 مقاربات فنية وحضارية

تابيس بين العلمانية والروحانية (1)

كاظم شمهودقرأت كتابا معتبرا عن حياة الفنان انتونيو تابيس يدعى (الفلسفة الجمالية عند انتونيو تابيس) للمؤلف لويس غونثالث وقد ترجمت هذا الكتاب الى العربي وسانشر منه باذن الله بعض المحاور المهمة فيه مع التعليقات للفائدة .. ويعتبر تابيس واحد من اهم الفنانين العالميين في الفن اللاشكلي في القرن العشرين، وقد سجلت اعماله حضورا مميزا في متاحف وكالريات العالم وكذلك تأثيراته على الفنانين وخاصة الشباب ومنهم الرواد العرب . واليوم تحتفل مؤسسة تابيس بنخبة ممتازة من اعماله في متحف دائم يفده يوميا مئات الزوار من مختلف الاجناس . المؤسسة انشأت عام 1990 في برشلونة وقد زرتها عدة مرات ..

البدايات:

ولد تابيس في برشلونه عام 1923، ويذكر انه لما كان عمره 18 سنة مرض فدخل المستشفى بين اعوام 1942 و 1943، وهناك اخذ يرسم ويخطط ويستنسخ اعمال فان كوخ وبيكاسو ويقرأ كتب عن فلسفة نيتشة وتوماس مان ووابسن وبعض كتب الرهبان الصوفية .. وفي عام 1943 دخل كلية الحقوق لكنه لم يكملها ثم دخل مدرسة الفنون وايضا لم يكملها وحسب قوله انه لا يعجبه تقاليد التدريس فيها خاصة الاسلوب الاكاديمي ويتبرها ضياع للوقت، فتركها عام 1946.

في عام 1948 كان تابيس احد مؤسسي مجلة Dau al Set في برشلونة وهي مجلة ذات خط وفكر سريالي ودادائي ويساري وكان مؤسسها الشاعر الكاتالاني Joan Brossa ولهذا كانت بدايات تابيس الطلائعية هو تأثره بالمدرسة السريالية، ولم يستمر طويلا مع هذه الجماعة والمجلة، حيث سافر الى باريس بمنحة دراسية من الحكومة الفرنسية عام 1950 . ومن ذلك الحين تأثر تابيس بالاجواء الفنية الجديدة في باريس فاصبح بعد ذلك واحد من اهم الفنانين اللاشكليين ..

353 انتونيو تابيس

الحركة اللاشكلية:

يذكر ان الحركة ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية كرد فعل للدمار الذي خلفته الحرب على الانسان، وتعبر عن ذلك باسلوب مفاهيمي تجريدي متشائم ويجعل من الفكرة متعالية على الاسلوب ..، كما تأثرت الحركة بالفلسفة الوجودية وبالمدرسة التجريدية . وانتشرت هذه المدرسة في اوربا ابتداءا من عام 1950، وكان العنصر الرئيسي في تقنياتها هي المادة الحية المستهلكة ، او ما يسمى بالتصوير المادي، وفيها يستخدم مواد حية ومباشرة على سطح اللوحة مثل مادة الخشب والحبال وخرق القماش والصفائح المعدنية والجص ومسحوق المرمر وغيرها .. ويسمي ايضا بعض النقاد هذا الاسلوب بالاسلوب الوحشي .. واشتهر تابيس بهذا الاسلوب وكذلك دوبوفيه وفاوترير وميارس . Dubuffet، Fautrier، Michaux، Riopelle، Mathieu، Millares وغيرهم ويعتبر ميارس الاسباني (كنارياس) من اكثر الفنانين في استخدام هذه التقنية وقد اثر على بعض الفنانين المغاربة خاصة مكية مغارة وقد زرت المغرب في مطلع التسعينات والتقيت مع عدد من الفنانين منهم محمد السرغيني ومكية مغارة واطلعت على اعمالهم ...

يقول المفكر الايطالي Umbert Eco (ان الحركة اللاشكلية تبحث عن نقطة التقاء بين الفن والمتلقي داخل اطار الفكر المفاهيمي..) ويقول تابيس (انا اعتقد ان العمل الفني يجب ان يترك حيرة في المتلقي وان يثير فيه التأمل ..) وهذه الاقوال تنسجم مع رأي زعيم السريالية الشاعر اندريه بريتون عندما اشار الى ان عرض تمثال في وضع طبيعي لا يثير الدهشة بينما لو حفرت حفرة ووضعته بشكل مقلوب، حيتئذ سيثير الدهشة والتأمل ..

في عام 1970 تأثر تابيس بفن البوب أرت حيث بدأ يستخدم مواد مستهلكة بعضها يشكل جزء من اثاث البيت مثل الكوانترات وعلب فارغة وصناديق كارتون وغيرها والتي تعبر عن حالة المجتمع الاستهلاكي . لكن الاختلاف بين تابيس وجماعة البوب آرت هو يتمثل في البعد الفكري المفاهيمي حيث ان تابيس يغرق اعماله بالرموز الغامضة والتي يصعب فهمها فيترك المتلقي في بحر من التأويلات ..بعض النقاد يذكر ان تابيس قد اعاد التقييم والتجديد لحركة البوب ارت بحيث منحها معاني فلسفية وجمالية ابعد من مظاهرها الخارجية ...

يقول تابيس (الفن هو عبارة عن مصدر للمعرفة والفلسفة فاذا الاشكال لم تستطع لمس جرح المجتمع واثارتة وامالته الى التأمل ... فهو ليس بفن) . رغم ان الفنان الفرنسي دوجامب اكد على انه (لا يمكن الثقة بكلمات الفنان) لان الحياة في تقلب وتغير وتطور سريع حيث الاختراعات والاكتشافات على قدم وساق وبالتالي ليس هناك شى ثابت بل كل شى يتغير، و يسري ذلك ايضا على الفن والفنانين ... وهذا يذكرنا بقول لسيزان حيث يخاطب احد اصدقاءه انظر الى الطبيعة (كل ما نراه يتشتت ويختفي ، والطبيعة هي ما هي عليه، ولكن لا شى يتبقى منها، لا شى مما نراه) هذا القول يشعرنا بالفكر والفلسفة الواسعة لسيزان . ..

من اعمال تابيس المفاهيمية . باب دكان حديدي علقت علية آلة موسيقية (كمان) ، فعندما يتحرك الباب اثناء الفتح والاغلاق يبعث اصوات موسيقية لهذا جاء تعليق هذه الالة عليه تعبيرا لهذا المعنى، نفذ العمل عام 1956 . . تحياتي

 

د. كاظم شمهود

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4402 المصادف: 2018-09-24 02:25:24


Share on Myspace