 مقاربات فنية وحضارية

مدينة الزهراء الاندلسية تبعث من جديد

khadom shamhodفي سنة 936 م ظهرت مدينة الزهراء في قرطبة في حضن جبل العروس الذي يبعد حوالي ثلاثة اميال شمال غرب قرطبة وقد شيدث المدينة على غرار مدن سامراء وبغداد،، وقد امر عبد الرحمن الناصر (الثالث) 300-350 هجرية - ببنائها واشرف ابنه الحكم بنفسه على البناء، وقد استعانوا بمهندسين وصناع قدموا من بغداد ودمشق وقسطنطينية . ودام العمل ببناء قصورها ومرافقها الاخرى 15 سنة وقيل في مصدر آخر اربعين سنة واشتغل فيها عشرة آلاف رجل وكان من قصورها الفخمة والخيالية المسمى- المؤنس -

وجلبت اليها الفسيفساء المزجج من بيزنطة والرخام من اليونان وروما وقرطاجنة. كما زينت بالمنحوتات الجميلة .. وكان لهذه المدينة قصة جميلة ينقلها بعض المؤرخون. حيث قيل ان الزهراء كانت جارية جميله احبها الناصر حبا جنونيا وانه سمى المدينة باسمها الزهراء ووضع في مدخل المدينة تمثالا لها . وقيل غير ذلك . وتعد مدينة الزهراء من اكثر المدن الاندلسية التي تغنى المؤرخون بكنوزها المعمارية والفنية . وانها ليس لها مثيل في العالم.

648-khadom

و قد ذكر المقري في كتابه - نفح الطيب – الاعداد الكبيرة التي شاركت في البناء والتي وصلت الى آلاف العمال ما بين عامل وبناء ونقاش ونجار وصاحب حرفة ومهندس ومشرف كلها شاركت في بناء مرافقها من قصور وقاعات ومجالس وملاحق وغيرها .. وقد كشفت اسماء النقاشين والمهندسين والمزخرفين منقوشة على تيجان وقواعد اعمدة القاعات الرئيسية والمجالس بالمدينة .. وقد ذكر لنا المقري بعض اسماء المهندسين الذين ساهموا في بناء المدينة منهم حسن بن جعفر الاسكندراني واخوه علي بن جعفر الاسكندراني ويبدو انهما من مصر الفاطمية (...) .. كما ذكر المؤرخ ابن حيان وكان معاصرا للناصر ان عدد السواري كانت قبل الاكتمال 4310 منها 310 احضرت من افريقيا و19 من القسطنطينية و140 هدية من ملك الروم .. كما يذكر ان المياه جلبت الى المدينة من الجبال المحيطة بها وعملت لها مواسير من الرصاص (انابيب) توزع على جميع مرافق المدينة وهي طريقة لاول مرة تبتكر في العالم في ذلك الوقت ...

وكان من عادت الملوك والشعوب انذاك عندما يقومون ببناء القصورا او المعابد او المدن، فانهم يتوجون شطر تلك المدن والقصور السابقة التي هدمت او احرقت او تركت واهملت فياخذون ما بها من كنوز اثرية من اعمدة وتيجان وبلاطات واحجار وغيرها ويبنون بها مدنا جديدة .. ولهذا كانت الآثار السابقة غير معتبرة او محترمة وكانت عرضة للنهب والسلب. وكان للمعتقدات الدينية والتطرف دورا في التخريب والتهديم ..

 

وبعد وفات الحكم بن عبد الرحمن سيطر – الحاجب - المنصور محمد بن ابي عامر على مقاليد السلطة والخلافة ونقل مركز حكمه من الزهراء الى مدينة اخرى شيدها هو سماها – الزاهرة – وتقع على مقربة من قرطبة من ناحية الشرق .. وبعد وفاة المنصور في نهاية القرن الرابع الهجري اندلعت ثورات البربر فاقتحموا الزهراء عام 1010 م ونهبت وهدمت صروحها الضخمة وحرقت وحولت الى ركام .. ويذكر ان الاصوليين البربر القادمون من الصحراء اعتبروا ذلك خارج عن الاسلام وانه بدع وترف .. ويبدو ان التطرف يظهر في كل عصر وزمان. وقد ظهروا اليوم على طريقة الاسلاف ولكن اكثر ظلامية وتطرفا وانغلاقا، فيهدمون المقامات والمساجد والمعابد والآثار التاريخية ويبيعون النساء والاطفال ويقتلون كل من خالفهم ...

ومنذ ذلك الحين اختفت الزهراء من الذاكرة حتى القرن العشرين والتنقيبات الحديثة .. وفي عام 1910 بدا علماء الآثار الاسبان ينقبون في اطلال الزهراء وبدا الاهتمام باعادة هيكلية المدينة وتشييدها من جديد على مساحة واسعة تمتد 1518 مترا من الشرق الى الغرب و750 مترا من الشمال الى الجنوب على منحدر جبل العروس وقد تم اكتشاف مواقع القصر الخليفي والمقام الخاص وكذلك مساكن الحاشية والحرس ومجموعة اخرى من الابهاء التي قد تكون لاستقبال السفراء والشخصيات الملوكية وايضا اكتشف المسجد ... ويذكر ان ملك ليون اردونيو المخلوع - 962 م - جاء الى مدينة الزهراء وكان فيها الحكم بن عبد الحمن لطلب المساعدة . وقد استجيب له وقد شاهدت ذلك المقطع على شكل فيديو تمثيلي في متحف المدينة .. وخلال التنقيبات الحديثة ايضا تم اكتشاف مجموعة من القطع الرخامية فيها صور آدمية وحيوانية نصف عارية شديدة البروز ومنها تمثالين لفرس وماعز . وتيجان اعمدة ونقوش زخرفية متنوعة على حجر الرخام والاعمدة والالواح والاحواض الرخامية ومئات القطع والاواني الزخرفية وكذلك خطوط عربية كوفية الطراز. وقد نقل معظم هذه الآثار الى متاحف مدينة قرطبة

زرت المدينة قبل فترة قليلة وتجولت في مرافقها وشوارعها وقصورها وشاهدت ان الاعمال جارية من قبل علماء اللآثار والمسؤلين المحليين لاعادة ترميم واصلاح المدينة القديمة وما تلف منها قدر الامكان . كما شاهدت في مدخل المدينة متحفا حديثا يضم مجموعة من الآثار المكتشفة في مدينة الزهراء .. غير ان المتحف يقع تحت سطح الارض بحيث لم يرى الا من خلال المرشد .. وعندما سألت عن السبب قال لي المشرف على المتحف: اننا لا نريد ان نشوه ونحجب المنظر العام الجميل الذي يحيط بمدينة الزهراء ...

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3061 المصادف: 2015-01-22 00:44:18


Share on Myspace