شعلان الدراجيالتي لاتزال تنبض بالحياة ..

في معرضه الشخصي الأخير، (أشياء تشبه الرسم)، أقام الفنان حامد سعيد معرضاً شخصياً في جمعية التشكيليين العراقيين في البصرة، الذي جاء تزامناً مع ملتقى الهايكو والنص الوجيز الذي أقامه أتحاد الأدباء والكتاب بتاريخ 24 /12/ 2020 .

جاء هذا المعرض نتاج لتجارب عدة تم الخوض فيها تقنياً ولونياً وشكلياً لتأسيس شكلاً خاصاً في الترميز المتداول لكل أشكال وأنظمة اللوحة التشكيلية، والذي بإمكانه أن يحمل مفهوماً خاصاً، أقرب الى مخزون: الطفولة، والقرية، وما تحمله المدينة في طياتها من متاهات ودهاليز، وتعقيدات وتحديات أرى أن بوسع الفنان الظفر ببلورة أتجاه تشكيلي ينأى بنفسه عما تناوله الاخرين من تجارب اتجاهات فنية. تمثل مزاجه وهويته واسلوبه الخاص في التعبير عن الذات في خضم واقع فني تتصارع فيه الأفكار والقيم الفنية (الفن للفن) والإنسانية  (الفن للإنسانية) التي  تعالج وتتبنى واقعاً قد يكون محورياً يدور حول موضوعات او مضامين واتجاهات فينه نتيجة لحركة التاريخ و الأنسان .

تناول الفنان في معرضه الأخير موضوعات تعبيرية وأقحم نفسه في مدرسة فنية (التعبيرية بمختلف اتجاهاتها) تتجاذب فيها الأفكار والقيم التشكيلية محلياً وعالميا والتي قطعت شوطاً ولا يستطيع فيه أحداً الخوض في غمارها إلا من أمتلك خبرة واسعة وتجارب فنية عديدة تؤهله لوضع موطئ قدماً له في هذا التزاحم والصراع المستمر في البحث عن هويته التي تميزه عن الأخرين .. وحامد سعيد قد نجح في هذا الاختبار الجديد الذي خاض غماره في هذه التجربة الفنية من خلال معرضه الأخير وتبنيه  للمدرسة التعبيرية  .. والتي ربما قد يجتهد الكاتب ويسميها (بالتعبيرية الغرابية) .

109 حامد سعيد 1

 والوهلة الأول عندما يشاهد المتلقي لوحات الفنان حامد يتبادر الى الذهن أنه يقرأ قصة أو رواية للكاتب الكولومبي الحائز على جائزة نوبل للآداب، غابرييل غارسيا  ماركيز وما تتضمنه من شحنات فنية وأسلوب ادبي خارج عن مألوف وفي أطار غرائبي يشد المتلقي، ويأخذه الى أبعاد وأفق بعيداً عن واقعه الذي يعيشه، والغوص في عقله الباطن لتقمص حالة من المتعة والخيال المفرط والذي له دلالات واقعية تضعه أمام مسؤوليته التاريخية والحياتية تجاه محيطة ومجتمعه.

وهنا أيضا أستشهد بقول الكاتب العراقي البصري محمد خضير حينما قال بخصوص معرض حامد سعيد: أن تترك هذه الاعمال  في وعي متلقيها انطباعاً منفرداً يوازي الانطباع الموحد لدى قارئ قصة قصيرة ...للكاتب الرائع أدغار ألن بو .

 وهذا ما فعله الفنان حامد سيعد في معرضه الأخير (أشياء تشبه الرسم) . حيث يشاهد المتلقي مينة حامد سعيد التي تعج بالرموز والحركة والألوان التي تنساب بطريقة تتناغم مع ذوق المتلقي وتشده اليها وكأن هناك علاقة أزلية بين اللوحة والفنان والمتلقي... طيور بوضع يختلف عما نشاهده، زوارق وانهار، أزقة وبيوت.. وكأنه يجسد الحالة التراثية  لمدينته (البصرة) والحلم الذي يراوده في خلق حالة من الوعي المجتمعي والتطور الجمعي  لما تعانيه هذه البقعة من (الأرض).. (الطين) والتي وصفها الفنان في دليل معرضه:

نتألم كثيراً ..

ننزف طيناً أسمراً ..

يصنع منه الصيادون ..تمثالاً ..

تغطيه السماء اللاهبة..

نجفُ كالأنهار ...

تلك المدينة التي تطفو على صفيح الصراعات ... والحروب .. والاستحواذ على تاريخها ونهب ما تحتويه من قيم مادية ومعنوية  من قوى داخلية وخارجية تكالبت وتضامنت على انتزاع روح مدينته ووضعت تابوتاً مرصعا بالذهب الزائف أمامه ... لوأد كل ما تبقى له من أمل وكبرياء والذي يشكل حاضراً مؤلماً له ولجيله ولأجيال من بعده ..

109 حامد سعيد 2

لكن أصرار الفنان وتمسكه بحلمه ورؤيته الفنية في احدى لوحاته (ملعب لكرة القدم) التي يصور فيها بعفوية مفرطة التي أعادتنا الى بواكير الطفولة الأولى .. لتشاهد وتسمع ضجيج الأصوات والحركة التي توحى للمتلقي أن الفنان يؤمن دون شك بأن مدينته التي عانت ظروفاً استثنائية ... لا تزال تنبض بالحياة والديمومة والأمل .

أستخدم الفنان حامد سعيد في معرضه أشياء تشبه الرسم مادة الاكرليك والأحبار وجعل اللوحة أقرب ما تكون الى السطح المستوي وتجا وز بذلك العمق وتزاحم الالوان وكثرتها ... ليعطي انطباع مقصود، بحرفية عالية وتفرد بعفوية اللوحة .. وشحن النسق الطفولي بتعبيرية .. وقد ساعد المتلقي في فهم اللوحة والغوص في خباياها ... وكذلك أبتعد في أعماله ...عن جدار وحروفية والعفوية الطفولية (وخربشات) الاطفال .. عند، شاكر حسن ال سعيد ... وكذلك أبتعد عن التعبيرية الالمانية لدى ستار كاووش والوانه الصارخة والمتناسقة في نسق هرموني وشخوصه والرموز التشكيلية المتشابكة ...

ساهم الفنان حامد سعيد في وضع بصمة فنية واعطى انطباع بان العمل الفني ليس له حدود وللفنان حرية التعبير في الفضاء الذي يسرح فيه فكره وعقله الباطن وإعادة مخزون الذاكرة بطرق فنية تشكيلية وإبداعية  قد تترك بصمة جمالية في ذهن المتلقي ...

نأمل ان يتحقق المشروع الفني وما يحمله الفنان من تداعيات وقيم تشكيلية وقد تساهم في خلق حركة تشكيلية وفنية رصينة لمعالجة قضايا المجتمع وما يعانيه من ازمات ووضع حلول لها من خلال تبني مبدأ الفن للإنسانية، ان يكون الفن مفتاحاً لهذ التوجه الإنساني.

وأخيراً أستشهد بقول لبيكاسو عندما أسأله النازيون من رسم هذه اللوحة (يقصدون الغورنيكا) قال: أنتم من رسمها .

 

بقلم : شعلان الدراجي

كاتب من العراق / البصرة

 

قراءة لتجربة الفنانة الإيرانية "شيرين نشأت" من خلال عملها التنصيبي "مناجاة النفس"

اغتراب الهوية في غربة الجسد

أثّرت الأوضاع السياسية المحتقنة والأزمات المتعاقبة التي مرّ بها معظم بلدان العالم على ممارسات الفن المعاصر، مما دفع ببعض الفنانين طرح هذه الإشكاليات في منجزاتهم البصريّة وفي أعمالهم التشكيلية، خاصة موضوع أزمة الهوية والذاكرة الجماعية والفردية وعلاقتهما بالمكان والزمان. كل هذه التساؤلات المطروحة لدى الفنان التشكيلي المعاصر تتخذ معظمها من الجسد نقطة انطلاق في ممارساته الفنيّة، تنوعت بين تنصيبات الفيديو والتصوير الفوتوغرافي، والعروض الأدائية، والرسم التشكيلي. لقد طرأت على العالم بفعل الحداثة تحولات ألحقت تغيرات عميقة بالجسد في كل من المجتمعات الشرقية أو الغربية على حد سواء وانتشرت العديد من المفاهيم المرتبطة بالجسد، ونشأت ذاتية خاصة بكل فرد فظهر الإنسان غير متوافق مع واقع الحياة المعيشي، ذلك الواقع الذي أمسى أشد تعقيدًا يوما بعد يوم، وعلى الإنسان المعاصر أن يجاري هذا الواقع قبل أن يسبقه ويصبح غريبا عنه، وأصبح مفهوم الاغتراب مشاعا خاصة لدى الفنان الشرقي المعاصر نتيجة اختلافه في الرؤى والمواقف عن الآخرين وتحول الفنان الفرد لحالة ذاتية انعكست على رؤاه وعلى أعماله الفنية المعاصرة.

من هنا تتنزل قراءتي لتجربة الفنانة الإيرانية "شيرين نشأت"، ولدت هذه الفنانة في مدينة قزوين سنة 1957، وترعرعت في عائلة منفتحة على الغرب، حيث قام والدها بإرسالها إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإكمال دراستها في سنة 1974، لم تتمكن من العودة إلى إيران لمدة 11 سنة تقريبا. حصلت في تلك الفترة على درجة البكالوريوس من جامعة كاليفورنيا بيركلي سنة 1983، ودرست الفن في لوس انجلس وبعدها عملت في محل تجاري للفن والعمارة. بينما كانت "شيرين نشأت" غائبة عن إيران كانت الثورة الإيرانية الإسلامية التي اندلعت عام 1979 قد حوّلت البلاد من الثقافة الفارسية إلى الثقافة الإسلامية، هذا التحول الجذري غيّر كل معايير الحياة في إيران وعرفت البلاد جدلية كبيرة من ناحية الرفض والخضوع. وبعد هذا الانفصال، عادت الفنانة إلى وطنها لأول مرة بعد الثورة في سنة 1990 لتصطدم هناك بالواقع، كانت هذه الصدمة نقطة تحول فاصلة وحازمة في حياتها، حيث غيرت بالأساس علاقتها بوطنها لأنها لم تتحمل ذاك الوضع التي آلت إليه بلادها وخاصة التحول الجذري لمكانة المرأة بعد الثورة فإختارت حينها العيش في المنفى، أصبحت "شيرين نشأت" معروفة دوليا في عام 1999 عندما فازت بالأسد الذهبي في بينالي البندقية.

وبالتالي، هاجرت الفنانة الإيرانية "شيرين نشأت" موطنها نحو الولايات المتحدة في عمر مبكر وقبل الثورة الإيرانية أي في فترة حكم الشاه حيث كانت هناك نسبة لا بأس بها من الحرية للمرأة المنفتحة على الفن والثقافة مقارنة بحاضر المرأة الإيرانية اليوم التي ترزح تحت مجموعة من القيود، لذلك نجد في لغة فنها نوعا من خطاب تصادمي تمرّدي على واقع بلادها.

فضلت "شيرين نشأت" العيش في الفضاء الغربي بالولايات المتحدة كنوع من الهروب من الواقع الرّاهن في وطنها، عرفت هذه الفنانة فضاءا جديدا وعاشت نوعين من الغربة، غربة الغرب وغربة الشرق، بما أنها اتبعت منهجا فنيّا فرض عليها العيش في المنفى فلم يعد الوضع باختيارها بل مفروضا عليها، وحول هذا الموضوع صرحت الفنانة في إحدى المحاضرات التي قامت بها عن موقفها تجاه موطنها قائلة:

"وجدت البلاد عقائدية تماما، والتي لم أتعرف عليها بعد، أكثر من ذلك أصبحت مهتمة جدا عندما كنت أواجه معضلاتي الشخصية والأسئلة، أصبحت مغمورة في دراسة الثورة الإسلامية، كيف في الواقع أنها حوّلت بشكل لا يصدق حياة المرأة الإيرانية. لقد وجدت هذا الموضوع من النساء الإيرانيات مثيرا للاهتمام للغاية. بطريقة ما المرأة في إيران تاريخيا تجسد التحول السياسي.(...)، من خلال دراسة امرأة يمكنك قراءة تركيبة وفكر البلاد، لذلك كوّنت عمل لمواجهة الأسئلة التي واجهتها في حياتي الشخصية(...)."[1]

وبالتالي اتسم فنّها منذ ذلك الحين بهذه التداعيات والمفارقات الحاصلة في بلادها -  وهي من بلاد المنفى -  حاولت الفنانة الإيرانية منذ ذلك الوقت أن تترجم هذه التداعيات تشكيليا وفنيّا.

كان جلّ تركيزها على الجسد الأنثوي حيث جعلته مركزا للإفصاح عن متناقضات الحالة الفكرية والسياسية والدينية والاجتماعية في العالم الشرقي وفي إيران بالخصوص. فكان الجسد حاضرا فاعلا متفاعلا معا في كل عمل فني تقدمه، تنطلق منه لتعود إليه، صورته "شيرين نشأت" نافذة تفتح على العديد من المفاهيم والأبعاد، فهي تتساءل عن دور المرأة في المجتمع الإسلامي مدركة بذلك التوتر القائم بين الهوية التي تحركها دوافع الاهتمامات الفردية والهوية الثقافية الجماعية التي تنتسب إليها.

ولهذا، فإن سؤال الجسد يعتبر مدخلا هاما لفهم العديد من العلاقات، إذ تشكل العلاقة مع الجسد علاقة مع الذات، أي ذات الفنانة المبدعة التي عرف جسدها حالة النفي والاغتراب، وكذلك تشكل علاقة مع الآخر بما أنها تخاطب من خلال جسدها وجسد الموديلات المتقبل، وبما أنها تعرض أعمالها في فضاء الغرب الذي يعتبر المحور المركزي حيث تُبنى العديد من المواقف الفكرية والتمثلات الإيديولوجية والإيهامات، فتكون هذه العلاقة ترجمة لهذه التجاذبات بين ذات الفنانة وبين الآخر. بما أن الجسد هو المجال حيث يتواجه الاجتماعي والفردي، الطبيعي والثقافي، النفسي والرمزي.[2]

وبتحليل أعمال الفنانة المغتربة "شيرين نشأت" وجدنا أن خطابها الفنيّ يعكس اغترابا مزدوجا، اغترابا في داخل وطنها وخارجه، اختارت حياة المهجر لا عن طواعية بل مضطرة إلى ذلك، لرفضها سياسة بلادها تجاه المرأة، ولعدم توفر الحرية في تقديم فنها وعروضها، لهذا السبب اختارت حياة المنفى، لشساعة مساحة الحرية المتاحة للفنان الشرقي في الفضاء الغربي مقارنة بالضغوط التي يتعرض لها في موطنه الأصلي، وبالتالي يجد الفنان نفسه في هامش العلاقة بين ثقافتين وبين شقين دون أن يتموضع أو يستقر في أي منهما.

لقد أصبح التشكيل العربي المعاصر يحمل توجهاً وجودياً في طرحه لإشكاليات العصر، فقد أصبح الخطاب الفنيّ كشفاً لحقيقة الجسد المهمش والمُنعزل والمُغترب، وفي كافة الحالات التي تجعلهُ يعيش محنة البحث عن الوطن وعن الهويّة والتمرّد على الواقع والرحيل إلى المجهول، فالجسد هنا هو رمز للذات الإنسانية ولا معنى للوجود من دونه.

"إن الجسد هو الحاضر الغائب، إنه في آن واحد محور إدراج الإنسان في نسيج العالم، والمرتكز الذي لا بد منه لكل الممارسات الإجتماعية. "[3]

إن الحديث عن المنفى ليس من الأمور التي يسهل علينا طرحه لأنه تجربة ذاتيّة ونفسيّة، لا يستطيع أن يعبر عنها سوى الشخص الذي عاش محنة الاغتراب ولوعة الاشتياق إلى الوطن. تجربة المنفى هي معاناة يومية يعيشها الشخص المنفي في كل لحظة يتذكر فيها غربته وحياته المهمشة زمانيا ومكانيا، فأعمال الفنان المنفي تحمل في طياتها خطابا تجاذبيا وتراجيديا بين الذاكرة والجسد، الأولى تشدّ ذات الفنان نحو ماضيه في شكل رموز وصور هي كل ما تبقى في ذاكرته من ماضيه ومن حياته الحميميّة، أما الجسد فيشدّه نحو الحاضر حيث يعيش الجسد المغترب في سياق شروط ووضعيات جديدة لا يمكنه الاندماج فيها بعمق بعد أن خرجت حياته كلها من نسيج الاستقرار والطمأنينة. فكلما زادت وطأة المعاناة والإحباط من حياة المنفى على الجسد المغترب، شكلت الذاكرة مهربا وملجأ للشخص المنفي.

ولذلك يتخذ المنفى لدى "شيرين نشأت" بعدا إشكاليا، هي ككل فنان مهاجر أو منفي تحمل بداخلها إحساس بالحنين والفقد لذكريات وتشعر بالعزلة والغربة، فتحيل هذا الإحساس الكامن بداخلها إلى مكان وزمان معينين هما جزء من ذاكرتها الجمالية، وتقع ترجمتها في أعمالها الفنيّة، محاولة بذلك إبراز هويتها المسلوبة منها، لتمتزج هذه الحالة الشعورية بثقافة بصرية معاصرة.

كانت "شيرين نشأت" تدرك أن مصيرها في المنفى قد حُسم ولا تستطيع العودة إلى الوراء كما أنها لا تستطيع أن تنسجم كليّا في الفضاء الجديد ولم يبق أمامها سوى التشبث باختلافها وفرادتها، ولذلك اختارت أسلوبا خاصا ومتفردا لذاتها كفنانة بصريّة وتشكيليّة، ولعل عملها "مناجاة النفسsoliloquy" انعكاس لمعاناتها، حيث قامت بهذا العمل سنة 1999 وهو تنصيبة فيديو ثنائي الإسقاط جرى تصويره بين تركيا والولايات المتحدة.

ليس هذا أول عمل فني تقوم "شيرين نشأت" بإنجازه خارج بلدها الأصلي، فكل أعمالها صُورت في تركيا وفي المغرب وفي كل مكان يشبه في بعض تفاصيله المعماريّة والثقافيّة إيران، هذه هي ضريبة الفنان والمثقف المنفي عن وطنه، وحول هذا الموضوع تقول:

"كنت الدخيلة التي كانت قد عادت إلى إيران لإيجاد مكاني، ولكن لم أكن في وضع يسمح بأن أنتقد الحكومة أو إيديولوجية الثورة الإسلامية(...) لذلك أصبح فني نوعا ما أكثر إحراجا، أصبحت سكيني أكثر حدّة، ولقد وقعت في حياة المنفى، أنا فنانة رحالة، أعمل في المغرب، في تركيا، في مكسيك، في كل مكان أذهب إليه لجعله إيران. "[4]

غيرت "شيرين نشأت" في هذا العمل التقنية التي كانت تعتمدها سابقا وهي تقنية الأبيض والأسود، حيث أدخلت في "مناجاة النفس" اللون، ليمثّل هذا التغيير التحول الرئيسي الأول للغة البصرية لديها. يستعرض هذا العمل المقسم على شاشتين متقابلتين حياة امرأة في فضاءين، الفضاء الشرقي والفضاء الغربي، بين معمار تقليدي ومعمار حديث، وتجسد هذا الدور الفنانة الذي كان حضورها بشكل متزامن في كلتي الشاشتين.

يظهر على الشاشة الأولى الفنانة "شيرين نشأت" وهي تنظر من النافذة التي تطل على بيوت ومسجد، في حالة من التأمل والانسجام مع المناظر الخارجية، وبالتزامن مع هذا المشهد تقوم الفنانة بنفس الفعل في الجهة المقابلة مع اختلاف الأمكنة، لتقف وتطل من النافذة المفتوحة على مباني شاهقة وبنفس الحالة الأولى. ثم وبشكل متواز تخرج الفنانة من المكانين المتواجدة فيهما، فتتّبع الكاميرا تحركاتها وهي في الشاشة الأولى تتجول عبر الأزقة الضيقة حتى تجد نفسها في النهاية في ساحة مكتظة بالنساء والرجال، وهم في زيّهم الأسود لتختلط بهم وتقوم معهم بحركات وطقوس غريبة.

وفي المشهد الموالي يظهر طفل وهو يتقلب على الرمل، صُوِر بتقنية الأبيض والأسود وكأنه يجسد كابوسا لطفل عاجز غير قادر على النهوض. تدرك الفنانة الإيرانية في النهاية عدم قدرتها على التعايش معهم والتأقلم مع البيئة التي تمثلها وهي البيئة الشرقية أو بالأحرى البيئة الإيرانية بعد الثورة، فتقرر بعد ذلك الانسحاب والهروب، لتركض لاهثة عبر البهو نحو السطح، وهناك تقوم بغطس رأسها في إناء مليء بالماء ثم تقوم بسكبه على جسدها. في نهاية المشهد، تبرز "شيرين نشأت" وهي تركض متجهة نحو الصحراء لتبتعد وتتلاشى شيئا فشيئا.

أما بالنسبة إلى الشاشة المقابلة، تظهر"شيرين نشأت" وهي تقود سيارتها في شوارع نيويورك ثم تدخل بعد ذلك إلى مكان عام مكتظ بالناس وتقف وهي في حالة من التأمل والذهول وكأنها تبحث عن شيء ما وسط هذا الاكتظاظ الشديد في ذلك المكان، ثم بعد ذلك تخرج من هناك متجهة نحو الكنيسة، لتجد الراهبات وهن يقمن بطقوسهن بثياب بيضاء بينما "شيرين نشأت" بالرداء الأسود الإيراني. استخدام اللون الأبيض لراهبات والأسود للفنانة يحمل في طياته تعبيرا مجازيا ورمزيا يتمثل في نظرة الراهبات إليها الرافضات لها، لتخرج الفنانة بعد ذلك من الكنيسة مسرعة نحو طريق خال من المارة ويوجد به سور مرتفع جعلته "شيرين نشأت" حاجزا بينها وبين العالم الغربي.

"مناجاة النفس" هو عمل مشحون بالعواطف وانفعالات الفنانة، إحساسها بالنفي والعزلة، كما يحمل هذا العمل أبعادا دينية وروحيّة عبر الأصوات المنبعثة من الكنيسة وصوت الأذان المنبعث من المسجد، كما قامت "شيرين" في هذا العمل بالمزج بين عالمين عالم شرقي وعالم غربي. وبين ثقافتين في فضاء العرض، ولكن الشخص واحد هي الفنانة التي تعيش حالة من التمزق، والتشظّي بين هذين العالمين، حالة من التجاذب والتفاعل، مما نتج عن ذلك علاقة تناسجية، تواصلية وجدالية، بقدر ما تثبت الشاشتان في فضاء العرض وجود مسافة فيما بينهما، فإنهما وفي نفس الوقت تجعل قطع المسافة ممكنا وتحقيق التواصل يسيرا. وفي هذا السياق يقول الكاتب الفلسطيني "إدوارد سعيد" في كتابه "المثقف والسلطة":

"(....) وهكذا فإن المنفي يقع في منطقة وسطى، فلا هو يمثل تواؤما كاملا مع المكان الجديد، ولا هو تحرر تماما من القديم فهو محاط بأنصاف مشاركة، أنصاف انفصال، ويمثل على مستوى معين ذلك الحنين إلى الوطن وما يرتبط به من مشاعر وعلى مستوى آخر قدرة المنفي الفائقة على محاكاة من يعيش معهم الآن، أو إحساسه الدفين بأنه منبوذ. ومن ثم يصبح واجبه الرئيسي إحكام مهارات البقاء والتعايش هنا، مع الحرص الدائم على تجنب خطر الإحساس بأنه حقق درجة أكبر مما ينبغي من الراحة والأمان"[5]

إنها معاناة المثقف البعيد عن وطنه وأهله، ولعل هذا ما يفسر تلك النظرات الحائرة والحزينة المنبعثة من عيون "شيرين نشأت"، فلقد ارتكز عملها على نظرات العين حيث تؤدي دور الكاميرا التي تدعو المشاهد لتتبعها والانسجام معها، كما تخترق بنظراتها فضاء العرض نحو الشاشة المقابلة والعكس بالعكس وكأنها تبحث عن ذاتها، عن هويتها، بعين مستسلمة وتائهة وفي عزلة ملفوفة بصمت جارح وتوحّد غريب. هناك قوة إيحائية من خلال نظراتها المشحونة بالعواطف والأحاسيس وبالحزن وبالأسى.

ربطت "شيرين نشأت" هنا بين التجربة الحسيّة الذاتية والتجربة الإستيطقيّة في سيرورة هذا العمل، الذي يعبر بدرجة أولى عن ذاتها وعن تجربتها الخاصة في ثقافتين مختلفتين، فهي هنا تطرح مفهوم الغربة والعزلة التي تشعر بهما سواء في العالم الشرقي أو في العالم الغربي، لتعبر عن ثقافتها المزدوجة، وهذه من بين الأسباب التي جعلت من مبدأ الازدواجية حاضرا وفاعلا في منجزها البصري عبر ثنائية الإسقاط (double projection) التي أثارت تواصلا خياليا بين الشاشتين، كما عملت على تشظي حاسة البصر عبر زمنين متداخلين.

تحاول الفنانة إعادة تأويل معاني وجودها ومصيرها الذاتي فى اتجاه الخلاص من آلام المنفى أو التخفيف منها قدر المستطاع وذلك عبر خلق عملية ترحال مزدوجة بين هذين العالمين فى محاولة يائسة لامتلاك أحدهما أو التموضع والاستقرار في أحد المكانين، إلا أنها تدرك في النهاية بأن مصيرها هو خارج المكان.

ما لاحظناه في تنصيبات الفيديو لدى "شيرين نشأت" هو غياب الكتابة التي احتلت مكانا بارزا وفاعلا في صورها الفوتوغرافية خاصة في سلسلتها "نساء الله"، فالكتابة بالنسبة إليها هي تعبير عن كسر حاجز الصمت وتجسيد صوت شاعري أنثوي وفكر داخلي، ربما في أعمال الفيديو لم يعد هناك حاجة تدعو لتوظيف الكتابة، بما أنها اعتمدت على أصوات الطبيعة والموسيقى لتصبح لغة جديدة من إبداعاتها، فالموسيقى تحدد عالمية الأعمال وتزيل كل الحواجز الثقافية.

اعتمدت على الوسائل والتقنيات التكنولوجية المعاصرة، ليتولد الإبداع الخيالي ويختلط بالمشاعر والأحاسيس لديها، فيكون العمل الفني هو الملجأ الذي تبحث عنه "شيرين نشأت"، حيث نتلمس الجانب الحسي والروحي، كمنفذ لتتصالح من خلاله مع إرثها وهويتها التي مزقته السياسة والدين السياسي.

بعض الصور المسترسلة من تنصيبة الفيديو "مناجاة النفس"

الشاشة عدد1                مقابل               الشاشة عدد 2

 2100 نشأت

مقال بقلم: الباحثة إيمان ريدان، من تونس

......................

[1] http://www.ted.com/talks/lang/ar/shirin_neshat_art_in_exile.html

[2] David le breton, la sociologie du corps, puf 2éme Ed, 1994 ; p 118

[3]  دافيد لوبروتون، "انتروبولوجيا الجسد والحداثة"، ترجمة محمد صاصيلا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 1997، ص 123

[4] http://www.ted.com/talks/lang/ar/shirin_neshat_art_in_exile.html

[5]  إدوارد سعيد، "المثقف والسلطة"، ترجمة د. محمد عناني، رؤية للنشر والتوزيع 2006. صفحة 95

 

ناجي ظاهريُعلي الفنان الروسي فاسيلي كاندنسكي (1866- 1944)، في كتابه المعروف عالميًا "الروحانية في الفن"، من شأن الروح في عمق العمل الفني الجدير بهذه الصفة، ويرى ان ما يُبطنه العمل الفني هو الاهم، مؤكدًا أن الفن يوحي في العادة ولا يُصرّح.

صدر هذا الكتاب عام 1911 وتُرجم الى العديد من لغات العالم، على اعتبار انه يمثل التبرير النظري لظهور المذهب التجريدي في الفن التشكيلي، وقد صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب عام 1994 بتعريب فهمي بدوي. تقديم الفنان محمود بقشيش . تعقب وملاحظات د. صبحي الشاروني.

يُقسّم كاندنسكي كتابه إلى فصلين اثنين، وقد جاء الاول تحت عنوان: في الجماليات.. حركة المثلث. ثورة الروح والهرم. فيما حمل الفصل الثاني عنوان: فن التلوين. سيكولوجية اللون. لغة الشكل واللون. النظرية. وينهي كاندنسكي كتابه بخاتمة تلخيصية.

الكتاب رغم محدودية عدد صفحاته. 132 صفحة من القطع الصغير بما يشمل المقدّمات والتعّقيبات، يتضمّن الكثير من الاستطرادات، كما يقول بقشيش في تقديمه له ايضًا، إلا أن الافكار الرئيسية فيه شفّافة تبدو في البداية غامضة.. وتتضح كلّما توغّلنا في قراءة صفحات الكتاب.

يوجّه كاندنسكي نقدًا شديدًا الى الفنانين التقليديين، ويمهّد لثورته الفنّية التجريدية، بتوجيه سهام نقده إلى كل ما هو مكرّر ومعاد وتقليدي، وهو يفعل ذلك دون الانتقاص من قيمة فنانين مُجدّدين على طريقتهم مثل الفرنسي المبدع بول سيزان، ويوجّه سهام نقده أيضًا لمدعي الفن الذين يقدّمون اعمالهم الفنية حسب الطلب بلغة عصرنا، كما ينتقد اولئك الكسالى الذين لا يُرهقون انفسهم بقراءة متعمقة تحتاج إليها لوحة تجريدية تضمّنت العديد من الاشارات واحتاجت، سبرًا لاغوارها، إلى قراءة متأنية وخاصة.

يربط كاندنسكي في اكثر من واحدة من فقرات كتابه بين الفن التشكيلي وبين الموسيقى بطريقة عضوية حتى انه يرى ان هناك صعوبة للفصل بين الفنين، اما فيما يتعلّق بالألوان والتلوين وسيكولوجيتيهما، فإنه يقدّم اجتهادات خاصة يطلق خلالها على كل لون صفة ومعنى..

2072 كاندنسكي

يذكر ان تاريخ الفن التجريدي يعود إلى الفترات الاولى للإبداع الفني الانساني، غير ان التجريدية كمدرسة فنّية حديثة قائمة بذاتها، جاءت خطوة متقدمةً على التكعيبية مثلًا، ففي حين ان التكعيبية اكّدت أهمية هدم الاشكال واعادة بنائها بصورة جديدة تسعى إلى تفكيك الاشكال المنحنية إلى اصولها المستقيمة عبر تحويل كل الخطوط إلى مستقيمات وكل الحجوم إلى مكعبات ضمن محاولة لإعادة بناء الاشكال وبعثرتها ومن ثم رسمها من عدة زوايا في لوحة واحدة.. فقد سارت التجريدية خطوةً ابعد فابتعدت عن المظهر الواقعي للأشكال والعناصر، متعمّدة البعد عن الواقع ورافضة تناول اي شيء واقعي، فالفنان التجريدي في عرف التجريديين، يبدأ عمله من الذهن، مبتدعًا اشكالًا والوانًا يحرص ألا يكون لها اي ارتباط بالواقع.

في تعقيب د. صبحي الشاروني على هذا الكتاب، يعرب عن تحفّظه على تقريب كاندنسكي بين الموسيقى والفن التشكيلي، رائيًا انه لا يمكن ربط نوع من الفنون، مثل الرسم بالموسيقى، لأن الرسم في هكذا حالة سيكون تابعًا للموسيقى، وهذا ما لا تقبله خصوصية النوع الفني. أما فيما يتعلّق باجتهادات كاندنسكي فيما يخص الالوان والتلوين، فإن الشاروني يتوصل بعد مقارنة صارمةٍ في تعامل الشعوب مع الالوان واختلاف الفتها لها، ان كاندنسكي إنما عبّر عن ذائقته الخاصة ولم يعبّر عن قاعدة عامة. الشاروني يقدّم احترامه الشديد لحرية الفنان التشكيلي ويثمنها عاليًا. ويدعو الفنانين المصريين تحديدًا، للإجابة عن السؤال الملح وهو: هل ما تنتجونه مناسب للعصر الحاضر.. وهل انتاجكم في خدمة الفن.. أم انكم ترسمون لأجيالٍ قادمة لم تولد بعد؟.. ويستشهد في نهاية تعقيبه برأي لناقد فنيّ المانيّ زار القاهرة، في اواسط التسعينيات.. وقال للفنانين هناك. إنكم. بحاجة إلى الفنون التشخيصية بعد قرون عاشتها بلادكم داخل الرقش والزخرفة، بعكس اوروبا التي تحتاج حاليًا إلى الاشكال اللاموضوعية في الفن، بعد ان عاشت قرونًا طويلة لا تشاهد من الاعمال الفنية غير الاشكال الانسانية.

 

ناجي ظاهر

 

 

شكري عزيز أي حضور وأي تفاعلية

 تقديم: يعد فن النحت من الآليات والوسائل التعبيرية الفنية في تعامله مع المادة، الكتلة، والشكل، لتختلف فيه المواضيع المطروحة بحسب التمشي الفني المعتمد، فتتنوع الأساليب والتقنيات كما من المواد والخامات خدمة للموضوع والذي يتوزع بين التشخيص والتجريد.

فالنحت شكل تعبيري داخل الفضاء وبروز فيه كشكل تفاعلي مفضي للقراءة والفهم بحسب ما تمنحه العناصر المكونة لهذا الأخير.

من هذا الإطار، تعبير عن شكل الحضور في المنحوتة وماهيتها داخل الفضاء، إلى جانب أغراضها المعرفية والفكرية كما من طرحها الجمالي شكلا ومضمونا. فإن تنوع التعبيرات والمواضيع النحتية مع انفتاحها على عناصر تكنولوجية، يمكن لها أن تسهم في دعم الممارسة الفنية وتفتح لها مجالا أرحب في أبراز الرؤية التشكيلية في حد ذاتها.  فالمنحوتة بوصفها شكل تعبيري وأثر فني محمل بالفكر ومستوعب لامتلاءات الفنان، هي أيضا حضور في الفضاء على اختلاف تحديداته (مغلق، مفتوح)، أي حضور كشكل تفاعلي داخل الفضاء أو بروز وتعيين فيه. فالنحت أسلوب والمنحوتة نتيجة تستقرئ في فضائها كبنية متكاملة وهو ما يمكن أن نعبر عنه بأسلوب وطريقة العرض التي تكسبها دلالتها الخاصة سواء في ذاتها أو في تفاعليّتها داخل الفضاء.

من هنا طرح لشكل المنحوتة وأغراضها الفنية والتعبيرية، والتي تحمل للقراءة الجمالية وتموقعها في صيرورة الفن وراهنيته كفكر وممارسة، وأيضا إلى قيمة الفضاء وخصوصيته كحاضن للمنحوتة سواء في شكله المحايد أو التفاعلي معها، وهو المجال الذي يطرح عبره استدلالات العمل النحتي كأثر وكموضوع، أي حضور وأي معنى ؟، كما من أهمية ودور الفضاء في شكله العام في تحقيق غاية الأثر الفني في حد ذاته وبروزه لتكتمل الصياغة الفنية ولتقبل بتفاعلية لدى المشاهد عبر استقراءات الفضاء ومكوناته. إن هذه العلاقات بين المنحوتة في شكلها العام والفضاء في شكله الخاص، يمكن أن تثير الجدلية القائمة الآن في علاقة بالفضاءات العمومية في تونس، وتموضع المنحوتات أو المجسمات فيها، مما يطرح أسئلة عن قيمة العمل الفني النحتي، أي حضور؟ وأي تفاعلية في علاقة بالفضاء كمحقق لهذه الأخيرة؟ وأي أبعاد فكرية وفنية وجمالية تتحقق عبر هذه العناصر؟.

عبر هذه التحديدات الأولية تتنزل الإشكالية التالية:

جدلية حضور العمل النحتي في الفضاء العمومي، بين انفتاح الرؤية والقراءة الجمالية، وضياع الفكر وتشويه المضمون.

حدود البحث:

تتمثل حدود البحث، في قراءة العلاقة الكامنة بين العمل النحتي أو المجسم بالفضاء العمومي كحاضن لهذا الأخير عبر بعض النماذج، كعناصر متكاملة أو متنافرة، ومنه إلى بيان المتغيرات الممكنة فيهما والمانحة لقراءة فتقبّل جديد ومتغير.

أهداف البحث:

يهدف البحث إلى دراسة أشكال حضور العمل النحتي والمجسمات في الفضاءات العمومية، واستبيان مدى تحقق القيم الفنية والجمالية والفكرية، إلى جانب تحديد بعض الإشكالات المتعلقة سواء بماهية العمل النحتي، أو الفضاء العمومي كراهن.

1- المنحوتة: شكل تعبيري دلالي:

"فن التحت هو أحد جوانب الإبداع الفني، وهو فن تجسيدي يرتكز على إنشاء مجسمات ثلاثية الأبعاد، كما أنه تنظيم منسق للكتل الموجودة في فضاء حقيقي، والعناصر التشكيلية في النحت هي "الكتلة-الفراغ- الخط- النسيج" وعلى إثره فإن وظيفة النحات هي تنظيم هذه العناصر في تكوين موحد، ويبدأ التنظيم لدى النحات بالمادة سواء كان حجر أو خشب أو طين أو غيرها من المواد، تمر بعمليات متعددة قبل أن تتخذ شكلها النهائي والذي هو نهاية العمل المنجز" .

عبر هذا التحديد لمفهوم النحت، إحالة لدور المنحوتة المنجز في كونها شكلا من أشكال التعبير، ذات معنى ورسالة، لتُقبَل بتحديدات جمالية وفكرية شكلا وأسلوبا. فهي مجال تواصلي اتصالي، والذي يفرض مضمون، فمتقبل لهذا المضمون. من هنا إحالة إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه النحت في ترسيخ الحاضر وتسجيله في علاقته بالمعاش، وما يمكن أن يفرزه من انتاجات تجمع الأسلوب والمضمون بمتغيراتهما ضمن المسار الفني بشكل عام. ففي التعبير هنا عن النحت، بما هو تعامل مرتبط بالتقنية والمادة، بحسب زاوية معالجة الموضوع، إنما يمنح مجالا أرحب للتعبير، ومن هذا الإطار محاولة لاستبيان مدى حضور النحت في الفضاءات العمومية، في تونس، أي حضور للمنحوتات؟، وأي دلائل تعبيرية في علاقة بفضاء عرضها؟.

فبالعودة إلى ما تزخر به البلاد التونسية من تراث هام (مادي ولا مادي)، يعكس تعاقب الحضارات وخصوصياتها، ليكون مسجلا في المكان والزمان، ومتناقلا كفكر بين الأجيال. يمكن أن يكون كمجال تنبع منه الرؤية الفنية في علاقة بالمنحوتات أو المجسمات في الفضاءات العمومية. هذا التنوع في الموروث، وبتوزعه على عدة جهات بالبلاد، إنما يوفر أرضية عمل لاستيعاب هذا التنوع في المجال الفني والتشكيلي، وتطويعه كسياق تعبيري جمالي. فالفن عموما يمكن وصفه بمقياس للشعوب في مدى تطورها اجتماعيا، اقتصاديا وثقافيا ...، بوصفه انفتاح على الداخل والخارج، وكما يرى الفيلسوف المعاصر إروين إيدمان بأن طبيعة الفن هي " تغيير الحياة وتقديم خبرة جديدة حولها، فالفن هو الإسم الذي يطلق على العملية الكلية الخاصة بالذكاء، والتي من خلالها تقوم الحياة التي تعي شروطها جيدا بتحويل هذه الشروط إلى تفسير يثير الإهتمام على نحو كبير".  هذا السياق في مدى انفتاح الفن عموما والنحت خصوصا كمنجز فني، يفرض عدة توجهات في الممارسة الفنية في حد ذاتها لتتحدد خصائص المنجز الفني والذي يمكن أن يتوزع بين النقل المباشر للموروث، والذي يمكن أن يتنزل في باب الحرف التقليدية، واستيعابها كمنجز فني، أو بنقلها إلى مجال الفن التشكيلي عبر استغلال خواصها شكلا أو مضمونا.

إن هذا التوجه في الممارسة التشكيلية وخصوصا منها النحتية، بين النقل أو الاستيعاب للموروث، كما من مجاوزتهما كتحقيق لدلائل تعبيرية راهنة بحسب توجه فني معين، إنما يفرض معاينة ومتابعة للتجربة ذاتها، حتى تتحدد ملامحها في صيرورة الفن ضمن شكل من أشكال المقاربة الفنية فكرا وممارسة.

هذه التحديدات الأولية، في علاقة بشكل الممارسة الفنية النحتية، ومرجعياتها الفكرية الممكنة، إنما يفتح التعبير عن أطر الممارسة وخصائصها، سواء في كونها تسجيل أو تأريخ لحدث ما على اختلاف زمانه، ضمن طرح فني لا ينفي النقل المباشر للحدث وإنما يخرجه في شكل فني يعكس قيما فلسفية، جمالية وفكرية ...، أو في مجاوزة هذا التوجه ليحيل التعبير عن الممارسة الفنية الخاصة  والخالصة، سواء في شكلها العام أو الراهن بحسب الموضوع المطروح، لتتجلى القيم العميقة للفن كتعبير والية تخاطب واتصال فتواصل مع المشاهد.

هذا التنوع في المرجعية الفنية المعتمدة، إنما يؤسس لثراء في الممارسة التشكيلية وتنوعها عموما، كما يمكن أن يحقق جملة من الامتلاءات الفكرية والتي تترسخ بالنقد وبتراكماته. هذا المسار الذي يوائم بين المنجز الفني وما يمكن أن يطرحه من فكر، إنما يقيم الدليل على أهمية التطرق إلى القيمة التعبيرية للعمل الفني في كل تجلياته، وفي كل مراحله سواء في الإنشاء أو العرض والتقبل.

من هذا السياق، وعبر تحديد القيمة التعبيرية للعمل الفني عموما وأغراضه خصوصا، كشكل من أشكال التعبير، كما من الدور الذي يمكن أن يلعبه ثقافيا، اجتماعيا، اقتصاديا ... ، إنما من أجل استبيان مدى تحقيق بعض المنجزات الفنية النحتية لهذه الأغراض، بناءا على منهج القراءة لها إنشائيا، فكريا، فلسفيا وجماليا، إلى جانب بعض التحديدات الأخرى سواء في العرض أو التقبل، وهو المجال الذي سوف يتم تحليله بناءا على مفهوم فضاء العرض، والتقبل.

2- الفضاء العمومي: الفضاء المغلق والفضاء المفتوح

يعتبر الفضاء في عمومه إطارا لظهور الشيء وبروزه كما من تعيينه، بحيث تتحدد أبعاده بناء على خصوصية الفضاء ومكوناته.

من هذا الإطار محاولة لاستبيان خصوصية الفضاء العمومي كحاضن للعمل النحتي، والذي يمكن أن تتبدل فيه القراءة سواء للفضاء أو للعمل النحتي عبر العلاقة المحدثة بينهما، سواء بالاتصال والتواصل، أو الحياد، أو النفور.

فالفضاءات العمومية متنوعة، بين الحدائق العامة، المتنزهات، مفترق طرقات، الفضاءات الخاصة بالمؤسسات العمومية على اختلافها...، هذه الفضاءات تتوزع بين فضاءات مفتوحة وأخرى مغلقة، مما يفتح عدة توجهات في إنشاء العمل النحتي وموضوعه. فهي تساهم في تأمين أرضية عمل وفضاء عرض للعمل النحتي، لتخلق به ديناميكية للفضاء بتحقيق خصوصية المكان، وهو ما يمكن التعبير عنه ببصمة وطابع المكان.

هذا التواشج بين الفضاء والعمل النحتي، إنما يفتح لميلاد منهج تأريخي للفضاء العمومي بصفة عامة، وللجهة الحاضنة له بصفة خاصة، حيث يصير رمزا، فأثر واقع ومطبوع في المكان والزمان، وهو ما يمكن التعبير عنه بإمكانات استثمار العمل النحتي وخصوصياته حتى يصير انعكاسا ثقافيا، معرفيا، محمل بأبعاد جمالية، تسهم في الارتقاء بالذائقة الفردية والجماعية لما تحمله من مضمون فني واجتماعي، بعيد كل البعد عن الإسقاطات الهجينة والتعبيرات المبتذلة والركيكة شكلا ومضمونا. فهو الإطار الذي يمكن أن نعبر فيه عن مكانة الفن التشكيلي عموما والنحت خصوصا في تونس، أي حضور؟ وأي تقبل؟

والذي يقابله تحديد لخصوصية الفضاء كحاو للعمل، فهل تتوفر فيه شروط عرض العمل الفني؟ .

يعد الفضاء ركيزة أساسية لحضور العمل النحتي وتقبله، سواء كان فضاء مفتوح أو مغلق، وبه تتحقق القراءة فالفهم والتأويل لخصوصيات المنجز الفني، حتى يصير نوع من الانفتاح على أساليب جديدة في قراءة الفضاء في حد ذاته، ومدى استيعابه لمضمون المنجز الفني شكلا وأسلوبا. فهو مجال تتحدد فيه أهمية الفضاء وقيمته، كما من قيمة المنجز الفني، كشكل تكاملي أو كنفور وعدم تراكب، وهو المجال الذي يمكن أن نعبر فيه عن مدى تأثير الفضاء في العمل الفني سواء بالإيجاب أو السلب، وكذلك الشأن بالنسبة للفضاء في علاقته بالعمل كجدلية تأثر وتأثير.

في هذا السياق، يمكن أن نحدد قيمة الفضاء وموجبات التأثير السلبي على العمل النحتي والعمل الفني عموما، بحسب تحديد مكوناته وخصائصه. فيمكن أن يحمل الفضاء عديد الدلالات، والتي يستسقيها من مكوناته، حيث يمكن أن تضحى هذه المكونات عائقا بصريا للمنجز الفني مما يؤثر سلبا في عملية تقبل العمل ويفقده قيمته، وهو المجال الذي يمكن أن نعبر عنه بالفضاء الفوضوي الذي يحمل العمل لتلك الفوضى، فيصبح جزء منها.

من هذا الإطار، استبيان للتوجهات الفنية والتعبيرية الممكنة في علاقة بالفضاء، سواء في كونها مستمَدّة لمضمونها وموضوعها من داخل تلك الفوضى حتى تساؤل الفضاء عينه بمكوناته، ضمن إخراج فني يعكس عمقا دلاليا وطرحا فنيا خاصا، فكرا وممارسة، والتي به تتحدد أطر التجربة الفنية وتموضعها في صيرورة الفن، لتفتح بذلك آفاق جديدة للفضاء وللتجربة الفنية عموما، أو في كونها إسقاط فضياع داخل الفضاء بغض النظر عن قيمتها المثلى لو وجدت كشكل مفرد في فضاء دون شوائب، يخدم بروز العمل وظهوره.

هذه التوجهات في علاقة بقيمة الفضاء، والطروحات الممكنة في علاقته بالمنجز الفني، إنما تؤكد في عمومها على ضرورة الموائمة بين فضاء العرض والمنجز الفني، سواء في كون الفضاء موضوع للعمل أو في كونه مجرد حامل له،  لتختلف التوجهات والتحديدات فنيا، فكرا وأسلوبا، وهو ما من شأنه أن يخلق مسارين في العملية الفنية، مسار مرتبط بولادة العمل من داخل خصوصية الفضاء، ومسار آخر يُحمل فيه العمل إلى الفضاء بوصفه حامل له، وهو ما يعيدنا إلى بداية التحليل في علاقة بمضمون العمل الفني، والنحتي خصوصا، أي حضور؟ وأي تفاعلية؟.

3- حدود الفضاء أم حدود المنجز:

بالعودة إلى بعض النماذج النحتية أو المجسمات المُنصّبة في بعض الفضاءات العمومية لبعض جهات الجمهورية التونسية، قراءة لشكل العمل وحضوره، ومدى استيعابه للمضمون الفكري والجمالي في علاقة بالطرح التشكيلي في حد ذاته، كما من آلية الاتصال والتواصل داخل الفضاء، وما يمكن أن يمنحه من استدلالات في كيفيات الإنجاز وفروعه.

هذا المنطلق في التحليل، عبر المعاينة لبعض النماذج من المنجزات النحتية، إنما يفتح القراءة أولا على قيمة المنجز في حد ذاته، كما من دراسة الفضاء الحاوي لهذا الأخير. فبعض هذه النماذج المنصبة في بعض الفضاءات العمومية، والتي تم اختيار البعض منها (كما هو مبين في صور الأعمال)، إنما تفتح جملة من الإشكالات المتعلقة بحدود المنجز في حد ذاته، حدود في الشكل والمضمون كما من الإخراج. فهذه الأعمال تفتقر لرؤية تشكيلية خالصة فكرا وأسلوبا، ولكل ما يمكن أن يحمله العمل الفني من أبعاد جمالية، فلسفية، كما تم تقديمه سابقا. لتضحى عائقا بصريا، وإشكالا في الذوق وكما جاء في كشاف "اصطلاحات الفنون" للتهانوي بأن "الذوق قوة إدراكية لها اختصاص بإدراك الكلام ومحاسنه الخفية،"  وكما اقترحه أيضا "ماير" في وجود مكونين في عملية التذوق: أحدهما هو الذكاء الجمالي « Aesthetic Intelligence » ، وهو مرتبط أكثر بعمليات الإدراك، وقد تصوره ذا جذور وراثية إلى حد كبير، أما الآخر فهو الحكم الجمالي أو الذكاء التقويمي  « Evaluative Intelligence »، وقد تصوره مكتسبا ومتعلما وراجعا إلى الخبرة إلى حد كبير" .

عبر هذه التحديدات المفهومية، يعاد التساؤل عن واقع المنجز النحتي بوصفه مضمون فكري مدرك، ومدى تحققه في الواقع المرئي والملموس، ليحيل بدوره إلى منحى التقبل المفضي للحكم الجمالي.

فهذه السلبيات التي تطرحها المنجزات المنصبة في الفضاءات العمومية (النماذج المختارة)، تقر بحدود المنجز كنشأة وكبداية، مما يفصله عن مسار التحليل لحدوده  ضمن مسار التحليلي الجمالي والفكري ...، فالحدود هنا أضحت حدودا فكرية، شكلية، تقنية ...، تميت المضمون، لتميت الذوق وتسهم في تشويه الفضاء على اختلاف علله، وهو ما يمكن أن نعيده لإشكالية الذوق ولمنهج وعملية التذوق بوصفها ارتباطا بالإدراك في معناه العميق، فــــ"من خلال الإدراك تكون هناك إحاطة بالمدركات (بصرية، سمعية ... إلخ)، ثم تكون هناك محاولة للتمييز بين هذه المدركات أي تحليلها إلى مكوناتها الأساسية ثم إعادة تركيبها في مكون كلي جديد" .

فهذه النماذج للمجسمات النحتية، على اختلاف أشكالها، إنما تعكس ترجمة سطحية لما يمكن أن تتميز به جهة معينة من خصوصيات على اختلاف المجالات، على عكس ما يجب أن تكون عليه كواجهة أو كصورة مميزة لها ضمن طابع جمالي خاص. هذا النقل البديهي والسطحي في موضوعات المجسمات، يعكس بدوره جملة من الإشكالات والأسباب المفضية لهذه النتائج، ومنها:

أ-  تغييب أهل الاختصاص: الفنان/النحات.

إن تغييب الفنانين والمختصين في مجال النحت، وتكليف "مقاولي الفن بالنيابة"، من شأنه أن ينتج مثل هذه المنجزات، والتي تفتقر إلى رؤية فنية، شكلا ومضمونا، وتسهم إلى حد كبير في نقل مضامين جوفاء بصورة جرداء، إلى جانب عدم الاهتمام بأبسط مقومات عرض المنجز الفني.

 فبالرغم من تعدد الجامعات في مجال الفنون والحرف وما تكوّنه من دفعات طلابية، إلى جانب ما تزخر به البلاد من مكونين ومختصين في مجال النحت، يتم تغييبهم وتجاهلهم في غالب الأحيان، ليتم الاستعانة بغير المختصين، وهو ما يعكس واقعا سلبيا في التعامل مع الفنان عموما، والنحات خصوصا كشريك طبيعي في رهانات البناء الثقافي والاجتماعي ... .

ب- الإشكال المادي وأطر إنجاز العمل بين الرؤية السطحية وتفريغ المضمون.

يعتبر العائق المادي، من المؤثرات على قيمة المنجز، لما يمكن أن يطرحه من تغييرات على هيأة العمل ومواده، كتغيير قصري يؤثر بدوره على مضمون العمل الفني ويفرغه من محتواه الأصلي. فهذا التأثير يرتبط أساسا بمنهجية العمل وصيرورة ولادته، ليصير محكوما بالمادة في أدنى مستوياتها، ليس من باب الضرورة الفنية وطرحها الفكري أو الجمالي، وإنما من باب التجريد والتفريغ للمحتوى.

فهذا التوجه في تنصيب الأعمال لغرض التزويق وملئ الفراغات بطريقة مبتذلة، يؤثر سلبا على مسار العملية الإبداعية، مما يفتح الباب أمام أطراف غير مختصة وبخلفية انتهازية، هدفها تحقيق فائدة ربحية دون التطرق إلى قيمة المنجز في حد ذاته، وهو ما يمكن وصفه بالصفقات المشبوهة، ليصير تعميق لمشهدية سيئة في الفضاء الحاوي للعمل.

 أما في جانب ثان، وفي ظل محدودية الإمكانات المادية لبعض البلديات، تبرز بعض المبادرات، سواء للمجتمع مدني أو للأفراد، من أجل التدخل في بعض الفضاءات وانجاز مجسمات باجتهادات خاصة ومحدودة، يمكن لها أن تأثر سلبا في العملية الإبداعية، بالرغم من الحركة الإيجابية في السعي لضرورة التغيير والمشاركة في صياغة  ملامح جديدة لفضاءات مفقرة بصريا.

هذه الاجتهادات والمبادرات، يمكن البناء عليها عبر التأطير والتوجيه، ومن خلال الاستناد والاستئناس بآراء المختصين وتدخلاتهم كما من تجاربهم. فهذه التمشيات في معالجة الفضاءات العمومية في مسار عملية الانجاز لمنحوتة أو مجسم، يجب أن تحتكم لجملة من الشروط حتى ترقى لتكون آلية اتصالية تواصلية ذات مضمون ورؤية فنية وجمالية، تسهم إلى حد كبير في ضمان التغيير وتحقيق أبعاد التعبير كعمق فكري يضمنه الأسلوب.

ت- المنجز وحدود الفضاء:

بالرغم من شساعة مضمون الفضاء كمفهوم في شكله العام، إلا أنه يبقى رهين التدخلات الممكنة فيه، أي في وصف الحالة بين الحاوي والمحتوى، كما من دلائلهما عبر هذا التصاهر وفي مدى تحققه في الواقع كغاية وكغرض. من هذا الإطار، تعبير عن مدى تلاؤم المنجز الفني عموما بالفضاء المنصب فيه، والذي يتأسس بالضرورة عبر دراسة مدى التكامل بينهما والروابط الممكنة عبر هذا التصاهر. من هذا الجانب، إحالة لمحدودية الفضاء في احتضان المنجز، كنوع من التنافر سواء في الشكل أو المضمون، كما من المؤثرات السلبية الممكنة التي يمكن أن تستقرئ عبر هذا الإسقاط، وهو ما يحيلنا إلى التعبير عن اجرائيات العرض في المنجز الفني في علاقة بالفضاء، ومحدوديتها، مما يؤثر سلبا على تقبل العمل وقراءته.

ث- محدودية الصيانة والمتابعة:

إن محدودية الصيانة للمنجز الفني، تفقده قيمته الأصلية، وتكرس منهجا سلبيا في تقبل العمل وقراءته جماليا وفكريا، كما يمكن أن تعكس مدى الوعي الفردي والجمعي بضرورة الفن وبآلياته التعبيرية، وهو ما من شأنه أن يقيم دليلا عن مدى ارتقاء الشعوب ثقافيا، اجتماعيا واقتصاديا، كمقومات منعكسة في ظواهر اليومي فعلا وممارسة.

ج-  الإستراتيجيا السياسية والرؤية المستقبلية للواجهة الثقافية:

 غياب لنظرة آنية ومستقبلية في علاقة بدور الفن ثقافيا، اجتماعيا، اقتصاديا، حتى ترقى إلى مستوى تجذير الهوية والثقافة في المجتمع بشكل فني راق فكرا وأسلوبا، تعد من أساسيات تهميش الدور المنوط بالفنان ومنجزه على اختلاف مجالاته. ففي علاقة بالمجال التشكيلي عموما، تكاد تكون الإستراتيجيات منعدمة أو برامج فضفاضة لا تمت للواقع بصلة، حيث تنحصر في إطار التظاهرات الاحتفالية الوقتية  بالتوازي مع أحداث وطنية، لتنتهي بانتهاء زمن التذكير بذلك الحدث. لتكون حينا آخر مجرد خلفية لصورة جماعية افتتاحية هي بالأساس دعائية سياسية بعيدة كل البعد عن مضمون المنجز الفني.

         

خاتمة

تتعد الأساليب الإنشائية للمنجزات النحتية، وتنفتح على جملة من الآليات المعاصرة خدمة للفكرة ولكيفيات المعالجة فالبناء. هذا الانفتاح يمكن له أن يمنح مجالا أوسع للعملية الإبداعية بشكل عام، ويفتح الباب أمام الفنان بشكل خاص في تضمينه لرؤيته الفنية بأسلوب مجدد يضمن تحقق غايته المنعكسة في الأثر الفني. فالفن فكر وأسلوب، حامل لأبعاد جمالية متجذرة في تمفصلات المنجز كشكل وكمادة، ويتحقق بتقبل وقراءة هذه المكونات ضمن إطار منفتح على المكان وفي الزمان.

هذه التمشيات الممكنة في المسار الفني والإبداعي، تخلق جملة من الطروحات الفكرية والجمالية، مانحة بذلك آليات للقراءة، فالفهم والتقبل بالنسبة للمشاهد، وهو ما يمكن أن يحمله المنجز الفني ويولده من مثيرات تسهم إلى حد كبير في تأمين هذا المسار التفاعلي ومدى تحقيقه لجملة هذه الفروع المفهومية. فعبر هذه التحديدات، تبرز قيمة المنجز الفني في حد ذاته، وتتحدد أطره وإمكاناته، والتي يجب أن تُضمَن في مسار التجربة الفنية كقراءة خاصة بالفنان في بداياتها، لتصير مشتركا جمعيا منفتحة على التأويل والنقد.

إن النماذج المقدمة في التحليل، يمكن اعتبارها دليلا مرئيا، يسهم في إدراك مدى الوعي بضرورة الإبداع ومدى الارتقاء بالذوق، فتضحى إطارا كشفيا لتمفصلات عملية التدخل في الفضاءات العمومية بجوانبها السلبية، حتى تكون منطلقا في فهم "ميكانيزمات" التفكير وطرق التغيير. فهذه النماذج "العينات"، تم التطرق إليها بوصفها "ظاهرة" تُوجب الدراسة، وليس في أصل العمل كنموذج فني يطرح بدائل إنشائية أو جمالية.

فهذه النتائج والإشكالات، وفي مجاوزتها تحليليا وبنيويا، تقيم الدليل على ضرورة الانفتاح على تجارب فنية ونحتية مهمة في البلاد، يمكن لها أن تسهم في الارتقاء بالذائقة، كما من تأسيس خطاب جمالي وفكري عميق يكون محور العملية التواصلية والاتصالية ويضمن خصوصية المكان في الزمان.

 

د. شكري عزيز من تونس

................................

الهوامش:

1- ناثان نوبلر، مدخل إلى تذوق الفن والتجربة الجمالية، دار المأمون للنشر والترجمة، بغداد، 1987، ص 71.

2- شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي، دراسة في سيكولوجية التذوق الفني، عالم المعرفة، العدد267، الكويت، 2001، ص 27.

3- التهانوي، محمد على بن علي، كشاف اصطلاحات الفنون، المجلد الأول، القسم الثاني، طبعة كلنكة.

4- Lindauer,M.(1981). Aesthetic Experience : a Neglected Topic in the psychology of arts. In: D.O’Hard (ed) Psychology and the Arts. N.J The Harvester Press. 29-75.

5- شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي، دراسة في سيكولوجية التذوق الفني، عالم المعرفة، العدد267، الكويت، 2001، ص 31.

 

حاتم جعفرعنوان المقال أعلاه، كنت قد إستقيته أو باﻷحرى إقتبسته من بين ثنايا اللقاء التلفزيوني الذي سنأتي عليه تفصيلا. وتعليقا عليه نقول، هو يحمل الشيء وضده، لكنهما، وهنا الطرافة في اﻷمر،سيلتقيان عند نقاط بعينها، من بينها وفي مقدمتها هي قدرة الفنان العالية على رسم ما يبعث على الراحة وتطيب له النفس، كذلك على ما سيحدثه من بهجة وغبطة من لدن المتلقي، وسيبدو ذلك جليا حين تسقط عيناك على منجزه الفني، والحديث هنا عن تلك اللوحات الفائقة التعبير، وبريشة أجزم أنَّ ماسكها قد نجح في أن تكون طوع أنامله، متحكما في وجهتها وبرشاقة المتمكن والعارف بمفاتيح فنّه وفي سبر أغوارها.

في ذات الوقت وعلى الإتجاه اﻵخر ولنسميه المعاكس أو الضد، فسيسجل بلا شك لصاحب المعرض والمناسبة، والذي هو محور مقالنا، نجاحه وبإمتياز في إختراق أحاسيس ومشاعر زائريه ورواده، وأن يخلق منهم مزاجا وأرضية مناسبة بل وخصبة، ستدفع بهم ودون إرادة أو تحكم ﻷن يَأنٌوا كما يَأنٌ ضحايا أعماله، ولعل لوحاته التي عُلِّقَتْ على جدران المعرض خير دليل على ذلك. إذاً ففي الحالتين إستطاع سيروان باران أن يحلِّقَ بنا ويأخذنا الى عالمه، أينما يشاء ووقتما يشاء وبلمسات فنيةساحرة.

وعن اللقاء الذي أجري مع الفنان وما يمكن تسجيله من إنطباعات كنا قد خرجنا بها، فلا بأس من إيجازها وعلى الشكل التالي: منذ اللحظة اﻷولى لبث الشريط، لوحظ بأنّ ردة فعل مقدم البرنامج، كانت بحق ملفتة للنظر. وعن تفسيرنا لهذه الحالة نقول: انها جاءت على هذا النحو لِما ضَمَّهُ وما أحدثه المعرض من مفاجئآت لم يكن ليتوقعها (مقدم البرنامج) أو تخطر على باله، ظنا منه بأن ما ستراه عيناه من رسوم ولوحات وأخواتها، سوف لن تخرج في مستواها أو تبتعد كثيرا عن تلك الصورة أو ذلك اﻷداء النمطي لعديد المعارض الفنية، التي سبق له أن زارها، والتي ربما، نقول هنا ربما، لم تتوفق في إيصال رسالتها وعلى النحو الذي إبتغته وما خططت له، هذا ما أرجحه وأميل اليه.

وبعيدا عن تقدير الحالة وشكل قراءتها، فقد نجد من بينكم مَنْ يختلف معنا في تقييمنا هذا ولعلكم وجدتم فيه بعض مبالغة. وقطعا للإجتهاد وما يترتب عليه، فسنمضي الى وصف ما شاهدناه ومن على شاشة التلفاز، ولكم ما لكم من رأي ووجهة نظر: كأنه وأقصد هنا مقدم البرنامج وعلى حين غفلة اجتاز برزخا ليدخل عالما جديدا آخر، لم يكن قد وطئه في أيامه السالفات، لذا تألفه مشتتا، هائما، محتارا في قراءته وفي استيعابه للمشهد وأي من التعليقات ستناسبه. أو ربما ضربته نشوة عطر مفاجئة لم يشم أريجها من قبل. وهناك احتمال ثالث، فربما عثرت قدماه بباقات نضرة من زهرة الإقحوان، كانت قد إفترشتْ طريقه، إحتفاءا به، ومنذ قطعه للخطوة اﻷولى، حتى أجبرته على التوقف مندهشا وللحظات عن مواصلة مشواره. وتعليقا على ذلك وبالإتساق مع ما شاهده وأعجِبَ به، فقد إقترح مقدم البرنامج أن يتحول هذا المعرض الى متحفٍ دائم، بأبواب مشرعة لزائريه.

وما يمكن تسجيله أيضا، وعلى غير عادته في تقديمه للبرنامج ولضيوفه، والتي كثيرا ما تبدأ بتعريف المتلقي وبكلمات مكثفة معبرة عمن سيكون جليسه، هادفا الى تكوين فكرة كافية عن الشخص الذي يُنتظر ظهوره بعيد لحظات ومن على الشاشة الصغيرة، فقد حَمَلتْ هذه المرة محيا أحمد الزين، الإعلامي اللبناني المعروف ومقدم برنامج روافد من على قناة العربية، علامات تراوحت بين الذهول والإنبهار، حتى سينتابك إحساس ومن حيث لا تدري بأنَّ ردات فعله قد تسللت وإنتقلت اليك وأصبتَ بعدواها، بخفة وراحة، أنت الذي حسبت نفسك مشاهدا ومتابعا حياديا عتيداً للبرنامج، أو هكذا يُفترض. إذاً وما دام الحال كذلك وقياسا على ردة فعل المقدم، فقد وجدت نفسي أمام خلاصة مفادها: من غير المستبعد أن يكون الشخص الذي سيتم تقديمه، ليستحق فعلا المتابعة والإنتباه، وكان اﻷمر حقا كذلك، ومنذ لحظات البث اﻷولى للبرنامج.

سيروان باران، هذا هو اسم الضيف، أرجو أن تحفظوه جيدا. وللتعريف به ولطالما فات المقدم أن يتوقف عنده وإن بِشكلٍ مختصر، فهو رسام عراقي، ولد في بغداد في النصف الثاني من ستينات القرن المنصرم، عاش ونما وكبر شأنه هناك. ومن تأريخها إستمد قوة حضوره وزهوه. طاف كالطير بين درابينها وأحيائها، وأتمنى أن تكون الشعبية والعتيقة من بينها. أجزم بأن أنامله وذائقته الفنية قد تتلمذت وجاءت بمثابة الصدى لما حفره وثبت أسسه اﻷولون من كبار التشكيليين العراقيين. وإذا كان لنا من إستذكار لبعض من أسماء ذلك الرعيل، فسيحضر هنا وبإقتدار عالٍ نوري الراوي وفائق حسن وكاظم حيدر ومحمد غني حكمت والدروبي والشيخلي وأسماء كبيرة وكثيرة أخرى، إستطاعت ومن خلال إمكانياتها وطاقاتها الفنية الفذة أن تمد خيوط تأثيرها وألوانها لتعبر حدود وطنها، حتى باتت تشكل علامة فارقة، يشار لها وبجُل الإحترام والتقدير والعرفان، وذلك حين  يدور الحديث وفي ساحات اﻷلق البعيدة عما حققه رواد وسدنة الفن التشكيلي العراقي.

وكي لا نذهب بعيدا عن موضوعنا، فضيف برنامج روافد وعلى أرجح تقدير وفضلا عما اكتسبه من أبناء وطنه من الفنانين من خبرة، فقد توقف طويلا وبما لا يدع مجالا للشك عند مدارس الرسم المعروفة عالميا وبكل مسمياتها. لذا ومن خلال اسلوبه والذي تجلى في اللوحات التي تم عرضها ومن إحدى صالات بيروت، عاصمة الحب والجمال، فمن غير المستبعد أن يكون قد شرب من هذا النهر وذاك، حتى تشبع منها وارتوى، ليستقر أخيرا على ما يعتقدها أكثرها تعبيرا وإنسجاما وما يجول بخاطره وأفق مخيلته، فاﻷهم بالنسبة له ووفقا لطريقته وأسلوبه في الرسم، هو التقرب أكثر من ذائقة المتلقي وأن يصطحبه معه ويحلقا سوية حيث أماكن الجمال، شريطة أن لا يهوى بلوحته حتى تفقد قيمتها الفنية، أو يحسبها حكرا على فئة دون أخرى.

انه بإختصار ومن خلال اﻷعمال التي هي موضع حديثنا، فقد جسَّد ما دار في خلد أي فنان ملتزم، استطاع الوصول الى غايته بأشد أشكال التعبير بساطة، بعد أن وظَّفَ ومرَّ بما يمتلكه من ذخيرة، تمثلت في تجارب ومدارس فنية عديدة، كان من بينها بكل تأكيد التجريدية والتكعيبية والواقعية وما الى ذلك، حتى خرجت من بين يديه هذه الحصيلة وهذا العطاء. انه وبهذا المنحى سيلتقي أو يشبه كثيرا ما يجنح اليه كاتب النثر أو سمّه النص وبطريقة محترفة، متمكن من أدواته كذلك. فلكي يصل الى أدق أشكال التعبير وأكثرها حُسناً ورشاقة، فسينتقي من بين كم المفردات والصور التي بين يديه وحافظته، تلك الكلمات التي سيجد فيها القارى ما يمكن أن نطلق عليها بالسهلة العذبة أو الممتنعة كما يحلو للبعض تسميتها، لكنها في ذات الوقت ستنطوي على أشد أشكال التعبير دلالة، وحيث أرادها الفنان أو إن شئت سمّه الكاتب.

تراوحت رسوماته  وأعماله عموما بين الهم وما يجاوره، والحديث هنا تحديدا عن معرضه الشخصي الذي شاهدناه عبر قناة العربية. فمساحة اللوحة عنده واسعة اﻷبعاد، تحمل بين ثناياها ما يشير الى وضوحها ومباشرتها، ولا أستبعد أن يكون الفنان قد تعمَّدَ إتباع هذا اﻷسلوب، كي يبعد فكرة التأويل التي قد تراود البعض، ليقطع بذلك عليهم طريق التخلي عن تحمّل المسؤولية، خاصة من قبل أولئك الذين يسعون عامدين الى التخفيف أو التقليل من حجم المأساة وصولا الى طمس معالمها.

إذن خرجت من بين يدي الفنان واحدة من أهم الرسائل لما تحمله من أهداف وعلى العالم أن يصغي اليها، فمساحة الخراب قد طالت كل وطنه، أكلت من البشر أكثر من الحجر، وسيروان في عمله هذا قد وجد نفسها أمام خيار واحد لا شريك له، فهو الحامل  على كتفيه هموم وتطلعات شعب، كانت وما إنفكت تتقاذفه المحن، مما سيدفعه للدفاع عنه  وبكل ما أوتي من قوة ومقدرة، فالجرح لم يتوقف نزيفه وبـ(سخاء) وأينما ولّى وجهه ومن غير حساب، وهنا سيأتي السؤال: مَنْ سيوقف هذا النزف، إن لم يكن لأصحاب الجمال ومعابده دورا ونصيبا؟

أرتأى مقدم البرنامج أن يكون اللقاء بالفنان العراقي سيروان باران على جزأين، اﻷول منه جاء تحت مسمى (جمال مؤلم). بهذا العنوان وأكاد  أجزم بأنه قد حمل بأمانة ما تضمنه المعرض وما هدف اليه. وإذا ما أردنا التحدث عنه وبشيء من التفصيل، فسنقف مذهولين أمام إحدى اللوحات، والتي جسَّدتْ بضربات لا تخطئها العين ولا الضمير، صورة ذلك الإنكسار الشامل والمرعب، الذي بدا واضحا على وجوه شخوصه. ولم يكتفِ الفنان بذلك، فعن ذات اللوحة ومن خلال بعض الضربات والحركات الفنية التي لجأ اليها، فستجد نفسك أمام مجموعة من الجنود، يمثلون مختلف مكونات المجتمع العراقي وبأعمار متفاوتة، تراوحت الفوارق بينهما كما الفارق بين الإبن وأبيه، ليقودك الى إستنتاج لا لبس فيه، فالشعب كل الشعب كان الضحية، ومسحة اﻷلم والخذلان وآثار الهزائم الكبرى والمتراكمة، مثَّلت الجامع والقاسم المشترك اﻷعظم.

وفي مكان آخر من المعرض وأثناء تجوال مقدم البرنامج وتطوافه بين أجنحته، فقد توقف طويلا، لينبهر مرة أخرى، أمام نصبٍ يمثل شخصية اﻷسير، كانت أنامل سيروان قد نُحتَته وصاغته ليستجيب وحجم الوجع الذي يعاني منه. هذا ما بان من خلال الحركات الظاهرة على أجزاء بارزة من جسده، والإشارة هنا بشكل خاص الى حالتي الشد والتوتر، الباديتان على يدي الضحية وعلى أنحناءة ظهر،ه التي توحي باليأس وفقدان اﻷمل. فضلا عما أضفاه الفنان من لمسات ملفتة على الجزء الظاهر من وجه الضحية، ليكون بذلك قد إستكمل فكرة الإنكسار الجسدي على الرغم من أنَّ عينيه كانتا معصوبتين. وثانيا وهذا هو اﻷهم في تقديري، محاولة الفنان الإشتراك ومقاسمة العذاب الذي يعاني منه الضحية وفي لحظات شديدة القسوة كالتي يمر بها، وقد تجلى ذلك في الإيضاحات والشروحات التي كان يسهب بها لمقدم البرنامج، كذلك في ملامح وتقاطيع وجهه، فإذا ما إنهزم جسد اﻷسير (ولا زال الرأي لسيروان) فليس بالضرورة أن تُهزَم روحه. لذا، إستطرادا وإستكمالا للفكرة اﻵنفة، فربما إنتابت الفنان وفي لحظة ما، أن يضفي على تقاطيع وجه ضحيته ما يوحي بكبرياءه وتماسكه وبأسه، وأن يكون كذلك رابط الجأش، متماسك جلد، إذ هي معركتهما (هو والضحية) قبل أن تكون معركة مُشعليها، أو لنسميها هي لحظة مواجهة، طرفاها الفنان وضحيته من جهة، ومَنْ يؤسره ويُصفِّدُ معصميه ويُعصبُ عينيه من جهة أخرى.

تأريخ بلاده، لم يكن غائبا عن ذاكرته، فإليه يعود وعليه يُوقف أعمدة أعماله، فهو الثابت وهو اﻷساس ومنه يستمد أفكاره، وكلما أراد زخما أو دفعة أو حزمة ضوء، ستجده مقلِّبا صفحات تلك الحضارات التي مرَّت على بلاده، ليستمد منها العزيمة، ولتزيده فخرا وإبداعا وولاءا لوطنه. وفي مثيولوجيا الشعوب (علم اﻷساطير)، هناك كم هائل من المعتقدات والعادات، الغنية والثرية. وأهل العراق القديم وبمختلف الحضارات التي تعاقبت على حكمه، لهم من هذا الإرث الكثير بل والقدح المعلى، ولا أظن أنَّ هناك خلافا أو شكًا في هذا. فما من زاوية الاّ وحفروا فيها، وما من قِيمٍ وطقوس الاّ ودونوها، حتى أمست مرجعاً للشعوب اﻷخرى، إذ هي تعود اليه وتستعين به كلما إقتضى الحال وضاقت بهم السبل والمنافذ، فمن بين يديه خرجت العديد من الحلول، واستطاع حل العديد من اﻷلغاز المستعصية وفك أصعب العقد.

أخيرا، ومن بين أعماله وبالإتساق مع إرث بلاده، فهناك نحت لِقاربٍ أو كما يسميه أهلنا في الجنوب بالطرّاد، كان قد جسَّده الفنان سيروان باران، بجودة ودقة عاليتين، مستعينا ما استطاع ببعض المواد القريبة في تكوينها وشكلها، مع طبيعة المواد التي جرى إستخدامها في العراق القديم. ففي تقاليد أهل الرافدين وكما جرت العادة وحين يتوفى شخص ما، أن يسجى في قارب، ذو حجم مناسب، ثم يوضع بعناية فائقة على سطح الماء ليطفو به ويأخذه مجرى النهر بإنسيابية وهدوء، ليستقر أخيرا في منطقة يعدّونها أكثر أمنا وأمانا، ليدشن بذلك حياة أخرى، أملا في أن تكون أكثر راحة وسكينة عن تلك الفترة التي قضاها في حياته اﻷولى. انَّ طقسٍ كهذا، لا يبتعد كثيرا عن فكرة الخلود في حضارة وادي الرافدين وعن ثالوثها، الوركاء، أنكيدو وجلجامش. وهذا تفصيل آخر سنتركه ﻷصحابه ومَنْ هم أجدرُ منّا فيه.

 

حاتم جعفر

السويد ـــ مالمو

 

 

كاظم شمهودكتب الناقد والمؤرخ الانكليزي هربرت ريد يقول: (اصبح الفرس في الحقيقة شعبا من الفنانين المأجورين والرحل، وكان الحكام يشجعون فيهم الحس الجمالي،  وان كان في الاغلب لا يتمتعون هم انفسهم بهذا الحس الجمالي، وارسل الفنانون الفارسيون  الى كل جزء من  المستعمرات العربية، فمن حدود الهند في الشرق الى اسبانيا غربا الى افريقيا في الجنوب، وحيثما حلوا كانوا يحملون معهم  تقاليدهم ومغالاتهم الشديدة في التعبير عن  حركات  الحيوانات ومزخرفاتهم الخشبية (الارابسك) ومنسوجاتهم المزخرفة بالورود، وحيثما غرسوا تلك التقاليد، نما فن محلي وطني يستقي الهامه من الدين المحلي او من  القومية، ثم يمتزج هذا الفن  معهم  او يمتزجون هم معه، فهذا الفن الذي ندعوه فارسيا اذن، هو اكثر الفنون انتشارا في كل مكان، فقد تسرب تأثيره الى العالم المتمدن كله …)

ولهذا نجد الفن الفارسي اكثر انتشارا من غيره فقد تسربت تأثيراته الى جميع انحاء الامبراطورية الاسلامية واتخذ طابعاً دولياً وكان الفنانون الفارسيون هم فنانون ينتمون الى جنس واحد هو (الآري) وانهم عثروا على منابع  فنهم في اواسط اسيا الغامضة وفي اثناء تجوالهم وعلى امتداد نفوذهم جعلوا منه اسلوباً عالمياً مؤثراً على معظم الفنون الاخرى في ذلك الوقت .

1976 رسم 1

مدرسة تبريز

1976 رسم 2وظهرت في زمن الصفويين مدرسة تبريز أبهة وعظمة البلاط والقصور الجميلة وكان الشاه طهماسب 1524 م رساماً بارعاً تعلم الرسم على يد المصور  المشهور  سلطان محمود، وقد  أسس مجمعاً فنيا في البلاط يشرف عليه المصور المعروف جلال الدين  بهزاد وقد تجمع فيه كبار وخيرة المصورين من كافة انحاء الامبراطورية، وكان المصورون يقلدون مصوري البلاط في تبريز وقزوين .  ويعتبر عصر طهماسب عصر الثقافة والفن والتنوير، وقد ارتفع شأن المصورين والمزوقين والخطاطين في عهده فغدت القصور والحدائق والعمائر مشرقة وابهة وجمال، وتزين الناس بالملابس الفاخرة وعمت مجالس الطرب والشرب ، كما اصبح بعض المصورين اصدقاء وندماء للسلطان . وكانت الصور تمتاز بالدقة والالوان الزاهية والهدوء وتوزيع الاشكال بعناية فائقة وذوق راقي .

واشتهر في هذه الفترة من المصورين: آغا ميرك، سلطان محمد، مظفر علي، محمدي، سيد مير نقاش، شاه محمد، دوست محمد، وشاه قولي التبريزي . ويعتبر آغا ميرك من افضل المصورين بعد بهزاد . وكان مخطوط – المنظومات الخمسة – للشاعر نظامي الذي عمل للسلطان طهماسب بين اعوام 1534 و1539 قد اشترك في تزويقه عدد كبير من المصورين الايرانيين منهم الذين ذكرناهم سابقا، وتعتبر صور هذا المخطوط من اروع ما انتجته المدرسة الصفوية في الفن، وقد برز بعد بهزاد ايضا سلطان محمد وكان قد شغل رئيس مجمع الفنون الجميلة في تبريز، كما برع في تصميم الاشكال الحيوانية والنباتية على الاقمشة والسجاد والقاشاني، ويذكر ان اجمل صور سلطان محمد هو ما وجد في مخطوط من ديوان حافظ، تمثل مشهد طرب ورقص وشرب وسكر .

ويذكر ان بعض المخطوطات التي صورت في مدينة هراة استمر المصورون في تزويقها عندما انتقلوا الى العاصمة الجديدة تبريز، وظهر ذلك في مخطوط مير علي شيرواني والذي كتب في هراة عام 1527 وهو اليوم محفوظ في مكتبة باريس. وامتازت الرسوم الصفوية بوجود العمائم التي تخرج منها قطعة حمراء مثل العصا واصبحت علامة وميزة تشير الى المدرسة الصفوية .

1976 رسم 3

وفي زمن الاسرة الصفوية كانت هناك حرية في رسم الاشخاص وزخم في الزخرفة والالوان وتنوع في درجاتها وكانت هذه الزخارف من القوة ظلت هي الدافع المسيطر على مشاعر واحاسيس الفنان الذي لم يكن مغرورا اًوانانياً كما كان  موجوداً عند الفنان الغربي فقد كان صائغاً لاشياء نافعة من الفخاريات والمنسوجات او الكتب المصورة، ويقول  المفكر والناقد الانكليزي هربرث ريد: (ان أعمال الفرس هي من اكثر الشعوب عرفها العالم من ناحية الحساسية والثقافة).

1976 رسم 4

وبذلك يعتبر الفن الفارسي دون منازع، الفن البارز والاول في الفن الاسلامي خاصة في القرن السادس عشر ميلادي حيث وصل الى قمة جماله وجودته على يد المصور كمال الدين بهزاد في مدينة هراة ثم تبريز في زمن الدولة الصفوية .

 

د. كاظم شمهود

 

 

يسري عبد الغنيقادش أو تل النبي مندو مدينة أثرية قديمة سورية، تقع على نهر العاصي إلى الجنوب الغربي من حمص بحوالي 24 كيلومترا

وهي عاصمة مملكة كنزا ويقع تل النبي مندو على بعد 5 كيلومترات إلى الغرب من مدينة القصير، جرت فيها معركة قادش الثانية بين المصريين والحثيين.

المواثيق و المعاهدات من شأنها ان تنظم العلاقات بين الدول والحرص على احترام وتقديس حياة الشعوب وتأمين حمايتها في الحرب والسلم وهذه معادلة حرصت على اتباعها الدول في عهدنا الحالي والإمبراطوريات في العهد القديم.

وتعد معاهدة (قادش) اقدم اتفاقية سلام عرفها التاريخ وقد ابرمت بين امبراطوريتي الحثيين والفراعنة المتنازعتين حيث تضمنت بنودا قانونية وعسكرية ودبلوماسية نظمت العلاقات بينهما مع مباركة دينية ولمسة دبلوماسية ماكرة.

وحول اهمية هذه المعاهدة التاريخية أجمع الباحثون على انها تعتبر الاساس لجميع المعاهدات التي توالت بعدها على مر 33 عصرا من ابرامها اذ انها جمعت بين تطبيق القوانين (التشريعات) وضمان حق الشعوب وتأكيد اقامة سلام عادل وشامل وتعزيز اواصر العلاقات العسكرية و الدبلوماسية". ان المعاهدة وقعت بين الحثيين والفراعنة الذين كانوا في حالة حرب دائمة في الجبهات الشمالية وتحديدا في مدينة قادش قرب محافظة حمص السورية في عام 1296 قبل الميلاد حيث تولى قيادة الحثيين فيها الملك (حاتسولي) فيما تولى قيادة المصريين الفرعون (رمسيس الثاني). الروايات اختلفت حول المنتصر في هذه المعركة "بيد ان (رمسيس الثاني) قد اضطر في نهاية المطاف الى الانسحاب من سورية الشمالية والوسطى حيث توصل الطرفان في عام 1280 قبل الميلاد الى عقد الصلح و توقيع المعاهدة التي نسبت لهذه المعركة"

ان هذه المعاهدة نقشت على لوائح من الفضة باللغتين الفرعونية الهيروغليفية والبابلية المسمارية وانه عثر عليها اثناء عمليات تنقيب اجريت في شمال الاناضول في مدينة (بوغازكالة) في محافظة تشورم. ان بنود المعاهدة اكدت "اهمية اقامة علاقات جيدة بين الدولتين والسعي الى احلال سلام اساسه احترام سيادة اراضي الدولتين والتعهد بعدم تحضير الجيوش لمهاجمة الطرف الاخر واقامة تحالف وانشاء قوة دفاعية مشتركة واحترام الرسل والمبعوثين بين الدولتين لاهمية دورهم لتفعيل السياسة الخارجية واخيرا اللجوء الى لعنة الالهة كضمانة لهذه المعاهدة و معاقبة الناكث بها". ان اهمية هذه المعاهدة تكمن في انها اول معاهدة مكتوبة في التاريخ وقد اتخذت مثالا للمعاهدات التي تلتها في العصور الوسطى لما تضمنه نصها من مقدمات وبنود وخاتمة.

وتعرض هذه المعاهدة حاليا في متحف الاثار في مدينة اسطنبول و توجد نسخة منها في مقر الامم المتحدة في نيويورك. مطابقة لهذه المعاهدة ظهرت في مؤتمر تحالف الحضارات الذي عقد في منتصف شهر ديسمبر2012 في مدينة اسطنبول على أمل بان يسهم هذا الميثاق القديم في الهام الشعوب في وقتنا الحاضر باقامة تحالفات مبنية على الحضارات والثقافات والمعتقدات والمجتمعات في مختلف انحاء العالم.

 

بقلم: د.يسري عبد الغني

 

 

شكري عزيز تقديم: يعد الوسيط آلية تواصلية بين عنصرين أو شيئين، كنوع من التوليف أو النقل، وفي التعبير عن الوسائط الفنية هنا، إنما هو الإطار الذي تتوفر فيه آليات تعبيرية بها وساطة أو توظيف لعناصر تعبيرية ذات خصوصية، بحيث تختلف ماهيتها وماديتها بحسب غاية التعبير في حد ذاته وأسلوبه، وأغراضه الفنية.

فعديد التوجهات والتجارب الفنية، عمدت إلى استعمال وسائط تعبيرية، من أجل تحقيق امتلاء مفهومي وحسي، منعكس بصريا كشكل من أشكال التعبير والإبداع. حيث أن التخلي عن موضوعية أو سطحية العمل الفنّي والانزياح إلى الجوهر والمضمون من أكثر المقومات التي ساهمت في انقلاب المنهج البنائي الإنشائي للممارسات التشكيلية، الذي آل إليه القرن العشرين نتيجة التفاعل الكامل مع المعاصرة، ومنه إلى بروز العديد من الطرق الأداتية المتنوعة، والتقنيات التشكيلية، والأساليب التعبيرية المعاصرة لزمانها والعاكسة له.

1941 برنار مونينو 1

برنار مونينو، مرحلة تسجيل الأثر

لقد أوجد الفنان مجموعة من المفاتيح التشكيلية والجمالية الجديدة، قام باختيارها لإيجاد سبل في كيفية طرح أو إخراج الوضعية المشكل من المخاض الفكري، إلى الفضاء الخارجي المفتوح. هذه المفاتيح هي تلك الطرق الإنتاجية والإنشائية التي ينتقيها حسب ما تقتضيه الوضعية، فهي السبيل لإبراز المفاهيم الجديدة والمعاصرة، التي يريد أن يضعها في الواجهة عبر الإنتاج التشكيلي. من هذا الإطار يأخذ الوسيط أهميته، كجدلية قائمة تفتح مناقب البحث والتمحيص في الامتلاءات المفهومية، وهو المجال الذي تتنزل فيه تجربة الفنان الفرنسي، "برنار مونينو" كمحور اشتغال بوسائط تشكيلية مختلفة، منها حركة الريح، التسليط الضوئي ...

فماهي تجليات حضور الوسيط في تجربة الفنان مونينو؟

ومدى انفتاح الوسيط التشكيلي على جدليات جمالية، فكرية وفلسفية؟

1- الوسيط وانفتاح آليات التعبير:

إن التعبير عن الوسيط، طرْحٌ لعددٍ من الجدليات والإشكاليات، حيث يمكن اعتباره مفهوم شامل لكونه مدرج تقريبا في جل الأعمال التشكيلية، خاصة في الفن المعاصر، أين تعدد وتنوع. كما أن الوسيط لا يمكن فصله عن المسار الزمني للفن، فهو النّواة الأولى في انبثاق ما يسمّى بتاريخ الفن، وبالتالي وبحكم صيرورة هذا الأخير، فهو يقتضي الاستبدال أو التحول والتطور. كما يمكن أن تفتح جدلية مرتبطة بالجانب البنائي والحسي في الممارسة التشكيلية، والمرتبطة بمورفولوجيّة الوسيط في حد ذاته على المستوى المادي، الشكلي والفيزيائي.

إن اعتماد الوسيط هنا، ليس بوصفه إشارة إلى ما يعرف بــ" Multimédia" أي الوسائط المتعدّدة، والذي ظهر سنة 1965 كمصطلح لوصف عرض مسرحي، جمعَ بين الموسيقى والسينما والفن الأدائي والإضاءة، أو كما يرمز إلى استعمال عدة أجهزة إعلام مختلفة لحمل المعلومات أو ذات الصلة بالحاسوب، بل كتعبير عما يمكن أن يوظّف في إنشائية العمل الفنّي، وكما ورد في معجم لسان العرب لابن منظور، الذي يطرح أصل كلمة الوسائط بما "هي جمع الوسيط ومنها الوسيلة والوسائل وهي في الأصل ما يتّصل به إلى الشّيء ويتقرّب به إلى الغير".  ومنه إلى دراسة العلاقة القائمة بين هذا المفهوم والفن التشكيلي المعاصر، من خلال قراءة واستبيان تجربة الفنان الفرنسي "برنار مونينو" .

1941 برنار مونينو 22برنار مونينو، ذاكرة ريح، 2010:

آثار تسجيلات حركة الريح على محامل البلور

فالوسيط، يمكن اعتباره ومن خلال ما تقدم ذكره، المحرك الأساسي لبداية العمل الفني ونشأته، من خلال مكوناته وتكويناته، وهذا يدل على حضوره داخل منظومة التكوين ووجوده داخل العمل، ولما يمكن أن يتصف به كمجموعة من الوقائع والأحداث، أو باعتباره المادة القابلة للتشكيل والإدلال.  فبماديته يحتل المقام الأول، ليساهم في إثراء و ظهور أقسام تاريخيّة متعددة ومتنوعة في الفن، كشكل من أشكال الانفتاح على العالم وعلى راهنية الأشياء وماهيتها كوجود، "وفي العمل الفني تظهر حقيقة الموجود، وتقف في نور الوجود، فيحصل وجود الموجود على لمعانه وبريقه الخاص، وعلى ذلك فماهية الفن إنما هي حقيقة الموجودات التي تحدث في العمل الفني" .  فالوسيط يحدّد الدّلالة، الرّمز، المعنى، الذي يكون دائما في حالة تكوَن وتجديد، لأن الوسيط مقترن بالمعاش "vécu"، وما هو موجود. فهو الفاصل الذي يتحدّد بموجبه العمل الذي يوجد في علاقته بالفضاء، الحركة والمكان والزّمان كوحدة متكاملة متواشجة.

في هذا المجال، وفي التعبير عن الوسائط الفنية، إحالة إلى تجربة الفنان الفرنسي "برنار مونينو"، لما تتضمنه من آليات تعبيرية تخرج عن السائد وتبحث في التشكيل من ناحيته التوليفية لما هو باطن في مادية الأشياء. ففي تجربته الفنية "ذاكرة ريح" والتي قام بها سنة 2010، إنما هي كشكل تعبيري عن إمكانات بناء الأشكال عبر الطبيعة، ومنها التشكيل بالريح.

فالطبيعة بحسب الفنان "برنار مونينو"، هي ليست آلية إنتاجية للأشكال، أو اللامتناهي للأشكال فقط، وإنما هي إنتاج للصور، فالظل والانعكاس هي في حد ذاتها صور. فمن خلال شفافية البلور كمادة مستعملة، وكذلك إلى كل التحاليل في عملية  العرض، كان "مونينو" يعاين  ويستغل خصوصية الظلال، كبنى تركيبية وكشكل في الرسم، فتصبح الريح كمنتج لللامتناهيات التركيبية كرسوم متشكلة تعكس خصوصية الزمان والحركة وطاقة الطبيعة ضمن توليف خاص.

انطلق عمل "مونينو"، بتركيز حاملات لصفائح بلورية معالجة بدخان أسود، ووضعها على أطراف أوراق نبات في فضاء مفتوح، ومن خلال الحركة التي تقوم بها الأوراق عبر تأثير الريح فيها، فهي تقوم بتسجيل هذه الحركة على المساحة السوداء كتسجيل خطي محكوم بقوة الريح واتجاهاته. هذه التجربة التي أنتجت تواشجا خطيا، كنوع من الكتابة أو الرسم التجريدي، ولكن تكمن الجدلية هنا في كيفية تصوير الريح أو مكاشفته في كونه غير مرئي، أي في تشكيل الريح كطاقة طبيعية، ذلك أن هذا التسجيل هو عبارة عن حدوثية تنكشف نتائجها العينية كشكل من أشكال الكتابة والرسم. إنها جدلية تبحث في إمكانات تصوير اللامرئي، أو في تطويع الطاقات الخفية فيه، عبر استدلالات وسائط تشكيلية تجريبية، تباشر مضمون البحث ودلالاته الفكرية والمفهومية.

لقد عَمد الفنان إلى معالجة هذه النتائج والآثار، عبر عرضها من خلال أخذ هذه المحامل من البلور والحاملة هي في حد ذاتها لنتيجة الحركة للريح، وقام بتسليط الضوء عليها لتكون منعكسة على شاشات أو على الحائط.

1941 برنار مونينو 3(الآثار المنتجة وحدوثية الفعل على المسطح)

هذا العرض الذي قام به، يمكن اعتباره منحى في استبيان اللا متناهي في التشكيل عبر الريح، كما جاء في تسمية عمله الفني "ذاكرة الريح"، فهي كقصيدة منظومة ليس بشكلها الشعري وإنما في سياقها التأليفي، فهي نوع من المتغيرات اللامتناهية علما وأن رسوماته غير متكررة.

إن رسومات "مونينو" المعروضة، يمكن اعتبارها كنوع من المكاشفة والمصاهرة بين طاقات طبيعية، لكشف تشكلاتها الممكنة، من إطارها البسيط والعادي إلى إدراك الماورائيات وأشكال حضورها. هذه الطاقة التي ترسم حاضرها دون تكرار سابقها، والتي تخط زمنية هذا الحضور بكل ما في المعنى من تجرد، حتى تعزلنا عن عالم التشخيص لنغوص في عالم الكشف والتصوّر لما هو غير مألوف.

يمكن أن تكون هذه الآثار في ظاهرها خربشات بسيطة، عفوية، صدفوية، ولكن في ربطها بمضمون وآليات البحث تكون جدالا مفهوميا محملا بالدلالة، ومبحثا في ماهية الأشياء، وفي تصورنا لها من زاوية جديدة. هذه النتائج التي تحصل عليها الفنان، تعد كانكشاف خطي بمسايرة تقنية، ويمكن أن ترى كاللاشيء، ولكن اللاشيء هو البداية بل هي البداية النقية.

في إطار ثان، وفي عملية اعتماد الفنان "برنار مونينو" لمفهوم التسليط الضوئي على المحامل البلورية المسجلة لآثار الريح، وعرضها على شاشات، إنما هو كإطار تبليغي وبياني لمنهج المعاينة التجريبية، ولمضمون الوسيط التشكيلي (الريح)، كما من التعامل مع الضوء كوسيط ثان، لإدراك هذه الانتاجات ضمن مسار تقني كشفي، وهو ما يخول القول بأن "التقنية هي إنتاج بمعنى انكشاف لا إنتاج بمعنى صنع" .

عبر هذا الاستدلال لمفهوم التقنية في معناها الكشفي، وفيما تحويه من وسائط، إنما إحالة للقيمة التجريبية في الممارسة التشكيلية، كمسار تجريبي مفهومي، يقيم جملة من الجدليات سواء جمالية، فلسفية... وكمجال تتحدد به أطر المعرفة وآفاقها.

1941 برنار مونينو 4

2- الوسيط مسار تجريبي وتوليفي:

يخوّل الوسيط بوصفه منهج استردادي وتجريبي، من استبيان مدى خضوع المتلقّي وتقبله للتّجربة بمعرفة الدّوافع والظّواهر، التي أدّت إلى ظهور دلالات ذات معاني تشكيليّة. فالمعرفة هي هدف الباحث وغاية المتلقّي، وهي لا تكتمل إلاّ بوجود الوعي التّجريبي عند المتقبّل، ومنه إلى كيفيّة الرّبط بين النّتائج والكيفيّات.

إن طريقة تعامل المتقبل مع آليات التحليل والفهم للآثار، وزاوية رؤيته لها، يمكن أن يحدث بحسب خصوصيّة كل تجربة فنية في تضمينها بالكل، كمنهج استدلالي واستقرائي. حيث أنّ المنهج الاستدلالي يتمثّل في مبدأ الانتقال من الكليّات إلى الجزئيّات، وفيه يربط العقل بين المعطى أو المقدّمات والنّتائج وعلل وجودها، حسب المنطق والتأمّل الذّهني، كالأعمال ذات أسلوب التّصوير الضّوئي، أمّا المنهج الاستقرائي وهو يمثل عكس المنهج السّابق، حيث يبدأ بالجزئيات ليصل منها إلى الكليّات، أي الضّوابط والأسس التي تتبلور في الأعمال ذات اللّون الواحد (صور عرض رسومات الريح).

إن هذا التمشي، يعتمد على التحقّق بالملاحظة المنظّمة، الخاضعة للتجريب والتحكّم في المتغيّرات المختلفة، وهذا بالطّبع على رابط بمجموعة من التّقنيّات المصمّمة بدقّة، والعلاقات القائمة بامتياز بين الوسائط. هذه الخواص التي تتميّز بها مجموعة من الإنتاجات الفنيّة لبرنار ذات الطّابع الاختزالي، المفاهيمي، التي تساءل العلاقة القائمة بين الفكر العقلاني والأسلوب الظّاهري. فهو المجال الذي ساهم من خلاله في بلورة مقاصده، وتحويل عرضه إلى أروقة كشفية معرفيّة، تحاول تفسير بعض الظّواهر الطّبيعيّة لتحمل بعدا تمثيليّا. حيث أنّه ومن خلال المنهج المتّبع يقوم بتمثيل بعض الظّواهر الطّبيعيّة بطرق تقنيّة بحتة، وهذه الأخيرة ليست إلا النّظم المتّبعة لنجاح عمليّة التّجسيد أو التّمثيل للضّوء ومؤثراته و"التّمثيل قد يكون قريبا، في شكله العقلي، من النّسخة أو الصّورة الأصليّة، أي إنّه أكثر قربا من الخصائص العيانيّة والملموسة(...)".  فتتكوّن الظاهرة الضّوئيّة بشكل حسّي وملموس، ومن ذلك، فإنّ الفنان يقوم بتشكيل المحتوى العيني للفكرة، بأن يجعلَ الفكرة وهي بالطّبع مجرّدة ماثلة، أو تبدو كما لو أنّها شيء عيني نستطيع رؤيته رؤيةً عينيّة.

1941 برنار مونينو 33عرض رسومات الريح:

الآثار الحركية على المحمل

إن الجدير بالذّكر هنا، أنّ عمليّة التّمثيل أو الاستحضار، والمقصود بها استحضار الفكرة التي تنساق نحو محاولة تمثيل الضّوء، لا يمكن أن يكون مباشر بحكم أنّ الضّوء شيء محسوس وليس ملموس، فيترتّب عن ذلك أنّ التّمثيل هو عمليّة إبدال أو تعويض، وهذا ما يِؤكّده شاكر عبد الحميد في كتابه عصر الصّورة بأنّ "التّمثيل هو العمليّة التي يحلّ من خلالها شيء محلّ شيء آخر، أو يرمز إليه كبديل له. وعمليّة التّمثيل قد تكون خريطة عقليّة مباشرة لموضوع معيّن، أو قد تكون رمزا عقليّا له في شكل صورة، أو فكرة، أو قد تكون عمليّة تجريد عقليّة للخصائص المميّزة له" .

نتبيّن من هنا أنّ الممارسة التشكيلية، هي عبارة عن نموذج حامل لمجموعة من القواعد المنظّمة، لتُنبني منها إشكاليّة المراوحة بين حضور الشّيء وغيابه عبر الأثر. وهو ما يحيل التعبير عن مفهوم الاستعارة في كونه أحد دلالات التّمثيل، في جعل شيء حاضر ينوب عن شيء غائب... أي كل ما يمكن أن يكون قابلا للتّأويل.

فالفنون البصريّة، تتميّز بدورها كعنصر حامل لنسيج من العلامات، للتّعبير عن شيء متمثل، ذي دلالة، والمقصود هنا بالتّمثّل لا أن نشاهد صور وأشياء، بقدر ما ندرك ونشاهد رؤية الفنّان الخالصة، أي الفكرة الغائبة التي سيتمّ استحضارها من خلال ملكة الإدراك للمتقبّل، كما من كيفيّة التعامل مع الوسائط المتآلفة على المستوى الذّهني وشكل حضورها. فالأعمال المرئيّة، فكرة يعمل الفنّان على بلورتها وتمثيلها بأساليب ومناهج وتقنيّات مواكبة للتّغيّرات الحضاريّة والتطوّرات العلميّة والتّكنولوجيّة، التي كانت حافزا لحثّ الباحث على التّجريب ومواكبة مناهج العلوم، والتي أصبحت موازية لمتطلّبات الحياة اليوميّة.  فقد تختلف وتتنوع الأساليب الفنيّة من حقبة إلى أخرى، وقد تتطوّر مع تطوّر الشّكل، إلا أنها تبقى كمجال لتحقيق التّواصل بين الباث والمتقبل ضمن شكل مفاهيمي، دلالي ومنه إلى المعرفي.

يعد إذن الوسيط التشكيلي، امتدادا لما يخالج الباحث من إحساسات فكريّة وحسيّة تجاه ذاته والطّبيعة، وما يرادف هذا المفهوم من معاني ومجالات كالعالم الطّبيعي، العالم الفيزيائي والعالم المادّي، وما يترتّب عنه من أشياء مصنّعة يتمّ اتخاذها أيضا من ركائز الفن التّشكيلي الذي يفسّر بدوره اختلاف، وتنوّع الأساليب الفنيّة عبر العصور وبين الأزمنة.

إذن فالوسائط التّشكيليّة، هي المفاتيح التي يلجئ إليها الفنان في كلّ تجربة، حيث تعد مجالا لإظهار المفاهيم الجديدة أو الظّواهر التي يريد  أن يضعها في المقام الأوّل، كما هو الشأن في تجربة "برنار مونينو" واعتماده  للوسائط التّقنيّة وفي تجلّيها كلغة تواصليّة اتصالية.

فلإن كانت تجربة الفنان برنار مونينو، شكلا من أشكال المسائلة لمادية الاشياء في الطبيعة وتوليف لاشكال حضورها، إلا أنها يمكن أن تعد كبحث عن الحقيقة والوجود بتمظهراتها المختلفة وبطرحها الجمالي الخاص، " فإن الحقيقة هي قبل كل شيء حقيقة الوجود، والجمال لا يوجد بمنأى عن الحقيقة، وبعبارة أخرى، فإنه عندما توجد الحقيقة في العمل الفني، فإن "المظهر" بوصفه وجودا للحقيقة في العمل الفني يعبر عن "معنى الجمال" بحيث تتأكد الصلة بين "الجميل" و"الحقيقة" .

عبر هذه التحديدات المفهومية، يمكن أـن تقرئ تجربة مونينو كتجربة باحثة في الظواهر ومادية الاشياء بما هي موجودات، ومنها إلى تمحص مفهوم الحقيقة المنعكس في الاثر، هذا الاثر "البكر"، والذي يعزل دلائل مكان وزمان، لينتج مكانا وزمانا متجدد.

 

 

د. شكري عزيز / تونس

......................

المراجع:

- صفاء عبد السلام على جعفر، الهيرمينويطيقا "تفسير" الأصل في العمل الفني، دراسة في الأنطولوجيا المعاصرة، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2000.

- شاكر عبد الحميد، عصر الصّورة، السّلبيّات والإيجابيّات، عالم المعرفة، الطّبعة الثّالثة والأربعون، مطابع السّياسة، الكويت، 2005.

- ابن منظور الإفريقي المصري، لسان العرب،افريقيّة أنفو للتّوزيع، دار صادر،بيروت 2000.

- مارتن هيدجر، التقنية، الحقيقة، الوجود، ترجمة محمد سبيلا و عبد الهادي مفتاح، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان

الهوامش:

1- ابن منظور الإفريقي المصري، لسان العرب،افريقيّة أنفو للتّوزيع، دار صادر،بيروت 2000.

2-  برنار مونينو، فنان تشكيلي فرنسي،ولد في 15 ماي 1949، في فاي، وهو أستاذ في مدرسة الفنون الجميلة في نانت سنة 1994، وهو حاليا أستاذ في المدرسة الوطنية العليا  للفنون الجميلة بباريس.

3- صفاء عبد السلام على جعفر، الهيرمينويطيقا "تفسير" الأصل في العمل الفني، دراسة في الأنطولوجيا المعاصرة، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2000ص، 76.

4- مارتن هيدجر، التقنية، الحقيقة، الوجود، ترجمة محمد سبيلا وعبد الهادي مفتاح، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، ص54.

5- شاكر عبد الحميد، عصر الصّورة، السّلبيّات والإيجابيّات، عالم المعرفة، الطّبعة الثّالثة والأربعون، مطابع السّياسة، الكويت، 2005

ص 67 .

6-  نفس المرجع ص 67 .

7- صفاء عبد السلام على جعفر، الهيرمينويطيقا "تفسير" الأصل في العمل الفني، دراسة في الأنطولوجيا المعاصرة، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2000ص، 76.

 

كاظم شمهودمنذ منتصف القرن التاسع عشر بدات البعثات الاجنبية خاصة الاوربية تحل في ارض الرافدين مدفوعة بحب الاستطلاع والبحث عن جذورهم واصولهم التاريخية القديمة يضاف الى ذلك انها ارض الانبياء والديانات السماوية، وقد ثبت لهم ان الكتب المقدسة غير قادرة على اعطاء الحقيقة وانها يطغي عليها طابع العنصرية ومليئة بالاساطير والخرافات والتي لا يقبلها الفكر الانساني والعقل المعاصر. وننقل مثالا لنص واحد من تلك الخرافات .

(فالآن ان سمعتوا لصوتي وحفظتم عهدي تكونوا لي خاصة من بين جميع الشعوب فان لي كل الارض وانتم تكونون لي مملكة كهنة وامة مقدسة) – سفر الخروج الاصحاح التاسع-5-6 – ولهذا يعتبر الكتاب المقدس كتاب موجه الى شعب بعينه ويعتبر اليهود انفسهم شعب الله المفضل وانه هو الاههم وحدهم وانهم شعبه المختار وبقية الشعوب عبيد لهم ..

يذكر الدكتور فالح مهدي في كتابه – البحث عن جذور الآله الواحد – ان عدد كبير من المفكرين يعتبرون العهد القديم كتب على يد اكثر من محرر بل ساهم في صياغته عدد كبير من الصعب احصائهم في عصور مختلفة امتدت الى خمسة قرون .

1926 المعراج 1

المصدر العلمي للتاريخ

لقد سجل الاوربيون السبق في التنقيبات والحفريات في ارض الرافدين وكان التنافس على اشده بينهم وكانهم جماعات الباحثين عن الذهب في امريكا. حيث بدأت حمى الذهب في كاليفورنيا في عام 1848 مع اكتشاف جيمس مارشال الذهب في بعض مجاري الأنهار في كاليفورنيا. وقد هرع الآلاف واستقلوا القطارات والعربات والسفن وحتى ساروا على الاقدام من قارتي أمريكا والعالم القديم طمعا في الحصول على ثروة الذهب ... وهذا ما حصل في بلاد الرافدين حيث هرع الاوربيون للبحث عن . المصدر الاساسي للتاريخ وهو الآثار السومرية القديمة التي موجودة ومطمورة تحت التراب وهي ثروة اغلى من الذهب .

كيف يدون التاريخ

1926 المعراج 3لقد اطلعت على كتب بعض المؤرخين العرب والمسلمين مثل تاريخ الطبري الجزء الاول والمسعودي واليعقوبي وابن الاثير، كما قرأت كتابين للدكتور خزعل الماجدي وطه باقر وزهير صاحب وفؤاد سفر وغيرهم وكان الهدف هو التحقيق ومعرفة تاريخ الامم السابقة العتيقة التي ظهرت قبل التدوين والتاريخ، وقد وجدت ان هؤلاء ينقسمون الى قسمين:

1 – القداما وهم الطبري وغيره وجدتهم ينقلون نقلا مباشرا عن كتب اليهود، حتى انه ورد عن ابن عباس الذي كان يطلق عليه (الحبر الاعظم) كان يسأل كعب الاحبار (والذي هو يهودي الاصل والذي اسلم بعد ذلك في زمن الخليفة عمر) عن الامم السابقة وينقل عنه . كما وجدت ان السيد الطباطبائي في كتابه- الميزان – ينقل بعض الروايات اليهودية عن قصص الانبياء ثم يعلق عليها ويقول (انها لا يعول عليها كثيرا لانها تتنافى مع المنطق العقلي للقرآن) وانها اسرائيليات . ولهذا كان المؤرخون المسلمون القداما يعتمدون على كتب التوراة في تسجيل الحوادث وتاريخ الامم الماضية . وان التوراة بدورها كانت تنقل عن الاساطير السومرية والبابلية والآشورية القديمة وبالتالي تكون الحصيلة للمنظومة المعرفية عندنا اليوم هو ما يوجد في كتب مؤرخينا والذي اكثره اساطير وخرافات ولا يعول عليها كثيرا .

2 – القسم الثاني هم العلماء والمحققين الآثاريين العلمانيين الذين يعتمدون في تدوين التاريخ على ما كشف من الآثار المادية المنتشرة في ارض الرافدين والمطمورة تحت الارض منذ آلاف السنين . وعندما نقرأ كتب علماء الآثار سواء الاجانب ام العرب نجد تناقضات لا تحصى في الترجمة والتأويل للنصوص السومرية والاكدية ..

ولكن كيف كان ينظر السومريون الى انبياء عصرهم ؟ وكيف حولوهم الى ملوك واساطير وآلهة ؟ لنأخذ مثلا على ذلك النبي ادريس –ع-

1926 المعراج 2

ادريس في الاساطير السومرية:

جاء اسم ادريس في اللغة السومرية هو - انمين دور انا – ويكتب ايضا –انميدور انكي وفي العبرية –خنوخ – وعند المصريين القداما - هرمس – وارميس باليونانية . كما جاء في القرآن باسم ادريس . ويعتبر انمين دور انا الملك السابع في التاريخ السومري قبل الطوفان وحكم في مدينة سيبار . وقد وصف بانه اله وابن الاله انكي، وانه من العباد الكهنة والحكماء والعلماء في الطب والفلك، ولهذا جاء في التراث السومري كملك وليس نبي . اما في القرآن فقد جاءت قصته بانه من العباد الصالحين وان الله رفعه الى السماء العليا (ورفعنانه مكانا عليا)، كما ذكرت التفاسير قصص عن حياة ادريس –ع- منها انه، كان هناك ملك قد غضب الله عليه فكسر جناحه ورماه في احد الجزر فلما ظهر ادريس طلب منه الملك ان يشفع له عند الله ان يرد عليه جناحه ففعل ادريس ورد الله للملك جناحه ثم قال الملك لادريس ما حاجتك حتى اقضيها لك، قال اريد ان ارى ملك الموت لارى متى اجلي، فحمل الملك ادريس على جناحه وطار به الى السماء الرابعة وتركه عند مطلع الشمس، ثم ذهب الملك وسأل ملك الموت عن اجل ادريس فقال له سيموت في مطلع الشمس، ولما رجع الملك الى ادريس وجده ميتا .

1926 المعراج 4هذه القصة نجدها ما يشابهها في اسطورتين سومريتين مدونة على عدد من الالواح الطينية السومرية التي كشفها علماء الآثار، الاولى هي ان ايتانا كان احد ملوك سومر كانت زوجته مصابه بالعقم فشكى وضعه الى اله الشمس اوتو، فنصحه الاله بان هناك نبات في السماء العليا عند الاله الاكبر - آن – هو من يحل مشكلة الاخصاب، ولكن عليه قبل ذلك ان يذهب الى نسر في الوادي مكسورة اجنحته عليه ان يضمدها ويصلحها وهو يحمله بعد ذلك الى السماء العليا وفعلا تم ذلك وحمله النسر السماوي الى الاله - آن - او انو، وبالتالي حصل على نبات الاخصاب . وفي هذه الرحلة الفضائية يصف لنا ايتانا كيف يرى الكرة الارضية من علو وهي صغيرة وكأنه وصف لاحد رجال الفضاء في عصرنا الحاضر .

اما القصة الثانية فهي تشيه الاولى من ناحية المضمون وتختلف نوعا ما في الصيغة السردية، حيث يذكر بان الاله آدابا ابن انكي كان في مركب يصطاد السمك فهبت عليه الريح القوية فضربها وكسر جناحها . ولما علم الاله- آن – بذلك الحادث طلبه للاستفسار فصعد آدابا الى السماء العليا لمقابلة الاله الاكبر - آن -، ولكن لا نعرف كيف صعد اي بأي وسيلة . .

ان الرحلات الى الفضاء في القرون السابقة كانت واردة في الكتب السماوية المقدسة مثل رحلة الرسول محمد –ص- الى السماء السابعة، وكذلك ذكر القرآن ان الله رفع عيسى –ع- الى السماء العليا حيا .

اذن ما جاء في الاساطير السومرية هي ربما حقائق محورة اخذت صفة الآلهه وانها تمثل الخط الرسمي للدوله ومصالحها وليس المعارضين لها، كما ان التدوين الذي وصلنا على الالواح الطينية كان بيد كتبة الكهنة والملوك . وان الانبياء كانوا يمثلون الخط الشعبي الذي كان مبعدا ومحاربا وليس بيده شئ .. ولهذا اعتقد ان علماء الآثار لازالوا غير قادرين على حل رموز الماضي ودراسة تاريخ الانبياء واسمائهم ومقارنتهم بالملوك السومريين والبابليين والآشوريين وغيرهم .. نعم هناك محاولات لذلك ولكنها قاصرة ويشوبها الغموض حيث لازالت لم تتخلص من روايات الكتب المقدسة القديمة مثل التوراة والتي لا يعول عليها ..

يقول الدكتور خزعل الماجدي حول ترجمات علماء الآثار (هنا يكمن الخطأ في النقل واعادت بناء الثقافات السابقة حيث تجري التحويرات عن قصد من اجل تعزيز السردية الجديدة للشعوب الجديدة كي تحل محل الثقافات القديمة ولكي تساهم في دحرها) .

 

د. كاظم شمهود

 

 

ضياء محسن الاسديلو أريد دراسة أي شخصية لزاما علينا معرفة كل الجوانب المحيطة بها والظروف التي نشأت فيها والبيئة الاجتماعية والأسرية والفكرية وانحدارها الطبقي والمؤثرات النفسية التي ساهمت في بناء هذه الشخصية ليتسنى لنا معرفتها والإحاطة بها وإنصافها سلبا وإيجابا حيث نستطيع أن نكون فكرة واضحة لـتأريخها وتأثيرها في مجتمعها تجنبا من بخس حقها وخصوصا إذا كانت شخصية لها مكانتها وتأثيرها في التأريخ ومن هذه الشخصيات المطروحة الآن بين طيات كتب الكتاب والمؤرخين للسير التاريخية هي الشخصية التي أحاطها الغموض والتلاعب في شخصيتها والافتراء عليها وهو الملك البابلي الآكدي -  نبوخذنصر- الذي ترك بصمة واضحة في تأريخ العراق والعالم الحاضر والماضي وما زالت شواهده حاضرة لحد الآن .لهذا نبدأ بهذه الشخصية منذ نشأتها وارتباطها بأرض بلاد الرافدين ولو بدأنا أولا أن ملوك بابل وآشور هي من أسرة واحدة انحدرت من بلاد وحضارة اليمن العربي وتابعت نزوحها إلى شبه الجزيرة العربية وشواطئ الخليج العربي وصولا إلى جنوب العراق وحتى شمالا منه من قوم الملك العربي تُبع وأبنه أسعد بن تُبع وأولاده حيث ترعرعت هذه الأسرة على التوحيد والإيمان بوحدانية الله تعالى وإيمانهم بالديانة اليهودية الموحدة لله تعالى بعدما أعتنقها الملك تُبع وجاء بها من الشام ومن ذُريته (شرحبيل) أو ما يسمى (شوبرليت) وسميه بعدها ب(آشوربانيبال) كما ذكره الدكتور المؤرخ (طه باقر) رحمه الله .حيث كان يتبع الديانة التوحيدية في مملكة الكلدانيين وهو الذي كسا الكعبة المشرفة بالذهب لأول مرة في تأريخها مع أبنه حسان الأول كما أورده المؤرخ (أغاثيوسيوس) اليوناني وقد ذكر المؤرخون على أن الكلدانيين موطنهم الأصلي هو شواطئ الخليج العربي بين عُمان وجنوب العراق سابقا كما أورده الأستاذ – أحمد سوسة – أو شبه الجزيرة العربية كما ذهب إليه الباحث (فيليب دوغورتي) ودخولهم العراق خلال الألف الأولى ق.م ويميل الباحثون أنهم كانوا يدينون بالنسخة الإغريقية للإنجيل.

وكانوا على مقربة من شبه الجزيرة العربية التي كانت ديانتهم هي عبادة الأصنام والوثنية التي جاء بها عمرو بن لحي لشبه الجزيرة العربية وهذه الأصنام كانت بالنسبة لهم ما هي إلا واسطة للوصول إلى الله تعالى مع معرفتهم به سبحانه تعالى كما ورد في القرآن الكريم (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله فأنى يؤفكون) وكذلك (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون) هذا أذا سلمنا جدلا أن البابليين قد تأثروا بهم بحسب مجاورتهم الجغرافية بين بلاد النهرين والجزيرة العربية واستيطانهم بجوار الصابئة المندنائية التي كانت تؤمن بأن الله تعالى موجود في الضمير والوجدان والعقل وروح الإنسان وفي كل شيء حي وغير حي وفي كل مكان وهذا هو أقرب معنى للتوحيد والاستسلام لله تعالى وحده كما ذكره (أبي الحسن علي المسعودي) في مروج الذهب . وقد ذكرهم الباحث (جواد علي) والمؤرخ (سامي سعيد الأحمد) حيث أعتبرهم عربا نزحوا من أرض اليمن العربية وأيدها بأدلة وكتابات أثرية ورُقم سبئية وعربية جنوبية عُثر عليها في مباني الملك البابلي (نبوخذنصر)  .

وقد ذُكر أن قبيلة نبوخذنصر الآرامية خرجت من شبه الجزيرة العربية سنة 1500 ق.م واستقرت في سوريا أولا سنة 700 ق.م مؤسسة الدولة الآشورية ثم نزحوا إلى الجنوب من العراق ثم اتجهوا شمالا منه إلى بابل كما ذكره الأب (أنستاس الكرملي) وبذلك يعتبرهم عُربا . ويُذكر أن الديانة البابلية هي عبادة كل الظواهر الطبيعية للكون والأجرام السماوية ويعتقدون بأن هناك قوة خفية تسيرها لا تُرى بالعين لذلك يؤمنون بالقوة الخفية لهذه الظواهر والأجرام وليست الظواهر بعينها كما يُشاع عنهم وكانوا يعتقدون أنهم خُلقوا من طينة الأرض والاعتقاد بالحياة الآخرة والحياة بعد الموت أي فكرة البعث بعد الموت وكذلك انفصال الروح عن الجسد بعد الموت .

أما ما ذُكر عن الملك البابلي من جانبه الأول وهي الحقائق التاريخية وهي كما أسلفناها والجانب الثاني من وجهة أعدائه اليهود بعد سبيهم مرتين وهو ما يسمى بالسبي البابلي وحقدهم عليه وافترائهم وكذبهم عليه في كتبهم ومعتقداتهم الدينية وما زالوا يثقفون أبنائهم وأجيالهم القادمة على حقدهم على العراق خاصة كما ذكره سفر التكوين والتوراة المحرفة لديهم نتيجة للعقاب الذي أنزله الله عليهم لقتلهم الأنبياء والرسل على يد هذا الملك العادل . فمن هو هذا الملك البابلي وشخصيته

نبوخذنصر

أسمه بختنصر أو بختر شاه باللفظة ال(آكدية) أسقط مملكة أورشليم القدس عام 597ق.م أولا والثانية عام 587 ق.م ويدل معناه بالآكدية نبوكودورو أصور أي (نابو حامي الحدود) ومعنى بختنصر (سعيد الحظ) أمتاز بالتسامح الديني وحرية الفكر والحرية الدينية كان يحترم آلهة الغير كان فاتحا وليس غازيا كان يعتمد على مستشاريه وخصوصا النبي دانيال بعدما أتى به من القدس وجعله مستشارا له في الأمور الدينية وله مقولة مشهورة (الكبرياء الزائدة مدمرة للنفس) كان عسكريا بارعا أعتبره كثيرا من المؤرخين أنه ملك عادل يعبد الله تعالى حكم البلاد 43 عاما ومما يزكيه  هو قول الله تعالى في كتابه القرآن الحكيم كما أورده في الآية ( فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار....) حين وصفه بعباد لنا وهذا يدل على أنه عبد ممن يوحد الله تعالى بعدما سلطه على اليهود انتقاما منهم لقتلهم الأنبياء والرسل والتغطرس على غيرهم .

أما من الجهة الثانية فقد كتب حوله ممن عاده وهم اليهود وشوهوا صورته في كتبهم الدينية ومعتقداتهم وما انفكوا يمارسون الكذب والتدليس في حقيقة شخصيته انتقاما منه لسبيهم مرتين وينصبون العداء له وللعراق جميعا ولبابل في أعلامهم وثقافتهم حيث اتهموه بالجنون لسبع سنين  قبل وفاته وكما جاء في سفر التكوين أنه أسلم لله على يد نبي الله دانيال عليه السلام لتفسير حلم للملك نبوخذنصر .وخلاصة القول ومما تقدم من طروحات وتناول للمعلومات حول هذه الشخصية التاريخية نصل إلى حقيقة مفادها أن هذه الشخصية صورها لنا كمسلمين هو القرآن الكريم المصدر الموثوق للعالم بأنه عبد من عباد الله الصالحين الموحدين لربوبية الله تعالى الخالصة بعدما قرن وصفه بعبد إلى أسمه تعالى وقال عباد لنا والمنسوب إليه هو الله تعالى وهذا التقصي والبحث عن هذه الشخصية الآكدية وامتدادها العائلي الديني إلا وجهة نظر تزيل كثيرا من غبار الافتراء والانتقاص من قبل أعدائه وباب الإنصاف له من خلال الغوص في أعماق الحقائق التاريخية التي تنصف كثيرا من الشخصيات المظلومة.

 

ضياء محسن الأسدي

 

لوحات للوجوه والنسوة والمشاهد.. حيث الرسم ابراز للرؤى والمشاعر والخيال..

لو أن للفن بدايات وتلمسات تبتكر نظرات الكائن تجاه ذاته والعالم وهو يلهج بالنشيد والأغنيات الضاجة بالحلم.. نعم للفن حكاياته الأولى.. للرسم والتلوين بدايات هي الرغبات والحنين أخذا بناصية الأمل المبثوث في الدواخل.. ومن تلوينات الأمل هذا نجد السلام.. السلام بكل عناوينه المقيمة في الانسان.

هكذا كانت حكاية الحلم مع الأنامل وهي تمسك بالأقلام ترسم الأمل المفعم بالسلم وما يعنيه ذلك من هيئة حمامة باذخة ترمز للحرية.. هي حرية منشودة في أرجاء الكون تناغما مع الأغاني العالية.. تلك الأغاني التي تقولها البراءة في عنفوان بهائها الوجداني والفكري.. انها لعبة الرسم الأولى بما يشبه الخربشات التي كانت بمثابة الحلم المتحدي والمكلف..

1911 سنية اسماعيل

حكاية البداية هنا تعني الكثير.. انها الرغبة في الاختلاف من المنطلق وفي مقتبل من العمر والتجربة.. انها المجازفة بالدرس لأجل الرسم والخروج المغادرة لأجل التلوين ليصير الأستاذ الذي أخرج الرسامة الهاوية والموهوبة من درس ذلك اليوم المشجع الأول والدافع باتجاه الاكتشاف والقول بالموهبة وبما يعني ميلاد رسامة وقدومها الى كون التلوين على مهل وبذلك يصر على نشر الخربشات الأولى على صفحة الجريدة.. والرسمة هي حمامة السلام التواقة للحرية نهجا وفكرة وحياة.. ويحدث ذلك في أواخر ثمانينيات القرن الماضي.. انه الاعتراف والاقرار بموهبة فهمت خربشاتها في أول الأمر على أنها تمرد وخروج عن الدرس وضوابطه.. انها لحظة حاسمة صار الرسم معها حب وهيام ومسار طويل.. والمحصلة كان لا بد من حدوث ذلك لاكتشاف موهبة في سنوات الشباب حيث عالم الرسم شواسع للرغبات والآمال والهواجس.. هي الخطى الأولى تجترج من الحياة تلويناتها وعناوينها الكبرى حيث القول بالرسم بداية وملاذا في آن واحد.

هكذا ندخل عوالم الشغف بالفن التشكيلي.. عوالم التلوين في هذه المساحة من حالات الابداع والامتاع.. عوالم الفنانة التشكيلية سنية اسماعيل التي قدمت خلال السنوات الأخيرة عددا من لوحاتها من خلال المعارض ومنها المعارض الجماعية وآخرها في رواق السعدي بضاحية قرطاج وضمن معرض " نساء 2020 ".. انها فسحة أخرى في عالم التلوين حيث تقول الرسامة سنية ".. بالنسبة لي الرسم هو القدرة على ابراز مشاعري وافكاري الفنية بطريقة لا يمكن تفسيرها في حيز مجرد من الكلمات. أرى جمال الفن في الفرح والنشوة والحزن والظلام.. ولو كان بإمكاني ان أرسم رؤيتي للفن لرسمت آلاف اللوحات لأنه ببساطة مزيج من العواطف والرؤى والمشاعر والتخيلات والإلهام..".

هكذا كانت بداياتها لتظل وفية لها في هذه العلاقة بالرسم الذي تعتبره ترجمان حالات وأحاسيس وأشواق تجاه الذات والآخرين والعالم..

هناك وجوه ترسمها الفنانة سنية اسماعيل لتبرز تفاصيلها التي هي عبارات لونية تشير للحالات في تنوع أحاسيسها واعتمالاتها.. هناك لوحات فيها وجوه نساء باللباس التقليدي وبشيء من الزخرف قولا بالتراث والجمال وبالأنثى عنوان تلوين واحتفاء.

الطبال..لوحة بها تلوين لمشهدية فلكلورية حيث يبرز العلم التونسي فكأن الرسامة سنية اسماعيل تأخذنا الى عالم من البهجة المفعمة بالنشيد في مساحة من الوجد والقول بالحالة التونسية في ضرب من الاحتفاء بالهوية والخصوصية.

عدد ىخر من اللوحات فيها الألوان بمثابة سمفونيات يجمع بين ولع الفنانة سنية بممكنات اللون وما يحيل اليه لحظة التعاطي مع القماشة.. لحظة الرسم بما هو عبارات في دواخل الذات تذهب بها الفنانة الى العالم قولا وكشفا.. انها لعبة التلوين كمجال للتعبير والافصاح والذهاب الى ما يشبه الغناء.

انها وهي ترسم تحرص الفنانة سنية اسماعيل الى أخذنا الى حيز من عالمها الملون لتبرز وفاءها لحادثة البدايات.. لتكشف شيئا من مضيها الجاد مع التلوين الى الآفاق والأقاصي لترسم المرأة والمشاهد والوجوه وهي منشدة الى البياض تلونه مثل انشدادها الأول للورقة تفعل فيها فعلها البريء من خربشات وغيرها حيث كانت الحمامة والسلام على سبيل الذكر..هذه حالة من حالات الفن بما فيها من نبل وبراءة وغرام تجاه الابداع ومشتقاته ومنها الرسم.

هذا وتواصل الفنانة سنية اسماعيل هذه الرحلة الفنية التي كانت هواية لتدعمها بالتعلم والسعي للتمكن أكثر من المتطلبات الفنية والضوابط وما به يكون الفن فنا والرسم بالخصوص لعبة باذخة.

و في برنامج الفنانة سنية اسماعيل المزيد من العمل على انجاز لوحات فنية فيها الاضافة فضلا عن الحضور الفني من خلال العمل على اعداد معرض فني تشكيلي خاص تواصلا بين تجربتها والمتقبل حيث المعرض بالنهاية هو مرآة أخرى للفنان بصفة عامة ليرى ذاته وأعماله وتجربته من خلال عيون الآخرين..الذين يتلقون الفن ويزورون المعارض ويهتمون بالفن التشكيلي.

في لوحات سنية اسماعيل تنوع واشتغال دقيق خاصة في تلوينات الوجوه ولعل الرسامة في قادم أعمالها الفتية تأخذنا الى عوالم أخرى من تجارب الفن التشكيلي فالفنان عامة يرنو للتنوع وللمغامرة وللتجريب قولا بالتجدد والابداع..

 

شمس الدين العوني

 

كاظم شمهودكان اللون الازرق مقدسا عند اهل الرافدين لاعتقادهم انه حجر كريم محاط باسرار الهية وقد ظلت اهميته عالقة بالفكر الانساني الديني في العصور التالية واستخدم كأسلوب فني يربط مكان العبادة ولون السماء.. كما اعتقدوا بان اللون الازرق يطرد الشرور والحسد ولهذا نرى ابواب المدن السومرية والبابلية مغطات ببلاطات الخزف والتي يطغي عليها اللون الازرق مثل باب عشتار.. وانعكس وتجسد هذا المعتقد على الحجر والخرز والسبح فكانت - ام سبع عيون – عند البابليين لها دور وقائي في دفع الشرور او الاشعاع المنبعث من العين الحاسدة حتى يتشتت الى سبعة اقسام ويفقد قابليته على الاذى. وهذا يعني ان البابليين قد كشفوا الطيف اللوني الذي يتكون من سبعة الوان قد سبقوا به العالم اسحاق نيوتن 1642 م .....

اما العين الحارسة فجائت من الآله - حروس – ذو العين الزرقاء وهو اله السماء والنور والخير عند المصريين القدماء ومن هنا جاءت الكلمة العربية - حارس – وكان اللون الازرق في عقيدة المصريين مرتبط بزرقة السماء التي تسبح فيها الشمس والتي هي مقر وعيش الآلهة والتي تحمي الانسان وتباركه.. وانتقلت هذه المعتقدات الى الاحجار الكريمة والخرز  من جيل الى آخر حتى يومنا هذا حيث نرى اهلنا في العراق خاصة الجنوب يعلقون على مداخل الابواب وعلى جبهات الاطفال الخرز الزرقاء  او ما يسمونه الشذر والعيون المفتوحة الزرقاء وعلى صدور النساء واصابع الرجال بقصد طرد الشر والحسد...

1899 اللون الازرق 3

وهي معتقدات قديمة تعود الى اهل الرافدين القدماء.. وكان العرب يتشائمون من اللون الازرق ويعدون الروم اعداء لهم لان الوان عيونهم زرقاء. كما ان حكاية - زرقاء اليمامة – التي يقال انها كانت لها قوة بصر خارقة وتستطيع ان ترى على مد مسيرة يومين. وفي احد الايام  نظرت من اعلى احد البنايات واخبرت قومها بان هناك عدو قادم يزحف عليهم فلم يصدقوها... فداهمهم العدو وخرب بلادهم وكانت النتيجة كارثية كبيرة على قومها رغم انها نصحتهم. فاعتبروها شوئم وشر. واليوم لازال هذا المعتقد يردده البعض عندما يرى احدا غاضبا يقول عنه امزورق (امزورك).

الخزف الاسلامي

1899 اللون الازرق 1عندما ظهر الفنان المسلم كانت لديه خلفية حضارية وتجربة راقية عريقة متكاملة في التعامل مع الطين حيث مكنه هذا من خلق انواع جديدة تمتاز بالريادة والسبق والرقي في مجال الخزف.. وكانت صناعة الخزف في العصر الاسلامي قد فضلت على غيرها من اواني الذهب والفضة بعدما ظهرت احاديث نبوية تحرم استخدامها وذلك لما لها من انعكاسات لمظاهر الترف والبذخ والعلو على الآخرين.

و قد ابتكر الفنان المسلم نوعا من الخزف يتسم برقته وشفافيته بحيث يمكن النظر من باطن الاناء لترى اليد الموضوعة خلفه، كما قام باول تجربة ناجحة فيما يطلق علية- البريق المعدني الخزفي – وهي تجربة رائدة لم تكن مألوفة سابقا حيث استعمل الصبغ الذهبي ذي البريق المعدني بدلا من صفائح الذهب. وقد ابتكرها اهل العراق واستعملوها في رسم الزخارف على الاواني الخزفية ثم انتقلت الى مصر. وفي المتحف الاسلامي في القاهرة نماذج من هذا النوع.

1899 اللون الازرق 2وتعددت اساليب انتاج الخزف كما تعددت الزخارف التي يزين بها هذا الانتاج فاستخدم الرسم بالالوان تحت الطلاء الزجاجي الشفاف كما استعمل التذهيب فوق الطلاء وكذلك الحفر والتخريم والمينا فظلا عن البريق المعدني الذي يميز الخزف الاسلامي عن غيره وقد تألق في العصر العباسي. وعثر على نماذج منه في مدينة سامراء والفسطاط في مصر..

وعبر الخزف الاسلامي الى اوربا عن طريق الاندلس وانبهروا به وظهرت مصانع راقية في الاندلس زمن العرب واشتهرت مدن طليطلة وبلنسية وطلبيرة في صناعته. وكان يسمى في الاندلس azulejo وهي كلمة متأتية من اصل عربي يعني - زليج - او زليق من يزلق – وهو اشارة الى نعومة وبريق سطح الخزف خاصة الكاشاني... او ربما تحريف من لازود – ويسمى في مصر زليزلي وفي اليابان يسمى فرفوري من مدينة فرفور وقاشاني نسبة الى مدينة قاشان في ايران.. وغيرها من الانواع. وقد زرت بعض المدن الاندلسية والتي لازالت صناعة الخزف فيها متوارثة ومنتعشة مثل مدينة طلبيرة Talavera حيث نشاهد لوحات قطع السيراميك تزين جدران المقاهي والمنازل والمسطبات في الساحات العامة وكذلك الاواني والتحفيات التي تباع في المحلات للسواح، وايضا يوجد هناك في المدينة متحف خاص للخزفيات (السيراميك) وفيه نرى تاريخ هذه الصناعة ونماذج مادية منها، منذ تاريخ العرب والمسلمين. ولازالت آثار المسلمين موجودة في المدينة القديمة من اسوار وابواب وعمارة مدجنية كابراج الكنائس وغيرها.

1899 اللون الازرق 4

وقد تطورت الزخارف في طرق تنفيذها وظهرت عليها مختلف المواضيع وباشكال هندسية ونباتية وحيوانية واشكال اسطورية وغيرها كما اصبحت صناعته خاضعة لابتكارات الفنان وابداعاته وذوقه. واصبح مفخرة من مفاخر الفن الاسلامي حيث صنعت به الاواني والاوعية والبلاطات المزججة التي حلت محل الكلس والجص وغيرها من اكسية الابنية.. كما عمد بعض الفنانين الى بناء لوحات جدارية كبيرة من بلاطات الخزف وبتعبيرية غاية في الجمال والابداع..

 

د. كاظم شمهود

 

 

كاظم شمهودكان العقل السومري مكتمل الرقي والتطور وكان يحمل نسيجا فكريا وخياليا واسعا ونضوجا سياسيا واجتماعيا لا يختلف عن عقل الانسان المعاصر بل هو هو.. ولكن الاختلاف يقع في الجانب الخارجي منه اي الموضوعي في التطور التجريبي المادي والتمدن والتكنولوجيا ووسائل النقل وطرق التواصل الحديثة وغيرها . (وخلقنا الانسان في احسن تقويم)

ورد في كتاب –من الواح سومر- لعالم الآثار المعروف كريمر حكاية طريفة حيث كشف لوح طيني قديم مدون عليه جريمة قتل في بلاد سومر حدثت في حدود 1850 قبل الميلاد، وهي ان ثلاثة رجال قتلوا احد موظفي المعابد لاسباب غير معروفة وقد اخبروا زوجته بذلك ولكن الزوجة احتفظت بالخبر ولم تخبر به السلطات الحكومية .

ولكن الخبر بالاخير وصل الى الملك فاحال القضية الى محكمة الفصل في القضايا فحكمت على الثلاثة بالاعدام، ولكن الغريب ان المحكمة اعتبرت الزوجة شريكة في الجريمة لانها سكتت ولم تخبر السلطات، ثم برأتها لان الزوج لم يوفي في اعالة العائلة .

1880 آشورفي عام 1930-1945 ارسلت القصة الى عميد كلية الحقوق في جامعة بنسلفانيا اوين ج روبرتس يستفتيانه رأيه القانوني، فكان جوابه ذا اهمية خاصة اذ ابان ان القضاء المحدثين يتفقون مع القضاء السومريين القداما ويحكمون بالحكم نفسه.. وهذا يشير الى مدى النضوج والمستوى العقلي الذي يتمتع به القضاء السومري والذي لا يختلف كثيرا عن واقع قانون القضاء المعاصر .

وكانت الطبيعة في ذلك الوقت المصدر الحي لنشوء الاساطير والحضارات القديمة . وكان الانسان السومري استطاع ان يشخص دور قوى الطبيعة في مسيرة حياته فجعل لكل قوى اله .. وكانت الاسطورة الاولى هي اسطورة اله السماء - آن –(آنو- في البابلية) والذي اطلق عليه اسم الاب ثم جعل له ابناء واحفاد وانصاف الهة وشفعاء .. هذا البناء الهندسي في المعتقد السومري نجده في الديانات السماوية كاليهودية والمسيحية والاسلام من حيث ان الله رب السماء وهناك ملائكة حول العرش ورسل وانبياء واولياء يبشرون وينذرون الناس، ويتشفعون لهم .

وكان الانسان السومري يعتقد بان هذه القوى الطبيعة التي تتدخل في حياته وتقرر مصيره كالشمس والقمر والرياح والماء والهواء وغيرها هي قوى عاقلة وحية لكل واحدة منها لها مهام ووظفية خاصة بها تؤديها في الحياة، ولهذا جعلها آلهة وعبدها وبنى لها المعابد وقدم لها القرابين والطقوس وجعل الكهنة واسطة بينها وبين البشر تخبرهم عن نهيها واوامرها ..

1881 برج بابل

نحن اليوم عندما نقرأ القرآن نجد هذه المفاهيم السومرية داخلة في صلب المعتقد الديني الاسلامي .

(ثم استوى الى السماء وهي دخان فقال لها وللارض اتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين)

وهنا جملة – قالتا اتينا طائعين - اشارة الى وجود العقلانية والروح التي تملكها هذه القوى الطبيعة وانها مسيره من قبل رب السماء ..

(لو انزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله) هذا الخشوع والعبادة والسير المنظم الدقيق للحياة يكشف عن ان كل شئ في الحياة له روح وعقل يتناسب مع درجة خلقه .

1882 حمورابيلكن الانسان السومري وابتداعه لهذا الفكر والمعتقد الديني الوثني استطاع ان يبعد الانبياء عن ميدان الحكم والسلطة ويصفهم بالسحرة والكذابين لهذا لم نجد في علم الآثار اليوم قصص للانبياء والرسل ورسالاتهم واسمائهم.. لان التدوين كان بيد الملوك والكهنة . ولهذا نجد آلاف الالواح الطينية من سومرية وبابلية وآشورية وقد دونت بها اعمال الملوك وحملاتهم العسكرية والاساطير التي تبين صراع الآلهة على السلطة.و الحكايات الخرافية وقصص الملاحم والتراتيل الدينية والمراثي والرسائل والمقالات التي يكتبها ارباب الادب والكتبة السومريين الذين كانوا مسخرين من قبل السلطات العليا .

ويقول الاستاذ طه بالقر عن الاساطير السومرية (بان الخليقة في اساطير وادي الرافدين حدثت بالصراع والاحتراب ما بين الآلهة)

1883 سرجونوعندما ننظر الى الفنان الصيني نجده يرسم الطبيعة بقدسية واحترام ودقة واجلال كبير لانه يعلم علم اليقين وحسب معتقده انها حية ولها روح وانها مرتبطة بالسماء وقد رسخت الهندوسية والبوذية هذه المفاهيم في معظم ناس الشرق ومن خلال نظرية تناسخ الارواح . ويعرف مفهوم تناسخ الأرواح أو رجوع الشخص البشري إلى الحياة في جسد إنسان آخر او شجرة او حيوان، بأنه فكرة فلسفية ودينية، تبدو في الحقيقة كأنها أمر خيالي، لكن بعض العلماء يعتقدون بأنها مفهوم علمي بحت ومنهم علماء مسلمين .. بينما نجد الفنان الغربي الذي كان يرسم في القرون الماضية قد اهتم بمظاهر الاشياء والاعتناء بالتشريح والمنظور والجماليات، ولكنه عاد في العصر الحديث فتغيرت مفاهيمه واصبح يعتقد بما يعتقد به الفنان الصيني من ان وراء كل شئ روح ومضمون . ولكن كيف حور وحول اهل الرافدين الرسالات السماوية الى قصص واساطير تمتزج بها الحقائق والخيالات والخرافات مثل حادث الطوفان حيث ورد في النصوص السومرية والبابلية اسم- اتو نابشتم أو يسمى اتراحسس - صاحب الطوفان وهو نوح –ع- . وحسب تاريخ الطبري وكتاب التوراة انه مكث في ارض سومر حوالي اكثر من 1600 سنة يبلغ رسالة السماء فكذبوه ووصفوه بالشيخ المخرف والساحر، فهذا العمر الطويل والكفاح الراسالي العجيب لم يترك لنا اثرا الا بضعة الواح طينية مختصرة ... ؟ ولم يجد علماء الآثار اليوم شيئا عن قصص الانبياء والذين وصل عددهم الى 24 الف نبي ومرسل .فاين هم وآثارهم واسمائم وصحفهم؟ اعتقد انه سيجيب على هذه الاساله وغيرها علم الآثار في المستقبل . اما الكتب الدينية فهي مليئة بالاساطير .

 

د. كاظم شمهود

 

يسري عبد الغنيمكانة عظيمة: تحتل المدارس النظامية - وبخاصة نظامية بغداد ـ مكانة عظيمة في نفوس المسلمين، ونتيجة خبرتي المتواضعة في مجال البحث قابلت الكثير من محبي العلم والأساتذة الذين لهم شغف كبير بأن يحصلوا على معلومات وافية شافية عن المدارس النظامية .

وعليه فنحن نحاول أن نتكلم عن هذه المدارس أو بمعنى آخر نذكر بعضًا من المادة العلمية التي جمعناها حول هذه المدارس وصاحبها، وقد كنت أفضل أن أجمع هذه المادة في مقالة أو دراسة واحدة وأن أتكلم عن نظامية بغداد كلامًا مفصلاً باعتبار أنها أنموذج لمدارس المسلمين في العصور الوسطى، ولكن بكل أسف حال دون ذلك فناء المدرسة نفسها وضياع معالمها مما يجعل تخطيطها مجرد ظن وتخمين .

ومن هنا أرى أن تكون المدرسة النورية الكبرى مثالاً على المدارس الإسلامية لمن أراد أن يتعرف على هذه المدارس من جميع نواحيها، أما المدارس النظامية، فيمكن أن نتحدث عنها وعن مدرسيها، وعن أوقافها، وهذه المعلومات في مجموعها يمكن أن تعطي لنا صورة واضحة عن هذه المدارس الشهيرة .

يقول أبو شامة: ومدارس نظام الملك في العالم مشهورة، لم تخل بلد من شيء منها، حتى جزيرة ابن عمر التي هي في زاوية من الأرض لا يؤتى لها، بنيت فيها مدرسة كبيرة حسنة، وهي التي تعرف الآن بمدرسة رضي الدين (وفقًا لكلام أبي شامه) .[1]

ويقول لنا عماد الدين الأصفهاني: ومتى وجد في بلدة من تميز وتبحر في العلم بنى له مدرسة، ووقف عليها وقفًا، وجعل فيها دار كتب .[2]

وفي كتاب (الكامل في التاريخ ) لابن الأثير، وفي كتابي (المنتظم) و (مناقب بغداد) لابن الجوزي، نصوص مشابهة، وكلها تدل بوضوح على العدد الضخم من المدارس التي بناها الوزير / نظام الملك، وأمدها بالأساتذة والأموال و الكتب النافعة للطلاب والأساتذة .

ويعتبر السبكي في كتابه (طبقات الشافعية الكبرى) هو الكاتب الوحيد الذي لم يكتف بهذه العبارات العامة، بل حدد بلادًا ذكر أن نظام الملك أنشأ في كل منها مدرسة عظيمة، وتلك البلاد هي: بغداد / بلخ / نيسابور / هرات / أصفهان / البصرة / مرو / الموصل ...

ويختتم السبكي كلامه بعبارة متشابهة لعبارات المؤرخين الآخرين حيث يقول: ويقال إن له في كل مدينة بالعراق وخراسان مدرسة .[3]

وقد كانت نظامية بغداد أولى المدارس النظامية وأهمها، وقد بدأ العمل فيه سنة 457 هـ، وكانت على شاطئ نهر دجلة، وقد أشرف على بنائها أبو سعيد الصواف، وفي سنة 459 هـ انتهى البناء وتم الافتتاح، حيث انتظمت أحوالها، وسكنها من حملة الشريعة رجالها، ودرس فيها الشيخ / أبو إسحق الشيرازي (رحمه الله) فأحيا من العلم ما درس، وكشف عن الحق ما التبس، وشرح الأصول وفرعها، وأوضح الأدلة ونوعها .[4]

هل كان نظام الملك أول من انشأ المدارس؟:

ـ يقول ابن خلكان في كتابه (الوفيات): إن نظام الملك (485 هـ)، هو أول من أنشأ المدارس فاقتدى به الناس .[5]

ولكن السبكي في (طبقات الشافعية)، والمقريزي في  (الخطط )، يذكران كل منهما أن نظام الملك ليس هو أول من أنشأ المدارس في الإسلام، فقد وجدت المدرسة البيهقية في نيسابور قبل أن يولد نظام الملك، والمدرسة السعيدية بنيسابور أيضاً، بناها أبو سعيد إسماعيل بن  علي، ومدرسة أخرى بنيت للأستاذ / أبي إسحاق الإسفرائيني في  نيسابور كذلك .[6]

ويحاول السبكي أن يوفق بين الرأيين فينسب إلى نظام الملك، أنه كان أول من قدر المعاليم للطلبة، فكأن المقصود بإنشاء المدارس هو تقدير هذه المعاليم، وصرفها للطلبة !! .[7]

وفي رأينا المتواضع: أننا لا نوافق على ما اقترحه السبكي من أن المراد هو أن نظام الملك الوزير السلجوقي يعد أول من قدر المعاليم لطلاب العلم، وقول ابن خلكان السابق صريح في أن نظام الملك هو أول من أنشأ المدارس، وليس أول من قدر المعاليم، ثم أن الخليفة الفاطمي الخامس بمصر /  العزيز بالله نزار أبو منصور (365 هـ ـ 386 هـ) سبق نظام الملك بقرن تقريباً في تقدير هذه المعاليم للطلاب .[8]

المشكلة إذن هي: هل كان نظام الملك أول من أنشأ المدارس أم لا ؟، الجواب عندي بالإيجاب، إذا أريد المعني الفني الدقيق لكلمة مدارس، وأما ما نطلق عليه كلمة مدارس (مجازاً)، مما ظهر قبل نظام الملك هو جهد متواضع، لم يعمر طويلاً، ولم يكن قوي الأثر في الحياة الإسلامية، وهذا الجهد المحدود ظهر قبل مدارس نيسابور بعهد طويل .

فالذي ينسب إلى نظام الملك هو هذه النهضة التعليمية التي لم تتوقف قط، هو هذا النظام الذي وضع لتعليم المسلمين في جميع البقاع، هو هذه الشبكة من المدارس التي انتشرت في القرى والكفور والمدن، ولا يستطيع إنسان أن يدعي أنه يجاري نظام الملك في هذا المضمار . [9]

لقد بنى نظام الملك المدارس والربط والمساجد في  أنحاء البلاد، وأمدها بما تحتاج من كتب، وعين لها المدرسين والخدم، وفتح أبوابها للجميع، لكل من أراد أن يطلب العلوم والمعارف، كما بذل لها العطايا الكريمة، وأوقف عليها الأوقاف السخية التي   تكفيها على مر الأيام، فأحيا بذلك معالم الدين الداعي إلى العلم والمعرفة، ونشط من العلم وأهله ما كان خاملاً في أيام من قبله .

فإنشاء المدارس إذاً إنما هو واحد من أفضال  نظام الملك وأياديه، ومأثرة ترجع له وحده، ولا ترجع إلى سواه، ومن هنا تنتسب مثل هذه المؤسسات إلى أعظم شخصية في الدولة، وعليه فإن تسمية المدارس النظامية مطابقة لهذه القاعدة، فما كان في الدولة على ذلك العهد من يجاري الوزير السلجوقي / نظام الملك، أو يناظره .

المدارس النظامية بين مدرسيها ونهايتها:

كانت المدارس النظامية معاهد عالية لنشر الثقافة الرفيعة، ولهذا كان مدرسوها دائمًا من خيرة علماء العصر وأساتذة الجيل، ويستطيع الباحث أن يجمع العديد من الأسماء ممن حملوا عبء التدريس بهذه المدارس، وأصحاب هذه الأسماء لهم شهرة عظيمة وصيت ممتاز بين علماء المسلمين، وهم خير دليل على المستوى العلمي للمدارس النظامية، نضيف إلى ذلك أن هذه الأسماء يمكن أن تفيد فائدة عظيمة في تحديد تاريخ تقريبي لاختفاء المدارس النظامية، وبخاصة نظامية بغداد التي تعد أولى هذه المعاهد وجودًا وأعظمها شهرة .

نقول: إنه من الطبيعي جدًا أن الوزير السلجوقي / نظام الملك كان يعين مدرسًا لأية مدرسة من مدارسه يتم بناؤها، وكثيرًا ما كانت المدرسة تبني من أجل مدرس واحد، وفي هذه الحالة كان تعيين المدرس يسبق بناء المدرسة، غير شيئًا غير عادي حدث عند افتتاح المدرسة النظامية ببغداد، نرى أنه من المفيد أن نطلع القارئ عليه .

يحكي لنا ابن الأثير: أنه في شهر ذي القعدة سنة 449 هـ فرغت عمارة المدرسة النظامية ببغداد، وتقرر التدريس بها للشيخ أبي إسحق الشيرازي (توفي 475 هـ )، فلما اجتمع الناس لحضور الدرس، وانتظروا مجيئه، تأخر، فطلب فلم يوجد، وكان سبب تأخره إنه لقيه شخص فقال له: كيف تدرس في مكان مغصوب؟ .

فما كان من الشيخ أن تغيرت نيته عن التدريس بالمدرسة، فلما ارتفع النهار ويأس الناس من حضوره إلى حلقة الدرس أشار الشيخ / أبو منصور بن يوسف بأبي نصر بن الصباغ صاحب كتاب الشامل (توفي 477 هـ)، وقال: لا يجوز أن ينفصل هذا الجمع إلا عن مدرس، فجلس أبو نصر للتدريس .

ولما علم الوزير / نظام الملك الخبر لم يزل يرفق الشيخ أبي إسحق الشيرازي ويزيل الشكوك حتى درس بالمدرسة، وعليه كانت مدة تدريس ابن الصباغ 20 يومًا لا غير .. [10]

ومما تؤكده المراجع التي بين أيدينا أن المدرسة النظامية ببغداد كانت أطول عمرًا من سواها، فقد ظل ذكرها يرد في المراجع في حين اختفى ذكر نظامية خرسان والموصل ونيسابور وأصفهان ومرو وغيرها من المدارس النظامية التي ورد ذكرها في القرنين الخامس والسادس الهجريين .

ولعل هذا يوحي لنا بأنه ـ فيما عدا نظامية بغداد ـ اختفت هذه المعاهد العليا تدريجيًا في خلال القرن السادس الهجري، وكان سبب اختفاؤها ـ وفقًا لتحليلنا الخاص ـ: كثرة الحروب والاضطرابات والفتن التي اجتاحت هذه البلاد عقب سقوط أو انحلال أسرة السلاجقة، ولكن نظامية بغداد كانت في العاصمة، وكانت أغنى وأعظم، فكسبت بعض القوة، وقاومت الأحداث حتى مطلع القرن التاسع الهجري .

ويبدو أنها أيضًا اختفت حوالي ذلك التاريخ، إذ لم يوجد أي ذكر لها بعد الفيروز أبادي صاحب المعجم الشهير (القاموس المحيط)، والمتوفى سنة 817 هـ، والذي كان مدرسًا في هذه المدرسة، أو هو آخر المعلمين الذين عملوا بنظامية بغداد، وورد ذكرهم بالمراجع التي تكلمت عن هذه الفترة.

وهناك عوامل أخرى تدعم هذه الفكرة، ففي هذا التاريخ انشغل التركمان الذين دخلوا بغداد سنة 813 هـ، بحروب طاحنه مع المصريين في سوريا، ومع الفرس، ومع الأتراك في الأناضول، وكانت هذه الحروب معارك تهديم وتخريب، اكتسحت كثيرًا من آثار بغداد ومنشآتها، ومن المعتقد أن المدرسة النظامية كانت إحدى هذه المنشآت التي أتت عليها هذه الحروب الطاحنة، كما أحدثت هذه الحروب أزمة مالية ضخمة كان من جرائها أن اغتصب الحكام والولاة أوقافها العديدة، ثم تهدمت فأصبحت خربة، ثم استولى عيها أحد الولاة وضمها إلى أملاكه الخاصة، وهكذا كانت النهاية المأساوية لهذا الصرح العلمي العظيم . [11]

وقد امتدت التعاسة إلى موقع هذا المعهد، فإن الباحثين لا يتفقون حتى الآن على موقع أو مكان معين يرون أن المدرسة النظامية بغداد كانت تشغله، إذ أن مكان المدرسة استولى عليه السالبون في تبجح غريب وضموه على ممتلكاتهم الخاصة التي يعلم الله سبحانه وتعالى من أين أتوا بها هي الأخرى؟!

وعندما نطلع على المراجع لا نجد ما يعطي فكرة نهائية عن ذلك المكان، وأذكر هنا أن أستاذنا الدكتور المرحوم / أحمد شلبي حاول إبان زيارته للعاصمة العراقية بغداد، سنة 1950 م حاول أن يحدد ولو وجه التقريب موقع المدرسة النظامية، وقد استعان بالأستاذ الدكتور المرحوم / مصطفى جواد، كما استعان بغيره من علماء العراق الأفاضل، وقد استهدوا كذلك بالمادة الطفيفة التي كتبت عن موقع هذا المعهد .[12]

وقد قام الدكتور / أحمد شلبي، ومعه الدكتور / مصطفى جواد بزيارة البقعة التي يظن أن المدرسة النظامية كانت مشيدة فيها، ثم قاموا باختبار بعض الاثار والأبنية القليلة التي لا تزال قائمة، وكانت نتيجة هذه الأبحاث هي الاعتقاد بأن سوق الخفافين ببغداد (في المنطقة التي بها دار القرآن، والمدرسة المستنصرية، وجامع زمرد)  يشغل المكان الذي كانت تشغله المدرسة النظامية ببغداد .[13]

وقفية نظامية بغداد:

كان نظام الملك أول من أنشأ المدارس ـ كما ذكرنا ـ، وعندما اختلف مع السلطان السلجوقي / ملكشاه، اغتيل في ظروف غامضة، وبنهايته الأليمة كانت نهاية أخرى أكثر ألماً تنزل بمدارسه (المدارس النظامية)، حيث توقف العمل بها تماماً، بل أن بعضها مثل نظامية بغداد اختفت في ظروف  غامضة، واغتُصب مكانها منذ عهد سحيق، فلم يعد معروفاً حتى وقتنا هذا على وجه الدقة للباحثين والدارسين .

ويبدو ـ للأسف الشديد ـ إن هذه النهاية الأليمة لم تلحق   بالبناء فقط، وإنما بكثير مما كتب عنه أيضاً .

فقد كان مما ضاع على الباحثين هذه الوثيقة المهمة   التي كتبت فيها وقفية نظام الملك على مدارسه .

لقد ورد ذكر هذه الوثيقة في عدة مراجع، ولكن الباحثين قديماً وحديثاً لم يستطيعوا أن يحصلوا عليها أو على نصها .

وعلى كل حال فلدينا من المصادر ما يمدنا في هذا الموضوع بمعلومات، إن لم تكن كاملة فهي قريبة بعض الشيء من الكمال.

* يقول سبط الجوزي في كتابه: (مرآة الزمان) وفيها (أي في سنة 462 هـ) أوقف نظام الملك الأوقاف على النظامية، وحضر الوزير والقضاة والعدول ببيت النوبة، وكتبوا الكتب وسجلت، ومما وقف: سوق المدرسة، وضياع، وأماكن، وشرط نظام الملك الشروط المعروفة .[14]

* ويذكر أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي في كتابه:(المنتظم)، عن حوادث نفس السنة (462 هـ): إنه في يوم الأثنين 26 من جمادى الآخرة جمع العميد / أبو نصر الوجوه، فحضر أبو القاسم ابن الوزير / فخر الدولة، والنقيبان، والأشراف، وقاضي القضاة، والشهود، حضروا إلى المدرسة النظامية وقرئت كتب وقفيتها، ووقف الكتب فيها، فكان من الوقف ضياع وأملاك وسوق أقيمت  على بابها .[15]

* وهذا هو الرحالة / ابن جبير يرى و يكتب لنا في رحلته: أنه رأى ببغداد نحواً من ثلاثين مدرسة، ويقول: إنه ما فيها مدرسة إلا وهي يقصر القصر البديع عنها، وأعظمها وأشهرها النظامية التي بناها نظام الملك، ولهذه المدارس أوقاف عظيمة، وعقارات واسعة، للإنفاق على الفقهاء والمدرسين بها، وللإجراء على الطلبة .[16]

أما ما خصص  من المال لرعاية الشئون الثقافية على العموم وكذلك ريع الأوقاف المعينة للمدارس  النظامية، فإن المراجع التي بين  أيدينا أو المتاحة لنا، أوردت تفصيلات مفيدة ونافعة للباحثين، نقتبس منها الآتي:ـ

  كان نظام الملك ينفق في السنة الواحدة على التعليم     ما يقدر بـ (600000) دينار.[17]

أما الريع الذي كانت تنتجه الأوقاف المخصصة لنظامية  ببغداد، فقد ورد أنه كان 15000 دينار في العام الواحد . [18]

  وقد كان ذلك الريع كافياً لمرتبات الشيوخ، ولما يدفع للطلبة، وكان يشمل: مؤونة طعامهم، وملابسهم، وفرشهم، وغير ذلك من ضرورات معاشهم حتى نبغ فيها جمع من الفقهاء الأفاضل ممن لا يحصون                      عددا.[19]

أما أوقاف نظام الملك على نظامية أصفهان فقد بلغت 10000 دينار سنوياً.[20]

ويجدر بالذكر هنا أن من أوفى التراجم التي كتبت عن الوزير / نظام الملك تلك التي كتبها العلامة / السبكي في كتابه: (طبقات الشافعية)، وقد كتبت بأسلوب رائع، وصورت الرجل على أنه من أعظم المصلحين الاجتماعيين في الإسلام، وأن شخصيته من أقوى الشخصيات التاريخية .[21]

 

بقلم: د. يسري عبد الغني 

......................

[1] - أبو شامه، الروضتين، القاهرة، 1287 هـ، 1 / 25

[2] - عماد الدين الأصفهاني، تاريخ آل سلجوق، القاهرة، 1889 م، ص 57

[3] - السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، 11324 هـ، 3 / 137

[4] - عماد الدين الأصفهاني، تاريخ آل سلجوق، مرجع سابق، ص 33

[5] - ابن خلكان، وفيات الأعيان، القاهرة، 1275 هـ، 1 / 202

[6] - السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، مرجع سابق، 3 / 137 ـ وكذلك: المقريزي، الخطط، القاهرة، 1170 هـ، 2 / 137

[7] -  السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، المرجع السابق، 3 / 137 ـ وكذلك: أحمد شلبي، التربية والتعليم في الفكر الإسلامي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1987 م، ص 366 .

[8] - المقريزي، الخطط، القاهرة، 1170 هـ، 2 / 24

[9] - يسري عبد الغني عبد الله، الأوقاف الإسلامية القديمة ودورها في النهضة التعليمية والثقافية، القاهرة، 2007 م، الجزء الخاص بنظام الملك.

[10] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، طبعة ليدن، هولندا، 1851 م، 10 / 38، وكذلك: ابن خلكان، وفيات الأعيان، القاهرة، 1275 هـ، 1 / 9

[11] - مصطفى جواد، مقالة عن المدارس النظمية، منشور في مجلة المعلم الجديد، الصادرة في بغداد، سنة 1942 م، ص 115

[12] - أنظر: ابن الأثير، الكامل في التاريخ، مرجع سابق، 10 / 71 ـ 73، وكذلك: السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، مرجع سابق، 3 / 90، وأيضًا: مقالة: مصطفى جواد، عن المدارس النظامية ببغداد، المنشورة بمجلة المعلم الجديد، مرجع سابق، ص 115 وما بعدها .

[13] -أحمد شلبي، التربية والتعليم في الفكر الإسلامي، مرجع سابق، ص 250، وما بعدها

[14] - سبط بن الجوزي، مرآة الزمان، مخطوطة محفوظة في قسم المخطوطات، دار الكتب المصرية، القاهرة، تحت رقم 551 / تاريخ، 2 / 121

[15] - أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، حيدر آباد الدكن، الهند، 1359 هـ، 8 / 256

[16] - ابن جبير، رحلة ابن جبير، ليدن، هولندا، 1907 م، ص 239

[17] - ناجي معروف، المدرسة المستنصرية، بغداد، 1935 م، ص 18

[18] - الأستاذ الإمام / محمد عبده، الإسلام والنصرانية مع كتاب العلم والمدنية، القاهرة، 1948 م، ص 198

[19] - محمود شكري الألوسي، تاريخ مساجد بغداد وآثارها، طبعة بيروتية مصورة، بدون ناشر، وبدون تاريخ، ص 102

[20] - سعيد نفيس، مدرسة نظامية بغداد، طهران، 1313 هـ، ص 13

[21] - السبكي، مرجع سابق، 3 / 135 ـ 145

 

 

كاظم شمهودكانت التنقيبات الاولى للبعثات الاوربية التي اجريت في بلاد الرافدين مقتصرة على المناطق الجنوبية من سهل وادي الرافدين ثم بدات بعثة امريكية من جامعة شيكاغو بالتنقيب في المناطق الشمالية وخاصة في قرية – جرمو – التي تقع قرب جمجمال (ليمانية)، وتعد قرية جرمو اول مستوطن زراعي في شمال العراق . وفيها تم تدجين الحيوانات وزراعة القمح والشعير والعدس والحمص والفستق وغيرها ... كما اخذت البعثة تنقب في كهف - شانيدر – عام 1951 ويقع الكهف قرب جبال برادوست، وقرب قرية – جرمو - وقد كشف ان نوع الانسان الذي استوطنه هو نياندرتال وبعد استخدام طريقة الكاربون 14 استطاعوا من تحديد زمن دور الكهف وهو مابين 60،000 و 45،000 عام ق م، وقد عثروا على هياكل عظمية حيوانية وبشرية وادوات بدائية كان يستخدمها الانسان في حياته .

 ويذكر ان المصطلح العلمي لينياندرتال يعود الى موضع في المانيا اسمه نياندرتال قرب مدينة دوسلدوف حيث كشف لاول مرة عن هياكل عظمية للانسان القديم . وبالتالي يعد انسان نياندرتال آخر الانواع البشرية العتيقة البائدة حيث ظهر من بعده الانسان العاقل او الحديث .

الادوار الحضارية التي سبقت السومريين؟

يذكر علماء الآثار ان هناك حضارة متطورة سبقت حضارة السومريين في بلاد الرافدين وهي :

1 / دور حسونة .

2 / دور سامراء

3 / دور حلف (او خلف)

4 / دور العبيد .

1 / يعتبر دور حسونة من ادوار العصر الحجري المعدني حيث وجد فيه لاول مرة الاواني الفخارية باشكال متنوعة للاستخدام والتي ميزت هذا الدور، ويقع دور حسونة في ناحية الشورة على بعد 22 ميلا جنوب الموصل وهو تل صغير نقبت فيه مديرية الآثار العراقية بين اعوام 1943 و1944، وقد عثر في اسفل طبقات التل على آثار مستوطنة زراعية واواني فخارية بدائية صنعت باليد وخالية من الزخارف وخشنة الملمس، ثم تطورة صناعتها فظهرت عليها اشكال هندسية وخطوط مستقيمة ومتصالبة ومتقاطعة، كما صنعت الجراة الكبيرة لخزن الحبوب، ثم اخذوا يخبزون الخبز في التنور المصنوع من الطين، ولازال هذا التنور يستخدم في مجتمعاتنا الشرقية خاصة في جنوب العراق .

و يحدد علماء الآثار دور حسونة في حوالي 000، 7 – ق م، وقد تحسنت الحياة الاجتماعية فيها وظهرت القرى الزراعية وبنوا البيوت من الطين او اللبن مما ادى ذلك الى تطور الفكر البشري حول تنظيم الحياة وحول الطبيعة المخيفة وكيفية مواجهتها، وبالتالي ظهرت بعض المعتقدات بوجود آلهة لهذه الطبيعة فجعلوا لكل اله رمزا ثم صنعوا التماثيل لها وشيدوا المعابد وبالتالي ساد المجتمع الفكر الديني وعبادة الآلهة .

1840 بيت فلاحي من تل حسونة

2 / يعود دور سامراء الى العصر الحجري المعدني في النصف الثاني من الالف السادس قبل الميلاد، وقد عثر على قطع فخارية في مقبرة تحت بقايا دور سكنية من عهد سامراء في العصر العباسي . وكان فخار سامراء قد عثر عليه في مناطق كثيرة من العراق وعيلام وكانت تحمل بصمة خاصة امتازت بزخارف هندسية واشكال حيوانية وآدمية ولكنها رسمت بطريقة بدائية، وكانت الاشكال تنقش او تخطط بلون اسود فاتح او اسمر على ارضية صفراء باهته .

ويذكر ان العالم الآثاري العراقي فؤاد سفر كان له دور كبير في التنقيبات التي اجريت في دور سامراء وانه عثر على اعداد هائلة من قطع الفخار والمنحوتات الفخارية الصلبة وامتازت بقوتها الشكلية والروحية وتنوع مواضيعها الاجتماعية وتظهر بعضها تخطط باللون الاسود فتظهر تفاصيل الوجه بارزة وقوية وقد ظهرت باسلوب واقعي فيه نوع من الاختزال والتعبير، وبعض هذه التماثيل اخذت لها قدسية حيث تحفظ في البيوت للتبرك والعبادة وطرد الشر .. كما عثر على صحون فخارية منقوش عليها نساء راقصات واشكال هندسية، وقد استخدم في تلوينها الوان مأخوذة من النباتات والحيوانات والتربة واوكسيد الحديد، وعند الحرق تظهر الوان عفوية غاية في الجمال والروعة .

1839 اول فخارية من سامراء

3 / دور حلف (خلف) . يقع دور حلف على الحدود التركية السورية العراقية قرب رأس العين على بعد 140 ميلا غرب نينوى . وقد نقبت فيه بعثة المانية قبل الحرب العالمية الاولى وكشفت عن بقايا آثار مهمة تعود الى مملكة آرامية ظهرت في القرن العاشر قبل الميلاد، كما كشفت عددا من الفخاريات تعتبر امتدادا لفخاريات سامراء ولكنها امتازت عليها بالطينة الجيدة والنقية و الخالية من الشوائب وقد رسمت عليها زخارف دقيقة ومتناسقة بالوان زاهية اخاذة . ويعتبرها البعض من اجمل ما صنع من فخار في تاريخ الحظارات القديمة .

وما يميز دور حلف انه ظهر فيه بداية التعدين واستعمال المعادن كالنحاس والرصاص، وبالتالي عملت السكاكين والشفرات الحادة من حجر البركان الزجاجي . وكانت مرحلة دور حلف مرحلة عظيمة في تاريخ البشرية حيث ازدادت القرى الزراعية وازداد الانتاج الزراعي والحيواني ونضج الفكر البشري وشيدت المعابد وانتشرت الحرف المهنية كحرفة الخزافين والنسيج والغزل وصناعة الاواني والتماثيل .. واصبحت هناك حركة تجارية ثم تبعها حركة هجرة بشرية بين القرى بحثا عن المناطق الاكثر خصوبة ووفرة المياه، ولا يستبعد عن ظهور نوع من الحكم في هذه القرى وتنظيم الحياة الاقثصادية والادارية والعقود وغيرها .

وظهرت في هذه المرحلة الاختام الاسطوانية المنبسطة وازدهرت صناعة التماثيل الصغيرة والتي يصل حجمها الى ما بين 4 الى12 سم، وتصنع عادة من الطين ثم تحرق لتاخذ نوع من الصلابة .

1841 معبد من طور العبيد

4 – دور العبيد  قامت بعثة بريطانية عام 1926 و1927 بالتنقيب في موقع يسمى - العبيد – في مدينة اور، وهي ارض زراعية يملكها السيد عبيد ولهذا سمي المكان باسمه ويبعد 4 اميال الى الشمال الغربي من مدينة اور (الناصرية). ويعتبر دور العبيد اول استيطان بشري في السهل الجنوبي واكثر حضارة وتقدما من الادوار السابقة . ويذكر ان الاستاذ فؤاد سفر قد عثر على العاصمة الاقليمية لدور العبيد في في مدينة اور  وكشف عن عدد من المعابد والفخاريات الملونة والتماثيل والاختام والذي لا زال عدد منها في المتحف العراقي .

و قد انتشرت حضارة العبيد في كل اراضي العراق القديم وامتدت الى تركيا وسوسة في ايران وو الى بلاد الشام والخليج العربي والجزيرة العربية ويعني ذلك ان هذه الحضارة قد ازدهرة قبل حضارة السومريين وحكم السلالات وحدوث الطوفان وقبل ظهور الكتابة والتدوين .

1842 منحوتة راس من سومروكان هذا العصر حافزا للالهام والفكر الانساني الذي يتصف بالقفزات السريعة للابتكارات والاستكشافات في مجال الزراعة والصناعة وتربية المواشي، كما بدأت حركة تجارية واسعة رافقتها هجرة الى مناطق بعيدة في الخليج حيث كانت هناك موانئ في مدن اور واريدو، يذكر انهما يقعان على شواطئ الخليج، وان نهري دجلة والفرات كانا يصبان منفردين في الخليج العربي . بمعنى ان شوطئ الخليج كانت تمتد الى مدينة الناصرية .

ويذكر ان حضارة العبيد بدأت في مطلع الالف الخامس قبل الميلاد وانتهت في مطلع الالف الرابع قبل الميلاد .

وظهرت في عصر العبيد النظم الاجتماعية وسلطة الحكم لادارة الشؤن الاجتماعية والاقتصادية والزراعية وبالتالي تكونت المدن الصغيرة والتي تشير الى النضج الفكري للمجتمع الذي انتشر في كل ارض الرافدين ... وقد عثر على اعداد هائلة من الاختام المنبسطة التي تبعث لنا رسائل لحالة المجتمع ومعتقداته في ذلك الوقت البعيد كما تشير الى اول نشوء للطباعة في التاريخ . وكانت حضارة العبيد بمثابة بوتقة انصهرت فيها فنون وفكر وتقاليد الماضي من دور حسونة وحلف وسامراء ثم ولدت من رحمها حضارة سومر التي تعتبر اعظم حضارة في تاريخ البشرية .

 

د. كاظم شمهود

 

يسري عبد الغنيشهدت مصر القديمة أعيادا دينية واجتماعية وزراعية، اختلطت شعائرها الاحتفالية بطقوس خاصة ميزتها عن سائر حضارات الشرق القديم، منها أعياد اندثرت لأسباب تاريخية ودينية، وأخرى كُتبت لها الحياة في ذاكرة المصريين حتى الآن كعيد شم النسيم، الذي يحتفل به المصريون منذ نحو 4700 عام.

ويأتي عيد شم النسيم على قائمة الأعياد الزراعية الكونية في مصر القديمة، واصطبغ بمرور الوقت بصبغة اجتماعية ذات صلة بالطبيعة، كما يتضح من اسمه "شمو" في اللغة المصرية القديمة، الهيروغليفية، وهي نفس الكلمة التي أطلقها المصريون القدماء على فصل الصيف، وتحمل أيضا معنى "الحصاد". وتحولت الكلمة إلى "شم" في اللغة القبطية، التي تعد مرحلة متأخرة من الكتابة المصرية القديمة، لكن بأحرف يونانية.

في حين يرى بعض المتخصصين في اللغة المصرية القديمة أن لفظ "شم النسيم" ينطوي على تركيب لغوي كامل في اللغة المصرية القديمة هو "شمو (حصاد)- ان (ال)- سم (نبات)"، في دلالة واضحة على عدم تحريف الاسم المصري الأصلي بإدخال كلمة "نسيم" العربية، التي يعرفها المعجم بأنها "ريح لينة لا تحرك شجرا"، للإشارة إلى اعتدال الجو ومقدم فصل الربيع.

واختلف العلماء في تحديد بداية واضحة ودقيقة لاحتفال المصريين بعيد "شم النسيم"، فمنهم من رأى أن الاحتفال بدأ في عصور ما قبل الأسرات، بحسب تقسيم تاريخ مصر القديم. ورأى آخرون أنه يرجع إلى عام أربعة آلاف قبل الميلاد، إلى أن استقر أغلب الرأي على اعتبار الاحتفال الرسمي به في مصر قد بدأ عام 2700 قبل الميلاد، مع نهاية عصر الأسرة الثالثة وبداية عصر الأسرة الرابعة، وإن كانت هذه الآراء لا تنفي ظهوره في فترة سابقة ولو في شكل احتفالات غير رسمية.

قسّم المصري القديم فصول السنة، التي أطلق عليها كلمة "رنبت"، إلى ثلاثة فصول فقط، ارتبطت بالدورة الزراعية التي اعتمدت عليها حياته بالكامل وهي: فصل الفيضان الذي أطلق عليه "آخت"، وهو يبدأ من شهر يوليو/تموز حتى أكتوبر/تشرين الأول، وفصل بذر البذور "برت"، ويبدأ في شهر نوفمبر/تشرين الثاني، وفصل الحصاد "شمو" الذي يبدأ في شهر مارس/آذار.

لم تكن حياة المصري قديما مقصورة على إقامة الشعائر الدينية، مجردة من الاستمتاع بمباهج الحياة ونشر روح البهجة، فقد حرص في أكثر من مناسبة على تأكيد مفهوم البهجة في نصوصه الأدبية، كهذا المقتطف الذي يطلق عليه "أناشيد الضارب على الجنك"، وهو مقتطف يُظهر قدر تمسك المصري بكل ما يشع بهجة للإنسان في حياته وفي محيط أسرته، نقلا عن الترجمة الفرنسية التي قدمتها العالمة كلير لالويت، أستاذة الأدب المصري القديم بجامعة باريس-سوربون، للنص المصري القديم:

"اقض يوما سعيدا، وضع البخور والزيت الفاخر معا من أجل أنفك، وضع أكاليل اللوتس والزهور على صدرك، بينما زوجتك الرقيقة في قلبك جالسة إلى جوارك. فلتكن الأغاني والرقص أمامك، واطرح الهموم خلفك. لا تتذكر سوى الفرح، إلى أن يحلّ يوم الرسو في الأرض التي تحب الصمت."

اعتبر المصريون القدماء عيد "شم النسيم" بعثا جديدا للحياة كل عام، تتجدد فيه الكائنات وتزدهر الطبيعة بكل ما فيها، كما اعتبروه بداية سنة جديدة "مدنية"، غير زراعية، يستهلون به نشاطهم لعام جديد. وكانت الزهور وانتشار الخضرة بشيرا ببداية موسم الحصاد، فكانوا يملأون مخازن الغلال بحصاده، ويقدمون للإله الخالق خلال طقوس احتفالية سنابل القمح الخضراء، في دلالة رمزية على "الخلق الجديد" الدال على الخير والسلام.

وحمل عيد "شم النسيم" طابع الاحتفال الشعبي منذ عصور قديمة للغاية، سجلها المصري في نقوشه على جدران مقابره، ليخلّد ذكرى نشاطه في ذلك اليوم، فكان الناس يخرجون في جماعات إلى الحدائق والحقول للتريض، والاستمتاع بالزهور والأخضر على الأرض، حاملين صنوف الطعام والشراب التي ارتبطت بهذه المناسبة دون غيرها، وحافظ عليها المصريون حتى الآن، في مشهد موروث ومستنسخ كل عام لعادات مصرية قديمة غالبت الزمن.

وللطعام طقوس

دأبت النقوش المصرية على تصوير مناظر تبرز موائد وأطعمة كثيرة، تتسم بالبذخ أحيانا من نصيب الطبقات العليا في المجتمع المصري، أمثال الوزراء والكهنة وكبار الموظفين وأصحاب الأراضي، أما عامة الشعب فكانوا ينتظرون الأعياد والمناسبات الاحتفالية لتناول كل ما لذ وطاب لهم من مأكل ومشرب في حدود الإمكانات.

وحرص المصري القديم على أن تضم قائمة طعامه في "شم النسيم" عددا من الأطعمة التي لم يكن اختيارها محض عشوائية أو صدفة بحتة، بل كانت تحمل مدلولا دينيا وفكريا ارتبط بعقيدته خلال احتفاله بالمناسبة، من بينها أطعمة أساسية كالبيض، والسمك المملح (الفسيخ)، والبصل، والخس، والحُمص الأخضر الملانة.

وترمز البيضة إلى التجدد وبداية خلق جديد في العقيدة الدينية المصرية، فهي منشأ الحياة، وقناة خروج أجيال من الكائنات، وأصل كل خلق، ورمز كل بعث. أطلق المصري عليها "سوحت"، وذكرها في برديات الأدب الديني القديم عندما اعتقد أن الإله "خلق الأرض من صلصال في هيئة بيضة، ودب فيها الروح، فبدأت فيها الحياة". لذا كانوا يقدمون البيض على موائد القرابين لدلالته الرمزية والدينية على حد سواء.

كما تظهر أهمية البيضة في هذا المقتطف من أنشودة أخناتون، التي يمتدح فيها الإله، نقلا عن الترجمة الفرنسية التي قدمتها لالويت للنص المصري القديم:

"أنت الذي يهب الحياة للابن في بطن أمه، وتخفف روعها وتجفف دموعها، وتمده بالغذاء في بطن أمه، واهبا الهواء لتحيا به جميع المخلوقات، وعند نزوله في يوم ولادته، تفتح فمه وتمنحه احتياجاته. والفرخ في العش يزقزق في بيضته، لأنك أنت من الآن تمنحه من خلالها نسمات تعطيه الحياة، وتشكله بالكامل، ليتمكن من تحطيم قشرة البيضة، ويخرج يزقزق سائرا على رجليه".

ونُسب إلى الإله "بتاح" أنه خالق البيضة التي أخرجت الشمس، بحسب العقيدة المصرية القديمة، فكانت البيضة رمزا للشمس المتجددة كل يوم ومبعث الحياة كلها، وكان المصري ينقش على البيضة أمنياته الخاصة، ويضعها في سلة مصنوعة من سعف النخيل، ليحظى بإطلالة نور الإله عند إشراقه متجسدا في نور الشمس في يوم العيد كل عام.

وحرص المصري على تناول السمك المملح (الفسيخ) في هذه المناسبة مع بداية تقديسه نهر النيل، الذي أطلق عليه "حعبي" بدءا من عصر الأسرة الخامسة، فضلا عن ارتباط تناوله بأسباب عقائدية تنطوي على أن الحياة خُلقت من محيط مائي أزلي لا حدود له، خرجت منه جميع الكائنات، أعقبه بعث للحياة ووضع قوانين الكون.

وبرع المصريون في صناعة السمك المملح، وكان يخصصون لصناعته أماكن أشبه بالورش كما يتضح من نقش في مقبرة الوزير "رخ-مي-رع" في عهد الأسرة 18، وتشير بردية "إيبرس" الطبية إلى أن السمك المملح كان يوصف للوقاية والعلاج من أمراض حمى الربيع وضربات الشمس.

وأولى المصريون أهمية كبيرة لتناول نبات البصل، الذي أطلقوا عليه اسم "بصر"، خلال الاحتفال بعيد "شم النسيم" اعتبارا من عصر الأسرة السادسة، لارتباطه بأسطورة قديمة تحدثت عن شفاء أمير صغير من مرض عضال عجز الأطباء عن علاجه، وكان البصل سببا في الشفاء بعد أن وُضع النبات تحت وسادة الأمير، واستنشقه عند شروق الشمس في يوم وافق احتفال المصريين بعيد "شم النسيم" فكُتب له الشفاء، فأصبح تقليدا حافظ عليه المصريون حتى الآن.

كما حمل تناول المصري القديم لنبات الخس في هذه المناسبة دلالة رمزية وعقائدية أخرى، لارتباط هذا النبات بالإله "مين"، إله الخصوبة والتناسل. كما أشارت بردية "إيبرس" الطبية إلى فائدة تناوله كعلاج لأمراض الجهاز الهضمي.

أما الحمُص الأخضر، المعروف باسم "الملانة"، فقد عرفته عصور الدولة القديمة، وأطلق عليه المصريون اسم "حور-بك"، وكان يحمل دلالة عقائدية على تجدد الحياة عند المصري، لأن ثمرة الحمُص عندما تمتليء وتنضج، ترمز عنده بقدوم فترة الربيع، فصل التجدد وازدهار الحياة.

لا نهاية

نقل المصريون قديما الاحتفال بعيد الحصاد، "شم النسيم"، وطقوسه إلى حضارات الشرق القديم في عهد الملك تحوتمس الثالث (1479-1425 قبل الميلاد) وفتوحاته العسكرية، التي أسهمت في توسع الإمبراطورية المصرية جغرافيا وخروجها بعيدا عن نطاق حدود الدولة المصرية، ونشر عادات وتقاليد مصرية غريبة عن هذه الحضارات، فكُتب لها الاستمرار وإن حملت أسماء مختلفة.

وروجت مصر عقائدها واحتفالاتها بنفس الفكر العقائدي المحلي، كما حمل عيد الحصاد نفس مفهوم تجدد الحياة وبداية الخلق كل عام في حضارات الشرق القديم، واعتبرته شعوب تلك الحضارات بداية لسنة جديدة لبعث الحياة، كما حدث في الحضارات البابلية والفارسية والفينيقية.

ويعتبر عيد "شم النسيم" الاحتفال الوحيد الذي جمع المصريين بمختلف عقائدهم الدينية منذ آلاف السنين، دون أن يلبس ثوبا عقائديا على الإطلاق. إن المشهد التاريخي في مصر يُؤْثر التصورات الذهنية التي غالبت الأيام، بعد أن ظلت أرضها المركز الأول لكل حياة، حياة الآلهة وحياة البشر، فكل شئ ينطلق انطلاقا من هذا المكان.

وتقول لالويت عن الفكر المصري قديما :"تغلغل الإيمان إلى أعماق أعماق هذا الشعب، فكان الكون بأكمله بمختلف عناصره: أحياء أو جماد، بشر أو حيوانات، كونا إلهيا... الدين موجود في كل عنصر من عناصر الحضارة المصرية القديمة، إنه دين الأمل والرجاء، تصوروا الموت مجرد رحلة إلى أبدية إلهية، وحافظوا على إقامة الشعائر، بما يضمن لهم البقاء على قيد الحياة بقاء لا نهاية له".

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

يسري عبد الغنيعرف تاريخ مصر عبر عصوره المختلفة عددا من الاحتفالات الدينية التي ذابت في نسيج المجتمع، وارتبطت في الأذهان بمظاهر ذات طقوس خاصة تسللت إلى الموروث الشعبي في ثقافة الأمة، واقترنت بتقديم النذور والقرابين تقربا لرموز دينية بعينها في مناسبات أُطلق عليها "الموالد".

ولم تعرف مصر القديمة مصطلح "المولد" بمفهومه المعاصر، بل تشير النصوص المصرية إلى "الاحتفال" أو "العيد"، لاسيما في عصر إمبراطورية الدولة الحديثة، بحسب التقسيم التاريخي لمصر القديمة، فضلا عن "المواكب الدينية" التي كانت تقام تمجيدا للآلهة وتضرعا لها.

وصورت نقوش جدران المعابد المصرية احتفالات بأعياد دينية عديدة، أبرزها على سبيل المثال عيد الإله "مين"، وعيد زيارة الإله آمون لمعبد الأقصر، الذي كان يطلق عليه عيد "أوبت" الكبير، ويوافق خروج موكب الفرعون، تتقدمه القرابين التي يعتزم الكهنة ذبحها في هذه المناسبة. في حين تنقل سفن عبر نهر النيل عددا من الكهنة، يرافقون سفينة تحمل "هيئة" الإله آمون في أبهى زينة، إلى أن ينتهي الموكب الاحتفالي في المعبد وتقدّم القرابين.

ومع دخول المسيحية مصر، في منتصف القرن الأول الميلادي، أخذت الاحتفالات الدينية شكلا جديدا عُرف بأعياد القديسين، من منطلق تكريم شخصية حملت صبغة القداسة في الوعي الجمعي لأفراد يعتقدون فيها، ويقيمون لها الصلوات مع ذكر معجزاتها وسيرة حياتها، وتقديم النذور والشموع والذبائح لإطعام الفقراء، كي "تشفع" لهم عند الله لقضاء حاجتهم.

ودخل الإسلام مصر عام 642 ميلاديا بثقافة الاحتفالات الدينية المجردة من تقديس أشخاص، تمثلت في مناسبة دينية محددة، كالاحتفال الرمزي بشهر رمضان، وعيدي الفطر والأضحى، إلى أن تولى الفاطميون حكم مصر وأسسوا فيها خلافتهم عام 969 ميلاديا، فأدخلوا ثقافة الاحتفالات الشعبية والدينية، كان من بينها الاحتفال بأولياء الله، "الموالد"، وأعياد أقيمت من منطلق الدعاية للدولة الفاطمية وحكامها.

وعلى الرغم من أن مصطلح "المولد" يُقصد به الاحتفال بيوم ميلاد شخص كما يتضح من لفظه معجميا، إلا أن الغاية الرئيسية منه تمثلت - ولا تزال - في تمجيد شخصية دينية وإحياء ذكراها، بغض النظر عن مراعاة تقويم بعينه يحدد ميلاده بدقة. كما يهدف إلى ترويج الاعتقاد في شخص الولي أو القديس، استمرارا للترابط بين المعتقد الشعبي والشعائر الدينية المقدسة.

الموالد

أصبحت المعتقدات الخاصة بالأولياء جزءا من الثقافة الشعبية المصرية، الشفهية والمكتوبة، التي تجسد عالما ماديا وروحيا لشخص تحول إلى رمز ديني لدى جماعة محلية، اعتمادا على إيمان هذه الجماعة بقدراته الخاصة في تحقيق "خوارق" في بيئتها.

وتنظر الثقافة الشعبية للولي على أنه حلقة وصل بين حياة وموت، لأنه حي في الفكر الجمعي، على الرغم من موته في عالم الواقع، يتصلون به من خلال زيارة قبره أو رؤيته في الأحلام، كما يعتقدون في أن خوارقه، التي يطلقون عليها "كرامات"، تمنحهم الغلبة على العجز والمرض، أو تأمينهم من مصير مجهول في المستقبل. لذا، يحرصون على إحياء سيرته ومناقبه بالاحتفال بمولده و"التبرك" بزيارته.

ويصعب تقسيم "الموالد" في مصر، إلا أنه يمكن تصنيفها بحسب أهميتها الدينية وحجم الاحتفال بها، كموالد أولياء "كبرى"، مثل موالد الحسين، والسيدة زينب، والسيدة نفيسة في مدينة القاهرة، وموالد بعض أولياء رجال الصوفية، مثل مولد المرسي أبو العباس في مدينة الإسكندرية، ومولد السيد أحمد البدوي في مدينة طنطا، ومولد السيد إبراهيم الدسوقي في مدينة دسوق، وهي موالد عامة لا يقتصر الاحتفال فيها على أتباع بعينهم، بل يشارك فيها الجميع، ومنهم من يأتي من مدن أخرى للاحتفال، وذلك مقارنة بموالد "صغرى" يُحتفل بها على نطاق ضيق في قرى متفرقة في شتى أرجاء مصر.

وتعد قدرة الولي على إظهار "كراماته"، التي تختلف إصطلاحا عن "معجزات" الأنبياء، علامة على مكانته كولي عند الناس، وتنطوي فكرة زيارة ضريحه على مفهوم "التبرك"، وغالبا يرتبط كل إنسان بولي معين يعتقد فيه وفي كراماته، وإن كان هذا لا يمنع من ارتباطه بعدد من الأولياء الآخرين يحتفل بموالدهم.

ويحرص المحتفلون على تقديم أطعمة معينة في هيئة "نذور" يقدمونها لبعض الأولياء، ترتبط عند الناس بحوادث معينة، مثل تقديمهم "الفول النابت" خلال الاحتفال بمولد السيدة زينب، و"العدس" في الاحتفال بمولد الحسين، و"الخبز" في الاحتفال بمولد السيد أحمد البدوي.

وتستوعب الموالد عناصر دينية وغير دينية، تلبي اهتمام المحتفلين بمختلف أعمارهم، وتتميز بمظاهر شعبية خاصة مثل "الزفّة"، أو ما يعرف بموكب الخليفة، إلى جانب حلقات ذكر القرآن، وخدمة المولد، والسوق، والألعاب، وسهرة المولد الكبرى التي يُطلق عليها "الليلة الكبيرة".

وتقام سرادقات كبيرة، كما يحدث في احتفالات مولد السيدة زينب في مدينة القاهرة على سبيل المثال، يجتمع فيها زوار المولد و"المريدون" لكراماتها، فضلا عن إقامة سرادقات تحمل لافتات طرق صوفية دينية تشارك في الاحتفال، مثل الطريقة "الأحمدية"، و"الشاذلية"، و"البراهمية"، و"الرفاعية"، إذ تجتمع كل طريقة بأتباعها في حلقات ذكر القرآن، مع الوقوف في صفوف متقابلة أو دائرية، مرددين عبارات دينية وأدعية.

وبعيدا عن المظاهر الدينية، يعتبر المولد مناسبة تجارية هامة لبيع شتى البضائع من خلال سرادقات بيع الحلوى، واللعب، والأطعمة الشعبية، والحلي المصنوعة من المعادن الرخيصة، والتذكارات، والملابس، فضلا عن افتراش الفقراء من الباعة أرض الاحتفال بالمولد لبيع ما لديهم في هذه المناسبة.

وتتميز الموالد الشعبية أيضا بمظاهر ترفيهية، كالسرادقات التي تقدم فقرات غنائية دينية، أو فقرات راقصة وألعاب، مثل ألعاب الحظ والرهان، وكذا منصات لتقديم عروض مسرحية شعبية، أبرزها عروض بالدمى أو "الأراجوز"، والملاهي الشعبية التي تجذب الأطفال، والتي لا تخلوا أيضا من بعض الكتابات الدينية والأدعية على الألعاب في مزيج يجمع الديني بالترفيهي.

وتعرضت الممارسات الشعبية حول أضرحة الأولياء خلال الموالد إلى معارضة شديدة بين الحين والآخر، من بعض الجماعات الأصولية، استنادا منهم إلى بعض الأحاديث النبوية، ووصفها بأنها "بدع" لا تمت للدين الإسلامي بصلة. لذا، جنح المعتقد الشعبي إلى اختصار بعض الطقوس تجنبا لمعارضة التيارات الإسلامية، فانتخب نوعا من الممارسات اقتصرت في بعض الأحيان على ذكر القرآن، وتحريم الطواف حول الأضرحة لكونها من طقوس الحرم المكي وحده.

كما دمجت بعض القرى الاحتفال بعدد من الأولياء في محيط القرية والقرى المجاورة في مولد واحد كبير، تجنبا لمعارضة أصحاب الآراء المعارضة لإقامة الموالد، بل ربطوا أحيانا الاحتفال بمولد معين باحتفالات العيد القومي للمدينة.

القديسون

دخلت المسيحية مصر على يد "القديس الشهيد" مارمرقس في منتصف القرن الأول الميلادي، واستشهد في عام 68 ميلاديا، وبدأت حركات اضطهاد عنيفة، استهدفت المسيحيين منذ نهاية القرن الثاني الميلادي وبداية القرن الثالث في عهد الإمبراطور "سيفيروس ألكسندر" 191-211 ميلاديا

وكانت أعنف حركات الاضطهاد في عصر الإمبراطور دقلديانوس (284-305 ميلاديا)، لذا جعلت الكنيسة المصرية بداية تقويمها عام 284 ميلاديا، وأُطلق عليه "تقويم الشهداء"، واستمر الاضطهاد إلى أن توقف في عهد الإمبراطور قسطنطين الأول (323-337 ميلاديا) واعتناق الإمبراطور المسيحية.

أصبح شهداء المسيحية موضع تكريم من الشعب، وأقيمت كنائس وأديرة تحمل أسماءهم، كما آمن كثيرون بـ "آلام الشهداء" وموتهم، والمعجزات التي صاحبت استشهادهم بحسب تواتر القصص عبر الأجيال، فقدمت المسيحية نظرة جديدة للآلام، ارتبطت روحيا بمحبة السيد المسيح، وكُتبت العديد من قصص الشهداء في الأدب القبطي والسرياني.

ويطلق لفظ "قديس" في المسيحية الأرثوذكسية على كل من يحيا حياة الإيمان، وكل من ارتقى روحيا وظهرت له "معجزات"، مثل السيدة العذراء، والملاك ميخائيل، والأنبا أنطونيوس، والأنبا بشوي، أو يطلق على شهداء مثل مارجرجس، والقديسة دميانة. ولا يوصف الشخص بالقديس إلا بعد مرور 50 عاما على وفاته على الأقل.

وفي المقابل، تفرق المسيحية الكاثوليكية بين الشخصية الأسطورية والتاريخية، ولا تعترف بالشخص قديسا إلا من خلال وثائق تاريخية تثبت قداسته، ويصدر مرسوم رسمي من الكنيسة يضعه في مرتبة القديسين.

وبحسب العقيدة الشعبية المصرية، يعيش القديسون في الفكر الجمعي للناس لأنه الجسر العابر بين عالم الأحياء والعالم الآخر، يتواصلون معه من خلال "أيقونته".

وعُرفت أعياد القديسين باسم "الموالد" في الثقافة الشعبية المصرية، وإن كان ذلك ينافي حقيقة المناسبة لكونها تحتفل بذكرى استشهاد القديس أو وفاته، وليس ميلاده، وهو اليوم الذي أتم فيه "جهاد الحياة" من أجل المسيحية.

وتعزز الموالد الاعتقاد في قديس معين من خلال إقامة بعض الطقوس الدينية والاحتفالية الشعبية، أبرزها "زفة الأيقونة"، التي يتقدمها أسقف أو كبير كهنة الكنيسة، ويبارك الزائرين المشاركين في الاحتفال، كما يحمل أحد أفراد الشمامسة أيقونة القديس.

ويحرص الزائرون على نيل البركة بملامسة أيقونة القديس أو تقبيلها، والهتاف باسمه، وتقام زفة الأيقونة كبداية لأولى الطقوس الدينية للمولد، الذي قد يستمر لمدة أربعة أيام، وتعتبر الصلاة والدعاء طقوسا أساسية في الاحتفالات، ثم الدعاء الذي يشمل طلبات خاصة لحل مشكلات، أو تحقيق أمنيات من خلال "تشفيع" القديس في تحقيق هذه الطلبات.

كما تعتبر موالد القديسين مناسبة لتعميد الأطفال، وهو طقس ديني مسيحي يجرى للطفل بعد ولادته بأربعين يوما (للذكور)، وثمانين يوما للإناث، وإن كان لا تراعى المواعيد بالضبط عند كل الأقباط، بل تفضل الطبقة الشعبية تعميد الأطفال في الموالد قدوة بطقس تعميد السيد المسيح في نهر الأردن.

وتنطوي مظاهر الاحتفال على نشاط اقتصادي، حيث تنتشر أماكن بيع الصور واللوحات التي تصور قديسين وشخصيات دينية بارزة، فضلا عن بيع الصلبان والحلي المعدنية، وانتشار رسم الوشوم الذي يطلق عليه في اللغة الشعبية "الدق" على جسد الزائر.

كما يبرز النشاط العلاجي في الموالد المسيحية كنوع من التبرك بمعجزات القديس، الذي يأتي إليه البعض طلبا للشفاء من أمراض عضوية، أو حل مشكلات تدخل في حيز الاعتقاد في القديس والإيمان بمعجزاته.

ظلت الموالد محل اهتمام الرحالة الذين جاءوا إلى مصر عبر عصورها، وقدموا وصفا لكثير من طقوسها بأسلوب رشيق، بلغ حد الطرافة أحيانا، وهو ما دفع جاسبار دي شابرول، أحد علماء الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801)، في دراسته عن عادات وتقاليد المصريين المحدثين ضمن دراسات كتاب "وصف مصر" إلى أن يصف البلاد بأنها "خليط مضطرب من العادات والتقاليد تعود إلى أصول متنوعة تنتج عن أسباب كثيرة"، وتساءل "هل كان يمكن للأمر أن يكون على نحو آخر، في بلد يمكن القول إن كافة الأمم قد اختلطت فيه؟"

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

كاظم شمهودمن المشاكل التي يعاني منها علماء الآثار اليوم هو وقوعهم في تناقضات المعلومات التاريخية ويعود ذلك الى تطور التنقيبات والحفريات والاستكشافات والعثور على نصوص طينية تحمل معلومات جديدة تناقض ما فهمه او ترجمه علماء الآثار من نصوص قديمة في السنوات السابقة، علما ان ترجماتهم الاولى للخط المسماري كانت مضمونية وليس حرفية . وقد اعترف هؤلاء من ان معلوماتهم تتوقف على ما عندهم حاليا من آثار مادية اما ما تخفيه الارض من آثار اخرى فربما ستغير في المستقبل كل ما عندهم من اخبار ونظريات . وقد اعترف بذلك عالم الآثار صوموئيل كريمر .

من هم السومريون؟

اختلف المؤرخون في اصل السومريون ولكن غالبية المؤرخين العراقيين تؤكد على انهم احد الاقوام الذين عاشوا في جهة من بلاد وادي الرافدين . ويقول الاستاذ طه باقر من ان السومريين احدى الجماعات المنحدرة من بعض الاقوام المحلية من وادي الرافدين وانهم اخذوا اسمهم من المكان الذي استوطنوه في السهل الجنوبي (سومر) مثل الاكدين من اكد والآشورين من آشور .

1817  الملك السومري جوديومن جانب اخر يؤكد بعض علماء الآثار ان الطوفان حدث بعد دور السلالات السومرية الاولى حسب التصوص السومرية المكتشفة وانه حدث في مدينة شروباك التي تقع جنوب شرق الديوانية بحوالي 64 كم الى جانب مدن سومرية قديمة اخرى مثل اريدو والوركاء ولجش وكيش . بعض العلماء يضع تاريخين مختلفين لحادث الطوفان الاول في الف الرابع قبل الميلاد والثاني في الالف الثالث قبل الميلاد .

و نفهم من ذلك ان بطل الطوفان النبي نوح –ع- واولاده سام وحام ويافث هم من اصل سومري او عبيدي . وبعد الطوفان انتشرت ذرية اولاد نوح في كل مكان من بلاد الرافدين والجزيرية العربية وسمي بعضهم بالساميين . ولكن اطلاق ساميون على كل شعوب الجزيرة العربية وعلى الاكديين والبابليين والاشوريين وغيرهم، لم تؤكده وثائق مكتوبة ولا اركيولوجية وانما فقط ورد في كتاب التوراة والذي اكثر ما ورد فيه غير موثوق .

من هم الساميون؟

1818  باب عشتاريعتبر الباحث والمستشرق الالماني شلوتزر اول باحث اوجد مصطلح سامي وساميون في عام 1781 م حيث اطلق على المتكلمين باحدى لغات العائلة السامية كالعربية والعبرية والاكدية (البابلية والآشورية) والآرامية والكنعانية بناءا على تشابه هذه اللغات وضنا منه (ضنا) ان المتكلمين بها منحدرون من نسل سام بن نوح .ع - حسب ما جاء في جدول الانساب في التوراة . وقد اطلق المؤرخون على الاقوام التي هاجرت من مهدها في الجزيرة العربية اسم الاقوام السامية . (ضنا منهم) واتجهت الى بلاد الهلال الخصيب ..؟

الدكتور طه باقر يعترض على هذه التسمية اي الساميون واللغات السامية وانها غير موفقه . فيقول من الافضل تسميتها لغات الجزيرة او اللغات العربية والاقوام السامية بالاقوام العربية او اقوام الجزيرة وكان ذلك اقرب الى الصواب .

ثانيا اذا كان نوح واولاده واولاد سام نشأوا وترعرعوا في بلاد الرافدين جنبا الى جنب مع السومريين وغيرهم، وانشأوا المدن والحضارة، في ارض زراعية تغمرها المياه من نهري دجلة والفرات، اذا كان هذا هو اصلهم فكيف بهم ان يهاجروا من الجزيرة الى بلاد الرافدين؟ (امر لا يعقل) وهذا ما وقع فيه المؤرخون الاجانب والعرب من خطأ جسيم حيث اعتمدوا على معلومات الاسفار التوراتية فقط والتي كشفت تناقضاتها مع الآثار والنصوص السومرية والبابلية العلمية المكتشفة حاليا في ارض الرافدين .

1819 منحوتات رافدينية

يذكر الدكتور خزعل الماجدي في كتابه – الميثولوجيا السومرية -(لم تكن هناك شعوب سامية مهاجرة من مكان آخر لان هذه الارض (اي ارض الرافدين) هي ارضها التي نشأت فيها وترعرعت) . وبالتالي فانه من المنطق ان تحدث الهجرة من بلاد الرافدين الى مناطق الجزيرة العربية وغيرها ... الا اذا قلنا ان هذه الاقوام المهاجرة من بلاد الرافدين الى الجزيرة حدث لها بعد عدة قرون هجرات معاكسة نتيجة للجفاف والقحط.

1820  سفينة نوح

وفي كتاب –جلجامش – للمؤرخ فراس السواح يقول ان النظرية التي تقول ان الاكديين هم شعب سامي قدم من المناطق الصحراوية هي نظرية فرضية (اي ضنية) غير مدعومة باي وثيقة كتابية او اركيولوجية وهي تقوم على نظرية تاريخية قديمة غدت اليوم بالية هي نظرية الهجرات السامية من الجزيرة العربية نحو الهلال الخصيب . (اي نظريات غير صحيحة)

ان الاقوام السومرية والسامية هي من منشأ واحد ومن اصل واحد وارض جغرافية واحدة وقد انحدروا من الجماعات المحلية المستوطنة في ارض بلاد الرافدين، كما يذكر بعض المؤرخين ان الاقوام التي سبقت السومريين يطلق عليهم اسم الفراتيون والعبيديون وقد كانوا مجتمعات زراعية متحضرة ومستقرة، وقد انشأوا المعابد والمدن واخترعوا الاختام المنبسطة ومن اشهر مدنهم اريدو .

1821 ختم سومري

وتذكر الكتب التاريخية والدينية المعتبرة ان النبي ادريس ظهر في العراق في بابل وانه سبق ظهور النبي نوح –ع- وهو اول من خط بالقلم وكتب الصحف وسمي بادريس لكثرة دراسته .. وبالتالي يمكن ان يكون ظهور الكتابة والتدوين في ارض الرافدين قد ظهر منذ زمن بعيد سبق السومريين بعدة قرون حسب ما ورد في المصادر الدينية المتواترة ...

ولكن ربما التنقيبات الاثرية العلمية الحديثة ستكشف لنا في المستقبل حقيقة الامور وازالة الشكوك - وكفى الله المؤمنين شر القتال-

 

د. كاظم شمهود

 

كاظم شمهودالذي يقرأ تاريخ الامم السابقة يجد الدهشة والعجب وربما يحكم على ثلاثة ارباع كتب التاريخ بالاهمال والرمي مع النفايات وذلك لعدم مصداقيتها وخضوعها الى التحقيق والمنطق والعقل ولم تستند على مصدر علمي موثوق به . ومع الاسف ان معظم المؤرخين العرب اسوة بالمؤرخين الاجانب المعاصرين قد غاب عنهم التحقيق في نقل المعلومات والروايات وانما اخذوا يستنسخون عن المؤرخين القداما الذين معظمهم كان قد اخذها من الاساطير وشفاه الناس ..

و بعد تطور علم الآثار وقراءة نصوص الحضارات القديمة من مسمارية وهيروغليفية وغيرها اصبح لدينا مصدر علمي مادي منظور وملموس وموثوق به، فهذه الآثار التي عثر عليها في ارضي الرافدين ومصر تنقل لنا صور حية بالنص والصورة عن حال المجتمعات البدائية والحضارية السابقة منذ آلاف السنين .

و يذكر الاستاذ طه باقر بان هناك ثلاثة مصادر لمعرفة تاريخ الامم السابقة وبلاد الرافدين:

1 – علم الآثار

2 – الكتاب المقدس – التوراة

3 – المؤرخون اليونانيون

1806  القيثارة السومرية

نعلم ان علم الآثار(الاركيولجي – والبيولوجي) يهتم بدراسة ماخلفه الانسان القديم ويشمل جميع آثار الماضي من الادوات والنقوش على جدران الكهوف والمعابد وكذلك عظام الانسان والحيوان والنبات ودراسة كتاباتها القديمة وحل رموزها ونقوشها وغير ذلك . ولكن هناك مشكلة معقدة يواجهها اليوم عالم الآثار اثناء قراءة النصوص الطينية او الحجرية السومرية او البابلية او الآشورية القديمة وهي ان ثقافة تلك الشعوب قائمة على الاساطير والخرافات من عبادة الآلهة والملوك والتقاليد والعادات والطقوس الدينية وغيرها . وبالتالي فان عالم الآثار امامه مهمة جدا صعبة حيث عليه العمل الجاد والدقيق لفرز الحقائق التي تتفق مع المنطق والعقل عن الاساطير او الحكايات التي منشأها الخيالات والاوهام .

هناك بعض المؤرخين والكتاب العرب عندما يكتب عن هذه الاساطير القديمة يتخذها مثلا جميلا في اطروحاته ومناقشاته ودليلا على صحة كلامه، وهذه من المشاكل التي نعاني منها اليوم حيث يتزين بها بعض المثقفين والكتاب دون معرفة حقائق الامور .

1807  تماثيل سومرية

اما المصدر الآخر لمعرفة تاريخ الامم السابقة فهو الكتاب المقدس او التوراة التي حوت اسفارها على طائفة كبيرة من الاخبار عن بلاد الرافدين خاصة في زمن الملك البابلي نبوخذ نصر 605-562 ق م الذي حطم مملكة اليهود وسب اهلها ونقلهم الى بابل حيث عاشوا ردحا من الزمن فيها وتأثروا بالحضارة البابلية، وكان من جملة السبايا عدد من انبياء بني اسرائيل ومجموعة من علمائهم . وفي هذا الظرف كتب بنو اسرائيل التوراة والتلمود في بابل وقد حوت هذه الكتابات على كثير من القصص والحكايات والاساطير والخرافات السومرية والبابلية كما استمدت الكثير من القوانيين البابلية ودونت الكثير من تاريخ العراق بصورة عامة .

1808 رأس فتاة من الوركاء

و كانت التوراة المصدر الوحيد لتاريخ وادي الرافدين قبل تطور علم الآثار وحل رموز الكتابة المسمارية في القرن التاسع عشر . ويقول الاستاذ طه باقر يمكن اعتبار التوراة مصدر من مصادر التا ريخ بشرط خضوعها للنقد التاريخي الصحيح ورفع كل تلك الاساطير والخرافات التي حوتها .

اذن ان الاكثيرية من مؤرخي العرب كانت كتاباتهم عن الحضارات القديمة تعتمد على معارف التوراة وما كتبه اليهود عن تاريخ العراق والجزيرة من اساطير وروايات عادة ما تخدم جنسهم وعرقهم وهو ما نجده في كتب الطبري واليعقوبي وابن مسعود وابن كثير وكذلك المؤرخين المتأخرين من العرب ، وليس فقط شوهوا وعبثوا في التاريخ القديم انما دخلت الروايات الاسرائيلة في الروايات والاحاديث النبوية ولازالت في كتب فقه المسلمين ..

اما المؤرخون الاوربيون وخاصة اليهود والمسيحيون فقد اعتمدوا في كتاباتهم التاريخية كليا على التوراة وكان بعضهم ينقب في ارض العراق ويحمل معه الكتاب المقدس .

1809  لوح من منحوتات سومر

و اما المصدر الثالث لمعرفة تاريخ العراق القديم فهو المؤرخون اليونانيون الذين زاروا الشرق الادنى خاصة العراق مثل المؤرخ هيرودوتس في حدود 480-425 ق م وقد كتب عن احوال العراق القديم وبابل، وكذلك المؤرخ زينفون الذي عاصر هيرودوتس حيث كتب عن العراق والامبراطورية الفارسية، وايضا المؤرخ الصقلي ديودورس 40 ق م وهو ايضا كتب عن بابل والجنائن المعلقة . اما فيثاغورس 570 – 495 ق م فقد زار العراق ومصر ومكث فيهما فترة من الزمن ويذكر ان رحلته في الشرق دامت حوالي عشرين سنة وقد اهتم بالمواضيع العلمية والرياضيات والموسيقى وانه كتب عن العراق ومصر وتعلم من علوم البابليين والمصريين . .

وهكذا يبقى الشرق الادنى مهبط الرسالات والانبياء والنبع الحضاري الاصيل الذي لا ينضب عطائه منذ فجر التاريخ الى اليوم . والمثل يقول (من علمني حرفا ملكني عبدا) .

 

د. كاظم شمهود

 

"تأملات" بميدياتيك أريانة

لوحات متعددة لفنان هام بالتراث دراسة ورسما تأخذه الهوية ليقول بالجوهر الكامن في الانسان...

أعمال فنية وفي أحجام مختلفة تحلت بها أروقة فضاء المعارض بالمكتبة النموذجية بأريانة " الميدياتاك " حيث كانت التلوينات مجال عمل تشكيلي بالأكريليك وفي فترات مختلفة وخاصة بفترة الحجر الصحي الأولى حيث كان المجال للتأمل وهنا يكمن جوهر الفن فما قيمته وجدواه ان كان بلا أسئلة وحيرة وتأمل نعم الفنان هو كائن وبمثابة طفل يمضي في عوالمه المتعددة بكثير من الحلم يرقب الأشياء والعناصر والتفاصيل لا يرتجي غير فكرة ملونة يسميها العمل الفني. هام بالتراث دراسة وبحثا تأخذه الهوية مدار اهتمام واشتغال ليقول بالأصل والجوهر الكامن في الانسان.

1805 فن تونس

نحن في عهود عولمة متوحشة ترتجي الانتهاء بالهويات والخصوصيات الى هوية واحدة يكون معها الانسان رقما للاستهلاك ليتحول بالنهاية الى متحف مهجور بلا لون ولا رائحة ولا طعم..بلا روح. التراث والهوية مجالا انطلاق صاحبنا الفنان الذي نحن بصدده وقد عدد من عمله ونشاطه وفعله المجتمعي ليكون بالمحصلة التي كانت حوالي أربعين سنة طفلا فنانا حالما بالمضي أكثر في حواره مع القماشة والتلوين معبرا عن هواجسه الدفينة التي هي الكنه والجوهر والينابيع...هكذا رأى الأشياء ..فكان هذا المعرض تأملا آخر في فسحة يواصل بعدها رحلته الفنية التي تخيرها في هذه الحياة المتحركة وتحيل الى سنوات من اشتغاله الفني الجمالي في عوالم الفنون الجميلة..

الفنان التشكيلي عبد الحميد الصكلي يقدم في هذا المعرض الفردي عددا من اللوحات منها "أصالة " و" معمار " و" خمسة " و" سطوع " و" سكينة " و" تشابك " و" سيلان " و" زحام " و" تانيت " ... وغير ذلك من العناوين المعبرة والدالة على تعلقه بالتراث

و الهوية فهو يرى الفن مجال تشبث بالجوهر من خلال التثمين للتراث ومشتقاته من هوية وأصالة ..و المتأمل في اللوحات المعروضة منذ مساء السبت 19 سبتمبر (يتواصل المعرض الى يوم 15 أكتوبر) يلمس دون عناء الحضور البين للمعمار التقليدي والقصور القديمة بمطماطة والعلامات المخصوصة للمرقوم وما يلائم ذلك جماليا من ألوان تخيرها الفنان في فضاء اللوحة ..زخارف وعلامات وأشكال هي من صميم مكوناتنا الجمالية التراثية جعل منها أدوات في اللوحات ليعلي من شأنها ويبرزها في مختلف لوحاته الفنية.

هو من مواليد تونس سنة 1952 وحصل على اجازة الفن التشكيلي اختصاص " ثقافة واتصال " من المعهد العالي للفنون والهندسة المعمارية  بتونس وكان له مجال للتدريس بالمغرب من سنة 1978 الى سنة 1990 ثم أدار مصلحة الأنشطة الثقافية والرياضية بوزارة التربية منذ سنة 1990 ثم رئيس مصلحة ومنذ سنة 2009 عين مديرا للتنشيط الثقافي والاجتماعي والرياضي  وترأس منذ سنة 2002 الجمعية التونسية للتربية التشكيلية  وكان له سنة 2015 معرض خاص حول المرقوم وذلك خلال تظاهرات شهر التراث وفي رواق " صلادان " .و عن تجربته ومعرضه هذا يقول : "...أنا من جيل الحبيب بيدة ونورالدين الهاني ولمين ساسي ومن أساتذتي خليفة شلتوت والهادي التركي والناصر بالشيخ وحسين التليلي حيث تخرجت كأستاذ تربية تشكيلية ثم كانت لي تجربة بالتعاون الدولي لأدرس بالمغرب الشقيق بمركز في اطار التعاون بين تونس والمغرب .

وفي الفترة بين سنتي 1983 و1990 درست بمعهد العمران بعدها كان الحاقي بوزارة التربية كرئيس لمصلحة التنشيط الثقافي والرياضي وفي سنة 1992 وقع بعث ادارة الأنشطة الثقافية والرياضية بالوزارة وكنت ميرا مساعدا ثم مديرا لهذه الادارة وكانت لي تجربة مهمة في هذا الجانب الثقافي الرياضي التربوي حيث أشرفت على كل الأنشطة الثقافية المدرسية من جميع جوانبها وفي سنة 2012 كان تقاعدي لأتفرغ منذ ذلك الحين الى الفن والاشتغال أكثر على تجربتي الخاصة والمشاركة في المعارض فضلا عن معارضي الشخصية في عديد المواعيد والمناسبات .

بالنسبة لتجربتي في المجال الجمعياتي كانت الفترة من سنة 1989 الى سنة 1994 ثرية بالنشاط منه عضويتي بالجامعة التونسية للتنس حيث رافقت عددا من اللاعبين في دورات عربية ودولية ..و بالنسبة للجمعية التونسية للتربية التشكيلية فقد ترأستها من سنة 2002 الى سنة 2017 وهي تضم أساتذة التربية الفنية وقد نظمنا خلالها عددا من الأنشطة في فضاءات ثقافية متعددة بالمرسى وتونس والمنستير وسوسة وتعددت معارض الفنون التشكيلية والأنشطة الفنية كذلك .

في الأثناء كان نشاطي الفني التشكيلي فأنا عضو باتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين وكذلك بنقابة الفنانين وكانت لي مشاركات في عديد المعارض الفنية الجماعية كما أني أقمت معارض خاصة بي في عدد من الفضاءات الفنية والأروقة التشكيلية هذا الى جانب مشاركة دولية بملتقى القصبة الدولي بالمغرب وبورزازات سنة 2013 وبمدينة الجديدة سنة 2016 الى جانب معارض أخرى بتونس منها معرض سيدي بوسعيد ومعرض ميدياتيك أريانة .

معرضي الحالي برواق المكتبة المعلوماتية النموذجية بأريانة هو نتيجة ومراكمة لتجربتي التي تمسح أربعين سنة من العمل الفني التشكيلي وضمن مرجعية جمالية نهلت أساسا من التراث التونسي وهذا في الحقيقة امتداد للدراسة التي قمت بها ضمن ختم دروسي الجامعية بالمعهد العالي للفنون والهندسة المعمارية ( البوزار حاليا) وحول العناصر الزخرفية والنباتية والهندسية في الفن الاسلامي وما يعبر عنه بالآراباسك واشتغلت على الأعمال الفنية الموجودة في القصور في عصور الأندلس ومنها قصور غرناطة وكذلك بمواقع اسلامية كجامع عقبة بالقيروان  من الباب الرئيسي من خلال زخارف مأخوذة من عناصر نباتية وهندسية حيث هناك تداخل بينها وكذلك الكتابة المنقوشة ضمنها ...و بخصوص تجربتي الفنية والبحثية التي هي امتداد لأطروحتي التي ذكرتها فقد اكتشفت ما هو موجود بالمدينة العربية وبالمعمار الصحراوي مثل المساكن الموجودة بالقصور الصحراوية مثل مطماطة وأيضا من خلال النسيج والمرقوم مثل مرقوم قفصة ووذرف والقيروان  بقرى الساحل التونسي ونفس الشيء بالنسبة للزرابي .

في معرضي الحالي برواق مكتبة اريانة المعروفة ب " الميدياتيك " هناك نسبة 60 بالمائة من اللوحات التي أنجزتها خلال فترة الحجر الصحي من مارس الى أوت من هذا العام الجاري وبالفعل عشت فترة تأمل في كل شيء في سياق حالات وأوضاع بلادي والعالم وقد وقفت لأقيم ما أنجزت وما أحلم بانجازه في هذه المسيرة من تطور المضامين التشكيلية وتنوعها الفني وفق الحفاظ على الترات وتثمينه ودور الفنون التشكيلية في هذا المجال المتصل بالهوية والتراث.

و في هذا السياق الكوني المتردي اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا رأيت في الفن ملاذا للتفكير والتأمل والتواصل والاستمرار حيث الفن حالات تجاوز وابداع وابنكار وللفنان والنثقف أدوار مهمة بالنتيجة وفي جميع المجالات ...و هكذا سيكون عملي الفني لاحقا في هذه المواصلة مع التراث رغم هذا المد الكبير لتيارات الفن المعاصر .و بعد مسيرتي هذه (40 سنة ) سأمر ربما الى طور آخر ومرحلة جديدة لأستعمل تقنيات جديدة لكن دون الابتعاد عن الجوهر الذي هو بالنسبة لي التراث والهوية ...".

في " ميدياتاك أريانة بستان من تلوينات الفنان عبد الحميد الصكلي التي تبرز مظاهر التراث والهوية في لوحات كانت بمثابة العناوين الدالة على حيز من مسيرة فنان يقول بالقيمة تجاه الأصيل والجوهري وفق رؤيته للفن وللعناصر والأشياء...و العالم.

 

شمس الدين العوني