 مقاربات فنية وحضارية

القانون في بلاد الرافدين رمز رقي المدنية العراقية

zouher sahebمنذ فجر الحضارة الرافدينية، وفي منتصف الالف الثالث ق.م أصدر المصلح السومري (ارو ـ كاجينا) حاكم مدينة (لكش) السومرية بالشطرة قرب الناصرية .. اقدم نصوص قانونية في تاريخ الفكر الإنساني، أزالت الحيف والظلم عن الطبقات الفقيرة، وأحلّت العدل بالبلاد. بمثل هذا الجانب المشرق في بنية الفكر الحضاري، حققت بلاد الرافدين قصب السبق في ايداع اقدم خارطة قانونية تنظم حياة المجتمع والأفراد .. التي كتبت بلغة قانونية دقيقة وباسلوب علمي .. قبل قوانين (صولون) الاغريقية، والألواح الرومانية الأثني عشر، وشرائع (مانو) الهندية .. بزمن طويل.

فالقانون والفن هما وجها الحضارة المتقدمة .. ويدخلان في بنية الفكر الحضاري، بتفاعل جدلي من نوع خاص، إذ ان نضج القانون الذي يحكم البلاد وخاصيته الانسانية، من شأنه ان يُفعّل آليات ازدهار الفنون وتطورها بشكل متسارع، والعكس صحيح. فشعور الفنانين بالحرية المحمية بقوة النظم القانونية التي تحكم حركة الفكر الاجتماعي، من شأنه ان يعمل على تحرير ذات الفنان من قيودها، لتعمل بفاعلية على كسر السياقات المتهالكة، مؤسسة تحديثاً له، في بنيتهِ المتحولة بفعل (حِراك) الأساليب الفنية عِبرَ التاريخ.

ورغم ان البحث في القوانين والشرائع التي نظمت حركة الحياة في المجتمع الرافديني، ليس من إختصاص هذا الكتاب، إلا اننا في ملمح آخر: نبغي من خلال الأستعراض المقتضب لهذه القوانين من تسليط الأضواء على رقي حضارة بلاد الرافدين، في زحام الحوار الحضاري الذي يشهده زمننا المعاصر.

إذ يبرز الجانب المشرق لحضارة بلاد الرافدين: بقانون (أور ـ نمو) .. احد ملوك عصر النهضة السومرية، الذي اكتشف في مدينة (نفرّ) في محافظة القادسية، وكتب على عدد من الالواح الفخارية باللغة السومرية .. ويسبق تاريخهِ قانون حمورابي بثلاثة قرون. واعقبه قانون (لبث ـ عشتار) احد ملوك سلالة (ايسن) من العصر البابلي القديم .. الذي سُطَّر كذلك باللغة السومرية على الواح الطين. أما قانون الملك (بلالاما) من سلالة اشنونا .. احدى ممالك العصر البابلي القديم الهامة، فقد كتب بالخط المسماري ايضاً وباللغة البابلية القديمة، واكتشف في تل (حرمل) الواقع في احدى ضواحي مدينة بغداد.

قُسّمت هذه القوانين الى ثلاثة اقسام هي: المقدمة والمواد القانونية والخاتمة، اذ تشرح المقدمة في معظم الاحيان التفويض (الألهي) للملك باصدار القانون وتوضيح الغاية من اصداره .. ويعقب ذلك تسطير منتظم ومتتالي بشكل تراتبي ممتاز لمواد القانون التي تتوالى حسب اهميتها، ويختتم القانون عادة بخاتمة يعلن فيها المُشرّع لعنات الآلهة على مَن يتلاعب في نص ذلك القانون.

ويُعّد قانون (حمورابي بن سن موبلط بن آبل سن بن سابيؤم بن سومولائيل، من عشيرة أمنانوم احدى عشائر قبيلة بني اليمين). من أنضج سلسلة القوانين في بلاد الرافدين، لتميزه بالرقي التنظيمي والنضج الفكري، إذ كتب بلغة قانونية دقيقة، وباسلوب علمي وتشريعي لتنظيم مختلف شؤون الحياة. واكتشفت مسلة هذا الملك العظيم في مدينة (سوسا) الشوش، من قبل بعثة الاكتشافات الفرنسية عام (1901-1902م) .. إذ نهبها الملك العيلامي (شوترك ـ ناخنتي) في القرن الثاني عشر قبل الميلاد .. من مكان عرضها في مدينة اليوسفية شمال بابل .. في مشروع غزوه لبلاد الرافدين .. واسقاطه للدولة (الكشية). ولم يكتفي هذا الملك الغازي بنهب اعظم مسلة قانونية في تاريخ الفكر الحضاري، وانما نهب اروع الاعمال الفنية الرافدينية مثل مسلة النصر للملك الاكدي (نرام ـ سن).

وجدت المسلة وهي مكسورة الى ثلاث قطع .. أمكن ربطها وضمها الى بعضها في متحف اللوفر، ويظهر في الجزء الاسفل من وجه المسلة، ان عدداً من الاعمدة الكتابية التي تحتوي بحدود (33) مادة قانونية (المواد66-99) قد أزيلت بتعمد واضح" (الاعظمي، 1990، ص 137). ويعتقد المرحوم الاستاذ (طه باقر): "ان ذلك قد جرى من قبل المغتصب الملك (ناخنتي) سارق المسلة: بقصد كتابة اسمهِ والقابه عليها، كما فعل ذلك في اعمال رافدينية اخرى، إلا إنه عَدَل عن رأيهِ، لخوفهِ من اللعنات الشديدة المكتوبة في خاتمة المسلة" (طه باقر، 1973، ص 292-293).

ويميل معظم الباحثين، الى ان حمورابي قد كتب شريعتهِ على اكثر من مسلة، ولعل مسلتهُ القانونية التي عرضت في معبد (إيساكلا) في بابل، كانت تحمل صورتهِ امام الاله (مردوخ). كما يُرجح الى انه قد كتب شريعتهَ القانونية باللغة السومرية على مسلة أخرى.

كتبَ حمورابي مقدمة شريعتهِ باسلوب شعري، مؤكد على تفويض إله بابل (مردوخ) له باصدار الشريعة ومؤكداً: عندما ارسلني الأله (مردوخ) لقيادة سكان البلاد في الطريق السَويّ .. ولأدارة البلاد وضعتُ القانون ودستور العدالة .. بلسان البلاد، لتحقيق خير البشر: ولكي لا يضطهد القوي الضعيف، ولكي ترعى العدالة اليتيم والأرملة .. لأحكم البلاد بالعدالة .. ولأوّطد النظام في البلاد، ولكي امنح العدالة للمظلوم. "واصفاً نفسه بالعابد التقي الورع، الذي يُصلّي للآلهة العظام بخشوع، ويعمل على ارضائها بتجديد معابدها وتقديم النذور إليها .. بوصفه المخلّص لسكان بلاد الرافدين من الظلم والأضطهاد .. وإنه جاء لينشر الحق والخير لهم، ويرسل النور الى بلاد سومر واكد" (الاعظمي، 1990، ص 140).

قسمَّ المختصون المواد القانونية للشريعة وعددها (282) مادة قانونية، الى عدد من الابواب، التي تفرعت بدورها الى عدة أقسام .. تناولت شتى شؤون الحياة .. واهمها الباب الذي يهتم بالاحوال الشخصية .. الذي تميزت قوانينه بنزعة إنسانية عظيمة في معالجة اشكالات المشاكل الشخصية للأفراد.

أما خاتمة المسلة فقد كتبت باسلوب شبيه باسلوب سرد المواد القانونية .. واشارَ الملك حمورابي فيها: الى قوانينهِ العادلة التي وضعها للناس .. وصفاتهِ النبيلة ومؤهلاتهِ في توحيد البلاد، لجعل سكان بلاد الرافدين ينعمون بالصفاء والهناء.

في مثل هذا الزمن السعيد، الذي سادته العدالة والقيم الأجتماعية النبيلة، الأمر الذي فعّلَ خاصية ازدهار الثقافة، والأهتمام بالفن بوصفه الظاهرة الأكثر تقديراً في حركة الفهم الأجتماعي. إذ ان الجهود الفائقة التي بذلها الفنانون البابليون، والتشجيع والمشاركة الاجتماعية التي ابداها شعب (حمورابي) تقديراً لاعمالهم. ففي ذلك كامل التعبير عن موقف من التكيف والتوافق بين الفنانين ومجتمعهم، لتجسيد قيم وافكار: تتفق مع الطابع الانساني المتقدم للقوانين التي حكمت البلاد.

ولعل ذلك يبرر أزدهار الفنون التشكيلية، ونشاط حركة واسعة في التدوين والتأليف والنقل والترجمة .. وفي مقدمتها تدوين العلوم والمعارف التي كانت في طور نضجها، فبفعل رُقي الثقافة البابلية اتجه المختصون الى تدوين المآثر الأدبية السومرية العظيمة واهمها ملحمة كلكامش، بسبب شعورهم بسير الأدب السومري الى الأنقراض.

وبغية تعريف المصطلحات السومرية .. ووضع مرادفات لها باللغة البابلية .. اهتم ادباء وكتبة العصر البابلي القديم: بتأليف نصوص لغوية، بعضها على هيئة معاجم لشرح (العلامات) من ناحية قيمها الصوتية .. وايراد مرادفاتها البابلية .. كما شرحوا قواعد مهمة في (نحو) اللغة السومرية وما يضاهيها من التراكيب اللغوية البابلية. وامتدت حركة التأليف الناشطة بتأليف معاجم عن اسماء الحيوانات والنباتات والاشياء الأخرى. فقد كان عصر الملك العظيم (حمورابي) هو العصر المميز في ازدهار حضارة بلاد الرافدين، التي اضاء نورها الوهاج عتمة التاريخ الانساني، بالمزيد من الابداعات الحضارية.

 

أ. د. زهير صاحب

أستاذ تاريخ الفن - كلية الفنون الجميلة – بغداد

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا جزيلاا

زينب
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2936 المصادف: 2014-09-19 00:46:18