 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (127): عبء العقائد

majed algharbawi9طارق الكنانيخاص بالمثقف: الحلقة السابعة والعشرون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الكاتب والأديب طارق الكناني.

 

عبء العقائد

ماجد الغرباوي: عندما ننتقل للعقائد الدينية، ونعيد السؤال وفقا لما تقدم: "هل تؤثر هذه العقائد على مستوى الإيمان الروحي بالخالق"؟ ومدى هذا التأثير؟.

لا مراء، ثمة تأثير متبادل. الإيمان يستدر العقيدة مشروعيته رغم تعدد مناشئه، ليضفي عليها معنى من خلال تجلياته. وبينما تقدّم العقيدة تصورات نظرية للكون والحياة وما بعد الموت، يمنح الإيمانُ العقيدةَ صدقية من خلال تجربته الروحية ومختلف تمظهراته، عبر ممارساته الطقوسية. أو تبقى معلقة ما لم يجسّدها الإيمان سلوكا ومشاعر تنتمي لها. ولا ريب في كل هذا، لكنَّ الكلام عن مستويات التأثير، ومدى توقف وجود أحدهما على وجود الآخر. وهل كلاهما مرتهن للثاني؟.

العقيدة لغة كما مرَّ، مأخوذة من الفعل "عَقَدَ"، وما عقد عليه القلب، وأذعن له وصدقه. ويقصد بها الاعتقاد دون العَمل، كعقيدة وجود اللهِ وبَعْثة الأنبياء. فهي تشير للبعد النظري، كمنظومة مفاهيم وتصورات، ينتسب لها الإيمان. وأما الإيمان فيأتي من الأمن والاطمئنان والانسجام النفسي. وهو تراكم لا شعوري لا تشكل الحقيقة (التي هي جوهر العقيدة حسب الفرض) سوى جزء موضوعه، ويستمد صدقيته من مناشئ وأبعاد أيديولوجية أخرى. لذا تعددت مناشئه، ولم تقتصر على وجود أدلة وبراهين. وقد لا تورث الأدلة العقلية والفلسفية الإيمان بسهولة ما لم يصاحبه طقوس وشعائر ومناسبات ومشاعر وتحديات وردود أفعال وعادات وتقاليد وعبادات، تحقق الحالة الروحية والنفسية المعبرة.

الإيمان يترسخ بالممارسات العبادية والتسليم، وتقوضه الشكوك المجردة من العاطفة. من هنا لعبت الطقوس والشعائر دورا كبيرا في ترسيخ ونشر العقائد الدينية رغم لا معقولية بعضها. ومن هنا أيضا أكد القرآن على العمل الصالح دليلا على صدق الانتماء العقدي، خاصة العقائد الغيبية، التي لا يمكن للفرد الإمساك بها، إلا من خلال ممارسات شعورية تُلهِم الإيمان والتصديق، بعيدا عن الأدلة والبراهين. ليغدو نفس العمل الصالح دليلا على صدقية العقيدة، وهذا دافع لا شعوري، يتأتى بديمومته وتبني طقوسه وشعائره: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ). بهذا نفهم أن الإيمان بالغيب كعقيدة دينية راسخة لدى جميع الديانات، تستدعي إذعان النفس من خلال جميع الممارسات العبادية، كالعمل الصالح، والإتيان بالحسنات، والتسبيح، والذكر وإقامة الصلاة، والصوم والحج. وهي مشتركات إيمانية. فالإيمان شرط لرسوخ العقيدة، حينما يكرّس قدسيتها، ويضفي لها معنى، ويعيد تشكيلها لتفادي نوازع الشك والتمرد. أو أنه يعيد إنتاجها لتواكب ضروراتها، وما يملي عليها الخطاب الأيديولوجي. فالإيمان لا ينتقل من مرحلة التصور إلى مرحلة التصديق إلا من خلال تجربته الروحية، التي تغذيها مختلف الطقوس والشعائر والإيحاءات الرمزية.

وبالتالي، إن إيمان الناس بشيء أو بعقيدة مهما كانت، لا يعني مطابقتها للواقع، بل نكتشف من خلال الإيمان بنية العقل ومضمراته التي تفضي له. وأما صدقية العقيدة فتحتاج لأدلة. أي أن الانتقال من المرحلة التصورية إلى المرحلة التصديقية التي يذعن فيها القلب ويؤمن، يحتاج لأدلة عقلية ونقلية. فلا يمكن الاستدلال بإيمان الناس على صدق عقيدتهم، لتعدد مناشئه. رغم أن الإيمان بشكل عام تجرية روحية شخصية يعيشها الفرد بمشاعره وأحاسيسه، لا تحتاج إلى ما يؤكدها، بل يدرك الإنسان نور الإيمان بقلبه، ويعيش فيوضات التجربة بمشاعره.

خلاصة ما تقدم، تشكل العقيدة أحد روافد الإيمان، وقد تبقى مجرد تصورات، لا يذعن لها القلب ولا تحرّك مشاعر الفرد. كمن يزاول تدريس العقائد، ويقتنع بأدلتها وبراهينها، دون أن تستفز مشاعره أو تخلق لديه وازعا، يتجلى من خلال مشاعره وسلوكه. وقد يعمل الخير لا يقصد به التقرب إلى الله رغم إيمانه. بينما يحرص المؤمن على إتيان عمله بدواعي التقرّب لله تعالى، وهذا من وحي عقيدته، وتصوراته الإيمانية. فالعقيدة جوهر الإيمان، تتولى تقديم رؤية كونية تؤطر العمل الإيماني، وتمنحه مشروعية كاملة، من خلال ضوابطها ومقاييسها. رغم رهانها المستمر عليه، خاصة الغيبيات والحقائق الدينية التي لا يمكن الاستدلال عليها خارج النص، وتقنيات الإيمان. فهي جوهره، ومصدر مشروعيته. لا يستغني الخيال البشري المرتهن للغيب والدين، مهما كانت بساطة الإنسان، فهو يمتلك رؤية ولو ضبابية، لكنها موحية، تدفع باتجاه العمل، سلبا أو إيجابا، وهذا سرَّ خطورتها، وسّر تكريس الكتب السماوية مساحات واسعة لرسم ملامحها، وبيان أطرها، ومحدداتها، خوفا من الإنزلاق العقدي. ونؤكد هنا أن الايمان وضمان روافد سليمة لتغذيته مهمة دينية، تشهد لها جميع الكتب السماوية.

انضباط العقيدة

تشكل العقيدة خطرا حقيقيا على الدين وأهدافه، عندما تنحرف عن غاياته ومقاصده، كأن تبرر الشرك بدواعٍ مختلفة، بينما التوحيد جوهر الدين: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ). فالجزء الأول من الآية يفضح أساليب تسويف عقيدة التوحيد والدين الخالص لله. وعندما أقول أن العقيدة تمنح الإيمان مشروعيته، أقصد أنها تحدد اتجاهه، فتغدو بوصلته في حركة الواقع ضمن تجربته الروحية، بمختلف تمظهراتها شعوريا وسلوكيا. وبما أن الكلام عن العقيدة الدينية، فهي محددة قرآنيا، ولا قيمة لأية أضافة تفتقرلدليل صريح يدل عليها، خارج دائرة أتباعها ومعتنقيها ممن يتلقونها في إطار بيئتهم الثقافية والاجتماعية. وهي واضحة قرآنيا، تلخصها آية: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ).

لذا أفضى علم الكلام الإسلامي القديم إلى نتائج سلبية، عندما وظّف نفسه لأهداف أيديولوجية ومذهبية وطائفية وسياسية، رضخ لضروراتها، وصارت مهمته الدفاع عن عقائد شابها الشرك، وشرعنة الظلم والجور، فشكلت تداعياته خطرا على فهم الدين، إذ أنه أسقط الإنسان من معادلة المتكلمين، وأهمل حاجاته وتطلعاته، فهجرته العقيدة وأخذ يشق طريقه بمعزل عنها، خلافا للمنهج القرآني الذي أراد أن تكون العقيدة موجها للإنسان في سلوكه وممارساته، ويعيش التوحيد بكل كيانه ومشاعره وأحاسيسه، ويتسق مع الوجود في حركته إلى الله تعالى . فلجأ الإنسان إلى نزعات باطنية، غنوصية، صوفية لملء الفراغ الروحي الذي خلّفته العقيدة بعد أن هجرت الحياة واستقرت في عقول المتكلمين، تهددها الشكوك والأوهام. وأخذ الإنسان يمارس لونا آخر من العقيدة، اقتصر فيها على طقوس وشعائر مجردة، فصيرته إنسانا مزدوجا، موزعا، فهو في ممارساته الدينية غيره في علاقاته الاجتماعية.

المشكلة أن الفكر الديني عموما يجترح أفكارا ومفاهيم وعقائد، تتحول بمرور الأيام إلى مرجعيات نهائية، وسلطة فوقيه توجه وعيهم وتفكيرهم وسلوكهم. ثم تندرج ضمن اللامفكر فيه، والممنوع، والمحرم، عندما تُضرب حولها أسيجة قدسية، ويتولى حمايتها حرّاس العقيدة وجندرمة الخطاب الرسمي. فما نسعى لها هو استعادة بشريتها لنقدها، ومعرفة ظروفها، وكيفية اشتغالها، وفرض حقيقتها، وما هي علاقتها بالنصوص والروايات. فهي قضايا بشرية واجتهادات شخصية، فكيف تحولت إلى جزميات دوغمائية تتحكم بمسيرتنا وبمستقبلنا؟. فالعقيدة اليوم قائمة على النص، وما لم نمارس النقد على نصوصها كمرجعيات نهائية لا يمكن الحد من تأثيرها وتمددها، رغم أنها وجهات نظر تاريخية. إن خطر العقيدة لا بحضورها بل بمرجعياتها الميثيولوجية، التي ترتكز للامعقول، وترفض العقل والعقلانية. فتعيش أوهام الحقيقة، والنجاة المطلق يوم المعاد.

التنوّع العقدي

ثم يأتي الشق الثاني من السؤال المتقدم: (وهل هذا التأثير سلبي أم إيجابي؟ أي بمعنى هل يساهم في ترسيخ العقيدة أم يكون عامل نفور منها؟).

لا شك إذاً أن كل عقيدة تؤثر في إيمان الفرد، مهما كان مستواه، ويكفي ارتهان مشروعيته بها. ومعنى هذا أن العقيدة بوصلة الإيمان، وربان شراعه، وفق ما تؤصله من مقولات تنتظم ضمن بنيتها. فعندما تؤصّل لوحدانية الله مثلا، يصبح التوحيد قبلة الإيمان، على نحو جامع مانع، يكرّس وحدانيته تعالى، ويمنع جميع الأغيار، مهما كانت شائبة الشرك. وعليه بما أن العقائد الموازية، تستظل بالعقيدة الأم، فإن إيجابيتها وسلبيتها مرتهن لأدائها التصوري، ومدى قربه وبُعده من جوهرها. وهنا سنكون أمام تنوّع عقدي، لكل واحد أحكامه، ويمكن في هذا الخصوص تحديد مصاديقها والموقف منه:

1- الدليل العقلي:

تارة يكون العقل دليلا على صدقية العقيدة، كما بالنسبة  لوجود الخالق (أصل وجوده)، الذي يمكن للعقل الاستدلال عليه من خلال بعض البديهيات كامتناع التسلسل، وقانون العلة والمعلول، وبطلان الدور، وهناك محاولات رياضية جادة، والاستعانة بالاستقراء. وهذا القدر من الاستدلال يطمئن له العقل حدَ اليقين والإذعان، ويكون إيمانه في بعده النظري إيمانا برهانيا. غير أنه يقتصر على من لهم قدرة على إعمال العقل، وإقامة الدليل. وعليه فالإيمان هنا مرتهن لمؤدى الدليل ومدى صموده أمام الإشكالات النقدية ليتناسب معه طرديا. ويبقى تأثيره في حدود الجانب النظري، ضمن رؤية فلسفية ونظرة كونية شاملة. فالعقيدة هنا قادرة على ربط الفرد بخالقه، وقادرةعلى إثراء التجارب الروحية، وتطويرها من خلال تأمل واعٍ لصفات الخالق التي تتجلى له عبر مخلوقاته، بل وتفتح له آفاقا أرحب ضمن تجربته الروحية. لكن أعود وأؤكد موضوعها وجود خالق لهذا الكون، وما عداه، يستدعي مصادر أخرى.

2- الدليل النقلي:

وتارة أخرى يكون النقل دليلا على العقيدة، وهو مصدر جميع تفصيلاتها، عدا إثبات أصل وجود الخالق، الذي يمكن للدليل العقلي إدراكه. وهنا ستكون العقيدة مرتهنة للنص وشروطه وارتهاناته، وهو بالذات سيكون مقياسا لإيجابية وسلبية التأثير، فيُقتصر على النصوص التأسيسية، التي هي موضوع للفهم والتفسير. وما يتلو النص التأسيسي، نصوص ثانية، شارحة ومبينة، تعكس قبليات مؤلفها، وتخضع لإملاءاتها، وضروراتها. النص الثاني يعيد انتاج النص الأول، حداً يحجبه ويحلّ محله، تحت ذريعة الصُحبة والقرب من عصر الوحي، وقد وصل الحال الإفتاء بحرمة مقاربة النصوص التأسيسية إلا من خلال نصوص الصحابة والتابعين، كما هي التفاسير التراثية (التفسير بالأثر) التي تهتدي بهدي من سبقهم، وهم الطبقة الأولى (من الصحابة والتابعين، كابن عباس وابن مسعود وابن عمر. أو كمجاهد وقتادة). فيرتهن فهم النص التأسيسي لقبلياتهم ومتبنياتهم الأيديولوجية، المرتهنة أساسا لأولوياتهم القَبلية، واتجهاتهم السياسية. وهنا قد تتضخم العقيدة أو تختزل وفقا لمتطلبات النصوص الثانية. لذا اشترط بالنص، كمصدر للعقيدة، أن يكون نصا تأسيسيا. وهو شرط عقلي، تم التنظير له والحديث عنه مرات عدة، مفاده لا يمكن رفع اليد عن الامتناع العقلي، كما في العقائد الممتنعة عقلا، إلا بدليل قرآني، باعتباره كاشفا تاما عن الحقيقة، فنرفع اليد عن الامتناع، لا بمعنى تخصصيه لأن أحكام العقل لا تخصص، بل بمعنى وجود أسباب خافية علينا. وخلاصة ما تقدم أن الإيجاب والسلب صفتان مرتهنتان بصدق العقيدة، وحدود تأثيرها، وليست ثمة عقيدة مفتوحة، لمخالفتها الأصل العقلي. فصدقها وقصور أدلتها، كلاهما يؤثر في الإيمان سلبا وإيجابا.

تجدر الإشارة، أن اشتراط القرآن مصدرا للعقيدة، يضمن انضباطها، وعدم السماح باستغلالها، وتوظيفها لأغراض سياسية ومذهبية وطائفية، وهنا أقصد أمرين: الأول: جميع ما وراء الطبيعة، من مقولات عقدية غيبية، كالجنة والنار والجن والشيطان، فإنها قضايا نسبية، ليس لها حقيقة خارج النص والفضاء المعرفي للمتلقي، فيلعب النص ومصدره دورا أساسا وراء حقيقته. فنقتصر على النصوص التأسيسية دليلا على ثبوتها أو نفيها، وماعدا ذلك يُعد تقوّلا على الله، ويكون تاثيره سلبا على الإيمان، كما بالنسبة لعذاب القبر، وما تسرده الروايات من أوصاف مهولة، لا تجد لها جذرا قرآنيا. والكلام هنا عن العقل الجمعي، والوعي الجماهيري المرتهن للغيب والتراث.

والثاني: الاصطفاء الذي تتحدث عنه النصوص الثانية، ولم تجد لها مصداقا في النص التأسيسي / القرآن، فأيضا تداعياته على الإيمان خطيرة جدا، وهو مصدر معاناة الوعي مع العقائد التي ظهرت بعد وفاة الرسول، وبذلت جهود تنظيرية هائلة لربطها بالدين، وبالنصوص التأسيسية الأولى. يمكن الاطلاع على كتاب: (مدارات عقائدية ساخنة.. حوار في منحنيات الأسطرة واللامعقول الديني).

فتأثر الإيمان بالعقيدة مرتهن لصدقيتها، ومصدرها، ومدى قدرتها على مقاومة التحديات والإشكالات. إضافة لقوة رمزيتها، وما تكتنزه من دلالات، وتوحي به آفاق معرفية متجددة. وتبقى التجارب الروحية، والضبط السلوكي مقياسا للإيمان العملي، الذي يستفز الفرد، ويدفع باتجاه العمل الصالح، كتجل له.

 

س95: طارق الكناني: إذا لم يكن لها تأثير سلبي ولم تخلق فجوة بين الخالق والمخلوق، فما الضير في تبني هكذا أفكار، والإبقاء عليها كتراث شعبي. حتى لو أضيفت لها بعض القدسية حيث ستبقى علاقة المخلوق بالخالق وثيقة ويمارس الطقوس العبادية الأصيلة وفق ضوابط شرعية عالية الموثوقية؟.

ج95: ماجد الغرباوي: اتضحت آنفا مصادر العقيدة، أما تكون عقلية، ارتكازا لمبادئ عقلية وفلسفية. أو يكون مصدرها النص، فنقتصر عليه. وعندما نعود لهذه المصادر، نجد أن حدود الدليل العقلي والفلسفي إثبات خالق لهذا الكون، وما تبقى من مقولات عقدية مصدرها النص. وقد ذكر الكتاب ما يكفي لبيان عقائد الدين الإسلامي، وبيّن رأيه في جميع ما عداه من عقائد، كان الناس يدينون بها. فأسس لمائز عقدي، محوره التوحيد، واقتصار القداسة، بمعنى الارتفاع بالمقدس فوق النقد والمراجعة، على الخالق تعالى، باعتبار صفاته الذاتية التي تفرض قداسته.

الأهم من كل هذا أن العقيدة جزء مقوّم للدين، وتلعب دورا أساسا في تأسيس مقولاته، وربطها بهدفه الأساس، وليس ثمة فوضى، يُفتح بموجبها الباب للاستزادة من عقائد تستدعيها ضرورات أيديولوجية أو سياسية. خاصة العقائد التي تترتب عليها آثار دينية وعقدية، ولها إنعكاسات على الفرد وعلاقته الاجتماعية، إضافة إلى تأثيرها على مستقبل الجماعة ومعتنقي ذلك الدين، على جميع الأصعدة. فالعقائد التي تنظّر لقدسية شخصيات ورموز دينية أو تاريخية، وتفرض لهم صلاحيات وسلطات واسعة، ولم ينص الكتاب الكريم عليها، فإن تداعياتها لا تقف عند حدود العقيدة، وضوابطها القرآنية، بل تتعداها للشريعة، وأصول الدين وفروعه. ولكل استحقاقه والتزاماته، التي قد تكون باهظة جدا، وتعرّض جوهر الدين للتشويه والاحتكار، وتؤسس لقيم تجافي التسامح الديني، عندما ترفض الآخر، لمجرد عدم قناعته بمنطق الوصايا الجديد. فنحن أمام دين إلهي، له ضوابطه، وعندما تحدد الآية أصول العقيدة، وبيان مصاديق الاصطفاء، فإنها تؤسس لضابطة كلية، ينبغي الإلتزام بها دليلا على صدقية الإيمان، وأي تلاعب سيكون متهما قرآنيا، والاتهام يسلب العقيدة الموازية شرعيتها، فكيف يحتفظ بها تراثا، يرمز للدين والقيم الدينية؟.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4706 المصادف: 2019-07-25 04:47:22


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5784 المصادف: الخميس 07 - 07 - 2022م