 مقاربات فنية وحضارية

فضاءات المعمار المجروح

adil merdanإحدى اللوحات، سأسمّيها، لوحة الليل. إذ يؤرخ رسامها، لعالم مدينته المعماريّ المتهالك. الأخضر الغامق العميق، يلائم أجواء الليل. حيث تنام الخرائب، وقد خففت العتمة، من فداحة الأبنية العتيقة، التي تقاوم الزمن. اللون الغامق ينيره أحياناً، الأبيض، والبنفسجي، والبرتقالي، على شكل أبواب، وكوّات، وواجهات أحياناً، للترويح والإنارة، وبعض اللمسات العابرة، باللون نفسه. السماء ملبّدة، فزادها الظلام عتمة. العيون تكتشفُ البيوت الغابرة، بعدما أنهكها، عبث الحروب. ليس للرسام، إلاّ هذه الأرخنة الشاقة، وهي ذاكرة توثيق، مشاعر المعمار المجروح. مدينة مبتلاة، تحاول الخلاص، من رتابة القنوط، والأسى.

***

تبحث العين، في دهاليز المكان، الآيل للسقوط. إذ يفعل الحذف، فعله الرشيق. الاختصار هو الاكتفاء، بواجهة معماريّة، بدلاً من تلاصق، الأبنية المنهوكة. بابٌ مخلّع بالأبيض، أو لونٌ غامق، أعماقه فضاءٌ مكلّلٌ بالسواد. بينما يتجاور، البنيّ الفاتح، والمحمرّ، والأخفُّ حمرةً، مع الأسود.

***

هنا أنساق العتمة، والتكرار. لكنّ الحيطان أكثر شفافية، وكأنّ سكان المكان، أضافوا شرط النشاط الفكريّ، الذي أنعتهُ، بـ(المرح يجابه الفجيعة). حدّة وسطوة، فمحاولة الابتعاد، عن تكرار الأنساق الأولى، ضرورة ملحة. أدقُّ ما يفعلهُ، الفنان (حسن فالح)، في لوحاته الجديدة، هو تشفيف الجدران، والسطوح المعتمة، بخطوط موحية، وأليفة. إنّهُ الأمل، في إعادة ترميم، واستنهاض، ذلك المعمار، بتلك الكوّات الساطعة. كأنّها نافذةٌ، تُطلُّ على عالمٍ آخر. وهي فضاءات مفترضة، لمدينة الحلم.

***

أحياناً تتداخل الجدران، لتذوب منصهرة، في فضاء التجريد التعبيريّ. يختفي كلّ حضور، للعمارة، التي تشخصنت، دون حضور المكين. فما تبقى هو الأثر. مسرحة حاذقة، لألعاب البنية الهندسيّة، وهي معمار المدينة، المتبقي من طرز الشناشيل. واقية الشباك المعتمة، تتكرّر دائماً، في أغلب الأعمال.

***

الأمل، وقد تحدثتُ عنهُ، يطغى على طوبولوجيا، اللوحة ما قبل الأخيرة. لكنّ المضاف هنا، تلك النافورة البيضاء، المرتفعة إلى الأعلى. (قد تكون شجرةً، أو تكوينا متبخراً، أو كائناً خرافيّاً يتسلّق). وتلك النافورة البيضاء، هي واحدة، من ألعاب الخيال، والفنتازيا.

***

أما اللوحة الأخيرة، فأترك أعينكم تتأملها. استنارة باذخة، وهي جوهرة الرسام، في معمار مدينته المؤجّل.

عادل مردان

 

1323 adil

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر الشاعر عادل مردان
ودّاً ودا
كأن هذه الفضاءآت تشكيل مُـوازٍ باللغة أو نقل لروح اللوحات بالكلمات .
هذا النص يثبت بالملموس ان الشاعر شقيق الرسام إبداعياً .
دمت في صحة وإبداع والتحية موصولة الى الفنان المبدع حسن فالح .

جمال مصطفى
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3984 المصادف: 2017-08-02 05:17:35


Share on Myspace