 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (129): حرية المرأة

majed algharbawi11فاطمة الزهراء بولعراسخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والعشرون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق1) من أسئلة الأستاذة الأديبة فاطمة الزهراء بولعراس:

 

فاطمة الزهراء بولعراس، أديبة وكاتبة / الجزائر: يسعدني أن أشارك بهذه الأسئلة في الحوار المفتوح الذي بدأته المثقف مشكورة مع الأستاذ ماجد الغرباوي، وأتمنى أن تكون في مستوى عقلك المفكر وإيمانك الراسخ بقدرة العقل على التجلي والرقاء. وقد وضعت لأسئلتي هذا العنوان وجعلتها تدور حول المرأة العربية: (المرأة العربية بين مطرقة الموروث الثقافي "الديني" وسندان العصرنة المرتبطة بالغرب).

المرأة والتعليم

س97: فاطمة الزهراء بولعراس: لا شك أن التعليم هو أول حق حصلت عليه المرأة العربية ابتداء من القرن الماضي، ورغم أننا في القرن الواحد والعشرين إلا أنه مازال ذلك أهم ما حصلت عليه، وما عداه هي عينات لنساء ربما حققن نوعا من النجاح الاجتماعي لكنهن فقدن أشياء كثيرة من ضمنها نظرة الاحترام التي تليق بهن. إذا كنا نتحدث عن مثقفات مثلا. فماذا ترون كمثقف من حلول لمشكلة المرأة المثقفة؟ ومتى ستحظى بنظرة تستحقها ليس فيها استهجان من أي طرف في المجتمع؟.

ج97: ماجد الغرباوي: مرحبا بالأديبة الجزائرية الأستاذة القديرة فاطمة الزهراء بولعراس، وشكرا لمشاركتها في الحوار من خلال أسئلتها التي تمثّل نموذجا لمعاناة المرأة. كما أشكر حسن ظنها وثقتها.

رغم التقدم الحضاري، وسرعة التواصل بين مختلف شعوب العالم، غير أن المرأة العربية والشرق أوسطية مازالت تعاني التهميش والاقصاء، حتى وهي تمارس حقوقها الطبيعية. مما يؤكد وجود ثقافة سائدة، تحتقر المرأة، وتضعها مرتبة أدنى من الرجل، حدَ احتكار الإنسانية دونها. فمثلا عندنا في العراق، يستنكف بعض الرجال من ذكر المرأة، وعند الضرورة، يقول لمخاطبه فلانه (تكرم عن طاريها)، أي تكرم عن ذكر اسمها، باعتبارها أدنى من الرجل إنسانية، أو أنها قذارة يتعفف الشخص عن ذكرها أمام جلسائه، إلا مصحوبة بالاعتذار. فالدونية مفهوم سلبي يختزن معاناة المرأة المثقفة، الطموحة التي تسعى لتأكيد ذاتها، من خلال حضورها، فتواجهها تحديات ثقافة الازدراء بمختلف تمظهراتها.

 إن بنية العقل العربي نشأت على فهم إقصائي للمرأة، وهي في وعيه التاريخي جزء من متاعه وأشيائه قبل الإسلام، بل وحتى بعده، ولو بصورة مخففة. لذا ينبغي تقييم ما حصلت عليه من خلال الشريعة الإسلامية ومفاهيم الدين الحنيف، قياسا بما قبل الإسلام، لا قياسا على شِرعة حقوق الإنسان في العصر الحديث، لأن الأخيرة وليدة مخاضات طويلة، ولم تنل المرأة حقوقها في الغرب إلا قبل قرنين. وكانت معاناتها آنذاك أشد. حداً صَعب عليهم تصنيفها، هل هي بشر أم من الجن؟ بعد اتفاقهم على أنها خُلقت لأجل الرجل، وبمرور الأيام، وعبر رحلة شاقة مضمخة بالتضحيات انتزعت اعتراف الرجل بها، ونالت حقوقها وحريتها.

إن رسوخ النظرة الذكورية لدى الرجل، تستدعي تحري أسبابها بعيدا عن عادات وتقاليد وثقافة المجتمع، وبعيدا عن الشرائع والأديان، رغم دورها في شرعنتها وحمايتها. والعودة لوعي الذات في مدياتها القصية، بعد تجريدها من تراكمات الرؤية التبجيلية عبر التاريخ، لنجد أن الأنثى التي تمثل شرطا وجوديا للكمال الإنساني، تشكّل هاجسا لوجود الرجل، فتسلبه استقلاليته، وتجرح نرجسيته، حينما يرفض مكابرة الاعتراف بالحقيقة، فيتعالى كرد فعل، ويفرض لذكوريته حقوقا وامتيازات، على حساب حريتها واستقلاليتها، مهما كانت تداعياتها. فالذكورية تستبطن جُرحا لنرجسيته، وتحديا لاستقلاليته، مهما بالغ في "تشيئها"، ومهما بلغ مستوى افتتانه بجسده وتعاليه. لأنها شرط تجلي فحولته، فتكون شرطا وجوديا لتحققها. لذا يبالغ في غطرسته واضطهاده لها، بفعل الفارق الجسدي، وما يتمتع به من قوة عضلية، تفرض له حضورا مميزا، مقارنة بها.

في المقابل فإن الرجل يعتبر شرطا لوجودها، بمعنى التحقق الخارجي، وكلاهما شرط للكمال الإنساني. فالرجل في وعي المرأة يمثل امتدادها الحقيقي، ومصدر قوتها الروحية والنفسية حينما تلمُّ بها النوائب.

نعود للسؤال: (ماذا ترون كمثقف من حلول لمشكلة المرأة المثقفة ومتى ستحظى بنظرة تستحقها ليس فيها استهجان من أي طرف في المجتمع؟).

تكمن الخطوة الأولى في هذا الاتجاه بتحقيق توزان إنساني من خلال فهم مغاير يجرد الفوارق النوعية من بعدها العنصري. ففائض القوة الجسدية لا يعني اضطهاد المرأة، بل هو مسؤولية، في مقابل مسؤولياتها التي يعجز الرجل عن الإتيان بها. وهنا لا يكفي الاعتراف الشكلي ما لم ينعكس على وعي الذات، وعلاقتها بالآخر، فيكون اعترافا حقيقيا. أو يبقى مجرد اعتراف شكلي، ينهار عند خطوط التماس. وهذا يتطلب ثقافة قادرة على اعادة تشكيل الوعي بما يؤكد إنسانية العلاقة واستقرارها. لكن للأسف مازال التسامح بين الذكرى والأنثى تسامحا شكليا، قائما على المنّة والشفقة.

إن ما ينسب للمرأة من نقاط ضعف باستثناء فارق القوة الجسدية، منشأه العادات والتقاليد وثقافة المجتمع التي تسلب المرأة ثقتها بنفسها، وتقمع قابلياتها وابداعاتها، والدليل أن المرأة في المجتمعات المتطورة تمارس حياتها بثقة كاملة، وتفرض نفسها من خلال قوة حضورها. لا فرق بينها وبين الرجل من هذه الناحية بالذات. مما يؤكد دور الدولة في تحرر المرأة من سطوة الرجل والمجتمع. فثمة قوانين تحميها وتمنحها حقوقها كاملة، فتغدو العلاقة بينهما علاقة إنسانية لا سلطوية، يمكنها الاستغناء عنه، والتمرّد على فوقيته، دون التأثر بتبعات الانفصال. فقوانين المجتمع المدني تؤهل المرأة وعيا وسلوكا ومسؤولية، بعيدا عن سلطة الرجل، حداً يمكنها وعي الذات مستقلة تماما، وهي تمارس حياتها وفقا لهذه الرؤية. وهذا المستوى من الوعي ساعدت عليه إضافة للقوانين البيئة الثقافية المترشحة عن مبادئ حقوق الإنسان. تلك المبادئ التي حيّدت سلطة الكنيسة وموقفها من المرأة. وقدمت فهما مغايرا للدين، يستبعد سلطة الكاهن، ويمكن للفرد أن يعيش تجربته الدينية، كممارسة عبادية، بينه وبين خالقه. لكن الأمر مختلف في المجتمعات العربية والإسلامية، حيث يسود فقه المرأة، الذي كرّس قيمومة الرجل، وفرض عليها طاعته، وعدم التمرّد على أوامره. والروايات كثيرة في هذا المجال. بل تمادت تلك الأحاديث في محاصرة المرأة نفسيا واجتماعيا، باعتبارها ناقصة عقل، وشيطانا خلقت لإغراء الرجل. ومازالت حواء تنوء بخطيئة الرجل، في الخطاب الثقافي السائد. فكيف يمكن للمرأة التحرر من عبء الموروث الثقافي والديني؟

لكن الأمر ليس مستحيلا، فأما بالنسبة للمرأة المثقفة، فإن أهم إشكالية تواجه المثقفة العربية تحرير العقل الجمعي من ذكوريته وسلطويته واستخفافه، ليرقى إلى مستوى إنسانيته في تعامله معها. مع تعميق ثقتها بذاتها وبمنجزها، بعيدا عن تاء التأنيث، تحاشيا لاعادة انتاج الذكورة من خلال تكريس الأنوثة. وهذه اشكالية مركبة، تتطلب من المرأة عملا مزدوجا. تنقية العقل الجمعي من قيم التمايز الجنسي، وتأكيد إنسانيتها، من خلال مواقفها ومنجزاتها بعيدا عن التكريس اللا شعوري للأنوثة. فتارة تكرّس المرأة الذكورة وهي تقاوم تحدياتها، فتعيد انتاجها بصيغ مختلفة. وهذا ما يحصل حينما تصرّ المرأة على تأنيث منجزها تفاخرا أو تحديا، أو تكريسا لخصوصيتها، ليبقى المجتمع العربي في دوامة ثنائية المرأة / الرجل. الذكر / الأنثى. وتبقى نبرة الرجل تعلو صوت المرأة، رغم حضورها الكبير على المستوى العلمي والأكاديمي والاجتماعي والثقافي والأدبي والفني. بل ونافست الرجل في أعلى مناصب القيادة عندما مارست السلطة والحكم، "رئيسة دولة أو رئيسة وزراء"، أو كوزيرة ومستشارة، ومديرة، ورائدة فضاء، وبرلمانية.

 وخلاصة التسوية، أنها تتوقف على وعي الجذر الفلسفي للإشكالية، وكيفية تفكيكها، وإعادة بناء الوعي عبر ثقافة قادرة على زعزعة اليقينيات، وتفتيت رواسب النظرة الذكورية بالنسبة للرجل، ونظرة الاختزال بالنسبة للمرأة. وهذا يتطلب جهودا متواصلة، وتوظيف كافة الإمكانيات المتاحة لاستعادة الوعي، بعد طمر مخلفات ثقافة الاقصاء والترهيب والاضطهاد.

لا توجد حلول سحرية، والامر يتوقف على المرأة أولا، ومن ثم المجتمع.

 

س98: فاطمة الزهراء بولعراس: في المجتمع العربي ثلاثة انواع من النساء:

- امرأة تسبح ضد التيار شكلا ومضمونا. وهذه يهابها المجتمع لكنه يحتقرها ويكرهها.

- امرأة يحبها الجميع لكنها مستغلة ومهمشة.

- امرأة تناضل من أجل التوسط بين الحالتين، لم تجد نفسها لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء.

من أين نبدأ كعربيات لكي ننشئ أرضا صلبة نقف عليها ونمارس خصوصيتنا ونطبق افكارنا ولا نعاتب أو نلام؟

ج98: ماجد الغرباوي: أجد أن القضية نسبية بالنسبة للصنف الأول، فإذا كانت القضية صادقة في بعض المجتمعات، فإن البعض الآخر يقصي هذا النوع من النساء حدَ القتل، حينما يشكل تمردها عبئا على الأعراف والتقاليد لكن رغم حساسية الرجل من المرأة القوية غير أنه يهابها ويتمناها وقد يعشقها في أعماقه، فالرجل لا يستغني عنها، ويأنس بآرائها مهما تظاهر عكس ذلك. والمرأة التي تطمح للتغيير عليها أن تفهم جيدا آلياته، وتحقق أكبر قدر من المكاسب بأقل الخسائر، لأنها معركة ضارية، يختلط فيها الشرف والعفة والمسؤولية وغير ذلك.

وأما القسم الثاني، فهي المرأة التي تضع نفسها تحت تصرف الرجل، تستجيب لجميع طلباته، لتتفادى ذكوريته، وتحتفظ بكرامتها. فيصدق أن استغلالها ثمن لحيثيتها. غير أن لطاعة المرأة حدودا، يحتقرها الرجل عندما تصل حدَ الاستهانة بكرامتها. الرجل يحب المرأة القوية لكنه يكابر. وتخطأ المرأة عندما تضع حريتها تحت تصرفه مطلقا، وهو ما يرجوه المجتمع، وتحث عليه الروايات التاريخية والدينية.

وأما عن السؤال، فإن الأمر  يرتبط بنظرة المرأة لنفسها، وكيفية تعاملها مع القيم والعادات والتقاليد ونمط الترهيب الذكوري. فتارة تخطأ المرأة المثقفة في تشخيص أولوياتها، فتنحاز مثلا لقيم المساواة أو التحرر المطلق، كخيار لفرض نفسها، فتنسى تكوينها البايولوجي، وقدراتها الجسدية، التي تفرض أحكامها، فليست المساواة دائما هي الحل، بل في العدالة ضمان لحقوق الطرفين. فلا مصادرة لحريتها وإرادتها، في عدم إناطتها بأعمال شاقة تفوق قدراتها، بل مقتضى العدالة مراعاة تكوينها البايلوجي، وقدراتها الجسدية.

قاعدة الانطلاق: وعي حدود الذات، وتعزيز الثقة بالنفس، والتسلح بثقافة تبين حقوقها وواجباتها، وتقدم فهما مستنيرا لمعنى الحرية وكيفية ممارستها. لأن مشكلة المرأة في الصورة النمطية التي يحملها المجتمع عنها، أنها كائن معاق، يحتاج إلى الرعاية والقيمومة لتدارك نقص العقل، وضعف التدبير، وانعدام الحكمة. وهذا يتطلب جهدا ثقافيا لتغيير نظرة المجتمع، وتكوين نظرة إيجابية عن المرأة، خاصة أنها أحرزت تقدما كبير على صعيد المراحل الدراسية، واثبتت قدرتها على تحمل مسؤولياتها الوظيفية بنجاح واقتدار. فالبداية مع النفس وتعميق الثقة بالنفس. (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ). وفي الحديث: "ميدانكم الأول أنفسكم". فبعض النساء تشرعن سلطوية الرجل بدواع دينية أو استجابة لعادات وتقاليد المجتمع. والحقيقة أنها تضطر لذلك لتفادي سخطه وسخط المجتمع كما هي المرأة الثانية في الأمثلة المتقدمة. وعليه ينبغي للمرأة تقويض الوعي، والانفتاح على المرأة الإنسان، القادرة على تأكيد ذاتها من خلال حضورها الواعي داخل المجتمع، وضمن مسؤولياتها، التي توازن فيها بين مسؤوليات الوظيفة الإدارية والوظيفة المنزلية.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4745 المصادف: 2019-09-02 03:44:06


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5774 المصادف: الاثنين 27 - 06 - 2022م