اخترنا لكم

العلمانية والدين

تأكيد قد تناولت هذا الموضوع سابقا، وتناولها الكثيرون غيري، لكن تبقى لكل مقالة ثمة خصوصية، كما تبقى لكل كاتب نكهته الخاصة.

 

بسبب ما أحاط العلمانية من شبهات واتهامات وحالات سوء فهم من بعض روادها، كما من مخالفيها وخصومها، لاسيما من دعاة الإسلام السياسي. من هنا نجد أن أشد العلمانيين علمانية، ومنذ التغيير في العراق في التاسع من نيسان 2003، كما هو الحال مع كثير من غير العراقيين من علمانيي العالمين العربي والإسلامي، يتجنبون استخدام المصطلح، فيذهب بعضهم إلى استبداله بـ(المدنية)، وبعض آخر بـ(الليبرالية)، و(الليبرالية) هذه شاع استخدام خاطئ لها في العالم العربي، بأصبحت مرادفة بـ(الاعتدال)، أو أحيانا بديلا لـ(العلمانية) بسبب المحذور من استخدام المصطلح، لأنه أصبح يفهم بمعنى (اللادينية). وفرق بين أن نقول أن العلمانية ليست دينية، أو أن نقول أن العلمانية تعني (اللادينية). فكونها غير دينية يعني أنها لا تعنى بموضوعات الدين، وتقف من الدين موقفا محايدا، باستثناء الدين المسيس، أو المقحم في الشأن السياسي، وفي شؤون الدولة، فهو أي الدين السياسي هو المرفوض عند العلمانيين، وليس الدين كدين، إذا ما جرى الفصل بينه وبين السياسة، وبينه وبين الدولة. أما القول بأن العلمانية هي اللادينية، فيعني الموقف المناوئ للدين، وهنا يجري التحول من موقف الحياد تجاه الدين، إلى موقف الخصومة منه. وربما هذا ما يعبر عنه بالعلمانية المتطرفة، كما الدين المتطرف، ففي الوقت الذي يكون أحد مصاديق الدين المتطرف هو الدين المسيس، بينما يكون أحد مصاديق الدين المعتدل هو الدين الذي يقبل بالفصل بينه وبين السياسة، ويجعل الدين شأنا شخصيا، أو من شؤون المؤسسات الدينية، لا مؤسسات الدولة والأحزاب السياسية، هكذا يمكن اعتبار العلمانية المعتدلة هي التي تحترم الدين من جهة، ولكنها ترفض رفضا قاطعا تسييسه أو أدولته، كما ترفض تديين أو أدينة كل من السياسة والدولة والدستور. فالعلمانية السياسية كما ترفض أن يحشر الدين والتدين كشأن شخصي في قضايا السياسة، لا تريد أن يحشر موقف اللادينية ورفض الدين كموقف شخصي أيضا في الشأن السياسي.

 

من هنا إذا طرحنا سؤال ما إذا يمكن تصور تبني المشروع العلماني من قبل أشخاص دينيين، أي مؤمنين بثمة دين، إسلاما كان أو مسيحية أو غيرهما، بل ومن قبل المتدينين، أي الملتزمين بلوازم الإيمان الديني على مستوى السلوك، لكن في الدائرة الشخصية، لا الاجتماعية، فمن غير شك يكون الجواب بالإيجاب، لأن يؤمن بالفصل بين الدين والسياسة، وبين الدين والدولة، بالرغم من إيمانه بدينه، إما لأن دينه لا يتبنى إقحام الدين في السياسة، وإما أنه أي ذلك المتدين أو الديني الملتزم يفهم دينه وتدينه على نحو يقبل بالعلمانية بما شرحنا معناه، فليس هناك من تناقض بين دينيته اللاسياسية أو غير المسيسة، وبين علمانيته السياسية. كما أنه ليس من تلازم بين التدين والإسلامية السياسية، فليس كل متدين إسلاميا بالضرورة، بل هناك من غير شك على ضوء الفهم الذي قدمناه للعلمانية متدينون علمانيون. بل هناك من الإسلاميين، ومن عموم الدينيين أو المتدينين، من العقلاء والمعتدلين من يمكن تصوره يتبنى حتى بعض مفاهيم العلمانية، من قبيل النسبية، والعقلانية، ومبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية، والحرية، والليبرالية. ذلك أن هناك ثمة فهما واستنباطا وتأويلا للدين عند البعض، يجعلهم يجمعون من غير تكتيك أو نفاق أو ازدواجية بين مفاهيم الدين ومفاهيم الديمقراطية والعلمانية والليبرالية.

 

ثم نطرح السؤال المعاكس ألا هو: هل يجب أن يكون العلماني لادينيا بالضرورة؟ من غير شك أن الجواب يأتي بالنفي، خاصة إذا عنينا بالعلمانية العلمانية السياسية. نعم العلماني يمكن أن يكون دينيا أو لادينيا، إلهيا أو ماديا، منتميا لدين مع الالتزام أو بغير الالتزام، مسلما أو مسيحيا أو يهوديا أو صابئيا أو إيزيديا أو زرداشتيا أو بوذيا أو مؤمنا لادينيا، كما يمكن أن يكون ملحدا. لكن كل ذلك من المواقف تفرض العلمانية السياسية عدم إقحامه في الشأن السياسي، فكل موقف يتعلق بالميتافيزياء إيجابا أو سلبا يبقى شأنا شخصيا، ترفض العلمانية تسييسه أي إقحامه في الشأن السياسي. وقد يسأل سائل ما الذي يجمع كل الذين ذكرتهم ممن افترضتهم علمانيين. فأقول هنا من ناحية فلسفة الحياة عموما مشتركان أساسيا يجمعانهم، ألا هما عصر (العقلانية)، وعنصر (الإنسانية)، أما سياسيا، فالذي يجمعهم أيضا مشتركان، هما (الديمقراطية) و(العلمانية)، فلا علمانية من غير ديمقراطية، كما ومن قبيل الأولى لا ديمقراطية حقيقية ومستقرة وراسخة ومضمونة من غير علمانية.

 

 

إذن وعلى ضوء ما مر لا تعني العلمانية بمعناها السياسي، فقط الفصل بين الدين وبين كل من الدولة والسياسة، بل هناك معنى أعم لها، ألا هو الفصل بين العقيدة بالقضايا الميتافيزيائية إيجابا أو سلبا من جهة، وبين كل من الدولة والسياسة من جهة أخرى. أرجع وأقول إن العلمانية كما هي ليست دينية، فهي أيضا ليست لادينية بمعنى مناوءة الدين، بل هي محايدة دينيا، ومن هنا رفضت في إحدى الندوات التي دعيت إليها في لندن قبل سنتين مصطلحا طرحه أحد المشاركين دفعا منه عن العلمانية شبهة معاداة الدين، فطرح مصطلح (العلمانية المؤمنة)، فاعترضت قائلا، إن العلمانية لا يمكن نعتها بأنها مؤمنة، كما لا يمكن نعتها بأنها كافرة، ومن هنا فلا وجود لا لا لـ(العلمانية المؤمنة) ولا لـ(العلمانية الكافرة).

 

نعم ربما يجري الكلام عن العلمانية الفلسفية، والتي هي أعم من العلمانية السياسية، أو حتى ما يسمى ربما بالعلمانية الاجتماعية، أو أحيانا أيضا العلمانية الثقافية. ولنتوقف عند العلمانية الفلسفية. هنا أفضل عدم استخدام مصطلح (العلمانية)، لما يؤدي ذلك إليه من لبس. فالعلمانية الفلسفية، يمكن نعتها على اختلاف متبنيها، إما باللادنية، أو حتى الإيمان اللاديني، أو لعله الإيمان العقلي، أو اللاإيمان، بمعنى الإلحاد. إذن ليس هناك درجة واحدة مما يمكن نعته بالعلمانية الفلسفية. وأترك الكلام عن العلمانية الاجتماعية أو العلمانية الثقافية.

 

أرجع وأقول إن العلمانية، وأعني بطبيعة الحال العلمانية السياسية، وكما أعني بالضرورة العلمانية الديمقراطية، هي الحاضنة الأفضل لكل التيارات السياسية (الديمقراطية طبعا) ولكل قضايا الدين والوطن، لأنها تحترم عقائد الأفراد والجماعات، بما في ذلك عقائد من لا عقيدة دينية له، وتدافع عن حرية التدين والشعائر الدينية، كما تدافع عن حرية عدم التدين، طالما كان المتدينون وغير المتدينين، وطالما كان الدينيون واللادينيون، يحترم بعضهم حريات وحقوق البعض الآخر، ولا يسيسون عقائدهم الدينية أو عقائدهم اللادينية. وهذه الأفكار صحيحة حتى دينيا، وذلك من وجهة نظر وطريقة فهم دينية، تعتمد ديناميكية التشريع الديني ومواكبته لروح العصر، وتتبنى فكرة أن الثابت من الدين جوهره، وليست أشكاله، قيمه وليس فقهه، وذلك من خلال فهم لأصحاب هذه الرؤية يجمع بين إيمانهم من جهة بإلهية الدين يقينا أو ظنا، وبامتناع أن يصدر ما هو متناف مع العقلانية والإنسانية من الله سبحانه وتعالى، مما يجعلهم يجمعون بين دينيتهم كشأن شخصي بينهم وبين ربهم، وفي سلوكياتهم مع الآخرين فيما لا يؤثر على النظام الاجتماعي العلماني العام، هذا من جهة، وبين ديمقراطيتهم وعلمانيتهم السياسية من جهة أخرى.

 

[email protected]

عن كتابات

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1411 السبت 22/05/2010)

 

في المثقف اليوم