 ترجمات أدبية

بورا شونغ: في الجسد

3599 bchung1بقلم: بورا شونغ

إعداد وترجمة: صالح الرزوق

몸하다

***

"الاهتمام بالجسد". بدأ مع الحيض. المباشرة بالحيض.

فقد امتنع النزيف عن الانقطاع، بعد مرور اثني عشر يوما من دورتها الشهرية. بالعادة يخف النزيف بعد اليوم الثالث وينتهي في الخامس، ولكن ها هو الأسبوع الثاني تقريبا دون أي إشارة تدل على الانقطاع. وكان التدفق على ما يبدو يخف ليلا ويعود لسابق عهده في الفجر بكل تأكيد.

بعد أسبوعين لا يزال الدم ينزف. هل عليها أن تستشير طبيب نساء؟. لكن لا يجدر بامرأة عازبة وشابة أن تزور عيادة نسائية دون الشعور بالذنب والإحراج.

بعد عشرين يوما باشر الدوار، ولحق بها التعب الشديد الذي أثر بنشاطها اليومي المعتاد. ضغطت على أسنانها وتحاملت على نفسها لتزور طبيبا. بصمت وضع الطبيب مادة جيلية ودبقة وشفافة على بطنها، ومرر عليها قرصا معدنيا باردا. دمدم وهو يحدق بالطيف غير الواضح المرتسم بالأبيض والأسود وقال:" أنا لا أرى شيئا غريبا…".

حرصت على مسح المادة الهلامية بأفضل ما يمكن - ولكنها لوثت يديها وثيابها مهما تحلت بالحذر - ثم انسحبت لغرفة الاستشارة. نظر الطبيب للصورة التي أمامه وسأل:" هل تعرضت لإجهاد شديد مؤخرا؟. هل يواجهك طارئ مؤثر في حياتك ؟". 

ردت: "أنا في خضم كتابة أطروحة الماجستير.. ولكن لا أعتقد أنها تسبب لي الإجهاد…".

نظر إليها الطبيب ثم دون شيئا ما. وقال: "الإجهاد يتسبب بارتباك في توازن الهرمونات ويمكن أن يقود لحالتك. حسب الصورة فوق الصوتية وضعك ممتاز. لذلك أنصحك بحبوب لتحديد النسل. جربيها لثلاثة أسابيع، وتوقفي مدة أسبوع. ثم تابعي لثلاثة أسابيع إضافية. ثم استريحي مدة أأسبوع. وهكذا. وستعودين لحالتك الطبيعية بغضون شهرين أو ثلاثة".

وباشرت بتعاطي حبوب تحديد النسل. تناولتها لثلاثة أسابيع وتوقفت لمدة أسبوع. ثم ثلاثة إضافية قبل أن تتوقف نهائيا بعد مرور شهرين. ولكن دورتها، التي بدأت بعد يومين من نهاية تناول الحبوب، لم تتوقف واستمرت أكثر من عشر أيام. وكان هذا يعني العودة إلى الحبوب. ومثل ساعة منبهة توقف الدم. وحينما حاولت الإقلاع عن الدواء بعد ثلاثة أسابيع إضافية تكرر نفس الشيء. وفي النهاية اضطرت أن تحسب حساب التكاليف غير المتوقعة  من جراء ضرورة تناول حبات تحديد النسل طيلة ستة شهور.  وبعد ستة شهور عادت دورتها للإيقاع العادي، وتوقفت بعد خمسة أيام. وابتهجت بذلك. وبعد شهر آخر، غادرت السرير في الصباح، ولكن توجب عليها الجلوس مجددا لأن العالم كان يدور من حولها.  وكانت تتنفس وتشعر بالجفاف كل يومها. وأصبح الدوار لا يطاق ولم يستقر في معدتها أي لقمة طعام. وانتابها الكسل وتأثرت بحمى خفيفة.  واضطرت لإجراء فحص كامل لجسمها. أخذت صورة أشعة x في مستشفى كبير. وتبع ذلك اختبار دم وتحليل بول.  وفي النهاية أخبرها الطبيب بصوت روتيني :"أنت حامل".

"ماذا؟".

"عليك مراجعة طبيب توليد".

هبطت طابقين لتقابل طبيبة توليد في المستشفى - امرأة شابة بالثلاثينات تسرف باستعمال المكياج لدرجة لا تصدق. وبعد فحوصات عديدة وغير مريحة، أعلنت بصوت بارد عن تشخيصها. قالت:"أنت حامل منذ ستة أسابيع".

"ولكنني غير متزوجة وبلا علاقة مع الذكور".

"ليس لديك تجارب جنسية سابقة؟. ولم تتناولي أي نوع من الحبوب؟".

"تناولت بعض محددات النسل لبعض الوقت بسبب عدم توقف دورتي -".

"كم مرة؟".

"ستة شهور".

نظرت الطبيبة إليها نظرة ثاقبة، بعينين ضيقتين حولهما ظل كحل ثقيل. وسألتها:" بوصفة؟".

"نصحني الطبيب أن أتناولها حوالي شهرين، ولم أكن بحاجة لوصفة للحصول على حبوب تحديد نسل…". وبهت صوتها بعد أن غمرها الإحساس بالعار.

قالت لها:"إذا نصحك الطبيب بتناولها لشهرين أو ثلاثة فقط، هذا يعني شهرين أو ثلاثة فقط".

"حسنا. إيه. لكن دورتي لم تتوقف…".

نفخت الطبيبة لتخفف من قلقها بفمها  المصبوغ بطلاء أحمر عميق وقالت:" لو أن جسمك غير طبيعي، يكون أحد الآثار الجانبية لتعاطي حبوب تحديد النسل لفترة طويلة هو الحمل".

اعترضت بطريقة خجولة: "حقا؟. لكن… أليس المفروض بحبوب منع الحمل أن تمنع الحمل؟".

توترت نظرة الطبيبة السوداء الملونة بالأزرق وأصبحت حادة مجددا. ثم قالت:"أنت من تجاوزت حدك بتناول الحبوب - إنها غلطتك. الدواء ليس سكاكر تقبلين عليها كلما أحببت ذلك".

"ماذا… وما أدراني؟".

قلبت الطبيبة ورقة التحليل وسألت:"هل للطفل أب؟".

"عذرا؟".

"هل للطفل أب يمكنه يربيه؟".

"لا…".

نظرت الطبيبة إلى الأعلى ومنحتها نظرة مرعبة من وراء مكياجها الثقيل. وقالت: "إذا أسرعي واعثري على رجل يرغب أن يكون أبا".

"والد للطفل؟. لماذا؟".

ردت الطبيبة تقول:" أنت حاملة بطفل - وطبعا الطفل بحاجة لأب".

"لكن، آه، ماذا يحدث إن لم يكن له أب؟".

"وضعك كما يلي. أنت حامل في ظروف غير طبيعية، وهذا يعني إن لم تجدي شريكا مذكرا، لن تتطور خلايا الجنين بشكل مناسب أو أنها لن تنمو. أنت تعلمين كيف أنه في البقاليات يوجد نطاق واسع يضم المنتوجات المخصبة وغير المخصبة؟. والشيء نفسه هنا. وتطور نسيج الجنين على نحو مناسب يضمن للحمل أن يتم بطريقة طبيعية، ودون ذلك سيجر في النهاية عواقب وخيمة على الأم. هل تفهمين كلامي؟".

من الواضح أن الطبيبة لم تكن مرتاحة لها.

سألتها:" ما- ماذا يعني وخيمة؟".

تنهدت الطبيبة وردت:"حسب الظروف. أنت حامل منذ ستة أسابيع. ولذلك لا يمكنني أن أقرر ماذا سيحصل".

ثم أخذت منها نظرة ثاقبة أخرى وحذرتها بقولها:"من الأفضل أن تجدي أبا لذلك الطفل. وبسرعة. إن لم تجدي ستسوء العواقب وتنقلب عليك".

وقررت عائلتها أن تطلب إجازة من الجامعة وأن تستعين بخطابة قبل أن تنتفخ بطنها. وتقدمت بطلب "إجازة مرضية".  ولكن المشرف على مشروعها كان عصبيا،  غضب من العطلة، فهي في المرحلة النهائية من كتابة الأطروحة. وأبدت أسفها للانقطاع الذي طرأ على عملها، ولكن ليس باليد حيلة. ونظر إليها العاملون في قسمها كما لو أنها مصابة بمرض قاتل. ولم يكن لديها شيء تنشغل به بعد أن غادرت الجامعة. ولكن عائلتها اهتمت بمشروع الاتفاق على "والد للطفل". ولم تمر فترة طويلة قبل أن تحدد أمها والخاطبة أول لقاء تعارف في مقهى. وخيم بينها وبين الرجل صمت عجيب بمجرد أن غادرت أمها ومدبرة الزواج الطاولة. كانت هذه أول مرة لها في لقاء تعارف، ولم تعرف ماذا تقول لهذا الغريب أو أين تنظر أو ماذا تفعل بيديها.

وعاد إليها دوارها الصباحي، بعد أن اعتقدت أنه توقف كأنه ينتقم منها. وجعلتها نسمات الهواء الجارفة المنبعثة من منظم الحرارة  مع رائحة القهوة السوداء، في ذلك الفندق الرومنسي، ترتعش بينما وأصبح قلبها يخفق.

قال الرجل بطريقة تشبه الاعتذار:"إذا… أنت طالبة جامعة؟".

قالت:"نعم". كانت شفتاها مزرقتين من البرد وبصعوبة تدبرت الإجابة عليه وهي ترجف.

"ما هو اختصاصك؟".

"الأدب السلافي".

"غريب. أنا متأكد أنه لا يوجد كثيرون في كوريا يهتمون بالأدب النرويجي".

"آه.. وجهة نظرك ليست صحيحة".

وفجأة كرهت رائحة القهوة. وتخلت عن عزة نفسها للرياح، ونهضت من كرسيها وتوجهت إلى حمام السيدات. ولفترة طويلة، لم تطرد شيئا من بطنها باستثناء القليل من القهوة والهواء والنفايات. وتوسلت لربها أن يكون الرجل قد انصرف وهي تغسل يديها وفمها. لكنه كان بانتظارها أمام حجرة حمام السيدات والقلق منقوش على وجهه. وبسرعة قادها من ذراعها وهي تتعثر أمام الباب.

قال لها:"هل أنت بخير؟".

ردت:"نعم… آسفة".

كان لونها أحمر قرمزيا ولم تعرف كيف تتصرف. ساعدها الرجل بالعودة إلى الطاولة  وخلال اتكائها عليه في المسافة القصيرة التي اقتضاها مشيها البطيء، انتبهت لعرض كتفيه وكانا يسمحان له باحتوائها في أي عناق. وكانت يداها وكتفاها، متجمدين من هواء المكيف. ولكن لاحظت أن ذراع الرجل قوية وصلبة، وفي نفس الوقت دافئة ومغرية. وكانت الغرفة تدور بها، وكادت ساقاها أن تنهار، وشعرت بالخجل لأنها أرادت أن تركض، ولكن بعد انتباهها لهذه الحقائق حول جسدها، ازدادت حمرة وجهها القرمزي.

سألها:"هل أنت متوعكة؟ هل علينا أن ننصرف؟".

ردت: "آسفة، هل بمقدوري الجلوس لحظة؟".

قال: "آه طبعا".

وانهارت فوق الكرسي ولم تتمكن من التفكير بشيء تقوله. ولم يعرف الرجل ماذا يفعل وتابع شرب قهوته.

قال:"هل أنت مريضة اليوم؟ أتمنى أنك لم تجبري نفسك على الخروج من البيت…".

"لا، هو دوار الصباح… أنا حامل. هل تعلم".

"آه حقا. تهانينا".

"شكرا".

"لا بد أن رائحة القهوة أزعجتك. هل تفضلين التخلي عنها؟". ونادى النادل مباشرة.

"شكرا جزيلا". كانت لا تزال مضطربة، ولكن ارتاحت لأنها تخلصت من رائحة القهوة.

"ولكن لا بد أن فترة الحمل لا تعود لوقت بعيد".

"نعم. فقط شهران اثنان".

"ولا تعلمين هل هو ولد أو بنت؟. آسف. لأنني أتطفل".

"آه. كلا. لا بأس. لكن لا أعلم بعد. ولم أسأل. تعمدت أن لا أسأل".

"لعل الانتظار والتكهن أفضل".

كان الرجل مهذبا ولطيفا، وشريكا غير متوقع لحديث ممتع. وشعرت بالميل إليه. تكلما قليلا عن الحمل والأولاد حتى سألته فجأة "إذا.. إه.. هل تقبل أن تكون والد طفلي؟".

"والد الطفل؟".

"نعم. لأكون صادقة هذا هو سبب هذا التعارف…". وقدمت له فكرة سريعة عن ظروف الحمل بعد تناول دواء تحديد النسل وتحذير الطبيبة من النتيجة.  واستمع لها الرجل باهتمام واحترام. بعد أن صمتت غرق في تفكيره للحظة ثم قال:"حسنا… أعتقد يجب أن أفكر بالمسألة قليلا. لم أكن أعلم بوضعك حين وافقت على المجيء… كنت أعلم أنه لقاء تعارف لكن أن أتحول إلى أب ليس قرارا سهلا. أتمنى أنك تقدرين وضعي".

"طبعا أنا أفهمك".

"لا يمكنني تقديم جواب فوري، ولكن ربما بعد عدة لقاءات تعارف سأكون جاهزا لاتخاذ قرار. هل سيكون هذا معقولا؟".

"تمام".

أصر الرجل على أن يقودها بالسيارة إلى البيت رغم رفضها المتكرر.  قال لها مع ابتسامة: "مهنتي في الحقيقة سائق. ويمكن أن تثقي بي".

راقبته وهو يقود سيارته في الليل بعد أن خرجت منها قرب بيتها، وفكرت بحوارها معه طيلة الأمسية والشيء الوحيد الذي بقي في ذهنها أنه سائق.

ثم عقدت عدة لقاءات تعارف متتالية مع آخرين. ولكن لم يحصل شيء جديد. تخلل التعارف الذهاب عدة مرات إلى حمام السيدات. ولدى عودتها يكون الرجل قد اختفى. بعضهم كان متوترا ويشعل سيجارة حين تصل إلى ذكر موضوع الحمل وآخرون أظهروا لها الامتعاض من وضعها. واقتنعت أن أول رجل هو الأفضل، ولكن ساعات عمله لم تكن منتظمة. ولذلك يصعب الاحتفاظ باتصال دائم معه.  في هذه الأثناء كانت بطنها تنتفخ ببطء ولكن دون رحمة. وظهر الحمل في الشهر الخامس. وازداد دوارها الصباحي وبلغ مرتبة أسوأ لبعض الوقت وفي خاتمة المطاف انحسر. تضخم صدرها وتضاعف وزنها حتى آلمها ظهرها وقدماها. وخذلتها أنفاسها بسهولة، وكان كاحلاها يتورمان باستمرار. وتشكلت عقدة في صدرها. وكانت تتعرق مثل عفريتة. وتنشغل بزيارات مكوكية لا تنقطع إلى الحمام. وأكد لها المستشفى أن هذه الأعراض علامات طبيعية تدل على الحمل. ولكن في الشهر السادس، توقفت حركة الجنين. كانت تشعر برعشة أو التفاتة بسيطة في داخلها، ولكنها لم تكن أحاسيس تدل على طفل يركل في رحمها.

واستهجنت طبيبة التوليد ذات المكياج الثقيل تراخيها. قالت لها:"ألم تجدي أبا للطفل بعد؟. سوف تعانين من عواقب أفعالك".

"حسنا. ليس الأمر سهلا كما أرى".

"الحياة كلها ليست سهلة. هل تعتقدين أن الحمل سهل؟. ماذا فعلت للتخفيف من آثاره؟. هل لديك فكرة عن الوقت القصير الذي تبقى أمامك؟".

"أنا أحاول ولكن..".

"إذا كان هذا هو حالك الآن، كيف يمكنك أن تكوني أما فيما بعد؟. فكري. حياة جديدة تعيش في بطنك في هذه اللحظات الحاسمة. وكائن بشري يكبر فيها. وعليك أن تواجهي مسؤولياتك تجاه مخلوق قادم. ولكن إذا كنت غير متيقظة في هذه المرحلة من تطور الجنين، كيف سيكون حالك بعد الولادة؟".

"لكن ذلك…".

"يبدو أنك متراخية لأنه ليس بمقدورك عمليا أن تشاهدي الطفل الآن، ولكن اذا استمر هذا الحال سوف تلاحظين العواقب حينما يأتي الطفل. إذا أردت طفلا طببعيا يجب أن تفعلي المستحيل لتجدي أبا له".

"ولكن أنا أحاول جهدي للعثور على أب للطفل، على أن يكون مناسبا..".

"ولكن وقتك ينفد".

كان يبدو أن رأس طبيبة التوليد يسبح خلف طبقات من ظل العيون الأزرق وخط الكحل الأسود - وهددت نظرتها الضيقة النفاذة أن تجرح كل من يقف أمامها.  وبسرعة غادرت المستشفى مهزومة. لم يكن سهلا التجوال لمقابلة الناس وبطنها منفوخة. وحينما أخذ الرجل السابع والثلاثون في سلسلة مواعيدها نظرة من بطنها هرب من المقهى دون كلام، وحالا قررت غن لا تعقد مواعيد إضافية. كان كلامها عن الحمل دون معاشرة نوعا من العناء ولذلك قررت أن تربي الطفل بمفردها. ولكن لم تجد حلا للقلق والخوف المستمرين اللذين يعذبانها. وكانت بطريقة من الطرق تضر الطفل فعلا بولادته دون أب. وأصبح روتينها اليومي هو  الاستلقاء والاستراحة في السرير والاستماع للموسيقا ومشاهدة أفلام فيديو يقال إنها تفيد الأمهات الحوامل. وتناولت أطعمة غنية بالحديد لأن دوارها الصباحي  تحول إلى فقر دم. ولم يتغير إحساسها بالأطعمة ولم تفكر فجأة بتناول أطعمة هي بالعادة لا تحبها. وتباطأت حركة أيامها وأصبحت هادئة، وكل الأقارب الذين لم يهتموا بها على الإطلاق في السابق، تقربوا منها دون سابق إنذار للاطمئنان على سلامتها، وعاملوها مثل شيء هش، وحرصوا على أن يسألوا إن كانت ترغب بأي شيء.

وبغض النظر عن الوقت الذي تنفقه في زيارة طبيبة التوليد لإجراء الفحوصات، كانت حياتها مستقرة ويشوبها الطمأنينة.

وفي أحد الأيام قرأت حكايات خيالية عن أمهات حوامل وهي تصغي للموسيقا المهدئة. وخلال ذاك رن الهاتف. كانت رسالة قصيرة تقول "اتصلي فورا".

لم تعرف الرقم.

وتوقعت أنها مكالمة غير مقصودة وحذفت الرسالة.

بعد عشر دقائق رن هاتفها مجددا. كانت نفس الرسالة. حذفتها أيضا. بعد خمس عشرة دقيقة رن مجددا. نفس الرسالة. في هذه المرة أعقبها علامات تعجب كالتالي: اتصلي بي!! فورا !!.

لا بد أن أحدا بحالة طارئة ويتصل برقم خاطئ. مع ذلك ضغطت على زر اتصال.

رد صوت مذكر غير مألوف:"ألو؟".

قالت:"مرحبا. هل أرسلت لي رسالة قصيرة للتو ؟".

"هل أنت كيم يونغ- لان؟".

فاجأها كلامه.

قالت:"نعم. أنا كيم يونغ   لان. من أنت؟".

سمعت صوت خشخشة. ثم قال:

“Itseu my lady, oh, itseu my lobeu! Oh, datseu, I mean, dat she, she new she wuh!

She seu-peak-seu yet she seseu no, I mean, nuh-ssing, wut obeu det? Huh eye diseu, dee, deesu-co-ssiseu, ahee will en-suh it, ah-im too boldeu, uh, teu, tiseu nat to me she seu- peakseu—”)

(هذه سيدتي، آه، هذه حبي/آه، هي تعلم هذا/ لم تتكلم بعد ولم تقل شيئا: ماذا هو الموضوع؟/ عيناها كلام، وسأرد عليه/أنا شجاع، ولكنها لا توجه كلامها لي- - ).

"إم.. ألو؟".

تابع الرجل بصوت أعلى قليلا،

“Too obeu duh peh, peh-uh-resteu

staseu in oll duh heh-beun, heh-bing sum bee-jeu-nee-seu, do, uh, en, entreeteu huh ah- iseu, to, to teu-inkle—”

(نجمتان خياليتان في كل السماء/ تقومان بالمهمة الموكلة لهما وتخاطبان عينيها/ فتلمعان…).

صاحت:"على مهلك".

توقف الرجل عن الإلقاء.

قالت:"ماذا تفعل بحق الجحيم؟".

"هذا من روميو وجولييت لشكسبير، الفصل الثاني، المشهد الثاني، في حديقة كابوليت".

"عفوا؟".

"هذا شعوري. عرفت ذلك منذ شاهدت صورتك في الصحيفة. أنت امرأة قدري.

Oh,yu, ah, my, ro-seu, my buhning ha-teu—”

"في الجريدة؟ أية جريدة؟".

"شعرت بأنوثتك فعلا من العنوان:'البحث عن رجل ليكون أبا لطفلي'. هذا الكلام أرقى من التفتيش عن زوج. هذه أنوثة، هذه حساسية أدبية. يا عزيزتي يونغ - لان، نحن خلقنا لبعضنا البعض. منذ حبنا للأدب.

too-geh-duh dee-peu luhbeu endeu un-duh-

seu-ten-ding—”

"انظر. لديك فكرة مغلوطة- - ".

"ربما أنا مسكين لأنني ارتكبت خطأ جسيما حين طلبت أن تتصلي بي. ولكن سأرد لك معروفك يوما. النقود ليست شيئا أمام قوة الحب والعاطفة الجارفة. آه يا سييييييدتي،

." وردة بلادي my lehdeu roseu—

"ولكنني لست إنكليزية".

وأغلقت الهاتف وبحثت عن الجريدة. في آخر صفحة شاهدت صورتها مع حروف كبيرة تقول: أبحث عن رجل ليكون أبا لطفلي. وكان اسمها وعمرها بجانب صورتها . وتحت الصورة مؤهلاتها "طالبة جامعية، أدب". ثم رقم هاتفها.

على طاولة الغداء، حملت الجريدة وهاجمت عائلتها. تبادلوا النظر فيما بينهم، وقالوا إنها آخر محاولة لتوفير الأب المطلوب.

"توقعنا أنه من الأسهل أن نكون صادقين وعلنيين…".

شعرت بالقلق، ولكن بعد التفكير بتحذير الطبيبة، لم يكن أمامها غير الخنوع قليلا. وعانت من مكالمات عديدة في وقت لاحق. ولكن كان لديها القليل من الأمل قبل الرد على أي مكالمة. وحينما رفضت أن ترد على رسالة  توسل روميرو، بدأ يخابرها. يوميا. وأصبح لديها مشهد جديد في مسرحية عن شخص مذكر يناشد امرأة، ونهايته التوسل لملاقاته. وكانت هناك مكالمات عبثية من أطفال، وإلى جانبها مكالمات جدية من نساء يعرضن عليها خدمة تقديمها إلى أشقائهن، وآبائهن، وأبنائهن، أو حتى أزواجهن. ووصلتها تهديدات كذلك.

"ألو؟".

"هل أنت السيدة كيم يونغ - لان؟".

"نعم؟".

"هل تتذكرينني يا عاهرة؟".

"ماذا؟".

"تناكحنا. هل تتذكرين؟. وابنك هو ابني".

"إه.. أعتقد أنك اتصلت برقم غلط..".

"كفى هراء. دعينا نتصارح. أحضري عشرة ملايين وان إلى صالة القهوة في فندق إم إم غدا في الظهيرة. وحينها أتكتم على السر".

"عفوا، ما هو الرقم الذي طلبته؟".

"هل أنت خرقاء؟ هل مهلة يوم واحد قصيرة؟ حسنا. سأمنحك مهلة. حتى نهاية هذا الأسبوع ثم احضري إل  مشرب القهوة في فندق إم إم ومعك النقود. أو أنني سأنشر الخبر في محلتك وأقول إننا تناكحنا وأن ذلك الطفل مني. هل تفهمين؟. والجميع سيعرف أنك عاهرة رخيصة".

"في الحقيقة هذا بالضبط ما أريد. أب لطفلي..".

"مستقبلك في الخطر. فكري بالموضوع. عشرة ملايين وان - حتى نهاية الأسبوع. مفهوم؟".

ثم أغلق الخط.

وعانت من عدة مكالمات إضافية ليس لها معنى. ثم في أحد الأيام تلقت في النهاية مكالمة واعدة.

قالت:"نعم؟".

"مرحبا. أنا أكلمك بخصوص الإعلان. هل انت كيم يونغ لان؟". كان صوت الرجل قويا ومهذبا.

"انا هي".

"ذكرت أنك تبحثين عن أب لطفلك، صحيح؟. هل لديك أي شروط خاصة؟ عمر، أو أشياء من هذا القبيل…".

لم تفكر مسبقا بذلك. وردت بغموض:"حسنا، ليس عندي طلبات. ما دام الرجل يعتقد أنه أب جيد..".

"آه حقا؟". وفكر الرجل قليلا. وأضاف:"إذا كيف يتقدم الشخص ليكون أبا للطفل؟".

ضحكت. واعتقدت أنه شخص يستحق الاهتمام. قالت:"لا ضرورة لاستمارة. هل يمكنك أن تخبرني عن نفسك قليلا؟".

"آه يا لقلة انتباهي". وتابع ليخبرها أنه في الثالثة والثلاثين من العمر، متخرج من جامعة، وحاليا يعمل بمجمع شركات. وباعتبار أنها لم تعمل في شركة، لم تفهم معنى صفته المهنية، ولكن اعتقدت أنه يشغل مرتبة عالية بالنسبة لموظف شاب. كان حقا مرشحا كاملا. وحتى لو انه يكذب، وعمليا كانت لديها شكوك قليلة، ووجدت نفسها معجبة بالانطباع العام الذي تركه عندها. وعلاوة على ذلك أعجبها أنه سألها عن ماذا تبحث في هذا الأب. وبعد محادثة مطولة، اتفقا على موعد للقاء في مقهى فندق إم إم في عطلة الأسبوع وأغلقا الخط. في يوم الميعاد اختارت أفضل ثوب أمومة لديها ويناسب عملها، وبعناية تزينت، وذهبت إلى المقهى وقلبها ينبض ويداها على بطنها.

عند البوابة وهي تقف لحظة وتنظر حولها وتتساءل من هو الشخص المعني بالموعد اقترب منها شاب.

سألها:"هل أنت كيم يونغ لان؟".

"بالذات".

تعرفت على الشاب من الصوت الذي سمعته بالهاتف ورأت أنه وسيم بشكل استثنائي. تبعته إلى طاولة. وهناك جلس رجل عجوز، ووقف خلفه آخرانةباستعداد ولهما نظارات شمسية. 

وقدم لها الشاب الرجل المسن. قال:"هذا هو والد زوجتي".

"عفوا؟".

"يجب أن أنسحب الآن لتكونا وحدكما".

"آه. هل بمقدورك أن تنتظر لحظة".

لكن الشاب غادر المقهى.

قال العجوز:"اجلسي".

وسحب واحد من الرجلين الواقفين خلفه كرسيا. ولم تعرف كيف تتصرف، فجلست.

قال:"سأدخل في الموضوع.. اسمي سوه ووشانغ. مدير مجموعة ووشانغ". وفاجأها ذلك. تابع:"الشاب الذي غادر للتو هو زوج ابنتي. وأنا الأخير من ثماني أجيال لم تنجب غير ابن واحد. ولم أنجب ولدا حتى بلغت الخمسين. ولي ابنة وحيدة. وركزنا عنايتنا عليها، ولكنها انتهت بقطعة الزبالة السخيفة التي وقعت عينك عليها للتو. وكنت سأغض النظر عن كل شيء وأنقل الشركة لهما لو لديهما ابن، ولكن مرت ست سنوات دون ابن. لقد وصلت إلى شخص مقرف دون عضو مفيد وهو زوج ابنتي. ولهذا السبب أنا مشرف على فقدان كل شيء عملت في سبيله طيلة حياتي".

ولاحظت أنه منفعل. ورأت أن الوضع يقود باستمرار إلى مزيد من القلق. وفجأة قرب كرسيه منها وقبض على يدها وقال:"لذلك يا سيدتي الشابة. أريد أن تعطيني الطفل الموجود في بطنك. الحقل محروث وجاهز وكل ما تحتاجين له هو البذرة. صحيح؟. سأعطيك بذرتي. لماذا لا تعيشي في بيتي كخليلة؟. وستكون مهمتك الحفاظ على خط نسلنا، قدمي لي ابنا جميلا وبدينا وسأضمن لك ولابنك حياة رغيدة".

"أوه. عذرا يا جدي. لكن…".

"زوج ابنتي الأحمق أخبرني أنك غير معنية بالعمر. أنا بعمر اثنين وثمانين عاما ولكن دمي حار كالشباب. وسأضيف اسمك لسجل العائلة وستنالين كل الامتيازات. ما رأيك؟".

"يا جدي.. هذا". وحاولت أن تجد مخرجا لها من هذا الموقف اليائس، وأن تحرر يدها، وفي هذه اللحظة رن موبايلها. شعرت بالارتياح. وتمكنت من جر يدها للرد على الهاتف.

قالت"ألو؟".

ولكن لم تسمع أي رد. ومات الخط. فقبض العجوز على يدها مجددا.

وقال:"ما رأيك أيتها السيدة الشابة؟. امنحيني ابنا وستنعمين بقية حياتك بالرفاهية بصفة زوجة شركة كبيرة. وهذه فرصة لا تحين إلا مرة في العمر".

"كيم يونغ - لان؟".

رفعت نظرها. ورأت أمامها وجها فظا لرجل بأواسط العمر.

قال: "أنت تعرفين من أنا. أليس كذلك؟. هل أحضرت العشر ملايين وان؟".

سأله العجوز:"من أنت أيضا". وقطب وجهه بوجه هذا الدخيل.

"من أنا؟". قال الرجل الآخر وهو يسحب سيجارة من جيب قميصه. ويشعلها. وينفخ سحابة دخان بوجه العجوز. اقترب الرجلان اللذان يضعان نظارات شمسية والواقفان خلف العجوز، ولكن العجوز رفع يده لإيقافهما. عاد الرجلان إلى موضعهما السابق. دخن الرجل متوسط العمر بشراهة وقال:"أنا حبيب هذه المرأة. والطفل الذي في بطنها لي".

"ماذا؟".

"هل أنت أبوها؟. أم منحرف وتريد شراءها لإشباع غريزتك؟. يا للمسيح. هل أصبت الهدف في هذه المرة". وابتسم للرجل العجوز، ووضع وجهه على بعد بوصة من وجه العجوز، وهدد بصوت منخفض يقول:"لا أعلم إن كانت هذه هي ابنتك الغالية أو زوجتك المرفهة، ولكن إن كنت لا تريد أن يعلم الجميع أنها تحمل بابني، عليك أنك تدفع حالا خمسين مليون وان".

صاح العجوز بصوت مرتفع جعل الرجلين بالنظارات الشمسية يتقدمان خطوة:"ماذا يقول هذا الزنديق".

لم يتراجع الرجل متوسط العمر. قال:"زنديق؟. من تنعت بكلمة زنديق؟. إن كنت تعرف مصلحتك، ادفع النقود ما دمت كريما معك. ثم سأنصرف بطريقي".

نظر العجوز إليها وإلى متوسط العمر وقال:"هاه". ونهض وحرك عصاه على الأرض. وأسرع الرجلان بالنظارات لمساندته.

قال الشاب:"إلى أي جهنم أنت ذاهب؟". وقبض على ياقته. تابع:"هل تعتقد أن هذا - - أووف!".

ضرب أحد الرجلين المقنعين بنظارة وبسرعة متوسط العمر في معدته. فتدحرج على الأرض وانصرف الشرسان مع العجوز.

فقفز نحو الثلاثة وهم يغادرون قائلا:"أبناء حرام ملاعين. لماذا ضربتموني". وتكوم الأربعة على الأرض بشكل كومة متعاركة.

ساعد أحد الرجلين المقنعين بنظارات العجوز على الوقوف، بينما انهال الثاني بالضرب الشديد على متوسط العمر. وانطلق صراخ زبائن المقهى. واستدعى عامل الفندق بعصبية شخصا بالهاتف. وتجنبت المرأة العراك بحذر وانصرفت بمفردها.

وتضاعف ثقل قلبها بالمقارنة مع بطنها وهي تقترب من موقف الحافلات. وانتابها الاحساس بالغباء، وأيضا لم تتمكن من الامتناع عن الضحك على سخافة الوضع الحالي. ووصلت الحافلة. وحاولت أن لا تسقط على وجهها وهي ترتقي على السلالم. وراقبها السائق بانزعاج وانطلق قبل ان تنتهي من صعودها. وتقريبا سقطت لو لا أن مفتش التذاكر تداركها بالوقت المناسب.  ومع ان الحافلة لم تكن مزدحمة، لم تكن هناك مقاعد شاغرة. وارادت ان تذهب الى الخلف فمحطتها بعيدة، ولكن لم تتمكن من التوازن في حافلة تهتز، وقبضت على عمود بجوار مقعد السائق وانتظرت كي لا تضحي بحياتها العزيزة.

 قالت امراة بمتوسط العمر كانت تجلس قربها:"اجلسي هنا أيتها الشابة".

"آه. أنا على ما يرام، شكرا".

ابتسمت المرأة بحرارة وهي تتظاهر بالشفقة وقالت: "لا يبدو أنك بخير أبدا. بطنك أكبر من جبل نامسان، كيف يناسبك الوقوف في حافلة متأرجحة؟. أنت تسببين لي القلق. اجلسي حالا".

ابتسمت ابتسامة مرتبكة وهي تجلس بحذر بمعونة من المرأة الكبيرة وقالت:"شكرا جزيلا".

وما أن جلست، نظرت إلى وجهها المرأة متوسطة العمر باهتمام وصاحت:"هيي. ألست أنت البنت المذكورة في الصحيفة؟".

"عفوا؟". قالت وهي تعلم التتمة وقلبها يهبط في بطنها.

"أنت التي تبحث عن أب لابنها؟".

"إيه..". قالت وهي مصدومة مما جرى في المقهى، ومن التذكير بالإعلان الذي كاد أن يجبرها على البكاء.  وندمت بمرارة لأنها لم تطلب إلغاء الإعلان فورا.

قلت لها: "لا بد أن الأب الحقيقي هرب بعد الحمل، هل أنا محقة؟".

وبدأت المرأة الكبيرة بحياكة قصة من خيالها. قالت:" مسكينة. كيف أمكنه هجر بنت شابة وجميلة مثلك؟".

ربتت المرأة النصف على ظهرها كما لو أنها أم حقيقية. وأزعجها ذلك، وشعرت بالهوان، ولكن بنفس الوقت كانت يد المرأة دافئة وتخفف بلمساتها الجرح الذي أصابها. وتابعت المرأة الكبيرة تقول:"أقصد هذه هي الحياة. ومكتوب عليها أن تستمر. فكري بالطفل الموجود في أحشائك. تمسكي بالحياة من أجله. ليس من السهل في هذا التوقيت تربية ولد دون شريك. لكن عليك أن تكوني قوية وتعيشي حياتك. الأولاد يكبرون بسرعة. تذكري كلامي، في القريب العاجل سيبدو هذا اليوم مثل ذكرى بعيدة…".

وخفت صوت المرأة وهي تنظر إلى ما أمامها. ثم صدر صوت انزلاق. وتوقفت الحافلة. واستعادت المرأة الكبيرة وعيها. قالت:"آه يا إلهي. أين أنا؟". وضغطت فورا على زر الإخطار ونظرت بذعر من النافذة وقالت:" انظري. عليك أن تمري في كل تلك الملابسات. وأنا متأكدة أن أب الطفل سيعود يوما".

وغادرت المرأة في الموقف التالي. وفي النهاية غادرت هي أيضا وسارت بقية المسافة إلى البيت وهي شاردة. واتصلت بالصحيفة وطلبت وقف الإعلان. ثم أغلقت هاتفها وأودعته في أحد الجوارير. أما الجنين الموجود في رحمها، وعلى الرغم من أنه بلغ ذروة حجمه، كان أحيانا يرتعش ويلتف. غير أنه لم يركل ولم يمنحها الانطباع بأنه حي حقا. وساء فقر دمها. وأصبحت ترى حركة الجنين في الموجات فوق الصوتية دون أن تشعر به. ولم يكن هناك أي عيب فيها. وبغض النظر عن الإلحاح حول ضرورة تحديد أب بسرعة، لم يكن عند الطبيبة شيء تقوله لها.

وكبرت بطنها جدا وشعرت بقية الحوامل بالقلق من وجودها بينهم. ولكن ماذا يعني أن لا ينمو الطفل "بشكل مناسب"؟. فكرت بنظرة الطبيبة البراقة والمعادية من وراء مساحيقها الثقيلة. لو كانت بحاجة لأب من أجل الطفل لينمو دون معوقات، ماذا يعني حجمه في بطنها الآن؟. ألم تكن مرعوبة وببساطة من كلمات الطبيبة القليلة - وهل هي إلا امرأة ذات شخصية مزعجة؟. ألم تركز كثيرا على البحث عن أب للطفل ولم تفكر جيدا بما يحتاج الطفل فعلا؟. وعدا نموه، وبوجود أب أو من دون أب، الطفل لها و لها وحدها  بالمعنى الحقيقي للكلمة.

"عيشي من أجل الطفل". تلك الكلمات لم تنظفها تماما من قلقها واضطرابها، ولكنها أخيرا ترى نفسها هادئة وهي تكررها في ذهنها.  ولأول مرة شعرت أنها بحاجة للطعام. ودون انقطاع. وأرادت أن تأكل شيئا طيبا من أجل الطفل. فقفزت من مقعدها. وحينما فتحت عينيها مجددا، كانت متمددة على الأرض. لماذا أنا مستلقية هنا؟. تمكنت من النهوض. واستغرق ذلك بعض الوقت لاستعادة انتباهها.

فقر الدم. لا بد أنه أغمي علي حينما وقفت. تحسست قفا رأسها. لاحظت وجود رض قوي. وانتابها الذعر. وشعرت بحرارة بين ساقيها. هل بللت نفسي لحظة سقوطي؟. هذا محرج جدا. من الأفضل أن أنظفه قبل عودة العائلة إلى المنزل.

في هذه المرة وبحذق نهضت من الأرض. وعبرت الشقة بعناية وذهبت إلى المطبخ. حملت رقعة، وببطء مسحت بها الأرض.  وتابع الماء الدافئ بالتدفق وهي تمسح الأرض. وتلونت الرقعة قليلا بالأحمر. انتقلت إلى الحمام. كان سروالها منقوعا بلون أحمر. ومن الرائحة علمت أن السائل الأحمر ليس البول.

عجيب…

فتحت دليل الحوامل الذي قدمته لها طبيبة التوليد. وقرأت "اتصلي بالمستشفى إن ظهر أحد الأعراض التالية".

أحد البنود نص على ما يلي: "إن تابع سائل واضح بالتدفق (إن انفجر ماؤك)".

وآلمتها معدتها فجأة. وتضاعف الألم وانحسر مثل موجات سريعة. وبيدين مرتجفتين اتصلت بالطبيبة. وباشر قفا رأسها بالخفقان. ردت على الهاتف ممرضة شابة، وأصابها الذعر حينما سمعت بالإغماء وفقر الدم وانفجار الماء. وتبع ذلك دمدمة أو تعليق للخط. وزاد ألم بطنها.

قالت:"اسمعي. أنا وحدي في البيت. ماذا يجب أن أفعل؟. ورأسي يؤلمني منذ ارتطمت …".

ردت:"أرسلنا لك سيارة إسعاف. وستكون عندك حالا. لا تبتعدي. وابقي على الأرض".

وتأكدت الممرضة بلمح البصر من اسمها، و عنوانها، ورقم هاتفها. أضافت:"لا تغادري البيت.  ستكون الإسعاف معك فورا".

وحضرت الإسعاف فعلا بلمح البصر. رن جرس الباب ففتحته، وأسرع بالدخول رجال طوال، حملوها على نقالة، وأودعوها في سيارة الإسعاف. وكان رجل آخر يقف باستعداد في الخارج للمساعدة في جر النقالة. وفورا تعرفت عليه. "إم.. هيي".

اتسعت عينا الرجل وهو يميزها. وبدأ يقول شيئا، ولكن البقية دفعوها إلى السيارة قبل أن تسمع ماذا يقول. وأغلق الرجل الباب بسرعة وركض إلى مقعد السائق. وأدار المحرك.  كانت رحلتها إلى المستشفى كابوسا فوق رأسها. العربة تهتز، والصافرة تثقب الأذنين، والمسعفون كرروا القياسات والتهيئة والاستفسارات مرارا. وأدخلوا إبرة في شرايينها، ووضعوا حول ذراعها جهاز الضغط، ومرروا صفيحة منظار باردة على بطنها. وشعرت كأن قفا رأسها يكاد أن ينفلق بسبب الألم إلى نصفين، وانتابتها الرغبة القوية بالتقيؤ. ولكن ألم مخاضها لم يعاود الكرة. وعلى الرغم من انحسار الوجع، زاد نشاط الجنين في بطنها. وكأنه يعوض عن شهور من الخمود، يبدو الآن وكأنه سيخرج من رحمها. ويمكنها أن تتخيل الطفل وهو يدق على جدران الرحم ويصيح:"أريد أن أولد، أريد أن أحيا، اعثروا لي على أب".

وتابع المسعفون الاستفسار عن شعورها بالانقباضات ومدة تكرارها. واستمرت بالإجابة قائلة إنها ليست عرضة للانقباضات و إنها تشعر بالخوف من وجود خطأ في طفلها، وازداد هذا الخوف  وأصبح سحابة داكنة يزداد حجمها وقريبا ستبتلع كل شيء فيها. وقبضت على مسعف قريب منها وتوسلت أن يكون أبا لابنها. ثم غمرتها موجات ألم وصارت تنوح وتحضن بطنها بسببها. وفجأة توقفت السيارة. وضغط السائق بإلحاح على المنبه.  ونادت على السائق بالاسم. ونهضت من نقالتها وزحفت نحو مقعد السائق.  وتوسلت لأول شريك في أول موعد تعارف وقالت له:"من فضلك اقبل أن تكون أبا لابني. لم يتأخر الوقت. والطفل أوشك على الولادة. من فضلك ساعدني. لم يتأخر الوقت….".

ومد سائق الإسعاف رأسه من النافذة وصاح:"يا أوغاد. أفسحوا الطريق. هذه إسعاف. ولدينا امرأة حامل في حالة إغماء".

وجرها المسعفون من الخلف إلى النقالة وألقوها عليها. وباشرت السيارة بالحركة مجددا. وتجاوزت الضوء الأحمر. وقفزت من فوق خطوط الاتجاه، وأسرعت لتتخطى رتلا طويلا من السيارات. وهي تجري بسرعة جنونية. وفي النهاية وصلت إلى المستشفى، وهناك حملوها من السيارة. وأدار رجل أول موعد تعارف المحرك ومنحها نظرة محرجة أخيرة من المرآة التي أمامه وكانت نقالتها تندفع إلى غرفة الطوارئ. وأكدت الطوارئ أن الإغماء خفيف جدا وحملوها إلى غرفة الولادة.  كانت غرفة الانتظار مزدحمة بنساء ذوات بطون كببرة مثل جبل نمسان. بعضهن متمسكات بأذرع أزواجهن، وتعولن كأنهن على وشك الموت بينما أخريات تتجولن دون اهتمام، وتبكين بهدوء، أو تتبادلن الكلام مع الممرضات. أما هي فقد هدد جنينها بالخروج في أي دقيقة وكان جسمها يتصدع ببطء بعد كل ركلة. واحتواها الوجع. وحينما خف، بقيت مع صداع ينبض وشعرت معه كأن قلبها أصبح في جمجمتها.  وألحت الممرضات عليها أن تمشي إن أرادت خروج الجنين بسرعة، ولكن صداعها كان كثيفا ولم تتمكن من الجلوس. استلقت في السرير وحملقت في السقف حتى تورمت عيناها من ضوء النيون الأبيض. وانتفض رأسها مع نبضات قلبها. وشعرت أن قلبها يبعد مقدار بوصة عن جسدها مع كل نبضة وكان يصعد ببطء نحو السقف الأبيض. ولكنها كانت تنكمش كلما شعرت بموجة ألم إضافية تعجنها لتصبح مثل بساط قديم. وكانت تترنح بسبب الانقباضات المتناوبة المترافقة مع الصداع تحت تأثير مشاعر عامة بالهدوء بينما كان يغمر داخلها نور أبيض. وأصبحت الفترات الفاصلة بين الانقباضات أقصر وطالت فترة الوجع وتضاعفت لدرجة لا تحتمل.

فحصتها الممرضات وقلن لها إنها جاهزة لغرفة الولادة. واستمرت بالارتفاع كالبالون وكانت تعود مع كل موجة ألم، وتمسكت ببطنها وهي تسير إلى غرفة الولادة. واستلقت تلقائيا على طاولة الولادة. وبصعوبة سمعت التعليمات السريالية للطبيبة وهي تستعد.

أيضا. وأيضا. و - انزلقت كتلة من بين ساقيها، أو بالأحرى، تدفقت. وشعرت براحة عظيمة انتشرت في بطنها. استلقت بهدوء، بانتظار سماع صراخ الطفل.

وخيم الصمت.

ولم يتحرك لا الطبيب ولا الممرضات. ولم يتفوه أحد بكلمة. وبصعوبة همست:"ماذا؟. هل هو… ميت؟".

لم تسمع إجابة.

كررت:"هل الطفل ميت؟".

وتغلغل اليأس والخوف في تبلدها الأعمى والأبيض، وهزها. تحركت وصارعت لتنهض. أخذت ممرضة الطفل بنعومة من الطبيبة وقدمته إليها. كان "الطفل" أسود وأحمر، وله رائحة جلطة دموية كبيرة كأنها رائحة حديد خفيفة.

سألت وهي تنظر حولها للطبيبة والممرضات:"ما هذا؟". واستقامت بجلستها قليلا متكئة على ذراع وحضنت الطفل بالذراع الثاني. وكانت الجلطة الدموية دافئة فوق صدرها.

قالت:" ما هذا؟".

ردت الطبية:"طفل". وكان نصف وجهها مغطى بقناع طبي، ولكن لم يستر الظل الأزرق الناصع حول عينيها، ولا الكحل الأسود.

قالت:"هذا.. هل هذا طفل؟".

"أخبرتك أن تجدي للطفل أبا. أنت من قبلت أن ينمو بلا أب. وهذه هي النتيجة".

كان صوت الطبيبة باردا، ويبدو أن عينيها تقولان، هذه هي خطيئتك.

وتحركت الخثرة الدموية.

ارتعدت. وقالت الممرضة التي قدمت لها الطفل بهدوء:"الطفل يبحث عن أمه. وينظر لأمه. انظري في عينيه السوداوين". وشعرت أن الخثرة الدموية تنظر نحوها أيضا. ولكن لم تعلم أين هي العينان بالضبط. أو بصراحة أين ينتهي رأسه وأين يبدأ جسمه. وانتابها الاضطراب. وأدارت الخثرة الدموية لتفحصها.

وواصل "الطفل" نشاطه ثم بدأ بالارتجاف. والتمعت الخثرة السوداء المحمرة لفترة قصيرة وأصبحت شفافة وبلورية مثل جوهرة دامية.

في اللحظة التالية، تحول "الطفل" إلى بركة من دم سائل. وتبللت يدها وصدرها بالدم، وبقيت ذراعها محنية كأنها تحمل الطفل، ونظرت الى الأسفل بصمت لتنظر إلى صدار ثوبها التالف وإلى بركة الدم في وسط طاولة الولادة. وانفتح ببطء باب غرفة التوليد. ودخل إلى الحجرة بتردد أول موعد تعارف، وهو سائق الإسعاف.

قالت واحدة من الممرضات:"أنت غير مخول لك بالدخول".

رد:"آه، أنا… أنا الوصي عليها. حسنا. لست الوصي …".

ثم التفت إليها وتلعثم يقول:"هل يمكن أن أكون راعيك الآن؟. إن لم يتأخر الوقت...".

وخفتت كلماته وهو يتفحص الغرفة ويلاحظ أنها مغطاة بالدم.

"إه.. هذا ليس..؟".

وببطء، التفتت ميكانيكيا برأسها وحدقت دون معنى بوجه الرجل المحتار. ثم التفتت مجددا ببطء، وبصعوبة، نحو بركة الدم التي تقطر على السرير والتي كانت طفلها. غطت وجهها بيديها المدماتين وباشرت بالبكاء. بدأت بنحيب خافت تحول سريعا إلى عويل واضح. ولم يكن بمقدورها أن تحدد هل هي دموع الخلاص، أو الأسف على فراق طفلها، أو لسبب مختلف تماما.

***

* الترجمة إلى الانكليزية أنتون هور

* بورا شونغ Bora Chung كاتبة وأكاديمية من كوريا الجنوبية. تعمل بالتدريس في جامعة يونسي. من أهم أعمالها رواية قصيرة بعنوان "الثعلب"، ومجموعة قصص بعنوان "الأرنب الملعون". في أعمالها، مثل أهم النتاجات الكورية الجديدة، عناصر تمزج الثقافة الروحية للفكر البوذي مع الوعي المادي بسحرية التخلف كما يمثلها ماركيز ويوسا وآخرين في أمريكا اللاتينية.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5712 المصادف: 2022-04-26 02:12:58


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5815 المصادف: الاحد 07 - 08 - 2022م