 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (131): أوهام الإسلاميين

majed algharbawi11خاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والثلاثون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق1) من أسئلة الأستاذ الباحث فاضل الشمري:

 

 

س105: فاضل الشمري، كاتب وباحث / العراق: لا أعتقد هناك جيل قد فهم الإسلام ومفاهيمه وتاريخه وفقهه كالجيل الذي عاصرناه، خاصة من تسلّم مناصب حساسة في الحكومة العراقية بعد 2003م. غير أن ثقافتهم وتضحياتهم وتاريخهم لم ينعكس على سلوكهم وأدائهم السياسي؟ فما الفرق بينهم وبين غيرهم؟ ولو استبدلنا شخصا عاديا بهم سيؤدي نفس دورهم الاداري والقانوني بلا أدنى فرق وربما أفضل بكثير. فلماذا يعتبر الإسلامي نفسه قيّما على الدين، ولماذا يعتبر نفسه أفهم من الآخرين حتى في مجالات بعيدة عن تخصصه؟. هل  لأنه أمضى عمره في دراسة النظرية الإسلامية وناضل من أجلها؟. وما الذي نفع بها الإسلام والمسلمين حين تسنم منصبه في الحكومة؟. ولربما الإنسان العادي أفضل منه في إدارة البلد.. فلماذا يمنّ على الناس بنضاله وتاريخه؟.

 لا أحد ينكر أنهم مؤمنون، مخلصون، ولا أحد يتهمهم في شعورهم بالمسؤولية، لكن المشكلة شيء آخر. وحين سألت أحدهم عن السبب وراء كل ما حصل بسبب فلان أو فلان، قال دعني استلم منصبه وانظر ماذا سأفعل. فقلت له لن تفعل أفضل مما فعل.

اعتقد أن هدف جهادنا كان من أجل استلام مناصب ليس إلا. ولذلك صار صاحب المنصب أو من جاءت به المحسوبية والمنسوبية، هو القيادي في الحركة الإسلامية، وإن لم يفهم شيئا.

والسؤال: ما فائدة الحراك السياسي الإسلامي إذا كان الإسلاميون كما وصفناهم أعلاه؟.

ج105: ماجد الغرباوي: مرحبا بالأخ الأستاذ فاضل الشمري، وشكرا لمقدمة السؤال التي هي مداخلة تمثل خلاصة تجربة حية. أنت شاهد عليهم قبل وبعد استلام السلطة في العراق عام 2003م، فجاءت مقارنتك دقيقة.

هذا السؤال يحيلنا على نشأة الوعي أو الحراك السياسي الإسلامي، ما هي دوافعه؟ وما هي مصادر ثقافته؟. كي نفهم بدقة سبب التداعيات، والفارق السلوكي بين النظرية والتطبيق، ولماذا أخفق الإسلاميون في تحقيق نهضة حقيقية. خاصة وأن الإسلامي ينطلق في فهمه للسلطة والمجتمع من نظرية، يعتقد بمثاليتها، تحكم سلوكه وتصرفاته، وتضع ضوابط تحركاته، بعد أن تفرض نفسها سلطة ومحددات لفهم طبيعة الأشياء، وترسم له أولوياته. فالداعية الإسلامي يقدّم في ضوء نظريته فهما مختلفا للسلطة والحكم والأولويات بالنسبة للمناصب الحكومية والحساسة. وعليه، إن فهم نشأة الوعي والحراك الإسلامي السياسي ضروري لتقديم تفسير صحيح لهذه الظاهرة التي تحدثت عنها في سؤالك.

النهضة والوعي

كان لسؤال النهضة دور كبير في تحريض الوعي، والبحث عن إجابات تفسّر ظاهرة التخلّف الإسلامي في مقابل التطور الحضاري الغربي الذي فاجأهم في عقر دارهم، بعد وصول حملة نابليون إلى مصر (1798م) مجهّزة بأحدث الأسلحة والمعدات. فتوزعت الأجوبة بين من أدان الدين واعتبره المسؤول الأول عن تخلّف المسلمين، فدعا الى قطيعة تامة مع التراث والدين واللحاق بالغرب وحضارته لانتشال واقعنا الحضاري المتخلّف. وآخر ارتد سلفيا طالب بتكريس التراث والسيرة لتدارك الوضع، متهما المسلمين بخطأ التطبيق. وثالث قاده رواد النهضة كجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وآخرين، الذين عادوا للتراث بحثا عن مصادر قوته الملائمة للعصر، ثم جاء التيار الإسلامي المنظّم (الإخوان المسلمون) امتدادا لخط الوعي الإسلامي الأول. وبالتالي فجميع التيارات الحديثة جاءت ردة فعل بعد الصدمة الحضارية الهائلة. وطبيعة ردود الفعل تكون متسرّعة مرتبكة، تنقصها الدراسة والتخطيط وجهل بالواقع واشراطاته رغم أنها جزء منه. بينما تجد النهضة الغربية جاءت على خطوات، تراكمت عبر مئتي عام بل أكثر بكثير، فأنتجت نهضة حقيقية. بينما لم تحقق اليقظة الإسلامية أي شيء سوى إراقة الدماء، استبداد ديني، فساد مالي وإداري، تخلف الوعي، تشبث أشد بالتراث والرموز التاريخية وغيرها.

النهضة الغربية بدأت بنقد كل المقولات، حتى سرى الشك لكل الثوابت الدينية وغير الدينية، ثم راحت تبنى أسسها المعرفية في ضوء مناهج علمية حديثة انتجت معرفة مثمرة قادت إلى نهضة حقيقية شملت جميع مناحي الحياة. فبدأت من الصفر بعد رفض كل تراكمات الماضي، إلا ما كان صالحا للبقاء. فالنهضة الأوربية لم تفترض أي مسلّمة ما لم تخضع للنقد والمراجعة، وفق مناهج علمية. فقبلت ما أكدته التجارب العلمية. وتفاعلت مع المناهج النقدية، في مجال العلوم الإنسانية، لا كنهائيات ويقينيات بل كمحتملات قابلة للمراجعة والنقد باستمرار، لذا تشبعت ثقافة الغرب بحيوية تستمد روحها من النقد والدراسة والتجربة. لهذا تجد علم المستقبليات علما أساسيا، ثم جاءت علوم التنمية البشرية. كل هذا لتطوير ثقافة الفرد في ضوء تجربة الإنسان والمجتمع وما تفرضه تطورات العلوم والتكنلوجية الحديثة.

على العكس من هذا كانت النهضة العربية والإسلامية، حيث افترضت مسلّمات إضافة الى مسلّماتها ومقولاتها التاريخية والتراثية فراحت تبنى فوقها، بلا مراجعة ونقد للأسس التي قامت عليها. بل صارت تلك الأسس والمقولات الأولية مناطق محرمة لا يمكن نقدها أو مراجعتها. من هذا المنطلق راح التيار الإسلامي الذي كانت بدايته المنظمة مع حسن البنا مؤسس الإخوان المسلمين، راح ينظّر من وجهة نظر إسلامية لكل مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية كتحدٍ وردة فعل ضد الآخر، باعتبار أن الإسلام دين شامل، وفيه إجابات على جميع الأسئلة المطروحة، وما علينا إلا أن نجتهد ونستنبط النظرية العلمية. فالنظرية ليست معطى مباشرا بل قراءة وفهم في ضوء مقولات ثابتة وراسخة. فتأتي النظرية تفسيرا وفهما واجتهادا في  نفس مدار تلك المقولات والبديهيات أو المسلّمات. فلم تنتج حضارة حقيقية. كان يفترض أن يستمدوا من تلك المقولات روحها وقيمها ومبادئها لينطلقوا في الحياة وفق مناهج نقدية، ودراسات علمية.

ومن هذا المنطلق أيضا راح الإخوان المسلمون يتحركون سياسيا باتجاه السلطة باعتبارها شرطا لتطبيق النظام الاسلامي، الذي هو وجهات نظر اجتهادية، صاغتها عقول المفكرين الإسلاميين لسد النقص. فرفعوا شعار: (الإسلام هو الحل) أو (القرآن هو الحل). بعد أن وجدوا في مصادر التشريع الإسلامي ما يؤهل المجتمع لنهضة حضارية توازي النهضة الحضارية الغربية بل تفوق عليها!!! (حسب تصور جميع الإسلاميين). إذاً نحن أمام تراث حركي إسلامي، يتصف:

- إنه ردة فعل لتفوق الغرب حضاريا.

- دفاعا عن الدين المتهم بتخلف المسلمين.

- تراث قوامه وجهات نظر فكرية لبيئة مفترضة، لكنه أخفق عمليا عند تطبيقه. وأمامك الأنظمة الإسلامية.

- تراث قوامه الشعارات والتعبئة النفسية. وهذا ما فعله سيد قطب في مؤلفاته التي ألهبت مشاعر الشباب وألقت بهم في إتون تكفير الآخر وقتله واضطهاده باعتباره كافرا يستحق الموت، فتسببوا في تشويه سمعة الدين، واستباحوا دماء المسلمين خاصة الحركات التكفيرية التي تستمد حركيتها من تراث سيد قطب، وفقهها من ابن تيمية والوهابية.

- تراث يضع حلولا لكل شيء، رغم أن غالب القضايا تخصصات مختلفة نتاج تراكمات خبرة وجهود بشرية هائلة.

- والشيء الأخطر في هذا التراث أنه يرتكز الى الفقه المعروف بحيله الشرعية وتلاعباته اللفظية لتبرير سرقة الأموال والتصرّف بها.

- ثم تأتي مسألة العقيدة وما لها من دور خطير، كما بالنسبة للشيعة ممن يحصرون حق التصرف بالأرض بما رحبت بالإمام المهدي وبالفقيه خلال غيبته!!، فيكفي السياسي الفاسد حصوله على إذن من الفقيه بالتصرّف فيفعل ما يشاء وفق تبريرات وحيل شرعية ممضاة من قبل الفقيه.

- الأولوية في هذا التراث دائما للمؤمن بقطع النظر عن كفاءته وتخصصه، لذا اسندوا أغلب المناصب في العراق الى شخصيات غير متخصصة وفقا لميزان التفاضل عندهم.

 - أوهام الحركيين الإسلاميين كثيرة، منها: مثلا، يعتقدون أنهم مسددون من قبل الله دائما، وقراراتهم صائبة مطلقا، لا يحتاجون سوى (استخارة إما بالقرآن أو بالتسبيح)!!!. كنت أسمع أيام الحرب العراقية الإيرانية عن دور الاستخارة في اتخاذ القرارات المصيرية، وأيضا سمعت عن نواب مجلس النواب في العراق!!! بعد سقوط النظام السابق.

- تراث يكرّس النرجسية وروح التعالي على الآخر، بل التعالى على المسلمين أنفسهم لأنهم أقل وعيا، ويطالبهم بالاصغاء واستجابة مطلقة تصل حد التخلي عن القناعات الشخصية والعقيدية – الفكرية.

- تراث أحادي لا يعترف بالآخر وفكره وعقيدته بل يتهمها بالمروق والكفر فضلا عن الضحالة والبؤس

إذاً، من يعرف هذه الخلفية لا يستغرب ما حصل على يد الإسلاميين شيعة وسنة هم غالبية مجلس النواب العراقي. أو ما حصل في تجارب سياسية في دول أخرى.

أما عن سؤالك فأقول: الحراك الإسلامي يطمح لتغيير العالم كله، كي يخضع الجميع لأحكام الكتاب والسنة وينصاعوا لله ورسوله (المقصود طاعتهم باعتبارهم الممثل الشرعي الوحيد للدين!!)، وهذا ما يستدلون عليه بآيات وروايات كثيرة. لهذا يصر الإسلامي بلغة تبريرية فاقعة أحيانا، أن الخطأ في التطبيق وراء جميع الإخفاقات، ولو أتيح لغير هذا المسؤول شخص أكثر إيمانا وتقوى ستأتي النتائج مختلفةّ!!.

لقد أدمن الإسلاميون الوهم، يدورون في حلقة مفرغة، تحكم تصوراتهم مغالطة مفادها: بما أن النظام الإسلامي نظام رباني فينبغي أن يكون الأفضل والأصح. وهنا المغالطة، كيف تنسب نظرياتك وأفكارك لله تعالى ولم يصرّح بها في كتابه؟ وكيف تجعلها مقياسا للحقيقة تحاكم الناس في ضوئها، تزكي من تشاء وتكفّر من تشاء؟. أليست هي وجهة نظرك واجتهادك؟ فلماذا تنسبها لله وتقول على الله ما لم يقله؟ ثم  لماذا يخلو القرآن من معالم أي نظام سياسي أو إقتصادي سوى منظومة قيم ومبادئ لضبط أداء الفرد والمجتمع؟ بل أهمل عنصري الحياة، السياسية والإقتصاد، ولم يتطرق لموضوع السلطة ومن يخلف النبي بعد وفاته. وعليه كما تفضلت ما فائدة الحراك الإسلامي مع كل هذه الأخطاء القاتلة بل أثبت بعض الإسلاميين في السلطة أنه سارق دجال، مستبد، يستبيح الدماء، وسرقاته باسم الدين للأسف الشديد، فكانوا وبالا على الإسلام وقيمه ومبادئه. فرؤيتهم من حيث المبدأ صحيحة، لكن أين هو النظام المنسوب لله تعالى؟. كل ما موجود اجتهادات شخصية.

وخلاصة هذا الكلام أن ردود الأفعال إنفعالية، لا تبني نظرية صحيحة، بسب أخطاء التشخيص التي تفضي إلى خطأ المعالجات، فكيف إذا كانت مصفوفة تحديات يروم الإسلامي مقاومتها وطرح بدائل نظرية لا علاقة لها بالواقع؟ والمشكلة الأساس أن الإسلامي في السلطة وفي علاقاته الاجتماعية، يرفض الواقع، ويرسم له صورة أخرى في ذهنه يطالب الناس بالانصياع لها. فحلوله ليس للواقع بما هو مجموعة علاقات اجتماعية وسياسية واقتصادية، بل الواقع بما هو صورة في ذهنه، وعندما يعجز لا يجد سوى العنف أسلوبا لتقويم المجتمع كي ينصاع له، ويخضع لأوامره.

وأما بالنسبة للسلطة فإن الإسلاميين يتعاملون معها وفقا لنظريات عقيدية وفقهية تقدم فهما آخر للحكم ومبادئه، تسمح باستباحة المال العام، او استغلال السلطات والقانون لتكريس الوضع الديني والمذهبي.

أجد سؤالك مشروعا، خاصة أن الصورة التي يحملها الناس عن الإسلاميين صورة مشرقة تستمد مثاليتها من الكتاب الكريم وطبيعة الدين وقيمه الإنسانية.

ليس من شأن الدين أن يعلمك السياسة والحكم، بل إحدى مهام الدين تنمية وازع التقوى والورع عن أي فعل حرام، يعلمك الأخلاق، وينمي عندك الروح الإنسانية، هذا متى كان فهم الدين فهما صحيحا. لكن للأسف يأتي الفقيه من حيث يشعر أو لا يشعر فيبرر سلوكيات لا دينية بذرائع فقهية، وأخرى طائفية.

الدين لا يجعل منك كفءا في السياسة والحكم والإدارة، بل لكل واحدة منها شروطها وآلياتها وأدواتها، متى امتلكتها تنجح في أدائك. وعلى العكس حينما تفقد هذه المهارات. فكونك إسلاميا لا يشفع لك أن تتأهل لأي مسؤولية ما لم تكن مؤهلا لها ضمن اختصاصك.

للأسف بعض الإسلاميين يشعر بتعالٍ يستمد شرعيته من انتسابه للوعي الحركي، فيتعامل مع الناس بفوقية تصل حد الاستهانة بكفاءتهم. ويتصور أنه الأفهم والأقدر، لدرجة يرفض الاعتراف بكل ما حصل بسبب الإسلاميين على اختلاف اتجاهاتهم.

ثم الإسلامي بشر، يطمح للسلطة والحكم والمغانم أسوة بغيره، ويغريه المنصب والمال، ويتحايل على الدين والتشريع مراعاة لمكاسبه السياسية والحزبية والطائفية. وأنا مثلك، لا استبعد أن بعضهم كان يفكر في المنصب والسلطة خلال تحركاته إبان المعارضة السياسية، غير أن القواعد، كانت تضن بهم خيرا، لطيبتهم وصدق نواياهم.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4758 المصادف: 2019-09-15 01:51:21


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5774 المصادف: الاثنين 27 - 06 - 2022م