حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (258): الأخلاق وتداعيات الترهيب

خاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والخمسون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق، ويجب على سؤال الأستاذ الدكتور أحمد حمادي:

س522: د. احمد حمادي، أكاديمي / ألمانيا:

(... فمكث القلق المصيري بفعل الخوف والترقب والريبة، وربما تفاقم في ظل الدين الجديد بعد أن واجه المسلمون رعباً رمزياً، بفعل خطابات الترهيب في الكتاب، وحجم الوعيد يوم الحساب، الذي انعكس سلباً على الأبعاد الإنسانية في الخطابات القرآنية..)(الحلقة: 56 من الحوار المفتوح).

المثقف الكبير والباحث القدير الأستاذ ماجد الغرباوي المحترم.. بعد التحية، أحببت أن أستوضح منكم، هل مافهمتُه من المقتبس أعلاه صحيح، أم أن فهمي كان خاطئاً وذهب بعيداً عما تريده؟

وهو أن المشكلة مع الدين الجديد مشكلة بنيوية تتعلق بخطابه الذي فاقم القلق المصيري، بصناعته رعباً رمزياً جديداً، بفعل خطابات الترهيب في الكتاب، وحجم الوعيد يوم الحساب. أي أن الخطاب القرآني انعكس سلباً على الأبعاد الإنسانية، كما يأتي نصاً في قولك .

هل المشكلة بنيوية تتعلق بالخطاب الجديد والرؤية الجديدة التي حملها الدين الجديد؟ أم أنها تتعلق بالتأويل الذي مورس اتجاه هذا الخطاب وبالتطبيق السياسي والفقهي الذي حصل تحت ظل هذا الخطاب؟

أعتقد أنك تقدم رؤية مغايرةً ومختلفة جداً ونحتاج إلى استيعابها الكثير من التوضيح والتعليل والبيان لكي نفهم كيف لهذا الكتاب الذي حمل كل هذا الرعب الرمزي، أن يزعم أنه جاء لتحرير الإنسان وانقاذه من الخوف والتسلط !

إن كان الأمر يتعلق ببنية الخطاب وأنها أنتجت هذا الرعب الرمزي بفعل خطابات الترهيب في الكتاب (آيات القرآن)، فالأمر يحتاج إلى اعادة النظر في هذا الخطاب نفسه وممارسة عملية حذف وتبديل ونسخٍ للآيات التي حملت الترهيب.

وإن كان الأمر يتعلق بتأويل الكتاب وتطبيقاته فالأمر يحتاج إلى إعادة النظر في آليات الفهم والتأويل وحدود التطبيق وأهلية من يقوم بذلك، وهذا ما يقوم به المفكرون من أمثالكم. فأي الأمرين تعنيه:

أن بنية الخطاب تحمل رعباً رمزياً بفعل آيات الترهيب التي أثرت سلباً على الإبعاد الإنسانية في الخطابات القرآنية؟

أم أنك تعني أن التأويل الذي مورس تجاه هذا الخطاب كان يأتي تحت غايات سياسية ومصلحية انحرفت بتأويل الأبعاد الأنسانية في الخطاب مستثمرةً آيات الترهيب والوعيد بيوم الحساب، لغاياتها ولاستعباد الناس لسلطتها؟

اعذر أيها المثقف الكبير والأستاذ القدير الذي نتعلم على يديه فهم الخطاب وكيفية تحليله، لكن الفكرة كانت صادمة وقوية الوقع. تحياتي وتقديري استاذنا الكبير

ج 522: ماجد الغرباوي: الأخ الأستاذ الدكتور أحمد حمادي، شكراً لقراءتك البحث وتفاعلك وتعليقك الذي أسعدني. مداخلة قيمة، وإشكال جدير حول بنية النص ودلالاته، وما يترتب على تأويله. أهلاً وسهلاً بك دائماً.

جاء استفهامك: (كيف لهذا الكتاب {القرآن}الذي حمل كل هذا الرعب الرمزي، أن يزعم أنه جاء لتحرير الإنسان وإنقاذه من الخوف والتسلط؟!)، تعقيبا على قول الباحث: (إن بنية الخطاب تحمل رعباً رمزياً بفعل آيات الترهيب التي أثّرت سلباً على الأبعاد الإنسانية في الخطابات القرآنية؟). فالاستفهام كان عن صدقية تحرير الإنسان وإنقاذه من الخوف والتسلط والكتاب يحمل كل هذا الرعب الرمزي!!. كيف يروم تحرير الإنسان وانقاذه من الخوف، وهو يحمل خطاباً ترهيبيا تسلطياً؟. وبشكل أدق، يلزم من صدقية الكلام الشك في مصداقية (لا إكراه في الدين)، (فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ). وهي مسألة شائكة، تستدعي تحري حيثياتها:

- هل المشكلة بنيوية أم تأويلية؟.

- السؤال عن سياقات ودلالات خطابات الترهيب. وهل حقاً أثّر على البعد الإنساني في الكتاب؟

- السؤال عن ضرورات النبرة المرتفعة لخطابات الترهيب.

- السؤال عن عدالة العقوبات الأخروية في خطابات الترهيب.

- ما هي صدقية آيات الهداية: (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ)، (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) في ظل خطاب الترهيب؟.

يمتاز القرآن الكريم بمرونة نصوصه، وثرائه الدلالي. يُغري باستنطاقه، وتأويله للكشف عن أنساقه المضمرة، وما يريد قوله واستبعاده. والأسئلة، بشتى أنواعها لا تتعارض مع قداسته، بعد أن قدمتُ معنى جديداً لمفهومها، يضمن عدم وقوع النص في فخ الدوغمائية والجمود الدلالي. وقد سبق الكلام عن الموضوع تفصيلاً، وبينتُ ما يكفي من أدلة وشواهد أن (مفهوم القداسة يعني خصوبة النص وثرائه وعمقه وإمكانية كبيرة لتأويله، والبحث في أعماقه، للكشف عن مضمراته، وما يريد قوله أو يستبعده، مادام النص وليس الوحي منتجاً ثقافياً، موجهاً لنا. يخاطب عقولنا لمعرفة دلالاته والالتزام بتعاليمه. وأما التعبّد المحض فيلغي إرادة الفرد، ويتنافى مع الاختيار الذي هو شرط مسؤولية المكلف عن أعماله. أما معنى القداسة في الرأي المتداول فتعني دوغمائية مطلقة، وجموداً على حرفية النص. فالفارق في فهم معنى القداسة هو ذات الفارق بين اتجاه العبودية واتجاه خلافة الإنسان). بل و(يمكن تناول النص بمعزل عن مؤلفه، لاكتشاف إيحاءاته ومضمراته، وما يبدي ويخفي من دلالات، وإحالات مرجعية، مهما تعالى)، (كتاب النص وسؤال الحقيقية، ص15).

الترغيب والترهيب أسلوب دعوي بارز في القرآن الكريم. يعتمد على عنصري الثواب والعقاب، لتحقيق مقاصد الخطاب. فيعد من يؤمن بالله واليوم الآخر ويعمل صالحا بالنعيم، ويحذّره من عذاب أليم إذا كفر أو أشرك وتمادى في غيه وفساده. وقد استأثرت آيات المعاد بثلث الكتاب تقريباً، وكانت بلا هواده تطارد خصوم الدين. قد يكون الأمر طبيعيا بالنسبة للأديان، خصوصاً دعوته للإيمان بالغيب وبمقولات تجريدية وميتافيزيقية، لا حقيقة لها خارج النص والأفق المعرفي للمتلقي، فيختلف تمثّلها باختلاف قبلياته وخصوبة خياله. فخطابات الترغيب والترهيب تساعد على تشكيل قناعة نفسية وهو ما يقصده الخطاب. غير أن استفهام الباحث يقف على أعتاب المبالغة، التي قد تتعدى حدود العدالة، حينما يكون الخلود بالنار جزاء عمل ما، مهما كان نوعه ومقداره. فالكلام ليس عن ذات خطابات الترهيب بل عن حدة الخطاب، ومدى تداعياتها على الأبعاد الإنسانية للكتاب، ما هي مبرراتها؟. وسبق أن استشهدت بمجموعة آيات وأضيف ما يؤكد كلامنا: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ). وهذا مشهد أولي ليوم الحساب، ثم تستوقف المتلقي تفصيلات العقاب: ما قيمة الإنسان، وما شأنه أمام الخالق العظيم كي يُخلّد بالنار؟. لكل عقوبة أمد، مهما كانت، وأقصاها القصاص، فلماذا الخلود بالنار؟ هكذا تُطرح الأسئلة التي طالت مفهوم النبوة والوحي. هل القرآن وحي، نص ومعنى؟ أم اقتصر الوحي على المعنى دون النص الذي هو لغة بشرية؟. وهي أسئلة مشروعة وفقاً لنصوص الكتاب وليس من خارجه. أقرأ ما ذكرته مسبقاً من مشاهد يوم الحساب: (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ، لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ، لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ، عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ، وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً)،... (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ، ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ، إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ، وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ، لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِؤُونَ). (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا). وهذه مجرد أمثلة. جميعها يقصد الترغيب والترهيب، موضوعها: (الإيمان / الكفر). (التوحيد / الشرك). (الخير / الشر) أو العمل الصالح وضده النوعي، وجميعها مبرر لهذا النوع من الخطاب. وأتفهم تحديات الفكرة الميتافيزيقية في مجتمع الجزيرة العربية. ما كادوا يؤمنون لولا العقل الجمعي ودخولهم في دين الله أفواجاً في عام الفتح. والكلام حول تداعياته على البعد الإنساني في الكتاب. أي تداعيات مبالغات الخطاب. أما القدر المعقول فضرورة لترسيخ الإيمان، وخلق وازع التقوى، والحث على العمل الصالح، واجتناب المعاصي والموبقات من أجل مجتمع مسالم، يبعث على الأمن والاطمئنان.

بشكل أدق أن حركة الرسالة ومقاصد الدين تتوقف على الإيمان بالغيب، ويوم الحساب أهم مصاديقه. غير أن تعذّر الاستدلال على المقولات الميتافيزيقية والغيبية، اضطر النص القرآني إلى تقريبها من خلال نماذج حياتية، يعيشها الإنسان يوميا، كالنار، والعذاب. وأما حقيقة ما وراء الموت فكل شيء عصي على الإدراك. لذا ليس ثمة دليل سوى الإيمان، فيصدق أنه إيمان نفسي، هش، قد يتلاشى باهتزازه، لولا الرفد الروحي للممارسات العبادية والشعائر الدينية. وحينئذٍ ليس أمام الخطاب القرآني سوى الوعد والوعيد. الترغيب والترهيب، لخلق أجواء نفسية تذعن للإيمان بالغيب مطلقاً، وباليوم الآخر، ويوم الحساب خاصة. وفي ذات الوقت تخلق وازعاً للتقوى والخوف من عواقب الأمور. وهذا مفهوم بحد ذاته.

تداعيات الخطاب

لقد كان القرآن مذهلاً في تصويره مشاهد يوم القيامة، تجعل القارئ يهتز لهول المشهد، من خلال تلاحق صوره البلاغية، وتوظيفه لجميع أدوات البلاغة: تشبيه، استعارة، مجاز، كناية، بديع، إيجاز، إلتفات، غيبة، تمثيل، قصص، وغزارة معانٍ، مع عمق إيحائاته وإحالاته. واقع ملاقيه بعد حين، ومصير لا ريب فيه. خطابات مرعبة، تزلزل، ترتعد لها فرائص المؤمنين، بوصفهم مقصودين بالخطاب ولو بشكل غير مباشر. وهذا القدر كان وراء تأثير خطابات الترهيب على الأبعاد الإنسانية. لا أحد يتأثر بخطابات الكتاب سوى المؤمنين. يتفاعلون مع مضامينها، ويعيشونها حقيقة. وأما الكافرون: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ). صم بكم، كما يصفهم الكتاب، لا يتأثرون بها. فهو خطاب موجه للمعاندين والكافرين، لكن أثاره تصيب المؤمنين، تخلق عندهم رهبة، وخوفاً. خوف من المجهول، من المستقبل، من ضياع الفردوس المرتقب، من حرمان الخلاص، وفقدان النجاة. متناسياً آيات الرحمة التي بلغت أكثر من خمسين آية، وينسى أن رحمته سبقت غضبه، وينسى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). وقد عمقت روايات عذاب القبر روح اليأس، التي ما كان ينبغي للمؤمنين تصديقها والاكتفاء بكتاب الله.

إن خطابات الترغيب والترهيب تعبيرات رمزية عن الحقيقة الدينية المتمثلة برضا وسخط الله. هذه هي الحقيقة التي غابت عن ذهن المتلقي بفعل النصوص التالية التي حجبت النصوص التأسيسية. لذا سبق أن تساءلت في كتاب الهوية والفعل الحضاري، ص72: عن المعاد الجسماني، مفصلاً. وقلت سواء كان المعاد جسمانياً أم نفسانياً، بل وسواء كانت هناك جنة ونار بمواصفات الكتاب أم لا، وسواء علت نبرة الخطاب الترهيبي أم لا، لا يغير من الحقيقة شيئاً. ميزان الفوز في الآخرة، الفوز برضا الله تعالى: (وَرِضْوَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ)، كيفما كان التعبير عنه. وميزان الخسران التعرّض لسخطه: (وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ). فخطابات الترغيب والترهيب تعبير آخر عن رضا وسخط الله تعالى في الآخرة. وأما دنيوياً فلها وظيفة أيضا ترتبط بالوضع السكيولوجي لمجتمعات الاستبداد. وحاجة المؤمن للتصديق وترسيخ إيمانه. فثمة قبليات أُسقطت على فهم خطابات الترهيب، فانعكست سلباً بفعل روح العبودية التي خانها الوعي في تشخيص مصداق خطابات الترهيب. لذا قلت: "ربما هذا مبرر في سياق العقيدة وحداثة الدين، غير أن المشكلة في تعميمه".

مشكلة تعميم الخطاب

أعود لتعليقك الكريم الأخ الدكتور أحمد حمادي: إذا تضمانت معك في الإشكال البنيوي على حد قولك (مشكلة بنيوية تتعلق بخطابه الذي فاقم القلق المصيري)، فينبغي تقديم فهم جديد للنبوة والوحي، ولست بصدده الآن. لنقل المشكلة مشكلة تعميم الخطاب، لا مشكلة تأويله. التعميم كان أحد تداعيات روح العبودية، تلك الروح المهزومة، يرعبها الوعيد، ويقتل روح الأمل فيها الترهيب. لذا أشرت في نفس البحث: صار لا يقنع أحدهم بآيات الرحمة التي تفرض شروطا عملية بسيطة، بعيدا عن أي إرهاب نفسي أو رمزي... ويهربون للشفاعة رغم فداحة شروطها، يستغلهم وعاظ السلاطين ورجال الدين، بفعل الريبة والشك التي خلقتها خطابات الترهيب.

إذاً، فقبليات المتلقي، والوضع السكيولوجي للمتلقي، ونبرة خطابات الترهيب مرتفعة، وهشاشة الوعي، والخطاب الديني والتراثي، كل هذا وغيره دفعه لتعميم موضوع خطابات الترهيب.

د. أحمد حمادي: المعلم الفذ بأخلاقه السامية وعلمه الكبير، أشكرك على الجواب الواضح والذي يرفع إشكالاً مهماً طرأ في ذهني، وأعجبني مفهومك الجديد (مشكلة التعميم) التي هي لا تتنزل ضمن مفاهيم بنية الخطاب ولا في تأويله، وأعتقد إننا نحتاج إلى بيانٍ أكثر لهذه المشكلة التي أظن أنها كانت أكثر مشكلة خطرة واجهت الخطاب القرآني والتي لم يتم بحثها كثيراً وبحث أثرها على حركة التاريخ في الفضاء الإسلامي. وأعتقد أنك هنا تفتح أفقاً جديداً للتعامل مع النص وفهمه والحفاظ على التوازن الذي حمله هذا النص وعدم تعميم بعض مفاهيمه حسب مصالحنا أو رغباتنا وجعلها تأخذ المساحة الأكبر في مقابل إخفاء أو تقليل من مفاهيم أخرى تناقض مصالحنا ورغباتنا، مثل تعميم الخوف والرعب وإخفاء قيمة الرحمة والحرية والكرامة الإنسانية، لأنها لاتخدم السياسي والسلطوي عندنا.. شكراً جزيلاً وامتنان كبير لهذا الدرس المعرفي الكبير والحوار الإنساني الراقي الذي نتعلمه على يديك ..

يقول جيل ديلوز في تعريفه الشهير للفلسفة أنها إبداع المفاهيم، وأعتقد إنك بهذه المفاهيم المفتاحية والاجرائية التي تبدعها، تقدم رؤية جديدة ومقاربة مبدعة وقراءة عميقة وفهماً مغايراً للسائد.. منظومة المفاهيم هي الأساس التي تقوم عليه كل حداثة وتجديد واعتقد أنك تجيد إبداع المفاهيم وتحسن تشغيلها داخل منظومة التفكير .

إنك تقدم قراءة أصيلة ومبتكرة حسب التقييم الأكاديمي وإنموذجاً إرشادياً جديدا للتفكير (بردايم) حسب مصطلح فيلسوف العلم كوهين، ورؤية مفهومية ابداعية حسب الفهم الفلسفي لديلوز ..

سلمت مفكراً أصيلاً ومبدعاً مبتكراً .......

ماجد الغرباوي: اكرر محبتي وشكري لمشاعرك النبيلة أيها المهذب النقي، وشكرا لمداخلتك التي حفزتني على فعل الكتابة. هناك أيضاً لدينا مشكلة ترويض المفاهيم. كأن يتوسع مفهوم الكافر ليشمل الند الأيديولوجي أو الطائفي، وتترتب عليه ذات الأحكام. نحن بحاجة إلى مراجعة شاملة، وفق معطيات العلوم الإنسانية الحديثة، لنقارب الحقيقة، وعدم الاكتفاء بتفسيرات السلف والتراث، فلكل عصر فتوحاته المعرفية التي تمكنا من إعادة قراءة النص.

تبقى مسألة الأخلاق وتداعيات الترهيب التي هي عنوان البحث، فسيأتي الحديث عنها تفصيلاً في بحث القرآن والأخلاق. القسم الثالث من إشكالية العلاقة بين الدين وخصوص التشريع والأخلاق.

أكرر احترامي سعدت جدا بمحاورتك ومداخلتك القيمة. وأشكر شهادتك، التي أفقدتني القدرة على الكلام. خالص تمنياتي لك بالموفقية والسداد.

يأتي في الحلقة القادمة

.................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5894 المصادف: 2022-10-25 01:39:50


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5996 المصادف: السبت 04 - 02 - 2023م