 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (126): العقائد الموازية

majed algharbawi8طارق الكنانيخاص بالمثقف: الحلقة السادسة والعشرون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الكاتب والأديب طارق الكناني.

 

س94: طارق الكناني: في كل الديانات القديمة وبمرور الوقت تنشأ عقائد جديدة، نابعة من الأساطير التي يتخم بها الموروث الشعبي لهذه المجتمعات القديمة، وبحكم الفلسفات التي يتداولها معتنقو هذه الديانات.. وقد تكون هذه الأفكار والعقائد باعثا على التجديد وعدم الركون لفكر ثابت، وهذه الأفكار نابعة بالتأكيد من الأساطير التاريخية التي تتراكم بفعل الزمن لتصبح عقائد راسخة لدى معتنقي هذه الديانات وهناك الكثير من هذه العقائد إذا أحببت أن أورد لك نماذج على سبيل المثال لا الحصر.

السؤال هو: هل تؤثر هذه العقائد على مستوى الإيمان الروحي بالخالق؟ ومدى هذا التأثير؟ وهل هذا التأثير سلبي أم إيجابي؟ أي بمعنى هل يساهم في ترسيخ العقيدة أم يكون عامل نفور منها؟

ماجد الغرباوي: شكرا للأخ الأستاذ الكاتب والأديب القدير طارق الكناني، وشكرا لأسئلتك القيمة. جدير بالذكر أن الأخ الكناني، قد أجرى معي، قبل الشروع في هذا الحوار المفتوح، حوارين مفصّلين وطويلين، تمخضا عن صدور كتابين، الأول بعنوان: (رهانات السلطة في العراق.. حوار في أيديولوجيا التوظيف السياسي). الذي صدر سنة 2017م، عن مؤسسة المثقف في سدني – أستراليا، ودار أمل الجديدة في دمشق – سوريا. والثاني بعنوان: (مدارات عقائدية ساخنة.. حوار في منحنيات الأسطرة واللامعقول الديني)، صدر مرتين عن مؤسسة المثقف ودار أمل الجديدة. الأولى سنة 2017م، والثانية عام 2018م. وقد سجل الأخير حضورا لافتا في معارض الكتاب التي شاركت فيها دار أمل الجديدة. وكلا الحوارين لم يُنشر على حلقات في صحيفة المثقف. فأهلا وسهلا به وهو يستأنف طرح أسئلته حول موضوع جديد.

تاريخية العقائد

إن تطور العقيدة بشكل عام، والعقيدة الدينية بشكل خاص، حقيقة تاريخية. وكذلك انشطارها وأفولها، بعد انهيار إرادة التحدي، وضعف مقوّمات الصمود أمام الإشكاليات المطروحة. ويكفي مراجعة كتب المِلل والنِحل وكتب العقائد والفِرق للتعرّف على تاريخ نشوء وتطور العقائد الحية، فضلا عن العقائد التي اندثرت أو بادت، لأسباب بعضها ذاتي يرتبط بذات العقيدة، وقدرتها على تقديم إجابات كافية للأسئلة الوجودية المتجددة. ومدى تدفقها الروحي بما يُطفئ ظمأ الروح، وربط معتنقيها بها. والسبب الآخر خارجي، كالعنف والقمع والتهميش ومنطق التكفير. أو أنها تندحر أمام زخم الوعي، وظهور مناهج عقلية وفلسفية مناوئة للميتافيزيقيا واللامعقول، خاصة اللامعقول الديني.

وأما العقائد الموازية، فتارة تترشح عن العقيدة الأم، حينما تتبنى أصولها، وتضيف ما يخدم هدفها وتطلعاتها، وهو دَيدَن ما ظهر بعد وفاة النبي من عقائد، تشمل أغلب الفِرق والمذاهب. أو أنها تستقل بجذر عقدي مغاير لا ينتمي للعقيدة الأم، كأن تنهل من عقائد ما قبل أو بعد ظهور الأديان، أو تعود لأساطير قديمة، فتقع خارج حدود العقيدة الأم، مهما كانت مساحات الإلتقاء، كما بين الإسلام وأهل الكتاب، فثمة أفق للتوافق العقدي، كالأصل الإلهي للأديان. وفي جميع الحالات ثمة أسباب ودوافع، تكشف عن أهدافها، ودوافع ظهورها أو تطورها. إذ لعبت عوامل شتى، خاصة السياسة وصراع السلطة دورا خطيرا في ظهور عقائد موازية. تبدأ بتأسيس أصول، تكتسب شرعيتها من العقيدة الأم، عبر مجموعة تأويلات ومقولات كلامية ونصوص منحولة، من أجل تحقيق أهدافها بعيدا عن الريبة والشك.

بشكل عام، العقيدة شأنها شأن أي كائن تبدأ صغيرة، بسيطة، وربما ساذجة ثم تتطور. بعضها يموت، وبعضها يقاوم، عندما تجدد العقيدة خطابها، وتصد تحدياتها. أو تتبناها سلطة دينية أو سياسية، تساهم في انتشارها، وتأصيلها، والذب عنها. ويمكن في هذا الصدد مراجعة عَملين مهمين، للاطلاع على تاريخ العقائد والأفكار، الأول: "تاريخ المعتقدات والأفكار الدينية"، تأليف: "ميرسيا الياد"، (3) أجزاء، وهو كتاب مرجعي مهم ضمن اختصاصه. والثاني خاص بالعقيدة الشيعية، وهو كتاب: "د. مدرسي طباطبائي"، بعنوان: "تطور المباني الفكرية للتشيع في القرون الثلاثة الأولى". وكلا الكتابين مترجم إلى اللغة العربية، ومتوفر في المكتبات.

القلق المصيري

لكي تكتمل الصورة حول أسباب تطور وتفاقم العقائد، خاصة الموازية، استدعي نصاً من كتاب "النص وسؤال الحقيقة"، يقدم تفسيرا لبعض المظاهر والممارسات، خاصة الطقوس، باعتبارها تمظهرات للعقيدة، سواء كانت دينية أو غيرها:

(أجد في حرص الناس على ممارسة الطقوس بعدا أعمق، يتجاوز مسألة الإيمان وظمأ الروح وحاجتها لما يروي عطشها، ويفتت حيرتها، ويعيد لها استقرارها، وطمأنينتها، فثمة قلق مصيري يستبد بالإنسان يدفعه للتشبث بها، منشأه سؤال الحقيقة عن مآل المصير البشري، وكيفية النجاة. فالإنسان مفجوع بكوارث الطبيعة، ومفاجآت الحياة منذ القدم، ومصدوم بالموت، تلك الظاهرة التي حار العقل البشري في تفسيرها، والأكثر ما بعد الموت، حينما راحت أرواح الرموز العائلية والأبوية تطوف حول أبنائها، فاضطروا لعبادتها، وتقديم القرابين ضمن طقوس خاصة، لدفع شرورها، وكسب مرضاتها، ورعايتها، وعطفها. والتمهيد لما بعد الموت، بما يكفل نجاته. وبهذه الطريقة تشكل الإيمان. فقلق المصير البشري، والخوف من مآلات الآخرة، وهاجس النجاة، وراء ممارسة الطقس، وهو سبب دفين في أعماق النفس البشرية. وقد غذّى الخطاب الديني روح الخوف من الآخرة وعواقبها، ضمن منهجه التربوي القائم على الترغيب والترهيب. فالشعائر الدينية في نظره تعبير آخر عن حاجة الإنسان لدفع غضب الله تعالى عليه، وضمان نجاته في دار المعاد. وهي نظرة تراثية، شوّهت الرؤية القرآنية القائمة أساسا على العدل ومجازاة الإنسان على عمله وسلوكه. ومعاقبة المفسد، والظالم لحقوق الناس، ومن يسعى في الأرض فسادا هدفه إحقاق الحق بالعدل، وليس انتقاما. فالله غني عن العالمين، ولا يضره شيء، وحينما تعبّر الآية بالانتقام فتقصد الانتقام للعدل وليس انتقاما شخصيا، وهكذا بالنسبة لمضاعفة العقاب، وأحباط الأعمال، جميعها قائم وفق ميزان العدل وإحقاق الحق. كما أن بعض العقائد رسمت صورة قاتمة لله تعالى وعقاب الآخرة، وأضافت لها عذاب القبر وما قبل الموت، وحصرت النجاة بها دون غيرها. وقد أثّر هذا المنطق على فهم العلاقة بين الإنسان وربه، ودفعه للتشبث بكل ما هو خرافي لضمان نجاته. فالخوف أحد الأسباب، وربما أقواها، يتجلى ذلك بالقرابين البشرية التي تقدم للآلهة عبر طقوس دينية دفعا لغضبها وانتقامها، رغم عنف المنظر الدموي.

وهناك من يمارسها لتأكيد الذات والهوية والإنتماء، أو ينساق مع العقل الجمعي في إحيائها، ضمن شروطها. وبالتالي فتحت مشاعر التبجيل والفرح والحزن خلال ممارسة الطقوس ثمة بنية أعمق تدفع إلى أدائها بإيمان منقطع النظير. بنية قائمة على سؤال الحقيقة، وقلق المصير البشري ومآله. غير أنه متوارٍ، ضمن اللامفكر فيه، يتجلى بمواصلة التنقيب في أخاديد مضمراته. فطالما يتستر بعناوين أخرى، وينطلق من منصات مختلفة كالفرح والحزن، وجلب الخير، ودفع الضرر. لكن تبقى الحقيقة أنه ينتظر ما يبدد خوفه بفيض روحي، يبعث فيه الطمأنينة والإرتياح النفسي. لذا يشعر بعد أدائه الطقس أنه أنجز عملا لا يخضع للمقاييس المادية، فتجده مليئاً بالغبطة والسعادة والارتياح بما في ذلك طقوس الحزن. كأنه يقوم بمراجعة عميقة مع النفس، ليواجه خوفه الدفين بما يطمئنه. خاصة الشعوب التي لازمها القهر والظلم والحرمان، ويلاحقها الخطاب الوعظي باستمرار، يترصد كل حركاتها، ويحصي عليها أنفاسها، ويتوعدها بالويل والثبور على قضايا لم يرتكبها الإنسان، فهو مسكون بالخوف، مهدد بمفاجآت الحياة. بل حتى المجتمعات المستقرة يعاني فيها الفرد خوف المصير، وقلق سؤال الحقيقة، فيعالجه بمعاقرة الخمر وتعاطي المخدرات، والإسراف في ملذاتها، وكلما استفزه سؤال الحقيقة، عاودته هستريا تتلبسه لا شعوريا. من هنا تجد مجاميع كبيرة من الشعوب الأوربية تلجأ للمعابد ورياضة التأمل (اليوغا)، وتسافر هروبا من المادة وأجوائها إلى الهند والصين. فثمة فراغ، ولا جدوى طاغية على الحياة، وليس كالدين والطقوس الروحية، يمنح الإنسان المعنى ويضفي الجدوى على حياته. لكن للأسف عطلوا وظيفة الدين الحقيقية، ووظفوه لمصالحهم الشخصية والسياسية والطائفية)(كتاب: النص وسؤال الحقيقة.. نقد مرجعيات التفكير الديني).

أطر العلاقة

نعود للسؤال: (السؤال هو: هل تؤثر هذه العقائد على مستوى الإيمان الروحي بالخالق؟ ومدى هذا التأثير؟ وهل هذا التأثير سلبي أم إيجابي؟ أي بمعنى هل يساهم في ترسيخ العقيدة أم يكون عامل نفور منها؟).        

لا شك أن العقيدة إطار نظري للإيمان، بينهما تأثير متبادل، وفق علاقة جدلية. يساهم كلاهما بمقومات وجودهما. فتطور التجربة الإيمانية يتطلب استجابة عقدية، ترسم ملامح إطار نظري يبرر تجلياتها، مادامت ضربا من الهيام الروحي، بفعل خصوبة الخيال، وقدرة النفس على التحليق، في أجواء غيبية ومثيولوجية. وأيضا عندما تتطور العقيدة نظريا تستدعي تطور التجربة الإيمانية. والتطور المقصود في كليهما نسبي، مهما كانت تمظهراته وحدوده، فتارة تكون التجربة الروحية بسيطة جدا، ليس لها تجليات واضحة، غير أنها تؤكد ذاتها عند الصدمات النفسية.

ولا تقف تأثيرات العقيدة عند حدود التجربة الإيمانية والروحية، بل أن (العقيدة منظومة فكرية توجّه وعي الفرد. يتأتى الإيمان بها عبر تراكمات لا شعورية، نفسية – ثقافية، هي سر تفاوته من شخص إلى آخر. فتؤثر في تكوينه جميع المؤثرات النفسية والسلوكية والاجتماعية والسياسية والعلمية والثقافية والتربوية، ومنها ذات العقيدة وقوة رمزيتها وإيحاءاتها وحجم تأثّر العقل الجمعي بها. كما تساهم ممارسة الطقوس، والشعارات وإحياء المناسبات في ترسيخ الإيمان بها، فيلعب دورا فعّالا في تأسيس بنية معرفية يترشّح عنها منظومة أفكار وتصورات ومعتقدات تغذّي الخيال حداً يمكنه مقاومة الانهيارات المفاجئة لصدقية حقيقته، من خلال إعادة تشكيل وبناء العقيدة في ضوء قبليات الإنسان وحاجاته وضروراته وتطلعاته، خاصة في مجال العقائد الدينية والمواقف الأيديولوجية. فالعقيدة تنمو في أحضان الإيمان ودفئه، وقد تلتف على معطيات العلوم والاكتشافات المعرفية وتوظفها لترسيخ أسس الإيمان بها، وتحصين ذاتها بأسيجة تضمن بقاءها حية فاعلة، كقداسة وعصمة الرموز التاريخية. فثمة جدل متواصل بين الإيمان وبيئته لتجديد فاعليته على مستوى السلوك والأخلاق والوعي، بدوافع أيديولوجية، لتبقى العقيدة سلطة توجه وعي الفرد وتؤثر في فهم الواقع. فالصورة الذهنية للعقيدة وليدة إيمان الفرد وضروراته ومصادر معرفته. يتجسد ذلك في التقاطعات الحادة حول مفردات العقيدة. وعدم تأثر الإيمان بالكشوفات المعرفية. وطالما مارس الناس طقوسا رغم مخالفتها للعقل والذوق العام).(مدارات عقائدية ساخنة)

ما أريد قوله، أن جملة آثار موضوعية وروحية تلازم كل تطور عقدي، يشهد لذلك تطور الطقوس والشعارات تبعا لتطورها، حدَ التشوّه والانحراف أحيانا. لأنها شرط لقوام التجربة الدينية، ومن ثم تؤكدها الطقوس والممارسات الروحية. كما أن مفهوم الدين شامل للعقيدة والشريعة، وكل تشريع يترشح عن مفهوم عقدي جزئي، ينتظم ضمن النسق العقدي العام. فالإتيان بالصلاة مثلا، يترشح عن مفهوم الصلاة، وما يترتب عليها من آثار. وهذا هو المفهوم العقدي الجزئي، وعندما ترتبط الصلاة بالله، تنتظم ضمن وجوب طاعة الخالق، ومن ثم تندرج ضمن النسق العقدي العام، المتضمن لمفهوم الخالق، وقدرته وعظمته إلى غير ذلك من صفاته، إضافة إلى مفهوم الإنسان والحياة والآخرة والخير والشر.

إن مركزية الدين في حياة الناس، وقدرته على توجيه الوعي ضمن استراتيجيته، دفع باتجاه توظيفه سياسيا وطائفيا، باعتباره  سلطة مقدسة، تستحوذ على مشاعر الفرد، وتحول دون تمرّده، فكان هذا أحد أسباب تطور العقائد أو نشوء عقائد موازية. وأيضا اضطرت الأطراف المتصارعة على السلطة إلى توظيف الديني لصالح أهدافها السياسية، فقامت بتأصيل عقائد، تعتمد التأويل والروايات المنحولة والمقولات الكلامية، لتثبيت أسس المذهب السياسي – الديني. وطبيعة العقيدة، فيها مفاهيم عصية على التطويع، كالمفاهيم المطلقة التي يمكن الاستدلال عليها برهانيا، ويستحيل نفيها. وأخرى مفاهيم نسبية، لا وجود لها خارج النص والفضاء المعرفي للفرد، فيمكن تأويلها، وإعادة انتاجها بما يخدم الهدف الأساس من تأصيلها كلاميا. بل أن العقائد المبتدعة جاءت استجابة للوسط الثقافي والبيئة الاجتماعية، فهي إعادة انتاج وفق مصالح محددة. وبالتالي فإن الِنحل والمذاهب والفرق، وتعدد العقائد والأفكار، سمة ملازمة لتاريخ الأديان، الذي هو سلسلة تقلبات عقائدية، وانحرافات دينية، يشهد لذلك تعدد الأنبياء والرسل، وتأكيد اللاحق على انحراف الأمم السابقة، واستغلال الدين لصالح الملأ وأرباب السلطات القبلية، وهكذا فعلت الملوك في العصور الأولى. 

وحينئذٍ عندما ننتقل للعقائد الدينية، ونعيد السؤال:

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4698 المصادف: 2019-07-17 04:39:43


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5779 المصادف: السبت 02 - 07 - 2022م