حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (240): حدود الشريعة والأخلاق

majed algharbawi11خاص بالمثقف: الحلقة الأربعون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

حدود الشريعة والأخلاق

ماجد الغرباوي: ثمة أكثر من مبرر لطرح منهج بديل لاستنباط الأحكام الشرعية. منهج يضع العقل فوق النص. ويأخذ بنظر الاعتبار تاريخ وفلسفة الأحكام والتعاليم الدينية، ويقدّم الأخلاق على الأدلة الأولية للأحكام الشرعية، لتكون حاكمة عليها، كغيرها من القواعد الفقهية. ويرتكز لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته، لضمان أحكام وفتاوى لا تجافي القيم الأخلاقية الأصيلة وما اتفق عليه العقلاء حول حقوق الإنسان بعيدا عن أية دوافع أيديولوجية. بينما دأب المنهج الفقهي التقليدي على تهميش الأخلاق وعدم الاكتراث لها، وفاء لمقدماته الكلامية والأصولية، التي في مقدمتها: "أن الحُسن والقُبح شرعيان لا عقليان". وأن "الحَسن ما أمرت به الشريعة، والقبيح ما نهت عنه"، وليسا مستقلين بذاتهما، كي تكون الأخلاق حاكمة على الأدلة الأولية للأحكام الشرعية. فجواز تفخيذ الطفلة الرضيعة، يغدو بعد توسعة مفهوم الشريعة ليرادف مفهوم الرأي الفقهي، حسناً مادام مباحا شرعا، مهما كان منافيا للذوق العام والأخلاق. وزواج المرأة غير الراشدة حسن مادام مباحا، مهما كانت تداعياته ومنافاته للعدل والانصاف التي هي قيم أخلاقية أصيلة. بينما تختلف النتيجة لدى الاتجاه العقلي الذي يعتقد "أن الحُسن والقُبح عقليان"، وأنهما من مدركات العقل العملي والأخلاقي. و"الحسن حسن بذاته حكمت أو لم تحكم الشريعة بحُسنه. والقبيح قبيح بذاته، حكمت أو لم تحكم الشريعة بذلك". وحينئذٍ يقع التعارض بين الدليل العقلي القطعي الدلالة مع الدليل اللفظي الظني الدلالة، فيقدم الأول، ويتعذر على الفقيه الافتاء بما يخالف القيم الأخلاقية. فالرأي الفقهي يبقى مرتهنا لعقيدة الفقيه، وما يتبناه من مقدمات كلامية وأصولية، فالنتيجة تختلف بين من يؤمن ومن ينكر عصمة أهل البيت أو الصحابة، وكذلك تختلف النتيجة بين من يؤمن ومن لا يؤمن بحجية القياس أو الاستحسان، لذا أحيانا تختلف فتوى الفقهاء حول موضوع واحد.

ولا يخفى حجم التداعيات بناء على الرأي الأول بالنسبة للحُسن والقُبح، فهو لا يعتبر الأخلاق دليلا عقليا مستقلا، كما بالنسبة للاتجاه الثاني، فتجد المكلف يسرق أو يتجاوز بموجب فتاوى الفقهاء. يشهد لذلك تصرفات بعض المتدينين، فقد استلف أحدهم 50 ألف دولار أسترالي من البنك، وامتنع عن تسديدها، وقد صرّح أمام من أثق بنقله، أنها أموال مجهولة المالك، وفقا للفقه الشيعي، فيجوز له أخذها بعد استئذان الفقيه، وبالفعل ترك أستراليا بعد تهريب المبلغ كاملا!!!؟. ومن يحكم بكفر أهل الكتاب من الفقهاء يبيح سرقة أموالهم، كما جاء في مجموع الفتاوى لابن تيمية: (119/34): (الكفار لا يملكون مالهم ملكا شرعيا، ولا يحق لهم التصرف فيما في أيديهم، والمسلمون إذا استولوا عليها، فغنموها ملكوها شرعا، لأن الله أباح لهم الغنائم ولم يبحها لغيرهم)!!. ولا ريب في تعارض المثالين مع القيم والمبادئ الأخلاقية، غير أن الفقيه الذي أفتى بهما لا يؤمن بوجود قيم أخلاقية خارج الشريعة. والأمثلة كثيرة، خاصة مخالفة قوانين الدول التي لجأوا لها، وآوتهم، ومنحتهم حق الإقامة والعيش الكريم، باعتبارها أنظمة كافرة، لا شرعية لقوانينها. اللجوء عقد بين الطرفين، تقبلك الدولة على أن تتمسك بجميع أنظمتها وقوانينها وتدين لها بالولاء، وعدم مخالفة القوانين شرط في العقد، أو يكون باطلا. ويأثم من يأكل أموال الناس بالباطل. فتجد التحايل على القوانين أمرا شائعا من أجل تحقيق مكاسب مادية، لا فرق بين متدين وغيره. أقذرها دعوى الطلاق كذبا وزورا، وهما يعيشان تحت سقف واحد. ورغم أن القضية أخلاقية، لا فرق بين فرد وغيره إلا أن سلوك المتدين أو مدعي التدين، يثير الاستغراب، كيف يؤمن بالله ويسحق ضميره، وكيف يؤمن بالمعاد ويخون الأمانة؟. لكن الغرابة تزول عندما تعرف ثمة فتاوى تبيح له ذلك. فتاوى لا تأخذ بنظر الاعتبار الأخلاق في استنباط الحكم الشرعي. مهما كان تداعياتها وانعكاسها السلبي على سمعة الدين، والإسلام خاصة. بينما هذه الأعمال مستهجنة ومحرمة لدى فقهاء آخرين، لا يفتون بما يعارض القيم الأخلاقية.

حدود الشريعة والأخلاق

هناك فرق بين من يعتقد أن الحُسن والقُبح شرعيان، ويقصد بـ"الشرعي"، خصوص ما نصت عليه الشريعة الإسلامية في الكتاب الكريم. وبين من يمطّ مفهوم الشريعة لتشمل أقوال الأئمة والصحابة والتابعين ومن ثم كبار الفقهاء بل ومن تلاهم، وتغدو مرادفة للفقه. فلو سلّمنا جدلا أنهما شرعيان، لا عقليان، فما هو مفهوم الشريعة عندهم؟ إن مفهوم الشريعة عندهم لا يقف على حدود آيات الأحكام والتعاليم القرآنية. بل تشمل إضافة إلى مطلق سيرة النبي الكريم (قولا وفعلا وتقريرا)، وسُنة أئمة أهل البيت لدى الشيعة، وسُنة الصحابة عند السنة، وربما يضاف لها أقوال السلف والفقهاء، لقوة حضورها العلمي والفقهي. حتى بات المتأخرون من الفقهاء يترددون في مخالفة آرائهم، فضلا عن الاستشهاد بها على صحة أو نفي أقوالهم. لذا لا يجاهر الفقيه بمخالفة مشهور الفقهاء في مسألة، حتى لو استدل على رأيه بأدلة متينة خلال بحوثه الفقهية. فالرأي الفقهي الرسمي بات يتمتع بسلطة مثله مثل الرأي الكلامي في النسخة الرسمية للعقيدة. وقد عاصرت شخصيا حملة تكفير المرجع الديني اللبناني الشيعي، السيد محمد حسين فضل الله من قبل الحوزات العلمية لأنه أفتى خلافا للمشهور في مسائل تخص المرأة والشباب!!. لذا ينبغي بيان الحقيقة كاملة، ثمة فرق جوهري بين الشريعة، وهي مجموع آيات الأحكام المنصوص عليها قرآنيا، وبين النصوص الشارحة والمبيّنة لها، سُنة النبي، وبين ما تلاها من آراء اجتهادية تمثل وجهة نظر فقهية، واجتهاد يتأثر بقناعاته وقبلياته، ومبانيه الأصولية، وما تفرضه عليه مغيرات الزمان والمكان، والواقع وضروراته. وبالتالي لو وافقنا الاتجاه الأشعري أن الحَسن ما أمرت به الشريعة. والقبيح ما نهت عنه. فنشترط، إضافة لثبوت فعليته، اقتصار مفهوم الشريعة على ما ورد في الكتاب الكريم من أحكام شرعية، وعدم ثبوت جعل ولاية تشريعية لأي شخص بما فيهم الأنبياء: (وَيَسْتَفْتُونَكَ ... قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ). وقد مرّ الكلام ويأتي التفصيل أن الأحكام الأخلاقية في القرآن أحكام إرشادية لحكم العقل بحسن العدل وقبح الظلم. وهذا يكفي دليلا على حجية الأخلاق كحكم عقلي قطعي الدلالة، يتقدم دائما على الأدلة اللفظية المظنونة، ويعارض كل حكم وفتوى تتعارض مع القيم الأخلاقية. وقد سبق بيان الفرق بين مختلف الأحكام في الكتاب ولا نعيد. غير أن مفهوم الشريعة لدى اتجاه العبودية أعم من آيات الأحكام ليشمل السنة النبوية وغيرها، بل يقصد به اليوم آراء الفقهاء. فالحسن حينئذٍ ما أمرت به الشريعة بالمعنى الأعم من السُنة وآراء الفقهاء. وبهذا تفقد القيمة الأخلاقية ثباتها الذي يوفره لها العقل، فإن أحكام العقل ثابتة وشاملة لا تخصص. والحسن حسن بذاته بعيدا عن الشريعة وكذلك القبيح فإنه قبيح بذاته، غير أن اتجاه العبودية يرتهن الأخلاق للشريعة فتفقد ثباتها بل وترتهن لرأي الفقيه الاجتهادي الذي هو رأي بشري مرتهن لقبلياته وأيديولوجيته وثقافته وعقيدته. وهذا مكمن الخطر. فالحسن والقبح يدوران مدار فتاواه وأحكامه، التي تتغير من فقيه لآخر، بل وحتى لدى الفقيه الواحد. وحينئذٍ تنتفي المرجعية الأخلاقية المستقلة التي يمكننا محاكمة فتاوى الفقهاء في ضوئها، حتى في أخطر القضايا. وبهذا الشكل يسلب الفقيه المعارضة حق الاعتراض والنقد والمراجعة، لأن الاعتراض عليه سيكون اعتراضا على الله وشريعته، والحقيقة التي يتستر عليها الاتجاه العبودي أن رأي الفقيه يمثل فهمه للشريعة، وليس هو الشريعة. غير أن نبرة الفقيه أعلى بفعل مقامه الاجتماعي، فيقمع كل رأي معارض، وهو يحتاج بنصوص ثانوية!!!.

وأما سُنة النبي فهي امتداد للكتاب مادامت شارحة ومبينة، والقرآن أصل في حالات التعارض. غير أن للنبي بصفته مثلا أعلى للأخلاق خصوصية، تجعل منه نموذجا للأخلاق الإنسانية والدينية: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍۢ). فيكون ملهما لها وقدوة للآخرين. غير أن هذه الصفة لا تدل على ارتهان الأخلاق للشريعة. الأخلاق الأصيلة قيم إنسانية مستقلة، ومن مدركات العقل العملي، لا يُختلف حولها، رغم إمكانية الالتفاف عليها أو تبريرها. فالظلم أو القتل قبيح بذاته، والقاتل يعترف بذلك في قرارة نفسه، غير أنه يبرر جريمة القتل. والنبي محمد بن عبد الله كان معروفا بأخلاقه الحميدة قبل البعثه، فامتدح القرآن أخلاقه بعدها. فالمدار إذاً وفقا للاتجاه العقلي، على الشريعة، وخصوص ما نص الكتابه عليه، وتقتصر حجية السنة على ما له جذر قرآني، وما عداهما آراء اجتهادية ووجهات نظر فقهية، لا حجية لها، ولا تمثل رأي الشريعة بالضرورة، بل تجد الاختلاف ديدن الفقهاء حول فهم بعض آيات الأحكام كآية الوضوء وتفصيلاتها. بل أن الدوافع الأيديولوجية ومطية التعبد كانت وراء ما حاق بالشريعة والدين، حتى غدت مهمة الفقيه شرعنة سلوك السلطان، وتبرير سياسة الاستبداد والقمع والتعسف. إن تجاه العبودية يتجنى على الدين عندما يرتهن الأخلاق للشريعة، فيغدو سفك الدماء حسنا، مادام قد صدر عن فتوى فقهية. وهذا معنى شرعنة الفقيه لسلوك السلطان. أي منح السلوك المخالف للقيم الأخلاقية صفة الشرعية.

الارتداد والأخلاق

لا تجد أية مؤاخذة دنيوية على الارتداد، واكتفت الآيات بتأكيد العقوبة الأخروية، غير أن الرأي الفقهي قائم على وجوب قتل المرتد، تلك الفرية على القرآن التي بسبب سفكت دماء غزيرة، تقع مسؤوليتها على فقهاء السلطة قبل السلطان وأعوانه. أما آيات الكتاب فهي:

- (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ). والآية صريحة لا توجد أية عقوبة دنيوية.

- (مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ). وهذه كسابقاتها.

- (إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًۢا). وهذه الآية تحسم مسألة الردة قضائيا، فقد تخلل الايمان ارتداد لكن لم يعاقب عليه.

فلا عقوبة دنيوية على الارتداد بموجب الآيات أعلاه، وبناء على اختصاص التشريع بالله تعالى، وثمة آيات تعزز حرية الاعتقاد: (لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ)، (وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ). لكن رغم ذلك انعقد الاجماع المدركي على وجوب قتل المرتد، بناء على روية عن الرسول، قال فيها: (مَنْ بدَّل دينه فاقتلوه). ولا مراء أن الرواية صريحة، ومطلقة، شاملة لكل من يرتد عن دينه، فيمكن للفقيه الاستدلال بها على وجوب قتل المرتد، على فرض صحة صدورها وتمام حجيتها، وفقا لمبانيه في الجرح والتعديل. لكن هل هذا المقدار يكفي للاستدلال بالرواية على وجوب قتل المرتد؟.

إن وجود رواية وإن كانت تامة سنداً ومتناً لا تكفي للاستدلال على وجوب قتل المرتد مطلقا، بل ينبغي دراسة تاريخ الرواية، ودوافعها، وأسباب صدورها، إذ لا يمكن للرسول مخالفة الكتاب، وآياته صريحة بعدم وجود مؤاخذة دنيوية على الارتداد. وتكرر الكفر في الآية الأخيرة ولم يقتل المرتد، بل عاد وآمن ثم  كفر. إذاً فكيف تفسر الرواية وفقا للاتجاه العقلي / فقه الشريعة؟. نقول: إن التشريع مختص بالله تعالى، ولا ولاية تشريعية للنبي بدليل قرآني صريح. وبالتالي فالرواية مع فرض تماميتها وصحة صدورها، تكون قد صدرت في ظل ظروف خاصة بالدعوة وأيام ضعفها. فكان الارتداد العلني يربك المؤمنين، فربما اتخذ الرسول قرارا بقتل أحد المرتدين لخصوصية ما، ويكون حكمه في هذه الحالة حكما ولائيا، بما أنه ولي المؤمنين، ومسؤول عن أمنهم القومي خاصة في بداية الدعوة الإسلامية، والأحكام الولائية لا حجية لها بعد وفاة الولي. وأساسا شروط صحة الروايات عندنا صعبة للغاية وتكاد تكون تعجيزية، فلا يمكن ثبوت صحة صدورها. لكن اتجاه العبودية قال بحجيتها وحكم بقتل المرتد، فكان القتل سيفا بتارا بيد فقهاء السلطة لقطع وتين المعارضين والمناوئين لها، خاصة مع التلاعب في مفهوم المرتد ليشمل كل من تمرد ضدها، أو تحفظ على سلوكها علناً. بل وصدرت عنهم أحكام تعسفية تحت هذا العنوان، أقرأ للغزالي ماذا يقول حول المرتد في كتابه: فضائح الباطنية: (الْفَصْل الثَّانِي فِي أَحْكَام من قضى بِكُفْرِهِ مِنْهُم، وهو مجرد نموذج، ولا يختلف الفقهاء حول قتل المرتد:

وَالْقَوْل الْوَجِيز فِيهِ أَنه يسْلك مَسْلَك الْمُرْتَدين فِي النّظر فِي الدَّم وَالْمَال وَالنِّكَاح والذبيحة ونفوذالأقضية وَقَضَاء الْعِبَادَات أما الْأَرْوَاح فَلَا يسْلك بهم مَسْلَك الْكَافِر الْأَصْلِيّ إِذْ يتَخَيَّر الإِمَام فِي الْكَافِر الْأَصْلِيّ بَين أَربع خِصَال بَين الْمَنّ وَالْفِدَاء والاسترقاق وَالْقَتْل وَلَا يتَخَيَّر فِي حق الْمُرْتَد بل لَا سَبِيل إِلَى استرقاقهم وَلَا إِلَى قبُول الْجِزْيَة مِنْهُم وَلَا إِلَى الْمَنّ وَالْفِدَاء وَإِنَّمَا الْوَاجِب قَتلهمْ وتطهير وَجه الأَرْض مِنْهُم هَذَا حكم الَّذين يحكم بكفرهم من الباطنية وَلَيْسَ يخْتَص جَوَاز قَتلهمْ وَلَا وُجُوبه بِحَالَة قِتَالهمْ بل نغتالهم ونسفك دِمَاءَهُمْ فَإِنَّهُم مهما اشتغلوا بِالْقِتَالِ جَازَ قَتلهمْ وَأَن كَانُوا من الْفرْقَة الأولى الَّتِي لم يحكم فيهم بالْكفْر وَهُوَ أَنهم عِنْد الْقِتَال يلتحقون بِأَهْل الْبَغي والباغي يقتل مَا دَامَ مُقبلا على الْقِتَال وأنكان مُسلما إِلَّا أَنه إِذا أدبر وَولى لم يتبع مدبرهم وَلم يُوقف على جريحهم أما من حكمنَا بكفرهم فَلَا يتَوَقَّف فِي قَتلهمْ إِلَى تظاهرهم بِالْقِتَالِ وتظاهرهم على النضال.

فان قيل هَل يقتل صبيانهم وَنِسَاؤُهُمْ قُلْنَا أما الصّبيان فَلَا فَإِنَّهُ لَا يُؤَاخذ الصَّبِي وَسَيَأْتِي حكمهم وَأما النسوان فَإنَّا نقتلهم مهما صرحن بالاعتقاد الَّذِي هُوَ كفر على مُقْتَضى مَا قَرَّرْنَاهُ فَإِن الْمُرْتَدَّة مقتولة عندنَا بِعُمُوم قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ نعم للْإِمَام أَن يتبع فِيهِ مُوجب اجْتِهَاده فَإِن رأى أَن يسْلك فيهم مَسْلَك أبي حنيفَة ويكف عَن قتل النِّسَاء فَالْمَسْأَلَة فِي مَحل الِاجْتِهَاد وَمهما بلغ صبيانهم عرضنَا).

العقيدة قناعة قلبية، سواء حكمت على المرتد بالقتل أو لم تحكم، لا يتغير شيء، ويبقى على عقيدته وقناعته، وهل حقا تهتز عقيدة المسلمين لمجرد ارتداد بعض الأفراد؟

بهذا يتضح الفارق النوعي بين الاتجاهين العبودي والعقلي وحجم ما يترتب على الأحكام من تداعيات أخلاقية وظلم وجور خاصة مع توسعة مفهوم الارتداد ليشمل حرية الرأي والتعبير إضافة إلى حرية الاعتقاد. لكن الفقيه دائما لديه ما يحتج به، فما هي حقيقة أدلته؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5554 المصادف: 2021-11-19 01:59:06


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5870 المصادف: السبت 01 - 10 - 2022م