 ترجمات أدبية

فلاديمير سوروكين: فرس سوداء بعين بيضاء

بقلم: فلاديمير سوروكين

ترجمة وإعداد صالح الرزوق


بعد الحصاد تم التجهيز لتكويم القش، واستلقى أربعتهم بين الممرات بطرق متباينة، كل واحد منهم كما يحب. انتهى الجد ياكوف من تنظيف ثلاثة أكوام وقال: “حان وقت الراحة”. طرد أنفاسه بصوت مسموع وسقط على إحدى ركبتيه، وقبض على حزمة من الأعشاب بيده المسودة ومسح بها المنجل. أخرج حجرة مبلولة من كيس جلدي كان مربوطا بحزامه، وبدأ بسرعة في شحذ النصل، وهو يدمدم شيئا فوق لحيته المحمرة المشعثة. أما ابنه الكبير فيل أو في - يول كما يناديه الجميع، كان دائما مخدرا بالنعاس وبليدا، وله لحية حمراء ويدان قصيرتان وقويتان مثل والده.  ألقى المنجل على العشب وذهب إلى حافة المرج حيث تجلس داشا وأمها تحت شجرة سنديان فتية. بعد عدة رشفات من قارورة من خشب الزيزفون،  جفف وجهه بكم قميصه، وانحنى على أطرافه وبالكاد جلس، ونظر حوله وهو يطرف بعينيه. وحذا الابن الأوسط، غريشا، بوجهه الضيق والرقيق الذي يشبه وجه أمه، حذو والده. قال: “هذا وقت الراحة!”. وتنفس بجهد، وحمل منجله وتقدم نحو شجرة زيزفون موجودة وسط المرج ولكنها تعرضت لعاصفة برق، وجلس تحت الشجرة نصف الذابلة وشحذ منجله قليلا. أما الابن الأصغر فانيا وهو ناحل وبكتفين ضيقين وأذنين كبيرتين، ومنمش، لم يبلغ الخامسة عشرة، كان يستعمل منجلا يناسب قامته ودائما يتأخر عن بقية المعشبين. وضع منجله على كتفه واقترب من شقيقه الأوسط، وكان يستلقي على بطنه تحت شجرة الزيزفون، ويتكئ بذقنه الرفيعة، على قبضتين صغيرتين بانتظار غريشا حتى ينتهي من منجله ثم يشحذ منجله الصغير. جلست ساشا تحت السنديانة، وأسندت ظهرها على جذعها ونظرت للمناجل، والمرج، والخنفساءات، والدبابير، والفراشات، وصقر وحيد ينزلق بين حين وآخر في المدى الأزرق الذي يخيم على المرج والغابة. أعجبت ساشا بالطريقة التي كان الصقر يحوم فيها برشاقة ثم فجأة يتجمد في الفضاء بمكان واحد، وهو يرفرف بجناحيه بسرعة ويزعق بصوت يتشكى به مثل صوص، قبل أن يهوي إلى الأسفل. جلست أمها بجانبها، وهي تتكئ على الطرف الآخر من السنديانة وتحوك جوربا من صوف الماعز الرمادي. في تلك اللحظة وقفت وقلبت العشب المجزوز بالعصا المسننة، لكنه لم يكن قد أصبح قشا. ثم حملت داشا عصا خشب الجوز ذات الأسنان المتشعبة في النهاية وأعانت أمها بالتقليب. لدى آل بانين مرج جيد. كان مستويا وناعما وقريبا من القرية والطريق الرئيسي. وكانوا قد كسبوه عام 35، بفضل الملاحظة العجوز، وأقارب أمها. كان أول يوم لآل بانين بالحصاد. وعلى امتداد أسبوعين كانت القرية كلها مشغولة بالحصاد، والتعشيب والتقليم في حقول زراعية متجاورة على الطرف الأيمن من البولفا. وقد أصابهم الحظ مع الطقس. كان حارا برياح جافة، وكما قال الجد ياكوف:” هنا الكثير من القش ليوم واحد”. 

بلغت داشا عامها العاشر في اليوم السالف. وكانت جدتها قد حاكت لها حذاء من اللحاء. وقدم لها والدها صفارة غضارية، أما أمها فقدمت لها وشاحا أبيض له خيوط حمراء. وأسعد ذلك داشا. أودعت الوشاح في خزانة جدتها وذهبت إلى الحصاد بحذائها الكبير، ومعها الصفارة. وكلما جاء والدها إلى تحت الشجرة ليشرب ويجلس على أطرافه، كانت داشا تحمل صفارتها من جيب ثوبها الملون، وكان مخيطا في جيلتوخي على يد خياط جوال، ثم تنفخ بالصفارة. نظر والدها نحوها برضا وحك لحيته، وابتسم بعينيه. كان رجلا صامتا. أمها لم تكن ثرثارة أيضا. أما جدها ياكوف فله لسان طليق وينفرد بذلك بين جميع أفراد عائة بانين.

سألها بصوت عبر كل المسافة الفاصلة حتى أكوام القش:”كيف أحوالك هناك يا داشا؟. هل أنت مرتاحة بالحذاء. هل مؤخرتك مرتاحة به؟”.

ضحك البقية. قبضت داشا على  أصبع جدتها الضعيفة والمسودة بسبب العمل ذات الأصبع الداكن وأسرعت نحوه، وحذاؤها الجديد يحتك بالطريق المغبر. بعد أن انتهى المعشبون من ثلث المرج وأصبحت الشمس معلقة في السماء وتصب حممها عليهم، أشار الجد ياكوف بتلويحة صارمة وقال:”وقت الغداء”. ألقى المعشبون مناجلهم وتجمعوا تحت السنديانة. وبينما كانوا يشربون بنهم و يمررون القارورة إلى الأمام والخلف، مدت داشا وأمها صرة ممزقة وبدأتا بتفريغ ما فيها من مؤونة موجودة في سلة صغيرة. نصف رغيف شيلم، حزمة بصل أخضر، كومة من البطاطا المشوية، وجرعة حليب مطبوخ، وقطعة صغيرة من السمن في رقعة ممزقة وبعض الملح في ورقة مطوية. تنهد الجد ياكوفا قائلا:”باركنا يا إلهي..”. وحمل رغيفا، وضغطه على صدره، وباشر بتقطيع لقيمات منه باستعمال سكينة كبيرة وقديمة، ذات قبضة سوداء مثلومة. كل أخ تناول قطعة وبدأ بالتهامها. رسم الجد ياكوفا الصليب، وغمس قطعة خبز في الملح، وقضم لقمة، وحمل بصلة طويلة، وكورها، وألقاها في فمه، وشرع يلوكها بسرعة. وهو ما جعل لحيته المشعثة ترتجف بطرافة. وأغرمت داشا بالنظر إلى جدها وهو يأكل. وبدا كأنه تحول فجأة إلى قط يائس وعجوز. وتابع الأخوة طعامهم بجدية لحد ما، كما لو أنهما يعملان، وأصبحا أكثر كآبة وإنهاكا. أما الأصغر فانيا فقد أصبح فجأة خلال الوجبة رجلا بالغا مثل والده وغريشا.  قطعت الأم الدهن لثماني قطع ووزعتها على الرجال. وكان الدهن قديما ومصفرا، فالخنزير مات في العام الماضي بسبب مرض غير معروف ولم يكن لديهم غير خنزير يافع حصلوا عليه في الربيع. ولكن هناك البقرة، دوشا. وهي تدر الكثير من الحليب. وضعت الأم الحليب المطبوخ في وسط البساط، وقدمت الملاعق الخشبية، وضغطت على القشرة القاسية البنية التي تعلو الحليب بالملعقة. وحركته وقالت: “تناولوا جميعا طعامكم..”.

كان الحليب الطازج الملون ممزوجا بقشدة سميكة بيضاء حامضة، وقد تجمعت في الأعلى. وبعد إضافة الدهن غمس الرجال ملاعقهم في الحليب المطبوخ. وانتظرت داشا وأمها حتى ينتهوا من تناول حصصهم، ثم هجمتا بالملعقتين. كان الحليب باردا ولذيذا. غرفت داشا بالملعقة، ورشفت بصوت مسموع، وبدأت تقضم خبزها. وأحبت قطع الزبدة الصفراء الممزوجة بالحليب المطبوخ. في البيت كانوا قد أعدوا الزبدة لعيد الفصح فقط، وجهزت الجدة معها حلوى الدقيق. كانت رائحة الزبدة لذيذة وتذوب في الكعكة المحلاة. ولكن لا يمكن أن تكتفي منها مهما أكلت. أكلت أمها كما تفعل دائما، بلا تعجل، وبيدها فوق راحتها ملعقة حليب مليئة، كانت تبلع بصمت، ورأسها محني قليلا، ملفوف بوشاح أزرق داكن، ومائلة لأحد الطرفين. وابتلع الرجال الحليب، برشفات صاخبة. قالت غريشا وهي تمسح الحليب من ذقنها:”الندى جف بسرعة اليوم. الحصاد مع الجفاف يكون جديا”.

قطع في - يول حبة بطاطا مشوية وقال:”الحرارة كما هي، عادي”. غمس البطاطا بالملح و قضم لقمة.

قال الجد ياكوف:”لا تهتم. سننتهي بالوقت المناسب”. وابتلع حليبه بسرعة.

سكبت أم داشا كمية كبيرة من القشدة الحامضة وقدمتها إلى داشا وقالت:”تبدو طويلة مع الجفاف. هيا. كلي القشرة”.

امتصت داشا ملعقتها ووضعتها على الصرة. وحملت الملعقة من يد أمها بيديها. كانت مليئة للحافة، والقشدة الحامضة تسيل منها. كانت كثيفة وبيضاء، وبصعوبة تتحملها الملعقة الخشبية، وتكاد تسيل من الحافة. حملت داشا الملعقة إلى فمها بحذر. واستقرت القشدة الحامضة وهي تهتز. وكان أعلاها مجعدا. ونفذت أشعة شمس منتصف اليوم من بين أوراق السنديانة، وسقطت على بركة القشدة الحامضة البيضاء والتمعت. وظهرت قطرات الزبدة الصفراء في القشدة والتمعت ببريق خاطف. فتحت داشا فمها. وفجأة سقط خيال على اللون الأبيض البراق الرقيق. التفتت داشا. كانت مهرة سوداء تقف بالجوار. انطلقت داشا وسالت القشدة من الملعقة و سقطت على ركبتها. وشاهد الجميع الفرس.

قال الجد ياكوف بدهشة وهو يطرف بعينيه:”ماذا..!”.

مالت الفرس جانبا مبتعدا عن الجماعة الجالسة، وتوقفت قليلا، وهي تهز ذيلها المعقود الأسود. كان لها لون داكن وكثيف بصدر عريض وعظام مثل جياد الفلاحين، ورأس كبير، وأذنين صغيرتين، وعرف غزير الشعر وطويل وغير مشذب. وكان العرف غزيرا وأجعد. وكان ذباب الجياد يحوم على ظهر الفرس اللماع.

تنهدت أم داشا ورسمت إشارة الصليب ووضعت يدا صغيرة على صدرها وقالت:”يا أمي.. لقد ارتعدت من الخوف. يا لها من عفريتة..”.

وقفت غريشا وقالت:”لمن هذه المهرة”.

قال الجد:”ليست لنا”.

خفض ياكوف ملعقته وقال:”لا نربي هنا الجياد السود”.

اقترب غريشا من الفرس. وجر في طريقه حبلا من بنطاله. مدت المهرة الواقفة جانبا خيشومها نحوه. انحنت إلى الأسفل، ووسعت منخريها. ولاحظ الجميع مباشرة أن عينها اليسرى مضببة. عبس غريشا وهو يقاربها وقال ها:”عوراء؟. لا تخافي، لا تخافي”.

قفزت الفرس جانبا والتفت بخاصرتها اليسرى.

قال الجد ياكوف:”اذهب يا غريشا إلى اليسار، حيث عينها العوراء. لا بد أنها هربت من المتشرد بايتوش”.

صاح في - يول :”  لا يا والدي. بل أتت من الغجر””. ونهر الفرس فنهضت.

أضاف:”لقد خيموا مجددا في جيلتوخي. ومن هناك هربت. انظر كم هي متعبة وكريهة الرائحة”.

اقترب غريشا بحذر من الفرس، وعقد الحبل بشكل أنشوطة وجعله وراء ظهره. ولكن الفرس قفزت بعيدا.

ضحك غريشا يقول:”إه. أيتها العنيدة”.

قطع في - يول قطعة من الخبز وذهب إلى الفرس وقال:”انتظر يا غريشا. هيا. أيتها البنت المتعبة. خذيها”.

تحركا بحذر، مثل صيادين، وبدآ بمحاصرة الفرس بمهارة من الجهتين. وقفت الفرس ورفعت أذنيها الصغيرتين ونخرت قليلا. وتقدم في - يول وغريشا ببطء، كأنهما في حلم. وثارت أعصاب داشا لسبب ما. دق قلبها. وأمسكت أنفاسها وراقبت كيف كانا يقتربان من الفرس بمهارة. والدها مع قطعة خبز على راحته، والخال غريشا مع أنشوطة وراء ظهره.

تمتم غريشا:”لا تخافي. لا تخافي”.

اقترب الرجلان وتوقفا. قدم في - يول الخبز حتى أصبح قرابة أنف الفرس. وتوتر غريشا وعض شفته. ونخرت الفرس الساكنة وقفزت بينهما. وهم الرجلان إليها، وقبضا على عرفها. أغلقت داشا عينيها، وبدأت الفرس بالصهيل. وفكرت داشا فجأة دون أن تفتح عينيها تقول:”ليتهما لا يقبضان عليها”. وسمعت صهيل الفرس وشتائم الرجلين. وتوقف الصهيل. قال أبوها بهدوء:”أو.. اللعنة على أمك..”.

قال غريشا:”عاهرة متوحشة..”.

وعلمت داشا أنهما لم يقبضا عليها. فتحت عينيها. وكان والدها وغريشا واقفين وسط المرج. والفرس قد اختفت. قال الجد ياكوف بحنق:”وأنتما أيها البائسان. لا يمكنكما الإمساك بفرس”.

وضع غريشا الحبل حول سرواله المنخفض للأسفل وقال:”إنها برية يا والدي”.

حمل والده الخبز الذي سقط منه وذهب ليعيده إلى الصرة.

ودمدمت أم داشا تقول:”لو أنها عوراء وبرية فما النفع منها؟”. وبدأت بغرف القشدة الكثيفة من حضن داشا. ارتعشت ركبتا داشا.

ابتسمت أمها تقول:”ما شأنك؟. هل خفت؟”.

أومأت داشا برأسها. كانت مسرورة لأنهما لم يمسكا بالفرس. ومدت أمها يدها بملعقة القشدة إليها مجددا. تناولتها داشا وابتلعت القشدة الناضجة والباردة والكثيفة بشراهة. أما الرجلان الللذان سعيا وراء المهرة فقد عاودا الجلوس. وحملا ملعقتيهما، وباشرا الالتهام مما تبقى من الحليب. كان ظهور الفرس البرية واختفاؤها قد أثار ركودهما. وباشرا الثرثرة حول الجياد والغجر اللصوص، وزعيم القرية الجديد غير النافع، وسقف الاصطبل الذي سقط على المزرعة التعاونية، والقمح والفصة في الجهة المقابلة، وعن الحصاد الليلي في الغابة القريبة من موركي وعن نجاري موركي، ودخلا فجأة في جدال هل من الأفضل الحصول على الخشب من صنوبريات مسروقة في سقيفتك أو من حمام كوستيا. لم تكن داشا تصغي لهما. بعد هروب الفرس تحسن شعورها وأصبحت أخف وأقل اضطرابا.

قالت أمها:”لماذا تجلسين هناك يا داشا؟”. وعدلت من وشاحها المائل. أردفت:”اذهبي واقطفي بعض الفريز”. نهضت داشا دون رغبة منها. وحملت السلة الفارغة، وعلقتها على كتفها، وذهبت إلى الطرف البعيد من المرج. قال والدها:”لا تبتعدي كثيرا”. ولعق ملعقته.

مرت داشا عبر بقايا النباتات، وحذاؤها الجديد يحك الأرض بصوت مرتفع، ثم مرت بالأعشاب الطويلة، فارتعبت النطاطات الثرثارة. كانت الأعشاب دافئة بسبب الشمس، وكذلك كانت ساقاها. عبرت داشا كل المرج ونظرت إلى الخلف. كان الرجال قد نهضوا مع مناجلهم. سحبت داشا صفارتها من جيبها وأطلقت صفرة ثاقبة. لوحت لها أمها بيدها. وردت العصافيرالهاجعة في الغابات المحيطة بالمروج على صفرتها. أطلقت صفرة أخرى. وأصاخت السمع لصوت العصافير. صفرت. ثم أبعدت الصفارة وذهبت إلى الغابة الصغيرة الموجودة في الطرف الضيق من المرج. وهناك كانت أشجار بتولا يافعة بينها شجيرات نبات الفريز. تغلغلت داشا بين البتولا، وحملت السلة الخشنة من كتفها، ووضعتها على العشب، وباشرت بقطاف الفريز وإلقائها في السلة. كان يوجد الكثير من الفريز. ولكن لم يقطف أحد كل الثمار. قطفت داشا الناضج منها والفريز نصف الناضج وألقتها في السلة، والتهمت الثمار الكبيرة. كان مذاق الفريز حلوا. والتقطت داشا الثمار الساقطة على الأرض، ثم حملت السلة إلى مكان آخر. وفجأة مر عصفور من تحت قدمها، ورفرف بجناحيه، وطار، وحط على شجرة بتولا. أخرجت داشا الصفارة ونفخت بها. ورد العصفور بصوت طويل وممطوط مثل الصفرة. وأصابت الدهشة داشا. فصفرت مجددا. ورد العصفور. اقتربت داشا من العصفور. طار العصفور وخفق بجناحيه وحط في مكان آخر. كان لدى داشا الوقت لتلاحظ  أن العصفور مبقع، مثل صقر، ولكنه أصغر. صفرت داشا. ورد العصفور. أخبر الجد داشا أن للعصافير لغتها الخاصة بها، ولكن لا يمكن لأحد غير المقدسين وصيادي أن يفهم هذه اللغة.

همست داشا:”الصفارة تتكلم كالعصفور”.

وأرادت أن تسأل العصفور عن الحياة في الغابة وعن الكنز الذي قالت جدتها أنه تحت حراسة أرواح الغابة الحدباء. تقدمت بين أشجار البتولا باتجاه العصفور. وهي تنفخ بصفارتها. وكان العصفور يرد، ولكن بعد اقتراب داشا، طار مجددا وابتعد، وهو يرفرف بجناحيه. بعد البتولا بدأت غابة صنوبريات قديمة وكثيفة. وتغلغل العصفور فيها. صاحت داشا كما يفعل البالغون حينما ينادون حيوانا شرودا:”عد أيها الأحمق”.

واعتقدت أن العصفور عاد إلى عشه مثل الدجاج. والأعشاش دائما تكون في أمكنة هادئة ولذلك لا يكون هناك أي مجال للاختباء منها. ولا بد أن عش العصفور في غابة الصنوبريات المعتمة. هناك سيكمن. ويختبئ، وسيخبرها عن الكنوز، ويكشف لها الأماكن السرية. ويمكنها بمعونة والدها أن تحفر وتكتشف الكنز. وستشتري حصانا. وستمتطيه إلى ليودينوفو. وستشتري كل أنواع الأشياء الطيبة الموجودة. ابتعدت داشا عن البتولا، وشقت طريقها بين أشجار البندق الضخمة، ذات الأوراق الحارة والناعمة، وداست على شجرة متداعية أفرطت بنموها، ويغطيها طحالب وبقايا شراغيف متجمدة. ورفعت عينيها. وقفت غابة الصنوبريات أمامها كجدار داكن. ودخلت فيها داشا. وأصبح حذاؤها جاهزا ليتقدم بهدوء. كانت من الداخل باردة وهادئة. صفرت داشا. وسمعت نفير عصافير خافتا في داخل الغابة.

دمدمت داشا:”أين أنت”. واقتربت من الزقزقة. وسارت بين جذوع الصنوبريات فوق أرض طرية تغطيها أكواز الصنوبر والإبر.يات.  وزاد الهدوء والضباب حولها. وقفت داشا. وزحفت إلى الأمام بين الجذوع الصنوبرية نصف المعتمة لتقترب منه. وشعرت كأن الليل خيم أمامها هناك. وبمقدورها أن تدخل فيه. كان مرعبا. نظرت داشا إلى الخلف حيث البتولا تستحم بنور الشمس الظاهرة للعيان. هناك، في المروج، كان أبوها وأمها بانتظارها. ولكن توجب عليها أن تجد العصفور. أطلقت داشا الصفارة. كانت الغابة صامتة. صفرت مجددا. ورد العصفور من هناك. تقدمت داشا نحو الليل المعتم لتقترب من صوت العصفور. وأوسعت خطواتها فوق الأرض الطرية، وهي تدور حول الأشجار الخشنة وتلمسها، وتناور بين بقايا جذوع الأشجار، وتمزق شبكات العنكبوت، وتدوس على الأغصان اليابسة. وفجأة وصلت إلى درب مستقيم. وانتصبت الصنوبريات البدينة أمامها بصفين، كما لو أن شخصا ما زرعها منذ فترة طويلة جدا. كانت الصنوبريات ضخمة ومسنة ونصف ميتة أكلت الخنافس جذوعها، التي تخللتها فراغات عميقة سوداء وتجاويف طويلة امتلأت بأصماغ متكتلة.

دخلت داشا في الدرب. كان مظلما أمامها. وهبت رائحة التعفن من هناك. صفرت داشا. ورد العصفور. تقدمت داشا في الدرب. ازداد الظل، وتشابكت أغصان الصنوبريات القوية فوقها، وحجبت فوقها الشمس والسماء. وأمامها بمسافة بعيدة ظهر شيء صغير وأبيض. فكرت داشا في البداية تقول”العصفور”، ولكنها تذكرت لاحقا أن العصفور مبرقش. وكان اللون الأبيض الصغير معلقا في منتصف الدرب. اقتربت داشا منه. لكنه لم يتحرك. ثم اختفى. وظهر مجددا. زحفت داشا لمسافة أقرب. اختفى اللون مرة أخرى. وعاود الظهور. راقبت داشا باهتمام. ثم لاحظت فجأة أن البياض هو عين الفرس العوراء. طرفت العين. وأمعنت داشا النظر بها قليلا. ورأت كامل الفرس السوداء. نفسها. وكانت واقفة في الدرب المظلم. كانت مرئية بصعوبة في هذه الظلمة. وبدا جسمها الأسود ممتزجا بالفضاء المعتم والذي تأتي منه رائحة الإبريات والصمغ. جمدت داشا بمكانها. لم تكن خائفة على الإطلاق. ولكنها لم تعلم ماذا تفعل. ولم تتحرك الفرس على الإطلاق. ولم تكن شفتاها تمضغان ولا أنفها يشم الهواء. 

فكرت داشا:”نائمة؟”. ونظرت لعين المهرة المعافاة. كانت مبلولة وبلون بنفسجي عميق، مثل الخوخ، وكانت تنظر إلى مكان ما جانبيا. ولكن ليس نحو داشا أبدا.

قالت داشا:”لا تخافي”. وتململمت الفرس، كما لو أنها استيقظت للتو. ولفظ منخراها أنفاسها.

كررت داشا:”لا تخافي”.

وقفت الفرس بلا حراك كالسابق. ومدت داشا بحذر يديها ووضعتهما على شفتي الفرس. كانتا دافئتين ومخمليتين. ربتت داشا على شفتي الفرس بأصابعها الملوثة بسائل الفريز وقالت:”لا تخافي. لا تخافي..”.

خفضت الفرس رأسها ببطء. شمت الأرض المغطاة بالإبر. واستمرت هامدة برأسها المنخفض. وتابعت داشا التربيت على شفتي ومنخري الفرس وتربعت على أطرافها. أما العين المضببة فقد كانت مغلقة تماما. حدقت بها داشا. لم تكن العين بيضاء تماما. كان وسطها أسود بحدقة سوداء صغيرة حولها دائرة زرقاء داكنة. قربت داشا وجهها من العين غير الطبيعية. فطرفت. ولم تتحرك الفرس واحتفظت برأسها منكسا. فحصت داشا العين. وذكرتها بأنبوب أحضرته المعلمة فارفارا ستيبانوفنا من ليودينوفو وعرضته على الطلبة في الحصة. كان الأنبوب يسمى بكلمة طويلة تبدأ بحرف “ك”. ولم تتذكر داشا الكلمة وأطلقت على الأنبوب اسم “كارول - كارول”. كان في وسط الأنبوب ثقب صغير. وتوجب عليها أن تنظر إليه وهي تدير الطرف الآخر باتجاه الضوء. ويمكن رؤية زهرة حمراء فيه. لو أدارت كارول - كارول الزهرة تتحول لزهور مختلفة، وتتكاثر بالعدد، وكلها جميلة ومختلفة وتحبس الأنفاس، ويمكنك إنفاق حياتك كلها وأنت تدير الأنبوب مرارا وتكرارا. أمعنت داشا النظر بعين الفرس. 

كانت متأكدة أن كل شيء في عين الفرس أشد بياضا من اللون الأبيض، مثل الشتاء. ولكن تبين لها أنه لا يوجد بياض في العين البيضاء. بل العكس. كل شيء كان أحمر. وهناك حمرة شديدة في العين، وكانت البقع الحمر كبيرة وعميقة، مثل دورة الطاحونة، وهي كثيفة ومركزة جدا وجشعة كما لو أنها تهدد وتتوعد. وهي تزداد وتنتفخ كالعجين. وتذكرت داشا رؤوس الدجاجات المقطوعة. والحلق المذبوح. وفجأة لاحظت ما يشبه حنجرة حمراء في عين الفرس. ثم شاهدت المزيد منها. وشعرت داشا بفظاعة جمدتها، وأصبحت كالجليد. طرفت العين البيضاء.

التقطت الفرس أنفاسها. وارتعش كل جسمها. شخرت. ورفعت رأسها، وتنفست من الهواء الذي يملأ الظل. ودون أي اهتمام بداشا، هربت إلى أعماق الغابة. تابعت داشا جلوسها على أطرافها، دون أن تتنفس. وفجأة أدركت أنها لن ترى في حياتها كلها تلك الفرس السوداء مجددا. وغادرت داشا كما لو أنها تهرب من حظيرة. تجولت وهي تنخر قليلا. ثم اختفت عن النظر بين الأشجار. جلست داشا على الأرض. وألقت يديها على أوراق الصنوبريات الرفيعة. وذاب عنها خوفها. وشعرت داشا بالعبث على نحو ما. وانتابها التعب والإرهاق. وتمكن منها العطش الشديد. وقفت وذهبت إلى الضوء. وابتعدت عن الغابة، وهي تضيق عينيها بسبب الشمس الساطعة. ومع الوقت تضاعفت درجة الحرارة. وجدت سلتها في الحقل وسط أشجار البتولا، فعلقتها على كتفها، وتابعت نحو المروج. كان الرجال قد بلغوا بمناجلهم وسط المرج. وكانت أمها تقلب القش. اقتربت منها داشا. عدلت أمها وشاحها الذي غطى عينيها ونظرت إلى السلة وبدأت تضحك قائلة:”هلا حالفك الحظ بالقطاف؟. هل هذا كله؟. يا له من قطاف كثير”.

قالت داشا:”نظرت في عين الفرس. فيها بلعوم أحمر يا أمي”. وفجأة انفجرت بالبكاء دون أي إنذار.

قالت أمها:“ابنتي أصابتها الشمس”.

حملتها أمها وهي تبكي، ورشت الماء عليها تحت الشجرة. وبعد أن أعولت داشا، شربت حتى ارتوت وسقطت في نوم عميق. وعندما استيقظت، كانت بين ذراعي والدها، وكان يحملها إلى بيتها في القرية. كانت الشمس قد مالت للمغيب، والأبقار وصلت إلى البيت وهي تخور، وكانت الكلاب تنبح. أما جدتها وأخوها  فوفكا البالغ من العمر ثلاث سنوات، فقد كانوا بانتظارها في البيت. وكان الليل يخيم وهم يستعدون لتناول الطعام، قرب مصباح كيروسين. حملت الجدة إناء من الحساء الحار كان على الموقد. وتناولوا الطعام مع خبز طازج. وابتلعت داشا الحساء بشراهة ومضغت الخبز الطازج اللذيذ. لمست أمها جبينها.

وقالت:”شفيت..”.

غمز الجد ياكوف داشا وقال:”هي موجة حارة أصابت ابنتنا المدللة..”.

ووافقت الجدة بحركة من جسمها الثقيل وفمها العريض وقالت:”ضربة شمس. أنت تعلمين كيف تكون..”.

بعد تناول الطعام، توجه الجميع للنوم بأمكنة متفرقة: الجد ياكوف في الحديقة، غريشا وفانيا في سقيفة القش، والأم وفوفكا الصغيرة في الكوخ. والجدة على الموقد الروسي. تثاءب والد داشا وباشر بإطفاء المصباح البدين المعدني وفاحت رائحة الكيروسين الشهية. ولكن شدت داشا ساقي سروالها. وقالت:” ماذا عن الورقة يا والدي؟”.

“الورقة...”. تذكر والدها، وابتسم من وراء لحيته.

كل أمسية كانت داشا تمزق ورقة من التقويم المعلق على الجدار قرب الساعة وبجانب الإطار الخشبي المحيط بالصور الفوتوغرافية. في الإطار صورة أبيها ببذته العسكرية، وصورة أمها و أبيها مع زهور، وهما يقبلان حمامات تحوم حولهما، والجد ياكوف مع بارودة من أيام الحرب العالمية الأولى، والجد مرة أخرى مع الملاحظ العجوز في مهرجان بريانسك، في دبابة  KV، وستالين، وبوديوني، والممثلة ليوبوف أورلوفا.

رفع والد داشا ابنته فمزقت ورقة من التقويم. قال لها كالعادة:”تابعي، اقرأي المكتوب على ورقة الغد..”.

صاحت داشا:”الثاني والعشرون من حزيران.. الأحد”.

أعادها والدها إلى الأرض وقال:”الأحد. غدا لدينا حصاد أيضا. نامي الآن”.

ولطمها لطمة تحبب على مؤخرتها.

***

الترجمة إلى الإنكليزية ديبورا هوفمان

...........................

فلاديمير سوروكين Vladimir Sorokin روائي وقاص ومسرحي روسي معاصر. ولد عام 1955 قرب موسكو. درس اختصاص النفط والغاز. اشترك بتحرير مجلة “تحول” بعد حصوله على الدرجة الجامعية وتم طرده منها بسبب رفض الانتساب للكوموسمول. من أهم أعماله “يوم من حياة أبريشنيك”، “عاصفة ثلجية” ، “الطابور” وغيرها. في أعماله إعادة تقييم نقدي للفترة الشمولية التي مرت بها روسيا قبل تفكك الاتحاد السوفياتي.

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5694 المصادف: 2022-04-08 03:01:10


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5822 المصادف: الاحد 14 - 08 - 2022م