 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (217): منطق الدين والأخلاق

majed algharbawi4

خاص بالمثقف: الحلقة السابعة عشرة بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

ماجد الغرباوي: نخلص مما تقدم أن رهانات الدين في تقويم سلوك الإنسان وحماية ضميره، مرتهنه للإيمان والامتثال، مما يحد من قوة حضوره وتأثيره، ليقتصر على المؤمن الملتزم. وأضيف لهما: أصالة القيم الدينية، كقيد احترازي، لإخراج القراءات المؤدلجة للنص الديني، ذات الأهداف الطائفية والسياسية. وهي قراءات سائدة، وغائرة، مما يستدعي خبرة علمية لفهم أصالة النص، ضمن سياقاته التاريخية وضروراته الموضوعية. والشرط الثالث يضعنا على حافة القلق، خوفا من أدلجة الدين وخسارة البعد الأخلاقي الإنساني، الذي تسعى الاتجاهات الكلامية المختلفة لاحتكاره، فيكون المؤمن من آمن بشروط الفرقة الناجية، وهو منطق مخل بقيم الدين التي هي قيم إنسانية أساسا، أكدت عليها الأديان، وأي احتكار طائفي يفقدها صفة الرحمة، محور جميع الرسالات السماوية. وكل احتكار هو إقصاء بالضرورة. إقصاء للآخر المختلف رغم صفة الإطلاق. فإذا كان الإيمان والامتثال يكفي في زمن الرسالة، فهو ليس كذلك مع تعدد القراءات التي رافقت النص بعد انفصاله عن الوحي. ونحن اليوم نعيش مصداق آية: (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ). والحزب قراءة متحيزة للنص. مما يستدعي تجردا تاما ليكون الدين فاعلا مؤثرا.

إن جميع هذه الإشكالات تأتي على مفهوم الدين بالمعنى السائد، ابتداء من مفهوم الخالق، الوحي، الشريعة، ومن ثم تأويلات النص المقدس. ومفادها أن الدين نظام شامل كامل في الحياة، ثم يتنازعون حول مصاديق الخلاص، كل ينحاز لموروثه الديني والعقدي، بهذا الشكل يبددون الطاقة الروحية الخلاقة للأديان. بينما لا تأتي تلك الإشكالات على مفهوم الدين بمعنى التجربة الروحية التي هي علاقة خالصة بين المخلوق وخالقه، هي علاقة وجد وتعلق، وعلاقة حب: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)، حب متبادل يبادر به الله تعالى فينعكس على خلقه فيحبونه. فيكون حبهم ردة فعل لحبه لهم. وهكذا تكشف من آيات الحب أن الله يرسم طريقا لمحبته من خلال كل عمل إنساني. (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)، (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)، (وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)، (وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، (وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ)، (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)، (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)، (وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ). فيصدق أن موازين حبه جأت وفق معايير إنسانية، بدليل إطلاقات الآيات وعدم تخصيصها بالمؤمين أو المسلمين وغيرها من العناوين الدينية. فهو يحب كل محُسن وتوّاب ومتطهر وصابر ومتوكل. في مقابل نفيه للحب، في ومضة بلاغية، فهو لم يستخدم لغة الكراهية، ولم يقل الله يكره الذين، وبالتالي، فهو يحب أو لا يحب وفق معيار. فهو كما جاء في الآيات الكريمة، لا يحب: المستكبرين، الخائق، الكفور، المفسد، المختال، وغيرها. فعلاقة الحب علاقة روحية وجدانية يشعر معها الفرد بقربه من الخالق، من المطلق الذي يتوق لاكتشاف. لتبديد قلقه المصيري الذي هو قلق وجودي. فتجليات الحب تجليات للإيمان ووعي الذات وحدود الأنا، حيث تتلاشى تشظيات الفرقة الناجية، ليبقى الإنسان إنسانا، يعي علاقاته مع الآخر على أساس إنساني، لا تضر به الخصوصية، ولا تنقص من إنسانيته تعدد الرؤى. الإنسان هو وخالقه، في لحظة وجد وتعلق غامض بالمطلق، بالغيب، بالحق المتعالي. فالحديث هنا حديث روحي، والمشاعر هنا مشاعر إنسانية، خالية من شوائب الخصوصية. في هذه الحالة يكون للدين معنى، يضع الفرد في أفق جديد لفهم الحياة والآخرة قائمة على حب الخير والناس جميعا، وتغدو الأخلاق عنده سجية وطبعا وفعلا يأتي به بدوافع إنسانية، بعيدا عن أية خصوصية تحول دون مبادرته لعمل الخير والصلاح.

الرؤية الثانية لمفهوم الدين تمنح الإنسان حصانة ضد التحيزات الطائفية والسياسية التي تسحق الإنسان، وتقسو عليه، رغم أن انتماءه لم يكن خيارا، بل كغيره من البشر، وجد نفسه في هذه البيئة أو تلك وورث ما ورثه الآباء والأجداد، لكنه يبقى متهما، تُصب عليه اللعنات، بلا ذنب اقترفه سوى منطق الفرقة الناجية. إنه تشويه حقيقي لمفهوم الدين ومفهوم الرحمة الإلهية التي وسعت كل شيء (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ). وبالتالي فمفهوم الدين هو الخطوة الأولى لاستعادة إنسانية الإنسان ومن ثم حماية القيم الأخلاقية. مما يؤكد تأثر مفهوم القيمة الأخلاقية بمفهوم الدين، فحينما يكون الدين إقصائيا، يحتكر الحقيقة والنجاة يوم الحساب، فستكون الأخلاق إقصائية، تغدو وبالاً على الناس. وهذا أحد المآخذ على من يقول بقيام الأخلاق على الدين، حيث تخضع القيم لفهمه، المرتهن لقبليات ومبادئ الاتجاهات الفكرية والعقدية. بينما يضع العقل حدا للتسيب، وفق معايير العقل العملي، التي هي معايير إنسانية مشتركة، بعيدا عن تشظي تفسيرات النصوص الدينية.

الدين في بعده الروحي يطهّر النفس من أدرانها، وتكون الأخلاق سجيتها وطبعها، تبادر بمعزل عن الوعد والوعيد، ويستجيب الفرد للفعل الأخلاقي بحافز ذاتي كواجب، لا ينظر وراءه وماذا سيكسب من فعله سوى إرضاء لضميره ووجدانه وروحه الإنسانية. فالدين ما لم يضفِ معنى على حياة الإنسان وسلوكه وقيمه لا يمكنه تقويم سلوكه وحماية ضميره، ويبقى مرتهنا لروح العبودية التي لا تستجيب إلا بالوعد والوعيد. فالدين يبغي أساسا تحرير الفرد من سجونه وضعفه، ليكون قادرا على تقويم سلوكه بنفسه، وأن يرتهن للحب بدلا من البغض، وللمحبة بدلا من الكراهية، وللرحمة بدلا من الظلم والجور، بهذا يصدق أن منظومة القيم الإنسانية التي يحتكم لها الفرد هي مقياس لتدينه وإيمانه. فيكون سلوكه دالا على مستوى إيمانه، وحقيقة إلتزامه، ومستوى الأخلاق التي يؤمن بها. الدين كما أكدت مرارا جاء لترشيد وعي الإنسان كي يبلغ درجة الإنسانية المطلقة، التي تتجلى من خلال سلوكه الأخلاقي، والتزامه بالعدل والإحسان. وهي صفة بعض المؤمنين، بغض النظر عن مستواهم العلمي، فتجده إنسانا بسيطا لكنه مملوء بالوعي، يشعر بالقرف من فتاوى الفقهاء وهي تنبذ الآخر وتقصيه من رحمة الله. يتمتع بمناعة ضد الظلم من أي جهة صدر. يستفزه الظلم، فيحتج بلغة بسيطة معبرة تعكس سلامة فطرته: "هذا يخالف رحمة الله". أو هذا ليس من دين الله. فهو يفهم الدين رحمة وعطف ومودة وإنسانية، وليس ظلما وعدوانا. وربما جميعا عاشر هؤلاء الناس المؤمنين الطيبين، وجميعنا يتوق لمصاحبته والاستزاده من روحانيتهم. والروحانية لا تعني الاعتكاف في المساجد والتفرغ للعبادة، بل تعني نقاء القلب وطهارة الضمير. شاءت الأقدار أن تصل مدينتا عوائل تم تهجيرها من قبل السلطات الظالمة، تختلف عنا دينيا أو مذهبيا وقوميا، وكان أهل المدينة ينظرون لهم بريبة، غير أن أمي كانت تنظر لهم بعين العطف، تمدهم بما استطاعت، وعندما تبتعثني لأحد العوائل التي سكنت بجوارنا، توصيني بالحذر "تأكد أن لا يراك أحد"!!!. تحبهم ويحبوننا، وعندما يرتاب بهم الرعاع تدافع عنهم أمي، الإنسانة التي عاشت نقية القلب، طيبة السريرة من وحي فطرتها السليمة، ودينها الإنساني، وتربيتها الأُسرية. من أمي وأبي تعلمت التسامح الديني، وحب الناس. كان الناس يندهشون من انفتاح والدي على المختلف دينيا وثقافيا، ويتعجبون من سعة علاقته بأصدقاء من مذاهب وأديان شتى، ويستغربون من مواقفه المتشددة ضد الغلو الديني والعادات والتقاليد البالية. فعندما تدرس سلوك هؤلاء تتأكد ثمة عمق روحي داخل الإنسان كفيل بخلق عالم إنساني، أخلاقي، قائم على الحب والاحترام، ما لم يلوثه منطق الإقصاء، ذلك المنطق الخطير القائم على نبذ الآخر وإقصائه. كما أن الموبقات تلوث سريرة الفرد، وتفقده إنسانيته: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ). فنحن نحتاج لدين خالٍ من شوائب الكراهية، وتشظيات الفرقة الناجية كي يكون مؤثرا في سلوك الإنسان، وهذا يقتضي الفصل بين القرآن المكي وضرورات القرآن المدني. بمعنى آخر يجب أن تكون آيات القرآن المكي حاكمة على غيرها، مادامت آيات محكمة فتتقدم وفقا لذات المنطق القرآني. فتلك الآيات تمثل روح الدين، لا ضروراته الاستثنائية. إن طموحنا في وجود عالم أخلاقي يحترم الإنسان بما هو إنسان، وهذا لا يتحقق إلا من خلال تجربة روحية، يخضع الإنسان فيها نفسه للمراجعة والمراقبة المستمرة. فيكون الضمير هو الخصم والحكم، فيستيقظ من غفلته ويتوب لبارئه. ومعنى التوبة عدم العودة لمنطق الكراهية والثبات على منطق الرحمة والحب. بهذا الشكل يحمي الدين ضمير الإنسان، فيكون دوره تحفيز الإنسان على مراقبة سلوكه، والتمسك بجميع القيم الإنسانية. هكذا تتشكل نواة مجتمع الفضيلة، من الفرد تبدأ، وبه يتكامل، ويبقى الإنسان هو الهدف الأساس. وتكون الأولوية له في التشريع وسن القوانين. لذا أسعى جادا لتقديم فهم جديد للدين، فهم يقوم على احترام الإنسان، والإحتكام للعقل، والقيم الإنسانية. فنخلص، رغم أن الدين مرتهن لشروطه، غير أن قوة تأثيره لا يستهان بها إطلاقا، كما اتضح أن الرقابة الذاتية تحفز الضمير الإنساني، وهو المعوّل عليه أساسا في تقويم سلوك الإنسان، وما الضمير الديني إلا ضمير إنساني خالص، يتوالى على تقويمه وتحفيزه رقابة ذاتية في رحاب الخالق. فيصدق أن الضمير الديني أو التقوى وعي الذات في رحاب الرحمن، تتدارك الفرد المؤمن، حينما يتهاوى ضميره غير عابءٍ بوخز ضميره وتأنيبه. وبالتالي ينبغي لنا الاستفادة من طاقة الدين في تقويم سلوك الإنسان، وعدم التفريط به بدواعي تعدد القراءات، فنحن مع مفهوم الدين بمعنى التجربة الروحية، بمعنى النقاء الخالص، بمعنى وحدة الروح الإنسانية. لكن أيضا ينبغي التذكير بشروطه، فلا نتوقع من غير المؤمن الاستجابة لنداء الضمير الديني، ولا نتوقع من لا يبالي بالامتثال ذلك. فهو مرتهن لشروطه، لكن قوة تأثيره تخلق وازعا من التقوى لا مثيل له.

وفي ختام تحري الرهان الثالث من رهانات الدين في تقويم سلوك الفرد وحماية ضميره، ينبغي الإشارة لنقطة جوهرية تتطلبها موضوعية البحث، وهي أن التجربة الروحية للفرد تقوم على التأمل  في عالم الملكوت، عالم ما وراء الطبيعة، يحاول الإنسان أن يستوحي من الغيب ما يكشف به عن حقيقة إيمانه، ويحدد دوره في عالم الوجود، ويتعرف على سر وجوده. فالتجربة الروحية ليست تجربة عقلية، وليست خاضعة لموازين العقل، كي يطالب المؤمن في تجربته بدليل عقلي. الإنسان ليس عقلا خالصا بل هو مزيج من العقل والمشاعر. وما من معرفة بشرية إلا والمشاعر ترسم أحوالها في التلقي، ردود الأفعال، الانفعالات النفسية. كما أن خضوع الفرد لرغباته رغم تقاطعها مع قيم العقل دليل على قوة حضورها. فالتجربة الروحية تريد صقل تلك المشاعر، وتنقيتها من شوائب الموبقات لتسمو النفس وتزدهر فيها معاني الحب والإخلاص. فللنفس إشراقاتها التي بها يتألق الإنسان أخلاقيا ويسمو فوق رغباته وشهواته. ومعنى التخلي عن ملذاته التخلي عن خصال الشر لصالح خصال الخير، فالمعيار الذي على أساسه كان يضطهد الآخر، سيتلاشى عندما يؤوب لنفسه، ويحاسبها بما تبقى من ضميره، ليسمو أكثر مع كل ممارسة عبادية وروحية. فالمقياس هنا مقياس روحي غير قابل للرصد بعيدا عن سلوك الإنسان ومشاعره، فتوبة الإنسان المنحرف تتجلى من خلال سلوكه الجديد، كي يصدقه الناس، وإلا لا يوجد لدينا مقياس عقلي لتحديد مدى صدقية توبته.

تارة يحكم بعض الناس على التجارب الروحية أنها مجرد أوهام يعيشها الإنسان، فيتخيل من وحي أوهامه ووساوسه. وبات ردنا واضحا، أن التجارب الروحية تجارب فردية، تختلف من فرد لآخر، لا يوجد معيار عقلي لتحديد مستواها سوى سلوك الفرد ومشاعره ومصداقية عمله. لا تهمنا ذات التجربة وطبيعة تصوراته. ولا يهمنا كيفية وعي الذات خلال تجربته الروحية التي هي تجربة إنسانية متاحة لكل فرد، مهما كان دينه بل وحتى من لا يدين بدين. فآثار الزهد في الحياة مثلا، تتجلى في سلوك كل زاهد، مهما كانت بواعثه. وكذلك الصدق والإخلاص. غاية الأمر أن التجارب الروحية تضفي معنى على حياة الفرد، فيجد في عمل الخير والعمل الصالح معنى يشده بجدوى عمله. وبالتالي مادام هدفنا وجود مجتمع فاضل يتمسك بقيم الخير والصلاح، فإنه سيكون مرتهنا لسلوك أفراده، بغض النظر عن دوام تمسكهم. فصادق القول صادق، مهما كان دينه وتوجهه. والصدق قيمة أخلاقية نطمح لها. وعليه فالدين كتجربة روحية لا يقلب المفاهيم الأخلاقية الإنسانية. وقد بينت بما فيه الكفاية وسيأتي المزيد عن الأحكام الشرعية. رغم أني أشرت لبعضها كما بالنسبة لأحكام القتال، وغرائبيات بعض الأوامر الإلهية، وقصص الأنبياء. فالذي يقلب المعايير الأخلاقية هو الفهم الديني الذي هو فهم بشري مرتهن لقبلياته وغاياته ومقاصده، خاصة القبليات الطائفية، وهذا واقع وليس تبريرا ولست مضطرا للتبرير. أما الدين كتجربة روحية كما في تجارب المتصوفة والعرفاء وأصحاب الرياضات الروحية فهم يعيشون تجربة إنسانية خالصة، ينشدون فيها لعالم الغيب ولذلك المطلق الذي أدهش الإنسان، وهو يتسربل بكبريائه وعظمته. وهم يسعون للقرب منه، ويعلمون أن قربه مرتهن لتطهير النفس من دنس الذنوب والموبقات، والكف عن منطق الإقصاء والتنابذ.

وبالتالي، رغم قدرة الدين على تقويم سلوك الإنسان، لكنه يبقى مرتهنا لشروطه، التي قد تكون تعجيزية في بعض حالات الصراع الطائفي، وقوة حضور التاريخ في فهمه، فيكون فهما منحازا بالضرورة،  لذا ينبغي التذكير بما توصلت له من نتائج في بحوث سابقة، حيث ذكرت خلال حديثي عن التجربة الروحية ودورها في تقويم سلوك الفرد أنها حالات نادرة رغم تأثيرها، مما يجعل الرهان على الضمير الإنساني أوفر حظا. وكذا عندما قارنت بين الضمير الإنساني والضمير الديني بمعنى التقوى، فقد رجحت الأول، فله الأصالة قبل ظهور الأديان وبعثة الأنبياء. وهذا يدعو للبحث عن مواطن قوة الضمير البشري لترميمها وتمتينها. والتفتيش عن مواطن ضعفه لتفاديها بالتربية والتعليم وترشيد الوعي. كما أن شمولية الضمير الإنساني تجعل منه معيارا لصدق الفعل الأخلاقي. فيما يرتضيه الضمير البشري عموما هو بلا شك عمل أخلاقي مادامت منطلقاته إنسانية.

تبقى نقطة مهمة أن فعلية الضمير مرتهنة لحرية الإنسان، وهذا ما أكدت عليه مرارا. وكل مبادرة لا تتصف بالأخلاقية ما لم تصدر عن إرادة حرة، وأية إرادة مرتهنة لغيرها تسلب الفعل صفته الأخلاقية. فتحرير الفرد من سجونه وأغلاله مقدمة لحماية ضميره وضمان عدم تدهوره أو موته. وهذا يدفعنا للبحث عن أسباب عبودية الناس، وكيفية معالجتها من خلال التربية والإعلام. وهنا يأتي الإشكال بالنسبة للدين باعتباره سلطة فوقية سواء على مفهومه السائد أو الدين بمعنى التجربة الروحية. فهل يتصف الفعل بصفة الأخلاق حينما يصدر عن مؤمن متدين، المرتهنة حريته للدين الذي يعتنقه أم لا؟. وهو سؤال مشروع جدا، ويمكن أن يفقد الفعل صفته عندما يرتهن إرادته لأية منظومة دينية أو أيديولوجية، لعدم توفر شرط الفعل الأخلاقي، وهو حرية الفرد. الفعل الأخلاقي يشترط صدوره عن إرادة حرة، غير مرتهنة لأية جهة سوى دوافعه الإنسانية، فتكون مبادرته من باب الواجب الأخلاقي والإنساني. أما الارتهان للدين، هل يصدق عليه إرتهان عبودي؟ أو بشكل أدق ماذا يعني الارتهان للدين، هل يقصد به سلب إرادة الفرد وعبوديته أم لا؟.

لا ريب أن الحرية أصل، وهي لازم وجودي للإنسان. والعبودية طارئة، تصدق مع كل ارتهان أيديولوجي سلطوي لإرادته. وهي بشكل أدق، حصيلة ما يخسره الفرد من حريته. فتكون النسبة بينهما عكسية. وإذا كان التحرر المطلق مستحيلا، فثمة فرق بين الارتهان لسلطة تعسفية تفقده حريته وشعوره الإنساني، وبين سلطة فوقية تستدعيها المعرفة البشرية، فهل لا تستعبد الإنسان، ولكن ضرورة القبليات الحاكمة. فهل الدين اسعتباد أم تحرر؟. الدين بمعنى التجربة الروحية، عملية تحرر من الأغلال والأصفاد. لأن معنى العبودية الخالصة لله، التحرر من كل سلطة فوقية ماعداه. ومع كل تحرر يلازم تجربته الروحية، يسترد الفرد حريته، وحينما يتجرد مطلقا إلا من علاقته بالله، فسيستعيد كامل حريته. وعندما تكون علاقته بخالقة علاقة محبة ورحمة وعفو، فسوف لن يفرط بحريته. فالكلام إذاً عن صدقية مفهوم العبودية في مقابل مفهوم الحرية. لا شك سيكون هناك استغلال واستعباد بالنسبة للعلاقات العرضية فيصدق المفهومان معا، وتصدق المقارنة، بينما التجربة الروحية عملية تحرر مستمر من خلال سلطة فوقية، وكل ارتهان، بما فيها الشهوات والتعلق بالماديات، فيكون حرا من جميع الجهات، سوى علاقته بخالقة، وعندما تكون العلاقة بينهما علاقة خالق بمخلوق كما أكدت الآيات الكريمة، وليست علاقة الرب بعبيده، كما يؤكد التراث، فلن يخسر الفرد حريته، وسيستوفي عمله شرط الفعل الأخلاقي.

 

 يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5384 المصادف: 2021-06-02 03:36:46


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5774 المصادف: الاثنين 27 - 06 - 2022م