 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (221): مبررات التعارض مع الأخلاق

majed algharbawi8خاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والعشرون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

مبررات التعارض

ماجد الغرباوي:

المقدمة الرابعة: ثمة من الفقهاء من يعتقد أن الأحكام الشرعية قائمة على التعبد (الاتجاه العبودي)، في مقابل من يعتقد أن وراء الأحكام مصالح وملاكات ناظرة للواقع وضروراته. ترتهن فعليتها لفعلية موضوعاتها (الاتجاه الإنساني). وقد تقدم تفصيل الكلام وذكرت أدلة كافية لترجيح الرأي الثاني (ينظر كتابي: الفقيه والعقل التراثي). فالاحكام على الرأي الأول تتعالى على تاريخيتها، وتبقى فعلية ومطلقة في جميع الأحوال والازمان، وهذا ما فعلته داعش حينما طبقت أحكام أهل الذمة على الأقليات الدينية واستعبدتهم. ولاريب باستقرار التعارض في هذه الحالة، حداً لا يمكن زعزعته أو تبريره. بينما الاتجاه الثاني يدعو لدراسة تاريخ الحكم وفلسفته، وقد تنتفي فعليته بانتفاء سببها وموضوعها، مادامت الأحكام تدور مدار عللها، كما هو متفق عندهم. فتكون أحكاما استثنائية فرضتها ظروف الرسالة وأمنها واستقرارها. وهذا النمط من الأحكام يجب أن يخضع للدراسة لتحديد مدى فعلية موضوعاته. فقد تكون مبررة في حينها، وليست كذلك عندما ينتفي إطلاقها. أو يشملها التعارض في حدود فعليتها، وتطبيقها عملا.

المقدمة الخامسة: لا يجوز اسقاط الحاضر على الماضي في فهم الآيات بل ينبغي فهم أحكامها في إطار بيئتها الثقافية والاجتماعية وأسباب نزولها. فحقوق المرأة مثلا لا تقارن بما عليه المرأة في ظل مبادئ حقوق الإنسان الذي أقرته الأمم المتحدة عام 1948، بعد مكابدات إنسانية طويلة ووعي تاريخي مختلف. لكن يمكن مقارنتها بما قبل عصر الرسالة. وهكذا باقي الأحكام التي تتعارض مع القيم الأخلاقية ظاهرا. وهذا يمهّد لفهم أسباب نزول الحكم والضرورات التي دفعت لتشريعه، ومن خلالها نتمكن من تحديد مدى فعليتها.

المقدمة السادسة: لكل حكم شرعي موضوعه الذي يرتهن له في فعليته وعدمها. كما بالنسبة لآيات الجهاد التي كانت ناظرة إلى واقع خارجي محدد فتنتفي بانتفائه، وتعد أحكاما استثنائية، يقتصر التعارض فيها على مرحلة عصر النزول. وحينئذ سيكون للقيم السائدة آنذاك دور في تحديد مدى التعارض بينها وبين الأخلاق. قد يكون مستقرا وسيبقى، أو يكون محصورا بظرفه التاريخي.

نؤكد في ختام هذه المقدمات، ومنعاً لأي التباس محتمل، أن جميع المقدمات أعلاه، تكون تامة وفقا للاتجاه الإنساني في فهم الدين، ولا تكون كذلك وفقا لاتجاه العبودية الذي يعتقد بفعلية الأحكام الشرعية وإطلاقها أزمانا وأحوالا وعلى كل حال إلا مادل الدليل الشرعي على استثنائه.

معيار التعارض

ينبغي قبل تحري التعارض بين الأحكام الشرعية والأخلاق، تحديد المعيار الذي على أساسه نحكم بثبوت أو عدم ثبوت التعارض. فما هو المعيار؟. لا ريب أن العقل العملي سيكون معيارا لتحديد الفعل الأخلاقي، وهو سابق على ظهور الأديان السماوية وغيرها. والسؤال هل العقل معيارا لكل القيم الأخلاقية أم خصوص القيم الأصيلة.؟

لنتفق أولاً، ثمة قيم أخلاقية أصيلة وإن كانت محدودة. وأخرى مكتسبة. الأولى مطلقة، فوق الزمان والمكان، تقررها وحدة الطبيعة الإنسانية. والثانية نسبية، تاريخية، تقررها مصالح المجتمع. القيم المطلقة من مدركات العقل العملي، لا يختلف حولها الناس. بينما شرعية الثانية مرتهنة للعرف الاجتماعي ومصالحه. فهي نسبية دائما. قد تكون حسنةٌ في وقت ما وظرف معين، وليست كذلك في وقت آخر وظرف مختلف، لكن لا ضرورة تقتضي قبحها. وإذا كانت النية الخيرة هي الفعل الأخلاقي الوحيد عند كانط، فقد مرَّ بنا عدم كفاية النية في صدقية الفعل الأخلاقي ما لم يترتب عليه، أثر إنساني. فيمكن عدّ العدل والظلم بعناوينهما الأولية قيم أخلاقية، أصيلة، مطلقة، بل وتكونا مبدأ، تتفرع عليهما قيم أصيلة، كالصدق والكذب. فنقول: "بحكم العقل العملي: من العدل أن تكون صادقا ولو على نفسك، ومن الظلم أن لا تعدل لتبخس حقوق الآخرين". فالعقل يحكم بحُسن العدل وقُبح الظلم وفقا لمعاييره، وآليته في معرفة ردود فعل مشاعره الإنسانية كما تقدم تفصيله. لا يوجد من ينكر في أعماقه ووجدانه حُسن العدل وقُبح الظلم، غير أن بعضهم يتنكر لنوازعه الفطرية، ويبرر أو يلمّع سلوكه المشين. وإذا كان ثمة اختلاف ففي مصاديقهما أو ما يترب عليهما من آثار قانونية. فمثلا الجميع يدين القاتل، ويرى من باب العدال معاقبته، لكنهم يختلفون بين القصاص "النفس بالنفس"، وبين تخفيف العقوبة دون القصاص. وبالتالي فإن حُسن العدل وقُبح الظلم ليسا طارئين على الإنسان بل هما من مدركات العقل العملي، لذا تجد القرآن يحث على العدل وينهى عن الظلم لا باعتبارهما قيما دينية، بل باعتبارهما قيما إنسانية من مدركات العقل العملي. كلاهما سابق على تدين الإنسان، وقبل ظهور الأديان ونزول الرسالات: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ). الآيات تريد تماسك المجتمع على أساس العدل، كقيمة لا يتنكر لها أحد، وإنما يتحايل عليها بعضهم، ويلبس الحق بالباطل، ليحقق مآربه. أو هروبا من تأنيب الضمير ومن عقوبة تنتظره.

لا تقتصر القيم الأصيلة على حُسن العدل وقُبح الظلم، بل هناك منظومة قيم تضفي معنى على سلوك الفرد. بها يكون الإنسان إنسانا. لذا لا شعوريا يندد الناس بمن يتخلى عن مسؤوليته الأخلاقية، وبصوت واحد يوبخونه: ألست إنسانا؟. لازم هذا الكلام أصالتها ومناعة تسويفها، لو خُلي الإنسان ووجدانه. لكن قد يخضع الفرد لقيم مزيفة تسلبه أصالة قيمه، عندما يتجاهل ضميره ويتخلى عن وجدانه. هذا النمط من القيم لا تغير العناوين من حقيقته، فعندما يتوقف إنقاذ نفس محترمة على الكذب، لا يجعل الكذب فعلا حسنا، ويبقى عملا قبيحا. لكننا نضطر له اضطرارا، قد يغض الضمير عنه الطرف تحت عنوان جديد لكن لا يحكم بحُسنه مطلقا. أي أن الكذب يبقى كذبا، مرفوضا أخلاقيا حتى لو توقف عليه إنقاذ نفس محترمة. لكن الضرورات تُبيح المحظورات، فتقدر بقدرها.

القيم النسبية (المكتسبة)

باستثناء القيم الأصيلة فإن جميع القيم الأخلاقية مكتسبة، نسبية، تاريخية، تكتسب شرعيتها من توافق الناس عليها، تحت أي دافع كان. ظهرت مع بوادر أول تجمع بشري لتنظيم شؤون العائلة أولا ثم تدرجت. حيث اقتضت ضرورات الانتماء البشري، وتحقيق مصالحهم المشتركة اللجوء لقيم أخلاقية تنظّم علاقاتهم وتحمي مصالحهم، لتفادي تداعيات الصراع تحت ضغط التحديات الخارجية. ثم أخذت تتنوع وتتعدد مع تطور المجتمعات، واتسعت بظهور الأساطير ومن ثم الأديان، التي أفرزت طبقة رجال الدين. كما أن مجتمعات العبيد فرضت هي الأخرى قيمها، لتستبد طبقة الأسياد بقيم النبالة والاحترام، وتكرس قيم العبودية لضمان عبودية طبقة العبيد. ولو تقصينا أسباب ظهور القيم الأخلاقية باستثناء القيم الأصلية، فيمكن حصرها بمايلي:

- القيم الاجتماعية: لتنظيم العلاقة بين أفراد المجتمع الواحد، ثم تطورت بتطور المجتمعات، وظهور النظامين الأبوي والقبلي.

- القيم الطبقية: لتنظيم العلاقة بين الأسياد والعبيد. ومن ثم تنظيم العلاقة بين أصحاب رؤوس الأموال والعمال. وهي قيم فرضتها تطور الآلة وتراكم رأس المال وتزايد النفوذ.

- القيم الدينية: لتنظيم علاقة الفرد بربه، ثم لبّت حاجة طبقة رجال الدين والسلطة الدينية لها، ولو على حساب القيم الدينية الأصيلة. فظهرت أخلاق احترام سلطة رجال الدين والمزارات، وكل ما يرتبط بها، سيما أداب النذور والحج للأمكنة المقدسة. وأقصد تحديدا ما زاد على الأحكام الدينية، مما يراه الناس أدبا وأخلاقا.

- قيم السلطة: وظهور الحكومات. لتنظيم العلاقة بينها وبين الشعب، وهي عادة تنتظم تحت لوائح ومواد قانونية.

- القيم الحديثة: التي رافقت تطور المجتمعات الحديثة، إذ خلق كل مجتمع قيمه الجديدة التي تتناسب مع رؤيته الحداثوية.

مما تقدم يظهر واضحا أن الأخلاق النسبية، أخلاق السلطة والاستبداد. باستثناء المجتمعات البدائية قبل ظهور السلطة واستفحالها. فالأخلاق بهذا المعنى صناعة بشرية، وعندما تكون صناعة بشرية لا تصلح أن تكون مرجعية ومعيارا للجميع، بل كل يحتكم لمرجعيته. الآن وسابقا. وبالتالي فإن الأخلاق المكتسبة ليست من مدركات العقل العملي، غير أنها بمرور الأيام يعتاد عليها الفرد والمجتمع، ويألفها العقل لا لأنها من مدركاتها، بل لأن العقل يُستغفل، ما يلاحقه النقد والمراجعة. فيغدو لدينا من خلال القيم المكتسبة عقل أخلاقي جديد. وهذا العقل ليس هو المعيار الحقيقي وإنما شُبّه لهم بحكم الإلفة والعادة. وعليه، عندما تريد محاكمة سلوك أحد ملوك القرون الوسطى ينبغي لك محاكمته وفقا لمنظومة القيم السائدة. فما تراه اليوم فعلا أخلاقيا قد لا يكون كذلك. والكلام عن خصوص القيم المكتسبة. وهكذا الأمر بالنسبة للأحكام الشرعية، لا يصدق التعارض مع القيم الأخلاقية ما لم نتأكد في المرتبة السابقة عن مرجعية الحكم الأخلاقي. فربما كان المجتمع يعتقد بسلامة الأحكام وانسجامها مع عدالة المجتمع آنذاك. فمثلا الجميع يقول بقبح الظلم، لكن حدود الظلم ومصاديقه ستخضع لأخلاق السلطة والاستبداد في ذلك الزمان. فإذا ثبت أن الحكم كان ناظرا لقيم المجتمع وطريقتهم في التعامل مع هكذا قضايا، فيكون عملا أخلاقيا بالنسبة لهم، وليس لنا. كالعقوبات الجسدية في الشريعة، فإن من جملة مبرراتها أن العقوبات الجسدية كانت سائدة آنذاك، ولا بديل لها كالسجن مثلا. وقد عملت الشريعة بذات الأعرف. أي أنها أخذت بمقتضيات الحكمة في حينه. مادامت الغاية من العقوبات هي الردع وليس الانتقام. فكان الردع في حينه لا يتحقق إلا بالقصاص، العين بالعين والسن بالسن. فيكون عملا أخلاقيا وفقا لمرجعياته. فالعقل هنا يحكم بوجوب العدل ومعاقبة المجرمين فقط، لكن العقل لا يحدد ما هي طبيعة العقوبة، إلا إذا كانت تماديا يصل حد الظلم والجور، فحينئذ يكون للعقل حكم آخر هو إدانة التمادي في العقوبة. وهذا عنوان ثان، وإن كان متولدا عن الحكم الأول. وبالتالي ثمة توافق بين العقل والشريعة أن من العدل معاقبة الظالم لدرئه وحماية حقوق الناس. وسكت العقل عن تحديدها، بينما وضعت الشريعة عقوبات كانت ناظرة فيها للأعراف والتقاليد آنذاك، لذا هي متغيرة، غير ثابتة: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا). بمعنى أدق وضعت أحكاما رادعة للظلم والجريمة، بتقديرها وفقا للواقع وضروراته، فيكون الواقع عنصرا حاسما في تحديدها. الشريعة الإسلامية بل جميع الشرائع السماوية قائمة على العدل والانصاف وعدم الظلم، كما أكدته الآية المتقدمة إن الله يأمر بالعدل والانصاف، غير أن أحكامها القائمة على العدل والقسط، تراعي الواقع وضروراته. وكلما تغير الواقع ينبغي تقصي فعلية الأحكام في ضوء فعلية موضوعاتها، وهكذا دائما. فالعدالة وعدم الظلم مبادئ إنسانية، يستطيع العقل إدراكها، لا فقط إدراك حُسنها ووجوبها، لأنها ليست مفهوما مجردا غير قابل للتصور. بل يمكن من خلال السلوك العام معرفة أثارها ونتائجها. وهل يعني إمكانية حلول العقل محل الشريعة؟ وهو سؤال مهم جدا. وقد بينت آنفا أن الأحكام قائمة على العدل والانصاف وعدم الظلم والجور. ويمكن للعقل أن يشرع قوانين وأنظمة تخدمه، وستحقق كامل ملاكاتها، خاصة إذا صدرت عن شورى وخبرة قانونية واجتماعية ونفسيه وتربوية، تراعي الشعب ومصالحه ومسقبله.

قد يتبادر سؤال عن حقيقة الأحكام الشرعية وحكمة الأديان، باعتبارها وحيا إلهيا: أليست الأديان رسالة السماء، ولكل زمان ومكان، فلماذا لم تأخذ بنظر الاعتبار تطور الذوق الأخلاقي العام مستقبلا؟ لماذا لم تأخذ بنظر الاعتبار تطور الوعي البشري؟ ألا يعلم الله أن العقل البشري سيهتدي ولو بعد حين للائحة حقوق الإنسان فيستهجن بعض الأحكام الشرعية كأحكام الرق وبعض أحكام المرأة؟. أليس الدفاع عن القيم الدينية خاصة حقوق المرأة هو تعبير عن وجود مأزق أخلاقي يراد تبريره؟. كل هذه الأسئلة وغيرها مطروحة، ومطروحة عليّ شخصيا. إذ يرى بعضهم أن الإسلام كان ثورة، فكيف يخفى عليه مستقبل البشرية؟ أو أن الدين مجرد رؤية نبوية للعالم وفق مقتضيات الحكمة، وتخفون الأمر علينا؟.

لا يمكننا الهروب من الأسئلة، ومواجهتها ولو بالتنازل عن بعض التوقعات هو الحل الأمثل. أقصد أن الاعتراف ببعض الإشكالات يدفعنا لفهم الدين فهما صحيحا، لا كما هو متداول عند الناس، حيث يشعر الفقهاء ما من واقعة إلا ولله فيها حكم. وسأجيب عن هذه الأسئلة وفقا لفهمي واجتهادي وما أتبناه من رؤية مغايرة للدين. ورغم إجابتي على هذه الأسئلة إجمالا وبشكل متفرق، غير أن مقتضى الحديث يستدعي خلاصة علمية. أشرت خلال هذه المقدمات وفصلت سابقا. ثمة قيم دينية ثابتة وهي قيم إنسانية، تؤكدها آيات قرآنية محكمة فتكون حاكمة على غيرها من الآيات. وأن وراء جعل الأحكام الشرعية مصالح وملاكات ناظرة للواقع. وكان واقع الجزيرة العربية حاضرا آنذاك. وهذا يرتهن فعلية الأحكام الشرعية لفعلية موضوعاتها. المشكلة الأساسية هي إصرار الفقيه واتجاه العبودية على إطلاق آيات الأحكام، وعدم الأخذ بأسباب نزولها، وتمسكهم بأن المورد لا يخصص الوارد. ونحن لا نخالف هذا لكن المورد يكشف لنا عن مدى فعلية موضوعات الأحكام التي ترتهن لها فعليتها. فالفقيه يأخذ الحكم الشرعي كمعطى نهائي يجب تنفيذه من قبل المكلف أو يعد عاصيا وربما كافرا  وجزاؤه جهنم وبئس المهاد. عقل الفقيه مرتهن للتراث وتقليد السلف الصالح، لا يتجاوزهم في فهم الدين وآيات الكتاب المنير. وهذا يشكل خطرا على الدين قبل غيره. فبعض الأحكام والآداب الفقهية تركز على ظاهر الأحكام دون فهمٍ تاريخ للحكم وأسباب نزوله. استعرضت في كتاب التسامح استطرادا فهما جديدا لموضوع الذباحة والتسمية التي تعد موضوع ابتلاء، خاصة بالنسبة للجاليات المسلمة في الغرب، لولا أن انتشار أسواق اللحوم الحلال.  فقد قاربت مسألة التسمية بالنسبة للتذكية كما يلي، ادرجه لبيان كيف نقدم فهماً لآيات الأحكام، فهماُ يحول دون اسقاط هيبة الدين، وتوظيفه لتعزيز القيم الأخلاقية دون التسمك بظاهره، رغم أن المسألة عرضية لكنه تكشف عن وجود إمكانية في الدين يمكن تحريرها وتوظيفها لتعضيد القيم الأخلاقية. إذ قلت:  

[وحتى التسمية على الذبيحة، رغم التصريح بها قرآنيا، قد يمكن تجاوزها لو تمت قراءة الأحكام الشرعية وآياتها في إطار شرطها التاريخي، فربما كان التأكيد على التسمية لتعميق العقيدة، والمنع من ذكر اسم الأصنام على الذبائح. أي أن الذاكرة في ذلك الوقت ما زالت ملوثة بعبادة الأصنام وتقديم الهدايا والذبائح لها رغم إسلام بعضهم، لعدم نضوج العقيدة بشكل كامل في أنفسهم، لذا كان الأمر يتطلب تجذير العقيدة الإسلامية وتعميق وحدانية الله تعالى بكل الوسائل قولا وفعلا وعملا وسلوكا، في كل قضية صغيرة كانت أم كبيرة. أما اليوم فلا يتبادر إلى ذهن أحد الأصنام أو الذبح لشيء ما تقربا له. أي رغم عدم التسمية إلا أن الذبح لغير الله غير وارد راهنا بل لا يخطر على بال أحد كي يحتاج إلى تأكيد لفظي. كما أن التذكية ليست عملا عباديا يتوقف قبوله على استحضار نية القربى كالعبادات المعروفة من صلاة وصوم، وإنما هو ازهاق الروح واخراج الدم من الأوداج الأربعة، كما في تعريف الذبح، وهو حاصل بالطرق الحديثة للذباحة، سواء جرت التسمية أم لا. أي أن التسمية أمر مرتبط بموضوع ترسيخ العقيدة الصحيحة كما يراها الإسلام التي تتنافى مع التقرب أو عبادة غير الله تعالى حتى في مسألة الذبح وتقديم الهدايا، فهو حكم قد حقق أغراضه بشكل كامل. بل قد نستفاد من الآية أن التسمية تختص بالذبائح المنذورة التي تذبح آنئذ لغير الله، والتي سميت لغير الله (كما هو متعارف في العرف القبلي اليوم أن يحتجز الإنسان حيوانا لله، أو لنبي من الأنبياء، أو إمام من الأئمة أو شخص من الأشخاص، فيسميه باسمه، ويقول هذا منذور لفلان، أو هو لفلان) فأمرهم الله تعالى بذكر اسم الله عليها إذا أرادوا تخصيص ذبيحة من الذبائح لغير الله، وذكر اسم الله عليه حين ذبحها لتأكيد الأمر، حتى وصل الأمر بالآية أنها حرمت أكل الذبائح المذبوحة لغير الله. فتكون فعلية الآية حينئذ مطلقة بهذا المعنى، لأنه من القضايا المتكررة والمعمول بها لحد الآن من قبل الناس البسطاء الذين لا يميزون بين القضايا، ولا يفرقون بين الله وأوليائه. وسيكون موضوعها خصوص الحيوانات المنذورة والمسماة والمخصصه لغير الله تعالى. وستتوقف حلية أكلها على ذكر اسم الله أثناء الذبح، لمكافحة الشرك في هذه المسألة. وأما مطلق الذبح فلا يشمله الموضوع. فاذا الأشكال في تحديد موضوع الحكم والشبهة هنا، كما يقول الفقهاء موضوعية، تدور بين الذبائح المنذورة أو مطلق الذبيحة؟ أي هل الحكم في الآية يختص بالذبيحة المنذورة (الأقل) أو مطلق الذبيحة (الأكثر)؟ والأول أقرب لروح النص وضروراته وملابساته وأكثر تلاؤما مع الغاية من التسمية. (أنظر كتاب: التسامح ومنابع اللاتسامح، ط2، ص90-92).

والآن نستعرض الأحكام الشرعية في ضوء هذه المقدمات، لمعرفة حدود التعارض بينها وبين الأخلاق.

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5416 المصادف: 2021-07-04 04:53:49


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5776 المصادف: الاربعاء 29 - 06 - 2022م