الضفادع / قصي الشيخ عسكر

qusay_askarكانت هناك أمامي وخلفي أكثر من صورة غريبة، مجسمات.. رسوم توضيحيّة أشرطة فيديو.... جداول..بدت الندوة كبيرة بذل مضيفونا مجهودا ضخما لإنجاحها،

 وقد ضحكت من نفسي حين عرفت السبب فيما بعد، فلست وحدي، كلّنا نجهل ذلك فهناك ضمن التلاميذ المشاكسين من يقسم أنّه بريء من ايّة تهمة. لم نصل المدرسة متأخرين أو نقوم بفعل مزعج هذا الصباح، أمّا أن يطلب المعلّم منّا الوقوف فجأة حالما يبدأ الدوام ، ويأمرنا أن نبسط الأيادي إلى الأمام، كي يهوى على راحتي كلّ منّا بعصاه الرفيعة الغليظة اللامعة كأنها مصقولة بدهان ذي بريق ، فأمر محيّر فعلا لم نجد له باديء الأمر أيّ تفسير.

هكذا والله من دون سبب.

ومثلما شخصت أمامي صور الحاضرين بعيونهم الغريبة ، كانت اللحظة تلك تحتلّ المقاعد الأمامية وتغزو جميع الوجوه والأشياء، لحظات وأنا واقف، وجهي إلى الحائط.عقوبة اعتدنا عليها، وهي تبدو بلاشك أخفّ وطأة من غيرها كعقاب اليوم الصارم الذي نجهل سببه، من الجانب الآخر مذيعة البرنامج تستعد لتقديمي. المصور قرب الكاميرا...الإشارة من المخرج أن أنظر نحو العدسة، وصوت المعلّم يتهادى معنّفا:

- يحيى...نعيم...صباح...حسين...عبدالله...أحمد...ماجد...راضي...كامل...جميل.. والله لو شاهدتكم تطاردون الضفادع مرّة أخرى لكسرت أيديكم ورميتها للكلاب!

عندئذ أدركنا سبب العقوبة وغضب الإدارة علينا إنها هي الضفادع وليس هناك من أمر آخر...لاأدري كم اسما نسيت.بلاشك غاب عنّي الكثيرون وتلاشت صورهم إلاّ أنّها لم تكن بالهواية الشاذّة بل كانت رياضتنا المفضّلة.مثل أيّة هواية أخرى صيد الحمام..قنص الأرانب.. أو صراع الديكة...لاأدري أين هم الآن.وحدي أجلس أمام الحشد الضخم.أواجه آلات التصوير، و المذيعة تقدمني  :

- الدكتور...المحاضر...

يمكن أن تذكر أيّ اسم.أيّ واحد منّا.لايهمّ.صباح..حسين..نعيم..كلّنا مارسنا الهواية ذاتها والمعلّم عاقبنا جميعا، وهناك الملايين ممن هم خارج الاستوديو يرون صورتي ويسمعون باسمي من دون أن أرى عيونهم تتسلّط عليّ وحدي.أذكر أننا بعد اللعبة قبيل المغرب افترقنا.كلّ ذهب إلى منزله.كنّا نجهل تماما أنّ المعلّم ذا الظهر المقوّس والشفة الغليظة مثل شفة البعير تأخّر في المدرسة يصحح الدفاتر إلى العصر، وحين مرّ من البستان لمحنا نخطر على السواقي ننط كالقرود.. ونتغلغل بين الحشائش نلتقط الضفادع، أمّا الحصى الناعم القاسي فقد امتلأت به جيوبنا، في هذه اللحظة بالذات أتلفَت فلا أرى أيّ أحد منهم.صباح بعد تخرجه من الجامعة هاجر إلى كندا.يحيى أصيب بداء السكّر وفقد القدرة على الإبصار، بعدسنوات وجدت نفسي أجلس منفردا أمام آلات التصوير، كنّا معا نحمل الضفادع الصغيرة، نربط أيّ واحدة من رجلها بخيط من الكتّان المتين، نطوّح بها في الهواء ثمّ نقذفها باتجاه السلك الكهربائي، يظلّ الخيط يلتفّ على السلك ومن بعد تتدلى الضفدعة منكوسة الرأس، فنجعلها هدفا لحصانا المنطلق كالرصاص من المصائد المطاطيّة حتّى تتهرى وتتمزق جلودها، فنعيد الكرّة مع واحدة أخرى!

كان المعلّم يزعق، وعصاه تنهال على أيدينا:

- ألم يركم أهلكم؟هل هم موافقون؟

أهلنا حذّرونا من الضفادع قالوا إنّ من يمسكها يصاب بالثالول المرض الجلديّ الكريه، أحد شيوخ المحلّة أخبرنا أنّها مخلوقات طيبة حملت الماء بفمها لتطفيء نار النبيّ إبراهيم، وقد ضربنا كلّ تلك الأقاويل عرض الحائط لكننا لم نعد للعبة فيما بعد، خشينا من المعلم غير أنّني أجلس هنا وحدي.جميعهم رحلوا بعيدا إلى دول شتّى، ومهما كبرت وطال الزمن بي فذلك اليوم يظلّ عالقا بذهني. آخر يوم نركض حول السواقي نطارد فيه الضفادع. كان الشريط الوثائقي ينبسط لعينيّ قبل أن أتكلّم.شاب في الثامنة عشرة من عمره يقتحم شقّة ما، يهوي بسكّين على عجوز طريحة الفراش، تقول مقدّمة البرنامج إنّها جدّته، وجد في خزانتها  1000 باوند، طعنها وقفز من النافذة كضفدعة تتضخم بحجم الشارع لتطاردني.لم تتركني الأشرطة ألتقط أنفاسي لحظةً ما لاح لي من زمن قريب وجه آخر لمراهق يحمل شيئا مغلّفا.دخل مدرسة، في الممرّ فتح الشيء المبهم، وصوّبه نحو رفاقه التلاميذ، سقط عدد من التلاميذ وجُرِح آخرون ليحتفظ بالرصاصة الأخيرة لرأسه وكان عليَ أن أعود للحديث بعد الفاصل.. .كنت لحظتها أنطّ في البستان أتابع رطوبة الساقية غير عابيء بالطين والشوك فأصطاد ضفدعة أربطها وأرميها على السلك. والحق إنّه مساء غير عادي تحدّثت فيه المذيعة عنّي بصفتي عالما معروفا من علماء النفس، لاأدري كثيرا عن الآخرين الذين عوقبوا من المعلم.أحدهم يمكن أن يكون نعيم أصبح معلما،  شاكر اشتغل في دائرة الشؤون العامة عدا الذين هاجروا أو ماتوا، وبعد عشرات السنين، أمام الجمهور  عليّ أن أتحدث على مدى ساعتين في ندوة عن ثقافة العنف، تركوني وحدي، وبعثوا لي ضفادع تنط أمامي وتنظر إليّ نظرات بلهاء، والمذيعة مرّة أخرى تتطلّع فيّ بابتسامتها الرسميّة الباردة فتختصر المسافة الطويلة وتحشرني في جملة واحدة:

- دكتور : ماهي برأيك المسببات الجوهرية لثقافة العنف؟

- نعم العنف!

كانت الذكرى البعيدة لمّا تزل تطاردني، سوف أتحدّث وأحاور الحاضرين وأناقش من يتصل بي عبر الهاتف على الرغم من عصا المعلّم الغليظة التي اقتحمت عليّ القاعة من مكان ما، ووجوه الضفادع المدلاة من الأسلاك، وأصوات النقيق القادمة من بعيد...

نعم في تلك اللحظة كان عليّ أن أتكلّم!.

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1964 الخميس 08 / 12 / 2011)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1920 المصادف: 2011-12-08 03:07:59


Share on Myspace