 مقاربات فنية وحضارية

خيول (عماد الطائي) الجامحة .. صياغة الواقع بعين المتخيل

mohsen aldahabiمن الاسماء الشابه التي فرضت وجودها على المشهد التشكيلي العراقي يبرز اسم الفنان المغترب (عماد الطائي) من مواليد بغداد عام 1973، كواحد من الشباب الذين يحاولون بجهد واضح ان يطرحوا مفهوم وتجربة جديدة بتميزها كي تضيف الى رصيد المشهد التشكيلي شيء .

لقد عرف الفنان مذ تخرجه من أكاديمية الفنون الجميلة في عام 1996 وعمله في تدريس الرسم بمعهد الفنون الجميلة . بتأثره بالاجواء الواقعية والرموز الشرقية والبغدادية واشتغاله على جمالية المرأة والخيول،دون ان يخفي تأثره الواضح بنهج رواد التشكيل العراقي من امثال فائق حسن وسعد الطائي .

لكننا نحاول الان ان نرصد اخر التطورات الاسلوبية في اعماله، اذ اعتمد فيه على التجريد الشكلي للمفردات في بناء تجديدي لتجربته التشكيلية والتي ترسخت بشكل واضح مذ اقام في العاصمة الاردنية عمان معرضه الشخصي الذي حمل عنوان “عتيق” والذي أقترح فيه إحالات بصرية جديدة لموضوعة واحدة هي الخيول كمفرده وحيده . ثم ما تلاه من معارض ومشاركات دولية في العديد من بلدان العالم . متجاوزا باسلوبه اعماله السابقة التي اعتمدت تجسيد الواقع ونقله بشكل تصويري دقيق.

وهنا لا يمكن ان لا نهمل التأثير النسقي وتطابقة مع الواقع، فالعمل الفني عنده مبني اساسا على كونه نتاج ارادة واعية في الصياغة والتكوين البنائي العام للوحة متاتيا من نمط ادرك ابداعي مرتكز على مخزون المدرسة الواقعية التي بدأ بها مشواره الفني حتى وصل بها مراحل متقدمة من الاتقان الحرفي والسيطرة اللونية حتى عرف باسلوبيته المتميزة عن كل اقرانه.

78-emadaltai

لكن اعماله الاخيرة ماهي الا محاوله لفتح افق جديدة امام منجزه الفني والجمالي في توظيف مضمونية الشكل الواقعي في خدمة الخطاب التأويلي والجمالي عبر دراسة المفردات اليومية المؤلفة للمحيط الانساني وما يدور في فلكها من اشياء . فهو يمازج في اعماله بين الثيم حد الاختلاط والذوبان تاركا للفراغ بعدا ايحائي يشكل اللون فيه سطوة السطوع من اجل ايجاد التوازن والتوافق التكويني وخلق المعنى الاشاري للرموز الشيئي المتراكم والمتداخل والذي يتحول الى ارتسامات باطنية ذات طابع جمالي سيكولوجي يستوحي علامات خارجية ويعيد صياغتها وفق نسق فكري انساني واضح المعالم .فهو يقوم بعملية تفكيك منتظم وواعي للعناصر المكونه للموضوع الى اجزاء ويذيبها في البناء الشكلي للوحة،

فهو اذن لم يحاول التخلص من جذره الواقعي في البنية التصويرية بتهشيم الملامح الخارجية فحسب بل يحاول ان يعيد بناء المفردات التشكيلية وفق نمط اخر مغاير للواقع، كما انه في الوقت ذاته لا يرتمي في حضن التجريد المجاني للاشياء بل يحاول جاهدا ان يعيد صياغة الواقع المتخيل لابراز الهم الانساني ومعالجة همومه بشكل يبتعد عن مباشرة الواقعية والتشخيص التفصيلي، مرتكزا الى التشخيص الرمزي التفاعلي المتراكم بتركيبات شكلية لخلق الصورة الموحية ذات المداليل المتعددة عبر ايجاد مجموعة من العلاقات بين مختلف عناصر التكوين وربطها بمفهوم تكاملي، قد يكون غير معقلن في بعض الاحيان لكنه بالتأكيد منظم بشكل قصدي ويرتكز على مرتكزين اساسيين الاول هو النصية التي تمثل العوالم الداخلي للمبدع بخطابة الجمالي عبر اللون وخلق واعادة تركيب الانساق المصغرة كمفردات مكونه للعمل الفني حيث يتجسد الوعي داخل الشكل واللون اذ يندمج في حالة نوعية فاللون الاحمر مثلا والذي يغرق مساحات واسعة من لوحاته يحمل خصوصية حرارة اللون وكمونه البصري (كلون مسيطر) ويحاور ما جاوره من اللوان ليعطيها بعدا تمثيلي ورمزي اكثر ايضاحا للقصدية التي تحدثنا عنها، اما المرتكز الاخر فهو البعد الخارجي الذي يجسد ويستوعب الخطاب النقدي الذي يريد الفنان طرحه فكريا والمستوحاة من اصول متعددة يختزلها في اطار تفاعل قصدي فاعل وديناميكي، عبر نزعة تصويرية تتسم بالتجريد وان غلفها في بعض الاحيان بغموض من نوع خاص، وباسلوب يتيح للخيال اقصى درجات الحرية واعادة تشكيل الاشياء وفق منطلق العقل الباطن وبتراكيب متداخلة لخلق عالم اخر بمنظور يجمع بين عالم الواقع ويتجاوزة الى ما يمكن ان نسمية (ما بعد الواقع) .لا شك أن مداليل الفراغ وجوهرة عند الفنان هي مداليل ديناميكية تحاول تنشيط عملية التاويلية للمتلقي حيث يترك الفنان العنان للطاقة الذاتية للنعتاق في التعبير التلقائي ومحاولة اسقاطها على الواقع الخارجي بنزعة احتجاجيه واضحة تبرز ما يتعرض له الانسان من معاناة . فهو احد المبدعين الذين يريدون ان يكونوا واعين بفنهم مساهمين قدر المستطاع في رفع الاستلاب عن الانسان فما وظيفة الفن عنده الا الكشف عن دلالته المتمردة.

فهو في الوقت الذي يلجا إلى الواقع المجرد هاربا منه محتميا من عنفه واختلافه، وتشظيه، الى غرائبية وقائعية تتنوع على مستوى المضامين وبرصد ذكي للواقع الممتليء بالمتناقضات والفواجع من أجل البحث عن الإنسان المفتقد لهويته والمسلوب الإرادة هائما على وجهه يبحث عن ذاته المغتربة كفنان وانسان مبدع فاغلب تشخيصات الفنان تبدوا عاجزة عن ادراك هذا الواقع كشيء متكامل ونهائي في التعبير الفني لذا فهو يهرب الى الرمز ليعبر عن الواقع الفاعل والمؤثر في المجتمع .

إن اعماله تعبر عن موقف ورؤية من ما يحدث في هذا العالم،انها كما يبدوا رغبة الوعي النقدي لديه والتي تدفعه نحو مزيدا من الابتكار الموضوعي لرؤى مغايرة ومختلفة في مصدرها ومرجعيتها لخلق النص التشكيلي غير المألوف فقد كان من إيجابيات هذا الاسلوب الذي استخدمه أنه استطاع وبوعي أن يحاصر المنهج النصوصي الشكل ذي النزعة الظاهرية ليطورة بعيداعن الشكلانية والقراءة الحرفية الجامدة للشكل والواقع،عبر حرفية دمجت التشبيه والتجسيم باجواء اللوحة التجريدية كما أدخلت السطح المؤثر والتفكيك القيمي إلى جسد اللوحة بشكل لافت ومميز .

 

محسن الذهبي

ناقد تشكيلي عراقي مقيم في بريطانيا

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3104 المصادف: 2015-03-06 22:31:20