حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (262): الأخلاق والتكوين المرجعي

خاص بالمثقف: الحلقة الثانية والستون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

الأخلاق والتكوين المرجعي

وفقاً لما تقدم، بات فرز الإلهي عن البشري واضحاً، وهو المقصهود بهذه الدراسة. حدود الإلهي مجموع الأحكام المنصوص عليها قرآنياً، وما له جذر قرآني من السنُة النبوية، شريطة فعلية الحكم. بهذا القدر يمكن للفقيه الاستدلال على الحكم الشرعي ونسبته للشريعة. كتطبيق كبريات الأحكام على مصاديقها. أو وجود وحدة مناط بين المسألتين تقتضي تعميم الحكم. وهذا لا يلبي حاجة الفقيه، بناء على شمول الشريعة لجميع وقائع الحياة. فثمة واقع يتجدد، يطرح أسئلته باستمرار، قد لا تشملها أحكام الشريعة مابرحت ناظرة لواقع يتحكم بفعليتها. بشكل أدق ليس لأحكام الشريعة إطلاق يشمل المسائل المستحدثة. و"المورد لا يحدد الوارد"، و"العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"، يصدقان شريطة فعلية موضوعات الأحكام، وتقدم تفصيل هذا الكلام. فلا بد من أدلة يستدل بها الفقيه على فتاواه وأحكامه الجديدة.

إلى هنا لا فرق بين الاتجاهين "الفقهي / التعبدي" و"العقلي / الأخلاقي". كلاهما يعتمد الدليل القرآني. يقف عنده الثاني، ويتوسع الأول وفقاً لمبانيه في ملء الفراغ التشريعي. إذ يحكم باحتكار التشريع، واختصاصه بالفقيه دون غيره. والسؤال الذي نحن بصدده عن شرعية مصادر الفقيه ماخلا الأحكام المنصوص عليها قرآنياً، وما له جذر قرآني من السُنة النبوية، لنضع حداً بين الإلهي والبشري. لتفادي أي توظيف للدين، يكرّس سلطة الفقيه، وقد تُستغل لشرعنة أحكام وفتاوى تصدر بدواعٍ أيديولوجية. الناس لا يفرقون بين سلطة النص المقدس وتفسير الفقهاء، وهنا مكمن الخطر عندما لا يميزون بين الإلهي والبشري، وينقادون طائعين تحت عنوان طاعة الفقهاء طاعة لله. وعصيانهم عصيان الله.

لم يمضِ زمن طويل حتى انكشف فقر الشريعة، وعجزها عن الإجابة على أسئلة مجتمع ما بعد وفاة النبي، فكانت تواجه الخلفاء أسئلة، كما حصل مع الخليفة الثاني، فيرجع بها للصحابة، يبحث عن سيرة نبوية تسعفه، أو يأخذ ما اجتمعوا عليه، وقد يعمل اجتهاده، عندما منع سهم المؤلفة قلوبهم. ومع كل يوم تزداد الأسئلة تتحدى شمول الشريعة. أسئلة تعبّر عن حاجات مجتمع مغاير في أفقه وثقافته ورؤيته. بهذا الصدد خطا الفقيه خطوتين أساسيتين، الأولى توسعة مصادر التشريع. والثانية وضع قواعد أصولية تحدد الموقف العملي تجاه الشريعة، على فرض شمولها. (والاتجاه الأخلاقي يرفض مبدأ شمول الشريعة، مابرح الأصل العقلي براءة الذمة. والأصل عدم الجعل وعدم التكليف وعدم التشريع. ويؤمن بقاعدة "قبح العقاب بلا بيان"، إستناداً لقوله تعالى: "وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا").

أما على الصعيد الأول فكانت خطوات الفقيه كالتالي:

- وسّع من دائرة الشريعة لتشمل مطلق سُنة النبي، رغم عدم وجود نص قرآني صريح على جعل الولاية التشريعية، غير أنهم أوّلوا الحكمة الواردة في القرآن بأقوال النبي. وباتت رواياته تعادل الكتاب في حجيتها، تخصص وتقيّد آياته، مما يرفضه الاتجاه الأخلاقي. السُنة على أنحاء، أحدها بيان وتفصيل الأحكام الشرعية وهي ملزمة بحكم الكتاب. هذا هو القدر المتيقن. وماعداها: إما أحكام ولائية تنتهي فعليتها بوفاة الولي، أو أحكام أخلاقية، أو خاصة به. أو رأي شخصي، كإنسان له رغباته وميوله. وجميعها غير ملزم.

الارتفاع بأقوال الصحابة عند أهل السُنة. وأقوال أئمة أهل البيت عند الشيعة إلى مستوى العصمة، تحت ضغط الصراع الأيديولوجي المعلن تارة، والخفي تارة أخرى، فساهم هذا الإجراء في تعدد مصادر التشريع، وتدارك نقص أدلة الأحكام الشرعية. الفقيه يبحث عن نص أو أثر يستدل به على الحكم. هكذا كانت البداية. فوفّر عدداً هائلاً من الروايات. وهو إجراء يرفضه الاتجاه الأخلاقي، وثمة بديل أخلاقي يغني عنه. ثم أقوال الصحابي: إما رواية لسُنة النبي أو رأي اجتهادي، متأثر بقبلياته وثقافته وأيديولوجيته رغم صحبته. فيؤخذ بالأول دون الثاني، إذا استوفى شروط حجية الخبر. ويمكن من خلال الثاني تحري المشهور من الآراء، دون إلزام. في الحالة الثانية، رأي الصحابي، رأي اجتهادي، ووجهة نظر، قد تكون قريبة لروح الشريعة لمجاورته عصر الوحي، لكنه ليس ملزماً.

بهذا الشكل تراكمت الروايات، سيما المذهب الجعفري الذي امتد عنده عصر النص إلى نهاية عصر الغيبة الصغرى 329 هـ. إن مفهوم العصمة ارتقى بالصحابة فوق النقد والمراجعة، وهو أجلى صور توظيف الدين، فخسرنا الإنسان وتجاربه التاريخية لصالح الفقيه وسلطته. وما يؤكد أن قول الصحابي رأي اجتهادي ما رُوي عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: (آخذ بكتاب الله تعالى، فإن لم أجد فبسنة رسول الله ﷺ، فإن لم أجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ أخذت بقول الصحابة، آخذ بقول من شئت منهم وأدع قول من شئت منهم، ولا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وسعيد بن المسيب -وعدَّد رجالاً- فقوم اجتهدوا، فأجتهد كما اجتهدوا). (أنظر كتاب: أبو حنيفة النعمان، وهبي سليمان غاوجي، ص130). فإذا كان لبعض الصحابة خصوصيتهم، فإن حجية مطلق الصحابة ومن تلاهم مسألة فيها نظر، (فأجتهد كما اجتهدوا).

إن حدود قدسية النص هي الآية والرواية النبوية الشارحة، وما عداهما اجتهاد واستنتاج بشري، ليس ملزماً لولا حاجة الخلافة للفقيه، لشرعنة سلطتها، وتبرير سلوكياتها وعدوانيتها. فكان ثمة جهد كلامي، يدافع عن مقولة الجبر، لتبرئة ساحة الخلافة، وهناك تنظير فقهي، لتكريس شرعيتها الدينية، كما في: كتاب الأحكام السلطانية للقاضي أبي يعلى محمد بالحسين الفراء الحنبلي المتوفي سنة 458 هجرية. وكتاب الأحكام السلطانية والولاية الدينية تأليف أبي الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الماوردي المتوفي سنة 450 هجرية. كتب تنتمي للقرن الخامس الهجري. أي بعد خمسة قرون من وفاة النبي الكريم!.

لا شيء كالدين قادر على التحكّم بإرادة الإنسان، ولا شيء كالفقه قادر على ضبط سلوكه وحريته، والناس لا يفرقون بين الإلهي والبشري. ومن صالح السلطة تكريس مفهوم (شمول الشريعة) لضمان طاعة الشعوب من خلال سلطة الفقيه، وعدم تمرّدها على الخليفة وسلطته. وكان الفقيه مستعدا لتغطية حاجة الناس للتشريع، فاعتمد مصادر أخرى ما خلا الآيات والروايات، منها: العقل، الاجماع، القياس الاستحسان، المصالح المرسلة.

تبقى السُنة عمدة الأدلة لدى الفقيه، وقد استمات الفقهاء لتأكيد حجية مطلقها. والجهود في هذا المجال كثيرة، أنظر مثلاً كتاب: حجية السُنة للعلامة الدكتور عبد الغني عبد الخالق، الصادر عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الذي أنجزه بعد جهود استمرت عشرين سنة!!. ودأب كل فقيه على بيان أدلته الدالة على حجيتها من خلال بحوثه الفقهية والأصولية. بيد أن الإشكالات قائمة كمشكلة إثبات صحة الروايات، وثبوت صدورها عن النبي الكريم، وهل يكفي خبر الآحاد لإثبات صحة صدور الرواية؟ وكيف يؤثر النقل بالمعنى على جوهر الحكم؟ وهل يكفي وجود الرواية في كتاب مشهور دليلاً على صحتها؟ وماذا عن الروايات المرسلة، وهي كثيرة جدا. وهنا يتشدد الاتجاه الأخلاقي لتدارك تساهل الاتجاه الفقهي التعبدي، ويرفض حجية خبر الواحد، لعدم وجود أدلة صريحة على جعل الشارع الحجية له. وكل ما ذكره الأصوليون وجهات نظر قابلة للنقض، والكلام في محله. بشكل آخر، كلما ابتعدنا عن عصر النص، كلما تعذر ثبوت صحة صدور الروايات النبوية بالوسائل الأصولية المتبعة. أضف إلى ذلك، مشكلة وضع الروايات ونسبتها للرسول، قبل مرحلة تدوين الحديث التي بدأت بعد 180 سنة. بل حتى بعد التدوين كان الوضع ممكناً. وهذا يعمّق مشكلة تصحيح الروايات حتى لو قلنا بحجية مطلق السُنة النبوية. فثمة إشكالات كثيرة على ثبوت صحة صدورها. وبالتالي لا يمكن الاطمئنان لكل رواية تقع دليلاً على حكم شرعي. الفقيه عند الناس ثقة، تطمئن له نفوسهم بحكم قدسيته، رغم جهلهم بعملية استنباط الحكم الشرعي، وكيفية إثبات صحة صدور الروايات. الكل يعتمد خبر الآحاد، مع ندرة الروايات المتواترة، لصعوبة تحقق التواتر وفقاً لتعريفه، الذي قد تبدو شروطه تعجيزية، والإشكالات حول حجية خبر الآحاد متعددة، تناولتها كتب علوم الدراية. وبعض قدامى الفقهاء يصحح الرواية بناء على صحة الكتاب الواردة فيه. فما دام الكتاب صحيحاً، ومؤلفه ثقة في نظره، فجميع رواياته صحيح، وهو كما ترى في وهنه وضعفه. إن تقديس المذاهب السُنية للصحاح الستة، والدفاع عن الكتب الأربعة عند الشيعة، ردة فعل لا شعورية لحماية أهم مصدر من مصادر التشريع، فعدد الرويات المروية عن النبي هائل، والتفريط بها تفريط بعدد كبير من الأحكام الفقهية التي لا دليل عليها من الكتاب سوى السُنة النبوية. وبالتالي لا قدسية للأحكام الفقهية باعتبار قدسية مصادرها إلا في حدود آيات الأحكام وبعض الأحاديث النبوية شريطة ثبوت فعليتها، من خلال فعلية موضوعاتها.

عندما يعرض الاتجاه الأخلاقي عن الروايات لعدم وجود ما يؤكد صحة صدورها وحجيتها، يأخذ بقيم الدين والأخلاق إلى جانب العقل، لملء الفراغ التشريعي. وبالتالي كل حكم بعد وفاة النبي وجهة نظر فقهية واجتهاد شخصي، ما لم يكن حكماً قرآنياً صريحاً، وفعلياً.

ليس للفقيه ولاية تشريعية، ولم يجعل له القرآن وصايا على التشريع، ومن باب أولى لا ولاية له على شؤون المسلمين وقراراتهم، كما تقول نظرية ولاية الفقيه، بل الولاية بهذا المعنى حكم استبدادي باسم الدين والتشريع. وهو مرفوض دينياً وأخلاقياً. نحن بحاجة ماسة لترشيد وعي الناس، وتبصيرهم بحقائق الأمور، كي لا يلتبس الإلهي بالبشري، ويستغله الفقيه لتكريس سلطته، وتعزيز متبنياته العقدية.

بهذا اتضح سبب انفصال الفقه عن الواقع، فهو يشرع لواقع مغاير، بينما يعيش الإنسان ظروفاً مختلفة، كأحكام المرأة، والموقف من المخالف، وأحكام العبيد، والقضايا المالية والاقتصادية. اليوم تطفو أسئلة، كالاستنساخ والمناخ والمعاملات البنكية الحديثة، وغيرها كثير، يحتاج إلى موقف أخلاقي، ويُخطئ من يعالجها وفقا لمرجعيات الفقيه. إنها مسائل مستحدثة. كأن يحرّم التبرع بالأعظاء البشرية بحجة حرمة تصرف الإنسان بجسده. بينما الموقف الأخلاقي ينظر للبعد الإنساني في المسألة. وهذا مجرد مثال.

لقد لعب الفقهاء، سيما أئمة الفقه دوراً خطيراً في تهميش الأخلاق واستبعاد العقل، وفرض التبعية والانقياد للفقيه على الناس. فكانوا وراء مفهوم شمول الشريعة، وحظر الاجتهاد مقابل النص. وقد اتخذ بعضهم موقفاً صارماً من أبي حنيفة الذي أعلن اجتهاده في حالة عدم وجود دليل شرعي على الحكم، كما في النص المتقدم، خاصة أئمة أهل البيت والفقه الشيعي عموماً. وأيضاً الشافعي، الذي يُعد أول من أصّل الأصول، وأول من أنشأ علم الأصول، ذهب إلى أبعد من هذا، حينما قال: (ليس لأحد أبداً أن يقول في شيء حلٌ ولا حُرّم إلا من جهة العلم. وجهة العلم الخبر في الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس)، (الرسالة للشافعي، ص39). وعندما يعرّف الاجتهاد يستبعد العقل. الاجتهاد يعني حكماً "على مثل" (المصدر نفسه). (الاجتهاد لا يكون إلا لمن عرف الدلائل عليه، من خبر لازم: كتاب أو سنة أو إجماع....)، (المصدر نفسه، ص53). فلا يبقى أمام العالم فضلاً عن الإنسان العادي سوى ملاحقة النص للاستدلال به، مهما كان شروط موضوعه، والواقع الذي عالجه.

ختم النبوة والفقه

سبق الحديث عن ختم النبوة ودلالتها، وهنا استعيد بعض النصوص من أجل رؤية أكثر شمولية:

إن ختم النبوة اعتراف صريح بقدرة الإنسان على مواصلة حياته على المدى البعيد، وعدم حاجته مستقبلا للوحي أو أي ولاية دينية. وهذا سرّ توقف هبوط الوحي وبعثة الأنبياء. يؤكده عدم وجود نص قرآني صريح يجعل الولاية الدينية لأحد أو ينيط مسؤوليتها به. والصحابة لم يتنازعوا على إرث ديني، بل كان صراعا سياسيا على السلطة. وربما امتناع النبي عن كتابة كتاب للمسلمين في أيام مرضه، ليس سببه لغط الصحابة واختلافهم، كما تقول الرواية، فمحمد نبي لا يخشى أحدا، بعد أن ضمن القرآن حمايته من الناس (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ). بل كان إجراء احترازيا، لتفادي إلتباس الأمور واختلاط الديني بالسياسي. فيحسب المسلمون المنصب السياسي منصبا دينيا أيضا. ولو كانت ثمة ضرورة لاستمرار الوصاية الدينية لتواصل نزول الوحي، واستمرت بعثة الأنبياء. كي لا يبقى الناس في صراع مرير منذ أمد بعيد، يتخبطون في روايات تاريخية لم تُحسم منذ 1400عام.. لكن في ختم النبوة دلالات عميقة، يُدركها أولي الألباب. (أنظر كتاب الهوية والفعل الحضاري، ص394).

إن حاجة الإنسان للعقل باتت أكثر من حاجته لأية وصايا دينية، بعد ختم النبوة، واكتمال الدين بهذا القدر المحدود من الأحكام الشرعية المذكورة في الكتاب الكريم، ولو كانت هناك حاجة لأحكام شرعية أخرى لحدد لنا القرآن مصدرها، ولم يقل للنبي: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ)، ولم يحدد مسؤوليته: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا): ولم يصف كتابه بأنه تبيان لكل شيء، رغم محدودية أحكامه: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ). (وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا). ولَما قالت الآية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا). خاصة وقد سبقتها وتلتها أحكام شرعية، وهذا هو اختصاصها بدقة. فتأويلها خارج سياقها، يحتاج إلى أدلة قرآنية صريحة وهي منتفية. بهذا يمكنك معرفة مدى شرعية فتاوى الفقهاء التي غدت بالآلاف، ممن راحوا يلاحقون الإنسان حتى في طريقة تغوّطه، بحجة أن النبي كان يفعل هكذا، فينبغي التأسي به. أو يفسّرون الآيات تفسيرا غريزيا عندما يبيحون زواج القاصرات، ويُفتون بجواز تفخيذ الرضيعة. إنها مأساة التدين البسيط حينما يرتهن وعيه لغيره، ويهجر القرآن ووضوح بيانه. (المصدر نفسه، ص395).

غير أن منطق العبودية تغلّب على منطق الخلافة، فالإنسان يبقى في نظر الاتجاه الأول قاصرا، يجب رعايته تشريعيا، فراحت الأحكام الفقهية تتناسل، تلاحق سلوك الإنسان ومشاعره. وراح الفقيه يتوسل بقواعد وأصول، تؤسس لأسيجة مقدسة تطوّق وعي الإنسان، وتطيح بتمرده. بل اتخذ المسلمون عقولا، تفكر بالنيابة عنهم منذ 1400 عاما، وما زالت حاضرة بقوة، ترعاها طقوس، وموروثات، أغلبها موضوعة، تجدد فيه قابلية التفكير نيابة عنهم مستقبلا!!. (المصدر نفسه).

في ضوء ما تقدم، بات جلياً التباس المقدس بغيره، وتداخل البشري بالإلهي، بفعل أيديولوجيا الفقهاء، وعدم فهمهم لمقاصد الخلق والتشريع ودور الإنسان في الحياة. وإذا كانت ثمة قداسة فتختص بآيات الكتاب فقط. وأما فعليتها فمشروطة بفعلية أحكام الشريعة. فيصدق أن فقه المسلمين نظام بشري، لا تخفى قيمته التاريخية والعلمية، وطريقة استدلال الفقهاء وتأملاتهم في فقه النص واستنباط الأحكام الشرعية، بيد أنه يبقى رؤية بشرية اجتهادية، فرضت على المسلمين آراء السلف إلى الأبد، وجعلت منها نصوصاً مقدسة، ولا تخفى تداعياتها على الخبير، أقلها حجم الانقياد للفقه بكل صغيرة والكبيرة. "وكان علي ابن أبي طالب يقول: إنّ الوحي قد انقطع بين رسول الله، وما بقي بأيدينا إلا أن يرزق الله عبداً فهماً في هذا القرآن". (ابن عربي، الفتوحات المكية، باب 25، ج1، ص 258).

.......................

يأتي في الحلقة القادمة

.................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5929 المصادف: 2022-11-29 02:19:21


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5992 المصادف: الثلاثاء 31 - 01 - 2023م