 ترجمات أدبية

فكتور بيليفين: أنطولوجيا الطفولة

صالح الرزوقأنطولوجيا الطفولة

بقلم: فكتور بيليفين

اعداد وترجمة: صالح الرزوق

***

بالعادة تتورط بكل شيء يدور حولك في كل الأوقات، ثم فجأة تتذكر أيام الطفولة. وعلى وجه العموم حياة البالغين تعتني بنفسها - كيف اعبر عن ذلك؟ - ليس فيها مساحة حرة للإعراب عن مشاعر حول أشياء لا تعنيها. ولكن أحيانا في الصباح الباكر، حينما تستيقظ وتشاهد شيئا مألوفا حقا - ليكن جدارا من القرميد - تتذكر أنه كان مختلفا، وليس كحاله اليوم، ومع ذلك لم يطرأ عليه أي تبدل ملموس.

كان هناك شق بين قرميدتين - بشكل فراغ شريطي متموج. ولعدة أسباب لا يمكن أن تعد السنوات التي كنت خلالها نائما وساقاك بالاتجاه المخالف، ولا الأوقات البعيدة جدا حينما كان رأسك يبتعد عن قدميك بالتدريج والجدار يدخل بالتبدل البطيء - وإن لم تكن تعد تلك السنوات على الإطلاق، تتذكر الخط الأبيض الشفاف الذي يحتل الشق بين القرميدتين فهو دائما أول تحية صباحية من العالم الكبير الذي نحيا فيه - سواء في الشتاء، حينما يكون الجدار منقوعا بالبرد وأحيانا مغطى بشكل ساحر وفاتن بقشرة فضية، وفي الصيف حينما يظهر على مبعدة قرميدتين للأعلى مثلث بأضلاع مسننة من أشعة الشمس (وهذا فقط خلال عدة أيام من حزيران، وتكون الشمس فيها أبعد ما يمكن بالاتجاه الغربي).

ولكن الأشياء المحيطة بك، تفقد، في الوقت الذي تستغرقه الرحلة من الماضي إلى الحاضر أهم صفة فيها - صفة يصعب تحديدها تماما. ولا يمكنني تفسيرها. على سبيل المثال فكر كيف يبدأ النهار عادة: يذهب البالغون إلى أعمالهم، ويغلقون الباب وراءهم بعنف، وكل الفضاء الواسع حولك، والوضع اللامتناهي للأشياء وطريقة ترتيبها، تصبح شأنك أنت. ولكن تفقد الأوامر والنواهي جدواها، ويبدو الأمر كأن الأشياء تنبسط أمامك وتتوقف عن إخفاء شيء ما. خذ أي شيء بعين الاعتبار، أكثر الأشياء عادية -  سرير قابل للطي - في الأعلى أو الأسفل. لا فرق: لديك ثلاثة ألواح متوازية، وتحتها قضيب معدني بالعرض، وثلاث عتلات بارزة من كل قضيب. عموما إن كان بجوارك شخص بالغ واحد، أقسم إن السرير العاري ينكمش، ويصبح ضيقا ومزعجا. ولكن بعد أن ينطلقوا إلى أعمالهم، يبدو كأنه أصبح أعرض، أو أنك أخيرا بدأت تشعر بالراحة. وكل لوح - لم يكن مطليا يومذاك - يأخذ شكلا نمطيا، ويمكن أن تلاحظ شجرة الحلقات التي كانت فيما مضى مرتكزة على مسننات بزوايا يصعب تخيلها. وربما كانت تختفي عن البصر حينما يكون البالغون موجودين، أو أنه لا يخطر ببالك أن تنتبه لأشياء من هذا النوع ولا سيما حين تكون مشغولا بكلام هام عن نوبات العمل، ونظام الانتاج، والموت العاجل الذي يتحفز في الباحة الخلفية. وطبعا ما يدعو للدهشة هو الشمس. ليس البقعة الساطعة في السماء، ولكن لفحة الهواء القادمة من النافذة والتي يتراقص فيها الغبار الكثيف ويعوم فيها ألياف لولبية دقيقة. وتكون حركتها دائرية وإلهية (في الواقع في الطفولة تراها بشكل عاصفة بعيدة واضحة للنظر) ثم يظهر العالم الصغير الخاص الذي يعيش بقوانينه الخاصة، وربما أنت نفسك اعتدت أن تحيا في ذلك العالم، أو ربما أصبح لديك القدرة على الدخول فيه لتكون واحدا من تلك الدقائق الخفيفة والبراقة.

لكن مجددا: في الحقيقة قد لا تكون هذه كل الحكاية. ولكن لا توجد طريقة أخرى للتعبير عنها. ويمكنك أن تقترب منها فقط. وأنت تشاهد فقط عوالم مموهة من حرية وسعادة مطلقة. فللشمس قدرات هائلة لاختيار الأفضل من بين الدقائق الصغيرة التي يمكنك لمسها وهي تنتقل من أعلى زاوية في أول نافذة لأدنى زاوية  من النافذة التالية. وحتى الباب الحديدي يترك عندك الانطباع، تلقائيا، لتعلم أنه لا يوجد شيء مخيف يمكنه أن يأتي من خلفه. وتؤكد شرائط الضوء المرتمية على الأرض أنه لا يوجد ضرورة للخوف. وأنه لا مدعاة للخوف في هذا العالم. وعلى الأقل هذا هو الحال ما دام العالم يكلمك: ولاحقا، في دون سبب ينقلب عليك.  في طفولتك كنت تستيقظ بالعادة في صباح يفسده البالغون. فهم دائما يباشرون يومهم بالشتائم، وخلال أحلامك المتواصلة يبدو كلامهم غريبا ولزجا، ومن نبراتهم يمكنك أن تشعر أن من يهاجم و من يدافع ليس لدبهم إحساس بالمشاعر التي يعبرون عنها بأصواتهم. 

وببساطة هم أنفسهم يستيقظون دون أن يتخلوا عن أحلامهم - ولكن حتى الآن لا يتذكرون شيئا -  ويحاولون جهدهم أن يقنعوا أنفسهم وسواهم بأسرع ما يمكن أنه حان وقت الصباح، والحياة بدأت، ولم يتبق غير عدة دقائق للتأهب، لأنه وقت الحقيقة. وبعد أن يتحقق لهم ذلك بنجاح يتفاهمون على التواصل. وتتوارى آخر جرعة من الشك الصباحي تماما، ويحاولون البحث عن مكان مريح لأنفسهم في هذا الجحيم الذي دخلوه للتو هرولة. وينتقلون من الشتائم إلى الفكاهة. وطالما هناك فروق قليلة، أمكنهم ملاحظتها، تصبح حقيقة أنهم يشتركون بمصير واحد مسألة غير هامة. ويفقدون الإحساس بضرورة الحياة، ولا يستولي على تفكيرهم غير التسابق للفوز بالسرير العلوي البعيد عن النافذة. والحقيقة أنك تستوعب كل شيء لأنك صغير جدا، ولأنك غير جاهز للتعبير عنه بصوت علني - ولكن سوف تفهمه من أصوات البالغين التي تصلك من وراء طبقة نومك الصباحي. ويبدو لك أن هذا مدهش وغريب، ولكن كل العالم في حقيقة الأمر مدهش، وكل شيء عجيب وغريب بما فيه الكفاية. ولاحقا عليك أن تبدأ النهوض برفقة الآخرين جميعا.

في البداية ينحني البالغون من مكان ما في الأعلى وتصبح وجوههم أمامك، مع ابتسامة طويلة. ومن الواضح أن هناك قانونا يتحكم بالعالم ويفرض عليهم أن يبتسموا كلما تكلموا معك - ومن المؤكد أن الابتسامة إجبارية، ولكنك تعلم أنهم بهذه الطريقة لن يلحقوا بك الضرر. حتى لو أن وجوههم خائفة: ومعلمة ببقع ولطخات.

بطريقة ما وجوههم أشبه بقمر يشرق من وراء النافذة - إنها نفس التفاصيل.

بالغون وواضحون. ولكن هناك شيء يلفت انتباهك إليهم، وهو إيمانهم العميق أن حياتك قد تكون مؤلمة. ولا يبدو أنهم يسعون وراء شيء: أحيانا يلقون على الأرض الحمل الخفي الذي يحملونه طوال حياتهم قبل أن ينحنوا فوقك مع ابتسامة. وبعد ذلك يحملونه مجددا ويتابعون -ولكن هذا هو ظاهر الأمر. ويبدو أنهم يريدون منك أن تكون مثلهم، ويفكرون بتمرير الحمل لشخص آخر قبل مماتهم. وهم لا يحملونه عبثا. في المساء، يجتمعون معا بحلقات تضم عدة أشخاص ويضربون شخصا ما - والذي يتلقى الضرب يلعب بالعادة مع من يقومون بضربه، بقوة، ولذلك سرعان ما يتساهلون معه قليلا. ولديهم قاعدة .. أن لا يسمحوا لك برؤية ذلك. إنما يمكنك دائما ان تختبئ بين الأسرة و تراقب كل شيء من بين الشقوق القصيرة الموجودة بين الألواح. ولاحقا لأول مرة - ومع أنه لا يزال لديك وقت استراحة يفصل بين لحظات مراقبة ما يجري من مخبئك ولحظة ما سوف يحصل - سيحين اليوم الذي تستلقي به على الأرض بين الأقدام المتسارعة التي ترتدي الأبواط الجلدية او المرنة وتحاول أن تلعب مع من يعمد إلى ضربك. وحينما تبدأ القراءة جاهدا، لا يتحكم النص بتفكيرك، ولكن تفكيرك يقود النص. وتسيل الدمعة على الفصل الشيق، وإن وجدت في فقرة من صحيفة كيف يحيي الجمهور رفيقا لهم من هنا أو هناك بعاصفة من التصفيق، تبدأ بالتفكير بمقدار أهمية هؤلاء. فرفاقهم يعمدون لتحيتهم تحية خاصة بعاصفة متميزة من التصفيق. ثم تغلق عينيك وتباشر بتصور هؤلاء الرفاق وأسلوب تحيتهم، وترتب أمورك لتحيا حياة متواضعة مع الحرص على أن تستتر من أولئك الجالسين في أماكن مجاورة. وكل هذا بفضل ورقة من جريدة بحجم وجه علبة شاي وعليها أثار نعل بوط. ولو وقع كتاب بين يديك، تكون نعمة مختلفة عن أي حدث آخر. ولا يهم نوع الكتاب - لا يوجد طيف واسع هنا، فقط خمسة أو ستة، وعليك أن تقرأ كل واحد عدة مرات - وسبب عدم المبالاة بالتنوع أنك تقرأ الكتاب كل مرة بأسلوب مختلف.

في البداية تصب اهتمامك على الكلمات نفسها، وتكون كلها متبوعة مباشرة ببريق الشيء الذي تتكلم عنه (البوط، المكان، الجاكيت المبطن) أو بفراغ أسود عديم المعنى (وجود، نخبوي)، وعليك أن تتصل بواحد من البالغين، وهو ما تحاول جهدك تجنبه، وبالنتيجة يتحول الوجود إلى وميض خاطف والنخبوي إلى كماشة طويلة برأس متحرك.

في المرة التالية تفكر بكل المواقف: كيف يخبط شخص ما الأرض بقدميه وهو في طريقه إلى مطبخ كريه الرائحة، وكيف يضرب العامل بقبضته القوية الوجه الخجول والعاري للنادل بروشكا. ولا يوجد شخص بالغ، يقرأ هذا، ولا يلتفت فورا نحو الشاب المعني، العامل أرتيوم، كلما اجتمعت الحلقة ذات الأنفاس الكريهة حول آخر ضحية. ويقترب كل واحد منهم بعد الآخر خطوة صغيرة ثم جميعا يصبون جام غضبهم على المخلوق الخجول، وهو يترنح بينهم تحت ضرباتهم. وربما لا يوجد ضرورة للضرب لأن الحق لا ينتصر.

لاحقا - في المرة الثالثة - ستجد كلاما عن السرير العلوي الذي تستلقي عليه فتاة وهي تتنفس أنفاسا حارة وثقيلة، والآن هذا هو الشيء الوحيد الذي تلاحظه. وعليك أن تنضج بمقدار ملحوظ قبل أن تفهم كم كنت غبيا ومتعثرا في قراءاتك المتعددة.

ثم أنت مسرور بطفولتك وهذا ما تعتقده كلما تذكرتها.

بشكل عام السعادة هي ذكريات. حينما كنت صغيرا، كنت تمرح في الخارج طيلة اليوم ولديك الحرية لتلعب في الممر، وتنظر أين تشاء وتتجول في كل الأماكن وتكتشف المواضع التي لا يرتادها أحد بعد أن يغادرها عمال البناء. والآن الذاكرة تحت رقابة صارمة، ولكن في تلك الأيام - كانت الحال كما يلي: تسير في الممر والحزن يخيم عليك لأن الشتاء بدأ مجددا والجو وراء النافذة مظلم تقريبا، تنعطف من زاوية، وبدواعي الحرص تنتظر وتلمح بنفس الوقت، شخصين بجلد الخراف وبروائح فم كريهة، يتسكعان في الممر المجاور، تنعطف من باب، يكون بالعادة موصدا، ولكنه اليوم مفتوح على وسعه بشكل استثنائي. وهناك بعض الإضاءة في نهاية الممر. ويباغتك على طول الجدار أنبوبان عريضان مغلفان بالبلاستيك ومطليان. وفي النهاية، هناك، بمقدورك أن ترى النور وبابا معدنيا رقيقا مفتوحا، وفي الأسفل شيء يدمدم، وحينما تنحني بحذر فوق الباب الرقيق تلاحظ وجود آلة ضخمة زرقاء ترتجف وتنخر بصوت مستمر وخافت، وبعدها اثنتان مثلهما، ولكن لا أحد في مجال الرؤية: ويكون مسموحا لك أن تهبط على السلم مباشرة وتكتشف نفسك في ذلك الفضاء المسحور الذي يرتعد بسبب الطاقة المركزة فيه. والسبب الوحيد لامتناعك عن التصرف أنه حالما تدير لهم ظهرك تسنح لهم الفرصة لإغلاق الباب، ولذلك تعود أدراجك، ويراودك حلم بالعودة إلى هذا المكان في يوم لاحق. وبعد زيارة  هذا المكان يوميا،  تهتم بهذه السلاحف المعدنية التي يجافيها النوم، وتضع يدك على هدف محدد لحياتك، و غالبا تكون عرضة لدافع ملح لتتذكر كيف رأيت هذا المكان أول مرة. ولكن الذكريات تندثر لو فكرت بها على الدوام، ولذلك تحتفظ بهذه اللحظة - بانطباعاتك عنها - بتصوراتك عن السعادة - وتخزنها في علبة احتياطية. ذاكرة أخرى لا تعود إليها إلا قليلا مع أنها حدثت بالتزامن مع غزو الفضاء. وربما هذا الشيء حدث سابقا: فهو ممر جانبي، يوم من أيام الشتاء (والنافذة زرقاء عمليا: والظلام يخيم)، والصمت يحاصر كل المبنى الواسع - وهذا يعني أن الجميع في أشغالهم. ويبدو حقا أنه لا يوجد أحد هناك. وتستطيع أن تستنتج ذلك من حال ومظهر كل شيء. فالكبار يبدلون أي شيء بمتناول أيديهم، وفي اللحظة الراهنة تحل على الممر ظلمة غامضة وغير مألوفة، ولا تلاحظ أي شيء باستثناء الأشباح - ولذلك ينتابك الذعر قليلا. وحتى الآن لم يشعلوا الأنوار، مع أنه حان وقتها، وبمقدرك أن تتوقع متعة نادرة - وها أنت تعدو. تبدأ بالجري من النقطة التي تحمل إعلانا عن طريقة التصرف في حال اندلاع حريق طارئ. وهذه النقطة موجودة في نهاية الممر المعتم والمسدود (وهذه التعليمات غريبة جدا- تحمل صورة معول وخطاف حديدي ودلو، كلها مرسومة بطلاء زيتي). ولبعض الوقت تناور بحركتك على طول الممر، كي لا تهدر قوتك ومرونتك اللازمة لفتح طريق عبر الجدار ثم التقدم أو التراجع - وهذا كله بسبب الأوامر الصغيرة والقليلة التي توجه بها جسمك. وطبعا أهم ما في الموضوع هو الالتفات نحو اليمين والدخول في تفرع قصير يتخلل الممر وينتهي بنافذة مغطاة بغربال من الأسلاك. طول الممر عشرون مترا كاملا يفصلك عن زاويته، ثم تميل على الجدار اليساري، وحينما تلمح الباب المقوى الذي يحمل رمز صمام 15s وهو في الصالة، تنفصل عن الجدار، وتتبع قوسا متطاولا، وتنحني نحو اليمين -  وهذه الثواني القليلة حينما يكون جانبك الأيمن تقريبا معلقا فوق بلاط الأرض تشعر بحرية لا يشبهها شيء آخر. ثم بسهولة تطير عبر ما تبقى من الممر،  وتغمس أصابعك في مربعات الشبكة المعدنية، وتنظر من النافذة: الجو مظلم، وفوق السور، الذي تكلل قضبانه قبعات ثلج طويلة، تشاهد القليل من مصابيح زرقاء باردة تتوهج في الشارع.

كانت الضوصاء القادمة من وراء النافذة ذات طبيعة مختلفة تماما عن الضوضاء المتكونة في مكان ما داخل الممر أو وراء الجدار العازل. والفرق ليس في نوع الصوت نفسه - مرتفع أو منخفض، ثاقب أو مكتوم - ولكن في أسبابه. تقريبا كل الضوضاء منبعها الناس، ولكن تبدو الضوضاء المتشكلة داخل بناء ضخم كأنها نتيجة قرقرة أمعاء، أو فرقعة مفاصل جسم ضخم - بكلمات أخرى، بما أنها معروفة ومفهومة، لا تلفت انتباه أحد، ولكن ما أتى من خلف النافذة كان هو الدليل الوحيد على وجود عالم آخر متكامل، وكل صوت من هناك مهم لدرجة عجيبة. لقد تبدل صخب العالم كثيرا منذ أيام طفولتي، وبقيت مكوناته الأساسية كما هي. لنأخذ صوتا عاديا من وراء النافذة: طرق الحديد على الحديد من بعيد وبوتيرة ثاقبة أبطأ مرتين أو ثلاث مرات من النبض. وله صدى مهم: ويبدو كأن الصوت لا يأتي من نقطة ثابتة، ولكن من قوس خط الأفق كله. وأول ملاحظة تسترعي الانتباه أن هذا الطرق - حينما تكون مستلقيا في سريرك ولكنك مستيقظ بشكل عام - هو ساعة أو نقطة مرجعية لا يد لك فيها وتمنح أمسيات البالغين، وكذلك لحظة الاستيقاظ، معنى خاصا وسياقا محددا. 

وذلك الصوت الذي يمكن قياسه، لاحقا، يصبح مثل دقات قلب العالم، ويستمر هكذا حتى يصبح هذا التوقيت، كما قال أحدهم، صوت أكداس تتكوم على الأرض في مواقع البناء. أيضا من الأصوات التي تنتبه إليها هدير آلات بعيدة، وولولة محرك في باحة فرز الأشياء، والكلام والضحك (غالبا لأطفال)، وزمجرة طائرات تحلق في السماء (ويذكرنا بزمجرة البشر في فجر حياتهم)، وصوت ينبعث من الرياح، وأخيرا نباح الكلاب.

يقولون كانت توجد طرق للتواصل مع السجناء في الزنزانة المجاورة (لكل سجين زنزانة - ومن الصعب أن تقتنع بإمكانية شيء من هذا النوع): في أول زنزانة يبدأ السجين بالدق على الجدار بطريقة معينة، وييتعمل الشفرة برسالته، فيجيبه المقيم في الزنزانة المجاورة باستعمال نفس الشفرة. ولكن لا بد أن هذه حكاية مختلقة -  لماذا نخترع لغة خاصة مع أنه يمكننا الكلام في مواقع الأشغال الشاقة وبطريقة مقبولة؟. المهم هنا هو الفكرة - أن تنقل ما تريد الإفصاح عنه بالنقر، وبترتيب معين، شيء لا معنى له ولا سيما أنه من وراء الجدار. أحيانا يخطر لك - إذا أراد خالقنا أن يكلمنا ويرد علينا بالنقر، ماذا سوف يبلغ مسامعنا؟. ربما شيء مثل صوت بعيد ناجم عن تكويم شيء على الأرض حينما تكون التربة متجمدة- وقطعا بفواصل منتظمة، لأن استعمال شفرة مورس أو ما يعادلها لا يبدو أمرا عمليا.

كلما كنت أكبر بالعمر، يكون العالم أقل غموضا، ولكن تبقى أشياء كثيرة غير مفهومة. ومنها المربعان الاثنان اللذان ترى منهما السماء عبر الجدار (السماء إن جلست على السرير المنخفض، ولكن من الأسرة الأعلى ترى المداخن البعيدة). ليلا تشاهد النجوم، وفي النهار تلاحظ الغيوم، وهذا يحرك تفكيرك وتساؤلاتك. كانت الغيوم معك منذ أيام الطفولة، ومعظمها تراه من النوافذ وكنت تشعر بالدهشة دائما كلما واجهت شيئا جديدا.

والآن، على سبيل المثال، في النافذة اليمنى تشاهد مروحة وردية كبيرة متدلية (إنه الغروب تقريبا). ويتخللها أذرع خفيفة - كما لو أنها ظاهرة جوية كونية (بالمناسبة أتساءل كيف يبدو العالم لمن يعيش أوقاته في العالم الآخر)، في النافذة اليسرى تشاهد سماء كأنها مرسومة بمسطرة متعرجة. والآن ترى أن النقطة النائية جدا والتي تهب منها الرياح هي بعكس النافذة الموجودة على يمينك.  وهذا يعني شيئا ما ولكنك لا تعرف الشفرة - هناك تعرفها، وتنقر الأسئلة والإجابات في حوارك مع الله. ولا مجال للخطأ. ولا يمكنك أن تغلط بمعنى ما يجري حينما تظهر بقعة غير منتظمة فوق سحابة تشرينية داكنة، بشكل مثلث غير منتظم وأشهب (كنت قد رأيته سابقا، في صباح يوم صيفي على الجدار القريب من وجهك). ومن منتصفه تشع الشمس من خلال ضباب سريع الحركة. أو أن هضبة حمراء - تحتل نصف السماء فوق خط الأفق في الصيف (وهو مشهد تراه من الأسرة العلوية). وبالعادة يوجد عدة أشياء وظواهر جاهزة للكشف عن طبيعتها الحقيقية منذ أول نظرة - عمليا كلها. بعد التقاط صورة للسجن من الخارج (افترض من برج المراقبة فوق منطقة معمل السكاكر) وتمريرها على الجميع، يصعب أن تفهم ماذا صدم الكبار - هل لأن هذا فعلا أكثر شيء مدهش شاهدوه في حياتهم؟. قطعة دائمة من كعكة فاسدة، رائحة عطنة مألوفة تنتشر من العلب، واعتزاز ساذج بقدرات العقول البشرية. ويمكنك أن ترد وتسأل الله بالنقر. في النهاية الرد عليه يعني أن تشعر وتفهم كل هذا. هذا ما كنت تفكر به في طفولتك حينما كان العالم لا يزال مركبا من متشابهات بسيطة. وفيما بعد تعلم أنك لا تستطيع محاورة الله، لأنك نفسك صوته، وستصبح أبكم وأهدأ تدريجيا. والشيء نفسه يحصل لك، لو فكرت به جيدا، مثلما يحصل لصيحة شخص عندما تسمعها آتية من الباحة التي يلعبون فيها كرة القدم.

شيء ما كان يحصل في العالم الذي تعيش فيه يوميا ولكنه تبدل قليلا، ويطرأ يوميا على كل شيء حولك ظل معنى آخر. وبدأ ذلك من المكان المشمس والسعيد على الأرض، فهو موطن أناس يدمنون بسخافة على ارتداء البوط الجلدي و السترات السود المبطنة - سخافة، تتضاعف، وتنطلق من الممرات الخضر، ويرافقها رقصات مرحة للشمس على شاشة الأسلاك المتهالكة، وزقزقة يائسة للسنونوات وهي تبني أعشاشها تحت أفاريز الورشات القصديرية، وهدير احتفال دبابات تزحف في الاستعراض (مع أنك لا تراها من وراء السور، ولكن تعلم بها من أصواتها كلما مرت دبابة وكلما تحرك برجها الرشاش تلقائيا)، وكورس ضحك اليافعين ردا على بعض أسئلتك،  ابتسامة حارس يندفع نحوك في الممر، وذيل يهتز لكلب رعاة ألماني حينما يركض إليك متوددا. ثم يبدأ أفضل شيء بالزوال: تلاحظ الشقوق في الجدار، ثم الرائحة الفظيعة لوحدة الإطعام، وهي مقرفة خاصة لأنها تحاصرك يوميا، وتباشر بالتكهن أنه توجد، وراء السور الذي تراه منذ طفولتك مع العلامات المطبوعة عليه، حياة من نوع مختلف - بتعبير آخر هناك يوميا أسئلة أقل عن مصيرك الحقيقي وتنتظر من يرد عليها.

وكلما ظهر ذلك للعلن قل تسامح البالغين مع نقائك وسذاجتك، وتبين أن رؤية هذا العالم تسبب لك القلق والازعاج بكل أشكاله - وفي الليل تظهر الأشياء المزعجة في الدروب المظلمة للممرات وفي زوايا قاتمة من الزنازين. ومن الضباب الداكن في طفولتك التي تتراجع من الذاكرة، يبرز التفهم - كما لو أن مجال الرؤية تتوضح - وتستوعب أنك ولدت وكبرت في السجن، وفي أحقر وأسوأ زاوية من العالم. وبمجرد أن تفهم ذلك جيدا، تصبح تحت سلطة كاملة لقانون السجن. ولكن ماذا بعد؟. المشكلة أن الناس الذين صمموا طراز العالم - مهما حاولوا، ليس بمقدورهم أن يحسنوا حياة سجين منحط بالمقارنة مع حياة مدير السجن. وما هو الفرق الذي تتوقعه من اغتنام الفرص إذا كانت السعادة الروحية متشابهة؟. توجد حصة من السعادة لكل شخص في الحياة، ومهما حصل، لا يمكنك سلب تلك الفرحة من أحد. يمكن أن تتكلم عن الجيد والرديء إذا كنت فقط تعلم وعلى الأقل من هو الشخص الذي خطط لذلك وغايته المبيتة من خططه.

الأشياء لا تتبدل، ولكن شيئا ما يختفي حينما تتقدم بالعمر.

في الواقع أنت من ستفقد "شيئا". يوميا تمر بأشياء هامة دون فرصة للتراجع، تهبط للأسفل - ولا تستطيع التوقف، لا يمكنك تعويق سقوطك المرعب البطيء في الفراغ - وكل ما بإمكانك هو أن تلتقط الكلمات التي تعبر عما يجري لك.  فرصة النظر من النافذة ليست أهم شيء في الوجود، ولكنك تشعر بالاضطراب إذا حرموك من التسكع في الممر - أنت تقريبا شخص بالغ، وفي العطلة ستحصل على بوط جلد وسترة مبطنة. وما أن تتاح لك رؤية المشاهد، حتى تغرم بمشهد واحد (تستطيع أن ترى نفس الشيء من نافذتين ولكن بزاوية مختلفة قليلا)، وسينال إعجابك إن وضعت مقعدا قصيرا عند الجدار ووقفت على حافته: ترى الباحة مغلقة بسور من ألواح الفحم القصيرة وبحافلتين لحق بهما الصدأ - وربما كانت البقايا تشبه دبابير ميتة - أغشية صفراء فارغة من الداخل، والبناء الطويل للسجن المجاور بسقفه نصف المستدير، ووراء ذلك، السجون النائية والسماء، والتي تحتل القسم المتبقي كله للفتحة المضلعة. وتتحول الأشياء التي تراها يوميا لعدة سنوات بالتدريج بنظرك لتماثيل - كأنها هي أنت في الماضي - فهي تحمل أثر المشاعر التي تنتمي لشخص تلاشى تماما تقريبا، شخص يظهر في داخلك لعدة لحظات كلما رأيت نفس الشيء الذي رآه ذات مرة في السابق. أن ترى - يعني عمليا إسقاط روحك على لوحة شبكة عين بشرية عادية.  اعتادوا أن يلعبوا كرة القدم في هذه الباحة، وأن يسقطوا، وينهضوا، ويركلوا الكرة، ولكن كل ما تبقى الآن حافلات صدئة. في الحقيقة منذ أن بدأت بالخروج للعمل برفقة الآخرين وأنت مرهق جدا من أي شيء موجود في داخلك ويمكن أن يعود للحياة وتراه على شبكية  عينك  يلعب كرة القدم .ولكن أي تغير كوني محتمل في الملابس الداخلية، لا يؤهل أحدا لحرمان غيره من استعادة الماضي (الذي هو أنت في السابق لو لهذا الكلام معنى)، فترى نفسك واقفا على الكرسي المرتعش وتنظر من النافذة: أمامك عدد من الأشخاص يمررون الكرة بينهم، ويضحكون - أصواتهم وصوت الأقدام التي تضرب الجلد تبلغك بعد قليل من الوقت الضائع، ثم فجأة يسبق أحدهم الآخرين - كان يرتدي قميصا أخضر دون ياقة - ويرمي الكرة نحو الهدف، الشباك مجرد إطارين قديمين، يسدد، يسقط، ويختفي من ساحة الرؤية. وتصلك صيحات اللاعبين. مدهش. في هذه الزنزانة نفسها كان يعيش سجين صغير شاهد كل هذا، ولكن لم يعد له وجود بعد الآن. ومن الواضح أن الهروب ينجح أحيانا، ولكنهم دائما يتلفحون بسرية مطلقة، ولا يعلم أحد أين يتوارى الهارب، ولا حتى الهارب نفسه يعلم أين أصبح.

***

* الترجمة الإنكليزية نورا سيليغمان فافوروف

* فيكتور بيليفين Viktor Pelevin كاتب روسي مولود في موسكو عام 1962. تلقى علومه في معهد الطاقة الميكانيكية. ثم في معهد الدراسات الأدبية. عمل في مجلة "العلوم والدين". له عدد من المجموعات القصصية والروايات أهمها: حياة الحشرات 1993، أصبع بوذا الصغيرة 1996، أرقام 2004، الكتاب المقدس للمستذئب 2004، خوذة الرعب 2005، حارس المقابر 2015، مشاهد سرية من الجبل فوجي 2018، فن اللمسات الخفيفة 2019، الشمس الحرة 2020، برج المياه 1990، جون فاولز وتراجيديا الليبرالية الروسية 1993، أسماء الأولغارشيين على خريطة الوطن 1998، آخر نكتة للمحارب 1998….

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5702 المصادف: 2022-04-16 02:04:51


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5776 المصادف: الاربعاء 29 - 06 - 2022م