محمدـحسينـ الداغستانيالتأويل الجمالي للحرف العربي في اللوحة التشكيلية

تصف مؤرخة الفن (ساندرا داغر) الحركة الحروفية في عالم الفن التشكيلي بأنها أبرز ظواهر الفن العربي في القرن العشرين، ورغم أنها ترتكز على الخط العربي والزخرفة الاسلامية والآيات القرانية، إلا أنها إمتزجت مع مكونات الفن التشكيلي لإنتاج مخرجات حروفية فنية، وتقنيات حديثة ذات مضامين إبداعية مدهشة، شكلت ما يمكن وسمها بأنها تيار عاصف في ميدان الفن التشكيلي العربي والعالمي، فنجحت في إستقطاب إهتمام العديد من النقاد والفنانين ومنهم الرسام الاسباني بيكاسو الذي أقرّ أنه أراد الوصول الى أقصى نقطة فوجد بأن الخط الاسلامي قد سبقه إليها .

والحروفية في نطاق الفن الحديث كما يراها المؤلف اللبناني ( شربل داغر) في كتابه الفريد (الحروفية العربية : فن وهوية) هي إبتكار شكل إبداعي فني ( يستعمل الفنان العلامة اللغوية والهندسية والشكلية مادة للتشكيل في اللوحة والمحفورة والتمثال وغيرها من الحوامل المادية )، وهي في جُلها استلهام للحرف العربي بكل أنواعه وتوظيفه في انتاج لوحات آخاذة يتقاسم الحرف العربي فيها الوظيفة الجمالية مع سطوة اللون وتداعياته السيكولوجية . وهي بهذا المفهوم توظف سمات الخط العربي ومن أبرزها تجريدية الحروف العربية وإستقلاليتها والمرونة التي تعطي الفنان الخطاط فسحة واسعة لتطويعها وإستنباط قدرته التأثيرية في المتلقي على صعيدي البصر والبصيرة معاً .

ظهرت الحروفية العربية في العراق في العام 1969 ثم بادرت جماعة أطلقت على نفسها إسم (البعد الواحد) الى تنظيم معرض فني لها في العام 1971 فسّرت من خلال مشروعها الفني تأثير الحرف في الفن التشكيلي وكان من روادها جميل حمودي، ضياء العزاوي، شاكر حسن آل سعيد، رافع الناصري، عبدالرحمن الكيلاني، محمد غني . ثم توالت التجارب اللاحقة التي إستهدفت إبراز الطاقة الحسية داخل الحرف العربي وإضفاء ملامح الحداثة عليها الى جانب التأويلات الغنية للإلتفات الى التراث الروحي والاسلامي وإنعكاساته الإيجابية على الفن التشكيلي العراقي عموماً .

112 رجب كركوكلي 1

أما الحروفية العربية في كركوك فهي لا تملك تاريخاً مبيناً في ساحة الفن التشكيلي، وذلك لأن أغلب الخطاطين منهم بدافع شخصي أو بإيحاء من بعض أساتذتهم يعتقدون بأن التوسع في هذا المنحى قد يشوه الأسس الكلاسيكية الرصينة للخط العربي، ويمكن تفسير تحفظ هؤلاء نتيجة الامكانات التقنية الكبيرة التي وفرتها التقنيات الألكترونية الحديثة والتي تهيأ للفنان فرص صنع لوحات تحوي حروفاً عربية حديثة لا تندرج ضمن الأنواع المعروفة والمعتمدة للخط العربي، فضلاً عن إفتقار الإستعانة بهذه التقنيات للقدرة الإبداعية للخطاط في إبراز مواهبه الفردية في رسم الحروف، ولهذا فإنهم يخشون من الإختفاء التدريجي لدور الخطاط وبصمته وفقدان الخط لقواعده وأسسه المعروفة نتيجة إحلال الأجهزة الطباعية بديلة للجهد الابداعي الإنساني، لكن أنصار الحروفية يجهدون من أجل تبديد هذه المخاوف بالتأكيد بأن الإستعانة بالمؤثرات الفنية الحديثة يجب أن لا تقطع أو تضعف صلة الفنان أو الخطاط بممارسة الخط العربي وفق قواعده الرصينة .

لذا فإن كركوك وهي مدينة زاخرة بأسماء لامعة في عالم الخط العربي أمثال المرحوم محمد عزت الخطاط وعبدالملك عباس الخطاط ونجاة حميد سليمان وعوني الخطاط وشاهين كركوكلي ومظفر الخطاط والعشرات غيرهم قد تخلفت عن الركب في مضمار الحروفية، وإقتصرت نتاجات الخطاطين على اللوحات التقليدية التي في معظمها كانت تحوي آيات قرانية وأحاديث للرسول الكريم أو حكم وأمثال وأقوال أثيرة، إلاّ أن معالم الحروفية إتضحت في الآونة الأخيرة بشكل محدود، وقد يكون الخطاط والفنان التشكيلي رجب كركوكلي أبرز من طرح تجاربه في هذا الميدان من خلال العديد من المعارض المحلية والعربية التي نظمها أوشارك فيها ونال عليها العشرات من الجوائز والميداليات وشهادات التقدير والإطراء .

112 رجب كركوكلي 2لا شك أن الفنان الخطاط رجب كركوكلي أدرك ببصيرته الثاقبة خصوصية تجربته الإبداعية في تطويع الحرف العربي في لوحات تشكيلية آسرة والإمكانات المتاحة من ذلك للتحرر من أسار المحلية، والعمل على محاكاة التجارب المتقدمة في ميدان الحروفية الحديث، والإنتشار عربياً وعالمياً منطلقاً في ذلك من فهم العمق الحضاري والنفسي للحرف العربي، وقدرته الفذّة في التأثير وتحقيق التناغم المذهل بين عناصر اللوحة والارضية الفكرية التي تستند عليها تجاربه لبلورة منظومة بنائية فنية راقية مفعمة بالأحاسيس والموهبة الفريدة وخلق بيئة متجانسة ذات جمالية مميزة .

ووفق هذه الرؤى فالألق الإبداعي في لوحات رجب كركوكلي يكمن في المقاصد الفنية التي يثيرها خلال تعامله مع الحرف كمد أجزاء الحروف الأفقية كالسين والصاد والياء والكاف لمنح اللوحة والمتلقي في آن واحد الاحساس بالإستقرار والإتزان، وتوظيف عامل المرونة والمطاطية المستمدة من حروف الراء والهاء والواو والنون بأحجام وأطوال مدروسة ودقيقة والإتكاء على التربيع أو زوايا رسم الحروف بشكل هندسي فريد وخاصة عند إعتماده خطوط الثلث والديواني والفارسي وغيرها، ويعمل بدأب واضح على تأصيل البعد الجمالي في لوحاته لخلق تلاحم الشكل مع الموضوع والإتجاه بنفس القوة نحو الحرص على إسباغ الثراء والتنوع على الحروف التي يوظفها في اللوحة بمقاييس السمك والحجم والليونة والتحدب أو التقعر وملئ الفراغات بين الحروف بعد الإنتهاء من مشروعه الفني بأشكال تكاملية معروفة كالضمة والفتحة والميزان والظفر والنقطة . كما ويحرص على عدم الإتكاء على وضعية ثابتة في توزيع الكتلة الحروفية على لوحاته فتارة تحتل الحروف بأشكال هندسية موحية أسفل اللوحة أو يمينها أو يسارها لكنه وللقيمة التعبيرية والبصرية لمركز الأشياء فإنه يكثر من وضع مشروعه في قلب اللوحة للإستفراد بإهتمام المتلقي والشروع بحوار فلسفي عبر مضامينه المنتقاة ليؤسس لقيمة أخلاقية وإنسانية رفيعة، لكنه ولكي يتكامل مشروعه الفني عليه أن يتوافق تماماً مع تأكيدات خبراء الحروفية في إيلاء المزيد من العناية بمسألة التوازن في توزيع المساحات من خلال مراعاة أسس النسب المقبولة بصرياً لتؤدي اللوحة الفنية وظيفتها النفسية والجمالية المؤثرة .

أما على صعيد اللون فإنه يبدو من إستقراء لوحات رجب الحروفية إستخدامه الباذخ للون الأخضر بتدرجاته المعروفة لما له من تأثير مباشر على الإنسان كونه يوحي بالشعور بالتجديد والحرية والسيطرة على الذات والإنسجام مع المحيط الإجتماعي والرقي، وكذلك اللون البني الذي يرمز للون التراب والأرض والأشجار وغيرها من أجزاء الطبيعة الخصبة وهو من الألوان المحايدة التي ترمز للقيم الراسخة وللقوة والذكاء والأمان، وكذلك اللون الأصفر الذي يدل على الثراء والسطوع والطاقة، وأحياناً ميله لإستخدام اللون الأبيض الذي يرمز في العديد من الثقافات إلى النقاء والبراءة والكمال والإتقان والسلام . وبها فإنه يحول اللوحة الى نقطة إستقطاب مثيرة يتفرغ لها الرائي بدافع عفوي ولا شعوري ويتفاعل مع مدلولاتها العميقة .

112 رجب كركوكلي 3

لقد أحرز رجب كركوكلي نجاحات مهمة عبر مشاركاته الحروفية في المعارض والمهرجانات المحلية والعربية مما دفع العديد من الفنانين والنقاد الى تناول تجاربه بالتحليل والنقد والإطراء ومنهم الدكتور محمود فتحي من مصر الذي أشار الى أن رجب يمتلك أدواته ويستطيع بمهارة أن يقيم وحدات إيقاعية موسيقية متجانسة، وله تكتيكات خاصة مما يجعله يخلق كتلة متعادلة البناء وأن حروفه الثلثية مكتوبة ببنط عريض كما هو موجود في المدرسة الكلاسيكية البغدادية، وكذلك الدكتور قاسم الحسيني من العراق الذي أكد في دراسة تحليلية له على أن المنظومة البنائية وفق رؤية الفنان النسقية ذات المنطق العقلي الرصين الممتزج مع روحانية الحرف ولد فضاءات مشتركة لمشاهد فكرية تحمل قيم الروح الاسلامية وأنطقها الفنان بلغة تشكيلية مجردة وفق أنساق جمالية، كما شارك اكثر من عشرة نقاد أكاديمين في كل من مصر وليبيا والعراق الى تأليف كتاب عن أعمال رجب كركوكلي الفنية وقد صدر من تجمع مبدعون للفنون والآداب بالتعاون مع المركز التشكيلي العالمي في مصر .

لا شك في أن الفنان والخطاط رجب كركوكلي أفلح في تحقيق الحضورالمميز لتجاربه في ميدان الحروفية كفن حضاري رفيع يعزز روح الإنتماء والهوية الوطنية لكنه بذلك بات يتصدى لأدق وأصعب مراحل تألقه في كيفية ديمومة منجزاته ونجاحاته ليس في الساحة المحلية لمسقط رأسه كركوك وإنما على إمتداد الساحتين العراقية والدولية أيضاً من خلال رفدها بالمزيد من النتاجات النوعية المميزة لكي يرتقي ويحافظ على مكانته التي يستحقها في عالم الحروفية المبهر .

 

محمد حسين الداغستاني - كركوك

 

111 سعد علي 1من خلال متابعتي لأعماله الفنية التشكيلية وخاصة (أبواب الفرج)، أجد الفنان التشكيلي العراقي سعد علي تراوده هواجس الإبحار في عالم الإيحاءات الإسلامية، عِبرَّ أحد أقدم مؤشرات الروح الإنسانية وإبداعاتها، ومن خلال اللوحة التشكيلية التي يتبلور الفنان الإبحار الرواحي فيها، والتلاقح بين الثقافات والأديان والرؤى المختلفة لروح الشرق الحضاري، من قِيم جمالية عربية إسلامية متمثلة في انجازاته التشكيلية المتباينة، ومن خلال منجزه الزاخر بالزخرفة والخط والعمارة، والتي حولها إلى لوحة بمشروعه الفني الأكاديمي.

ولد الفنان التشكيلي سعد عبد علي الزبيدي في مدينة الديوانية/ العراق في الأول من تموز عام 1953، أكمل دراسته الأولية والثانوية في الديوانية، مارس الرسم منذُ نعومة أظفاره، درس الرسم في مشغل الفنان هاشم الوردي في مدينة الكاظمية، وتعرف على أساتذة الفن التشكيلي في صالون الفنان في الكاظمية، تأثر كثيراً بالمدرسة الواقعية البغدادية. شارك في العديد من المعارض داخل العراق وخارجه وقد تجاوزت الأربعين معرضاً، هاجر منتصف سبعينيات القرن الماضي وأكمل دراسته في بيروجا/ فلورنسا عام 1977-1981م على يد الفنان الايطالي (فروا) استاذ في أكاديمية الفنون الجميلة في فينيسيا، ثم استقر في هولندا وأخيراً في اسبانيا. أسس مع عدد من زملائه عام 1986م (بلاوة فيزل) للفنانين الهولنديين، عام 1989م أسس (الصالون الثقافي) في مشغله الخاص باوترخت، ينتمي إلى أسلوب (كوبرا) الفني. 111 سعد علي 2

اختار لأعماله التشكيلة باب الفرج لإيمانه أن طرد الإنسان من الجنة قد حولته إلى طريد على مر العصور، واستمر ذلك الطريد وهو غير قادر على تخطي تلك الأبواب، لكن هذا الإنسان يبقى يحلم بالعود وستفتح له باب الفرج. من خلال جذور الفنان علي وثقافته الشرقية انطبعت لوحاته بطابع الرصانة وتصوير المتخيل المستوحاة من الثقافة العربية الشرقية، الذي جَسَدَ من خلالها سعادة الإنسان وبراءته وطمأنينته. فالجنة تستوحاه كل الثقافات والأديان من خلال المتخيل الديني. فعيون ذلك الكائن الإنسان في لوحاته من ذكر وأنثى تُعبر بشكل دقيق عن نقاء الإنسان وبراءته، واكتسابها البعد الكوني من روحية وأحاسيس، وتخوف، لذلك نجد الفنان سعد علي يكرر اشكال شخوصه داخل محيط اللوحة، ويقوم بتلوينها أو تركيبها على الأبواب. فهي أعمال غير مألوفة عما تابعناه من معارض لفنانين آخرين، فمواضيعه في باب الفرج ترمز إلى الجنة.

111 سعد علي 3

ويمكن القول بالتحديد بسبب جذوره الشرقية العربية، واطلاعه على الفن العربي الإسلامي والفن المعماري ذات الجمال الأخّاذ، فقد اتجهت لوحاته إلى جنة عدن، فالمشهد للوحات علي تبدو جزءاً من المتخيل للفردوس وحكايات الفردوس في الثقافة الشرقية العربية. فخطوط لوحاته أجدها انسيابية ذات تركيب واضح ومحكم وطراوة وانسجام كبيرين.

111 سعد علي 4

تذكر وسائل الإعلام أن لوحات سعد علي قد دخلت متاحف الفن الحديث في كل من امستردام واوترخيت ولاهاي، من ضمن قِلّة ضئيلة من رسامي العالم الثالث ممن تمكنوا من اثبات جدارة ودخول الحرم الهولندي، لتعتبر من أهم مقتنيات هذه المتاحف. تميزت اعمال علي كخلفية جاهزة للرسم متبنياً الأشكال التي تطبعها باستخدام الأبواب والشبابيك، بانتقاء الخشب الجاهز لعمله. أما الدلالة البصرية لموضوعات أعماله فهي تمثل إعادة تأهيل الروح فيها من خلال التكرار والتوحد الإنساني، وإخاء إنساني حميم، فاللون والخط والتكوين جميعها تخضع لأسلوب هذه العناصر من خلال خضوعها للعلاقات الداخلية.

من خلال متابعتي لبعض لوحاته الفنية على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي، اجدها قد ارتكز الفنان علي فيها من خلال تقنية اللون المحكمة والتكوين الغريب وتناغم الهارمونية البصرية، مما تمنح للمتلقي والمشاهد عنصر الجذب الروحي لجوهر الإنسان، ومن خلال الصبغة الدينية التي منحها علي لأعماله. لكن ما جذبني هو الكم الهائل من انتاجه الفني، وتوظيف أشكالها الموغلة في القدم لاستخدامه الأبواب الخشبية القديمة، وهي تمثل الموروث الحضاري الذي يرتكز عليه الفنان علي، من خلال تعامله الجمالي واختزال اسلوبه في الفكرة والتكثيف الحسّي العفوي.

111 سعد علي 5

نجد في بعض لوحاته طغيان اللون القهوائي أو اللون الأحمر المشرب بالورد أو اللون الأزرق، ونجد في بعض لواحاته حالات النزاع مع الموت من خلال التطلع للعينان، فضلاً عن استخدام الأزرق الغامق، كما عودنا في لوحاته على رسم العيون السومرية البيضوية المفتوحة، وحركة الرؤوس الكاملة، وهي جزء من خلفيته التاريخية لرسم الرموز والأيقونات.

فأبواب الفرج التي خلقها الفنان من خلال لوحاته تقودنا إلى تلك الجنان ذات التركيب الهارموني، بعيداً عن الطوفان ورحلة الإنسان في فلك نوح. لوحات سعد علي فيها بعد فلسفي شرقي، تتخللها الشدة والغَم من جهة، والانفراج والأمل من جهة ثانية، فاللوحة الواحدة من أعماله فيها أكثر من نقطة كمركز استقطاب للنظر، ثم تتشعب بمنحنيات خطية وتتمازج لتكوين كائنين أو أكثر، فالموروثات الشعبية للبيئة بمستوياتها اللونية تتضح بغرضها الوجداني، لذلك خلق لنفسه بصمة خاصة واسلوباً خاصاً، به تتبلور شخصيته التشكيلية.

من خلال رؤية لوحات باب الفرج تدخلنا في الجسد الإنساني وعلاقته الجسدية ومظهر الحب الملتحم في لحظة زمنية معينة. ما رأيته من اعماله سرني كثيراً لتطويعه للخطوط والألوان تطويعاً موفقاً، فهو يرسم بأحجام كبيرة من أجل حمل واحتضان العالم، والبحث عن الحب في عوالمه المختلفة. لذلك أجدني اقول للفنان الكبير سعد علي إياك والابتعاد عن عالمك وبصمتك التي نتعرف عليها من خلال لوحاتك.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

مصدق الحبيبولدت التكعيبية كفكرة أولية خلال زيارة قام بها الفنان الفرنسي جورج براك (1882-1963) الى ستوديو الفنان الاسباني پابلو پيكاسو (1881-1973) عام 1907، والتي انغمس فيها الاثنان بحديث عن الفن والفنانين واستذكرا الفنان الفرنسي پول سيزان (1839-1906) الذي توفى في السنة الماضية لتلك الزيارة. كان كلاهما معجبا بسيزان واعماله الاخيرة التي اظهرت اختلافا تقنيا اثار فضولهما. بعد تلك الزيارة انهمك الاثنان بمحاولات تقنية تجريبية على انفراد وبالتشاور واطلاع بعضهما على الآخر. اضافة الى اعجاب الفنانين بسيزان وطريقته المبتكرة في الرسم، كان براك آنذاك قد جرب محاولات اخرى وانتج لوحات اقتربت من اسلوب المدرسة الوحشية Fauvism التي كان انتشارها قد بدأ في الاتساع في أورپا، جنبا الى جنب مع شيوع افكار مابعد الانطباعية كانطلاقة فكرية وتقنية أريد لها أن تكون خلفا للانطباعية التي سادت قبل ذلك التاريخ. أما پيكاسو فقد كان مفتونا بالطريقة الافريقية الفطرية لنحت الوجوه البشرية والحيوانية وصناعة الاقنعة من قبل القبائل التي لا تعرف الفن بل تمارس ذلك كحرفة محلية تستلزمها التقاليد الاجتماعية والطقوس الروحية. كان اهتمام پيكاسو بذلك قد بدأ إثر زيارته للمتحف الانثروبولوجي في باريس عام 1906. يضاف الى ذلك اعجاب الفنانين بلوحات پول گوگان (1848-1903) التي عكست جوانبا من ثقافة وتقاليد شعوب جزر تاهيتي والماركيز حیث انجزها خلال اقامته هناك عدة سنوات.

2360 4 cub2b Braque

كانت هذه التأثيرات مجتمعة قد بلورت فكرة الملل لدى پيكاسو وبراك من الطرق التقليدية في الرسم الشائعة في الثقافة الغربية آنذاك وانضجت الميل لتجريب الاختلاف والاطلاع على فنون الشعوب الاخرى والاستفادة منها اضافة الى الواعز القوي للتخلص من الالتزام بالقواعد التقليدية الصارمة لانشاء اللوحة وتنفيذها وسط بيئة تكامل فيها الرسم واصبح ينافس الفوتوغراف. ولعل العصر قد تغير تغييرا متسارعا في تلك الفترة. فقد انفجر التطور التكنولوجي بحيث ان الاربعة عقود مابين 1870 و 1910 جلبت للمجتمع البشري عدة اختراعات كبيرة حاسمة أثرت نوعيا على طبيعة الحياة، سواء كانت التكنولوجية منها كالسيارات والطائرات والتلفون، أوالفنية كالفوتوغراف والتسجيل الصوتي والصوري والسينما، والتي بمجملها ثوّرت المواصلات والاتصالات ونمط التفكير. ولم يختلف الحال في الاوساط الفنية عنه في بقية قطاعات المجتمع، خاصة وان هذه الاوساط غالبا ماتكون الاسرع في الاستجابة للتغييرات الفكرية. ولذا فقد وجد بعض الفنانين انفسهم امام واقع جديد لابد من التفاعل معه والاندماج به، قصدا أم تلقائيا. فاللوحة التشكيلية لابد ان تواكب تلك النقلة النوعية في نمط الحياة ولابد ان ينعكس مثل هذا التغيير على الشكل والموضوع على حد سواء. ومن هنا كان التساؤل مشروعا: هل بإمكان التشكيل ان يعكس روح العصر بواسطة الاستمرار على اتباع اساليب وقوانين الرسم التي بلورها وشذبها عصر النهضة والتي كان بعضها سائدا منذ رسوم الكهوف؟ مثل هذا التفكير كان منطقيا عند الفنانين الطليعيين الشباب الذين ينشدون التغيير، خاصة وان فن الفوتوغراف المبتكر حديثا اصبح بإمكانه تصوير كل شئ ونقل الواقع بحذافيره دون عناء! فلماذا يجهد الفنان عقله وجسده من أجل منافسة الكامرة؟

2360 2cub2b Braque

تلك هي الخلفية التي نمت فيها التكعيبية فاصبحت الحركة الفنية الجديدة المثيرة وتطورت لتصبح ثورة حقيقية في عالم الفن ومن اكثر المدارس التشكيلية فتنة واثارة طوال القرن العشرين ومابعده. كانت فلسفتها تنطوي على ابتكار طريقة اخرى مختلفة للنظر الى الاشياء وبالتالي صياغة نمط آخر لتصور العالم الخارجي وفهم مكوناته ومكنوناته.  فقام هذان الفنانان الشابان وهم في اواسط العشرينات من اعمارهما بترجمة هذه الطريقة تشكيليا بصورة الخروج من الفضاء الفني ذي البعدين والمنظور من نقطة واحدة الى تحقيق الفضاء ذي الثلاثة ابعاد المنظور من اكثر من نقطة واحدة. ولابد ان يتحقق ذلك من خلال تفكيك موضوع اللوحة التشكيلية واعادة بنائه وفق نظرة مختلفة. تلخصت هذه النظرة بتقطيع الفضاء الفني وتوزيعه على عدة مستويات هندسية تتداخل فيما بينها. اضافة الى تجريد الاشكال قدر الامكان واختزال باليت الالوان من اجل تقليل التشويش الذي يحدثه التلاعب بزوايا النظر وتعدد المستويات.  وقد فُسر الاقتصار على لونين أو ثلاثة كابية بضرورة عدم اشغال المشاهد بالالوان الزاهية البراقة وتوجيه تركيزه قدر الامكان الى متابعة حبكة البناء الهندسي لفضاء اللوحة وتأمل تعددية الابعاد والمناظير.

2360 3cub2b Braque

لقد اعتقد التكعيبيون الأوائل ان سبب استهداف المنظور الهندسي الواحد هو المحدودية الكبيرة التي تفرضها طبيعة النظرة الاحادية اذ ان النظر من زاوية واحدة يعيق التصور وينفي أو يحبط رؤية الجوانب الاخرى! فما المانع اذاً ان يتيح الفنان للمتلقي فرصة رؤية الجوانب الأخرى لقاء التلاعب بالمنطق الفيزياوي؟ طالما لازلنا نشتغل على سطح الكانفس فقط!  من هنا جاء الافتتان بمحاولات سيزان العفوية في التسطيح واهمال المنظور نوعا ما. وكذلك جاء اعجاب پيكاسو بمحاولات ماتيس في الاشتغال بالالوان الاساسية دون مزجها والاهتمام بالنمطية التسطيحية عن طريق قص ولصق الورق الملون. علما ان سيزان وماتيس فعلا ذلك دون فلسفة ولا تنظير.

2360 1 cub2b Braqueكان طبيعيا ان لاتلقى افكار واعمال التكعيبيين قبولا جاهزا من قبل الجمهور بل ان الاعمال المبكرة منها اثارت سخط واشمئزاز الجمهور لما اظهرت من تشويهات لم يكن الجمهور متوقعا لها أومستعدا لقبولها بما في ذلك الوسط الفني نفسه. فلوحة پيكاسو المعنونة "نساء أفينون"  Les Demoiselles d’ Avignon  التي رسمها عام 1907 وهو بعمر 26 عاما اعتبرت الايقونة الاولى للتكعيبية أو كما وصفها النقاد بـالـ  Proto  أو البواكير الاولى لهذا الاسلوب لم يجرؤ پيكاسو على عرضها للجمهور في وقتها! بل قام بعرضها . بعد تسع سنوات من انجازها، أي عام 1916.  فاضافة الى طريقة رسمها غير المألوفة ابدا، فقد اعتبرت عملا لا اخلاقيا بسبب موضوعها الذي لم يكن مألوفا ايضا ضمن موضوعات الفن التشكيلي آنذاك اذا عرفنا انها صورت خمس مومسات يطلن من بين ستائر احد مواخير شارع أفينون في برشلونة التي كان پيكاسو يرتادها قبل قدومه الى باريس. أما فنيا، فقد أبدى اقرب اصدقائه نفورا من مستواها التقني. من بين اولئك الاصدقاء المقربين كان سيرجي ايفانوفج  الذي صرخ "يا خسارة الفن الفرنسي"!. أما صديق بيكاسو الاخرالمقرب ماتيس فقال: " هذا پيكاسو وقد أسفّ وسخّف معنى الحداثة وبدا كأنه يصارع البعد الرابع في اللوحة، لكنني سأجعله نادما على هذه الخدعة السافرة"! وجاء دور حتى براك ليقول : " يبدو ان صديقنا قد شرب البنزين ونفث النار على الكانفس". وطوال القرن العشرين كانت هذه اللوحة مثارا للجدل بين من نعتها بلمسة العبقرية وبين من قال عنها انها عمل تافه. ففي الذكرى المئوية لها عام 2007 كتب أحد صحفي الگارديان يقول: "انه لأعتداء سافر ان توصف هذه اللوحة بانها تحفة فنية" !!

أما براك فإن ايقونته الاولى التي اعتبرت بروتو التكعيبية كانت لوحة لاندسكيب عام 1908 والتي تأملها الناقد الفرنسي لوي فوكسلز  Lois Vauxhelles فاطلق بموجبها مصطلح التكعيبية لأول مرة وهو الذي اصبح فيما بعد الاسم الرسمي لهذا الاسلوب. تبع براك ذلك بلوحة ماندورا عام 1909 التي لم تلق استهجانا كبيرا بل انها رسخت الشكل العام للعمل التكعيبي الذي اتبعه پيكاسو فيما بعد وعدد كبير آخر من الفنانين المتفوقين آنذاك الذين استهواهم هذا الاسلوب عموما فبدأوا يمارسونه، كلٌ بطريقته الخاصة فتوالت اعمالهم على هذا المنوال بين 1909 و1912 ليشكلوا الملامح الاساسية للمرحلة الاولى لهذه المدرسة التي سميت فيما بعد المرحلة التحليلية. من اولئك الفنانين هوان گرس وفرناند ليجيه وروبرت وسونيا ديليني وروجر لافرزنيه وألبرت گليزس وجين متزنگر ومارسيل دوشامپ وفرانسس پيكابيا وهنري فوكونيير ودييگو ريفيرا.

2360 5cub2b Braque

انقسمت التكعيبية الى مرحلتين اسلوبيتين:

- التكعيبية التحليلية - Analytical Cubism  

التي مثلت البداية من 1907 الى 1912 وتميزت باسلوب التقطيع المتعدد، والتجريد المفرط للاشكال، وكثرة المستويات الهندسية المتداخلة، والفضاء المشوش رغم وحدة الموضوع العامة. كما اقتصرت على الالوان الخافتة المعتمة التي تركزت على التونات المتعددة للأوكر والرمادي مستخدمة في ذلك التناقض بين الظل والنور لكل مستوى هندسي.

- التكعيبية التركيبية - Synthetic Cubism     

هي المرحلة الثانية التي امتد زخمها الاولي بين 1912 و 1914 رغم انها استمرت الى يومنا هذا متخذة اشكالا وهويات متعددة ومختلفة. فبينما كانت التحليلية تعكس مايرسمه الفنان على سطح اللوحة مستخدما الوانه المحدودة، تميزت المرحلة التركيبية باضافة مواد اخرى تتداخل مع مايرسمه الفنان في فضاء اللوحة، فكان الكولاج العنصر الجديد الذي استضافته المرحلة التركيبية. عمد هذا الاسلوب الى ازالة التشويش من فضاء اللوحة التحليلية وتبسيط انشائها بل انها ذهبت الى التبسيط المفرط وتقليل ما يرسمه الفنان الى الحد الادنى معوضا بذلك عن طريق ادخال العناصر الاخرى. كما ان الالوان المتعددة عادت الى الظهور ووجد النمط او المنوال الشكلي التراتبي  Pattern مكانا له في اللوحة كما تم استقدام عنصر جديد لم يكن مستخدما آنذاك، لا في الاسلوب التحليلي ولا في الرسم عموما، وهو عنصر الملمس المحسوس  Texture الذي تحقق باضافة مواد مختلفة الى سطح اللوحة، منها ماهو حاضر وموجود ولا يحتاج الا الى لصقه على الكانفس ومنها ما يعامله الفنان من مواد اولية تضاف الى سطح الكانفس او تخلط مع الالوان.  ومن هذا الخليط المتمازج في اللوحة التركيبية جاءت الفرصة المواتية لفتح آفاق جديدة وواسعة في الفن الحديث اجازت للفنانين في كل مكان استخدام اي مادة واي شكل واي ترتيب لتكوين لوحة فنية. ولا شك في ان كل مارأيناه الى الآن من غرائب ابتكارية فنية قد امتدت جذوره الى التكعيبية التركيبية في تلك الانطلاقة الجديدة على الفنانين وعلى المجتمع. تُعتبر لوحة پيكاسو "قنينة وقيثار وصحيفة التي انجزها عام 1913 ايقونة التكعيبية التركيبية الاولى.

2360 6 cub2b Braque

يعتقد بعض نقاد ومؤرخي الفن ان التكعيبية التركيبية جاءت نتيجة لاستنفاذ الطاقة الابداعية للمرحلة التحليلية حيث بدت بعد خمس سنوات وكأنها وصلت الى طريق مسدود جراء وقوع اكثر فنانيها في التكرار الملحوظ  في الشكل واللون بحيث لم يكن سهلا التمييز بين من يرسمه هذا او ذاك من الفنانين، خاصة بين پيكاسو وبراك. والسبب يعزى الى ان التقطيع الهندسي والتونات اللونية الخافتة اظهرت محدوديتها عمليا اكثر مما اريد لها نظريا. ولهذا فقد لجأ پيكاسو أولا الى الكولاج فأخذ يلصق قطعا من صور فوتوغرافية ومطبوعات صحفية وقماش وخشب ومواد اخرى على سطح الكانفس محاولة منه للتنويع وكسر طوق النمط التكراري من اجل تبرير ما وعدت به هذه المدرسة من جديد وابداعي. ومن المنطقي ان نستنتج بان مثل تلك الحرية المطلقة لتشكيل اللوحة الفنية والتصرف الكامل بمحتواها قد فتح الباب على مصراعيه لجموح امكانيات الفن الحديث وما بعد الحداثة التي شهدناها حاليا وستشهدها الاجيال القادمة.  ولابد لنا ان نتذكر بأن فكرة التكعيبية الاولى بدأت أيضا بتصور ان اساليب الفن التي تطورت في أوربا قد استنفذت وقتها واصبحت خارج الزمن وان الآوان قد حان للالتفات الى فنون الثقافات الاخرى حول العالم والاطلاع عليها والاستفادة من تجاربها. وكما يبدو للوهلة الاولى ان ذلك التفكير كان عقلانيا نبيلا ولكن علينا ان لا نتوهم بأن ذلك التصور البرجوازي لم يكن بحكم وضرورة وضع الشعوب الاخرى وفنونها على قدم المساواة والاعتراف بابداعاتها عبر العصور. كما انه لم يكن نابعا من الايمان بالمعنى الاجتماعي والديني والروحي لمعتقدات شعوب ماوراء البحار انما كان بفعل الرغبة فقط في الاستعارة الفنية لبعض المزايا التشكيلية التي تميز بها الفن الافريقي وفنون شعوب جزر المحيط الهادي، والتي لم تستمر استعارتها طويلا ما بعد لوحة نساء أفينون. كان  پيكاسو قد اعتقد بأن الاقنعة الافريقية عكست تحويرات شكلية غير اعتيادية نمّت عن تصرف حر وشجاع في تغيير الفورم واللون من قبل صانعيها رغم انها بقيت تشخيصية بالمعنى التقليدي. ومن وحي تلك التصرفات العفوية الحرة في الفن الفطري الافريقي، ادرك پيكاسو أن الوجه  مثلا ليس أكثر من عيون وانف وفم!  فبإمكان الفنان اعادة ترتيبها بأي شكل يشاء دون الاخلال بحقيقة ان مايظهر له من اعادة الترتيب سوف لن يشير الى شئ آخر غير الوجه، ذلك ان الجوهر يكمن في العناصر وليس في ترتيبها!

2360 7cub2b Braque

خصائص التكعيبية:

بإمكاننا تلخيص الخصائص التشكيلية التي تُميز الاسلوب التكعيبي بما يلي:

- رفض زاوية النظر الواحدة وما يتبع ذلك من الالتزام بالمنظور الهندسي وتوزيع انماط الظل والنور.

- رفض الالتزام بالتشريح البايولوجي والمنطق الفيزياوي

- رفض تقليد الطبيعة ونبذ الانصياع الى محاكاة ألوانها وتغيراتها بموجب النور والظلام

- رفض استخدام الموديل ونمذجة الاشكال والشخوص

- تبسيط الانشاء وعدم الانصياع لمبادئه التشكيلية في التوازن والتوزيع والفضاء

- رفض الموضوعات المعقدة والمشاهد البانورامية، خاصة التأريخية والسردية والمجازية  Allegoric and narrative  وذلك لعدم تناسبها مع الاسلوب تشكيليا.

2360 8 cub2b Braque

- رفض الترميز التعبيري

- رفض الالتزام بمبدأ عمق الميدان والتفريق بين واجهة اللوحة وخلفيتها ومايترتب عليه من تغيير احجام الاشياء التي تراها العين.

- السماح لخط البصر ان يخترق  الى ما خلف الاشياء الصلدة وامتداده الى ما بعد حده الفيزياوي.

وختاما يمكن القول ان المسألة المركزية في التكعيبية اصبحت منصّبة على الفورم والتلاعب بابعاده وتمحوراتها. وحتى اللون لم يحظ بمثل اهمية و مركزية ما ناله الفورم وكيفية ظهوره للناظر من عدة محاور. وبهذه الفلسفة كانت التكعيبية رائدة في كسر طوق الفن التقليدي، ليس في الرسم فقط بل اتسعت الى النحت والعمارة فكانت جلية عند عدد غير قليل من النحاتين منهم الكساندر آرشبنكو وجاك لبكتز ومن المعماريين ايضا كالمعمار السويسري لا كوربوزيه. ومن رحم التكعيبية انطلقت مدارس الفن الحديث فتشكلت المستقبلية في ايطاليا  والفورتية في إنكلترا والتعبيرية في ألمانيا والبنائية والسوبرماتية في روسيا، وتوالت بعدها السريالية والدادائية والنيوبلاستية والبوهاوس والديستايل والتجريد، واخيرا الانستليشن والملتيميديا والفن المفاهيمي.

 

مصدق الحبيب

 

 

كاظم شمهوداشتهر عبد القادر الرسام في اسطنبول وبغداد ودخلت اعماله في المسابقات والمعارض الدولية، ويذكر ان احد لوحاته اقتناها متحف برلين بعدما فازت بالجائزة الثانية في المسابقة الدولية التي اجريت في المانيا، وهذا يعني ان عبد القادر سجل حضورا عالميا مبكرا تقدم به على كل الفنانين العراقيين الرواد وربما على العرب ايضا. كما يظهر ان عمله هذا نال اعجاب لجنة التحكيم التي تأخذ بنظر الاعتبار الاساليب الاوربية الحديثة كمقياس لتقيمها. ويبدو ان تاريخ المشاركة كان في زمن العلاقات الطيبة والودية التي كانت تربط الدولة العثمانية بالمانيا او في زمن بداية الدولة العراقية، ولكن لا نعرف بالتحديد تاريخ المشاركة والاقتناء واين اصبح مصير اللوحة.

رسم الطبيعة

يعتبر بعض النقاد ان رسوم عبد القادر الرسام تقليدية وليس جديدة على الساحة العراقية ولكن ماذا يقصد بالتقليدية هل هو تقليد للماضي او تقليد للطبيعة ؟ والمتتبع لحياة عبد القادر واعماله والمنصف في ذلك، يرى غير ذلك فالتقليد ينطبق على الفنون الموروثة كالفن الاسلامي والخط العربي والزخرفة (الارابكس) والفنون الشعبية والتي كانت سائدة في ذلك الوقت ولكن عبد القادر تجاوز هذه التقاليد الموروثة واعتنق الفن الاوربي خاصة المدرسة الواقعية الكوربية والانطباعية ونقل ذلك الى العراق واخذ يدرس الجيل الثاني من الرواد.

وكان عبد القادر لا يرسم الطبيعة حرفيا كما يراها وانما يعمل على تحقيق ما يريده ويشعر به ومثله كمثل سيزان ومونيه حيث انفعل مع الطبيعة ومزج الواقع المرئي الحسي مع الوجدان والمشاعر الداخلية، فهو بذلك يتبع المدارس الاوربية الحديثة، فكانت حرارته وابداعاته في نقل المنظر لا تختلف عن اولئك الانطباعيين الذين تمردوا على الواقع الفني الكلاسيكي وخرجوا للطبيعة واثروا الحياة الريفية وانتعلوا احذية الفلاحين الغليضة وعاشوا حياتهم المتواضعة ليقتربوا من قلب الطبيعة.

2313 عبد لقادر الرسام 1

كان الجيل الثاني من الشباب بعد الحرب العالمية الثانية منهمكين في اعمالهم التقليدية والحذوا خلف الجيل الاول واستاذهم عبد القادر ولكن الفرق بين الجيلين هو ان الثاني اصبح اكثر وعيا وثقافة وانه عاش احداث الحرب العالمية الثانية من سياسية وفكرية والصراع بين المعسكرين الاشتراكي والراسمالي، وكان هؤلاء يقضون اوقاتهم بالنقاش حول المفاهيم الفنية الجديدة في اوربا وحول الفنانين الاوربيين الذين حلوا لتوهم في العراق.

كان عبد القادر في عصره امام تحديات كثيرة منها اولا هو التخلي عن الموروث الفني القديم وعزوفه عن الفن الاسلامي واعتناقه المذاهب الفنية الاوربية الحديثة خاصة الواقعية الكوربية الاشتراكية وشجعه على ذلك وجوده في اسطنبول وجولته في بعض المدن الاوربية والعربية، ثانيا مواجهة الفقهاء الذين كانوا يحرمون التصوير ويسيطرون على العوام، وتأسيسه مشغلا في بغداد واعطاء الدروس فيه، وهو بذلك يشبه الواسطي- 1237 - في زمانه عندما تحدى الجميع ورسم الجموع الغفيرة من الناس والخيل حتى النساء اثناء الولادة.. ثالثا بما ان عصره عصر صراع بين القديم والحديث فلا بد منه ان يشتبك بفكره المقتنع به ضد التخلف والتحجر الذي كان يسود البلاد في ذلك الوقت ولا يحايد وعليه ان لا يصبح ذيلا.

2313 عبد لقادر الرسام 2

يقول المصور الانكليزي كونستابل ان فهم الطبيعة ليس سهلا فلا بد من دراستها كالسير في الحقول واشباع العين برؤية سحرها وجمالها. ومجد كونستابل الظل والضوء والوحدة النغمية بين الالوان والاشكال. اما ديلاكروا فقال ان الطبيعة قاموس الفنان. بمعنى انه ليس تقليدا لها وانما انتقاء الاجمل منها من مفردات حسية اي يختار ما يعبر عن عمق مشاعره.. فالتعبير الكامل عن الغنائية الطبيعية هو ذلك الذي يمثل الجمال فهو ياتي ويروح مع تموجات الضوء واهتزازاته، وانه نوع من الشعر.

و بعد خسارة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الثانية عاد الضباط العراقيين من اسطنبول الى وطنهم واخذوا يمارسون الرسم في مشاغلهم وبعضهم اخذ يدرس مادة الرسم في المدارس البغدادية ويبدو ان بداية العشرينات كانت بداية ظهور المدارس الحكومية وبدات مادة الرسم تعتبر من المواد التدريسية الرسمية التي شرعتها وزارة التربية.

2313 عبد لقادر الرسام 3

تعرضت اعمال عبد القادر الى التلف نتيجة الاهمال والرطوبة وعدم الصيانة وقد دأبت وزارة الثقافة الى ترميم بعض اعمال الفنانين الرواد وقد اخبرني الاستاذ محمد مكي، بان طالب مكي ساهم في ترميم اعمال عبد القادر الرسام. ومعروف ان عملية الترميم تحتاج الى خبرة وتخصص منها معرفة سبب تشقق الطبقة اللونية ومعرفة معالجة الرطوبة والمناخ وتغييراته، وظهرت في اعمال عبد القادر بقع لونية نتيجة تفاعل الغازات الموجودة في الجو مع الرطوبة فظهر احيانا مسحوق ابيض يشبه الكلس.. وتذكر مديرة المتحف هدى الصديق التابع لمديرية الفنون بانهم انقذوا عشرات الاعمال من بين الركام بعد الفوضى التي عمت البلاد بعد السقوط عام 2003 حيث استطاعت الوزارة من انقاذ الكثير من اعمال الرواد والتي يعود معظمها الى عام 1950 ومن بينهم اعمال عبد القادر الرسام، واقامت لهم الوزارة معرضا يضم على اكثر من 50 عملا فنيا. وكان عدد من لوحات عبد القادر الرسام تعود الى عام 1895 منها لوحة تمثل الخيالة.

 

د. كاظم شمهود

 

 

لاتحظى حضارات وادي الرافدين للأسف بنفس القدر من التقدير عالميا كالحضارة المصرية واليونانية، علما أن ماقدمته هذه الحضارات للبشرية من اختراعات كالكتابة والأعداد والرياضيات والدولاب والمنشار والرمح والتقويم والحرث والزراعة والري والنقود والبيرة وغيرها تضاهي كثيرا ماقدمته الحضارات القديمة الأخرى. ولكن عددا من علماء الآثار والحوسبة أولى اهتماما كبيرا بنشأة الرياضيات والحوسبة على يد السومريين والبابلين حيث ولدت الأرقام والحوسبة اليدوية على أيدي العراقيين القدماء الذين أنشأوا اولى الحضارات البشرية في حضارات وادي الرافدين. كان سكان الحضارة الأولى المعروفة في سومر (حوالي 5000 سنة قبل الميلاد) أول من احتفظ بسجلات المعاملات التجارية على الواح الطين المفخور. وفي الواقع قد يكون المحاسب السومري الذي عاش في الجزء الأسفل من بلاد وادي ما بين النهرين حوالي 3200 قبل الميلاد أول إنسان يقوم بتسجيل الأرقام كوسيلة للتخزين، حيث استخدم النظام الرقمي الستيني الذي يستند إلى القواعد 6 و10. لقد جلب اكتشاف الحساب الفوائد الملموسة للحضارة السومرية بما في ذلك القدرة على تحديد منتجات اقتصادهم عدديا، وساهم في نمو تجارة بلاد ما بين النهرين، وأستفادت الحضارات الأخرى من ذلك لاحقا.

النظم الرقمية

بدأت المفاهيم الأساسية للأرقام في الظهور عندما أرسخت أول حضارة في العالم وهي الحضارة السومرية جذورها في بلاد ما بين النهرين منذ اكثر من 5000 سنة. واستخدم النظام الرقمي هذا خاصية الموضعية لأول مرة (اي أن قيمة الرمز المستعمل تعتمد على موضعه في الرقم). وكان للسومريين تشكيلة معقدة من النظم العددية وكان لكل مدينة طريقتها المحلية الخاصة في كتابة الارقام . في مدينة اوروك، حوالي 3100 قبل الميلاد، كان هناك أكثر من عشرة أنظمة رقمية مختلفة، فعلى سبيل المثال استُخدم نظام ارقام لحساب أشياء مختلفة مثل الحيوانات، والأدوات، والحاويات. وكان هناك نظام مختلف لحساب الجبن ومنتجات الحبوب . وتم استخدام نظام آخر لحساب كميات الحبوب وآخر لمكونات البيرة وآخر للأوزان وآخرلمناطق اليابسة وللوحدات الزمنية ووحدات التقويم، وتغيرت هذه الأنظمة على مر السنين. وتغيرت الأرقام لحساب كميات الحبوب كلما تغير حجم السلال. كان الناس يتعاملون بكميات من الحبوب كل يوم واستخدموا مهاراتهم الحسابية لحساب غيرها من الأمور التي كانت غير ذات صلة بقياسات الحجم. اخترع السومريون الحساب وبضمنه الضرب والقسمة وكانت جداول الضرب تكتب على الألواح الطينية بالقلم المدور .

وقد تطورت هذه الرموز في نظم معقدة من الأرقام حوالي 3000 قبل الميلاد، لتكون قادرة على تسجيل كميات كبيرة جدا من البضائع. ويستخدم الكاتب مجموعات مختلفة من الرموز لتسجيل كميات الأغنام أو الحبوب. ومن المعروف أن أكثر من دزينة من مختلف هذه الأنظمة كانت موجودة. ولم يكن هناك أي قاعدة موحدة، تماما كما في الوقت الحاضر حيث لا يوجد لدينا أي قاعدة موحدة لجميع الوحدات المختلفة من الأوزان والمقاييس خارج النظام المتري .

في ذلك الوقت، وضع السومريون نظم أرقام فريدة من نوعها، وذلك باستخدام قاعدة الستين بالمصطلحات العلمية، ويسمى هذا النظام الستيني (sexagesimal). كانت قاعدة النظام 60، بينما قاعدة العشرة هو ما نستخدمه اليوم. عد السومريون الأشياء مع ستين كوحدة واحدة، كان لديهم نفس الرمز للأعداد 1 و60. وللتعبير عن 70، عبروا عنها حرفيا كمجموع 60 وو10. وبالمثل، عبروا عن 125 كمجموع وحدتين من 60 ووحدة واحدة من 5. استخدم السومريون الأرقام الستينية ليس فقط لأن الرقم 60 يحتوي على العديد من القواسم أو أنه قابل للعد على أصابع كلتا اليدين ولكن لأن 60 هو المضاعف المشترك الأقل لعدد أصابع كلتا اليدين وعدد الأشهر في السنة. استخدم السومريون مفاصل أصابعهم لحساب النظام الاثني عشري (12)، وقسموا اليوم، من شروق الشمس إلى غروبها، إلى 12 جزءًا، لذلك تم تقسيم الليل والنهار معًا إلى 24 جزءًا.

طور البابليون الكتابة المسمارية على أساس المسمارية أو " شكل إسفين ". كتبوا هذه الرموز على ألواح الطين الرطب التي كانت تخبز في الشمس الحارقة. ولا تزال عدة آلاف من هذه الأقراص موجودة اليوم في المتاحف داخل وخارج العراق. واستخدم البابليون الإسفين لبصم الرموز على الطين لأنه لا يمكن استعمال الخطوط المنحنية بسهولة.

وبين 2700 ق و2000 قبل الميلاد، تم استبدال القلم المدور تدريجيا بقلم القصب الذي استخدم لضغط إسفين يشكل علامات مسمارية في الطين، لتمثيل الأرقام التي سبق ان تم تمثيل رموزها بالقلم المدور. وكانت الأرقام المسمارية القديمة غامضة لأنها تمثل مختلف النظم الرقمية التي تختلف اعتمادا على ما كان يجري فرزها. وفي حوالي 2100 قبل الميلاد في سومر، تلاقت هذه الأنظمة تدريجيا على رقم النظام الستيني المشترك الذي كان نظام مكان القيمة التي تتكون من علامات اثنين فقط، الإسفين الرأسي والأفقي، والتي يمكن أيضا أن تمثل الكسور. وقد تم تطوير هذا النظام الستيني بالكامل في بداية فترة بابل القديمة (حوالي عام 1950 قبل الميلاد)، وأصبح المعيار في بابل .

وكانت أرقام النظام الستيني التي احتفظت بقاعدة 10 وقاعدة 6 بالتناوب في سلسلة من الرموز المسمارية (الأسافين) الرأسية والافقية، وهي واحدة من أقدم أنظمة الترقيم. الرياضيات الأولى يمكن أن تعزى أيضا إلى بلاد بابل القديمة وذلك خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد حيث كانت الجداول الإنجاز الأكثر تميزا للبابليين والتي ساعدتهم في حل المشاكل. وأصبح النظام الستيني النظام المستخدم على نطاق واسع في التجارة، ولكن تم استخدامه أيضا في الحسابات الفلكية وغيرها. وتم تصدير هذا النظام من بابل الى جميع أنحاء بلاد ما بين النهرين، وكذلك إلى بلدان البحر الأبيض المتوسط التي استخدمت النظام البابلي كمعيار للقياس والعد، بما في ذلك الإغريق والرومان والمصريين. ونحن لا نزال نستخدم النظام الستيني لحساب الوقت (دقائق لكل ساعة وثواني لكل دقيقة )، والزوايا (درجة).

على مدى السنوات الخمسمائة التالية، تطورت الكتابة تدريجيا في الكتابة المسمارية وجاء ظهور الحساب جنبا إلى جنب مع ظهور الكتابة المسمارية. ولم يعد استخدام الألواح الطينية مجرد لتسجيل أعداد السلع، ولكن نجدها في تسجيل المجاميع الحسابية والحسابات.

وحتى قبل العصر البابلي القديم أي حوالي 2000 قبل الميلاد كانت هناك الرياضيات المتقدمة بالكامل. وقد تم اكتشاف الآلاف من الأقراص الرياضية والاقتصادية، التي تظهر معرفة رائعة بالحساب، والمعادلات الخطية والتربيعية، والعديد من المنشآت الهندسية والحسابية. وهناك جداول الضرب، وجداول من المساحات، والجذور التربيعية، والثوابت المشتركة. هناك قوائم من المسائل الحسابية وضعها المعلمون، والحلول التي قدموها للطلاب. في هذا الوقت كان نظام الأرقام للحساب قد استقر على النظام الستيني، أو قاعدة الستين، وكان من الأسهل بالنسبة لهم حساب الكسور.

واليوم، يستخدم لدينا نظام الأرقام العشرية ذات القاعدة عشرة، وليس ستين، باعتبارها الوحدة الأساسية، ولكن هذا لا يعني أن اختراع السومريين أصبح باليا. في واقع الأمر، فإنه لا يزال يلعب دورا حاسما في حياتنا اليومية. على سبيل المثال، هل سبق لك أن تساءلت لماذا للساعة 60 دقيقة والدقيقة لها 60 ثانية؟ هل سبق لك أن فكرت لماذا الدائرة الكاملة لها 360 درجة ؟ كما اتضح، كان هذا ما أبقى السومريين المسار من وقتهم، وكان ذلك كيف تُعرف دائرة كاملة. قسم البابليون اليوم إلى أربع وعشرين ساعة، كل ساعة إلى ستين دقيقة، والدقيقة إلى كل ستين ثانية . وقد بقى هذا الشكل من العد للوقت لأربعة آلاف سنة الى يومنا هذا.

رموز الأرقام

يبين الجدول أدناه كيف كان السومريون والبابليون يكتبون الأرقام بالكتابة المسمارية أو ألاسفينية.

2300 رياضيات 1

 كان أي رقم أقل من 10يمثل بأسفين يشيرإلى الأسفل.

مثال : 4

2300 رياضيات 2

 

 

ويرمز الرقم 10 بإسفين إلى اليسار.

مثال : 20

2300 رياضيات 3

 

 

وترمز أرقام أقل من 60 عن طريق الجمع بين رموز 1 و10 .

مثال : 47

2300 رياضيات 4

 

 

 

كما هو الحال مع نظام الترقيم لدينا، فأن نظام الترقيم البابلي مبني على الوحدات، أي العشرات، المئات، وألالآف المستخدمة.

مثال : 64

2300 رياضيات 5

 

 

ومع ذلك، لم يكن لديهم رمز للصفر. عندما أرادوا التعبير عن الصفر، تركوا مجرد مساحة فارغة في العدد الذي كانوا يكتبونه . عندما يكتبون " 60"، فإنهم يضعون علامة إسفين واحدة في المركز الثاني من الأرقام .

2300 رياضيات 6

 

 

عندما يكتبون " 120 "، فإنهم يضعوا علامتي إسفين في المركز الثاني.

2300 رياضيات 7

 

 

فيما يلي بعض الأمثلة على أعداد أكبر .

مثال : 79883

(22*602)+(11*60)+23

2300 رياضيات 8

 

 

مثال : 5220062

(24*603) + (10*602) + (1*60) + 2

2300 رياضيات 9

 

 

خلال السنوات الأولى من التاريخ المسجل، في بلاد ما بين النهرين القديمة جُربت طرق للحساب والقياس، وحل المشاكل الرياضية، وكانوا أول من أعطى قيمة للرقم مستندةً على مكان الرقم، والتعرف على مفهوم من الصفر (الحضارة الهندية لاحقا قدمت الصفر).

لا يبدو أن الرياضيات البابلية قد تغيرت كثيرا في السنوات 1500 التالية. قد يكون ذلك راجعا جزئيا إلى حقيقة أن لدينا عددا قليلا جدا من أقراص الرياضيات من هذه الفترة على ما يبدو . ونحن نعرف عن تطوير علم الفلك الرياضي في الفترة البابلية المتأخرة من القرون القليلة الماضية قبل الميلاد.

ونظرا لمتانة الألواح الطينية المكتوبة في بلاد ما بين النهرين، فإن الأدلة المتوفرة كبيرة، والعينات الموجودة للرياضيات تمثل جميع عصور - الممالك السومرية الرئيسية من الألفية الثالثة، الأنظمة الأكادية البابلية (الألفية الثانية)، وإمبراطوريات الآشوريين (الألفية الأولى في وقت مبكر) والفرس (القرن السادس الى الرابع قبل الميلاد)، واليونانيين (القرن الثالث قبل الميلاد إلى القرن الأول م) . كان هناك بالفعل مستوى من الكفاءة العالية في وقت مبكر من سلالة بابل القديمة، وحقبة المشرع الملك حمورابي (القرن 18 قبل الميلاد)، ولكن بعد ذلك كان هناك قليل من التقدم. ومع ذلك ازدهر تطبيق الرياضيات في علم الفلك خلال الفترات الفارسية والسلوقية ( اليونانية).

المعداد الحسابي

و وُصف المعداد الحسابي اليدوي لأول مرة في بابل وهو أول آلة حسابية فعلية معروفة لدينا، ويعتقد أنه قد اخترع من البابليين في وقت ما بين 1000 قبل الميلاد و500 قبل الميلاد. والمعداد هو جهاز يستخدم للجمع والطرح، والعمليات ذات الصلة من الضرب والقسمة. أنها لا تتطلب استخدام القلم والورق. هناك نوعان من الأشكال الأساسية للمعداد : سطح مستو خصيصا لاستخدامه مع عدادات (الجدول العد مستمر)، أو إطار مع حبات على الأسلاك.

كان المعداد الأولي بشكل يكاد يكون من المؤكد على حجر مسطح تغطيها الرمال أو الغبار. وضعت الكلمات والحروف في الرمال، وفي نهاية المطاف تم إضافة أرقام والحصى المستخدمة لمساعدة العمليات الحسابية. استخدم البابليون هذا المعداد في وقت مبكر من عام 2400 قبل الميلاد. أصل المعداد مع سلاسل هو غامض، ولكن ينظر إلى الهند، وبلاد ما بين النهرين أو مصر كنقطة محتملة للمنشأ. ولعبت الصين دورا أساسيا في تطور المعداد.

وقد وضعت مجموعة متنوعة من المعدادات؛ استندت الأكثر شعبية على نظام ثنائي خماسي، وذلك باستخدام مزيج من اثنين من القواعد (قاعدة 2 وقاعدة -5) لتمثيل الأرقام العشرية . ولكن أقرب المعدادات استخدم لأول مرة في بلاد ما بين النهرين وفيما بعد من قبل الكتبة في مصر واليونان باستخدام أرقام النظام الستيني ممثلة مع العوامل من 5، 2، 3، لكل رقم .

2300 رياضيات 10

الرياضيات

نجح البابليون بتحقيق تقدم كبير في الرياضيات يضاهي ماحققه المصريون وحتى اليونانيين من بعدهم.

- أستخدموا الكسور العامة، وإن لم يكن كل الكسور.

- نجحوا في استخراج الجذور التربيعية للأعداد.

- تمكنوا من حل النظم الخطية.

- تعاملوا مع مثلثات فيثاغورس.

- تمكنوا من حل المعادلات التكعيبية بمساعدة الجداول.

- درسوا القياسات الدائرية.

- كانوا لا يستخدمون الصفر.

واحدة من الأقراص البابلية، (بليمبتون 322)، والتي يرجع تاريخها إلى ما بين عامي 1900 و1600 قبل الميلاد، تحتوي على جداول فيثاغورس وتظهر المعادلة

A2 + B2 = C2

موجودة حاليا في المتحف البريطاني. وعرف من علماء الرياضيات في بابل كيدينو وريماني اللذان عاشا حوالي 480- 490 قبل الميلاد.

2300 رياضيات 11

ويبين عالم الحوسبة المشهور دونالد كنوث في بحث فريد (3) أن البابليين لم يطوروا الرياضيات فحسب بل كانوا أول من وضع لبنات الخوارزميات لتوصيف الخطوات اللازمة لحل المسائل الرياضية. ولم يتحدد علماء الرياضيات البابليين بعمليات الجمع والطرح والضرب والقسمة فحسب، فقد كانوا بارعين في حل العديد من أنواع المعادلات الجبرية، غير أنهم لم يكن لديهم منهج الجبر الذي نعرفه اليوم فكانوا يمثلون كل معادلة بسلسلة من الخطوات، خطوة بخطوة لحلها، أي عن طريق خوارزمية لحل هذه المعادلة. في الواقع، عملوا مع "لغة الآلة" التي نعرفها اليوم مع الحواسيب لتمثيل المعادلات بدلا من لغة رمزية.

ولا يمكن أن نتكلم عن الخوارزميات من دون أن نذكر عالم الرياضيات الأسلامي محمد بن موسى الخوارزميّ الذي كتب مؤلفه الشهير: "الكتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة"، في حوالي 830 ميلادية بتشجيع من الخليفة العباسي المأمون، حيث قدم عرضا شاملا لحل المعادلات متعددة الحدود حتى الدرجة الثانية، وناقش الأساليب الأساسية ل"الحد" و"التوازن" في اشارة الى تبديل العوامل إلى الجانب الآخر من المعادلة. وكان انجاز الخوارزمي الحسابي المسؤول عن إدخال الأرقام العربية على أساس نظام الترقيم الهندي العربي إلى العالم الغربي.

علم المثلثات البابلي

2300 رياضيات 12استنبط البابليون شكلهم الفريد من علم المثلثات خلال الفترة البابلية القديمة (1900-1600 قبل الميلاد)، قبل أكثر من 1500 عام من الشكل اليوناني. من اللافت للنظر أن علم المثلثات الخاص بهم لا يحتوي على أي من السمات المميزة لعلم المثلثات الحديث لدينا - فهو لا يستخدم الزوايا ولا يستخدم التقريب.

كان لدى البابليين تصورا مختلفا تمامًا للمثلث القائم. لقد رأوا أنه نصف مستطيل، وبسبب نظام الأرقام الستيني (الأساس 60) المتطور، تمكنوا من بناء مجموعة متنوعة من المثلثات القائمة باستخدام النسب الصحيحة فقط. نحن نعلم الآن أن البابليين درسوا علم المثلثات لأن لدينا جزءًا من أحد جداولهم المثلثية.

Plimpton 322 عبارة عن لوح طيني مكسور من مدينة لارسا القديمة، والتي كانت تقع بالقرب من تل السنكيره في العراق. تمت كتابة اللوح بين 1822-1762 قبل الميلاد. في عشرينيات القرن الماضي، باع عالم الآثار والأكاديمي والمغامر إدغار جيه بانكس اللوح للناشر الأمريكي وفاعل الخير جورج آرثر بليمبتون. ترك بليمبتون مجموعته الكاملة من اللوحات الرياضية إلى جامعة كولومبيا في عام 1936، وهي موجودة هناك اليوم في مكتبة الكتب والمخطوطات النادرة. إنه متاح عبر الإنترنت من خلال مبادرة المكتبة الرقمية المسمارية.

في عام 1945، تم الكشف عن أن اللوح يحتوي على سلسلة معقدة للغاية من الأرقام الصحيحة التي تلبي معادلة فيثاغورس، والمعروفة باسم ثلاثية فيثاغورس. هذه هي العلاقة الأساسية بين الجوانب الثلاثة للمثلث القائم الزاوية، وقد أثبت هذا الاكتشاف أن البابليين كانوا يعرفون هذه العلاقة قبل أكثر من 1000 عام من ولادة عالم الرياضيات اليوناني فيثاغورس.

المعاملات التجارية

ان بلاد ما بين النهرين القديمة لم يكن لديها اقتصاد العملة، لذلك وضعت نظاما موحدا للأوزان لتنفيذ العديد من المعاملات التجارية الخاصة بهم. وكانت أصغر وحدة هي الوزن التقريبي لحبة واحدة من الشعير.

الشكل المدرج إلى الأسفل هو وثيقة تسجيل بيع قطع من الأرض، وربما لمشتر واحد. ويسمى مثل هذا السجل " Kudurru ". الأعمدة التسعة من النص المكتوب على كل من الوجه (الصورة العليا) والقفاء (الصورة أسفل) وصف لصفقة البيع بقدر كبير من التفصيل. على الرغم من أنها على شكل قرص من الطين، فأنها مصنوعة من الحجر مما يدل على أن هذه الوثيقة كانت تعتبر مهمة جدا لأن الحجر سلعة نادرة وباهظة الثمن في بلاد ما بين النهرين، حتى يكون سجلا دائما وغير قابل للتدمير. تم الاحتفاظ بسجلات المبيعات هذه في المعابد لمنحها حماية الآلهة، في نفس الوقت جعلها في متناول التدقيق العام. يسجل في الوثيقة مجالات الحقول المكتسبة وكميات الفضة والسلع الأخرى المستخدمة لشراء الأرض. شملت هذه السلع دهون الأغنام والصوف والخبز.

 

 زيد حبه

........................

المصادر:

1- “The Sumerians, Their History, Culture, and Character”, by Samuel Noah Kramer, The University of Chicago Press, 1963

2- “Ancient Babylonian Algorithms”, Donald E. Knuth, Stanford University, Communications of the ACM, July 1972

3- “Pathfinders-The Golden Age of Arabic Science”, Jim Al-Khalili, Penguin Books, 2010.

4- “Plimpton 322 is Babylonian exact sexagesimal trigonometry”

Daniel F.Mansfield, N.J.Wildberger

Historia Mathematica, Volume 44, Issue 4, November 2017, Pages 395-419

5- Babylonian Mathematics

http://www.math.tamu.edu/~dallen/masters/egypt_babylon/babylon.pdf

 

كاظم شمهودسبق وان ذكرنا في الحلقة السابقة بان الحكومة العثمانية قد ارسلت نخبة صغيرة من الشباب العراقي للالتحاق بالكلية العسكرية الحربية في اسطنبول للتدريب والتأهيل ليكونوا ضباطا في المستقبل، وكان ضمن مناهج التدريس مادة الرسم حيث كان هؤلاء الطلاب يمارسون الرسم بالاساليب والتقنيات الاوربية الحديثة باشراف اساتذة مرموقين وحديثي الثقافة . وكان من هؤلاء الشباب عبد القادر الرسام ومحمد سليم علي الموصلي (والد جواد سليم) ومحمد صالح زكي وغيرهم. وقد تخرج منها عبد القادر عام 1905. وقد اطلق اسم على هؤلاء الخريجين– فنانون عثمانيون -

الاوضاع الاجتماعية ايام عبد القادر الرسام

2276 عبد القادر الرسام 1في القرن التاسع عشر كانت هناك محاولات من بعض المثقفين العرب للثورة على السلطات العثمانية الجائرة وعلى الاوضاع المزرية والمتخلفة التي سادة الدول العربية وسميت هذه الحركة - بحركة التنوير- وكانت قد ظهرت بعد الثورة الفرنسية عام 1798 . ورفعت شعاراتها وكان هؤلاء قد ابهرهم التقدم الحضاري والفكري والفني في اوربا حيث شاهدوا انتشار الطباعة وظهور الصحف ودور النشر وانشاء المدارس والجامعات . كما تأثر هؤلاء بالنهضة الادبية الرومانسية وفلاسفة ذلك العصر، وادى ذلك الى تفاعل الادب العربي مع الادب الغربي وقامت هناك حركة للترجمة الى اللغة العربية خاصة في مجال الرواية والفلسفة والمسرح والفنون الاخرى . وكانت هذه المظاهر الحضارية مفقودة في البلدان العربية . ومن ناحية اخرى لما اطلع المغتربون العرب على الآثار العراقية والمصرية التي تعج بها المتاحف الاوربية شعروا بمقدار الكارثة العظمى التي لحقت ببلدانهم والاهمال المتعمد من قبل العثمانيين . كما انتبهوا الى عمق مكانة حضارتهم وتاريخهم المجيد في العالم .. ويمكن الاطلاع على كتاب (اربعة قرون من تاريخ العراق الحديث) للكاتب الانكليزي لونكريك حيث يشرح الاوضاع المأساوي والكارثية التي كان يعيشها العراق ايام الحكم العثماني . وقد كتبه عام 1925 .

2276 عبد القادر الرسام 3

نيازي وعبد القادر الرسام

لم يذكر عن احوال العراق الثقافية والفنية في اواخر القرن التاسع عشر ايام العثمانيين ولم تدون الاحداث الا شذرات قليلة . وكيف يسمح بالتدوين والبلاد خاوية والتخلف يسود البلاد كلها الا اللهم الاجانب الرحالة الذين حلوا بالعراق في ذلك الوقت مثل الرحالة الفرنسية جين ديولافوا 1881 -1882 . حيث كانت تدون كل شئ تراه ومعها كامرة تصوير ضخمة فصورت واقع المجتمع العراقي في ذلك الوقت واظهرت الصور ان البلاد فقيرة والناس متعبة واكثرهم حفاة والشوارع متربة ووجوه كالحة وعليها غبار التعب واليأس ... اما من ناحية حركة الفن والثقافة فتكاد ان تكون غائبة او معدومة او مجهولة . وقد ذكر شاكر حسن في كتابه (فصول من تاريخ الحركة التشكيلية في العراق) بان نيازي مولوي بغدادي يعتبر من رواد الفن العراقي الحديث واستشهد بوجود محاولات للرسم الاكاديمي نشر منها تخطيطا في كتابه يمثل رجلا يعزف . ومن جانب أخر ذكر الخطاط وليد الاعظمي في كتابه (خطاطي بغداد المعاصرين / ج1) بان نيازي قدم من اذريبيجان في بداية القرن التاسع عشر واستقر في بغداد وكان رجلا صوفيا مولويا (مولوي يعني مولانا او ملا) فسمي نيازي مولوي بغدادي وكان خطاطا ومزخرفا ومصورا ماهرا (في الفن الاسلامي). وعندما حل في بغداد اخذ يدرس فنون الخط والزخرفة والتذهيب لبعض وجهاء بغداد خاصة خط التعليق ومن تلاميذه الذي اشتهر بعد ذلك عبد الوهاب عبد الرزاق الشقاقي والذي تزوج زوجة استاذه نرجس خان بعد وفاة نيازي عام 1907 .

وبالتالي اعتقد اننا لا يمكن ان نقارن خطاطا ومزخرفا مثل نيازي بمصور مثل عبد القادر الذي درس الفن الاوربي في اسطنبول وبعث الى الدول الاوربية للدراسة والاطلاع على المدارس الفنية الحدبثة، وكان معلما وابا للجيل الثاني من الفنانين العراقيين، وحتى لوا ان نيازي عنده بعض الرسوم الاكاديمية فهي لا تثبت ريادته الحقيقية في تأسيس الفن العراقي المعاصر على اسس واساليب المدارس الاوربية الحديثة . ولهذا فان البعض يحاول التقليل من اهمية عبد القادر ودوره في المناخ الفني العراقي المعاصر ولا نعرف الدوافع الحقيقية لذلك، هل هو جانب عاطفي او مذهبي او كون الاثنان شاكر ونيازي على نفس المذهب الصوفي؟.

2276 عبد القادر الرسام 4

تلاميذ عبد القادر

ذكر بان عبد القادر كان دائم اللقاء مع احد وجهاء بغداد من مواليد مدينة خانقين يدعى احمد القيماقجي وكان له ثلاثة اولاد قد تتلمذوا على يد عبد القادر الرسام وتعلموا اصول الرسم وهم احسان واكرم وانور، وقد اقيم لاعمالهم معرضا فنيا من قبل نجل الفنان انور القيماقجي في قاعة الاورفلي في عمان عام 2019، ويذكر ان اعمالهم تقترب من مناخات استاذهم من حيث الاسلوب الواقعي والمعالجات التقنية وتدرج الالوان واشراقها ورسم المناظر الطبيعية والرسوم الشخصية وغيرها . وكان لظهور هؤلاء الرسامين الثلاث تلاميذ عبد القادر يكشف لنا اولا مدى الغبن والاهمال الذي لحق بمئات الفنانين والرسامين العراقيين وعدم ذكرهم في كتب المؤرخين المعاصرين . ثانيا ان هناك على طول الاربعة قرون الماضية من الاحتلال العثماني كان العراق مليئا باهل الفن والثقافة والعلم ولكن لم تذكر او تدون اسماءهم او اعمالهم، ثالثا ان جماعة اصدقاء الفن التي تأسست عام 1941 هي ثمرة جهود وعطاء الرواد الاوائل وعلى رأسهم عبد القادر الرسام الميساني . ..

 

د. كاظم شمهود

 

 

كاظم شمهوديذكر ان عبد القادر الرسام عندما حل في بغداد قادما من مدينته ميسان كان كثير ما يتردد على المقاهي ليعمل بعض الدراسات السريعة والمقتضبة حول الاشخاص المتكئين هنا وهناك، ومشاهد من المقهى والحركة في الشارع والمناظر المحيطة بها. وكان لا يقبل ان ينظر اليه احد اثناء الرسم للحفاظ على سر عمله حتى ينتهي منه كليا، هذه الاسكيجات كان يجمعها ثم يذهب الى ورشته وينفذها على شكل لوحات زيتية كبيرة.

2248 عبد القادر الرسام 1وكانت هذه الطريقة في الرسم منتشرا في القرن التاسع عشر عند بعض عظماء الفن الاوربي مثل جوزيف ترنر 1775-1851 حيث كان يسجل في كراسته العوارض الطبيعية المختلفة للبحر والعواصف والسحاب وغيرها، ثم يعود الى مرسمه ليرسمها بالزيت. وكذلك جون كونستابل 1776-1837 الذي يعتبر من عظماء مصوري اوربا في رسم المناظر الخلوية، واوجين ديلاكروا 1798-1863 زعيم المدرسة الرومانسية، وفان كوخ 1853-1890 صاحب المدرسة التعبيرية وكوربيه -1877-1819 مؤسس المدرسة الواقعية والذي كان عبد القادر متأثرا به. هؤلاء هم اساتذة عبد القادر الرسام والذين تأثر بهم..و كان الجيل الثاني من الرواد مثل فائق حسن وحافظ الدروبي وجواد سليم وغيرهم كانوا يرسمون كلهم على طريقة عبد القادر الرسام الذي شاعت اعماله في كل انحاء العراق.

Detail of a photograph with the Society of the Friends of Art

قالوا في حق عبد القادر.

يقول جبرا ابراهيم جبرا في كتابه الفن والفنان (ظهر في اوائل القرن عدد من الرسامين الهواة اشهرهم عبد القادر الرسام الذي كان ضابطا في الجيش العثماني.. فان ان نعتبره عن حق ابا الرسم المعاصر في العراق) ولكن مع الاسف لم يهتم المسؤلين به في ذلك الوقت حيث يذكر انه كان في أخر ايامه يعيش وحيدا ومعه خادمه وان راتبه التقاعدي لا يكفي لسد حاجاته الظرورية، مع ذلك كان بمثابة الكعبة التي تتجه اليها كل عيون الفنانين الشباب والمقففين. حيث كان بيته يغص باصحابه الضباط القداما والفنانين وتلك الدردشات الثقافية والفنية وكأن بيته تحول الى مركز ثقافي. ويذكر حافظ الدروبي بانه كان في يوم من الايام هو وجواد سليم في زيارة الى بيت عبد القادر (كنا في بداية عهد الرسم وقدم لنا هو الكثير من النصائح والارشادات واخبرنا بضرورة السفر الى الخارج)

2248 عبد القادر الرسام 4اما شاكر فقد كتب عن حياته في كتابه- فصول من تاريخ الحركة التشكيلية في العراق، وخصص له حوالي ثمانية صفحات للحديث عنه وعن الجيل الثاني الذي كان متعلقا به بشده حيث يعتبره الامام للفن العراقي المعاصر (فانه كان يحور من العالم الذي يرسمه ليبدو عالما من البراءة والنبل والسكون المطبق وكأنه بذلك يرسم بروحية نحات سومري كالذي نحت لنا تمثال جوديا)

اما بقية النقاد والكتاب العراقيين فلم يذكروا عبد القادر الرسام الا ببضعة اسطر ويمرون عليه مر الكرام اما عدم امتلاكهم مدونات كافية عن حياته او تعمدا لكونه من ارض الجنوب.. بينما الفت كتب كثيرة عن حياة الجيل الثاني من الرواد ووضعت عليهم هالات قدسية واعتبرهم البعض بمثابة آلهه واصحاب مدارس فريدة.

و يذكر عطا صبري (ان في العهد العثماني كانت الاقلية النادرة تتذوق الفنون على نطاق ضيق ومحصور في الطبقة المترفة... ومن ابرز الفنانين في تلك الفترة عبد القادر الرسام حيث كانت صوره الزيتية منتشرة تقريبا في اكثر بيوتات بغداد الشهيرة..)

و قال فيه جواد سليم (اتخذ هوايته بما يشبه الاحتراف فلا عجب ان كان اول من لقب بالرسام لغزارة انتاجه واعتكافه على الرسم).

2248 عبد القادر الرسام 3

المرحلة الواقعية والانطباعية

كان اسلوب عبد القادر انقلابا وثوريا على التقاليد الفنية الموروثة في الشرق في ذلك الوقت وكأنها ثورة بيكاسو على المدرسة الكلاسيكية القديمة (وقد ذكرنا ذلك سابقا) وهو اسلوب المحاكات المنظبط وربما ان الدروس العسكرية التي تعلمها في الكلية الحربية الصارمة وتعلمه الرسم فيها اعطت ذلك الاختيار والصفة المميزة لاسلوبه، ثم تحرر من هذا الانضباط عندما اصبح عن قرب من المدارس الاوربية مثل الواقعية والانطباعية فتأثر بهما، علما ان تركيا كانت تحتل بعض الدول الاوربية الشرقية وانها كانت متأثرة بالفن الاوربي، حيث استقدم بعض السلاطين العثمانيين عدد من الرسامين الايطاليين للعمل في البلاط..

عندما نتأمل اعمال عبد القادر كأننا نعيش في رحاب المدرسة الانطباعية ويحضر امامنا مونيه وسيزان ورينوار وذلك الجمال الذي تعكسه تلك الطبيعة الخلابة. وكان شعور الناس في زمن عبد القادر يتعاطف مع الحياة الطبيعية والواقعية والريفية لما توحي به من شاعرية وما كان لها من اثر صحي طيب، كما ان الشعراء لم يتخلوا عن ذلك المزاج الذي يشدهم الى الرعاة والفلاحين والنساء الريفيات.. وكان عبد القادر مثقفا وناضجا وكانت دوافعه تتجه نحو التغيير والاصلاح خاصة في الوجهتين الفكرية والفنية ولهذا كان جل الرواد يجتمعون معه ويستمعون الى نصائحه وارشاداته. ومن اجمل اعماله مثل لوحة ابقار على شطئ دجلة حيث تبدو فيها المياه هادئة والاشجار باسقة يضفي عليها اللون الاخضر بجميع درجاته وتلك الابقار السائرة مع راعيها.. وكأنها عبارة عن نافذة خلابة يطل بها الفنان على عالم الطبيعة وجمالها الفطري الذي يعكس لنا كل ما وجدناه في المدرسة الانطباعية وثورتها على المدارس القديمة.

 

د. كاظم شمهود

 

 

كاظم شمهودفي عام 1922 زار الملك فيصل الاول مع المستشارة الثقافية المس بيل بعض النشاطات الفنية والصناعية برفقة- الباشا نوري سعيد .حسب ما جاء في مذكرات بيل ...كما تشير كذلك عن زيارة الملك الى بعض المعارض الفنية وان هناك رسامين لهم اعمال مميزة وبارزة .... ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا لاتذكر اسماء هؤلاء في تاريخ الفن العراقي؟ واين هم؟ .. فاذا كانت اربعة قرون مضت من الحكم العثماني على العراق كانت مجهولة الثقافة والفن فهل يعقل ان مطلع القرن العشرين خالي من التدوين والمؤرخين.؟ انا اعتقد انه يمكن البحث عن هؤلاء الفنانين العراقيين من خلال السجلات الحكومية مثل وزارة التربية والتعليم سواء كان ذلك في سجلات العهد العثماني او العهد الملكي العراقي، ويمكن البحث عن ذلك ايضا في مكتبة طوب قابي في اسطنبول.

الريف في اعمال عبد القادر

2230 عبد القادر 1كانت ولازالت اعمال عبد القادر الرسام تذكرنا بالحس الريفي والفلاحي والفطرة والطيب الذي كان يلازم اهل قلعة صالح والعمارة، وتلك الاراضي الزراعية الخضراء والبيئة الجميلة والخيال الابداعي الواسع الذي يضفي على اعماله بحيث تشعر ان عبد القادر ينتمي الى الريف بكل جوارحه ومشاعره اكثر من المدينة. وكيف لا وهو ولد وعجن في تلك التربة الحضارية السومرية .

و من الملاحظ ان عبد القادر في اخر ايامه كان يضع على راسه السدارة الفيصلية او البغدادية ومن المحتمل انه كان يرتدي الغترة والعقال عندما كان في مدينته الريفية قلعة صالح وهو تقليد سائد في تلك المناطق، ثم لبس الطربوش العثماني (الافندي)، ثم استبدله في السدارة عندما حل في بغداد . ويذكر ان الملك فيصل كان في زيارة الى ايطاليا، وقد زار معمل لصناعة السدائر بصحبة ماسوليني، فطلب ان تستورد بعضا منها وكان اول من لبسها هو الملك فيصل وكانت ذات لون اسود وعالية الشكل لها اخدود من الاعلى، ثم لبسها الوزراء، بعد ذلك عممت على الجيش والشرطة واخذت حجما صغيرا . وقد لبسها كبار رجال الدولة ومثقفيهم مثل الشاعر الرصافي والزهازي وعلي الوردي وغيرهم .

2230 عبد القادر 2

اختفاء اعمال عبد القادر

يذكر ان متحف الرواد سابقا كان يقع في شارع الرشيد في بناية قديمة يعتقد انها تعود الى عبد الرحمن الكيلاني النقيب 1841-1927 رئيس اول وزارة عراقية بعد تنصيب الملك فيصل الاول وكان يشغل ايضا نقيب اشراف بغداد، ويعود في نسبه الى الرسول –ص- . بعد ذلك اصبحت البناية منتدى المسرح العراقي، وكان المتحف يضم - 72 - لوحة تمثل خيرة اعمال عبد القادر الرسام ، كما كانت له اعمال اخرى محفوظة في متحف الفن الحديث كولبنكيان . وفي عام 2003 بعد سقوط النظام اختفت هذه الاعمال مع غيرها من اعمال الفنانين الرواد والتي تعد بالمئات .. ويذكر انه في عام 1940 عاد جواد سليم الى بغداد وقطع دراسته من ايطاليا بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية، وقد دعى اصدقاءه من الفنانين والمثقفين الى الاجتماع به لمناقشة تطورات الاحداث العالمية وانعكاساتها على فتوة الفن العراقي المعاصر .. ويذكر ان بيت جواد كان مزينا بلوحات عبد القادر حيث اطلع عليها الحاضرون وتم الاحتفال بعودة جواد وكذلك بمعرفة اعمال عبد القادر، ولكن اين اصبح مصير هذه الاعمال؟ .. بعض النقاد يذكر ان الحاضرين عرفوا اعمال عبد القادر لاول مرة من خلال جواد سليم، ويقارنون ذلك بما حدث لبيكاسو مع الفنان الفرنسي الفطري هنري روسو عندما قدمه لاصدقاءه في احتفالية خاصة ومن ذلك الحين اشتهر روسو .. انا اعتقد ان هذه المقارنة غير موفقة فعبد القادر كان معروفا في الوسط الحكومي والثقافي من خلال تاريخه المجيد كرسام في الدولة العثمانية وقد اكتحلت عيون العراقيين برسومه وتصاويره الزيتية التي كانت تزين القصور العثمانية وبيوت الاغنياء والباشوات وكذلك الصور الشخصية والمناظر الخلابة التي تمثل الريف وحقولها والجبال والانهار والاماكن المقدسة بمنائرها وقبابها الخضراء . وكان معروفا في الوسط الاجتماعي قبل ان يلد الجيل الثاني من الرواد، وكذلك كان معروفا بين اصدقاءه الضباط الذي درسوا معه في اسطنبول ثم اشتغلوا في السلك التعليمي في بغداد مثل الحاج محمد سليم ابو جواد ومحمد صالح زكي وعاصم حافظ وغيرهم .

نبض العراق

2230 عبد القادر 3كان عبد القادر الرسام مشغولا في رسم الطبيعة وحبه لها بينما كان الفنان الغربي مشغولا في تحليل الالوان وتفكيك الاشكال واحالتها الى سطوح وخطوط والغاء المنظور والبعد الثالث وبالتالي كان عبد القادر يمثل نبض الطبيعة العراقية وضميرها الحي . ومن خلال رؤية اعماله يمكن ان نعيد ذكريات تلك الحقبة بعاطفة كبيرة ونستعيد مشاهد الماضي الجميل وعندما نتأملها كانها طبيعة ناطقة حيث نشعر بحركة الاشجار واصوات الماشية ورجة الماء وحركة الناس .. هذه الفضاءات تقدم لنا الاندماج الكامل للفنان مع الطبيعة وحبه لها . ويذكرنا ذلك بجماعة باربيزون الذين خرجوا ليرسموا الطبيعة كما هي حيث تجمعو في قرية باربيزون الفرنسية عام 1830 التي تبعد عن باريس حوالي 48 كم وكان من مصوريها كورو وميه وروسو فقد رسموا الغابة والسماء والبحر والشجر وكانوا قد عملوا على تمثيل عناصر الطبيعة بدقة واقعية والتركيز على الناحية الجمالية .

كانت رؤية عبد القادر للحياة والموضوعات اخذت شكلا مخالفا لثورة لفن الحديث الذي ساد عصره فكان همه التعبير عن الواقع كما هو، يضاف الى ذلك امتازت اعماله بالبراءة والرقة حيث يقدم لنا صورا عاطفية حية عن المجتمع العراقي في ذلك الوقت ويذكرنا برسوم الواسطي ونقله لنا حياة وتقاليد المجتمع العباسي من قوافل الجمال ومجالس الطرب ودروس العلماء وترويض الخيل والعمارة العباسية وطرز الملابس الفضفاضة الى غير ذلك . وكأن عبد القادر الرسام امتدادا لحركة مدرسة بغداد في التصوير والى ذلك المفهوم الفني القديم في نقل الواقع الاجتماعي كما هو ولكن كل له عصره وطريقته واسلوبه وفهمه لذلك الواقع.

 

د. كاظم شمهود

 

كاظم شمهودكان عبد القادر الرسام من التيار الاول الذي وضع الاسس الحقيقية للفن العراقي المعاصر ولو ان الممهد الآخر لتاثيرات الفن الاوربي هو نيازي مولوي بغدادي الصوفي الذي ظهر في نهاية القرن التاسع عشر حيث كان رساما وخطاطا ومزخرفا ويعتبر حلقة وصل ما بين رسوم المنمنمات الشرقية وما بين رسوم اللوحات بالاسلوب الاوربي الذي بدا ينتشر في الاوساط الثقافية في العراق .. ولكن يضل عبد القادر خير ما يمثل فن الرسم على الطريقة الاوربية في العصر العثماني وبداية الحكم الوطني في العراق فهو يؤلف جانبا مهما من جوانب المناخ الفني في العراق بمواضيعة وبيئته وتاريخة واشراقة الوانه حيث دون مشاهده بالوعي الحسي والعاطفي . والى الجانب ذلك هو ركوبه الاسلوب والتقنية الاوربية الواقعية الحديثة، وكان التأثير الاوربي قد دخل الى المجتمع العراقي وحبب هذا اللون من الفن وترجيحه على الفنون التقليدية المحلية خاصة بعد احتلال العراق من قبل الانكليز .

البعد الفلسفي في اعمله

2214 ميساني 2اكتشف عبد القادر ان التقاليد الفنية المحلية لا يمكن ان تحقق طموحات وتطلعات الجيل الجديد وان هناك خلل في حرية التعبير الفني وفي نفس الوقت هناك ضرورة للتغيير بوعي محلي وعالمي والتعرف على صميم الفكر الانساني المعاصر بمعنى التواصل مع التراث والحضارة الجديدة التي سادت الغرب .

وكان الفن الاوربي قد خضع الى الفلسفة والنقد وظهرت نشاطات وتجمعات جديدة حكمتها ظروف حركة التغيير مما ادى ذلك الى ظهور مدارس ومذاهب فنية حديثة اعتمد بعضها على نظريات فلسفية اغريقية قديمة واخرى حديثة مثل الفلسفة الوجودية لسارتر والعقلية لديكار والفكر الاشتراكي لماركس وعلم النفس لفرويد .

2214 ميساني 1

و قد تعامل عبد القادر في لوحاته من وجهة النظر الحديثة في التعبير الفني والتي كانت تمثل التغيير الهائل في تفكير الفنان العراقي الحديث فقد كانت مواضيعه تكرس للصور الشخصية والمناظر الطبيعية والريف العراقي والمواقع الآثارية وكانت تنفذ بحساسية بصرية عالية وميل عاطفي كبير . وكانت الواقعية تمثل جزء من حياة الناس وهي غير قابلة للتغيير بسهولة وبالتالي كان عبد القادر هو بمثابة استجابة للذوق العام الجديد في ذلك الوقت، وكان برناردشو والفيلسوف الروسي تولستوي وغيرهم قد وجهوا الاذهان الى تلك الجوانب الاجتماعية واحترام اذواق الناس وان الفن هو عبارة عن واسطة الاتحاد بين البشر حيث يجمعهم معا عن طريق ما بينهم من المشاعر المشتركة . 

2214 ميساني 4فلوحات عبد القادر قائمة بمظهرها الملموس على النظرية الواقعية التي رسمها كوربيه. وانه كان يتفاعل مع الواقع العراقي الموضوعي وما يحدث فيه من تجديد وتغيير فمفرداته الفنية ماخوذة من الطبيعة كالاشجار والانهار والعمارة والآثار والاسواق والشمس والضوء وغيرها وكل هذه العناصر تساهم في بناء لوحته في اطارها البيئي والتاريخي. واتذكر قول للفنان الفرنسي ديلاكروا بان الطبيعة هي قاموس الفنان .. وكانت هذه الثقافة هي السائدة في القرن التاسع عشر وكان من اعمدتها سيزان وكوربيه ومانيه وبودلير وغيرهم .

كان عبد القادر ومن خلال محله ومرسمه في بغداد وتدريسه للطلبة هو بمثابة تأسيس اول اكاديمية مصغرة للفنون في العراق الحديث، وكانت تجربة رائدة لتربية الذوق العام ورفعه الى مستوى صف المدارس الاوربية الحديثة . وقد اثرت هذه الحركة المبكرة الجديدة على الشباب من هوات الفن فانتظم الكثير منهم تحت لواء هذه المسيرة الخلاقة والتي تعد بحق حركة ثورية وانقلابا على كل التقاليد الفنية الموروثة القديمة والاتجاه نحو الفنون الاوربية ومدارسها الحديثة فاصبح التأثير والتأثر من سمات تلك المرحلة .

2214 ميساني 3

رسام الجيش

من تقاليد القرون السابقة كان هناك للرسامين دورا مهما في مرافقة الجيوش ورسم وتسجيل الاحداث العسكرية من معارك ومعسكرات وتحركات قطعات الجيش وغيرها وهو بمثابة المصورين والصحفيين في زمننا الحاضر في تغطية الاحدات في العالم .. وينقل لنا التاريخ بان الفنان الفرنسي جاك لويس دافيد 1748-1825 زعيم المدرسة الكلاسيكية الجديدة ومن عظماء الفنانين الذين انجبتهم فرنسا كان يرافق جيوش نابليون لرسم وتسجيل الاحداث العسكرية .

كان عبد الفادر الرسام يعتبر رسام الدولة العثمانية حيث كان يطلب منه رسم معسكرات وتحركات القطعات العسكرية بين المدن والنواحي المختلفة بالاضافة الى رسمه المناظر والرسوم الشخصية للولاة والقادة، هذه الحركة والتنقل اكسبته ثقافة معرفية واسعة بطبيعة جغرافية اهل العراق من اريافه ومدنه وانهاره وجمال طبيعتها وتقاليدها فازداد حسا وعاطفة وحبا للرسم، فكان غزير الانتاج لا يضاهيه احد . ويذكر ان احد القادة العسكريين الاتراك لما راى نبوغ وتفوق عبد القادر في الرسم على غيره ساعده في منحه اجازة لزيارة المتاحف والمراكز الفنية والثقافية في ايطاليا وفرنسا وانكلترا والمانيا ومصر وغيرها، وبهذا يعتبر عبد القادر الرسام اول مبعوث عراقي يرسل الى الخارج للاطلاع ودراسة الفنون الاوربية . // ... وسنكمل مشوارنا مع عميد الفن العراقي المعاصر في الحلقة القادمة .

 

د. كاظم شمهود

 

2215 كفاح عبد الكريم 1تخوض الفنانة التشكيلية كفاح عبد الكريم حمّاد من قرية المقيبلة في مرج ابن عامر، تجربتها مع الفن واللون والشكل، لتقدم لنا لوحات فنية تعبيرية مستوحاة من الطبيعة والمكان وجغرافيا الوطن والواقع الحياتي، تتشكل فيها مفردات ومعانٍ وعناصر تشكيلية ترسمها بروحها ومشاعرها وإحساسها المرهف وفكرها الراقي.

وفي جولة مع تجربتها ينتابنا هاجس الدهشة ووعي الجمال، ونقف أمام فنانة لها مكانتها الفنية في مجال التشكيل. فالرسم موهبتها منذ الصغر، وتأخذ حيزًا واسعًا ومساحة شاسعة من حياتها، ودأبت خلال السنوات الماضية على تطوير وإثراء موهبتها بالرسم المستمر والمتواصل بوتيرة عالية، ما اكسبها خبرة ومهارة مكنتها من اثبات حضورها ومكانتها في المشهد الفني التشكيلي الفلسطيني في هذه البلاد.

2215 كفاح عبد الكريم 2

وكفاح حمّاد فنانة صنعت لنفسها عالمًا خاصًا، ولها بصمة تميزها من خلال رسوماتها التي توحي بالجمال والروعة، وتبرع في رسم الوجوه (بورتريه) والملامح والأشخاص والمناظر الطبيعية، وتحول حالات الحزن والفرح إلى إنتاج وتشكيل فني. 

2215 كفاح عبد الكريم 3

واللوحة تحلق بكفاح حمّاد إلى أماكن مختلفة وفضاءات رحبة، وهي بالنسبة لها تحمل في طياتها الكثير من المغامرة. إنها ميدان للفن والجمال واكتشاف اللون، وتساعد في خلق مساحات واسعة للخيال والأفكار، وكل لوحة تعتبر احساسًا وانفعالًا بحد ذاته، تسطر فيها مشاعر وحالات يومية وهواجس وهموم ذاتية وعامة تترجمها بلوحاتها بكل الصدق والعفوية.

2215 كفاح عبد الكريم 4

تحية للصديقة الفنانة التشكيلية كفاح عبد الكريم حمّاد، متمنيًا لها المزيد من العطاءات والإبداعات الفنية والنجاحات في مجال الفن التشكيلي، ولها التألق الدائم.

 

 كتب: شاكر فريد حسن 

 

 

مصدق الحبيبمن أجمل لوحات المدرسة الكلاسيكية الرومانسية الفرنسية وأبلغها تأثيرا على المشاعر لوحة "دفن أتالا"   l’ enterrement d’ Atala  للفنان الفرنسي آن- لوي جيروديه (1767 – 1824)  Anne-Louis  Girodet  التي رسمها عام 1808 عن مشهد من رواية الاديب الفرنسي شاتوبريون   Chateaubriand الموسومة "أتالا " والمنشورة عام 1801.

وأتالا هي الفتاة الشابة الجميلة المولودة لأم فرنسية وأب هندي أحمر والتي تحكي الرواية قصة حبها العظيم لشاب من الهنود الحمر اسمه شاكتا  Chactas انقذته من الموت بعد ان كان على وشك ان يشنق من قبل غزاة القارة الاوربيين في أمريكا في القرن السابع عشر. ينتاب أتالا شعورا قويا باللاجدوى وهما في حماية احد القساوسة المبشرين، الاب أوبري، فترى نفسها ممزقة بين حبها اللاهب لشاكتا وبين وفائها لعهد قطعته لأمها بأن تبقى عذراء طاهرة تكرس حياتها لدين امها المسيحية . وبعد يوم متعب طويل ينتصر في رأسها شعور العدمية فتقدم على الانتحار، ويصبح على شاكتا والقس أن يدفناها في كهف قريب.

2212 Atala Girodet

يصور جيروديه ببراعة ساحرة طهارة أتالا وعفتها وجسدها المتلألئ تحت خيوط شمس الاصيل  النافذة الى الكهف في مشهد مؤلم يهم فيه الرجلان بانزالها الى القبر، بينما يتشبث شاكتا بساقيها ولايريد ان يواريها تحت التراب، ولسان حالها يردد جملة من الرواية مكتوبة على جدار الكهف: ها أنذا قد ذبلت كما تذبل الازهار وذويت كما يذوي العشب ويصفر عبر الحقول".

 

مصدق الحبيب

كاظم شمهوددأب بعض النقاد والمؤرخين لطمس وتشويه هوية جغرافية عبد القادر الرسام والاكتفاء بكونه من مواليد بغداد وانه كان ضابطا في الجيش العثماني، اما تفاصيل بداية حياته وطفولته الاولى ومراسيها فقد اغفل عنها او شطبها البعض اما تعمدا او جهلا .

اسمه الحقيقي عبد القادر عبد الرحمن ولد في قضاء قلعة صالح من مدينة ميسان عام 1882و توفي عام 1952 في بغداد، وقد كشفه المؤرخ الميساني جبار الجويبراوي عندما كان مهتما بدراسة تاريخ التعليم في ميسان بين اعولم 1917 و1958 . وقد وجد ملفا عن المعلمين في قلعة صالح عام 1916، ومن هؤلاء المعلمين وجد اسم الرسام عبد القادر وكان يلقب بالالماني لانه كان يمشي على غرار مشي الالمان العسكرية ..

2210 عبد القادر الرسام 1في بداية حياته دخل الكلية الحربية في الجيش العثماني في اسطنبول واثناء ذلك درس فن التصوير على يد اساتذة الرسم هناك حوالي عام 1904 وعندما تخرج عين ضابطا في قضاء قلعة صالح في ميسان، وهناك تزوج من فتاة من اهل المنطقة وانجب منها بنته الوحيدة - فريحة –

وعندما انتصر الانكليز على العثمانيين في العراق واحتلوا اراضيه اختفى عبد القادر من مدينته لفترة من الزمن خوفا من الانكليز ثم ظهر وفتح له محلا في قلعة صالح لبيع ورسم الصور الشخصية . وفي عام 1916 فتحت الحكومة مدرسة للتعليم في القضاء واحتاجت عدد من المعلمين من ابناء المنطقة فتقدم عبد القادر لها وعين معلما لتدريس مواد الرسم والجغرافية والتاريخ، وظل يعمل فيها حتى عام 1939 ثم نقل الى العمارة .. وفي عام 1940 احيل على التقاعد .

وعندما قبلت ابنته فريحة في دار المعلمات في بغداد اضطر عبد القادر الى الانتقال من العمارة الى بغداد مع اسرته .

2210 عبد القادر الرسام 2

بدايات شهرته

و في بغداد استاجر محلا وعرض فيه اعماله الفنية للبيع والتي نفذها سابقا في مدينته العمارة وكانت هذه الاعمال قد نالت رضى واستحسان اهل بغداد والاجانب، وكان ذلك بداية لتوسع علاقاته وسمعته فسمي بعبد القادر الرسام، وقد انهالت عليه الطلبات في رسم الصور الشخصية والمناظر والجداريات منها جدارية لسينما رويال في بغداد ثم اصبح يرسم لها مانشيتات الافلام التي تعرض فيها . وقد اسس عبد القادر مرسما او ورشه لتعليم الرسم في بغداد وانظم اليه عددا كبيرا من الشباب الهواة منهم الرواد من الجيل الثاني الذين اسسوا معهد الفنون الجميلة والتجمعات الفنية كفائق حسن واكرم شكري وحافظ الدروبي وجواد سليم وعطا صبري وعيسى حنا والحاج محمد سليم ومحمد صالح زكي وعاصم حافظ وغيرهم حيث كانوا يلتقون معه ويتعلمون وينهلون من معارفه وتجاربه العملية والنظرية التي تعلمها في اسطنبول والانفتاح على الفن الاوربي الحديث، وكان بعضهم يدرسون مادة الرسم في المدارس والبعض الاخر كانوا قد درسوا الرسم معه في اسطنبول . وبهذه الطريقة اخذ عبد القادر يثير الحماس وينشر الوعي الفني و الثقافي بين افراد الطبقة الواعية والمثقفة التي كانت تتعطش لمعرفة ما يحدث في اوربا من تطور في حركة الفن . ثم ساهم في تأسيس اول تجمع فني في العراق عام1941 اطلق عليه اسم جماعة اصدقاء الفن ضم الجيلين الاول والثاني وكان يتزعمهم عبد القادر الرسام .

2210 عبد القادر الرسام 3

في الكلية الحربية

عندما كان عبد القادر يدرس في الكلية الحربية في اسطنبول كان في نفس الوقت يتعلم الرسم على يد اساتذة اكفاء في الفن والتاريخ وكان التدريس اكاديمي ضمن المناهج الجارية في اوربا ومنها الاسلوب الواقعي والذي كان منتشرا في باريس في ذلك الوقت، حيث اسس كوربيه 1819- 1877المدرسة الواقعية وقد فتح نظرية غير مالوفة من قبل وهي نظرية الواقعية والتي اعتنقها الفكر الاشتراكي في روسيا في بداية الثورة واسسوا عليها المدرسة الاشتراكية في الفن . وقد اكد كوربيه على رسم الاشياء كما هي في الواقع دون اللجوء الى الخيال او المثالية . وقد تأثر عبد القادر بهذه المدرسة الاوربية، وكان يطلب منه وهو في الجيش برسم المشاهد العسكرية من فرسان وخيول وخيام ومعسكرات وصور شخصية وغيرها وكان معه مجموعة من الضباط العراقيين الذين درسوا الرسم ايضا في اسطنبول .

ولكن عندما اندلعت الحرب العالمية الاولى وسقطت الدولة العثمانية عاد هؤلاء الضباط الرسامين الى بغداد ليشكلوا الطليعة الاولى في تاسيس الفن العراقي المعاصر الذي اخذ يستمد طرازه وتقنياته ومفاهيمه الفكرية والفلسفية من الفن الاوربي، فاخذوا يمارسون الرسم على الحامل والذي كان غير معروفا ومالوفا يومذاك . وكانت مواضيعهم تختصر على المناظر الطبيعية والاسواق ومناظر نهري دجلة والفرات ورسم الشخصيات وغيرها .

2210 عبد القادر الرسام 4

مميزات اعمال عبد القادر

امتاز اسلوب عبد القادر بالواقعية ورصد العالم الخارجي واجادة التعبير عنه باتقان مبدا المحاكات في رسوم الاشخاص والمناظر الطبيعية، وفي اسلوبه ايضا نجد شيئا من الانطباعية ويسوده احيانا البدائية والفطرية، وكان غزير الانتاج لا يكل ولا يمل من الرسم، وقد تأثر به معظم الجيل الثاني من الرسامين الذين كانوا يدرسون في معهد الفنون الجميلة امثال فائق حسن وجواد سليم وحافظ الدروبي واسماعيل الشيخلي وغيرهم، ويذكر اسماعيل الشيخلي بان فائق كان يدرسهم الاسلوب الواقعي متأثرا باسلوب عبد القادر الرسام في معهد الفنون الجميلة ولكن عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية وجاء للعراق ثلاثة رسامين من بولونيا 1943 وكانوا تلاميذ الفنان الفرنسي الانطباعي بونار طلب فاءق من الطلبة تغير الاسلوب الواقعي الى المدرسة الانطباعية .

و كان عبد القادر شديد العناية باشكاله والاهتمام بتفاصيل الاشياء مثل رسم الاشجار والترع وضفاف الانهار والحيوانات الماشية والاثار والقباب والمنائر والفلاحين .. وكانت الوانه ساطعة مضيئة جميلة حساسة بحيث يستطيع المشاهد من معرفة وقت او زمان رسم اللوحة .. وهو ما يذكرنا بمونية صاحب المدرسة الانطباعية الذي كان اهتمامه بالضوء والظل كبيرا بحيث يرسم الموضوع او المنظر نفسه عدة مرات في اوقات مختلفة من النهار ..

يضاف الى ذلك ان عبد القادر نقل لنا كيفية الرسم على القماش واعداده وتحضير الالوان بطرق علمية حديثة تعلمها عندما كان يدرس في اسطنبول وكذلك استخدام الخامات التي تدخل في تحضير اللوحة والرسم عليها وهو بهذا المسعى خلق حركة جديدة تعتمد على الذات .. وكلنا يتذكر في نهاية الستينات من القرن العشرين حيث كان يوجد هناك محل واحد في بغداد لبيع الالوان والفرش والاستاندات والكانفاس وغيرها . وقبل هذا التاريخ كان غالبية الفنانين العراقيين يسافرون الى الخارج لشراء مواد الرسم، فكان ذلك الشح في المواد خلق ازمة وعطل الكثير من انشطة الرسامين وتوقفهم عن ممارسة الرسم . // .. سنكمل مشوارنا مع مؤسس الفن المعاصر في الحلقة القادمة .

 

د. كاظم شمهود

 

 

كاظم شمهودذكر المؤرخون بان صناعة فن التصوير كانت منتشرة قبل وبعد الاسلام فكانت كنائس اليمن والشام والعراق ومصر مليئة بالرسوم الجدارية الدينية، كما كانت قصور الامراء والملوك تعج بالزخارف والتصاوير مثل قصري الخورنق والسدير في العراق (الحيرة) والاول بناه النعمان بن امرأ القيس في القرن الرايع ميلادي وكان هذا القصر عنوان حضارة ومجد عربي خالد . والثاني يقال انه بناه اللخميين المناذرة .

2202 الرسم عند العرب 1(و يمكن الاطلاع على كتاب – قصور العراق العربية والاسلامية – للمؤلف طالب علي الشرقي- 2001) . وقد كان اعيان وامراء اهل العراق قد قلدوا قصور ملوك الفرس مثل طاق كسرى الموجودة حاليا آثاره في المدائن، حيث قلدوها من ناحية العمارة المترفة والزخارف والفسيفساء والجدران المصورة بالاصباغ المدهشة، وقد بلغت حدا كبيرا من الترف وفخامة الجمال ومظاهر الراحة والمصابيح المذهبة والسجاجيد البارعة والمطرزة .. كذلك شيدت قصور في اليمن مثل قصر غمدان في صنعاء الذي يعد من عجائب قصور العرب قبل الاسلام وقد سكنه آخر ملوك اليمن سيف بن ذي يزن وهدمه الخليفة عثمان بن عفان ويقال انه نقل حجارته لبناء المسجد النبوي؟ . وذكر ابن الكلبي بانه وجدت عبارة بالخط الحميري (غمدان هادمك مقتول) فهدمه عثمان فقتل . وكان هذا القصر مزينا بانواع الرسوم والزخارف . وكان يتكون من سبعة طوابق وترى اضويته ليلا من مسافات بعيدة ..

2202 الرسم عند العرب 2كما يذكر ان الصور كانت منتشرة في المدينة (يثرب) في زمن الخليفة عمر بن الخطاب مثل منزل ياسر بن نمير خازن بيت المال، كما ان مبخرة الخليفة عمر بن الخطاب التي يستخدمها في المسجد كانت مزينة بالصور الآدمية .. وغيرها من الامثلة

و كان الخليفة عثمان بن عفان هو اول من سمح ببناء القصور وان الناس تشجعت على ذلك في عهده وتحولت الحياة الى ترف وغنى وزخرف وزينة . وشيد معاوية بن ابي سفيان قصرا على غرار قصور الروم من ترف وابهه واقيمت به الحفلات الغنائية وضرب الدفوف . ثم بنى خلفاء بني امية القصور الخيالية وكانت مزينة بالتصاوير . وذكر ان عبد الله بن زياد والي البصرة بنى قصرا سماه الابيض وقد زخرفت حيطانه بالصور الحيوانية وملئه ايضا بالريش والطنافس . وقد ورد ذكر بعض هذه المعلومات في كتاب - تاريخ الاسلام - للدكتور حسن ابراهيم . وفي زمن الدولة الاموية شاع الطرب والغناء، ومن اشهر المغنين هو طويس حيث كان ينقر بالدف ويغني شعر الغزل والحب . وينقل المؤرخون بعض الاشعار التي يغنيها :

يا خليلي نابني سهدي       لم تنم عيني ولم تكد

وهو – تناهى فيكم وجدي  وصدع حبكم كبدي

فقلبي مصعرا حزنا    بذات الخال في الخد

فما لاقى اخو عشق   عشير العشر من جهد

2202 الرسم عند العرب 3

و في زمن الخليفة الاموي عبد الملك بن مروان / 86 هجرية (706 م) كانت خيام الحجاج الاغنياء مزينة بالصور الآدمية .. كما كانت الصور منتشرة على الاقمشة التي ترد من اليمن وعلى الادوات المنزلية وستائر المنازل .

وكانت مظاهر النشاط الفني ايضا مرتبطة بالعمارة الاسلامية ففن الفسيفساء والصور الجدارية كانت تغطي جدران وسقوف قصور الخلفاء ومنازل الامراء والاعيان مثل قصير عمرة وقصر الحير الغربي وقصر المشتى ، وقد وجت جدرانها مزينة بانواع الصور الآدمية والحيوانية منها صور عارية ... اما في العصر العباسي فكانت الاباحية قد انفتحت على مصراعيها ولم يعد هناك خجل او خوف من مسألة التحريم . وكان قصر احد الخلفاء العباسيين مزينا برسوم قصة يوسف وزليخة، كما ان قصر الجوسق في سامراء كان مزينا بصور الراقصات .. ونذكر بعض الابيات التي يرد فيها التصوير والاباحية للشاعر ابو نواس .

تدار علينا الراح في عسجدية   حبتها بانواع التصاوير فارس

قرارتها كسرى وفي جنباتها    مها تدريها بالقسي الفوارس

فللخمر ما ذرت عليه جيوبها    وللماء ما دارت عليه القلا نس

و من ناحية تاريخية يذكر القرآن الكريم بان التماثيل كانت تصنع في زمن النبي سليمان- ع - للزينة ورمزا للقوة والشموخ، ويذكر انه كانت تصنع تماثيل للاسود وتوضع في مداخل القصور او المدينة، ولكنها عندما عبدت كسرت هذه التماثيل .. وكان هناك من العلماء من فهم التحريم على انه منصبا على العبادة فقط فكل نمط من انواع التصوير والذي تكون غايته العبادة من دون الله فهو محرم سواء كان آدميا او حجرا او شجرا، فقد كان هناك اقوام قبل الاسلام تعبد الشجر (شجرة الايكة) والحجر (الانصاب)، وبالتالي فان صناعة التصوير من اجل المتعة والرفاهية والتعبير غير محرمة عند البعض ..

2202 الرسم عند العرب 4

و يذكر ان العالم ابن خلدون كان واسع الفكر ومتنور بحكم احتكاكه بالفكر الغربي عن طريق الاندلس، وقد ذكر بان التحريم يقتصر على تصوير الذات الآلهية فقط . ومثال على ذلك ما رسمه مايكل انجلو 1475 م في كنيسة بطرس حيث رسم الله على شكل رجلا ضخما متربعا على كرسي العرش تحيط به الملائكة والانبياء، وهذه اللون من العمل التجسيمي لله يعتبر محرما في الاسلام على اطلاق . اما غير ذلك فيعتبر جائزا عند البعض مثل شيخ الازهر محمد عبدة حيث قال : (لا مانع من التصوير طالما ان هناك متعة ومنفعة للمسلمين) .

ورغم ظهور التحريم والشك في مصادره وغموض تأويل الاحاديث والايات القرآنية الا أن صناعة التصوير بقت مستمرة دون توقف . وكان الخطاطون والمزوقون لهم القدرة والمهارة العالية في تصوير الكائنات الحية مثلما هو في (الارابسك) وغيرها وكان النساخون والخطاطون هم في الحقيقية مصورون ممتازون وكانوا يقومون بتصوير وتزويق وزخرفة المخطوطات ولكنهم يفضلون ان يذكروا كخطاطين وليس كمصورين خوفاً من غضب الفقهاء المتعصبين .

الحقيقة نحن اليوم نعيش مع عقل انساني متفتح ناضج يقيس ويحلل الامور دون خوف او خجل ولا يمكن قبول الروايات ذات النزعة الخرافية . فلا يمكن وضع هالة قدسية على كل من هب ودب من عاصر او شاهد او سمع من بعيد عن الرسول –ص- ان يدخله الله الجنة .. فالناس تقاس بصدق اعمالها ونواياها وليس بالصحبة او القرابة وبالتالي فقد كان التصوير وتشييد القصور واللهو وشرب الخمر منتشرا في العراق وبلاد الشام والجزيرة العربية والشواهد المادية الاثرية نجدها بكثرة ماثلة امامنا اليوم، بل ان انحراف بعض رجال الدين قد انكشف بعدما امسكوا بالسلطة والمال وهو خير دليل على اننا يمكن ان نرى الماضي من خلال الحاضر.

 

د. كاظم شمهود

 

جمال العتابييحاول الفنان ضياء حسن أن يبني عالمه الخاص الذي يحمل سمات شخصيته وهو يحكم الصلة بين إتجاهين في أسلوب أعماله التشكيلية، لا تناقض بينهما، احدهما يكمل الآخر، في النهاية يمنحان الفنان معاً قدرات الإيماء، لبلوغ جوهر الخطاب الفني إجمالاً.

المنحى الأول في إسلوب ضياء يتمثل في الكشف عن كيان الحرف والكتابة، وكل ما يتعلق بهذا الرمز اللغوي، معتمداً على تطلعاته الفنية المعاصرة، وإنطلاقاً من إحساسه بجمالية الحرف نفسه، كأساس، وإلى المقطع والنص الحروفي، وغالباً ما يستخدم ضياء الخطوط المغربية، لتأثره بأجواءالثقافة في المغرب العربي، كونه أكمل دراسة الدكتوراه في الفن بإحدى الجامعات التونسية، وهو منحاز في كشوفاته الذاتية الى ليونة الحرف المغربي واستجابته للون، وعدم السكون، في خلاف مع الحرف المشرقي، إذ يعتقد ضياء انه حرف جامد وصلب.

ان استلهام الحرف في الفن الذي ظهر منذ العصور القديمة، في النحت السومري البارز، منذ ذلك التاريخ، إستطاع الفنان أن يكتشف صياغات جديدة هي في أصلها ضرب من أساليب التعبير، ضمن مناخ الإنساني والإجتماعي والروحي والعاطفي معاً.

إن جودة وجمال تشكيلات ضياء، تكمن في إستخدام الخطوط كوسيط ينقل عبره للمتلقي ما تحمله تلك التشكيلات اللونية من معانٍ، بإعتبارها وحدات تجريبية مستقلة قائمة بذاتها لها من الطاقات ما يجعل منها إسلوباً ينفرد به ضياء حسن يخرج به عن الأشكال التقليدية في إستخدام الحرف إلى أفق عصري جديد، ولغة تعبيرية جديدة تستوعب الوجود بمعناه الزماني والمكاني معاً. لغة تنشد الحقيقة من منطق واقعي، إن استلهام الحرف، ولاسيما الآيات القرآنية في أعمال ضياء، هو أول الطريق في التصوف الفني إذا جاز لنا هذا التعبير، لان الفكر الصوفي بدوره ينزع نحو الحقيقة.

في المنحى الثاني من اسلوب الفنان حسن، نتوقف عند توظيف الحرف توظيفاً معمارياً، أو هندسياً، ونقصد هنا إستخدامه الخطوط المستقيمة، والأقواس والمنحنيات، ان حقيقة جمال الأشياء تكمن في تصميمها، وان أكثر الذين فهموا التصميم على حقيقته هم الفنانون ومهندسو العمارة، إن ضياء يخوض غمار هذا الميدان، ولديه من المقومات التي تقوده نحو وحدة الموضوع، والتنسيق اللوني، ووحدة النظام، فضلاً عن التنويع، وهي عكس التكرار الممل، ان وراء هذه الأعمال عقل منظم، ، هذا ماتوحي به تلك الصرامة والدقّة في التخطيطات، انه يلجأ الى نقل أجزاء من أشكال الطبيعة، أو أية حركة إنسانية كنقطة بداية، سرعان ما تتحول إلى قيم لونية، وتكوينات تنبض بالحياة والحب والعناق.

في هذا المنحى الأسلوبي يمكن ان نصنّف أعمال ضياء ضمن ما يعرف بالفن التجريدي الهندسي، الذي يقوم على التنسيق في الإيقاع والتوازن اللوني، بما يشعرنا بقوة البناء وتماسكه، فالتجريد حركة، ومفهوم الحركة ليس مطلقاً، انه مرتبط بالهندسة متأثرٌ بها، الخطوط تتلاقى، وتتباعد، وتنسجم، وتتلاحم في صراع مدهش كصراع الحياة نفسها، تنطلق مستقيمة أو منحنية، لينة حانية، تتداخل وتتشابك مثل أفرع شجرة ضخمة. في شد هائل يعبر عن القوة والرشاقة، مما يدفع عين المتلقي أن تجوس فيها مستكشفة إيقاع الخط النفسي، وإنسجامه الفني والشكلي.

ان استقصاء آليات العمارة الهندسية، قادت ضياء الى إكتشاف أساليب تقنية معينة، شاعرية في جوهرها، واصبح بإمكانه أن ينقل الى الورق أو القماش صوراً مدهشة ومثيرة لأفكاره ورغباته، بحبكة عالية، وكأنه نسّاج، أوخياط ماهر، الشكل لديه واضح ومصمم، لا تجريد مطلق، ولا هندسة مطلقة، انه مجاورة لونية لتكوين جديد بولادة جديدة. لعالمه الجميل الذي يصنعه.

وعلى الرغم من ان ضياء لم يخترع أشكالاً هندسية جديدة، لكنه على دراية بجمال الخطوط، والإحساس العالي باللون، فتميز من تحقيق قدر عالٍ من المتعة البصرية، لتكوينات متعانقة يشيدها ضياء بتأنٍ وصبر، فيها إستعادات لرموز عميقة وشيقة في آن واحد.

ما من فنان سلك هذا الطريق دون إخلاص، لفنه ومواقفه الجدلية، فالفنان ضياء حسن يحمل شهادة الدكتوراه في علوم وتقنيات الفنون، شارك في معارض جمعية التشكيليين العراقيين لعدة دورات، كما شارك في معارض تشكيلية عربية في تونس والجزائر، وأسهم في تصميم وتنفيذ العديد من المطبوعات، والشعارات والماركات للمؤسسات العلمية والثقافية.

 

جمال العتّابي

 

 

مصدق الحبيبهي اسلوب فني في التشكيل والادب والموسيقى، ارتبط بالايديولوجية الاشتراكية السوفيتية واصبح الاسلوب الرسمي الشائع في الفنون والآداب خلال الحقبة السوفيتية، اعتبارا من تأسيسه عام 1932 ولغاية انهيار النظام السوفيتي عام 1991. كما ساد هذا الاسلوب ايضا في عموم دول المعسكر الاشتراكي والصين، خاصة بعدالحرب العالمية الثانية. وتجدر الاشارة هنا الى ضرورة التمييز بين هذه الواقعية الاشتراكية والواقعية الاجتماعية  Social Realism، حيث يتعرض المفهومان للخلط احيانا. 110 الواقعية الاشتراكية 1

يهتم اسلوب الواقعية الاشتراكية بالتصويرالواقعي لحياة عامة الناس في جميع نشاطاتهم اليومية واماكن عملهم ومشاعرهم، ويركزعلى تصوير حياة الكادحين والفقراء والعمال في مصانعهم والفلاحين في مزارعهم والجنود في ثكناتهم والطلاب في مدارسهم وكذلك يصور مشاعر هؤلاء مع عوائلهم وفي افراحهم واحزانهم. وبذلك نكاد لا نجد أيا من مظاهر الترف في حياة الطبقات العليا وقصور الملوك والامراء وسهراتهم وحفلات صيدهم وبذخ نسائهم، كما نراها غالبا في فنون وآداب الواقعية الكلاسيكية. ويمكن القول ان الواقعية الاشتراكية أقلعت بالثقافة من قصور النخبة وحطت بها وسط تجمع الناس العاديين. 110 الواقعية الاشتراكية 2

في عام 1932، وقد مضى على تسلم ستالين السلطة ثمانية اعوام، اصدرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي المشروع الشامل لاعادة بناء المؤسسات الثقافية والذي استلزم حل جميع المؤسسات والجمعيات والتجمعات والنوادي الثقافية القائمة آنذاك واخضاع جميع النشاطات الثقافية الى سلطة مركزية تمثلت بكيانات الاتحادات المهنية الفيدرالية للفنانين والادباء والتي اخذت على عاتقها تعميم مفهوم "الواقعية الاشتراكية" في الثقافة بدلا من "الكلاسيكية البروليتارية" القائمة آنذاك.  واستنادا الى ماجاء في كتاب آيگور كولمستاك "الفن التوتاليتاري" المنشور عام 1990، فان مفهوم الواقعية الاشتراكية كان قد تمخض عن الاجتماع السري الذي انعقد بين ستالين وعدد من الفنانين والادباء في بيت مكسيم گوركي بتاريخ 26 اوكتوبر عام 1932. وكانت قوات الحرس الخاص قد استدعت ليلا ذلك النفر المختار من المثقفين ونقلتهم الى بيت گوركي دون ان يعلم احد اي شئ مسبق عن مكان الاجتماع ومن يحضره ومالغرض منه. وقد تفاجأ الحضور بظهور ستالين من خلف ستائر غرفة الجلوس وقيامه بترؤس الاجتماع معلنا بان الغرض من ذلك اللقاء هو الاستئناس برأي المثقفين من اجل تحديد الاتجاه الاساسي الذي يريده الحزب للثقافة السوفيتية الجديدة.  وبذلك فقد وضعت الصيغة الاولى لمنهج الواقعية الاشتراكية في الاداب والفنون اثناء ذلك الاجتماع . الا ان مفهوم الواقعية الاشتراكية الدقيق بقي غامضا للجميع لفترة سنتين بعد استنباطه، ولم يجرؤ احد على الاستفسار عن معناه الحقيقي او كيف يتسنى للمثقف ان يقدم انتاجه حسب هذا المفهوم. واخيرا انبرى اندريه جدانوف المستشار الثقافي للنظام الى القاء الضوء على معنى الواقعية الاشتراكية مستعينا بتعاليم وملاحظات ستالين الشخصية . 110 الواقعية الاشتراكية 3

كان ذلك في الاجتماع الموحد الاول لاتحادات ادباء الجمهوريات السوفيتية المنعقد عام 1934.  وقد جاء في تعريف جدانوف بان "الواقعية الاشتراكية تتمثل اولا بمعرفة الفنان او الاديب لمحيطه واستعداده لتجسيد ذلك الواقع ،  ليس بالشكل المدرسي الجامد، وليس كحقيقة موضوعية مجردة، انما تجسيدا للحياة الحقيقية بطورها الثوري الخلاق الذي يتزاوج فيه التراث الاصيل مع مهمات الثورة الاشتراكية العظيمة، بحيث يكون الهدف هو تعليم الجماهير وتثقيفها بروح الطبقة العاملة الكادحة وتنويرها بسناء النظام الشيوعي الخالد"( Golomstock, 90 ).  وهكذا فقد اصبح الهدف المركزي للآيديولوجيا الشمولية في الثقافة هو الزام الفنان او الاديب بان ينظر الى الواقع الذي يصوره بعين الحزب من اجل تجسيد الصيغة الثورية لذلك الواقع، الامر الذي لايمكن وصفه إلا بكونه احادي المنظور!! ولكن هذه الميزة لم تكن بعيب في ظل الفلسفة التوتاليتارية اذ ان جدانوف كان قد قال بصراحة:

"في ظل صراع الطبقات التي تحسمه الثورة لصالح الطبقة البروليتارية، لابد ان تكون فنوننا وآدابنا منحازة ولايمكن لها ان تكون غير سياسية".

 وهذا يشابه لما ردده ايضا هانز شم وزير الثقافة الاول في الحكومة النازية حين قال:

"عند الكلام عن ثقافتنا، لايمكن لنا ان نكون موضوعيين، لاننا ألمان الى العظم"!!. 110 الواقعية الاشتراكية 4

وهكذا تركزت الثقافة الآيديولوجية الواحدة الموجهة التي لايقوى ان ينتقدها او يهملها او يعارضها اي احد. بل اصبحت لزاما على الجميع. ومن يجرؤ ان يختلف، فإنه سيخسر صراع البقاء لامحالة! . وكانت اول حملة للتصفية الجسدية للفنانين والادباء غير المرغوب فيهم  تلك التي شنها الكساندر كيرامسوف عام 1938من داخل اتحاد الفنانين ضد مجموعة ضمت عددا من اعضاء الاتحاد الرسميين اضافة الى عدد آخر من غير المنظمين الى الاتحاد. 110 الواقعية الاشتراكية 5

 وكان كيرامسوف، العضو المتنفذ في الاتحاد، قد صرح علنا ودون اي تردد بانه "لابد من التخلص من العناصر المغرضة التي تتحرك في الوسط الفني من امثال اعداء الشعب وعملاء الفاشية، واخص بالذكر جلاوزة تروتسكي وبخارين وكترسنايبس" . وقد تلتها حملات اقسى واشمل واكثر تنظيما راح ضحيتها العديد من المثقفين كما حدث عامي 1940 و 1953، ومابعدهما. (الحبيب، الفن والحرية والابداع، 2007،  ص118-119) في عهد لينين وما قبله، لم تكن الانشطة الثقافية ملزمة باسلوب معين انما اتصفت بشيوع اساليب مختلفة وفي الحقيقة انتشرت عبرها اساليب الفن والادب الحديثة التي شاعت في أوربا عند مطلع القرن العشرين، والاكثر من ذلك ان الرواد الاوائل في الاسلوب التجريدي مثلا كانوا من الفنانين الروس كفاسيلي كاندنسكي وكشميرماليفتش وناتاليا كونجروفا وميخائيل لاريونوف. فكان من الممكن تمييز مجموعتين رئيسيتين من المثقفين: التقليديين والمحدثين. في حكم ستالين الذي بدأ رسميا عام 1924 بدأ المحدثين يفقدون مواقعهم على خارطة الثقافة الوطنية شيئا فشيئا الى ان فقدوا اي موضع قدم بعد عام 1932 لتختفي ملامح نشاطهم الفكري بعد الاعلان عن المنهج الجديد، الواقعية الاشتراكية. وهكذا تشتت هذا الفريق بين من هجر البلاد وبين من تدجن بموجب ماهو واجب. 110 الواقعية الاشتراكية 6

ولو وضعنا البرابوگاندا الغربية التي احطت من قيمة الواقعية الاشتراكية وجردتها من كل ماهو جيد من خلال التركيز على انها نتيجة للقسر والارهاب الثقافي الذي مارسته السلطات السوفيتية، سنكون عند واجب الموضوعية، خاصة اذا انتبهنا لها من الناحية الفنية البحتة وتأملنا الجمال الباذخ في نتاجها الثقافي. فموضوعاتها نبيلة دأبت على تصوير قيمة العمل وقداسته كواجب وطني، ومجدت السعي المثمر والتعاون، والتزمت بالنظرة التفاؤلية وآمنت بالمستقبل الافضل للاجيال، وتمسكت بالارض والوطن الواحد وسعت الى تثوير خيراته، وجعلت من الوطنية واجبا مقدسا، واشاعت المحبة والتعاون والخير للانسانية جمعاء. كل ذلك جسده الفنانون بطرق ساحرة موظفين فيها رموزا رائعة جليلة كسعة وثراء الحقول السابحة بضوء الشمس وزهو ونضارة الازهار في المشاتل ونقاء الثلوج على التلول وقوة المكائن وصلابة الحديد وعناد الصخور وابتسامة الوجوه المنتصرة القانعة، وألفة العائلة الحميمة.

نعم انها فن امتزجت فيه الايديولوجية. ايديولوجية حزب حاكم واحد يحقق اهدافه باسلوبه التوتاليتاري المعروف الذي نقل الفنون والآداب من كونها ترف ثقافي الى وسيلة تعليمية تنويرية أو سلاح ضد الجهل والخيانة والشرور. 110 الواقعية الاشتراكية 7

أنا شخصيا ارفض فكرة الفن الايديولوجي مهما كانت وجهته واهدافه طالما انه مفروض فرضا على المجتمع لكنني لا اتردد ان افتش عما يكون جيدا فيه واعتز به.  كما انني اتخذ ذات الموقف مع الثقافة الليبرالية الحرة التي تتضمن ايضا الصالح الذي يكتسب الاعتزاز والطالح الذي يستحق الرفض. خلال سني الحرب الباردة والى اليوم تنازع المعسكران الشرقي والغربي واساء كل منهما الى الآخر بنفس القدر فورثت الاجيال غسيل الادمغة الذي لابد لنا من ان نوضح سيئاته فنضع خطواتنا على طريق الموضوعية التي سترشدنا الى التقييم الصحيح الحق دون الانجرار الى الولاءات السياسية او الدينية او العنصرية.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

 

شعلان الدراجيالتي لاتزال تنبض بالحياة ..

في معرضه الشخصي الأخير، (أشياء تشبه الرسم)، أقام الفنان حامد سعيد معرضاً شخصياً في جمعية التشكيليين العراقيين في البصرة، الذي جاء تزامناً مع ملتقى الهايكو والنص الوجيز الذي أقامه أتحاد الأدباء والكتاب بتاريخ 24 /12/ 2020 .

جاء هذا المعرض نتاج لتجارب عدة تم الخوض فيها تقنياً ولونياً وشكلياً لتأسيس شكلاً خاصاً في الترميز المتداول لكل أشكال وأنظمة اللوحة التشكيلية، والذي بإمكانه أن يحمل مفهوماً خاصاً، أقرب الى مخزون: الطفولة، والقرية، وما تحمله المدينة في طياتها من متاهات ودهاليز، وتعقيدات وتحديات أرى أن بوسع الفنان الظفر ببلورة أتجاه تشكيلي ينأى بنفسه عما تناوله الاخرين من تجارب اتجاهات فنية. تمثل مزاجه وهويته واسلوبه الخاص في التعبير عن الذات في خضم واقع فني تتصارع فيه الأفكار والقيم الفنية (الفن للفن) والإنسانية  (الفن للإنسانية) التي  تعالج وتتبنى واقعاً قد يكون محورياً يدور حول موضوعات او مضامين واتجاهات فينه نتيجة لحركة التاريخ و الأنسان .

تناول الفنان في معرضه الأخير موضوعات تعبيرية وأقحم نفسه في مدرسة فنية (التعبيرية بمختلف اتجاهاتها) تتجاذب فيها الأفكار والقيم التشكيلية محلياً وعالميا والتي قطعت شوطاً ولا يستطيع فيه أحداً الخوض في غمارها إلا من أمتلك خبرة واسعة وتجارب فنية عديدة تؤهله لوضع موطئ قدماً له في هذا التزاحم والصراع المستمر في البحث عن هويته التي تميزه عن الأخرين .. وحامد سعيد قد نجح في هذا الاختبار الجديد الذي خاض غماره في هذه التجربة الفنية من خلال معرضه الأخير وتبنيه  للمدرسة التعبيرية  .. والتي ربما قد يجتهد الكاتب ويسميها (بالتعبيرية الغرابية) .

109 حامد سعيد 1

 والوهلة الأول عندما يشاهد المتلقي لوحات الفنان حامد يتبادر الى الذهن أنه يقرأ قصة أو رواية للكاتب الكولومبي الحائز على جائزة نوبل للآداب، غابرييل غارسيا  ماركيز وما تتضمنه من شحنات فنية وأسلوب ادبي خارج عن مألوف وفي أطار غرائبي يشد المتلقي، ويأخذه الى أبعاد وأفق بعيداً عن واقعه الذي يعيشه، والغوص في عقله الباطن لتقمص حالة من المتعة والخيال المفرط والذي له دلالات واقعية تضعه أمام مسؤوليته التاريخية والحياتية تجاه محيطة ومجتمعه.

وهنا أيضا أستشهد بقول الكاتب العراقي البصري محمد خضير حينما قال بخصوص معرض حامد سعيد: أن تترك هذه الاعمال  في وعي متلقيها انطباعاً منفرداً يوازي الانطباع الموحد لدى قارئ قصة قصيرة ...للكاتب الرائع أدغار ألن بو .

 وهذا ما فعله الفنان حامد سيعد في معرضه الأخير (أشياء تشبه الرسم) . حيث يشاهد المتلقي مينة حامد سعيد التي تعج بالرموز والحركة والألوان التي تنساب بطريقة تتناغم مع ذوق المتلقي وتشده اليها وكأن هناك علاقة أزلية بين اللوحة والفنان والمتلقي... طيور بوضع يختلف عما نشاهده، زوارق وانهار، أزقة وبيوت.. وكأنه يجسد الحالة التراثية  لمدينته (البصرة) والحلم الذي يراوده في خلق حالة من الوعي المجتمعي والتطور الجمعي  لما تعانيه هذه البقعة من (الأرض).. (الطين) والتي وصفها الفنان في دليل معرضه:

نتألم كثيراً ..

ننزف طيناً أسمراً ..

يصنع منه الصيادون ..تمثالاً ..

تغطيه السماء اللاهبة..

نجفُ كالأنهار ...

تلك المدينة التي تطفو على صفيح الصراعات ... والحروب .. والاستحواذ على تاريخها ونهب ما تحتويه من قيم مادية ومعنوية  من قوى داخلية وخارجية تكالبت وتضامنت على انتزاع روح مدينته ووضعت تابوتاً مرصعا بالذهب الزائف أمامه ... لوأد كل ما تبقى له من أمل وكبرياء والذي يشكل حاضراً مؤلماً له ولجيله ولأجيال من بعده ..

109 حامد سعيد 2

لكن أصرار الفنان وتمسكه بحلمه ورؤيته الفنية في احدى لوحاته (ملعب لكرة القدم) التي يصور فيها بعفوية مفرطة التي أعادتنا الى بواكير الطفولة الأولى .. لتشاهد وتسمع ضجيج الأصوات والحركة التي توحى للمتلقي أن الفنان يؤمن دون شك بأن مدينته التي عانت ظروفاً استثنائية ... لا تزال تنبض بالحياة والديمومة والأمل .

أستخدم الفنان حامد سعيد في معرضه أشياء تشبه الرسم مادة الاكرليك والأحبار وجعل اللوحة أقرب ما تكون الى السطح المستوي وتجا وز بذلك العمق وتزاحم الالوان وكثرتها ... ليعطي انطباع مقصود، بحرفية عالية وتفرد بعفوية اللوحة .. وشحن النسق الطفولي بتعبيرية .. وقد ساعد المتلقي في فهم اللوحة والغوص في خباياها ... وكذلك أبتعد في أعماله ...عن جدار وحروفية والعفوية الطفولية (وخربشات) الاطفال .. عند، شاكر حسن ال سعيد ... وكذلك أبتعد عن التعبيرية الالمانية لدى ستار كاووش والوانه الصارخة والمتناسقة في نسق هرموني وشخوصه والرموز التشكيلية المتشابكة ...

ساهم الفنان حامد سعيد في وضع بصمة فنية واعطى انطباع بان العمل الفني ليس له حدود وللفنان حرية التعبير في الفضاء الذي يسرح فيه فكره وعقله الباطن وإعادة مخزون الذاكرة بطرق فنية تشكيلية وإبداعية  قد تترك بصمة جمالية في ذهن المتلقي ...

نأمل ان يتحقق المشروع الفني وما يحمله الفنان من تداعيات وقيم تشكيلية وقد تساهم في خلق حركة تشكيلية وفنية رصينة لمعالجة قضايا المجتمع وما يعانيه من ازمات ووضع حلول لها من خلال تبني مبدأ الفن للإنسانية، ان يكون الفن مفتاحاً لهذ التوجه الإنساني.

وأخيراً أستشهد بقول لبيكاسو عندما أسأله النازيون من رسم هذه اللوحة (يقصدون الغورنيكا) قال: أنتم من رسمها .

 

بقلم : شعلان الدراجي

كاتب من العراق / البصرة

 

قراءة لتجربة الفنانة الإيرانية "شيرين نشأت" من خلال عملها التنصيبي "مناجاة النفس"

اغتراب الهوية في غربة الجسد

أثّرت الأوضاع السياسية المحتقنة والأزمات المتعاقبة التي مرّ بها معظم بلدان العالم على ممارسات الفن المعاصر، مما دفع ببعض الفنانين طرح هذه الإشكاليات في منجزاتهم البصريّة وفي أعمالهم التشكيلية، خاصة موضوع أزمة الهوية والذاكرة الجماعية والفردية وعلاقتهما بالمكان والزمان. كل هذه التساؤلات المطروحة لدى الفنان التشكيلي المعاصر تتخذ معظمها من الجسد نقطة انطلاق في ممارساته الفنيّة، تنوعت بين تنصيبات الفيديو والتصوير الفوتوغرافي، والعروض الأدائية، والرسم التشكيلي. لقد طرأت على العالم بفعل الحداثة تحولات ألحقت تغيرات عميقة بالجسد في كل من المجتمعات الشرقية أو الغربية على حد سواء وانتشرت العديد من المفاهيم المرتبطة بالجسد، ونشأت ذاتية خاصة بكل فرد فظهر الإنسان غير متوافق مع واقع الحياة المعيشي، ذلك الواقع الذي أمسى أشد تعقيدًا يوما بعد يوم، وعلى الإنسان المعاصر أن يجاري هذا الواقع قبل أن يسبقه ويصبح غريبا عنه، وأصبح مفهوم الاغتراب مشاعا خاصة لدى الفنان الشرقي المعاصر نتيجة اختلافه في الرؤى والمواقف عن الآخرين وتحول الفنان الفرد لحالة ذاتية انعكست على رؤاه وعلى أعماله الفنية المعاصرة.

من هنا تتنزل قراءتي لتجربة الفنانة الإيرانية "شيرين نشأت"، ولدت هذه الفنانة في مدينة قزوين سنة 1957، وترعرعت في عائلة منفتحة على الغرب، حيث قام والدها بإرسالها إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإكمال دراستها في سنة 1974، لم تتمكن من العودة إلى إيران لمدة 11 سنة تقريبا. حصلت في تلك الفترة على درجة البكالوريوس من جامعة كاليفورنيا بيركلي سنة 1983، ودرست الفن في لوس انجلس وبعدها عملت في محل تجاري للفن والعمارة. بينما كانت "شيرين نشأت" غائبة عن إيران كانت الثورة الإيرانية الإسلامية التي اندلعت عام 1979 قد حوّلت البلاد من الثقافة الفارسية إلى الثقافة الإسلامية، هذا التحول الجذري غيّر كل معايير الحياة في إيران وعرفت البلاد جدلية كبيرة من ناحية الرفض والخضوع. وبعد هذا الانفصال، عادت الفنانة إلى وطنها لأول مرة بعد الثورة في سنة 1990 لتصطدم هناك بالواقع، كانت هذه الصدمة نقطة تحول فاصلة وحازمة في حياتها، حيث غيرت بالأساس علاقتها بوطنها لأنها لم تتحمل ذاك الوضع التي آلت إليه بلادها وخاصة التحول الجذري لمكانة المرأة بعد الثورة فإختارت حينها العيش في المنفى، أصبحت "شيرين نشأت" معروفة دوليا في عام 1999 عندما فازت بالأسد الذهبي في بينالي البندقية.

وبالتالي، هاجرت الفنانة الإيرانية "شيرين نشأت" موطنها نحو الولايات المتحدة في عمر مبكر وقبل الثورة الإيرانية أي في فترة حكم الشاه حيث كانت هناك نسبة لا بأس بها من الحرية للمرأة المنفتحة على الفن والثقافة مقارنة بحاضر المرأة الإيرانية اليوم التي ترزح تحت مجموعة من القيود، لذلك نجد في لغة فنها نوعا من خطاب تصادمي تمرّدي على واقع بلادها.

فضلت "شيرين نشأت" العيش في الفضاء الغربي بالولايات المتحدة كنوع من الهروب من الواقع الرّاهن في وطنها، عرفت هذه الفنانة فضاءا جديدا وعاشت نوعين من الغربة، غربة الغرب وغربة الشرق، بما أنها اتبعت منهجا فنيّا فرض عليها العيش في المنفى فلم يعد الوضع باختيارها بل مفروضا عليها، وحول هذا الموضوع صرحت الفنانة في إحدى المحاضرات التي قامت بها عن موقفها تجاه موطنها قائلة:

"وجدت البلاد عقائدية تماما، والتي لم أتعرف عليها بعد، أكثر من ذلك أصبحت مهتمة جدا عندما كنت أواجه معضلاتي الشخصية والأسئلة، أصبحت مغمورة في دراسة الثورة الإسلامية، كيف في الواقع أنها حوّلت بشكل لا يصدق حياة المرأة الإيرانية. لقد وجدت هذا الموضوع من النساء الإيرانيات مثيرا للاهتمام للغاية. بطريقة ما المرأة في إيران تاريخيا تجسد التحول السياسي.(...)، من خلال دراسة امرأة يمكنك قراءة تركيبة وفكر البلاد، لذلك كوّنت عمل لمواجهة الأسئلة التي واجهتها في حياتي الشخصية(...)."[1]

وبالتالي اتسم فنّها منذ ذلك الحين بهذه التداعيات والمفارقات الحاصلة في بلادها -  وهي من بلاد المنفى -  حاولت الفنانة الإيرانية منذ ذلك الوقت أن تترجم هذه التداعيات تشكيليا وفنيّا.

كان جلّ تركيزها على الجسد الأنثوي حيث جعلته مركزا للإفصاح عن متناقضات الحالة الفكرية والسياسية والدينية والاجتماعية في العالم الشرقي وفي إيران بالخصوص. فكان الجسد حاضرا فاعلا متفاعلا معا في كل عمل فني تقدمه، تنطلق منه لتعود إليه، صورته "شيرين نشأت" نافذة تفتح على العديد من المفاهيم والأبعاد، فهي تتساءل عن دور المرأة في المجتمع الإسلامي مدركة بذلك التوتر القائم بين الهوية التي تحركها دوافع الاهتمامات الفردية والهوية الثقافية الجماعية التي تنتسب إليها.

ولهذا، فإن سؤال الجسد يعتبر مدخلا هاما لفهم العديد من العلاقات، إذ تشكل العلاقة مع الجسد علاقة مع الذات، أي ذات الفنانة المبدعة التي عرف جسدها حالة النفي والاغتراب، وكذلك تشكل علاقة مع الآخر بما أنها تخاطب من خلال جسدها وجسد الموديلات المتقبل، وبما أنها تعرض أعمالها في فضاء الغرب الذي يعتبر المحور المركزي حيث تُبنى العديد من المواقف الفكرية والتمثلات الإيديولوجية والإيهامات، فتكون هذه العلاقة ترجمة لهذه التجاذبات بين ذات الفنانة وبين الآخر. بما أن الجسد هو المجال حيث يتواجه الاجتماعي والفردي، الطبيعي والثقافي، النفسي والرمزي.[2]

وبتحليل أعمال الفنانة المغتربة "شيرين نشأت" وجدنا أن خطابها الفنيّ يعكس اغترابا مزدوجا، اغترابا في داخل وطنها وخارجه، اختارت حياة المهجر لا عن طواعية بل مضطرة إلى ذلك، لرفضها سياسة بلادها تجاه المرأة، ولعدم توفر الحرية في تقديم فنها وعروضها، لهذا السبب اختارت حياة المنفى، لشساعة مساحة الحرية المتاحة للفنان الشرقي في الفضاء الغربي مقارنة بالضغوط التي يتعرض لها في موطنه الأصلي، وبالتالي يجد الفنان نفسه في هامش العلاقة بين ثقافتين وبين شقين دون أن يتموضع أو يستقر في أي منهما.

لقد أصبح التشكيل العربي المعاصر يحمل توجهاً وجودياً في طرحه لإشكاليات العصر، فقد أصبح الخطاب الفنيّ كشفاً لحقيقة الجسد المهمش والمُنعزل والمُغترب، وفي كافة الحالات التي تجعلهُ يعيش محنة البحث عن الوطن وعن الهويّة والتمرّد على الواقع والرحيل إلى المجهول، فالجسد هنا هو رمز للذات الإنسانية ولا معنى للوجود من دونه.

"إن الجسد هو الحاضر الغائب، إنه في آن واحد محور إدراج الإنسان في نسيج العالم، والمرتكز الذي لا بد منه لكل الممارسات الإجتماعية. "[3]

إن الحديث عن المنفى ليس من الأمور التي يسهل علينا طرحه لأنه تجربة ذاتيّة ونفسيّة، لا يستطيع أن يعبر عنها سوى الشخص الذي عاش محنة الاغتراب ولوعة الاشتياق إلى الوطن. تجربة المنفى هي معاناة يومية يعيشها الشخص المنفي في كل لحظة يتذكر فيها غربته وحياته المهمشة زمانيا ومكانيا، فأعمال الفنان المنفي تحمل في طياتها خطابا تجاذبيا وتراجيديا بين الذاكرة والجسد، الأولى تشدّ ذات الفنان نحو ماضيه في شكل رموز وصور هي كل ما تبقى في ذاكرته من ماضيه ومن حياته الحميميّة، أما الجسد فيشدّه نحو الحاضر حيث يعيش الجسد المغترب في سياق شروط ووضعيات جديدة لا يمكنه الاندماج فيها بعمق بعد أن خرجت حياته كلها من نسيج الاستقرار والطمأنينة. فكلما زادت وطأة المعاناة والإحباط من حياة المنفى على الجسد المغترب، شكلت الذاكرة مهربا وملجأ للشخص المنفي.

ولذلك يتخذ المنفى لدى "شيرين نشأت" بعدا إشكاليا، هي ككل فنان مهاجر أو منفي تحمل بداخلها إحساس بالحنين والفقد لذكريات وتشعر بالعزلة والغربة، فتحيل هذا الإحساس الكامن بداخلها إلى مكان وزمان معينين هما جزء من ذاكرتها الجمالية، وتقع ترجمتها في أعمالها الفنيّة، محاولة بذلك إبراز هويتها المسلوبة منها، لتمتزج هذه الحالة الشعورية بثقافة بصرية معاصرة.

كانت "شيرين نشأت" تدرك أن مصيرها في المنفى قد حُسم ولا تستطيع العودة إلى الوراء كما أنها لا تستطيع أن تنسجم كليّا في الفضاء الجديد ولم يبق أمامها سوى التشبث باختلافها وفرادتها، ولذلك اختارت أسلوبا خاصا ومتفردا لذاتها كفنانة بصريّة وتشكيليّة، ولعل عملها "مناجاة النفسsoliloquy" انعكاس لمعاناتها، حيث قامت بهذا العمل سنة 1999 وهو تنصيبة فيديو ثنائي الإسقاط جرى تصويره بين تركيا والولايات المتحدة.

ليس هذا أول عمل فني تقوم "شيرين نشأت" بإنجازه خارج بلدها الأصلي، فكل أعمالها صُورت في تركيا وفي المغرب وفي كل مكان يشبه في بعض تفاصيله المعماريّة والثقافيّة إيران، هذه هي ضريبة الفنان والمثقف المنفي عن وطنه، وحول هذا الموضوع تقول:

"كنت الدخيلة التي كانت قد عادت إلى إيران لإيجاد مكاني، ولكن لم أكن في وضع يسمح بأن أنتقد الحكومة أو إيديولوجية الثورة الإسلامية(...) لذلك أصبح فني نوعا ما أكثر إحراجا، أصبحت سكيني أكثر حدّة، ولقد وقعت في حياة المنفى، أنا فنانة رحالة، أعمل في المغرب، في تركيا، في مكسيك، في كل مكان أذهب إليه لجعله إيران. "[4]

غيرت "شيرين نشأت" في هذا العمل التقنية التي كانت تعتمدها سابقا وهي تقنية الأبيض والأسود، حيث أدخلت في "مناجاة النفس" اللون، ليمثّل هذا التغيير التحول الرئيسي الأول للغة البصرية لديها. يستعرض هذا العمل المقسم على شاشتين متقابلتين حياة امرأة في فضاءين، الفضاء الشرقي والفضاء الغربي، بين معمار تقليدي ومعمار حديث، وتجسد هذا الدور الفنانة الذي كان حضورها بشكل متزامن في كلتي الشاشتين.

يظهر على الشاشة الأولى الفنانة "شيرين نشأت" وهي تنظر من النافذة التي تطل على بيوت ومسجد، في حالة من التأمل والانسجام مع المناظر الخارجية، وبالتزامن مع هذا المشهد تقوم الفنانة بنفس الفعل في الجهة المقابلة مع اختلاف الأمكنة، لتقف وتطل من النافذة المفتوحة على مباني شاهقة وبنفس الحالة الأولى. ثم وبشكل متواز تخرج الفنانة من المكانين المتواجدة فيهما، فتتّبع الكاميرا تحركاتها وهي في الشاشة الأولى تتجول عبر الأزقة الضيقة حتى تجد نفسها في النهاية في ساحة مكتظة بالنساء والرجال، وهم في زيّهم الأسود لتختلط بهم وتقوم معهم بحركات وطقوس غريبة.

وفي المشهد الموالي يظهر طفل وهو يتقلب على الرمل، صُوِر بتقنية الأبيض والأسود وكأنه يجسد كابوسا لطفل عاجز غير قادر على النهوض. تدرك الفنانة الإيرانية في النهاية عدم قدرتها على التعايش معهم والتأقلم مع البيئة التي تمثلها وهي البيئة الشرقية أو بالأحرى البيئة الإيرانية بعد الثورة، فتقرر بعد ذلك الانسحاب والهروب، لتركض لاهثة عبر البهو نحو السطح، وهناك تقوم بغطس رأسها في إناء مليء بالماء ثم تقوم بسكبه على جسدها. في نهاية المشهد، تبرز "شيرين نشأت" وهي تركض متجهة نحو الصحراء لتبتعد وتتلاشى شيئا فشيئا.

أما بالنسبة إلى الشاشة المقابلة، تظهر"شيرين نشأت" وهي تقود سيارتها في شوارع نيويورك ثم تدخل بعد ذلك إلى مكان عام مكتظ بالناس وتقف وهي في حالة من التأمل والذهول وكأنها تبحث عن شيء ما وسط هذا الاكتظاظ الشديد في ذلك المكان، ثم بعد ذلك تخرج من هناك متجهة نحو الكنيسة، لتجد الراهبات وهن يقمن بطقوسهن بثياب بيضاء بينما "شيرين نشأت" بالرداء الأسود الإيراني. استخدام اللون الأبيض لراهبات والأسود للفنانة يحمل في طياته تعبيرا مجازيا ورمزيا يتمثل في نظرة الراهبات إليها الرافضات لها، لتخرج الفنانة بعد ذلك من الكنيسة مسرعة نحو طريق خال من المارة ويوجد به سور مرتفع جعلته "شيرين نشأت" حاجزا بينها وبين العالم الغربي.

"مناجاة النفس" هو عمل مشحون بالعواطف وانفعالات الفنانة، إحساسها بالنفي والعزلة، كما يحمل هذا العمل أبعادا دينية وروحيّة عبر الأصوات المنبعثة من الكنيسة وصوت الأذان المنبعث من المسجد، كما قامت "شيرين" في هذا العمل بالمزج بين عالمين عالم شرقي وعالم غربي. وبين ثقافتين في فضاء العرض، ولكن الشخص واحد هي الفنانة التي تعيش حالة من التمزق، والتشظّي بين هذين العالمين، حالة من التجاذب والتفاعل، مما نتج عن ذلك علاقة تناسجية، تواصلية وجدالية، بقدر ما تثبت الشاشتان في فضاء العرض وجود مسافة فيما بينهما، فإنهما وفي نفس الوقت تجعل قطع المسافة ممكنا وتحقيق التواصل يسيرا. وفي هذا السياق يقول الكاتب الفلسطيني "إدوارد سعيد" في كتابه "المثقف والسلطة":

"(....) وهكذا فإن المنفي يقع في منطقة وسطى، فلا هو يمثل تواؤما كاملا مع المكان الجديد، ولا هو تحرر تماما من القديم فهو محاط بأنصاف مشاركة، أنصاف انفصال، ويمثل على مستوى معين ذلك الحنين إلى الوطن وما يرتبط به من مشاعر وعلى مستوى آخر قدرة المنفي الفائقة على محاكاة من يعيش معهم الآن، أو إحساسه الدفين بأنه منبوذ. ومن ثم يصبح واجبه الرئيسي إحكام مهارات البقاء والتعايش هنا، مع الحرص الدائم على تجنب خطر الإحساس بأنه حقق درجة أكبر مما ينبغي من الراحة والأمان"[5]

إنها معاناة المثقف البعيد عن وطنه وأهله، ولعل هذا ما يفسر تلك النظرات الحائرة والحزينة المنبعثة من عيون "شيرين نشأت"، فلقد ارتكز عملها على نظرات العين حيث تؤدي دور الكاميرا التي تدعو المشاهد لتتبعها والانسجام معها، كما تخترق بنظراتها فضاء العرض نحو الشاشة المقابلة والعكس بالعكس وكأنها تبحث عن ذاتها، عن هويتها، بعين مستسلمة وتائهة وفي عزلة ملفوفة بصمت جارح وتوحّد غريب. هناك قوة إيحائية من خلال نظراتها المشحونة بالعواطف والأحاسيس وبالحزن وبالأسى.

ربطت "شيرين نشأت" هنا بين التجربة الحسيّة الذاتية والتجربة الإستيطقيّة في سيرورة هذا العمل، الذي يعبر بدرجة أولى عن ذاتها وعن تجربتها الخاصة في ثقافتين مختلفتين، فهي هنا تطرح مفهوم الغربة والعزلة التي تشعر بهما سواء في العالم الشرقي أو في العالم الغربي، لتعبر عن ثقافتها المزدوجة، وهذه من بين الأسباب التي جعلت من مبدأ الازدواجية حاضرا وفاعلا في منجزها البصري عبر ثنائية الإسقاط (double projection) التي أثارت تواصلا خياليا بين الشاشتين، كما عملت على تشظي حاسة البصر عبر زمنين متداخلين.

تحاول الفنانة إعادة تأويل معاني وجودها ومصيرها الذاتي فى اتجاه الخلاص من آلام المنفى أو التخفيف منها قدر المستطاع وذلك عبر خلق عملية ترحال مزدوجة بين هذين العالمين فى محاولة يائسة لامتلاك أحدهما أو التموضع والاستقرار في أحد المكانين، إلا أنها تدرك في النهاية بأن مصيرها هو خارج المكان.

ما لاحظناه في تنصيبات الفيديو لدى "شيرين نشأت" هو غياب الكتابة التي احتلت مكانا بارزا وفاعلا في صورها الفوتوغرافية خاصة في سلسلتها "نساء الله"، فالكتابة بالنسبة إليها هي تعبير عن كسر حاجز الصمت وتجسيد صوت شاعري أنثوي وفكر داخلي، ربما في أعمال الفيديو لم يعد هناك حاجة تدعو لتوظيف الكتابة، بما أنها اعتمدت على أصوات الطبيعة والموسيقى لتصبح لغة جديدة من إبداعاتها، فالموسيقى تحدد عالمية الأعمال وتزيل كل الحواجز الثقافية.

اعتمدت على الوسائل والتقنيات التكنولوجية المعاصرة، ليتولد الإبداع الخيالي ويختلط بالمشاعر والأحاسيس لديها، فيكون العمل الفني هو الملجأ الذي تبحث عنه "شيرين نشأت"، حيث نتلمس الجانب الحسي والروحي، كمنفذ لتتصالح من خلاله مع إرثها وهويتها التي مزقته السياسة والدين السياسي.

بعض الصور المسترسلة من تنصيبة الفيديو "مناجاة النفس"

الشاشة عدد1                مقابل               الشاشة عدد 2

 2100 نشأت

مقال بقلم: الباحثة إيمان ريدان، من تونس

......................

[1] http://www.ted.com/talks/lang/ar/shirin_neshat_art_in_exile.html

[2] David le breton, la sociologie du corps, puf 2éme Ed, 1994 ; p 118

[3]  دافيد لوبروتون، "انتروبولوجيا الجسد والحداثة"، ترجمة محمد صاصيلا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 1997، ص 123

[4] http://www.ted.com/talks/lang/ar/shirin_neshat_art_in_exile.html

[5]  إدوارد سعيد، "المثقف والسلطة"، ترجمة د. محمد عناني، رؤية للنشر والتوزيع 2006. صفحة 95

 

ناجي ظاهريُعلي الفنان الروسي فاسيلي كاندنسكي (1866- 1944)، في كتابه المعروف عالميًا "الروحانية في الفن"، من شأن الروح في عمق العمل الفني الجدير بهذه الصفة، ويرى ان ما يُبطنه العمل الفني هو الاهم، مؤكدًا أن الفن يوحي في العادة ولا يُصرّح.

صدر هذا الكتاب عام 1911 وتُرجم الى العديد من لغات العالم، على اعتبار انه يمثل التبرير النظري لظهور المذهب التجريدي في الفن التشكيلي، وقد صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب عام 1994 بتعريب فهمي بدوي. تقديم الفنان محمود بقشيش . تعقب وملاحظات د. صبحي الشاروني.

يُقسّم كاندنسكي كتابه إلى فصلين اثنين، وقد جاء الاول تحت عنوان: في الجماليات.. حركة المثلث. ثورة الروح والهرم. فيما حمل الفصل الثاني عنوان: فن التلوين. سيكولوجية اللون. لغة الشكل واللون. النظرية. وينهي كاندنسكي كتابه بخاتمة تلخيصية.

الكتاب رغم محدودية عدد صفحاته. 132 صفحة من القطع الصغير بما يشمل المقدّمات والتعّقيبات، يتضمّن الكثير من الاستطرادات، كما يقول بقشيش في تقديمه له ايضًا، إلا أن الافكار الرئيسية فيه شفّافة تبدو في البداية غامضة.. وتتضح كلّما توغّلنا في قراءة صفحات الكتاب.

يوجّه كاندنسكي نقدًا شديدًا الى الفنانين التقليديين، ويمهّد لثورته الفنّية التجريدية، بتوجيه سهام نقده إلى كل ما هو مكرّر ومعاد وتقليدي، وهو يفعل ذلك دون الانتقاص من قيمة فنانين مُجدّدين على طريقتهم مثل الفرنسي المبدع بول سيزان، ويوجّه سهام نقده أيضًا لمدعي الفن الذين يقدّمون اعمالهم الفنية حسب الطلب بلغة عصرنا، كما ينتقد اولئك الكسالى الذين لا يُرهقون انفسهم بقراءة متعمقة تحتاج إليها لوحة تجريدية تضمّنت العديد من الاشارات واحتاجت، سبرًا لاغوارها، إلى قراءة متأنية وخاصة.

يربط كاندنسكي في اكثر من واحدة من فقرات كتابه بين الفن التشكيلي وبين الموسيقى بطريقة عضوية حتى انه يرى ان هناك صعوبة للفصل بين الفنين، اما فيما يتعلّق بالألوان والتلوين وسيكولوجيتيهما، فإنه يقدّم اجتهادات خاصة يطلق خلالها على كل لون صفة ومعنى..

2072 كاندنسكي

يذكر ان تاريخ الفن التجريدي يعود إلى الفترات الاولى للإبداع الفني الانساني، غير ان التجريدية كمدرسة فنّية حديثة قائمة بذاتها، جاءت خطوة متقدمةً على التكعيبية مثلًا، ففي حين ان التكعيبية اكّدت أهمية هدم الاشكال واعادة بنائها بصورة جديدة تسعى إلى تفكيك الاشكال المنحنية إلى اصولها المستقيمة عبر تحويل كل الخطوط إلى مستقيمات وكل الحجوم إلى مكعبات ضمن محاولة لإعادة بناء الاشكال وبعثرتها ومن ثم رسمها من عدة زوايا في لوحة واحدة.. فقد سارت التجريدية خطوةً ابعد فابتعدت عن المظهر الواقعي للأشكال والعناصر، متعمّدة البعد عن الواقع ورافضة تناول اي شيء واقعي، فالفنان التجريدي في عرف التجريديين، يبدأ عمله من الذهن، مبتدعًا اشكالًا والوانًا يحرص ألا يكون لها اي ارتباط بالواقع.

في تعقيب د. صبحي الشاروني على هذا الكتاب، يعرب عن تحفّظه على تقريب كاندنسكي بين الموسيقى والفن التشكيلي، رائيًا انه لا يمكن ربط نوع من الفنون، مثل الرسم بالموسيقى، لأن الرسم في هكذا حالة سيكون تابعًا للموسيقى، وهذا ما لا تقبله خصوصية النوع الفني. أما فيما يتعلّق باجتهادات كاندنسكي فيما يخص الالوان والتلوين، فإن الشاروني يتوصل بعد مقارنة صارمةٍ في تعامل الشعوب مع الالوان واختلاف الفتها لها، ان كاندنسكي إنما عبّر عن ذائقته الخاصة ولم يعبّر عن قاعدة عامة. الشاروني يقدّم احترامه الشديد لحرية الفنان التشكيلي ويثمنها عاليًا. ويدعو الفنانين المصريين تحديدًا، للإجابة عن السؤال الملح وهو: هل ما تنتجونه مناسب للعصر الحاضر.. وهل انتاجكم في خدمة الفن.. أم انكم ترسمون لأجيالٍ قادمة لم تولد بعد؟.. ويستشهد في نهاية تعقيبه برأي لناقد فنيّ المانيّ زار القاهرة، في اواسط التسعينيات.. وقال للفنانين هناك. إنكم. بحاجة إلى الفنون التشخيصية بعد قرون عاشتها بلادكم داخل الرقش والزخرفة، بعكس اوروبا التي تحتاج حاليًا إلى الاشكال اللاموضوعية في الفن، بعد ان عاشت قرونًا طويلة لا تشاهد من الاعمال الفنية غير الاشكال الانسانية.

 

ناجي ظاهر

 

 

شكري عزيز أي حضور وأي تفاعلية

 تقديم: يعد فن النحت من الآليات والوسائل التعبيرية الفنية في تعامله مع المادة، الكتلة، والشكل، لتختلف فيه المواضيع المطروحة بحسب التمشي الفني المعتمد، فتتنوع الأساليب والتقنيات كما من المواد والخامات خدمة للموضوع والذي يتوزع بين التشخيص والتجريد.

فالنحت شكل تعبيري داخل الفضاء وبروز فيه كشكل تفاعلي مفضي للقراءة والفهم بحسب ما تمنحه العناصر المكونة لهذا الأخير.

من هذا الإطار، تعبير عن شكل الحضور في المنحوتة وماهيتها داخل الفضاء، إلى جانب أغراضها المعرفية والفكرية كما من طرحها الجمالي شكلا ومضمونا. فإن تنوع التعبيرات والمواضيع النحتية مع انفتاحها على عناصر تكنولوجية، يمكن لها أن تسهم في دعم الممارسة الفنية وتفتح لها مجالا أرحب في أبراز الرؤية التشكيلية في حد ذاتها.  فالمنحوتة بوصفها شكل تعبيري وأثر فني محمل بالفكر ومستوعب لامتلاءات الفنان، هي أيضا حضور في الفضاء على اختلاف تحديداته (مغلق، مفتوح)، أي حضور كشكل تفاعلي داخل الفضاء أو بروز وتعيين فيه. فالنحت أسلوب والمنحوتة نتيجة تستقرئ في فضائها كبنية متكاملة وهو ما يمكن أن نعبر عنه بأسلوب وطريقة العرض التي تكسبها دلالتها الخاصة سواء في ذاتها أو في تفاعليّتها داخل الفضاء.

من هنا طرح لشكل المنحوتة وأغراضها الفنية والتعبيرية، والتي تحمل للقراءة الجمالية وتموقعها في صيرورة الفن وراهنيته كفكر وممارسة، وأيضا إلى قيمة الفضاء وخصوصيته كحاضن للمنحوتة سواء في شكله المحايد أو التفاعلي معها، وهو المجال الذي يطرح عبره استدلالات العمل النحتي كأثر وكموضوع، أي حضور وأي معنى ؟، كما من أهمية ودور الفضاء في شكله العام في تحقيق غاية الأثر الفني في حد ذاته وبروزه لتكتمل الصياغة الفنية ولتقبل بتفاعلية لدى المشاهد عبر استقراءات الفضاء ومكوناته. إن هذه العلاقات بين المنحوتة في شكلها العام والفضاء في شكله الخاص، يمكن أن تثير الجدلية القائمة الآن في علاقة بالفضاءات العمومية في تونس، وتموضع المنحوتات أو المجسمات فيها، مما يطرح أسئلة عن قيمة العمل الفني النحتي، أي حضور؟ وأي تفاعلية في علاقة بالفضاء كمحقق لهذه الأخيرة؟ وأي أبعاد فكرية وفنية وجمالية تتحقق عبر هذه العناصر؟.

عبر هذه التحديدات الأولية تتنزل الإشكالية التالية:

جدلية حضور العمل النحتي في الفضاء العمومي، بين انفتاح الرؤية والقراءة الجمالية، وضياع الفكر وتشويه المضمون.

حدود البحث:

تتمثل حدود البحث، في قراءة العلاقة الكامنة بين العمل النحتي أو المجسم بالفضاء العمومي كحاضن لهذا الأخير عبر بعض النماذج، كعناصر متكاملة أو متنافرة، ومنه إلى بيان المتغيرات الممكنة فيهما والمانحة لقراءة فتقبّل جديد ومتغير.

أهداف البحث:

يهدف البحث إلى دراسة أشكال حضور العمل النحتي والمجسمات في الفضاءات العمومية، واستبيان مدى تحقق القيم الفنية والجمالية والفكرية، إلى جانب تحديد بعض الإشكالات المتعلقة سواء بماهية العمل النحتي، أو الفضاء العمومي كراهن.

1- المنحوتة: شكل تعبيري دلالي:

"فن التحت هو أحد جوانب الإبداع الفني، وهو فن تجسيدي يرتكز على إنشاء مجسمات ثلاثية الأبعاد، كما أنه تنظيم منسق للكتل الموجودة في فضاء حقيقي، والعناصر التشكيلية في النحت هي "الكتلة-الفراغ- الخط- النسيج" وعلى إثره فإن وظيفة النحات هي تنظيم هذه العناصر في تكوين موحد، ويبدأ التنظيم لدى النحات بالمادة سواء كان حجر أو خشب أو طين أو غيرها من المواد، تمر بعمليات متعددة قبل أن تتخذ شكلها النهائي والذي هو نهاية العمل المنجز" .

عبر هذا التحديد لمفهوم النحت، إحالة لدور المنحوتة المنجز في كونها شكلا من أشكال التعبير، ذات معنى ورسالة، لتُقبَل بتحديدات جمالية وفكرية شكلا وأسلوبا. فهي مجال تواصلي اتصالي، والذي يفرض مضمون، فمتقبل لهذا المضمون. من هنا إحالة إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه النحت في ترسيخ الحاضر وتسجيله في علاقته بالمعاش، وما يمكن أن يفرزه من انتاجات تجمع الأسلوب والمضمون بمتغيراتهما ضمن المسار الفني بشكل عام. ففي التعبير هنا عن النحت، بما هو تعامل مرتبط بالتقنية والمادة، بحسب زاوية معالجة الموضوع، إنما يمنح مجالا أرحب للتعبير، ومن هذا الإطار محاولة لاستبيان مدى حضور النحت في الفضاءات العمومية، في تونس، أي حضور للمنحوتات؟، وأي دلائل تعبيرية في علاقة بفضاء عرضها؟.

فبالعودة إلى ما تزخر به البلاد التونسية من تراث هام (مادي ولا مادي)، يعكس تعاقب الحضارات وخصوصياتها، ليكون مسجلا في المكان والزمان، ومتناقلا كفكر بين الأجيال. يمكن أن يكون كمجال تنبع منه الرؤية الفنية في علاقة بالمنحوتات أو المجسمات في الفضاءات العمومية. هذا التنوع في الموروث، وبتوزعه على عدة جهات بالبلاد، إنما يوفر أرضية عمل لاستيعاب هذا التنوع في المجال الفني والتشكيلي، وتطويعه كسياق تعبيري جمالي. فالفن عموما يمكن وصفه بمقياس للشعوب في مدى تطورها اجتماعيا، اقتصاديا وثقافيا ...، بوصفه انفتاح على الداخل والخارج، وكما يرى الفيلسوف المعاصر إروين إيدمان بأن طبيعة الفن هي " تغيير الحياة وتقديم خبرة جديدة حولها، فالفن هو الإسم الذي يطلق على العملية الكلية الخاصة بالذكاء، والتي من خلالها تقوم الحياة التي تعي شروطها جيدا بتحويل هذه الشروط إلى تفسير يثير الإهتمام على نحو كبير".  هذا السياق في مدى انفتاح الفن عموما والنحت خصوصا كمنجز فني، يفرض عدة توجهات في الممارسة الفنية في حد ذاتها لتتحدد خصائص المنجز الفني والذي يمكن أن يتوزع بين النقل المباشر للموروث، والذي يمكن أن يتنزل في باب الحرف التقليدية، واستيعابها كمنجز فني، أو بنقلها إلى مجال الفن التشكيلي عبر استغلال خواصها شكلا أو مضمونا.

إن هذا التوجه في الممارسة التشكيلية وخصوصا منها النحتية، بين النقل أو الاستيعاب للموروث، كما من مجاوزتهما كتحقيق لدلائل تعبيرية راهنة بحسب توجه فني معين، إنما يفرض معاينة ومتابعة للتجربة ذاتها، حتى تتحدد ملامحها في صيرورة الفن ضمن شكل من أشكال المقاربة الفنية فكرا وممارسة.

هذه التحديدات الأولية، في علاقة بشكل الممارسة الفنية النحتية، ومرجعياتها الفكرية الممكنة، إنما يفتح التعبير عن أطر الممارسة وخصائصها، سواء في كونها تسجيل أو تأريخ لحدث ما على اختلاف زمانه، ضمن طرح فني لا ينفي النقل المباشر للحدث وإنما يخرجه في شكل فني يعكس قيما فلسفية، جمالية وفكرية ...، أو في مجاوزة هذا التوجه ليحيل التعبير عن الممارسة الفنية الخاصة  والخالصة، سواء في شكلها العام أو الراهن بحسب الموضوع المطروح، لتتجلى القيم العميقة للفن كتعبير والية تخاطب واتصال فتواصل مع المشاهد.

هذا التنوع في المرجعية الفنية المعتمدة، إنما يؤسس لثراء في الممارسة التشكيلية وتنوعها عموما، كما يمكن أن يحقق جملة من الامتلاءات الفكرية والتي تترسخ بالنقد وبتراكماته. هذا المسار الذي يوائم بين المنجز الفني وما يمكن أن يطرحه من فكر، إنما يقيم الدليل على أهمية التطرق إلى القيمة التعبيرية للعمل الفني في كل تجلياته، وفي كل مراحله سواء في الإنشاء أو العرض والتقبل.

من هذا السياق، وعبر تحديد القيمة التعبيرية للعمل الفني عموما وأغراضه خصوصا، كشكل من أشكال التعبير، كما من الدور الذي يمكن أن يلعبه ثقافيا، اجتماعيا، اقتصاديا ... ، إنما من أجل استبيان مدى تحقيق بعض المنجزات الفنية النحتية لهذه الأغراض، بناءا على منهج القراءة لها إنشائيا، فكريا، فلسفيا وجماليا، إلى جانب بعض التحديدات الأخرى سواء في العرض أو التقبل، وهو المجال الذي سوف يتم تحليله بناءا على مفهوم فضاء العرض، والتقبل.

2- الفضاء العمومي: الفضاء المغلق والفضاء المفتوح

يعتبر الفضاء في عمومه إطارا لظهور الشيء وبروزه كما من تعيينه، بحيث تتحدد أبعاده بناء على خصوصية الفضاء ومكوناته.

من هذا الإطار محاولة لاستبيان خصوصية الفضاء العمومي كحاضن للعمل النحتي، والذي يمكن أن تتبدل فيه القراءة سواء للفضاء أو للعمل النحتي عبر العلاقة المحدثة بينهما، سواء بالاتصال والتواصل، أو الحياد، أو النفور.

فالفضاءات العمومية متنوعة، بين الحدائق العامة، المتنزهات، مفترق طرقات، الفضاءات الخاصة بالمؤسسات العمومية على اختلافها...، هذه الفضاءات تتوزع بين فضاءات مفتوحة وأخرى مغلقة، مما يفتح عدة توجهات في إنشاء العمل النحتي وموضوعه. فهي تساهم في تأمين أرضية عمل وفضاء عرض للعمل النحتي، لتخلق به ديناميكية للفضاء بتحقيق خصوصية المكان، وهو ما يمكن التعبير عنه ببصمة وطابع المكان.

هذا التواشج بين الفضاء والعمل النحتي، إنما يفتح لميلاد منهج تأريخي للفضاء العمومي بصفة عامة، وللجهة الحاضنة له بصفة خاصة، حيث يصير رمزا، فأثر واقع ومطبوع في المكان والزمان، وهو ما يمكن التعبير عنه بإمكانات استثمار العمل النحتي وخصوصياته حتى يصير انعكاسا ثقافيا، معرفيا، محمل بأبعاد جمالية، تسهم في الارتقاء بالذائقة الفردية والجماعية لما تحمله من مضمون فني واجتماعي، بعيد كل البعد عن الإسقاطات الهجينة والتعبيرات المبتذلة والركيكة شكلا ومضمونا. فهو الإطار الذي يمكن أن نعبر فيه عن مكانة الفن التشكيلي عموما والنحت خصوصا في تونس، أي حضور؟ وأي تقبل؟

والذي يقابله تحديد لخصوصية الفضاء كحاو للعمل، فهل تتوفر فيه شروط عرض العمل الفني؟ .

يعد الفضاء ركيزة أساسية لحضور العمل النحتي وتقبله، سواء كان فضاء مفتوح أو مغلق، وبه تتحقق القراءة فالفهم والتأويل لخصوصيات المنجز الفني، حتى يصير نوع من الانفتاح على أساليب جديدة في قراءة الفضاء في حد ذاته، ومدى استيعابه لمضمون المنجز الفني شكلا وأسلوبا. فهو مجال تتحدد فيه أهمية الفضاء وقيمته، كما من قيمة المنجز الفني، كشكل تكاملي أو كنفور وعدم تراكب، وهو المجال الذي يمكن أن نعبر فيه عن مدى تأثير الفضاء في العمل الفني سواء بالإيجاب أو السلب، وكذلك الشأن بالنسبة للفضاء في علاقته بالعمل كجدلية تأثر وتأثير.

في هذا السياق، يمكن أن نحدد قيمة الفضاء وموجبات التأثير السلبي على العمل النحتي والعمل الفني عموما، بحسب تحديد مكوناته وخصائصه. فيمكن أن يحمل الفضاء عديد الدلالات، والتي يستسقيها من مكوناته، حيث يمكن أن تضحى هذه المكونات عائقا بصريا للمنجز الفني مما يؤثر سلبا في عملية تقبل العمل ويفقده قيمته، وهو المجال الذي يمكن أن نعبر عنه بالفضاء الفوضوي الذي يحمل العمل لتلك الفوضى، فيصبح جزء منها.

من هذا الإطار، استبيان للتوجهات الفنية والتعبيرية الممكنة في علاقة بالفضاء، سواء في كونها مستمَدّة لمضمونها وموضوعها من داخل تلك الفوضى حتى تساؤل الفضاء عينه بمكوناته، ضمن إخراج فني يعكس عمقا دلاليا وطرحا فنيا خاصا، فكرا وممارسة، والتي به تتحدد أطر التجربة الفنية وتموضعها في صيرورة الفن، لتفتح بذلك آفاق جديدة للفضاء وللتجربة الفنية عموما، أو في كونها إسقاط فضياع داخل الفضاء بغض النظر عن قيمتها المثلى لو وجدت كشكل مفرد في فضاء دون شوائب، يخدم بروز العمل وظهوره.

هذه التوجهات في علاقة بقيمة الفضاء، والطروحات الممكنة في علاقته بالمنجز الفني، إنما تؤكد في عمومها على ضرورة الموائمة بين فضاء العرض والمنجز الفني، سواء في كون الفضاء موضوع للعمل أو في كونه مجرد حامل له،  لتختلف التوجهات والتحديدات فنيا، فكرا وأسلوبا، وهو ما من شأنه أن يخلق مسارين في العملية الفنية، مسار مرتبط بولادة العمل من داخل خصوصية الفضاء، ومسار آخر يُحمل فيه العمل إلى الفضاء بوصفه حامل له، وهو ما يعيدنا إلى بداية التحليل في علاقة بمضمون العمل الفني، والنحتي خصوصا، أي حضور؟ وأي تفاعلية؟.

3- حدود الفضاء أم حدود المنجز:

بالعودة إلى بعض النماذج النحتية أو المجسمات المُنصّبة في بعض الفضاءات العمومية لبعض جهات الجمهورية التونسية، قراءة لشكل العمل وحضوره، ومدى استيعابه للمضمون الفكري والجمالي في علاقة بالطرح التشكيلي في حد ذاته، كما من آلية الاتصال والتواصل داخل الفضاء، وما يمكن أن يمنحه من استدلالات في كيفيات الإنجاز وفروعه.

هذا المنطلق في التحليل، عبر المعاينة لبعض النماذج من المنجزات النحتية، إنما يفتح القراءة أولا على قيمة المنجز في حد ذاته، كما من دراسة الفضاء الحاوي لهذا الأخير. فبعض هذه النماذج المنصبة في بعض الفضاءات العمومية، والتي تم اختيار البعض منها (كما هو مبين في صور الأعمال)، إنما تفتح جملة من الإشكالات المتعلقة بحدود المنجز في حد ذاته، حدود في الشكل والمضمون كما من الإخراج. فهذه الأعمال تفتقر لرؤية تشكيلية خالصة فكرا وأسلوبا، ولكل ما يمكن أن يحمله العمل الفني من أبعاد جمالية، فلسفية، كما تم تقديمه سابقا. لتضحى عائقا بصريا، وإشكالا في الذوق وكما جاء في كشاف "اصطلاحات الفنون" للتهانوي بأن "الذوق قوة إدراكية لها اختصاص بإدراك الكلام ومحاسنه الخفية،"  وكما اقترحه أيضا "ماير" في وجود مكونين في عملية التذوق: أحدهما هو الذكاء الجمالي « Aesthetic Intelligence » ، وهو مرتبط أكثر بعمليات الإدراك، وقد تصوره ذا جذور وراثية إلى حد كبير، أما الآخر فهو الحكم الجمالي أو الذكاء التقويمي  « Evaluative Intelligence »، وقد تصوره مكتسبا ومتعلما وراجعا إلى الخبرة إلى حد كبير" .

عبر هذه التحديدات المفهومية، يعاد التساؤل عن واقع المنجز النحتي بوصفه مضمون فكري مدرك، ومدى تحققه في الواقع المرئي والملموس، ليحيل بدوره إلى منحى التقبل المفضي للحكم الجمالي.

فهذه السلبيات التي تطرحها المنجزات المنصبة في الفضاءات العمومية (النماذج المختارة)، تقر بحدود المنجز كنشأة وكبداية، مما يفصله عن مسار التحليل لحدوده  ضمن مسار التحليلي الجمالي والفكري ...، فالحدود هنا أضحت حدودا فكرية، شكلية، تقنية ...، تميت المضمون، لتميت الذوق وتسهم في تشويه الفضاء على اختلاف علله، وهو ما يمكن أن نعيده لإشكالية الذوق ولمنهج وعملية التذوق بوصفها ارتباطا بالإدراك في معناه العميق، فــــ"من خلال الإدراك تكون هناك إحاطة بالمدركات (بصرية، سمعية ... إلخ)، ثم تكون هناك محاولة للتمييز بين هذه المدركات أي تحليلها إلى مكوناتها الأساسية ثم إعادة تركيبها في مكون كلي جديد" .

فهذه النماذج للمجسمات النحتية، على اختلاف أشكالها، إنما تعكس ترجمة سطحية لما يمكن أن تتميز به جهة معينة من خصوصيات على اختلاف المجالات، على عكس ما يجب أن تكون عليه كواجهة أو كصورة مميزة لها ضمن طابع جمالي خاص. هذا النقل البديهي والسطحي في موضوعات المجسمات، يعكس بدوره جملة من الإشكالات والأسباب المفضية لهذه النتائج، ومنها:

أ-  تغييب أهل الاختصاص: الفنان/النحات.

إن تغييب الفنانين والمختصين في مجال النحت، وتكليف "مقاولي الفن بالنيابة"، من شأنه أن ينتج مثل هذه المنجزات، والتي تفتقر إلى رؤية فنية، شكلا ومضمونا، وتسهم إلى حد كبير في نقل مضامين جوفاء بصورة جرداء، إلى جانب عدم الاهتمام بأبسط مقومات عرض المنجز الفني.

 فبالرغم من تعدد الجامعات في مجال الفنون والحرف وما تكوّنه من دفعات طلابية، إلى جانب ما تزخر به البلاد من مكونين ومختصين في مجال النحت، يتم تغييبهم وتجاهلهم في غالب الأحيان، ليتم الاستعانة بغير المختصين، وهو ما يعكس واقعا سلبيا في التعامل مع الفنان عموما، والنحات خصوصا كشريك طبيعي في رهانات البناء الثقافي والاجتماعي ... .

ب- الإشكال المادي وأطر إنجاز العمل بين الرؤية السطحية وتفريغ المضمون.

يعتبر العائق المادي، من المؤثرات على قيمة المنجز، لما يمكن أن يطرحه من تغييرات على هيأة العمل ومواده، كتغيير قصري يؤثر بدوره على مضمون العمل الفني ويفرغه من محتواه الأصلي. فهذا التأثير يرتبط أساسا بمنهجية العمل وصيرورة ولادته، ليصير محكوما بالمادة في أدنى مستوياتها، ليس من باب الضرورة الفنية وطرحها الفكري أو الجمالي، وإنما من باب التجريد والتفريغ للمحتوى.

فهذا التوجه في تنصيب الأعمال لغرض التزويق وملئ الفراغات بطريقة مبتذلة، يؤثر سلبا على مسار العملية الإبداعية، مما يفتح الباب أمام أطراف غير مختصة وبخلفية انتهازية، هدفها تحقيق فائدة ربحية دون التطرق إلى قيمة المنجز في حد ذاته، وهو ما يمكن وصفه بالصفقات المشبوهة، ليصير تعميق لمشهدية سيئة في الفضاء الحاوي للعمل.

 أما في جانب ثان، وفي ظل محدودية الإمكانات المادية لبعض البلديات، تبرز بعض المبادرات، سواء للمجتمع مدني أو للأفراد، من أجل التدخل في بعض الفضاءات وانجاز مجسمات باجتهادات خاصة ومحدودة، يمكن لها أن تأثر سلبا في العملية الإبداعية، بالرغم من الحركة الإيجابية في السعي لضرورة التغيير والمشاركة في صياغة  ملامح جديدة لفضاءات مفقرة بصريا.

هذه الاجتهادات والمبادرات، يمكن البناء عليها عبر التأطير والتوجيه، ومن خلال الاستناد والاستئناس بآراء المختصين وتدخلاتهم كما من تجاربهم. فهذه التمشيات في معالجة الفضاءات العمومية في مسار عملية الانجاز لمنحوتة أو مجسم، يجب أن تحتكم لجملة من الشروط حتى ترقى لتكون آلية اتصالية تواصلية ذات مضمون ورؤية فنية وجمالية، تسهم إلى حد كبير في ضمان التغيير وتحقيق أبعاد التعبير كعمق فكري يضمنه الأسلوب.

ت- المنجز وحدود الفضاء:

بالرغم من شساعة مضمون الفضاء كمفهوم في شكله العام، إلا أنه يبقى رهين التدخلات الممكنة فيه، أي في وصف الحالة بين الحاوي والمحتوى، كما من دلائلهما عبر هذا التصاهر وفي مدى تحققه في الواقع كغاية وكغرض. من هذا الإطار، تعبير عن مدى تلاؤم المنجز الفني عموما بالفضاء المنصب فيه، والذي يتأسس بالضرورة عبر دراسة مدى التكامل بينهما والروابط الممكنة عبر هذا التصاهر. من هذا الجانب، إحالة لمحدودية الفضاء في احتضان المنجز، كنوع من التنافر سواء في الشكل أو المضمون، كما من المؤثرات السلبية الممكنة التي يمكن أن تستقرئ عبر هذا الإسقاط، وهو ما يحيلنا إلى التعبير عن اجرائيات العرض في المنجز الفني في علاقة بالفضاء، ومحدوديتها، مما يؤثر سلبا على تقبل العمل وقراءته.

ث- محدودية الصيانة والمتابعة:

إن محدودية الصيانة للمنجز الفني، تفقده قيمته الأصلية، وتكرس منهجا سلبيا في تقبل العمل وقراءته جماليا وفكريا، كما يمكن أن تعكس مدى الوعي الفردي والجمعي بضرورة الفن وبآلياته التعبيرية، وهو ما من شأنه أن يقيم دليلا عن مدى ارتقاء الشعوب ثقافيا، اجتماعيا واقتصاديا، كمقومات منعكسة في ظواهر اليومي فعلا وممارسة.

ج-  الإستراتيجيا السياسية والرؤية المستقبلية للواجهة الثقافية:

 غياب لنظرة آنية ومستقبلية في علاقة بدور الفن ثقافيا، اجتماعيا، اقتصاديا، حتى ترقى إلى مستوى تجذير الهوية والثقافة في المجتمع بشكل فني راق فكرا وأسلوبا، تعد من أساسيات تهميش الدور المنوط بالفنان ومنجزه على اختلاف مجالاته. ففي علاقة بالمجال التشكيلي عموما، تكاد تكون الإستراتيجيات منعدمة أو برامج فضفاضة لا تمت للواقع بصلة، حيث تنحصر في إطار التظاهرات الاحتفالية الوقتية  بالتوازي مع أحداث وطنية، لتنتهي بانتهاء زمن التذكير بذلك الحدث. لتكون حينا آخر مجرد خلفية لصورة جماعية افتتاحية هي بالأساس دعائية سياسية بعيدة كل البعد عن مضمون المنجز الفني.

         

خاتمة

تتعد الأساليب الإنشائية للمنجزات النحتية، وتنفتح على جملة من الآليات المعاصرة خدمة للفكرة ولكيفيات المعالجة فالبناء. هذا الانفتاح يمكن له أن يمنح مجالا أوسع للعملية الإبداعية بشكل عام، ويفتح الباب أمام الفنان بشكل خاص في تضمينه لرؤيته الفنية بأسلوب مجدد يضمن تحقق غايته المنعكسة في الأثر الفني. فالفن فكر وأسلوب، حامل لأبعاد جمالية متجذرة في تمفصلات المنجز كشكل وكمادة، ويتحقق بتقبل وقراءة هذه المكونات ضمن إطار منفتح على المكان وفي الزمان.

هذه التمشيات الممكنة في المسار الفني والإبداعي، تخلق جملة من الطروحات الفكرية والجمالية، مانحة بذلك آليات للقراءة، فالفهم والتقبل بالنسبة للمشاهد، وهو ما يمكن أن يحمله المنجز الفني ويولده من مثيرات تسهم إلى حد كبير في تأمين هذا المسار التفاعلي ومدى تحقيقه لجملة هذه الفروع المفهومية. فعبر هذه التحديدات، تبرز قيمة المنجز الفني في حد ذاته، وتتحدد أطره وإمكاناته، والتي يجب أن تُضمَن في مسار التجربة الفنية كقراءة خاصة بالفنان في بداياتها، لتصير مشتركا جمعيا منفتحة على التأويل والنقد.

إن النماذج المقدمة في التحليل، يمكن اعتبارها دليلا مرئيا، يسهم في إدراك مدى الوعي بضرورة الإبداع ومدى الارتقاء بالذوق، فتضحى إطارا كشفيا لتمفصلات عملية التدخل في الفضاءات العمومية بجوانبها السلبية، حتى تكون منطلقا في فهم "ميكانيزمات" التفكير وطرق التغيير. فهذه النماذج "العينات"، تم التطرق إليها بوصفها "ظاهرة" تُوجب الدراسة، وليس في أصل العمل كنموذج فني يطرح بدائل إنشائية أو جمالية.

فهذه النتائج والإشكالات، وفي مجاوزتها تحليليا وبنيويا، تقيم الدليل على ضرورة الانفتاح على تجارب فنية ونحتية مهمة في البلاد، يمكن لها أن تسهم في الارتقاء بالذائقة، كما من تأسيس خطاب جمالي وفكري عميق يكون محور العملية التواصلية والاتصالية ويضمن خصوصية المكان في الزمان.

 

د. شكري عزيز من تونس

................................

الهوامش:

1- ناثان نوبلر، مدخل إلى تذوق الفن والتجربة الجمالية، دار المأمون للنشر والترجمة، بغداد، 1987، ص 71.

2- شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي، دراسة في سيكولوجية التذوق الفني، عالم المعرفة، العدد267، الكويت، 2001، ص 27.

3- التهانوي، محمد على بن علي، كشاف اصطلاحات الفنون، المجلد الأول، القسم الثاني، طبعة كلنكة.

4- Lindauer,M.(1981). Aesthetic Experience : a Neglected Topic in the psychology of arts. In: D.O’Hard (ed) Psychology and the Arts. N.J The Harvester Press. 29-75.

5- شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي، دراسة في سيكولوجية التذوق الفني، عالم المعرفة، العدد267، الكويت، 2001، ص 31.

 

حاتم جعفرعنوان المقال أعلاه، كنت قد إستقيته أو باﻷحرى إقتبسته من بين ثنايا اللقاء التلفزيوني الذي سنأتي عليه تفصيلا. وتعليقا عليه نقول، هو يحمل الشيء وضده، لكنهما، وهنا الطرافة في اﻷمر،سيلتقيان عند نقاط بعينها، من بينها وفي مقدمتها هي قدرة الفنان العالية على رسم ما يبعث على الراحة وتطيب له النفس، كذلك على ما سيحدثه من بهجة وغبطة من لدن المتلقي، وسيبدو ذلك جليا حين تسقط عيناك على منجزه الفني، والحديث هنا عن تلك اللوحات الفائقة التعبير، وبريشة أجزم أنَّ ماسكها قد نجح في أن تكون طوع أنامله، متحكما في وجهتها وبرشاقة المتمكن والعارف بمفاتيح فنّه وفي سبر أغوارها.

في ذات الوقت وعلى الإتجاه اﻵخر ولنسميه المعاكس أو الضد، فسيسجل بلا شك لصاحب المعرض والمناسبة، والذي هو محور مقالنا، نجاحه وبإمتياز في إختراق أحاسيس ومشاعر زائريه ورواده، وأن يخلق منهم مزاجا وأرضية مناسبة بل وخصبة، ستدفع بهم ودون إرادة أو تحكم ﻷن يَأنٌوا كما يَأنٌ ضحايا أعماله، ولعل لوحاته التي عُلِّقَتْ على جدران المعرض خير دليل على ذلك. إذاً ففي الحالتين إستطاع سيروان باران أن يحلِّقَ بنا ويأخذنا الى عالمه، أينما يشاء ووقتما يشاء وبلمسات فنيةساحرة.

وعن اللقاء الذي أجري مع الفنان وما يمكن تسجيله من إنطباعات كنا قد خرجنا بها، فلا بأس من إيجازها وعلى الشكل التالي: منذ اللحظة اﻷولى لبث الشريط، لوحظ بأنّ ردة فعل مقدم البرنامج، كانت بحق ملفتة للنظر. وعن تفسيرنا لهذه الحالة نقول: انها جاءت على هذا النحو لِما ضَمَّهُ وما أحدثه المعرض من مفاجئآت لم يكن ليتوقعها (مقدم البرنامج) أو تخطر على باله، ظنا منه بأن ما ستراه عيناه من رسوم ولوحات وأخواتها، سوف لن تخرج في مستواها أو تبتعد كثيرا عن تلك الصورة أو ذلك اﻷداء النمطي لعديد المعارض الفنية، التي سبق له أن زارها، والتي ربما، نقول هنا ربما، لم تتوفق في إيصال رسالتها وعلى النحو الذي إبتغته وما خططت له، هذا ما أرجحه وأميل اليه.

وبعيدا عن تقدير الحالة وشكل قراءتها، فقد نجد من بينكم مَنْ يختلف معنا في تقييمنا هذا ولعلكم وجدتم فيه بعض مبالغة. وقطعا للإجتهاد وما يترتب عليه، فسنمضي الى وصف ما شاهدناه ومن على شاشة التلفاز، ولكم ما لكم من رأي ووجهة نظر: كأنه وأقصد هنا مقدم البرنامج وعلى حين غفلة اجتاز برزخا ليدخل عالما جديدا آخر، لم يكن قد وطئه في أيامه السالفات، لذا تألفه مشتتا، هائما، محتارا في قراءته وفي استيعابه للمشهد وأي من التعليقات ستناسبه. أو ربما ضربته نشوة عطر مفاجئة لم يشم أريجها من قبل. وهناك احتمال ثالث، فربما عثرت قدماه بباقات نضرة من زهرة الإقحوان، كانت قد إفترشتْ طريقه، إحتفاءا به، ومنذ قطعه للخطوة اﻷولى، حتى أجبرته على التوقف مندهشا وللحظات عن مواصلة مشواره. وتعليقا على ذلك وبالإتساق مع ما شاهده وأعجِبَ به، فقد إقترح مقدم البرنامج أن يتحول هذا المعرض الى متحفٍ دائم، بأبواب مشرعة لزائريه.

وما يمكن تسجيله أيضا، وعلى غير عادته في تقديمه للبرنامج ولضيوفه، والتي كثيرا ما تبدأ بتعريف المتلقي وبكلمات مكثفة معبرة عمن سيكون جليسه، هادفا الى تكوين فكرة كافية عن الشخص الذي يُنتظر ظهوره بعيد لحظات ومن على الشاشة الصغيرة، فقد حَمَلتْ هذه المرة محيا أحمد الزين، الإعلامي اللبناني المعروف ومقدم برنامج روافد من على قناة العربية، علامات تراوحت بين الذهول والإنبهار، حتى سينتابك إحساس ومن حيث لا تدري بأنَّ ردات فعله قد تسللت وإنتقلت اليك وأصبتَ بعدواها، بخفة وراحة، أنت الذي حسبت نفسك مشاهدا ومتابعا حياديا عتيداً للبرنامج، أو هكذا يُفترض. إذاً وما دام الحال كذلك وقياسا على ردة فعل المقدم، فقد وجدت نفسي أمام خلاصة مفادها: من غير المستبعد أن يكون الشخص الذي سيتم تقديمه، ليستحق فعلا المتابعة والإنتباه، وكان اﻷمر حقا كذلك، ومنذ لحظات البث اﻷولى للبرنامج.

سيروان باران، هذا هو اسم الضيف، أرجو أن تحفظوه جيدا. وللتعريف به ولطالما فات المقدم أن يتوقف عنده وإن بِشكلٍ مختصر، فهو رسام عراقي، ولد في بغداد في النصف الثاني من ستينات القرن المنصرم، عاش ونما وكبر شأنه هناك. ومن تأريخها إستمد قوة حضوره وزهوه. طاف كالطير بين درابينها وأحيائها، وأتمنى أن تكون الشعبية والعتيقة من بينها. أجزم بأن أنامله وذائقته الفنية قد تتلمذت وجاءت بمثابة الصدى لما حفره وثبت أسسه اﻷولون من كبار التشكيليين العراقيين. وإذا كان لنا من إستذكار لبعض من أسماء ذلك الرعيل، فسيحضر هنا وبإقتدار عالٍ نوري الراوي وفائق حسن وكاظم حيدر ومحمد غني حكمت والدروبي والشيخلي وأسماء كبيرة وكثيرة أخرى، إستطاعت ومن خلال إمكانياتها وطاقاتها الفنية الفذة أن تمد خيوط تأثيرها وألوانها لتعبر حدود وطنها، حتى باتت تشكل علامة فارقة، يشار لها وبجُل الإحترام والتقدير والعرفان، وذلك حين  يدور الحديث وفي ساحات اﻷلق البعيدة عما حققه رواد وسدنة الفن التشكيلي العراقي.

وكي لا نذهب بعيدا عن موضوعنا، فضيف برنامج روافد وعلى أرجح تقدير وفضلا عما اكتسبه من أبناء وطنه من الفنانين من خبرة، فقد توقف طويلا وبما لا يدع مجالا للشك عند مدارس الرسم المعروفة عالميا وبكل مسمياتها. لذا ومن خلال اسلوبه والذي تجلى في اللوحات التي تم عرضها ومن إحدى صالات بيروت، عاصمة الحب والجمال، فمن غير المستبعد أن يكون قد شرب من هذا النهر وذاك، حتى تشبع منها وارتوى، ليستقر أخيرا على ما يعتقدها أكثرها تعبيرا وإنسجاما وما يجول بخاطره وأفق مخيلته، فاﻷهم بالنسبة له ووفقا لطريقته وأسلوبه في الرسم، هو التقرب أكثر من ذائقة المتلقي وأن يصطحبه معه ويحلقا سوية حيث أماكن الجمال، شريطة أن لا يهوى بلوحته حتى تفقد قيمتها الفنية، أو يحسبها حكرا على فئة دون أخرى.

انه بإختصار ومن خلال اﻷعمال التي هي موضع حديثنا، فقد جسَّد ما دار في خلد أي فنان ملتزم، استطاع الوصول الى غايته بأشد أشكال التعبير بساطة، بعد أن وظَّفَ ومرَّ بما يمتلكه من ذخيرة، تمثلت في تجارب ومدارس فنية عديدة، كان من بينها بكل تأكيد التجريدية والتكعيبية والواقعية وما الى ذلك، حتى خرجت من بين يديه هذه الحصيلة وهذا العطاء. انه وبهذا المنحى سيلتقي أو يشبه كثيرا ما يجنح اليه كاتب النثر أو سمّه النص وبطريقة محترفة، متمكن من أدواته كذلك. فلكي يصل الى أدق أشكال التعبير وأكثرها حُسناً ورشاقة، فسينتقي من بين كم المفردات والصور التي بين يديه وحافظته، تلك الكلمات التي سيجد فيها القارى ما يمكن أن نطلق عليها بالسهلة العذبة أو الممتنعة كما يحلو للبعض تسميتها، لكنها في ذات الوقت ستنطوي على أشد أشكال التعبير دلالة، وحيث أرادها الفنان أو إن شئت سمّه الكاتب.

تراوحت رسوماته  وأعماله عموما بين الهم وما يجاوره، والحديث هنا تحديدا عن معرضه الشخصي الذي شاهدناه عبر قناة العربية. فمساحة اللوحة عنده واسعة اﻷبعاد، تحمل بين ثناياها ما يشير الى وضوحها ومباشرتها، ولا أستبعد أن يكون الفنان قد تعمَّدَ إتباع هذا اﻷسلوب، كي يبعد فكرة التأويل التي قد تراود البعض، ليقطع بذلك عليهم طريق التخلي عن تحمّل المسؤولية، خاصة من قبل أولئك الذين يسعون عامدين الى التخفيف أو التقليل من حجم المأساة وصولا الى طمس معالمها.

إذن خرجت من بين يدي الفنان واحدة من أهم الرسائل لما تحمله من أهداف وعلى العالم أن يصغي اليها، فمساحة الخراب قد طالت كل وطنه، أكلت من البشر أكثر من الحجر، وسيروان في عمله هذا قد وجد نفسها أمام خيار واحد لا شريك له، فهو الحامل  على كتفيه هموم وتطلعات شعب، كانت وما إنفكت تتقاذفه المحن، مما سيدفعه للدفاع عنه  وبكل ما أوتي من قوة ومقدرة، فالجرح لم يتوقف نزيفه وبـ(سخاء) وأينما ولّى وجهه ومن غير حساب، وهنا سيأتي السؤال: مَنْ سيوقف هذا النزف، إن لم يكن لأصحاب الجمال ومعابده دورا ونصيبا؟

أرتأى مقدم البرنامج أن يكون اللقاء بالفنان العراقي سيروان باران على جزأين، اﻷول منه جاء تحت مسمى (جمال مؤلم). بهذا العنوان وأكاد  أجزم بأنه قد حمل بأمانة ما تضمنه المعرض وما هدف اليه. وإذا ما أردنا التحدث عنه وبشيء من التفصيل، فسنقف مذهولين أمام إحدى اللوحات، والتي جسَّدتْ بضربات لا تخطئها العين ولا الضمير، صورة ذلك الإنكسار الشامل والمرعب، الذي بدا واضحا على وجوه شخوصه. ولم يكتفِ الفنان بذلك، فعن ذات اللوحة ومن خلال بعض الضربات والحركات الفنية التي لجأ اليها، فستجد نفسك أمام مجموعة من الجنود، يمثلون مختلف مكونات المجتمع العراقي وبأعمار متفاوتة، تراوحت الفوارق بينهما كما الفارق بين الإبن وأبيه، ليقودك الى إستنتاج لا لبس فيه، فالشعب كل الشعب كان الضحية، ومسحة اﻷلم والخذلان وآثار الهزائم الكبرى والمتراكمة، مثَّلت الجامع والقاسم المشترك اﻷعظم.

وفي مكان آخر من المعرض وأثناء تجوال مقدم البرنامج وتطوافه بين أجنحته، فقد توقف طويلا، لينبهر مرة أخرى، أمام نصبٍ يمثل شخصية اﻷسير، كانت أنامل سيروان قد نُحتَته وصاغته ليستجيب وحجم الوجع الذي يعاني منه. هذا ما بان من خلال الحركات الظاهرة على أجزاء بارزة من جسده، والإشارة هنا بشكل خاص الى حالتي الشد والتوتر، الباديتان على يدي الضحية وعلى أنحناءة ظهر،ه التي توحي باليأس وفقدان اﻷمل. فضلا عما أضفاه الفنان من لمسات ملفتة على الجزء الظاهر من وجه الضحية، ليكون بذلك قد إستكمل فكرة الإنكسار الجسدي على الرغم من أنَّ عينيه كانتا معصوبتين. وثانيا وهذا هو اﻷهم في تقديري، محاولة الفنان الإشتراك ومقاسمة العذاب الذي يعاني منه الضحية وفي لحظات شديدة القسوة كالتي يمر بها، وقد تجلى ذلك في الإيضاحات والشروحات التي كان يسهب بها لمقدم البرنامج، كذلك في ملامح وتقاطيع وجهه، فإذا ما إنهزم جسد اﻷسير (ولا زال الرأي لسيروان) فليس بالضرورة أن تُهزَم روحه. لذا، إستطرادا وإستكمالا للفكرة اﻵنفة، فربما إنتابت الفنان وفي لحظة ما، أن يضفي على تقاطيع وجه ضحيته ما يوحي بكبرياءه وتماسكه وبأسه، وأن يكون كذلك رابط الجأش، متماسك جلد، إذ هي معركتهما (هو والضحية) قبل أن تكون معركة مُشعليها، أو لنسميها هي لحظة مواجهة، طرفاها الفنان وضحيته من جهة، ومَنْ يؤسره ويُصفِّدُ معصميه ويُعصبُ عينيه من جهة أخرى.

تأريخ بلاده، لم يكن غائبا عن ذاكرته، فإليه يعود وعليه يُوقف أعمدة أعماله، فهو الثابت وهو اﻷساس ومنه يستمد أفكاره، وكلما أراد زخما أو دفعة أو حزمة ضوء، ستجده مقلِّبا صفحات تلك الحضارات التي مرَّت على بلاده، ليستمد منها العزيمة، ولتزيده فخرا وإبداعا وولاءا لوطنه. وفي مثيولوجيا الشعوب (علم اﻷساطير)، هناك كم هائل من المعتقدات والعادات، الغنية والثرية. وأهل العراق القديم وبمختلف الحضارات التي تعاقبت على حكمه، لهم من هذا الإرث الكثير بل والقدح المعلى، ولا أظن أنَّ هناك خلافا أو شكًا في هذا. فما من زاوية الاّ وحفروا فيها، وما من قِيمٍ وطقوس الاّ ودونوها، حتى أمست مرجعاً للشعوب اﻷخرى، إذ هي تعود اليه وتستعين به كلما إقتضى الحال وضاقت بهم السبل والمنافذ، فمن بين يديه خرجت العديد من الحلول، واستطاع حل العديد من اﻷلغاز المستعصية وفك أصعب العقد.

أخيرا، ومن بين أعماله وبالإتساق مع إرث بلاده، فهناك نحت لِقاربٍ أو كما يسميه أهلنا في الجنوب بالطرّاد، كان قد جسَّده الفنان سيروان باران، بجودة ودقة عاليتين، مستعينا ما استطاع ببعض المواد القريبة في تكوينها وشكلها، مع طبيعة المواد التي جرى إستخدامها في العراق القديم. ففي تقاليد أهل الرافدين وكما جرت العادة وحين يتوفى شخص ما، أن يسجى في قارب، ذو حجم مناسب، ثم يوضع بعناية فائقة على سطح الماء ليطفو به ويأخذه مجرى النهر بإنسيابية وهدوء، ليستقر أخيرا في منطقة يعدّونها أكثر أمنا وأمانا، ليدشن بذلك حياة أخرى، أملا في أن تكون أكثر راحة وسكينة عن تلك الفترة التي قضاها في حياته اﻷولى. انَّ طقسٍ كهذا، لا يبتعد كثيرا عن فكرة الخلود في حضارة وادي الرافدين وعن ثالوثها، الوركاء، أنكيدو وجلجامش. وهذا تفصيل آخر سنتركه ﻷصحابه ومَنْ هم أجدرُ منّا فيه.

 

حاتم جعفر

السويد ـــ مالمو