 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (244): الاصطفاء والأخلاق

majed al gharbawiخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والأربعون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

المتخيل الديني

ماجد الغرباوي: لا يحتاج الباحث سوى تجرّد وموضوعية فعلية، ليخلص أن صراع السلطة كان وراء الأحداث التاريخية الكبرى. وكان وراء مشاعر الكراهية والتنابذ والاقصاء وظهور الفتن والاقتتال، حتى تلاشت إلفة المسلمين ووحدة قلوبهم، ومصداقها حروب الصحابة في عهد خلافة علي بن أبي طالب. ثم انعكس الصراع على مجمل النتاج الفكري والعقدي، منذ بداية الدولة الأموية. ودفع باتجاه وضع أحاديث وروايات كثيرة، لمراكمة رصيد رمزي يتولى شرعنة الموقف السياسي. وظهرت مذاهب وفِرق تآكلت مع مرور الوقت. وهذا يكفي مبررا لتحري صدقية العقائد وظروف نشأتها، كمسؤولية أخلاقية، للتحقق من صدقيتها، وانتشال الوعي بعد تقويم مساره الأخلاقي والديني، وبيان الحقيقة لتفادي الانقياد السلبي للعقل الجمعي. رغم تبعات المقاربة النقدية للعقائد، كفعل استفزازي، يورث الكراهية حدَ التنمّر وربما ارتكاب حماقات أكبر. وقد يلام من يتصدى للنقد والمراجعة باعتباره عملا عبثيا، لا طائل منه، بعد رسوخها نفسيا، سوى إثارة حفيظة العامة، وتأليب الجاهلين ضده. بيد أنهم ينسون أن العقيدة مسؤولية، لا مجرد رؤية كونية للعالم والحياة والموت وما بعده. وأنْ التأكد من صدقيتها يجنب أتباعها تداعيات الاندفاع العاطفي في المواقف السياسية. خاصة المؤمن المتدين الذي يدين لله بعقيدة ما. والعقيدة مسؤولية بصريح القرآن: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ)، التي جاءت في سياق استعراض عقائد المُنكرين. ليكون المؤمن على بينة من أمره: و(لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ). ومسؤوليتها مسؤولية شخصية، لا تقليد فيها كما يؤكد الفقهاء في كتبهم الفقهية، رغم إقصائهم للمختلف عملا وإفتاءً. وبالتالي إذا لم يكن النقد العقدي مهمة أخلاقية فهو مهمة دينية، وتكليف شرعي كفائي، لحماية العقيدة الدينية من مواربات العقائد الوضعية، والتي حذرت منها الآيات لخطورتها، وقد اعتبرتها تقوّل على الله، بل أن وظيفة الرسول أولاً تصحيح العقائد وتهذيب المعتقدات، فالقراءة النقدية لها رسالة ومسؤولية تناظر مهمام الأنبياء.

- (وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)

- (قَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ ... أَتقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)؟.

ثم تحذّر الآيات بشدة، وتعتبر زيف العقيدة من عمل الشيطان:

(وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).

(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ). فهي عمل محرّم إلا أن العقائد المنحولة تتناسل على هامش العقيدة، تدعي الأصالة والثباتز ومازالت، وستبقى ما لم يتصدَ الباحثون بأمانة علمية وإخلاص، لممارسة النقد، وبيان نشأة تلك العقائد الدخيلة، بدوافع نزيهة مجردة وموضوعية لبيان الحقائق ووضعها بين أيدي الناس، لاتخاذ الموقف الصحيح إزاءها، وعدم الانجرار وراء إيحاءات العقائد المزيفة وما تمليه من مواقف لا أخلاقية أحيانا. كما أن نقد العقائد وفرز البشري عن الإلهي منها، يساهم في ترشيد الوعي، وتصحيح مساره، رغم صعوبة المهمة أحيانا، وهو عمل أخلاقي جليل.

المهمة الأصعب

ثمة من ينفي تاريخية العقائد ويعدها معطى نهائيا، تتعالى على النقد والمراجعة، وينسى هؤلاء أنها عقائد موروثة، ساهم الخطاب الأيديولوجي في ترسيخها، وتبرير مقولاتها الكلامية من خلال توظيف التراث، وتأويل النصوص. ويكفي نسبتها للغيب في ترسيخ الإيمان بها. سيما أن الإيمان العقدي بشكل عام، إيمان نفسي، يرسو من خلال بيئته وثقافته، وتفاعله مع طقوسها وأجوائها الروحية. ثم يستميت في الدفاع عنها، ويرفض المساس بقدسيتها. وهو لا يعلم أو لا يريد أن يعلم أن لكل عقيدة بداية ونشأة ثم تتطور قد تقاوم التحديات وتبقى وقد تخبو وتندثر. ويكفي مراجعة كتب الفِرق والمذاهب للاطلاع على نشأة كل عقيدة ومسار تطورها، وسيقف بنفسه على عدد العقائد التي ماتت واندثرت. إن تحري تاريخية العقائد الدينية للكشف عن دوافعها السياسية مثلا، لا يمثّل موقفا سلبيا منها، بل الغاية أخلاقية للكشف عن بشريتها، والحد من تداعياتها على مستوى المواقف الحياتية، خاصة الموقف من الآخر المختلف دينيا، وتصحيح مسار الوعي. وأما على الصعيد الديني فالمسألة أكثر إلحاحا، مادامت العقيدة تحتكر الحقيقة وطرق الخلاص، وعلى أساسها تنفي الآخر وتنبذه، فما يترتب على العقيدة الدينية أخطر بكثير مما يترتب على غيرها من عقائد، وتداعياتها أسوأ، عندما تفرض محدداتها وسلطتها. فكم من زيف وكذب تمارسه العقيدة عندما تتخذ من الدين وسيلة لتسويق شعاراتها ووعودها، مهما كانت زائفة. وسبق أن قاربت بعض المعتقدات في كتبي، تمخضت عن اكتشاف حقائق كانت متوارية عن الوعي الديني، مما شجعني على مواصلة قراءاتي النقدية، واستدعاء كل ما له علاقة بالموضوع خلال البحث والتنقيب.

 أفهم أن نقد العقائد بعد ألف عام أو يزيد من نشأتها ومن ثم تطورها أكسبتها قدسية لا تسمح بنقدها، غير أن مهمة الباحث تحري الحقيقة، مهما طال الزمن سيما العقائد المؤثرة، والتي قد تنقلب باكتشاف بشريتها سلسلة حقائق مرتبطة بها. فالنقد على هذا الصعيد مهمة مقدسة، ما برح نقدا موضوعيا، مجردا عن أية مسلمات قبلية، هدفه تحري الحقيقة وانتشال الوعي وسيادة القيم الأخلاقية والإنسانية، واستعادة العقل وعدم الاستسلام لأوهام الحقيقة، فينبغي حضور السؤال الفلسفي بقوة عند مقاربتها ونقدها.

الاصطفاء والأخلاق

سأختبر قدرة النقد لتحري الدافع السياسي وراء تطور مفهوم الاصطفاء، من خلال منهج تأملي، لا يكف عن طرح الأسئلة ورسم علامات الاستفهام، واستنطاق النصوص، للكشف عن مضمراتها وتواري دلالاتها. وهو أول مفهوم سجل حضوره على الصعيدين الديني والسياسي، عندما ادعت قريش إصطفاءها للسلطة من دون الناس جميعا، فأسست بذلك وعيا سياسيا طبقيا يراهن على  فاعلية القيم القبلية. وهذا دفعني للبحث عن دور السياسة في بلورة مفهوم الاصطفاء بالمعنى الديني، الذي تولت المعارضة المتمثلة بالحزب العلوي، وخصوص الشيعة، وإعادة بنائه على أسس دينية، ليكون رهانا قويا يؤكد أحقيتها في السلطة، ويسلب الخلافة شرعيتها. فالنقطة المهمة أن الاصطفاء كان أول مفهوم تم توظيفه سياسيا، وقد نجح في تحقيق مهمته نجاحا باهرا، امتد بامتداد شرط القريشية في الحكم، على مدى التاريخ. فكيف تتخلى عنه المعارضة في صراع السلطة، مع مرونته التي يمكن تطويعها لخدمة أهدافها ومصالحها؟.

والسؤال: ما هو دور السياسة في نشأة وتطور مفهوم الاصطفاء تاريخيا بدءا من النصف الثاني من القرن الأول الهجري؟. والكلام عن المفهوم بالمعنى الاصطلاحي، وليس المعنى اللغوي.

ومبرر السؤال حجم التداعيات وما يترتب على المفهوم من حقوق وواجبات عندما ينتسب في شرعيته للدين. وهذا يستدعي فرز الإلهي عن البشري، وفق ضابطة عقلية، تنأى عن التحيّز الأيديولوجي، أو لا يمكن مقاربة الحقيقة مع كثافة التراث، على مستوى المقولات الكلامية والأدلة النقلية التي تعتبر حجة وفق شروطهم المذهبية. وما لم تكن الضابطة عقلية، يبقى الإيمان أكثر رسوخا وفاعلية. وهو ما قمت به فعلا في كتاب: مضمرات العقل الفقهي.

الاصطفاء لغة يعني الاختيار. وهو معنى بسيط ووضاح. بيد أن دلالته الاصطلاحية تحيل على مضمرات تستبطن التفوق، حداً يصدق أنه فكرة استعلائية، ترسّخ مبدأ التفاوت الطبقي على أساس عرقي: دم نقي مبجّل، ودم ملوّث منبوذ، يستدعي الوصايا والقيمومة. الأول محاط بعناية غيبية، مخلوق للسيادة والحكم والقيادة، والثاني يعاني روح التبعية والانقياد، تنأى طبيعته البشرية عن مسؤولية القرار، فهو مخلوق أدنى من الناحية الاعتبارية بل وحتى التكوينية. وليس الفارق بينهما شكليا، رغم وحدة العنصر البشري، بل ثمة فارق جوهري، وماهية مختلفة، الأولى طبيعة متسامية، وطينة مغايرة كما في روايات تراث المسلمين. طبيعة صالحة لتلقي أنفاس الآلهة ورعاية السماء. هي جوهر روحاني، ونور إلهي مغاير في خلقه: (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ). فالآية تؤكد التلازم بين الاصطفاء والتمايز الوجودي، وهذا مكمن الخطر في إدعائه. وغوايته أكبر عندما يسوق الدين لصالح السلطة، تحت غطاء القداسة والاصطفاء. فالمفهوم موحٍ بشرعية التفوق، وإقرار التمايز العنصري، باعتباره تمايزا أنطلوجيا. وإقرار شرعية التمايز، حتى مع انتفاء الأدلة، بيد أن المتبادر من المفهوم هذا، وليس اختيارا مجردا. بل اختيارا مع إضافة نوعية هي مصدر مشروعيته. فثمة فرق عندما تقول اخترت فردا من بين الأفراد، وتقول: اصطفيتك من بينهم!!. الصيغة الأولى لا توحي بدلالة أكثر من الاختيار لا على التعيين، بينما الثانية تدل على وجود ما يبرر الاصطفاء. فالمفهوم بطيبيته تضمر التفوق ومبرراته، وهذا ما يوحي به، فترى جواب العامة جاهزا للرد على أي اعتراض، بعبارة مألوفة تخرس المقابل حينما يقول: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ). أو (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ)، وهي مواربة يخبو معها الوعي الرث، ويلتقطها الوعي المستنير بسهولة. فأول الكلام نسبة الاصطفاء لله الذي لا يمكن إثباته إلا بدليل قرآني صريح. مفقود بالضرورة، فكيف يُمنح المصطفى صلاحيات مفتوحة قبل إثبات منصبه الإلهي؟.

فالمتبادر من المفهوم إذاً، أنه اختيار نوعي وفقا لمبدأ مقدس، معترف به اجتماعيا، كالمجتمعات التي تقدس طبقة معينة من الناس بدعوى دينية أو عرقية أو غيرهما. وقد يتبادر من اللفظ خصوص الاصطفاء الإلهي: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ). بكامل ثقله الرمزي، وإيحاءاته القدسية التي تجد أصداءها في نفوس أدمنت التقديس والانقياد ومطلق الطاعة للمقدس. تساوي بين طاعة الله وطاعة المصطفى، بغض النظر عن صدقيته، والسبب أن رمزية المفهوم وقوة أصدائه لا يحرضان على طرح سؤال الحقيقة، ويكتفيان بالتسليم دون المراجعة والاستفهام، ويؤثران الاستسلام على المساءلة وتحريض العقل النقدي.

والحقيقة أن كل هذا لا يمنع من مقاربة المفهوم نقديا، خاصة مع وجود ضابطة عقلية. كالضابطة التي نقحتها خلال مقاربة المفهوم في كتاب مضمرات العقل الفقهي، الذي تناولت فيه خصوص الاصطفاء الإلهي، لقوة دلالته، وخطورة ملازماته. حداً يمكنك التحرش بالاصطفاء الاجتماعي والسياسي وتحري جذره البشري، ومرجعيته الاجتماعية والثقافية، والتحرش بكثير من المقدسات، غير أن الموضوع مع الاصطفاء الإلهي مختلف، يستدعي التريث والروية، وضبط البحث وفق خطوات ومبادئ علمية، لتفادي أي استفزاز يؤاخذ على الباحث ويفقده موضوعيته، ويعرضه لما هو أسوأ.

أما ضابطة الاصطفاء الإلهي، فهي:

الأصل عدم اصطفاء أي فرد من البشرية اصطفاء إلهيا، وهذا أصل عقلي مطلق لا يخصص. ولا يمكن رفع اليد عنه إلا بدليل قرآني صريح بخصوصه، كما في اصفطاء مريم والأنبياء. وقد استشهدت هناك باصطفاء هارون. فرغم أن موسى كليم الله، ونبي مرسل، لكنه يعرف أن الاصطفاء منصب إلهي، وجعله محصورا بالله دون غيره، ولا يثبت إلا بنص صريح، لذا ذهب إلى ربه وعرض عليه مطلبه، فاستجاب له بعد أن جعل هارون نبيا ومن ثم رسولا. فهو منصب إلهي خاص بالرسل والأنبياء، ولا شرعية لأي اصطفاء يفتقر للدليل القرآني الصريح بخصوصه. وأما لماذا دليل قرآني بخصوصه؟. فلأنه منصب إلهي، وجعله يحتاج إلى دليل صريح يورث العلم واليقين نرفع به اليد عن الأصل العقلي بحدوده، وهذا لا يعتبر تخصيصا بل يكشف عن وجود دليل يتعذر علينا إدراكه. وبالتالي فجميع الروايات لا تنفع، مادامت روايات آحاد، بل حتى المتواتر منها لا يفي بالمطلوب لاختصاص الجعل بالله تعالى. والكلام مفصّلا في الكتاب المذكور.

أما موضوع البحث هنا فيقتصر على تحري الجذر السياسي للاصطفاء.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5587 المصادف: 2021-12-22 04:50:10


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5779 المصادف: السبت 02 - 07 - 2022م