وإدوار سعيد.

س20: ا. مراد غريبي: ماذا عن الدين والثقافة؟ وكيف يكون المثقف مزاحما للفقيه في مقاربة دور الدين في الحياة والعكس إسهام الفقيه في المجال الثقافي؟

ج20: د. علي أسعد وطفة: مما لا شك فيه أن العلاقة جوهرية بين الدين والثقافة ويشكل الدين تاريخيا أحد أبرز المعالم الثقافية في العالم القديم والعالم المعاصر. فالأديان تحمل إلى البشر منظومات من المعتقدات المقدسة التي تقدم صيغة وجودية للعلاقة بين الإنسان والميتافيزيقيا بين الإنسان والله وهي في نسق هذه العلاقة استطاعت أن ترسم حدود العلاقة بين الإنسان والإنسان وبين الإنسان والكون الذي يعيش فيه. وهذا يعني أن الثقافة الدينية غالبا ما تكون ثقافة شمولية. وما يميز الثقافة الدينية عن الثقافة المدنية أن الثقافة الدينية تقوم على المطلقات والمقدسات وتقدم لنا الحقيقة كاملة لا انتقاص فيها وتقدم إجابات قطعية نهائية كلية مقدسة عن كل المسائل التي يمكن للإنسان أن يطرحها في مسألة الوجود والعدم، الحياة والموت وكل القضايا الدنيوية والسماوية. ومثل هذا الأمر يؤدي إلى عزلة فكرية للإنسان الذي لا يجد لعقله مكانا في الوجود فكل الأمور واضحة ولا يحتاج للتفكير أبدا في هذا الوجود بل يحتاج إلى العمل والاعتقاد بمقتضيات العقيدة الدينية.

ونلاحظ تاريخيا بأن تاريخ الحضارات القديمة كان محكوما بالثقافات الدينية ،البوذية في الهند، الكونفوشيوسية في الصين، الفرعونية في مصر، الآلهة المتعددة الوثنية في أثينا، المسيحية في أوروبا في العصر الوسيط، الثقافة الإسلامية في البلدان العربية والإسلامية.

وهذه الأديان كانت تسود وتهيمين بصورة مطلقة حتى القرن الثامن عشر في أوروبا التي بدأت بثورتها على التقاليد الدينية الكنسية واستطاعت ثقافة التنوير والحداثة أن تنهض في أوروبا ضمن حركات فكرية جبارة، استطاعت فيما بعد أن تنتصر على التقاليد الكنسية وأن تؤسس لثقافة علمانية مدنية ينفصل فيها الدين عن السياسة وإلى تشكيل ثقافات عقلانية تعتمد على العقل وليس على المطلقات الدينية.

في مجتمعاتنا ما زالت الثقافة الدينية هي التي تهيمن وتسود بكل معطياتها التقليدية، وضمن هذه الوضعية يجد المثقف نفسه متحركا في أفلاك هذه الثقافة ومعطياتها، وهذا يعني أن الثقافة ثقافة دينية والمثقف مثقف ديني أو متدين وثقافته هي رديف للثقافة الدينية إلا فيما ندر. واعتقد أن مثقفنا لا يزاحم الفقهاء بل يدور في فلكهم في الغالب ويؤكد مزاعمهم. ونحن في الأغلب الأعم لا يوجد لدينا مثقفون علمانيون يتبنون الثقافة العقلانية. فأفضل ما يكون عليه المثقف أن يكون عقلانيا ضمن الثقافة الدينية، وهنا أحيانا يحدث الصراع. هناك مثقفون قلة يتخذون من خطوات ابن رشد وابن باجة وابن طفيل منهجا لهم في التفكير ولكن ضمن الخط الديني وضمن الولاء للمقدسات الدينية. ومع أهمية التيار العقلاني فإن أمثال هؤلاء المثقفين العقلانيين يعانون الأمرين في التعبير عن ذواتهم وحضورهم.

ومما لا شك فيه أن الفقيه هو الذي يسيطر بالمطلق على الساحة الثقافية في عالمنا العربي أما المثقف العقلاني فيجد نفسه في دائرة الإهمال والإقصاء والتهجير والتكفير في أحيان كثيرة عندما يطرح فكرا حرا عقلانيا. وهذا لا يعني أن الدين هو الذي يحارب هؤلاء المفكرين بل نمط التدين العقائدي والمذهبي الذي يرجح التعصب والتسلط. ومما لا شك فيه كما تعرفون أن تحالفا شيطانيا فاوستياً قد تمّ بين المؤسسات الدينية والأنظمة الديكتاتورية الحاكمة ولذا فإن الفقيه يوجد في عقد تحالف شرعي مع الطاغية وهنا تكمن المشكلة الكبرى إذ لا يمكن للمفكر العضوي أو المثقف العقلاني أن يجد أي مساحة للحركة والنشاط في دائرة هذا التحالف الفاوستي الخطير.

س21: ا. مراد غريبي: لماذا التركيز على انفجار الهويات داخل الثقافة الواحدة وكيف يمكن للتجديد الثقافي على أساس النقد العلمي لتحقيق تسامح وتعايش الهويات ضمن الثقافة الإنسانية أو الدينية الواحدة؟

ج21: د. علي أسعد وطفة: انفجار الهويات الصغرى الطائفية والعرقية والقومية والإقليمية ناجم عن غياب الثقافة العقلانية وغياب المثقف أيضا. فالثقافات الدينية المذهبية تغذي هذه الهويات المرضية وأيضا تقوم المؤسسات السياسية الحاكمة بعملية دعم ومساندة وتغذية لمثل هذه النعرات الطائفية والمذهبية والدينية والعرقية.

من الطبيعي أنه يصعب مقاومة هذا الانفجار لأنه يوظف في خدمة القوى السياسية والحزبية الحاكمة ويعزز فرص وجودها وهيمنتها اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا. ومن المؤكد أن إطفاء جمرة هذه الانفجارات "الهووية (= نسبة إلى الهوية) يحتاج إلى ثقافة تسامحية إلى ثقافة تربوية يتضافر فيها الإعلام والسياسة والمجتمع. وفي كل الأحوال نقول بأن المجتمعات العربية لن تنهض إلا على أساس مشروع اجتماعي كبير يبدا سياسيا ليتلاحم مع مختلف المشاريع النهضوية والاقتصادية والاجتماعية. ولا يمكن لأي حلول جزئية أن تكون قادرة على إصلاح المجتمع أو تطوير الثقافة فيه على نحو عقلاني وإنساني. 

أشكرك صديقي المفدى المهندس مراد غريبي على هذه الأسئلة الجميلة وأحييكم وأشكركم، وأرجو أن تكون مداخلتي مفيدة ومناسبة لأسئلتكم الكريمة.

 

حاوره: الأستاذ مراد غريبي

مرايا فكرية – مؤسسة المثقف

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5488 المصادف: 2021-09-14 02:18:52


Share on Myspace