 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (205): فهم النص والأخلاق

majed algharbawi7خاص بالمثقف: الحلقة الخامسة بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل فيها حديثه عن الأخلاق:

فهم النص والأخلاق

ماجد الغرباوي: بات من الضروري، ونحن بصدد تحري إشكالية العلاقة بين النص والأخلاق، معرفة الصورة التي يقدم بها النص الديني نفسه من خلال مقوماته الأربعة: المُرسِل، الرسول، النص والمتلقي؟ كيف يقدّم كل واحد منها؟ وكيف يساهم جميعها في تشكيل دلالاته وإيحاءاته وقدسيته وسلطته. وما هو دور كل واحد منها في عملية فهمه. وترسيخ همينته؟ أي نبغي تجاوز ظاهر النص لتحري مضمراته وإيحاءاته، وما يبدي وما يرتهن فيه لقبليات المتلقي، وما يختزن من صور حول المقومات الثلاثة الأولى. وهل لمقومات النص الأربعة دور شعوري أو لا شعوري في فهم النص، وما هي حدودها؟ ثم كيفة تكونت كل صورة في أفق الخبرة الحياتية؟ ما هي مرجعياتها، وظروف تلقي المفهوم، سواء النفسية أو الاجتماعية والسياسية؟.

النص بطبيعته مستغرق في صمته، يخفي دلالاته، وأسراره ورمزيته، لا تستنطقه سوى القراءة الموغلة في نقدها، وتفكيكها لتراكم طبقاته المتوارية، بحثاً عن ركائز سلطته وطريقة أدائها ضمن نسيجه اللغوي. فالهرمنيوطيقا التي هي فهم الفهم، وفهم قوانين التأويل، تمنح النص إمكانية أكبر لفهمه، وتحول دون احتكار تفسيره من قبل رجل الدين والمفسّر. وستسمح لنا بالكشف عن تاريخية بعض المفاهيم، وهذا بحد ذاته، يوفّر آفاقا رحبة لاستنطاق النص، حول ما يريد تهميشه واستبعاده رغم مركزيته. أو يخفي من خلال أسلوب النص مرجعيات مفاهيمه، خوفا من فضيحة أدلته. فالبحث ينصب حول بداعات المفاهيم التي من خلالها يفهم المتلقي النص. ما هي حقيقتها وأدلتها؟ وما هي صدقية أدلتها عقلا؟.

عندما ننشغل بفهم النص دون الاكتفاء بظاهره وتفسيره، سنستدعي المهمش والمستبعد وكل ما تستر عليه النص، للكشف عن تاريخيته، ورهاناته. وسيكون العقل حاضرا لمحاكمة إنساقه، وكيفية تشكّلها. وهذا فتح عظيم في الدراسات الإنسانية الحديثة، وهو ما ترفضه الدراسات الدينية التقليدية، خوفا من تداعي القراءة الرسمية للدين. تلك القراءة التراثية التي ارتبطت بها مختلف المصالح الطائفية والأيدولوجية والسياسية. وبالتالي فتقديم فهم جديد للدين يرتهن لقدراتنا على تأسيس أو اعتماد منهج يخرج بالنص الديني من ضيق التفسير إلى رحاب التأويل، ودراسة جميع مرجعيات مفاهيمه. بهذا الشكل نتدارك الطاقة الروحية للدين وتوظيفها في المسألة الأخلاقية. وهذا يكفي لتفسير ظاهرة الانحراف السلوكي التي استوطنت الدينيين عندما ممارستهم للسلطة، أي سلطة كانت، حتى في حدود سلطتهم الروحية، يتصرفون خارج اللياقات الأخلاقية، فضلا عن فتاواهم الدينية التي يفتقر بعضها للقيم الأخلاقية، وستأتي الأمثلة. إذاً ثمة رهان على مثالية النص الديني في تقويم سلوك الإنسان. فغاية البحث:

أولاً: هل قداسة النص الديني تعني أنه معطى نهائي أم أن أحكامه ومضامينه خاضعة لسنن وقوانين وعلل يمكن اكتشافها، وتحديد درجة إلزامها؟ وسبق أن طرحت في مقال قديم سؤالا مشابها: (ثمة سؤال تتوقف عليه حدود حرية الإعتقاد والتعبير في الإسلام: هل الدين نموذج نهائي، يصادر حرية الرأي والإعتقاد والتعبير، ويفرض رؤية أحادية تلازم الإنسان مدى الحياة؟ أم الدين نسق قيمي يستجيب لمتطلبات العصر والزمان، ويتجدد مع كل قراءة تستوفي شروطها الموضوعية؟).

الأول، القائل بأن الدين معطى نهائي، هو ما تمسك به الاتجاه الأشعري في مجال الأخلاق، فقامت نظريتهم: الحُسن ما حكم الشارع بحُسنه، والقُبح ما حكم الشارع بقُبحه، وتأتي حينئذٍ جميع الإشكالات التي سُجلت، وما سجلناه، وقد مرَّ الكلام. وأما الرأي الثاني، فإنه يفتح آفاقا واسعة لفقه النص، بما فيه النص الأخلاقي، وحرمان الفقيه من احتكار فهمه، لأن فقه النص سيستدعي آنئذٍ دراسة سياقاته وتاريخه وأسباب صدوره ومبرراته، وكل هذا يحد من سلطة الفقيه، ويمنح النص إمكانية أكبر لدراسته. بما فيه الأحكام الأخلاقية. والحقيقة أن جميع الفقهاء إلا ما ندر يؤمن بأن الدين بنصوصه وعقيدته وتشريعاته، معطى نهائي، وما علينا سوى فهمها وتفسيرها وفقا لظاهرها، ولهذا قالوا: "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"، و"المورد لا يخصص الوارد". وهذا سبب جمود الفقيه على المعنى الحرفي للنص. فقه المسلمين قطع صلة الأحكام الشرعية بأسباب صدورها، لتبقى مطلقة. أي تجريد الأحكام من تاريخيتها، والحكم بإطلاقاتها الأحوالية والأزمانية، فتكون عامة شاملة لكل زمان ومكان. ولا يختلف الأمر بالنسبة للأخلاق الدينية المكتسبة، فما أملته ضرورات الواقع آنذاك قد لا يخدم الغرض الأخلاقي وفق واقعنا وحاجاتنا وضروراتها. لذا إقامة الأخلاق على الشريعة يفقد التشريع حكمته، التي هي تقويم الأخلاق.

ثانياً: هل ترتهن تزكية النفس وحماية الضمير، لقدسية النص أم لمضامينه الأخلاقية والإنسانية؟ وحينئذٍ فإن حدود تأثيره، في الحالة الأولى (قدسية النص)، ترتهن لخيال المتلقي وأفق تفكيره وتصوراته وقدرته على تمثّل المطلق والمقدس. وهنا تأتي جميع العوامل المؤثرة: بيئية وثقافية ونفسية. وهو رهان مرهق، قد يخبو أو يتلاشى بفعل الوعي ويقظة العقل. أو يتراجع تحت وطأة أية صدمة نفسية أو حضارية. المقدّس صورة ذهنية منتزعة من شبكة مفاهيم ومقولات متوارية، لا واقع لها خارج حدود النص والفضاء المعرفي للمتلقي. يتغذى ويتطور المفهوم في ظل خصوبة الخيال، وقدرته على توليد صور ذهنية جديدة، عبر أفق المخيلة والفضاء المعرفي للمتلقي. فتشكيل المفهوم ليس تراكما فقط ولا تحليقا فقط، بل علاقة جدلية بينهما. فهيمنة المقدس ترتهن لقوة ورمزية وثراء العوامل المتقدمة من جهة، والأفق التأملي للمتلقي الذي يختلف من فرد لغيره من جهة ثانية. وأقصد بالمقدس هنا بالذات، السلطة اللاشعورية للمفهوم التي تستمد حقيقتها من الإيحاءات اللاشعورية لغموض المطلق أو الكائن الأسمى، تلك السلطة التي ترتعد لها فرائص المؤمنين الحقيقيين. الغموض بطبيعته موحٍ، يفتح أبواب التأويل حداً تتمدد معه مخيلة المتلقي حدودا لا نهائيا، فتجد المفهوم يتطور، تختلف إيحاءاته من شخص لآخر. وعلى كل حال يفرض محدداته وسلطته، حداً يقتصر دور المتلقي فيه على الشرح والبيان والتفسير دون النقد والمراجعة. هذا هو المقصود من المقدّس هنا، فهل مفهوم المقدس، مفهوم تاريخي، تراكم عبر الزمن بفعل الظروف والتحديات وتطور القراءة والفهم أم هو معطى نهائي؟. ما هو سر بداهته، هل هي عوامل نفسية أم حقائق علمية يمكن الاستدلال عليها من خلال التجربة أو الدليل الرياضي؟. وكل هذا يؤثر في فهم النص ودلالاته.

لكن الأمر يختلف عندما تكون مرجعيات أحكام النص الديني مجموعة قيم أخلاقية وإنسانية وملاكات تراعي مصالح الفرد والمجتمع، يمكن للعقل إدراكها، وفقا لمعاييره في الحُسن والقُبح، وتحديد الموقف من سؤال ماذا يجب أن نفعل؟. فيكون الفارق كبيرا أن ترتهن تزكية النفس لقدسية النص أو لمرجعيات مضامينه الأخلاقية.

وبالتالي هناك حشد من القرائن والرموز والشفرات المضمرة ترافق النص عند تأويله، ونحن معنيون بالكشف عنها خلال عملية فهم النص، لنتخطى رهاب القداسة. التي تعني في أحد أبعادها جمودا على حرفية النص، فهي عندهم مفهوم دوغمائي، وجمود فكري، غير أني تجاوزت رهاب القداسة، حينما أعطيتها معنى مغايرا، فهي تعني عندي: ثراء النص وتعاليه وخصوبته التي تعني إمكانية مفتوحة على التأويل. فتعالي النص لا يبرر التعامل مع كمعطى نهائي، بل هو أفق مفتوح لتأمله واستنطاق مضمراته للكشف عن حقيقة مفاهيمه، وكل هذا من خلال دراسة مقومات النص الأربعة. فعندما تقرأ نصا دينيا فإن مشاعر المتلقي تجاهه تختلف من فرد لآخر، وفقا لخلفياته وثقافته، فهل للمقومات الثلاثة دور في تشكيل خلفية المتلقي أم هناك أحكام مسبقة هي التي تدعم دلالات التفسير؟.

فنروم إذاً تحديد دور المقومات الأربعة في عملية فهم النص. تلك اللحظة التأويلية، لحظة تلقي النص. كيف تتم عملية فهمه وأنت لا تشاهد سوى مصفوفة كلمات مترابطة، كيف تولدت المعاني في ذهن المتلقي، وكيف أدرك دلالاته من خلال ترابط كلمات وجمل النص؟. لا ريب أن لكل مفردة معنى، وله معنى آخر ضمن سياق النص يتأتى من ترابط الكلمات، فللمفردة معنى ودلالة مستقلة في نفسها، ولها معنى ودلالة ضمن السياق الكلي للنص، تتحكم بها بالنسبة للنص الديني والأدبي مجموعة عوامل، في مقدمتها مقومات النص بما توحي من صور ودلالات. فصورة مصدر النص، مؤلفه، مُرسله، قائله، تفرض محدداتها على فهم النص. وما يعنينا بالضبط كيفية تشكّل هذه الصورة لدى المتلقي، ومدى تاريخيتها أو عدم تاريخيتها. وما هو دور العقل والتأمل العقلاني فيها. فمثلا لو حكم المتلقي بقدسية مؤلف النص، فيهمنا التعرف عن منشأ قداسته، فربما ليست ثمة شيء سوى أوهام القداسة. أوهام تفتقر للدليل العقلي. فعندما تقرأ جملة تقول: (هذا كلام موحى)، سيرتسم في ذهنك معنى الجملة أنه كلام موحى وليس كلاما عاديا. كلاما موحى نزل به الوحي. فيأتي السؤال عن مفهوم الوحي وتاريخ تشكيله في ذهن المتلقي. عندما ندرس مسارات التفكير وما هي أنساقه المضمرة، سنفهم سبب ردود الفعل تجاه النص الموحى. خاصة وأن الوحي من المفاهيم التي اختلفوا حولها جدا، ولم يستقروا على معنى محدد، وسيأتي الكلام حوله، فكيف تبلورة المفهوم في ذهن المتلقي؟

أو أيضا لو حكم المتلقي بعظمة أو عصمة مؤلف النص. فهي مسألة قابلة للمراجعة والنقد والتحرير، خاصة أن مفهوم العصمة مفهوم تاريخي، ثم غدا تحت ضغط الحاجات الأيديولوجية إلى معطى سماوي، فدراسته يعني دراسة مساره التاريخة وأدلة تشكيله. بهذه الطريقة سنقوم بتفكيك النص، وفرز ما توفر على خصائص تكرس المعنى الإنساني والعقلائي لتكريسها أخلاقيا.

فعملية فهم النص، ليست عملية تأويلية فقط، أي: "إرجاع النص إلى ما هو أبعد من المعنى الحرفي، لتحري دلالاته وممكناته التأويلية". وليست علما بالمصطلح المنطقي، أي حضور صورة الشيء عند العقل. وليست مجرد إدراك سواء كان بمعنى العلم أو الانتزاع. أي الأعم من التصور والتصديق. وليست تفسيرا وإن كانت تتضمنه. عملية فهم النص توظف كل هذه الآليات، وتستدعي المضمر في جميع مقومات النص الأربعة، مما يعني أن الموضوعية التي يدعيها الفقيه، ما هي إلا وهم، يصدق تسميتها وهم الموضوعية. لا توجد قراءة بريئة أو محايدة، ولا توجد قراءة منفصلة عن مقومات النص. وقبليات المتلقي التي تختزن المقومات الثلاثة الأولى للنص، تلعب الدور الأساس في عملية تفسير النص. وما يبدو أنه موضوعي ليس كذلك. لغة الدين لغة خاص، جوهرها التأويل، وقد مرَّ الكلام مفصلا في قصة الخلق. المفسر والفقيه يخضعان لقبلياتهما شاءا أم أبيا، لتوقف عملية انتاج المعرفة عليها، خاصة القسم الثاني من قبليات المتلقي. وأما القسم الأول فصفته التحيز المذهبي والطائفي والقناعات الشخصية. فنريد إذاً فهم عملية فهم النص وهي تحاكم الأنساق المعرفية وتتحرى المضمر والمستبعد في تشكّل المفاهيم، وهي عملية سابقة على التلقي. أو فهم عملية فهم النص. ذات قوانين عملية التأويل. كيف تجري في غفلة من الوعي، وهي عملية معقدة، تحضر فيها جميع آليات فهم النص، لإدراك شفرته ورموزه، من خلال ذات الوسط الثقافي، الذي يمهّد لعملية فهم النص. المتلقي يفهم النص من خلال عملية تأويلية، ويفهمه وفقا لقبلياته وثقافته، وهو سبب تعدد فهم النص. النص شيء وفهم النص شيء آخر، غير أن مناهج تفسير النص تعتقد بوجود تطابق بين النص وفهمه.

يكتفي الفقيه بظاهر النص دون تحري مضمراته، وهو لا يعلم ما من نص إلا ويطفو فوق مجموعة نصوص تتناسب طرديا مع قوة رمزيته وثرائه، وقدرته على استغفال المتلقي، وتمرير رسالته. وما من مفهوم إلا وينتمي لشبكة مفاهيمية. ليس النص مصفوفة كلمات أو نسيجا لغويا، بل نصوصا متداخلة في علاقة معقدة، يرتهن تأثيره لثراء مداليله المضمرة وليس المفتوحة. فالنص حزمة أنساق متواريه، تستمد وجودها من أعماق الفضاء المعرفي للفرد، وقبلياته، وثقافته، ووعيه، ومستوى إدراكه. وهكذا الخطاب، فهو ليس مجرد كلام وتخاطب، بل يكتسب وجوده من قبلياته، وتشابك أنساقه. فالرواية الموضوعة أقدر على التأثير من الروايات الصحيحة أحياناً. لأن مسار الرواية الصحيحة من الأعلى إلى الأدنى، بينما الرواية الموضوعة تنبثق من حاجات فكرية وعقيدية وسياقات آيديولوجية، فتأتي لتسد فراغاً معرفياً، فتكون أقوى صدى في أعماق المتلقي، وأكثر تأثيرا على وعيه. والفرد يتأثر بالنص رغم علمه بضعفه أحيانا، مما يعني أن مركز اشتغال النص خارج وعي المتلقي، فهو يستهدف بنية المقولات الأساسية التي يراهن عليها في وجود حقيقته. وهذه مهمة أخرى في دراسة نقد النص، تتطلب عدة معرفية، وقدرة على التفكيك والتنقيب في أعماق النص وقبليات المتلقي، وكيفية وعيه للنص، ومدى تأثير البيئة الثقافية عليه، ورصد قنوات الإرتباط، ومعادلات إشتغال النص داخلها). (أنظر كتاب: النص وسؤال الحقيقة، ص23)

لا ريب أن سلطة النص تتأثر بمصدره. لكن يمكن تناول النص بمعزل عن مؤلفه ومصدره، لاكتشاف إيحاءاته ومضمراته، وما يبدي ويخفي من دلالات، وإحالات مرجعية، مهما تعالى. لكن لا يمكن تجاهله عندما يتعلق الأمر بتحديد سلطة النص، لتوقف حقيقتها وفعليتها على معرفة مصدره. وهذا يختلف تبعا لزاوية النظر، ومضمون النص، وما يريد أن يقوله ويؤسس له. فالمؤلف يلعب دورا أساسا في تكوين سلطة النص. وبالتالي:

- لا يمكن تجاهل مصدر النص، حينما تترتب عليه حقوق وواجبات، بل النص في هذه الحالة يستمد سلطته من مصدره، إضافة إلى طريقة بنائه وتركيبه وأدائه ودلالاته اللغوية، وما يشتمل على أوامر ونواهٍ. أي أنه يستمد سلطته ومركزيته وتأثيره من مؤلف أو مصدر النص، وأسلوب الخطاب في التعبير عن مضامينه. فعندما يصدر أمر من السلطات العليا بإمكانك قراءة النص بمعزل عنها، للكشف عن كواليس صدوره، وما يخفيه من تحفظات ومخاوف وتطلعات. لكن لا يمكن تحديد درجة إلزامه بمعزل عن مصدره، فهو يستمدها منه، ومن قدرته على تنفيذ وعوده. وبالتالي فهو المقوم الذاتي لسلطة النص.

- يمكن إهمال مصدر النص، عندما يؤسس لقيم أخلاقية، مادامت قيم إنسانية. فالحكمة من أي شخص صدرت هي حكمة، لا تتوقف على مصدرها، لذا جاء في المثل "خذ الحكمة ولو من لسان مجنون". إلا في حالات التنافس القيمي، حيث تكون القيم الأخلاقية نسبية، غير محسومة نهائيا. فهنا يتدخل المصدر لحسم النزاع، لكنه في الغالب، يكرّسه. فعندما يختلف مسلم وغيره حول أية قيمة دينية، فكل يتشبث بمصدره، وعلوه، وحكمته، وربانيته، فينتهي الأمر بتكريس نسبيتها. فعندما تقرأ حكمة تقول: "النجاة في الصدق". فهي قيمة إنسانية مطلقة، لا يختلف حولها إثنان. أما لو تعلق الأمر بقيم نابعة من صميم المجتمعات المختلفة دينيا وثقافيا، فالأمر يبقى نسبيا. وفي هذا الحالة يمثل مصدرها حقيقة سلطتها. (المصدر نفسه). غير أن مصدر النص يكسب القيم الأخلاقية قدسية ومهابة وخشوعا وربما رهبة لا شعورية، تسري في عروق المتلقي وهو يتلو النص الديني، تعبيرا عن  مشاعر مضمرة، نسجتها مفاهيم مكتسبة خاصة المقولات الأولى في بداية التلقي المعرفي. فالقيمة الأخلاقية تبقى قيمة إنسانية. تكتسب من قائلها أو مصدرها قدسيته وجلاله، ولا تخفى صورة الإله والخالق باعتباره محيطا وعالما بكل شيء. وكل هذا مشروط بالإيمان كما تقدم. فيبقى الرهان على الجانب الإنساني في النصوص الديني، كمشتركات عامة، بناء على استقلال الأخلاق عن الدين بمعنى التشريع لا بمعنى الإيمان. فتحديد صورة المُرسل، مصدر النص، مؤلفه، كما يقدمها النص، تلعب دورا في تحديد قوة تأثير النص على المتلقي، عندما يكون مؤمنا بالله ومطلق صفاته. وهكذا الأمر بالنسبة للرسول والرسالة، فالنص الديني تلازمه صورة قدسية عنهما، يلتقط المؤمن شفرتها، ويمهد لتقبل النص الديني على أنه نص مقدس، يحد من إمكانيات نقده. كما هناك  فرق كبير عندما تخطئ في تشخيص المتلقي وأنت تكتب له رسالة أو تملي عليه عظتك الأخلاقية. لذا تجد النجاح حليف الخطيب الذي يدرك مستوى جمهوره، ويخاطبهم بمستوى وعيهم. وبما أن النص الديني صادر عن الخالق، فلا جدال حول ملاكاته، ومراعته لمصلحة الإنسان. فمعرفة كيف يقدم النص الديني نفسه يمهد لفهم حيثيات صدوره، وتحديد مدى فعليته، وهذه دراسة في أعماق النص ودلالاته. ما نريد استنطاق النص للكشف عن خلفياته، ودواعي صدوره، هل هو معطى نهائي أم لضرورات زمكانية، مبررات موضوعية؟ وهذا يحد من سلطة الفقيه، تحكمه بإرادة الفرد، والخروج من التعبد المطلق إلى فهم الدين ودور الإنسان في الحياة. وكل هذا يندرج ضمن نظرية الإنسان / الخلافة، التي تقع على الضد من نظرية العبودية. يمكن مراجعة كتاب الفقيه والعقل التراثي للتعرف على أبعادها أكثر.

هذا هو مبرر البحث عن الصورة التي يقدم بها النص الديني نفسه.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5300 المصادف: 2021-03-10 01:49:21


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5774 المصادف: الاثنين 27 - 06 - 2022م