حوارات عامة

جولة سريعة في حاضر وماضي الأدب الروماني (3-3)

صالح الرزوقحوار أدبي مع ماغراس ماريا فنوك ودافيد بول فنوك

إعداد وترجمة: صالح الرزوق

س 5: هل تعتقد أن الأدب السوفياتي ترك ندوبا عميقة في جسم الأدب الروماني؟. هل تعتقد أن الروس أخذوا مكان السوفييت بأي معنى؟. وبرأيك هل مدرسة الواقع الاجتماعي لا تزال تعمل في الأدب الروماني؟.

جواب: كان تجريف الأدب الروماني واحدا من أكثر الأمور المحزنة في تاريخ رومانيا. في ذلك الوقت ترجم دستور الاتحاد السوفياتي إلى اللغة الرومانية، وقدم مجانا بآلاف النسخ من أجل الاطلاع والدراسة. وكما ذكرت أعلاه كان هناك الكثير من الكتاب الذين استغلوا هذا الوضع السياسي. منهم ميخائيل سادوفيانو (1880-1961) وهو كاتب نثر بارز برع في كتابة الروايات التاريخية. وبعد عام 1945 أصبح رجل دولة عظيم وتأثر عمله الأدبي بقوة بالاتجاه السياسي الجديد. وكان مدافعاً قوياً عن "ثقافة البروليتاريا". في روايته "ميتريا كوكور" تحول لدعم الواقعية الاشتراكية ومنحها "هيبة وعمقا". ثم أصبح عضوا في الجمعية الرومانية للصداقة مع الاتحاد السوفياتي، وبعد ذلك ترأسها، وأيد نشاط دار نشر الكتب الروسية في بوخارست. واحتشد مع الستالينية في روايته (الضوء يبزغ في الشرق)، وهو شعار مؤيد للسوفيات، وقد وضع تعارضا بين الضوء والظلام، الأول للسياسات السوفيتية والأخير للرأسمالية. وهكذا تحدث سادوفيانو عن "تنين شكوكي" هزمته "شمس الشرق".

ومثله زاهاريا ستانكو (1902-1974) كاتب نثر، شاعر، مدير عام للمسرح الوطني في بوخارست، صحفي، رئيس اتحاد الكتاب في رومانيا، عضو في أكاديمية جمهورية رومانيا الاشتراكية، عضو في الحزب الشيوعي الروماني وفي لجنته المركزية، وعضو مجلس الدولة لجمهورية رومانيا الاشتراكية. في عام 1971 حصل على وسام بطل العمل في جمهورية رومانيا الاشتراكية. بعد عام 1945 أصبح مناضلا نشطا لصالح اليسار. وعكست كتاباته الحركات الأدبية الواقعية والطبيعية. ترجمت روايته الأولى الهامة “حافي القدمين”  إلى ما يقرب من 30 لغة. وقد تم الترويج لها بشكل مكثف عام 1948 (عندما تم نشرها)، وطوال فترة الشيوعية (حتى نهاية كانون الأول / ديسمبر 1989). وخلال الحربين العالميتين التزم بالاشتراكية. وبسبب قناعاته السياسية وكونه مناهضا للنازية، سُجن في معسكر الاعتقال في ترغو جيو (رومانيا). ولمدة عشرة أيام أضرب عن الطعام. وقد دفعته هذه التجربة من حياته لكتابة “أيامي في معسكر اعتقال”. وفي عام 1951  نشر “رحلة إلى الاتحاد السوفياتي - ملاحظات وانطباعات”. وكتب عن المباني الهامة في "الحركة الشيوعية الدولية"، وسار على جدران الكرملين، وزار متحف وضريح لينين، ومعرض تريتياكوف، ومكتبة  ف.إ. لينين، النصب التذكاري لثورة أكتوبر العظيمة، شارع غوركي، الساحة الحمراء. مع احترام كبير وفي مناسبات عديدة أكد حبه العميق تجاه "القوة السوفيتية العظمى" و"جوزيف فيساريونوفيتش ستالين، الأب العظيم والعبقري للشعوب". وطغى عليه الانفعال خلال وقفته لبضع لحظات أمام نعش لينين، الزعيم الذي ينام بعمق بعد حياة من الاضطرابات المستمرة والنضال، والعمل الجاد والانتصارات" بتعبيره.

س 6: من كان أكثر تأثيرا، الكاتب الوطني الملتزم أم المنشق؟ أمثلة مع ذكر الأسباب من فضلك.

جواب: كلاهما. والفرق الوحيد هو أن بعض الكتاب المنشقين الذين يعيشون في رومانيا اعتادوا على كتابة أدب "مخفي وسري"، في حين أن أولئك الذين يعيشون في الغرب كانوا من "المدفعية الثقيلة".

س 7: أين  يوضع أدب رومانيا المعاصرة على خريطة العالم؟.

جواب: هذا سؤال صعب ويتضمن العديد من الأجوبة المعقدة والمتشابكة. في الواقع الأدب الروماني المعاصر موجود في كل مكان وربما هو غائب أيضا عنه. وهو أول وآخر كهف من كهوف اللغة الرومانية (باعتبار أنها ليست لغة محادثة على نطاق عالمي). لكن قيمته المعاصرة لا يمكن إنكارها. إنما من دواعي الخجل والعار أن الأسباب المالية تمنع وصول هؤلاء الكتاب وأعمالهم للساحة الدولية أو لمؤسسات الترجمة التي لها حضور وسمعة. وفقط بعد تحقيق هذه المهمة يمكن تقدير مكانة الأدب الروماني فعليا. الحقيقة المؤسفة أن أدبنا في الوقت الراهن غير ممثل بقوة، وربما يحتل المرتبة الأخيرة بهذا الخصوص. وفي معظم الحالات، ستظل الجهود الشاقة التي يبذلها الكتاب الرومانيون ليكونوا منشورين ومعروفين محدودة بحدود بلدهم وواقعهم المحلي. أما النشر في الخارج والجوائز الدولية فهي عشوائية ودون أي صدى. حتى الأسماء الهامة تفشل بعبور هذه العوائق. وبرأيي لا تفيد قيمة المشاهير الحقيقية والأصيلة إذا اختنقت في الداخل، ولا بد من إشادة دولية. وبالتالي، وعلى الرغم من الوجود الهادئ، فإن سعي الأدب الروماني لفرض نفسه على خريطة العالم لن يكون ناجحا، إذا استمر في السير على نفس الطريق القديم.

أما لماذا ذكرت أن الأدب الروماني ليس في أي مكان أو أنه في آخر القائمة؟. سأقتبس هنا عبارة من فاسيلي ألساندري (1821-1890) يقول فيها: "الرومانيون كانوا شعراء بالفطرة".

في الواقع هو كان يتحدث عن الجيل الذهبي من الكتاب الكلاسيكيين الرومانيين. ولكن هذه العبارة المنصفة التي تناسب تلك الأوقات، يفصلها مسافة واسعة عن واقع الأدب الروماني في المهجر والمنفى. إن الصورة من ناحية القيمة الأدبية غير واضحة ومشكوك بها.  من وجهة النظر هذه يمكن أن تفهم أن أي شيء مكتوب على ورقة له قيمة أدبية. وقد بلغ التكبر من جراء تصنيفك بين الأدباء “الجيدين” مستويات خيالية. ففي بعض الحالات يتجلى في الكتابة جهل لا يغتفر، مع عجز في فهم معرفة اللغة الرومانية والنحو والإملاء (حتى دور النشر ترفض تحمل مسؤولية التدقيق اللغوي لأنها لا تفكر إلا بتحقيق أعلى ربح ممكن ولا تكلف مصححين بغاية التدقيق)، وعدم احترام اللغة الرومانية التي يدعون لحمايتها يأتي من عدم وجود قراءة واسعة لما سوف يكتب، وعدم وجود مفاهيم مستقرة للنظرية الأدبية، وفقر بمخزون الكلمات بشكل غير لائق ومؤسف، مع أساليب سيئة وغير دقيقة وتفاصيل زائدة عن الحاجة إلخ. وعلى الرغم من كل هذا ووفقا لمصالح مختلفة، من الجماعات وبقية الزمر، يمكن توفير مبالغ معتبرة من النقود لشراء “مفتاح السعادة”.  حتى هنا الفساد يحكم. وبصفة عامة إن السياسيين وممثلي النظام المالي الإداري لا يهتمون كثيرا بالأدب، وهكذا، هنا أيضا، وكذلك في أي مجال عمل آخر، تسود المصالح الشخصية والعشائرية. ومن الناحية الإحصائية، تشير التقارير إلى أن الخطط الثقافية قد أنجزت (تماماً كما حدث في العصور القديمة الطيبة للشيوعية). القيمة لا تقودنا لأي مكان. ومصير الكتب هو أن يتم توزيعها أساسا في رومانيا أو على حلقات مغلقة في الخارج. لكن نشر كتاب أو مقالة عابرة في مجلة لا يكفي لشطب بند من قائمة المهام المؤجلة. والآن أخبرني كيف يمكن للأدب الروماني المعاصر أن يفرض قيمته الحقيقية على أساس فضاء دولي مفتوح ومتصل؟... 

2260 romania

س 7: هل تعتقد أن سقوط سياسة الستار الحديدي ساعد الأدب الروماني بأي شكل من الأشكال؟. وبعبارة أخرى هل تعتقد أن الغرب والعولمة ساعدا الحياة الفكرية لرومانيا المعاصرة بأي شكل من الأشكال؟

جواب: لا، لا أعتقد ذلك. برأيي تلك الأحداث لم تغير، ولم تساعد، الأدب الروماني الذي ظهر بعد عام 1989. وأفضّل أن أقول كان هناك تضامن قوي من الكتاب المنشقين الموجودين في البلدان الأوروبية قبل سقوط الشيوعية. أما الأدبيات التي ظهرت بعد عام 1989 فقد سجلت انقطاعا معرفيا أساء لخلفيات مشتركة كانت موجودة في جذور الأدب الروماني.

س 8: أخيرا. أنتما مترجمان. ما هي طبيعة الإضافة التي تقدمتما بها وباختصار. كيف تكون الترجمة؟ من؟ على أي أساس يكون اختيار المادة / النص؟ وكيف تكون آلية العمل؟ كلمة بكلمة أم أن الالتزام يكون بالمضمون والمعاني؟.

جواب (من دافيد بول فنوك): إذا كانت ترجمة عمل مهمة سهلة هذا يعني أنه يمكن لأي شخص أن يفعل ذلك باستخدام جهاز كمبيوتر. لقد رأيت مثل هذه المحاولات من قبل "المترجمين"، وهذا شيء يسبب الخزي خاصة عندما يكون الكاتب غير معتاد على اللغة الجديدة. الكاتب يدفع دون أن يعرف ما هو المردود. وهذا يمكن أن يدمر المؤلف في الخارج. عند ترجمة الشعر يجب أن تبقى القافية والإيقاع قريبين قدر الإمكان من النص الأصلي. وهذا يتطلب في كثير من الأحيان الاتصال بالشاعر، ومناقشة الموضوع العام لعمله، وكيفية ارتباط كل سطر بالهدف منه (مضمونه). وهو تحد حقيقي للمترجم. وعندما يتم كتابة قصيدة، يوجد الكثير من المعاني في بضع كلمات. ويجب على المترجم دراسة كل سطر لاكتشاف معناه ووضع ذلك في الترجمة. ولاحقا يجب أن تحتوي الترجمة على كل ذلك. وضمنا نفهم أنه يجب البحث عن الكلمة المناسبة لتنسجم مع اللغة المضيفة. وهنا يأتي دور الخبرة والموهبة. لقد أمضيت أنا وماريا أسابيع في ترجمة قصيدة لتكون بشكل مثالي، ولا سيما أن الشاعر لا يعرف اللغة التي ستستضيفه.

جواب (من ماغراس ماريا فنوك): سأبدأ بالقول إنه بالإضافة إلى الموسيقى أو أي فنون أخرى، كان الأدب دائماً وسيظل على مستوى لغة كونية. وفي معرض الحديث عن الثقافات الأخرى، قد نقول إن الناس قد رغبوا دائماً في قراءة واكتشاف أشياء جديدة وغير معروفة. لهذا السبب، زوجي ديفيد وأنا، اعتبرنا أن التعامل مع الترجمات الأدبية مهمة متميزة. والكتب التي قمنا بترجمتها من الرومانية إلى الإنجليزية أو الفرنسية أو العكس قد تجاوزت منذ فترة طويلة حدود بلدان الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، فرنسا، الهند، تركيا، جمهورية تشيك، ورومانيا.

أما كيف نترجم؟. غني عن القول إنه فيما يتعلق بالترجمات لا توجد قاعدة ذهبية. وفقا للتقارب الروحي، كل مترجم يختار الكتاب أو المؤلف الذي يناسبه. ولن أتمكن أبدا من ترجمة نص لا يروق لي أو لقلبي. وكان علينا مرات عديدة أن نتقن النصوص، للقضاء على الكلمات اللغوية الغريبة، التكرار، عدم الصراحة إلخ. وميزة عملنا المشترك هي أنني وديفيد متحدثان أصليان باللغتين الإنكليزية والرومانية. في مناسبات عديدة نناقش بعض التعبيرات التي هي محددة للنص الأصلي، وبالطبع، نحن نحاول إيجاد أفضل حل لغوي للغة المضيفة. لا يمكن ترجمة بعض السونيتات كلمة بكلمة (ومن المدهش أن المؤلفين يرفضون في كثير من الأحيان أن يفهموا أن بعض التعابير ليس لها مرادف باللغة المضيفة، كما أنه ليس لتراكيبهم معنى بها). وهم يعتقدون أن كل شيء يمكن ترجمته. لكن الأمور لا تسير هكذا. هناك الكثير من الكلمات والتعابير التي لا يمكن ترجمتها. وسيكون على المترجم دائمًا البحث عن الحل الذي يجعل، من خلال احترام النص الأصلي، الصيغة المترجمة مناسبة للقارئ الأجنبي. وفيما يتعلق بالنص المترجم، فإن موقف المترجم يجب أن يكون دائماً على مسافة محايدة. على الرغم من أنه يقع في بعض الأحيان في موقف أسميه „حالة سندريلا“، فالمترجم ليس قاموساً، أو أنه شخص يعرف الكثير من الكلمات بلغة أجنبية. بل إن براعته وفنه بالترجمة يوضحه التعبير الشهير „استلمه، هو لك“  traduttore ، traditore!. الترجمات هي مثل عمل الصائغ، إنه انصهار مثالي مع النص. يجب على المترجم دائمًا أن يقرأ الكثير ويواكب النصوص الفلسفية والتاريخية والفنية والدينية وغيرها من أنواع النصوص. وبذلك فقط سيتمكن من معرفة ما يدور في ذهن صاحب النص على وجه الدقة، حتى عندما يستخدم كلمة واحدة أو تعبيراً في نصه. بالنسبة لي الاتصال المباشر مع المؤلف مهم جدا. وقد تكون مناقشاتنا لا نهاية لها، ومتنوعة، ويبدو أنها قد لا تكون لها صلة بما يفترض أن أترجمه. ولكن بالتالي أستطيع أن أكتشف بعض أسرار المؤلف، وطريقة تفكيره، وبعض نبضات ومكنونات قلبه.

وفي كثير من الأحيان أقرأ الآراء التي أعرب عنها أشخاص بلا ثقافة، ويدعون أنهم على إلمام بالترجمة، مع أنهم دون أي علاقة بهذا العمل. أو أنهم يشتكون من تكلفة الترجمة. وهنا سأدافع عن المترجمين المحترفين وسأقول إن جميع الذين أدلوا بمثل هذه البيانات لم يكن لديهم أي فكرة عما كانوا يتحدثون عنه. لماذا تدفع لمترجم مزيف لا يعرف عمله، وتتسبب بضرر فادح للمؤلف المعني أو للأدب الذي ينتمي إليه، في حين يمكنك إجراء نفس الصفقة مع المترجمين المؤهلين والموهوبين للغاية؟. ربما أولئك الذين يرغبون في أن يترجموا إلى اللغات الأجنبية ويتجاوزون حدود أدب وطنهم، عليهم تقدير العمل الشاق للمترجم، وبدلا من دفع المال لقاء خدمات لا قيمة لها، من الأفضل التعامل مباشرة مع مترجم محترف. أحيانا قد تبدو الترجمات في بعض الأحيان أفضل من نصوصها الأصلية لدرجة لا يمكن تصديقها.  معظم النصوص التي ترجمناها كانت مصحوبة بتعليقاتنا ومقالاتنا النقدية التي عبرت عما شعرنا به عندما عملنا عليها. وقد نُشرت تفسيراتنا وآراؤنا إما في تلك الكتب أو في المجلات الأدبية الدولية، وفي عدد لا يحصى من الكتب، أو المؤتمرات التي عقدت في جامعات مرموقة أو في معارض دولية حيث كانت الفنون البصرية والموسيقى والأدب متطابقة لحسن الحظ مع بعضها بعضا.

 

 

في المثقف اليوم