 ترجمات أدبية

كاملة شمسي: النزهة

3900 كاملة شمسيبقلم: كاملة شمسي

ترجمة صالح الرزوق

***

فتحت عذرة البوابة وقفزت إلى الشارع. قالت أمها من الحديقة: هل أنت متأكدة. كانت تدور في الحديقة حول نفسها، وتتم دورة كل 45 ثانية.

ردت عذرة: الجميع يفعل ذلك  حتى النساء الوحيدات.

تركت البوابة مفتوحة وهي تغادر، حاملة حقيبتها الصغيرة، وكانت فارغة وليس فيها غير الموبايل الذي يزيد من شعورها بالأمان وبنفس الوقت من إحساسها أنها هدف أيضا. 

صاحت زهرة: خمس دقائق.  وتقدمت من عذرة بخطواتها المعتادة والجريئة. كان صوتها بلا شك مسموعا حتى منتصف الشارع. أضافت: أنا بحاجة لخمس دقائق لأصل إليك. أو أقل.

وقد كان ذلك بعيد الاحتمال لو وضعت بحسابك أن السيارة تحتاج تقريبا لهذه الفترة لتقطع المسافة بين البيتين، ولكن أصرت زهرة أن تقديراتها واقعية بسبب قواعد المرور: كان الطريق أحادي الاتجاه.

أغلقت عذرة البوابة، وانتبهت أن أمها توقفت عن الدوران في الحديقة وأصبح صوت خطواتها يأتي من الممشى لتغلق البوابة من الداخل بالمزلاج. قالت عذرة من بين الفتحة الضيقة بين البوابة والجدار: اغسلي يديك.

ردت أمها: نعم، نعم، حسنا أيتها السيدة الخوافة.

وانطلقتا، زهرة أمامها بخطوة وعلى مبعدة أقدام قليلة إلى جانبها. لم يكن هناك أرصفة، ولذلك سارتا على الطريق، ولكن حتى في الأوقات العادية كان قليل من المركبات تمر في الشوارع السكنية. وبعد عدة بيوت، رفعت امرأة تقف على الشرفة يدها بإشارة للاثنتين. كانت المرأة تقطن هناك منذ تشييد البيت، قبل 25  عاما خلت تقريبا في أعقاب نهاية أيام الجامعة وعودة عذرة إلى بيتها. ردت عذرة بحركة من يدها. وكان هذا أول تواصل.

كان الوقت في بداية نيسان /إبريل  والشتاء قد تحول إلى ذكريات في كراتشي. تمسكت عذرة بقميصها، وكان ملتصقا بجسمها بسبب الرطوبة. كانت زهرة ترتدي ما يناسب النزهات الاعتيادية في الحديقة العامة - سروال اليوغا والقميص الخفيف. وقد مر أكثر من ثلاث أسابيع منذ آخر نزهة، ولكن كانت زهرة تذهب إلى هناك بالسيارة يوميا لتطعم القطط الشاردة. وكان رجال الأمن، الذين يشاركونها رحمتها بالحيوانات، يفتحون لها البوابة.

دار حوار حول موضوع واحد فقط، ولكن تفرع لعدة اهتمامات ثانوية. وتراوحت بين أمور صغيرة وملحمية، وهما تسيران نحو الأمام، والصمت الطقوسي يخيم على الطريق الرئيسية  حتى حاصرهما شذا البحر بالصمت.

وكان يلمع أمامهما لبعض الوقت ثم اقتربتا منه، الرمل على مد البصر، بلون الجمل، البني الطبيعي، والماء وراءه يميل إلى لون رمادي. ثم بائعو الأطعمة، وعربات الرمال، وبائعو طائرات الورق،  والأزواج المستجمون عند الجدار البحري، كان زحام العائلات يتجمع في مكان واحد حيث يتحول صياح مدينة كراتشي إلى ابتسامة واسعة. ثم جاء شرطيان مقنعان على ظهر حصان.  وطلبوا منهم الانصراف. انصرفتا من طريق آخر  إلى البيت ودخلتا في طرقات متعرجة وضيقة محفوفة بالأشجار. وتوقفتا لمناقشة طراز البيوت التي لم تلاحظاها سابقا، مع أنهما عاشتا كل حياتهما في هذه الأميال المربعة المعدودة من مدينتهما المترامية الأطراف.

وبالصدفة وجدتا نفسيهما في طريق مزدحم بالمشاة، وكانتا تعرفان عددا منهم. لوح لهما الجميع، وشعر الجميع بالغبطة لهذا اللقاء، كأنهم كانوا متباعدين ومشتتين مع أنهم في الحقيقة متجاورون.  ومر الصغار على دراجاتهم وهم برفقة الكبار. لم يعرف هذا الشارع كل هذا التجمهر المرح من قبل. وصاحت عذرة تحيي صديقة من أيام المدرسة، ولم تكبت نبرة صوتها، ولم تنتبه للاهتمام المحتمل الذي قد ينجم عنه. وتدلت حقيبة يدها بحرية على جانبها، دون أن تقبض عليها. وفي تلك اللحظة، أصبح المكان أفضل من أي وقت مضى - معطاء وآمنا.

قالت عذرة: بعد أن تمر هذه الفترة العصيبة ربما يمكننا أن نتنزه أحيانا هنا ولا ندور في أرجاء الحديقة دورات عبثية لا ضرورة لها.

 ***

 .........................

كاملة شمسي Kamila Shams: روائية باكستانية تقيم في لندن. من أهم أعمالها: نيران منزلية (مترجمة إلى العربية بعنوان نار الدار)، ظلال محترقة (مترجمة إلى العربية)،  في المدينة قرب البحر، قصائد مكسورة…..

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5777 المصادف: 2022-06-30 01:43:18


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5815 المصادف: الاحد 07 - 08 - 2022م